Полный текст (211 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
نَحْو ضربوا أَو إضربوا وَلم يضْربُوا إِلَّا جمع اسْم كأولو الْفضل وضاربو زيد وَفعل مفردك يَدْعُو وبمائة وَمِائَتَيْنِ وَزيد وأوفى أولو وَأولَات وَأُولَئِكَ وَفِي عَمْرو لَا مَنْصُوبًا بل مَرْفُوعا أَو مجرورا فرقا بَينه وَبَين عمر واستغني عَنْهَا فِي النصب لكتابته بِالْألف دونه وحذفت تَخْفِيفًا ألف الله وإله مُفردا أَو مُضَافا والرحمن مُعَرفا بِاللَّامِ لَا مُضَافا
وكل علم فَوق ثلاثي عَرَبيا أَو عجميا كصالح وَمَالك وَإِبْرَاهِيم واسحق مَا لم يلتبس أَو يحذف مِنْهُ شَيْء فَإِن الْتبس كعامر يلتبس بعمر أَو حذف مِنْهُ شَيْء كإسرائيل وَدَاوُد حذف يَاء الأول وواو الثَّانِي لم تحذف الْألف للإلتباس فِي الأول وإجحاف فِي الثَّانِي وَذَلِكَ وثلثين وثلثمائة وَلَكِن مخففا ومشددا وياء إِسْرَائِيل لِاجْتِمَاع اليائين وَإِحْدَى واوين ضم أَولهمَا كداود وَلَام مَوْصُول غير مثنى وَهُوَ اللَّذَان واللتان لِئَلَّا يلتبس صِيغَة الْمُذكر بِالْيَاءِ بِصِيغَة جمعه وَحمل عَلَيْهِ ذُو الْألف والمؤنث الْألف تكْتب يَاء حَال كَونهَا رَابِعَة فَصَاعِدا فِي اسْم أَو فعل سَوَاء كَانَت عَن يَاء أَو وَاو كمصطفى ويصطفي وزكى ومزكي لَا تلو يَاء كالدنيا حذرا من اجْتِمَاعهمَا أَو ثَالِثَة مَقْلُوبَة عَنْهَا كفتى وسعى أَو مَجْهُولَة أميلت كمتى وَإِلَّا ألفا أَي وَإِن كَانَت ثَالِثَة عَن وَاو أَو مَجْهُولَة لم تمل كتبت بهَا كعصا وخلا ولدا
وكل الْحُرُوف تكْتب بهَا أَي بِالْألف إِلَّا بلَى وَإِلَى وَحَتَّى وعَلى غير مَوْصُولَة بِمَا الإستفهامية وَلَا يُقَاس خطّ الْمُصحف لِأَنَّهُ يتبع فِيهِ مَا وجد فِي الْمُصحف الإِمَام وَقد كتبت فِيهِ نعمت وسنت فِي مَوَاضِع بِالتَّاءِ وَبعد وَاو الْفِعْل الْمُفْرد وَجمع الِاسْم ألف وَفِيه كتب مؤلفة وَقد عقدت لَهُ فِي التحبير بَابا حررته وهذبته بِمَا لم أسبق إِلَيْهِ ثمَّ جردته فِي كراسة سميتها مكتب الأقران فِي كتب الْقُرْآن
وَلَا يُقَاس خطّ الْعرُوض لِأَن التَّنْوِين يكْتب نونا فِيهِ ورويه إِذا كَانَ ألفا ممدودة بِأَلفَيْنِ نَحْو لما رَأَتْ فِي ظَهْري إنحناء وَهَاتَانِ الجملتان اشْتهر استثناؤهما من قَول ابْن درسْتوَيْه خطان لَا يقاسان خطّ الْمُصحف وَالْعرُوض وتنقط
стр. 107
هَاء رَحْمَة خلافًا لأهل الْأَدَب وَمِنْهُم الحريري حَيْثُ أتوابها فِيمَا التزموا عروه عَن حرف منقوط وتنقط الشين بِثَلَاث خلافًا لمن نقطها بِوَاحِدَة وَقَالَ الْمَقْصُود حَاصِل بهَا من الْفرق بَينهَا وَبَين السِّين وتنقط الْفَاء وَالْقَاف وَالنُّون وَالْيَاء موصولات فَقَط أَي لَا مفصولات لِأَنَّهُ لرفع اللّبْس وَإِنَّمَا يحصل عِنْد الْوَصْل لَا الْفَصْل لعدم حرف يشاكلها أما سَائِر الْحُرُوف الْمُعْجَمَة فتنقط مَوْصُولَة ومفصولة
وينقط كل مهمل إِلَّا الْحَاء أَسْفَل مُبَالغَة فِي الْإِيضَاح وَدفع توهم السَّهْو عَن النقط أما الْحَاء فَلَو نقطت أَسْفَل إلتبست بِالْجِيم أَو يكْتب تَحْتَهُ حرف صَغِير مثله حَتَّى الْحَاء وَهُوَ أحسن وأوضح وَيشكل مَا قد يخفي وَلَو على الْمُبْتَدِي إيضاحا لَهُ لَا مَا لَا يخفي كالفتح قبل الْألف وَقيل لَا يشكل إِلَّا الْمُشكل وَيكرهُ الْخط الدَّقِيق نهى عَن ذَلِك جمَاعَة من السّلف لِأَنَّهُ يخون صَاحبه أحْوج مَا يكون إِلَيْهِ أَي عِنْد الْكبر المحوج إِلَى الْمُرَاجَعَة فَهُوَ مَظَنَّة ضعف الْبَصَر إِلَّا لضيق رق أَو رحْلَة بِأَن يكون رحالا يحمل كتبه مَعَه فليكتبها دقيقة ليخف حملهَا وَهَذِه الْمَسْأَلَة ذكرهَا أهل الحَدِيث فنقلتها إِلَى هُنَا لِأَنَّهُ أنسب بِمَا قبله من النقط والشكل الْمَذْكُور فِي علم الْخط والْحَدِيث أَيْضا
علم الْمعَانِي
علم يعرف بِهِ أَحْوَال اللَّفْظ الْعَرَبِيّ الَّتِي بهَا أَي بِتِلْكَ الْأَحْوَال يُطَابق اللَّفْظ مُقْتَضى الْحَال وَهُوَ الِاعْتِبَار الْمُنَاسب للمقام إِذْ البلاغة الْمَوْضُوع فِيهَا هَذَا الْعلم وَمَا بعده مُطَابقَة الْكَلَام الفصيح لمقْتَضى الْحَال من الْإِتْيَان بِكُل من التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير وَالذكر والحذف والتعريف والتنكير وَنَحْوهَا فِي مقَامه الْمُنَاسب لَهُ وَهِي الْأَحْوَال الْمَذْكُورَة وَبِذَلِك تخرج سَائِر عُلُوم الْعَرَبيَّة
وبقولنا بهَا أَي لَا بغَيْرهَا يخرج الْبَيَان والبديع إِذْ يعْتَبر فيهمَا أُمُور زَائِدَة ثمَّ هَذَا الْعلم منحصر فِي ثَمَانِيَة أَبْوَاب أَحْوَال الْإِسْنَاد والمسند إِلَيْهِ والمسند ومتعلقات الْفِعْل وَالْقصر والإنشاء والوصل والفصل والإيجاز والإطناب
стр. 108
والمساواة لِأَن الْكَلَام إِمَّا خبر أَو إنْشَاء وَالْخَبَر لَا بُد لَهُ من إِسْنَاد ومسند إِلَيْهِ ومسند وَقد تكون لَهُ متعلقات إِذا كَانَ فعلا أَو شبهه والتعلق قد يكون بقصر أَو لَا يكون وَالْجُمْلَة إِن قرنت بغَيْرهَا فَقَط تعطف وَقد لَا وَالْكَلَام البليغ إِمَّا زَائِد على أصل المُرَاد لفائدة أَو لَا فانحصر فِيهَا
стр. 109
الْبَاب الأول
الْإِسْنَاد الخبري مِنْهُ حَقِيقَة عقلية وَهِي إِسْنَاد الْفِعْل أَو مَعْنَاهُ من الْمصدر وَاسم الْفَاعِل وَاسم الْمَفْعُول وَاسم التَّفْضِيل والظرف وَالصّفة المشبهة لما هُوَ لَهُ عِنْد الْمُتَكَلّم سَوَاء طابق الْوَاقِع كَقَوْل الْمُؤمن أنبت الله البقل أم لَا كَقَوْل الْكَافِر أنبت الرّبيع البقل وَالْمرَاد بِكَوْنِهِ لَهُ عِنْد الْمُتَكَلّم فِيمَا يظْهر من حَاله وَإِن كَانَ اعْتِقَاده بِخِلَافِهِ سَوَاء طابق الْوَاقِع كَقَوْل المعتزلي لمن لَا يعرف حَاله خلق الله تَعَالَى الْأَفْعَال كلهَا أم لَا كَقَوْلِك جَاءَ زيد وَأَنت تعلم أَنه لم يَجِيء دون الْمُخَاطب ومجاز عَقْلِي وَهُوَ إِسْنَاد مَا ذكر إِلَى ملابس لَهُ بِفَتْح الْبَاء غير مأهولة من مصدر وزمان وَمَكَان وَسبب بتأول كَقَوْل الْمُؤمن أنبت الرّبيع البقل بِخِلَاف قَول الْجَاهِل ذَلِك لِأَنَّهُ إعتقاده فَلَا تَأَول فِيهِ وَمِنْه فِي الْمصدر جد جده وَفِي الْمَكَان نهر جَار وَإِنَّمَا هُوَ مجْرى فِيهِ وَفِي السَّبَب يذبح أَبْنَاءَهُم أَي يَأْمر بذبحهم وطرفاء أَي الْمسند إِلَيْهِ والمسند إِمَّا حقيقتان لغويتان كأنبت الرّبيع البقل أَو مجازان لغويان كأحيا الأَرْض شباب الزَّمَان إِذْ نِسْبَة الْإِحْيَاء والشبوبية إِلَى الأَرْض وَالزَّمَان مجَاز لِأَنَّهُمَا حَقِيقَة فِي الْحَيَوَان أَو مُخْتَلِفَانِ بِأَن يكون الْمسند حَقِيقَة والمسند إِلَيْهِ مجَازًا أَو بِالْعَكْسِ نَحْو أنبت البقل شباب الزَّمَان وَأَحْيَا الأَرْض الرّبيع وَشَرطه قرينَة صارفة عَن إِرَادَة ظَاهِرَة لِأَن الْمُتَبَادر إِلَى الذِّهْن عِنْد انتفائها الْحَقِيقَة وَهِي إِمَّا لفظية كَقَوْل أبي النَّجْم
(ميز عَنهُ قنزعا عَن قنزع ... جذب اللَّيَالِي أبطيء أَو أسرعي)
ثمَّ قَالَ
أفناه قيل الله للشمس اطلعِي أَو معنوية بِأَن يصدر مثل أنبت الرّبيع من
стр. 110
الْمُؤمن أَو يَسْتَحِيل قِيَامه من الْمَذْكُور عقلا كمحبتك جَاءَت بِي إِلَيْك أَو عَادَة كهزم الْأَمِير الْجند
ثمَّ قد يُرَاد بالْكلَام إِفَادَة الْمُخَاطب الحكم المتضمن لَهُ أَو إفادته كَونه أَي الْمُتَكَلّم عَالما بِهِ فليقتصر الْمُتَكَلّم على قدر الْحَاجة فحالي الذِّهْن من الحكم لَا يُؤَكد لَهُ لإستغنائه عَنهُ بل يلقِي إِلَيْهِ الْكَلَام خَالِيا من أَدَاة التَّأْكِيد والمتردد فِيهِ يُقَوي بمؤكد إستحسانا وَالْمُنكر لَهُ يُؤَكد بِأَكْثَرَ بِحَسب الْإِنْكَار قَالَ الله تَعَالَى حِكَايَة عَن رسل عِيسَى ﵊ إِلَى أهل إنطاكية إِذْ كذبُوا أَولا ﴿إِنَّا إِلَيْكُم مرسلون﴾ فأكد بِأَن واسمية الْجُمْلَة وَثَانِيا ﴿رَبنَا يعلم إِنَّا إِلَيْكُم لمرسلون﴾ أكد بالقسم وَإِن وَاللَّام واسمية الْجُمْلَة لمبالغة المخاطبين فِي الْإِنْكَار
فَالْأول ابتدائي وَالثَّانِي طلبي وَالثَّالِث إنكاري أَي يُسمى كل من المقامات بذلك وَقد يَجْعَل الْمُنكر كَغَيْرِهِ فَلَا يُؤَكد لَهُ لداع مَعَه لَو تَأمله ارتدع عَن إِنْكَاره كَقَوْلِك لمنكر الْإِسْلَام حق بِلَا تَأْكِيد لِأَن مَعَه دَلَائِل دَالَّة على حَقِيقَة الْإِسْلَام وَعَكسه أَي يَجْعَل غير الْمُنكر كالمنكر فيؤكد لَهُ لظُهُور إِمَارَة للإنكار عَلَيْهِ كَقَوْلِه
(جَاءَ شَقِيق عارضا رمحه ... إِن بني عمك فيهم رماح)
أكدوا إِن لَا يُنكر أَن فِي بني عَمه رماحا لَكِن لما جَاءَ وَاضِعا رمحه على الْعرض من غير الْتِفَات وَلَا تهيؤ فَكَأَنَّهُ اعْتقد أَنهم عزل لَا سلَاح لَهُم فَنزل منزلَة الْمُنكر وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿ثمَّ إِنَّكُم بعد ذَلِك لميتون ثمَّ إِنَّكُم يَوْم الْقِيَامَة تبعثون﴾ زيد فِي تَأْكِيد الْمَوْت بِاللَّامِ وَإِن كَانُوا لَا ينكرونه لِأَن من اعْتقد حقيته فَشَأْنه الاستعداد لَهُ فَلَمَّا لم يستعدوا لَهُ بِالْإِسْلَامِ فكأنهم ينكرونه وَتركت من الْبَعْث وَإِن أنكروه لتقدم مَا دلّ على حقيته قطعا فِي آيَات خلق الْإِنْسَان إِذا الْقَادِر على الْإِنْشَاء قَادر على الْإِعَادَة فَلَو تأملوا ذَلِك لم ينكروه
стр. 111
الْبَاب الثَّانِي
الْمسند إِلَيْهِ
الْمسند إِلَيْهِ حذفه لظُهُوره بِدلَالَة الْقَرِينَة عَلَيْهِ كَقَوْلِه
(قَالَ لي كَيفَ أَنْت قلت عليل ... )
لم يقل أَنا عليل لذَلِك أَو اختبار تنبه السَّامع هَل يتَنَبَّه أم لَا أَو اختبار قدره أَي قدر تنبهه هَل يتَنَبَّه بالقرائن الْخفية أم لَا أَو صون لسَانك عَن ذكره تحقيرا لَهُ أَو صونه عَن لسَانك تَعْظِيمًا لَهُ أَو تيَسّر الْإِنْكَار عِنْد الْحَاجة نَحْو فَاسق زَان أَي زيد ليتأتى أَن تَقول مَا أردته بل غَيره أَو تعينه بِأَن لَا يصلح لذَلِك الْفِعْل سواهُ نَحْو ﴿فعال لما يُرِيد﴾ خَالق لما يَشَاء أَي الله وَذكره للْأَصْل وَلَا مُقْتَضى للعدول عَنهُ أَو ضعف الْقَرِينَة فيحتاط أَو النداء على غباوة السَّامع بِأَنَّهُ لَا يفهم إِلَّا بالتصريح أَو زِيَادَة الْإِيضَاح كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ على هدى من رَبهم وَأُولَئِكَ هم المفلحون﴾ أَو رفْعَة لكَون اسْمه يدل عَلَيْهَا نَحْو أَمِير الْمُؤمنِينَ حَاضر أَو إهانة لكَون اسْمه يدل عَلَيْهَا نَحْو السَّارِق اللَّئِيم حَاضر أَو تبرك بِذكرِهِ نَحْو رَسُول الله ﷺ قَائِل هَذَا القَوْل أَو تلذذ بِهِ نَحْو الحبيب حَاضر وتعريفه بإضمار لمقام التَّكَلُّم وَنَحْوه أَي الْخطاب والغيبة أَي لِأَن الْمقَام لأحدها فَيُؤتى بِهِ كَقَوْلِه
(أَنا الَّذِي نظر الْأَعْمَى إِلَى أدبي ... )
стр. 112
وَقَوله وَأَنت الَّذِي أخلفتني مَا وَعَدتنِي وَكَقَوْلِه
(بيمن أبي إِسْحَق طَالَتْ يدلا الْعلَا ... وَقَامَت قناة الدّين وَاشْتَدَّ كأهله)
(هُوَ الْبَحْر من أَي النواحي أَتَيْته ... فلجته الْمَعْرُوف والجود ساحله)
وعلمية أَي وتعريفه بإيراده علما لإحضاره فِي الذِّهْن أَي ذهن السَّامع ابْتِدَاء باسمه الْخَاص بِهِ بِحَيْثُ لَا يُطلق على غَيره نَحْو ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ أَو رفْعَة أَو إهانة لَهُ كالألقاب الصَّالِحَة لذَلِك أَو كِنَايَة عَن معنى يصلح لَهُ الْعلم نَحْو أَو لَهب فعل كَذَا كِنَايَة عَن كَونه جهنميا أَو تلذذ بِهِ نَحْو ليلاي مِنْكُن أم ليلِي من الْبشر أَو تبرك بِهِ نَحْو الله الْهَادِي وَمُحَمّد الشَّفِيع
وموصولية أَي وتعريفه بإيراده إسما مَوْصُولا لفقد علم السَّامع غير الصِّلَة من أَحْوَاله الْخَاصَّة بِهِ نَحْو الَّذِي كَانَ مَعنا أمس رجل عَالم أَو هجنة أَي قبح للتصريح بِالِاسْمِ لكَونه مِمَّا يستقبح وَله صفة كَمَال فيذكر بهَا أَو تفخيم أَي تَعْظِيم وتهويل نَحْو فغشيهم أَي أحاطهم من أَلِيم مَا غشيهم أَو تَقْرِير للغرض المسوق لَهُ الْكَلَام نَحْو ﴿وراودته الَّتِي هُوَ فِي بَيتهَا عَن نَفسه﴾ الْغَرَض نزاهة يُوسُف ﷺ وطهارة ذيله وَكَونه فِي بَيتهَا مُتَمَكنًا من نيل المُرَاد مِنْهَا وَلم يفعل أبلغ فِي الْعِفَّة فَهُوَ أعظم من امْرَأَة الْعَزِيز أَو زليخا وتعريفه بإيرادة اسْم إِشَارَة لكَمَال تَمْيِيزه نَحْو هَذَا أَبُو الصَّقْر فَردا فِي محاسنه أَو التَّعْرِيض بالغباوة للسامع حَتَّى أَنه لَا يدْرك غير المحسوس كَقَوْلِه
(أُولَئِكَ آبَائِي فجئني بمثلهم ... إِذا جمعتنَا يَا جرير المجامع)
أَو بَيَان حَاله قربا أَو بعدا نَحْو ذَا وَذَلِكَ أَو تَعْظِيم بِالْقربِ أَو الْبعد نَحْو ﴿إِن هَذَا الْقُرْآن يهدي للَّتِي هِيَ أقوم﴾ ﴿ذَلِك الْكتاب لَا ريب فِيهِ﴾ أَو تحقير بِالْقربِ أَو الْبعد نَحْو ﴿أَهَذا الَّذِي يذكر آلِهَتكُم﴾ ﴿فَذَلِك الَّذِي يدع الْيَتِيم﴾ وتعريفه بِإِدْخَال اللَّام عَلَيْهِ للْإِشَارَة إِلَى عهد ذهني
стр. 113
نَحْو ﴿إِذْ هما فِي الْغَار﴾ أَو ذكرى نَحْو ﴿أرسلنَا إِلَى فِرْعَوْن رَسُولا فعصى فِرْعَوْن الرَّسُول﴾ أَو حضوري نَحْو خرجت فَإِذا بِالْبَابِ زيد أَو حسي نَحْو القرطاس لمن يسدد سَهْما أَو حَقِيقَة نَحْو الرجل خير من الْمَرْأَة أَو استغراق حَقِيقَة نَحْو ﴿إِن الْإِنْسَان لفي خسر﴾ أَو عرفا نَحْو جمع الْأَمِير الصاغة أَي صاغة بَلَده
وَإِضَافَة أَي وتعريفه بهَا لِأَنَّهَا أخصر طَرِيق وَالْمقَام يَقْتَضِي الإختصار كَقَوْل جَعْفَر بن علية وَهُوَ مَحْبُوس
هواي مَعَ الركب اليمانين مصعد فَإِنَّهُ أخصر من الَّذِي أهواه وَنَحْوه أَو تَعْظِيم للمضاف كَعبد الْخَلِيفَة حَاضر أَو للمضاف إِلَيْهِ كعبدي حضر تَعْظِيمًا لَك بِأَن لَك عبدا أَو غَيرهمَا كَعبد السُّلْطَان عِنْدِي تَعْظِيمًا للمتكلم بِأَن عبد السُّلْطَان عِنْده أَو تحقير كَذَلِك نَحْو ولد الْحجام حَاضر ضَارب زيد حَاضر ولد الْحجام جليس زيد
وتنكيره أَي الْمسند إِلَيْهِ لإفراد نَحْو ﴿وَجَاء رجل من أقْصَى الْمَدِينَة يسْعَى﴾ أَو نوعية نَحْو وعَلى أَبْصَارهم غشاوة أَي نوع من الأغطية لَيْسَ كَغَيْرِهِ أَو تَعْظِيم أَو تحقير نَحْو لَهُ حَاجِب فِي كل أَمر يشينه وَلَيْسَ لَهُ عَن طَالب الْعرف حَاجِب أَي لَهُ حَاجِب عَظِيم وَلَيْسَ لَهُ حَاجِب حقير أَي مَانع أَو تقليل نَحْو ورضوان من الله أكبر أَي قَلِيل مِنْهُ أَو تَكْثِير كَقَوْلِهِم إِن لَهُ لإبلا وَإِن لَهُ لغنما
وَوَصفه أَي الْمسند إِلَيْهِ لكشف عَن مَعْنَاهُ نَحْو الْجِسْم الطَّوِيل العريض العميق يحْتَاج إِلَى فرَاغ يشْغلهُ أَو تَخْصِيص نَحْو زيد التَّاجِر عِنْدَمَا أَو مدح كجاء زيد الْعَالم أَو ذمّ كجاء عَمْرو الْجَاهِل أَو تَأْكِيد نَحْو لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ وتأكيده لتقوية نَحْو جَاءَ زيد زيد أَو دفع توهم تجوز أَي تكلم بالمجاز كجاء السُّلْطَان نَفسه لِئَلَّا يتَوَهَّم أَن المُرَاد عسكره أَو دفع توهم عدم الشُّمُول نَحْو ﴿فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ﴾ لِئَلَّا يتَوَهَّم
стр. 114
أَن المُرَاد الْبَعْض وَبَيَانه أَي اتِّبَاعه بعطف بَيَان للإيضاح باسم مُخْتَصّ بِهِ نَحْو أقسم بِاللَّه أَبُو حَفْص عمر وَقدم صديقك خَالِد وإبداله أَي الْإِبْدَال مِنْهُ لزِيَادَة التَّقْرِير نَحْو جَاءَ زيد أَخُوك وَجَاءَنِي الْقَوْم أَكْثَرهم وسلب زيد ثَوْبه لما فِيهِ من ذكر الْمَحْكُوم عَلَيْهِ مرَّتَيْنِ صَرِيحًا فِي الأول وإجمالا فِي الآخرين
وَعطفه أَي إتباعه بعطف النسق للتفصيل للمسند إِلَيْهِ أَو الْمسند بِاخْتِصَار نَحْو جَاءَ زيد وَعَمْرو فَهُوَ أخصر من وَجَاء عمر وَزيد قَائِم وقاعد أَو رد للسامع عَن الْخَطَأ إِلَى صَوَاب نَحْو جَاءَ زيد لَا عَمْرو لمن يعْتَقد أَن عمرا جَاءَ دون زيد أَو صرف الحكم عَن الْمَحْكُوم عَلَيْهِ إِلَى آخر نَحْو جَاءَ زيد بل عَمْرو أَو شكّ من الْمُتَكَلّم أَو تشكيك للسامع أَي إِيقَاعه فِي الشَّك نَحْو جَاءَ زيد أَو عَمْرو وفصله أَي الْإِتْيَان بعده بضمير الْفَصْل للتخصيص أَي تَخْصِيص الْمسند إِلَيْهِ بالمسند نَحْو ﴿إِن الله هُوَ الرَّزَّاق﴾ أَي لَا غَيره وتقديمه على الْمسند للْأَصْل وَلَا عدُول أَي لَا مُقْتَضى لَهُ أَو تَمْكِين للْخَبَر فِي الذِّهْن بِأَن كَانَ فِي الْمُبْتَدَأ تشويق إِلَيْهِ نَحْو
(وَالَّذِي حارت الْبَريَّة فِيهِ ... حَيَوَان مستحدث من جماد)
أَو تَعْجِيل مَسَرَّة نَحْو سعد فِي دَارك أَو تَعْجِيل مساءة نَحْو السفاح فِي دَارك وتأخيره لاقْتِضَاء الْمقَام لَهُ بِأَن اقْتضى تَقْدِيم الْمسند وَسَيَأْتِي وَقد يُخَالف مَا تقدم فَيُوضَع الْمُضمر مَوضِع الظَّاهِر نَحْو هُوَ زيد قَائِم أَو هِيَ زيد مَكَان الشَّأْن أَو الْقِصَّة ليتَمَكَّن مَا بعده فِي ذهن السَّامع وَعَكسه لزِيَادَة التَّمْكِين فِي غير الْإِشَارَة نَحْو ﴿قل هُوَ الله أحد الله الصَّمد﴾ والإجلال نَحْو أَمِير الْمُؤمنِينَ يَأْمُرك بِكَذَا مَكَان أَنا أَو لكَمَال الْعِنَايَة بتمييزه فِيهَا لاختصاصه بِحكم بديع كَقَوْلِه أَي قَول ابْن الراوندي
(كم عَاقل عَاقل أعيت مذاهبه ... وجاهل جَاهِل تَلقاهُ مرزوقا)
(هَذَا الَّذِي ترك الأوهام حائرة ... وصير الْعَالم التَّحْرِير زنديقا)
стр. 115
الْبَاب الثَّالِث
الْمسند ذكره وَتَركه لما مر فِي الْمسند إِلَيْهِ من النكت كَقَوْلِه فَإِنِّي وقيار قرب بهَا لغريت حذف الْمسند فِي قيار اختصارا للقرينة مَعَ ضيق الْمقَام وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض ليَقُولن خَلقهنَّ الْعَزِيز الْعَلِيم﴾ ذكر خَلقهنَّ وَإِن تقدّمت قرينَة عَلَيْهِ احْتِيَاطًا
وَكَونه مُفردا لكَونه غير سببي بِأَن كَانَ مَعْنَاهُ للمسند إِلَيْهِ مَعَ عدم إِفَادَة التَّقْوَى للْحكم نَحْو زيد قَائِم فَإِن كَانَ سببيا نَحْو زيد قَامَ أَبوهُ أَو أَبوهُ قَائِم أَو مُفِيدا للتقوى نَحْو زيد قَامَ لما فِيهِ من تكْرَار الْإِسْنَاد إِلَى زيد ثمَّ إِلَى ضَمِيره فَهُوَ جملَة قطعا وَكَونه فعلا أَي جملَة فعلية للتَّقْيِيد للمسند بِأحد الْأَزْمِنَة الْمَاضِي وَالْحَال والاستقبال وإفادة التجدد كَقَوْلِه
(أَو كلما وَردت عكاظ قَبيلَة ... بعثوا إِلَيّ عريفهم يتوسم)
أَي يتفرس الْوُجُوه شَيْئا فَشَيْئًا ولحظا فلحظا وَكَونه إسما لعدمهما أَي التَّقْيِيد والتجدد بِأَن يقْصد الدَّوَام والثبوت كَقَوْلِه لَا يألف الدِّرْهَم الْمَضْرُوب صرتنا
لَكِن يمر عَلَيْهَا وَهُوَ منطلق أَي ثَابت لَهُ ذَلِك دَائِما وَتَقْيِيد الْفِعْل بمعمول كمفعول مُطلق أَو بِهِ أَوله أَو فِيهِ أَو مَعَه أَو حَال أَو تَمْيِيز أَو اسْتثِْنَاء لتربية الْفَائِدَة إِذا الحكم كلما ازْدَادَ خُصُوصا إزداد غرابة وَكلما ازْدَادَ غرابة إزداد إِفَادَة وَتَركه أَي ترك التَّقْيِيد بذلك لمَانع مِنْهُ كانتهاز الفرصة أَو إِرَادَة أَن لَا يطلع الْحَاضِرُونَ على مفعول الْفِعْل أَو زَمَانه أَو مَكَانَهُ أَو هَيئته
стр. 116
وتقييده بِالشّرطِ لإِفَادَة مَعْنَاهُ الْمَوْضُوع لَهُ من الرَّبْط وَالتَّعْلِيق وَالزَّمَان وَالْمَكَان وَغير ذَلِك
وتنكيره أَي الْمسند لعدم حصر أَو عهد يدل عَلَيْهِ التَّعْرِيف نَحْو زيد كَانَت وَعَمْرو شَاعِر أَو تفخيم نَحْو هدي لِلْمُتقين وتعريفه لإِفَادَة حكم مَجْهُول للسامع على مَعْلُوم لَهُ بطرِيق من الطَّرِيق بآخر مَعْلُوم لَهُ نَحْو الرَّاكِب هُوَ المنطلق أَو زيد هُوَ المنطلق وَوَصفه وإضافته لتَمام الْفَائِدَة بهما نَحْو زيد رجل عَالم وَزيد غُلَام رجل وتقديمه على الْمسند إِلَيْهِ لتخصيص لَهُ بِهِ نَحْو ﴿لَا فِيهَا غول وَلَا هم عَنْهَا ينزفون﴾ أَي بِخِلَاف خمر الدُّنْيَا وَلذَلِك أخر فِي ﴿لَا ريب فِيهِ﴾ لِئَلَّا يُفِيد إِثْبَات الريب فِي سَائِر الْكتب الْمنزلَة وتفاؤل نَحْو سعدت بغرة وَجهك الْأَيَّام وتشويق إِلَى الْمسند إِلَيْهِ بِأَن يكون فِي الْمسند طول يشوق النَّفس إِلَى ذكره كَقَوْلِه
(ثَلَاثَة تشرق الدُّنْيَا بهجتها ... شمس الضُّحَى وَأَبُو إِسْحَق وَالْقَمَر)
وتنبيه على خبريته ابْتِدَاء كَقَوْلِه لَهُ همم لَا مُنْتَهى لكبارها إِذْ لَو قَالَ همم لَهُ لظن أَنه نعت لَا خبر وتأخيره لاقْتِضَاء الْمقَام تَقْدِيم غَيره أَي الْمسند إِلَيْهِ وَقد تقدم
стр. 117
الْبَاب الرَّابِع
متعلقات الْفِعْل الْغَرَض فِي ذكر الْمَفْعُول مَعَ الْفِعْل إفادته التَّلَبُّس بِهِ أَي تلبس الْفِعْل بالمفعول كافاعل من جِهَة وُقُوعه عَلَيْهِ وَمِنْه لَا إِفَادَة وُقُوعه مُطلقًا من غير إِرَادَة أَن يعلم على من وَقع وَمِمَّنْ وَقع فَإِن حذف وَترك الْفِعْل الْمُتَعَدِّي كاللازم بِأَن كَانَ الْغَرَض الْإِخْبَار بِوُقُوع الْفِعْل من الْفَاعِل من غير اعْتِبَار تعلقه بالمفعول لم يقدر لَهُ مفعول كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿قل هَل يَسْتَوِي الَّذين يعلمُونَ وَالَّذين لَا يعلمُونَ﴾ أَي من يُوجد لَهُ صفة الْعلم وَمن لَا يُوجد وَإِلَّا بِأَن قصد تعلقه بمعفول غير مَذْكُور فلائق بالْمقَام بِقدر
والحذف إِمَّا لبَيَان بعد إِيهَام كأفعال الْمَشِيئَة والإرادة إِذا وَقعت شرطا فَإِن الْجَواب يدل عَلَيْهِ نَحْو فَلَو شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ أَي لَو شَاءَ هدايتكم أَو دفع توهم مَا لَا يُرَاد كَقَوْلِه
(وَكم ذدت عني من تحامل حَادث ... وَسورَة أَيَّام حززن إِلَى الْعظم)
إِذْ لَو قَالَ حززن اللَّحْم توهم قبل ذكر إِلَى الْعظم أَن الحز لم ينْتَه إِلَيْهِ
أَو إِرَادَة ذكره ثَانِيًا لكَمَال الْعِنَايَة بِهِ كَقَوْلِه
(قد طلبنا فَلم نجد لَك فِي السوء ... دون الْمجد والمكارم مثلا)
أَي طلبنا لَك مثلا
أَو تَعْمِيم بِاخْتِصَار نَحْو ﴿وَالله يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام﴾ أَي جَمِيع عباده أَو فاصلة نَحْو ﴿مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى﴾ أَو هجنة أَي استقباح ذكره
стр. 118
نَحْو مَا رَأَيْت مِنْهُ وَمَا رأى مني أَي الْعَوْرَة وتقديمه على الْعَامِل لرد خطأ كَقَوْلِك زيدا رَأَيْت لمن اعْتقد أَنَّك رَأَيْت غَيره وَتَخْصِيص نَحْو ﴿إياك نعْبد﴾ أَي لَا غَيْرك ﴿لإلى الله تحشرون﴾ أَي لَا إِلَى غَيره وَتَقْدِيم بَعْضهَا أَي المعمولات على بعض للْأَصْل وَلَا معدل عَنهُ كأول مفعولي ظن وَأعْطى على الثَّانِي وكالفاعل على الْمَفْعُول أَو نَحْو كَكَوْنِهِ أهم نَحْو قتل الْخَارِجِي فلَان إِذْ الأهم فِيهِ الْخَارِجِي الْمَقْتُول ليتخلص النَّاس مِنْهُ أَو فاصلة نَحْو ﴿فأوجس فِي نَفسه خيفة مُوسَى﴾
стр. 119
الْبَاب الْخَامِس
الْقصر
الْقصر هُوَ تَخْصِيص شَيْء بِشَيْء بطرِيق مَخْصُوص وَهُوَ قِسْمَانِ حَقِيقِيّ بِأَن يكون التَّخْصِيص بِحَسب الْحَقِيقَة وَفِي نفس الْأَمر بِأَن لَا يتجاوزه إِلَى غَيره أصلا وَغَيره أَي إضافي بِأَن يكون بِحَسب الْإِضَافَة إِلَى شَيْء آخر وَكِلَاهُمَا مَوْصُوف أَي قصره على صفة بِأَن لَا يتَجَاوَز الْمَوْصُوف تِلْكَ الصّفة إِلَى صفة أُخْرَى لَكِن يجوز أَن تكون تِلْكَ الصّفة لموصوف آخر وَعَكسه أَي قصر صفة على مَوْصُوف بِأَن لَا تتجاوز الصّفة ذَلِك الْمَوْصُوف إِلَى مَوْصُوف آخر وَيجوز أَن يكون لذَلِك الْمَوْصُوف صِفَات أخر فالأقسام أَرْبَعَة مِثَال قصر الْمَوْصُوف الْحَقِيقِيّ مَا زيد إِلَّا كَاتب أَي لَا صفة لَهُ غَيرهَا وَهُوَ عَزِيز لَا يكَاد يُوجد لتعذر الْإِحَاطَة بِصِفَات الشَّيْء حَتَّى يثبت مِنْهَا شَيْء وينفي مَا عداهُ
وَمِثَال الإضافي مَا زيد إِلَّا قَائِم أَي لَا يتَجَاوَز الْقيام إِلَى الْقعُود وَقد تكون لَهُ صِفَات أُخْرَى
وَمِثَال قصر الصّفة الْحَقِيقِيّ مَا فِي الدَّار إِلَّا زيد أَي لَا غَيره والإضافي مَا فِي الْوُجُود غَيْرك أَي بِحَسب النَّفْع إِذْ وجود سواهُ كَالْعدمِ فَالْأول أَي الْحَقِيقِيّ من قصر الْمَوْصُوف أَو الصّفة إِفْرَاد أَي يُسمى قصر إِفْرَاد يلقى لمعتقد الشّركَة فقولنا مَا زيد إِلَّا كَاتب أَو مَا كَاتب إِلَّا زيد يُخَاطب بِهِ من يعْتَقد اتصافه بالشعر وَالْكِتَابَة أَو اشْتِرَاك زيد وَعَمْرو فِي الْكِتَابَة
وَالثَّانِي أَي الإضافي مِنْهُمَا قِسْمَانِ قلب يلقِي لمعتقد الْعَكْس فقولنا مَا زيد إِلَّا قَائِم أَو مَا شَاعِر إِلَّا زيد يُخَاطب بِهِ من اعْتقد اتصافه بالقعود دون الْقيام أَو أَن الشَّاعِر عمر وَلَا زيد وَتَعْيِين يلقى للمخاطب إِن اسْتَويَا
стр. 120
عِنْده أَي اعْتقد اتصافه بِالْقيامِ أَو الْقعُود من غير علم بِالتَّعْيِينِ أَو أَن الشَّاعِر زيد أَو عَمْرو من غير أَن يُعلمهُ على التَّعْيِين
وطرقه أَي الْقصر الْعَطف بِلَا وبل نَحْو زيد شَاعِر لَا كَاتب وَزيد شَاعِر لَا عَمْرو وَمَا زيد كَاتبا بل شَاعِر وَمَا عَمْرو شَاعِرًا بل زيد وَالنَّفْي وَالِاسْتِثْنَاء نَحْو ﴿لَا إِلَه إِلَّا الله﴾ وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول وَإِنَّمَا نَحْو ﴿إِنَّمَا الله إِلَه وَاحِد﴾ انما إِلَهكُم الله والتقديم كَقَوْلِك تميمي أَنا أَي لَا قيسي وَأَنا كفيتك مهمك أَي لَا غير
стр. 121
الْبَاب السَّادِس
الْإِنْشَاء
الْإِنْشَاء وَهُوَ أَنْوَاع تمن بليت نَحْو لَيْت الشَّبَاب عَائِد وَهل نَحْو ﴿فَهَل لنا من شُفَعَاء﴾ الْآيَة وَلَو نَحْو ﴿فَلَو أَن لنا كرة فنكون من الْمُؤمنِينَ﴾ وَقل بلعل نَحْو لعَلي أحج فأفوز وَلَا يشْتَرط إِمْكَانه أَي التَّمَنِّي كَمَا تقدم بِخِلَاف الترجي واستفهام وَهُوَ بهل للتصديق أَي الحكم بِالنِّسْبَةِ نَحْو هَل زيد قَائِم فَيُقَال نعم أَو لَا وَلَا يكون للتصور وَمَا لشرح الِاسْم نَحْو مَا العنقاء وَمن للعارض المشخص الَّذِي للْعلم نَحْو من فِي الدَّار وَأي لتمييز أحد الْمُشْركين نَحْو أَي الْفَرِيقَيْنِ خير مقَاما وَكم للعدد نَحْو كم مَالك وَكَيف للْحَال نَحْو كَيفَ زيد وَأَيْنَ للمكان نَحْو أَيْن مَنْزِلك وأنى بِمَعْنى كَيفَ نَحْو ﴿فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم﴾ وَمن أَيْن نَحْو من أَيْن لَك هَذَا وَمَتى للزمان نَحْو مَتى سفرك وأيان لَهُ نَحْو ﴿يسْأَل أَيَّانَ يَوْم الْقِيَامَة﴾ وَكلهَا للتصور أَي لطلب إِدْرَاك غير النِّسْبَة وَلَا يكون للتصديق والهمزة تكون لَهما اي للتصديق والتصور نَحْو أَزِيد قَائِم أدبس فِي الْإِنَاء أم خل
وَترد أَدَاة الإستفهام لغيره كاستبطاء نَحْو كم دعوتك فَلَا تجيب وتعجب نَحْو مَا لي لَا أرى الهدهد ووعيد نَحْو ألم أؤدب فلَانا لمن يسيء الْأَدَب وَتَقْرِير نَحْو ﴿أَلَيْسَ الله بكاف عَبده﴾ وإنكار توبيخا على الْفِعْل بِمَعْنى مَا كَانَ يَنْبَغِي أَن يكون نَحْو ﴿أتأتون الذكران﴾ أَو تَكْذِيبًا
стр. 122
بِمَعْنى لم يكن أَو لَا يكون نَحْو ﴿أفأصفاكم ربكُم بالبنين﴾ أَي لم يفعل ذَلِك ﴿أنلزمكموها وَأَنْتُم لَهَا كَارِهُون﴾ أَي لَا يكون ذَلِك وتهكم نَحْو أصلواتك تأمرك أَن تتْرك مَا يعبد آبَاؤُنَا وتحقير نَحْو من هَذَا أإستحقارا لشأنه مَعَ أَنَّك تعرفه وتهويل نَحْو من فِرْعَوْن على قِرَاءَة فتح الْمِيم وَأمر وَنهي وَمَرا فِي علم الْأُصُول بأبحاثهما وَالْمُخْتَار وفَاقا لأهل الْمعَانِي وَبَعض الْأُصُولِيِّينَ كإمام الْحَرَمَيْنِ وَالْإِمَام الرَّازِيّ والآمدي وَابْن الْحَاجِب عدم اشْتِرَاط الاستعلاء فيهمَا سَوَاء صَدرا من العالي فِي الْوَاقِع أم لَا لتبادر الْفَهم عِنْد سَماع صيغتهما إِلَيْهِ وَلكَون هَذَا القَوْل مرجحا عِنْد أهل الْمعَانِي دون الْأُصُول ذكرت الْمَسْأَلَة هُنَا لَا هُنَاكَ وَتقدم أَن صيغتهما حَقِيقَة فِي الْوُجُوب وَالتَّحْرِيم وَأَنَّهَا ترد لغَيْرِهِمَا ونداء وَقد ترد أداته لغيره كإغراء كَقَوْلِك لمن أقبل يتظلم يَا مظلوم إغراء لَهُ على زِيَادَة التظلم وَبث الشكوى واختصاص نَحْو أَنا أفعل كَذَا أَيهَا الرجل أَي متخصصا من بَين الرِّجَال
وَيَقَع الْخَبَر موقعه أَي الْإِنْشَاء تفاؤلا حَتَّى كَأَنَّهُ وَقع وَأخْبر عَنهُ نَحْو وفقك الله للتقوى أَو إِظْهَارًا للحرص فِي وُقُوعه نَحْو ﴿والوالدات يرضعن﴾ ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ﴾
стр. 123
الْبَاب السَّابِع
الْوَصْل والفصل
الْوَصْل والفصل الْوَصْل عطف الْجمل بَعْضهَا على بعض والفصل تَركه فَإِن كَانَ للجملة الأولى مَحل من الْإِعْرَاب وَقصد تشريك الثَّانِيَة لَهَا فِي الحكم عطفت عَلَيْهَا للمناسبة بَينهمَا نَحْو زيد يكْتب ويشعر وَإِن لم يقْصد فصلت نَحْو ﴿نَحن مستهزؤون الله يستهزئ﴾ بهم لم يعْطف على إِنَّا مَعكُمْ لِأَنَّهُ لَيْسَ من مقولهم أَولا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب وَلَكِن قصد ربطها بهَا على معنى عاطف غير الْوَاو عطفت بِهِ نَحْو دخل زيد فَخرج أَو ثمَّ خرج عَمْرو
إِذا قصد التعقيب أَو المهلة وَإِلَّا أَي إِن لم يقْصد الرَّبْط الْمَذْكُور فَإِن لم يقْصد إعطاؤها أَي الثَّانِيَة حكم الأولى فصلت كالآية ﴿الله يستهزئ بهم﴾ لم يعْطف على قَالُوا لِئَلَّا يُشَارِكهُ فِي الِاخْتِصَاص بالظرف وَهُوَ إِذا وَإِلَّا بِأَن قصد إِعْطَاء الثَّانِيَة حكم الأولى أَو لم يكن لَهَا حكم تخْتَص فَإِن كَانَ بَينهمَا كَمَال الِانْقِطَاع بِلَا إِيهَام بِأَن لَا تعلق بِأَن تختلفا خَبرا وانشاء أَو كَمَال الإتصال بِأَن تكون الثَّانِيَة نَفسهَا أَي الأولى ككونها مُؤَكدَة لَهَا لدفع توهم تجوز أَو غلط أَو بَدَلا مِنْهَا لِأَنَّهَا غير وافية بِتمَام المُرَاد أَو عطف بَيَان لَهَا لخفائها أَو شبه أَحدهمَا أَي الإنقطاع لكَون عطفها عَلَيْهَا موهما لعطفها على غَيرهَا أَو الإتصال لكَونهَا جَوَابا لسؤال اقتضته الأولى فَكَذَا أَي تفصل وَإِلَّا بِأَن لم يكن شَيْء من ذَلِك أَو كَانَ كَمَال الإنقطاع من الايبهام فالوصل مِثَال الْفَصْل فِي الِاخْتِلَاف مَاتَ فلَان رَحمَه الله تَعَالَى وَقَالَ قَائِلهمْ ارسوا نزاولها
стр. 124
ومثاله للتَّأْكِيد ﴿لَا ريب فِيهِ﴾ فَإِنَّهُ لما بولغ فِي وصف الْكتاب بُلُوغه الدرجَة القصوى فِي الْكَمَال بِجعْل الْمُبْتَدَأ ذَلِك وتعريف الْخَبَر بِاللَّامِ جَازَ أَن يتَوَهَّم السَّامع قبل التَّأَمُّل أَنه مِمَّا يَرْمِي بِهِ جزَافا فَاتبعهُ نفيا لذَلِك فَهُوَ وزان نَفسه فِي جَاءَ زيد نَفسه وَقَوله تَعَالَى ﴿هدى لِلْمُتقين﴾ فَإِن مَعْنَاهُ أَنه فِي الْهِدَايَة بَالغ دَرَجَة لَا يدْرك كنهها حَتَّى كَأَنَّهُ هِدَايَة مَحْضَة وَذَلِكَ معنى ذَلِك الْكتاب لِأَن مَعْنَاهُ الْكتاب الْكَامِل أَي فِي الْهِدَايَة فَهُوَ وزان زيد الثَّانِي فِي جَاءَ زيد زيد ومثاله للبدل أمدكم بِمَا تعلمُونَ أمدكم بأنعام وبنين إِلَى آخِره فَالْمُرَاد التَّنْبِيه على النعم وَالثَّانِي أوفى بتأديته لدلالته عَلَيْهَا بالتفصيل من غير إِحَالَة على علم المخاطبين المعاندين فَهُوَ وزان وَجهه فِي أعجبني زيد وَجهه ومثاله للْبَيَان فوسوس إِلَيْهِ الشَّيْطَان قَالَ يَا آدم إِلَى آخِره فَهُوَ وزان عمر فِي أقسم بِاللَّه أَبُو حَفْص عمر ومثاله لشبه الإنقطاع قَوْله
(وتظن سلمى أنني أبغي بهَا ... بَدَلا أَرَاهَا فِي الضلال تهيم)
لَو عطف أَرَاهَا على تظن لتوهم أَنه مَعْطُوف على أبغي
ومثاله لشبه الإتصال قَالَ لي كَيفَ أَنْت قلت عليل كَأَنَّهُ قيل مَا سَبَب علتك فَقَالَ سهر دَائِم وحزن طَوِيل
وَمِثَال الْوَصْل مَعَ كَمَال الإنقطاع للإيهام قَول الدَّاعِي لَا وأيدك الله فَلَو حذف الْوَاو لأوهم أَنه دُعَاء عَلَيْهِ ومثاله لغير ذَلِك ﴿إِن الْأَبْرَار لفي نعيم وَإِن الْفجار لفي جحيم﴾
وَمن محسناته أَي الْوَصْل تناسب الجملتين فِي الفعلية والإسمية فَإِن عطف الْفِعْل على مثله والإسم على مثله أولى وَعند التخالف الْفَصْل أولى وَلِهَذَا رجح النصب فِي بَاب الِاشْتِغَال فِي نَحْو ضربت زيدا وعمرا أكرمته ليَكُون من عطف الفعلية على مثلهَا واستوى هُوَ وَالرَّفْع فِي نَحْو هِنْد أكرمتها وَزيد ضَربته عِنْدهَا لِإِمْكَان الْأَمريْنِ وَمثله تناسب الفعلية فِي الْمُضِيّ والمضارعة
стр. 125
الْبَاب الثَّامِن
الإيجاز والإطناب والمساواة
هِيَ التَّعْبِير عَن الْمَعْنى المُرَاد بناقص أَي بِلَفْظ نَاقص عَنهُ واف بِهِ رَاجع إِلَى الإيجاز
وَخرج بِالْوَفَاءِ الْإِخْلَال أَو بِلَفْظ زَائِد عَلَيْهِ لفائدة رَاجِعَة إِلَى الإطناب وَخرج بالفائدة الحشو أَو بِلَفْظ مسَاوٍ لَهُ رَاجع إِلَى الْمُسَاوَاة وَسبق مثالها فِي علم التَّفْسِير
والإيجاز قِسْمَانِ قصر لَا حذف فِيهِ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلكم فِي الْقصاص حَيَاة﴾ فَإِن مَعْنَاهُ كثير وَلَفظه يسير وَتقدم بَيَانه فِي علم التَّفْسِير وإيجاز فِيهِ حذف والحذف إِمَّا لمضاف نَحْو ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ أَي أهل الْقرْيَة أَو مَوْصُوف نَحْو أَنا ابْن جلا وطلاع الثنايا أَي أَنا ابْن رجل جلا أَو صفة نَحْو ﴿يَأْخُذ كل سفينة غصبا﴾ أَي سفينة صَالِحَة إِذْ تعيبها لَا يُخرجهَا عَن كَونهَا سفينة وَقد قريء بِهِ كَمَا تقدم فِي علم التَّفْسِير أَو شَرط نَحْو فَالله هُوَ الْوَلِيّ أَي إِن أَرَادوا أَوْلِيَاء فَالله أَو جَوَاب لَهُ نَحْو ﴿وَإِذا قيل لَهُم اتَّقوا﴾ الْآيَة أَي أَعرضُوا ﴿وَلَو ترى إِذْ وقفُوا على النَّار﴾ أَي لرأيت أمرا عَظِيما
ثمَّ الْحَذف للجواب يكون إِمَّا لاختصار كالمثال الأول أَو دلَالَة على أَنه لَا يحاط بِهِ وليذهب السَّامع كل مَذْهَب مُمكن كالمثال الثَّانِي أَو
стр. 126
الْجُمْلَة عطف على المحذوفات ولتخلل نُكْتَة حذف جَوَاب الشَّرْط جِئْت بِاللَّامِ وَالْجُمْلَة إِمَّا مسببة عَن سَبَب مَذْكُور نَحْو ليحق الْحق وَيبْطل الْبَاطِل فَهَذَا سَبَب حذف مسببه أَي فعل مَا فعل أَو لَا مَذْكُور وَلَا سَبَب أصلا الأول نَحْو ﴿اضْرِب بعصاك الْحجر فانفجرت مِنْهُ﴾ أَي فَضَربهُ وَالثَّانِي نَحْو ﴿فَنعم الماهدون﴾ أَي نَحن حذف الْمَخْصُوص ومبتدؤه وَأكْثر من جملَة ﴿أَنا أنبئكم بتأويله فأرسلون يُوسُف﴾ أَي فأرسلون إِلَى يُوسُف لاستعبره الرُّؤْيَا فَأَرْسلُوهُ فَأَتَاهُ فَقَالَ يَا يُوسُف ثمَّ قد يُقَام شَيْء مقَام الْمَحْذُوف نَحْو ﴿وَإِن يُكذِّبُوك فقد كذبت رسل﴾ أَي فَلَا تحزن واصبر وَقد لَا يُقَام شَيْء مقَامه اكْتِفَاء بِالْقَرِينَةِ كالامثلة السَّابِقَة
وَيدل عَلَيْهِ أَي الْحَذف بِالْعقلِ وعَلى التَّعْيِين للمحذوف بِالْمَقْصُودِ الْأَظْهر نَحْو ﴿حرمت عَلَيْكُم الْميتَة﴾ دلّ الْعقل على أَن هُنَاكَ حذفا إِذا الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة تتَعَلَّق بالأفعال لَا بالأعيان وَالْمَقْصُود الْأَظْهر مِنْهَا الْأكل فَدلَّ على تَعْيِينه كَذَا فِي التَّلْخِيص تبعا للسكا كي وَتعقب بِأَن الدَّال عَلَيْهِ قَوْله ﷺ
إِنَّمَا حرم أكلهَا
أَو الْعَادة نَحْو ﴿فذلكن الَّذِي لمتنني فِيهِ﴾ يحْتَمل أَن التَّقْدِير فِي حبه أَو مراودته ودلت الْعَادة على تعْيين الثَّانِي لِأَن الْحبّ المفرط لَا يلام صَاحبه عَلَيْهِ عَادَة إِذْ لَيْسَ اخْتِيَارا أَو الشُّرُوع فِي الْفِعْل نَحْو بِسم الله فَيقدر مَا جعلت التَّسْمِيَة مبدأ لَهُ كإقرأ فِي الْقِرَاءَة وارتحل فِي السّفر أَو القتران كَقَوْلِهِم للمعرس بالرفاء والبنين أَي عرست وَقد نهي عَن هَذَا الْكَلَام فِي الحَدِيث
والاطناب إِن كَانَ بِبَيَان بعد إِيهَام فايضاح نَحْو رب اشرح لي صَدْرِي فَإِن اشرح لي يُفِيد طلب شرح شَيْء مَاله وصدري يفسره أَو
стр. 127
بمعطوفين مفردين بعد مثنى بمعناهما فتوشيع كَحَدِيث يكبر ابْن آدم وَيكبر مَعَه اثْنَان الْحِرْص وَطول الأمل رَوَاهُ البُخَارِيّ أَو بِخَتْم للْكَلَام بِمَا يُفِيد نُكْتَة ثمَّ بِدُونِهَا فإيغال كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿اتبعُوا الْمُرْسلين﴾ ﴿اتبعُوا من لَا يسألكم أجرا وهم مهتدون﴾ فَقَوله تَعَالَى ﴿وهم مهتدون﴾ إيغال لِأَن الْمَعْنى يتم بِدُونِهِ لِأَن الرَّسُول مهتد لَا محَالة لَكِن فِيهِ نُكْتَة وَهِي زِيَادَة الْحَث على الِاتِّبَاع وَالتَّرْغِيب فيهم وكقول الخنساء
(وَإِن صَخْر التأتم الهداة بِهِ ... كَأَنَّهُ علم فِي رَأسه نَار)
فقولها فِي رَأسه نَار إيغال لِأَن وَكَأَنَّهُ على واف بِالْمَقْصُودِ وَهُوَ التَّشْبِيه بِمَا يَهْتَدِي بِهِ إِلَّا أَن فِي الزِّيَادَة بذلك مُبَالغَة
أَو بجملة بِمَعْنى جملَة أُخْرَى سَابِقَة توكيدا لَهَا فتذييل كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿ذَلِك جزيناهم بِمَا كفرُوا وَهل نجازي إِلَّا الكفور﴾ وَقَوله سُبْحَانَهُ تَعَالَى ﴿وَقل جَاءَ الْحق وزهق الْبَاطِل إِن الْبَاطِل كَانَ زهوقا﴾ وَقَول الصفي
(لله لَذَّة عَيْش بالحبيب مَضَت ... فَلم تدم لي وَغير الله لم يدم)
أَو بدافع موهم خلاف الْمَقْصُود فتكميل واحتراس أَي يُسمى بهما كَقَوْلِه
(فسقى دِيَارك غير مفسدها ... صوب الرّبيع وديمة تهمى)
لما كَانَ الْمَطَر رُبمَا يؤول إِلَى خراب الديار وفسادها دَفعه بقوله غير مفسدها أَو بفضلة لنكتة دونه أَي سوى الدّفع الْمَذْكُور فتتميم نَحْو ﴿وَآتى المَال على حبه﴾ أَي مَعَ حبه فَهُوَ أبلغ فِي الْبَدَل أَو بجملة فَأكْثر بَين كَلَام فاعتراض نَحْو
(إِن الثَّمَانِينَ وبلغتها ... قد أحوجت سمى إِلَى ترجمان)
стр. 128
فَقَوله وبلغتها إعتراض للدُّعَاء وَهُوَ جملَة بَين جزأي الْكَلَام وَهُوَ إسم إِن وخبرها وَقَوله تَعَالَى ﴿ويجعلون لله الْبَنَات سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَا يشتهون﴾ فَقَوله سُبْحَانَهُ إعتراض للتنزيه وَهُوَ جملَة بَين كلامين ﴿فأتوهن من حَيْثُ أَمركُم الله إِن الله يحب التوابين وَيُحب المتطهرين﴾ ﴿نِسَاؤُكُمْ حرث لكم﴾ فَقَوله إِن الله الخ إعتراض وَهُوَ أَكثر من جملَة بَين فأتوهن من حَيْثُ أَمركُم الله وَنِسَاؤُكُمْ حرث لكم
وَيكون الإطنات بالتكرير نَحْو ﴿كلا سيعلمون ثمَّ كلا سيعلمون﴾ وَذكر خَاص بعد عَام تَنْبِيها على فضل الْخَاص نَحْو ﴿من كَانَ عدوا لله وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل وميكال﴾
علم الْبَيَان
علم يعرف بِهِ إِيرَاد الْمَعْنى الْوَاحِد الْمَدْلُول عَلَيْهِ بِكَلَام مُطَابق لمقْتَضى الْحَال بطرق من التراكيب مُخْتَلفَة فِي وضوح الدّلَالَة عَلَيْهِ بِأَن يكون بَعْضهَا أوضح فِي الدّلَالَة وَبَعضهَا وَاضحا وَهُوَ أخْفى بِالنِّسْبَةِ إِلَى الأوضح
وَخرج إِيرَاده بطرق مُخْتَلفَة فِي اللَّفْظ دون الوضوح وَعقد هَذَا الْعلم لاشْتِرَاط الوضوح والخلو من التعقيد فِي فصاحة الْكَلَام الْمَأْخُوذ فِي حد البلاغة وافتتحت كغيري بتقسيم الدّلَالَة لأبني عَلَيْهِ وَجه انحصار الْعلم فِي أبوابه الثَّلَاثَة فَقلت دلَالَة اللَّفْظ على تَمام مَا وضع لَهُ وضيعة لِأَن الْوَاضِع إِنَّمَا وضع اللَّفْظ لتَمام الْمَعْنى كدلالة الْإِنْسَان على الْحَيَوَان النَّاطِق وعَلى جزئه كدلالة الْإِنْسَان على الْحَيَوَان أَو النَّاطِق وعَلى لَازمه الْخَارِج عَنهُ كدلالة الْإِنْسَان على الضاحك عقليتان لِأَن دلَالَة اللَّفْظ على الْجُزْء أَو اللَّازِم إِنَّمَا هِيَ من جِهَة حكم الْعقل بِأَن حُصُول الْكل أَو الْمَلْزُوم مُسْتَلْزم لحُصُول الْجُزْء أَو اللَّازِم
стр. 129
وَالْأول لَا تعلق لَهُ بِهَذَا الْفَنّ لِأَن إِيرَاد الْمَعْنى بطرق مُخْتَلفَة فِي الوضوح لَا بتأتى بالوضعية إِذْ السَّامع إِن كَانَ عَالما بِوَضْع الْأَلْفَاظ للمعنى لم يكن بَعْضهَا أوضح عِنْده من بعض وَإِلَّا لم يكن شَيْء من الْأَلْفَاظ دَالا لتوقف الْفَهم على الْعلم
والأخير أَي الْعقلِيّ الشَّامِل للجزء وَاللَّازِم وَهُوَ المبحوث عَنهُ فِي هَذَا الْفَنّ إِن قَامَت قرينَة على عدم إِرَادَته أَي مَا وضع لَهُ فَهُوَ مجَاز وَإِلَّا فكناية وَقد يبْنى الْمجَاز على التَّشْبِيه إِذا كَانَ اسْتِعَارَة فانحصر الْمَقْصُود من علم الْبَيَان فِيهَا أَي التَّشْبِيه وَالْمجَاز وَالْكِنَايَة
التَّشْبِيه الدّلَالَة على مُشَاركَة أَمر لأمر فِي معنى كزيد أَسد وصم بكم عمي وطرفاه أَي الْمُشبه والمشبه بِهِ إِمَّا حسيان أَي مدركان بِإِحْدَى الْحَواس الْخمس السّمع وَالْبَصَر والشم والذوق واللمس كالصوت الضَّعِيف بالهمس والخد بالورود والنكهة بالعنبر والريق بالشهد وَالْجَلد الناعم بالحرير أَو عقليان كَالْعلمِ بِالْحَيَاةِ وَالْجهل بِالْمَوْتِ أَو مُخْتَلِفَانِ بِأَن يكون الْمُشبه عقليا والمشبه بِهِ حسيا كالمنية بالسبع أَو عَكسه كالعطر بِخلق الْكَرِيم
وَوَجهه أَي التَّشْبِيه مَا يَشْتَرِكَانِ أَي الْمَعْنى الَّذِي قصد اشتراكهما فِيهِ تَحْقِيقا أَو تخييلا بِأَن لَا يُوجد ذَلِك الْمَعْنى فِي الطَّرفَيْنِ أَو أَحدهمَا إِلَّا على سَبِيل التخييل والتأويل كَقَوْلِه
(وَكَأن النُّجُوم بَين دجاها ... سنَن لَاحَ بَينهُنَّ ابتداع)
فَوجه التَّشْبِيه وَهُوَ الْهَيْئَة الْحَاصِلَة من حُصُول أَشْيَاء مشرقة بيض فِي جَوَانِب شَيْء مظلم أسود غير مَوْجُود فِي الْمُشبه بِهِ وَهُوَ السّنَن بَين الابتداع إِلَّا على طَرِيق التخييل لِأَن الْبِدْعَة تجْعَل صَاحبهَا كالماشي فِي الظلمَة فَلَا يَهْتَدِي لطريق وَلَا يَأْمَن أَن يَنَالهُ مَكْرُوه فشبهت بهَا وَلزِمَ بعكسه تَشْبِيه السّنة بِالنورِ وشاع حَتَّى تخيل أَن السّنة مِمَّا لَهُ بَيَاض وإشراق والبدعة مِمَّا لَهُ سَواد وإظلام فَصَارَ كالتشبيه ببياض الشيب وَسَوَاد الشَّبَاب
وأداته مرت فِي علم التَّفْسِير وَهِي الْكَاف وَمثل وَكَأن ثمَّ هُوَ أَي
стр. 130
التَّشْبِيه أَقسَام كَثِيرَة لِأَنَّهُ إِمَّا مُفْرد بمفرد وهما مقيدان كَقَوْلِهِم لمن لَا يحصل من سَعْيه على طائل هُوَ كالرقم على المَاء فالمشبه السَّاعِي مُقَيّد بِأَن لَا يحصل من سَعْيه على شَيْء والمشبه بِهِ الراقم مُقَيّد بِكَوْنِهِ على المَاء وهما مفردان أَو مُفْرد بمفرد لَا مقيدان كتشبيه الخد بالورد أَو مُفْرد بمركب كَقَوْلِه
(وَكَانَ محمر الشَّقِيق إِذا ... نصوب أَو تصعد)
(أَعْلَام ياقوت نشرن ... على رماح من زبرجد)
فالمشبه الشَّقِيق مُفْرد والمشبه بِهِ أَعْلَام ياقوت منشورة على رماح من زبرجد مركب من عدَّة أُمُور أَو عَكسه أَي تَشْبِيه مركب بمركب كَقَوْلِه
(كَانَ مثار النَّقْع فَوق رؤسنا ... وأسيافنا ليل تهادى كواكبه
فالمشبه مثار التُّرَاب فَوق الرؤس والاسياف والمشبه بِهِ اللَّيْل المتساقطة كواكبه) وكل مِنْهُمَا مركب أَو مركب بمفرد كَقَوْلِه
(تريا نَهَارا مشمسا قد شابه ... زهر الربى فَكَأَنَّمَا هُوَ مقمر)
فالمشبه النَّهَار المشمس الَّذِي خالطته الأزهار فنقصت من ضوء الشَّمْس باخضرارها حَتَّى صَار يضْرب إِلَى السوَاد وَذَلِكَ مركب والمشبه بِهِ مقمر وَهُوَ مُفْرد فَإِن تعدد طرفاه أَي الْمُشبه والمشبه بِهِ فملفوف ومفروق أَي هما قِسْمَانِ الأول أَن يُؤْتى أَولا بالمشبهات ثمَّ بالمشبه بهَا كَقَوْلِه يصف الْعقَاب بِكَثْرَة صيد الطُّيُور
(كَأَن قُلُوب الطير رطبا ويابسا ... لدي وَكره الْعنَّاب والحشف الْبَالِي)
وَالثَّانِي أَن يُؤْتى بمشبه بِهِ ومشبه بِهِ ثمَّ بآخر وَآخر كَقَوْلِه
(النشر مسك وَالْوُجُوه دنا ... نيرو أَطْرَاف الأكف عنم)
أَو تعدد الطّرف الأول وَهُوَ الْمُشبه فَقَط فتسوية أَي فَهُوَ تشبه التَّسْوِيَة كَقَوْلِه
(صدغ الحبيب وحالي ... كِلَاهُمَا كالليالي)
стр. 131
أَو تعدد الثَّانِي وَهُوَ الْمُشبه بِهِ فَقَط فَجمع أَي تَشْبِيه جمع كَقَوْلِه
(كَأَنَّمَا يبسم عَن لُؤْلُؤ ... منضد أَو برد أَو أقاح)
شبه الثغر بِثَلَاثَة أَشْيَاء
ثمَّ التَّشْبِيه تَمْثِيل إِن انتزع وَجهه من مُتَعَدد كَمَا مر من تَشْبِيه مثار النَّقْع مَعَ الأسياف وَإِلَّا بِأَن لم ينتزع من مُتَعَدد فَغَيره ثمَّ هُوَ ظَاهر إِن فهمه كل أحد نَحْو زيد أَسد وَألا بِأَن لم يُدْرِكهُ إِلَّا الْخَواص فَهُوَ خَفِي كَقَوْل امْرَأَة سُئِلت عَن بنيها أَيهمْ أفضل فَقَالَت هم كالحلقة المفرغة لَا يدْرِي أَيْن طرفاها أَي هم متناسبون فِي الشّرف لَا تفاضل بَينهم كَمَا أَن الْحلقَة متناسبة الْأَجْزَاء فِي الصُّورَة لَا يُمكن تعْيين بَعْضهَا طرفا وَبَعضهَا وسطا ثمَّ هُوَ قريب إِن انْتقل من الْمُشبه بِهِ بِلَا تدقيق فِي النّظر لظُهُور وَجهه كتشبيه الشَّمْس بالمرآه المجلوة فِي الاستدارة وَالْإِشْرَاق وَإِلَّا بِأَن لم ينْتَقل إِلَيْهِ بفكر وتدقيق فَهُوَ بعيد كَمَا سبق فِي قَوْله وَكَانَ محمر الشَّقِيق ثمَّ هُوَ مُؤَكد إِن حذفت أداته أَي التَّشْبِيه نَحْو وَهِي تمر مر السَّحَاب وَقَوله
(وَالرِّيح تعبث بالغصون وَقد جرى ... ذهب الْأَصِيل على لجين المَاء)
وَإِلَّا بِأَن ذكرت فَهُوَ مُرْسل كالأمثلة السَّابِقَة ثمَّ هُوَ مَقْبُول إِن وفى بإفادته أَي الْغَرَض وَإِلَّا بِأَن قصر عَنْهَا فَهُوَ مَرْدُود أَعْلَاهُ أَي التَّشْبِيه فِي الْقُوَّة مَا حذف وَجهه وأداته فَقَط أَي بِدُونِ حذف الْمُشبه نَحْو زيد أَسد أَو حذفا مَعَ الْمُشبه نَحْو أَسد فِي مقَام الْإِخْبَار عَن زيد ثمَّ يَلِيهِ حذف فِيهِ أَحدهمَا أَي وَجهه وأداته حذف الْمُشبه أَو لَا نَحْو إِنَّه كالأسد وَنَحْو كالأسد عِنْد الْإِخْبَار عَن زيد وَأسد فِي الشجَاعَة عِنْده وَزيد أَسد فِي الشجَاعَة وَلَا قُوَّة لما سوى ذَلِك بِأَن يذكر الْوَجْه والأداة جَمِيعًا مَعَ ذكر الشّبَه أَو حذفه نَحْو زيد كالأسد فِي الشجَاعَة عِنْد الْإِخْبَار عَنهُ
الْمجَاز قِسْمَانِ مُفْرد وَهُوَ الْكَلِمَة المستعملة فِي غير مَا وضعت لَهُ فِي اصْطِلَاح بِهِ التخاطب فَخرج بِالْمُسْتَعْملِ الْكَلِمَة قبل الِاسْتِعْمَال فَلَا تُوصَف بِحَقِيقَة
стр. 132
وَلَا مجَاز وَبِمَا بعده الْحَقِيقَة وَشَمل الْمُسْتَعْمل فِيمَا لم يوضع فِي اصْطِلَاح التخاطب وَلَا فِي غَيره كالأسد فِي الرجل الشجاع أَو فِيمَا وضع لَهُ فِي اصْطِلَاح آخر غير الِاصْطِلَاح الَّذِي بِهِ التخاطب كَالصَّلَاةِ تسْتَعْمل فِي عرف الشَّرْع للدُّعَاء فَهِيَ فِيهِ مجَاز شرعا وَإِن وضعت لَهُ لُغَة وَقَوْلنَا مَعَ قرينَة عدم إِرَادَته يخرج الْكِنَايَة لِأَنَّهَا مستعملة فِي غير مَا وضعت لَهُ مَعَ جَوَاز إِرَادَته كَمَا سَيَأْتِي وَلَا بُد من علاقَة بَينه وَبَين الْمَعْنى الْأَصْلِيّ ليَصِح الِاسْتِعْمَال
فَإِن كَانَت العلاقة غير المشابهة بَين الْمَعْنى الْمجَازِي والحقيقي فمرسل كاستعمال الْيَد فِي النِّعْمَة وَالْقُدْرَة وحقيقتها الْجَارِحَة لصدورهما عَنْهَا والراوية فِي المزادة وحقيقتها فِي الْجمل لمجاورتها لَهُ وَإِلَّا بِأَن كَانَت العلاقة المشابهة
فاستعارة فَإِن تحقق مَعْنَاهَا المستعملة فِيهِ حسا أَو عقلا بِأَن كَانَ أمرا مَعْلُوما يُمكن أَن ينص عَلَيْهِ ويشار إِلَيْهِ إِشَارَة حسية أَو عقلية فتحقيقية أَي تسمى بذلك فالحسية كَقَوْل زُهَيْر لدي أَسد شاكبي السِّلَاح مقذف استعير الْأسد للرجل الشجاع وَهُوَ أَمر مُتَحَقق حسا والعقلية كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم﴾ أَي الدّين الْحق وَهُوَ مِلَّة الْإِسْلَام وَهُوَ أَمر مُتَحَقق عقلا لَا حسا
أَو اجْتمع طرفاها أَي الْمُسْتَعَار لَهُ وَمِنْه فِي شَيْء مُمكن فوفاقية كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أَو من كَانَ مَيتا فأحييناه﴾ أَي ضَالًّا فهديناه استعير الْإِحْيَاء وَهُوَ جعل الشَّيْء حَيا للهداية الَّتِي هِيَ الدّلَالَة على طَرِيق يُوصل إِلَى الْمَطْلُوب والإحياء وَالْهِدَايَة يُمكن اجْتِمَاعهمَا أَو أجتمعتا فِي مُمْتَنع فعنادية كاستعارة اسْم الْمَعْدُوم للموجود لعدم نَفعه أَو الْمَوْجُود للمعدوم لآثاره الَّتِي تحيي ذكره إِذْ اجْتِمَاع الْوُجُود والعدم فِي شَيْء مُمْتَنع أَو ظهر جَامعهَا فعامية مبتذلة نَحْو رَأَيْت أسدا يرْمى وَإِلَّا بِأَن خَفِي فَلَا يدْرك إِلَّا بفكر وتدقيق فخاصية أَو كَانَ لَفظهَا أَي اللَّفْظ الْمُسْتَعَار فِيهَا إسم جنس فاصلية كاستعارة أَسد للشجاع وَقتل للضرب الشَّديد وَإِلَّا بِأَن كَانَ فعلا أَو وَصفا أَو حرفا فَهِيَ تَبَعِيَّة نَحْو نطقت الْحَال أَو الْحَال ناطقة بِكَذَا إستعير النُّطْق للدلالة وَوجه
стр. 133
التَّشْبِيه إِيصَال الْمَعْنى للذهن وإيضاحه نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿فالتقطه آل فِرْعَوْن ليَكُون لَهُم عدوا وحزنا﴾ إستعيرت لَام التَّعْلِيل للغاية أَو لم تقترن بِصفة وَلَا تَفْرِيع مِمَّا يلائم الْمُسْتَعَار لَهُ أَو مِنْهُ فمطلقة نَحْو عِنْدِي أَسد أَو قرنت بِمَا يلائم الْمُسْتَعَار لَهُ فمجردة كَقَوْلِه
(غمر الرِّدَاء إِذا تَبَسم ضَاحِكا ... علقت بضحكته رِقَاب المَال)
أَي كثير الْعَطاء إستعار لَهُ الرِّدَاء لِأَن الْعَطاء يصون صَاحبه كَمَا يصون الرِّدَاء مَا يلقِي عَلَيْهِ ثمَّ وَصفه بالغمر الَّذِي يُنَاسب الْعَطاء تجريدا
أَو قرنت بِمَا يلائم الْمُسْتَعَار مِنْهُ فمرشحة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذين اشْتَروا الضَّلَالَة بِالْهدى فَمَا ربحت تِجَارَتهمْ﴾ استعير الاشتراء للاستبدال ثمَّ فرع عَلَيْهِمَا مَا يلائم الاشتراء من الرِّبْح وَالتِّجَارَة أَو اضمر التَّشْبِيه فِي النَّفس فَلم يُصَرح بِشَيْء من أَرْكَانه سوى الْمُشبه فبالكناية أَي فَهُوَ اسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ وَيدل عَلَيْهِ أَي على التَّشْبِيه الْمُضمر إِثْبَات أَمر مُخْتَصّ بالمشبه بِهِ للمشبه وَهُوَ أَي الْإِثْبَات الْمَذْكُور الإستعارة التخييلية كَقَوْلِه
(وَإِذا الْمنية أنشبت أظفارها ... )
شبه المينة فِي اغتيال النُّفُوس بالقهر وَالْغَلَبَة بالسبع وَأثبت لَهَا أمرا مُخْتَصًّا بِهِ وَهُوَ الْأَظْفَار
ومركب عطف على مُفْرد وَهُوَ الثَّانِي من قسمي الْمجَاز وَهُوَ اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل فِيمَا شبه بِمَعْنَاهُ الْأَصْلِيّ تَشْبِيه تَمْثِيل فَإِن كَانَ وَجهه منتزعا من مُتَعَدد مُبَالغَة كَقَوْلِك للمتردد فِي أَمر أَرَاك تقدم رجلا وتؤخر أُخْرَى تَشْبِيها لصورة تردده فِي ذَلِك الْأَمر بِصُورَة تردد من قَامَ يذهب فَتَارَة يُرِيد الذّهاب فَيقدم رجلا وَتارَة لَا يُرِيد فيؤخر أُخْرَى فَاسْتعْمل فِي الصُّورَة الأولى الْكَلَام الدَّال على الثَّانِيَة وَوجه الشّبَه هُوَ الْإِقْدَام تَارَة والإحجام أُخْرَى وَهُوَ منتزع من عدَّة أُمُور
стр. 134
الْكِنَايَة لفظ أُرِيد بِهِ لَازم مَعْنَاهُ مَعَ جَوَاز إِرَادَته أَي ذَلِك الْمَعْنى مَعَه أَي لَازمه كَلَفْظِ طَوِيل النجاد المُرَاد بِهِ طول الْقَامَة وَيجوز أَن يُرَاد بِهِ حَقِيقَة طول النجاد أَي حمائل السَّيْف أَيْضا وَبِه يُفَارق الْمجَاز فَإِنَّهُ لَا يجوز فِيهِ إِفَادَة الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ للقرينة الْمَانِعَة عَن إِرَادَته وَيطْلب بهَا إِمَّا صفة فَإِن كَانَ الِانْتِقَال من الْكِنَايَة إِلَى الْمَطْلُوب بِوَاسِطَة فبعيدة كَقَوْلِهِم كثير الرماد كِنَايَة عَن الْمُضَاف فَإِنَّهُ ينْتَقل من كَثْرَة الرماد إِلَى كَثْرَة إحراق الْحَطب وَمِنْهَا إِلَى كَثْرَة الطبائخ وَمِنْهَا إِلَى كَثْرَة الْأكلَة وَمِنْهَا إِلَى كَثْرَة الضيفان وَمِنْهَا إِلَى الْمَقْصُود
وَإِلَّا بِأَن كَانَ الِانْتِقَال بِلَا وَاسِطَة فَهِيَ قريبَة كطويل النجاد كِنَايَة عَن طول الْقَامَة أَو يطْلب بهَا نِسْبَة أَي إِثْبَات أَمر لأمر أَو نَفْيه عَنهُ كَقَوْلِه
(إِن السماحة والمروءة والندى ... فِي قبَّة ضربت على ابْن الحشرج)
أَرَادَ إِثْبَات اخْتِصَاصه بِهَذِهِ الصِّفَات وَلم يُصَرح بهَا بقوله هُوَ مُخْتَصّ بهَا أَو نَحوه بل كنى بِأَن جعلهَا فِي قبَّة مَضْرُوبَة عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِذا أثبت الْأَمر فِي مَكَان الرجل فقد أثبت لَهُ أَو لَا يطْلب بهَا لَا صفة وَلَا نِسْبَة بل الْمَوْصُوف كَقَوْلِنَا كِنَايَة عَن الْإِنْسَان حَيّ مستوى الْقَامَة عريض الْأَظْفَار وتتفاوت إِلَى تَعْرِيض وَهُوَ مَا سبق من الْكِنَايَة لأجل مَوْصُوف غير مَذْكُور كَقَوْلِك فِي عرض من يُؤْذِي الْمُسلمين الْمُسلم من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده
وتلويح وَهُوَ مَا كثرت فِيهِ الوسائط كَمَا فِي كثير الرماد ورمز وَهُوَ مَا قلت وسائطه مَعَ خَفَاء فِي اللُّزُوم كعريض الْقَفَا كِنَايَة عَن الأبله وإيماء وَإِشَارَة وهما مَا قلت وسائط بِلَا خَفَاء كَقَوْلِه
(أَو مَا رَأَيْت الْمجد ألْقى رَحْله ... فِي آل طَلْحَة ثمَّ لم يتَحَوَّل)
وَهِي وَالْمجَاز والاستعارة أبلغ من الْحَقِيقَة وَالتَّصْرِيح والتشبيه لف وَنشر مشوش أَي الْكِنَايَة أبلغ من التَّصْرِيح لِأَن الإنتقال فِيهَا من الْمَلْزُوم إِلَى اللَّازِم فَهُوَ كدعوى الشَّيْء بِبَيِّنَة وَالْمجَاز أبلغ من الْحَقِيقَة لذَلِك الِاسْتِعَارَة أبلغ من التَّشْبِيه لِأَنَّهَا مجَاز وَهُوَ حَقِيقَة
стр. 135
علم البديع
علم يعرف بِهِ وُجُوه تَحْسِين الْكَلَام بعد رِعَايَة الْمُطَابقَة لمقْتَضى الْحَال ووضوح الدّلَالَة أَي الْخُلُو عَن التعقيد لِأَنَّهَا إِنَّمَا تعد محسنة بعدهمَا
أَنْوَاعه أَي البديع وَهِي الْوُجُوه الْمَذْكُورَة كَثِيرَة جدا تربو على الْمِائَتَيْنِ وَفِي بديعية الصفى مِنْهَا مائَة وَخَمْسُونَ نوعا وَمر مِنْهَا كثير فِي فني الْمعَانِي وَالْبَيَان كأقسام الإطناب وَنَذْكُر هُنَا غالبها
الْمُطَابقَة الْجمع بَين ضدين فِي الْجُمْلَة أَي مُتَقَابلين سَوَاء تضادا فِي الْحَقِيقَة نَحْو ﴿يحيي وَيُمِيت﴾ ﴿وتحسبهم أيقاظا وهم رقود﴾ أم لَا نَحْو ﴿لَهَا مَا كسبت وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت﴾ ﴿وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ﴾ يعلمُونَ ظَاهرا من الْحَيَاة الدُّنْيَا فَإِن ذكر مَعْنيانِ فَأكْثر ثمَّ ذكر مقابلهما مُرَتبا فمقابلة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فليضحكوا قَلِيلا وليبكوا كثيرا﴾ وَقَول الصفي كَانَ الرضى لدنوي من خواطرهم فَصَارَ سخطي لبعدي عَن جوارهم وأذكر متناسبان فَأكْثر فمراعاة النظير كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿الشَّمْس وَالْقَمَر بحسبان﴾ وَقَول البحتري فِي صفة الْإِبِل
(كالقسى معطفات بل الاسهم ... مبرية بل الأوتار)
أَو ختم الْكَلَام بمناسب الْمَعْنى الْمُبْتَدَأ بِهِ فمتشابه الاطراف كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير﴾ فَإِن اللَّطِيف يُنَاسب كَونه غير مدرك والخبير يُنَاسب كَونه مدْركا أَو ذكر قبل الْعَجز من الْفَقْرَة أَو الْبَيْت مَا يدل عَلَيْهِ فإرصاد وتسهيم كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ الله ليظلمهم وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظْلمُونَ﴾
стр. 136
) وَقَوله
(إِذا لم تستطع شيأ فَدَعْهُ ... وجاوزه إِلَى مَا تَسْتَطِيع)
أَو ذكره الشَّيْء بِلَفْظ غَيره لاقترانه بِهِ فمشاكلة كَقَوْلِه
(قَالُوا اقترح شيأ نجد لَك طبخه ... قلت أطبخوا الي حَبَّة وقميصا)
عبر عَن خيطوا باطبخوا لاقترانه بطبخ الطَّعَام وَكَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿تعلم مَا فِي نَفسِي وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك﴾ أطلق النَّفس على ذَات الله تَعَالَى مشاكلة لما قبله
المزاوجة أَن يزاوج بَين مَعْنيين فِي شَرط وَجَزَاء بِأَن يُورد فِي كل معنى مُرَتبا عَلَيْهِ آخر كَقَوْلِه
(إِذا مَا نهى الناهي فلج بِي الْهوى ... أصاخت إِلَيّ الواشي فلج بهَا الهجر)
الْعَكْس تَقْدِيم جُزْء فِي الْكَلَام ثمَّ تَأْخِيره كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لَا هن حل لَهُم وَلَا هم يحلونَ لَهُنَّ﴾ وَقَوْلهمْ سَادَات الْعَادَات عادات السادات الرُّجُوع الْعود على كَلَام سَابق بِالنَّقْضِ لَهُ لنكتة كَقَوْل زُهَيْر
(قف بالديار الَّتِي لم يعفها الْقدَم ... بلَى وَغَيرهَا الْأَرْوَاح والديم)
أثبت دروسها بعد نَفْيه لنكتة إِظْهَار الْقد لَهُ والتحبير
التَّوْبَة إِطْلَاق لفظ لَهُ مَعْنيانِ قريب وبعيد وإدارة الْبعيد كَقَوْلِه
(وواد حكى الخنساء لَا فِي شجونه ... وَلَكِن لَهُ عينان تجْرِي على صَخْر)
فَإِن أُرِيد أَحدهمَا أَي الْمَعْنيين للفظ ثمَّ أُرِيد بضميره الآخر فاستخدام كَقَوْلِه
(إِذا نزل السَّمَاء بِأَرْض قوم ... رعيناه وَلَو كَانُوا غضابا)
стр. 137
أَرَادَ بالسماء الْمَطَر وبالضمير فِي رعيناه النيات الناشيء عَنهُ اللف والنشرذكر مُتَعَدد ثمَّ ذكر مَالك مِنْهُ بِلَا تعْيين ثِقَة بِأَن السَّامع يردهُ إِلَيْهِ سَوَاء ذكر على تَرْتِيب الأول كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَمن رَحمته جعل لكم اللَّيْل وَالنَّهَار لتسكنوا فِيهِ ولتبتغوا من فَضله﴾ أم لَا كَقَوْلِه
(كَيفَ أسلو وَأَنت حقف وغصن ... وغزال لحظا وقدا وردفا)
الْجمع أَن يجمع بَين مُتَعَدد أثنين أَو أَكثر فِي حكم كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿المَال والبنون زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ وَقَول أبي الْعَتَاهِيَة
(إِن الشَّاب والفراغ وَالْجدّة ... مفْسدَة للمرء أَي مفْسدَة)
فَإِن فرقت بَين جهتي الإدخال فَجمع وتفريق كَقَوْلِه
(فوجهك كالنار فِي ضوئها ... وقلبي كالنار فِي صدرها)
التَّقْسِيم ذكره أَي المتعدد ثمَّ إِضَافَة مَالك إِلَيْهِ معينا وَبِهَذَا الْقَيْد يخرج اللف والنشر كَقَوْلِه
(وَلَا يُقيم على ضيم يُرَاد بِهِ ... إِلَّا الأذلان غير الْحَيّ والوتد)
(هَذَا على الْخَسْف مربوط برمتِهِ ... وَذَا يشج فَلَا يرثي لَهُ أحد)
وَفِي الْبَيْت الأول التوشيع فَإِن قسمت بعد الْجمع فَجمع وتقسيم كَقَوْلِه
(حَتَّى أَقَامَ على أرباض خرشنة ... يشقي بِهِ الرّوم والصلبان وَالْبيع)
(للسبي مَا نكحوا وَالْقَتْل مَا ولدُوا ... والنهب مَا جمعُوا وَالنَّار مَا زرعوا)
التَّجْرِيد أَن ينتزع من أَمر ذِي صفة أَمر آخر مثله فِيهَا مُبَالغَة فِي كمالها أَي الصّفة فِيهِ أَي الْأَمر كَقَوْلِك لي من فلَان صديق حميم أَي بلغ من الصداقة حدا صَحَّ مَعَه أَن يستخلص مِنْهُ آخر مثله فِيهَا
الْمُبَالغَة أَن يَدعِي لوصف بُلُوغه فِي الشدَّة أَو الضعْف حدا مستحيلا أَو مستبعدا لِئَلَّا يظنّ أَنه غير متناه فِيهِ فَإِن أمكن الْمُدَّعِي عقلا وَعَاد فتبليغ كَقَوْلِه فِي صفة الْفرس
стр. 138
(فعادي عداء بَين ثَوْر ونعجة ... درا كأفلم ينضح بِمَاء فَيغسل)
أدعى أَنه أدْرك ثَوْر أَو بقرة وحشيين فِي مضمار وَاحِد وَلم يعرق وَذَلِكَ مُمكن عقلا وَعَادَة أَو أمكن عقلا لإعادة فإغراق بِالْمُعْجَمَةِ كَقَوْلِه فِي النَّبِي ﷺ
(لَو شَاءَ إغراق من ناوأه مد لَهُ ... فِي الْبر بحرا بموج مِنْهُ ملتطم)
وهما مقبولان أَو لم يكن لَا عقلا وَلَا عَادَة فغلو والمبقول مِنْهُ مَا قرب إِلَى الصِّحَّة بِلَفْظ يدْخل عَلَيْهِ كيكاد كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿يكَاد زيتها يضيء وَلَو لم تمسسه نَار﴾ أَو تضمن تخييلا حسنا كَقَوْلِه
(يخيل لي أَن سمر الشهب فِي الدجى ... وشدت بأهداب إلَيْهِنَّ أجفاني)
إدعى أَنه يخيل أَن النُّجُوم محكمَة بالمسامير لَا تَزُول من مَكَانهَا وَأَن جفون عَيْنَيْهِ شدت بأهدابها إِلَيْهَا لطول سهره فِي ذَلِك اللَّيْل وَهُوَ مُمْتَنع عقلا وَعَادَة لكنه تخيل حسن أَو تضمن هزلا كَقَوْلِه
(اسكر بالْأَمْس إِن عزمت على الشّرْب ... غذا إِن ذَا من الْعجب)
وَلَا يقبل مِنْهُ غير ذَلِك كَقَوْلِه
(وأخفت أهل الشّرك حَتَّى أَنه ... لتخافك النطف الَّتِي لم تخلق)
الْمَذْهَب الكلامي إِيرَاد حجَّة للمطلوب على طريقتهم أَي أهل الْكَلَام بِأَن تكون بعد تَسْلِيم الْمُقدمَات مستلزمة للمطلوب كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾ أَي خرجتا عَن نظامهما الْمشَاهد لوُجُود التمانع بَينهم على وفْق الْعَادة عِنْد تعدد الْحَاكِم من التمانع فِي الشَّيْء وَعدم الإتفاق عَلَيْهِ حسن التَّعْلِيل أَن يَدعِي لوصف عِلّة مُنَاسبَة لَهُ بِاعْتِبَار لطيف غير حَقِيقِيّ أَي بِأَن ينظر نظرا مُشْتَمِلًا على لطف ودقة وَلَا تكون عِلّة لَهُ فِي الْوَاقِع كَقَوْلِه
(لم يحك نائلك السَّحَاب وَإِنَّمَا ... حمت بِهِ فصبيبها الرحضاء)
стр. 139
إدعى أَن عِلّة نزُول الْمَطَر عرق حماها الْحَادِثَة بِسَبَب عَطاء الممدوح حسدا لَهُ وَهُوَ اعْتِبَار لطيف وَلَيْسَ عِلّة فِي الْوَاقِع
التَّفْرِيع بِالْمُهْمَلَةِ أَن يثبت لمتعلق أَمر حكم بعد إثْبَاته لآخر من متعلقاته كَقَوْلِه
(أحلامكم لسقام الْجَهْل شافية ... كَمَا دماؤكم تشفي من الْكَلْب)
أثبت الشِّفَاء لدمائهم بعد إثابته لأحكامهم تَأْكِيدًا لمدح يشبه الذَّم وَعَكسه أَي تَأْكِيد الذَّم بِمَا يشبه الْمَدْح أَن يخرج من صفة مدح أَو ذمّ منفية عَن الشَّيْء صفة مِنْهُ بِتَقْدِير دُخُولهَا فِيهَا وَذَلِكَ يكون باستثناء واستدراك وصف مِمَّا قبله كَقَوْلِه
(وَلَا عيب فيهم غير أَن سيوفهم ... بِهن فلول من قراع الْكَتَائِب)
وَقَوله
(هُوَ الْبَدْر إِلَّا أَنه الْبَحْر زاخرا ... سوى أَنه الضرغام لكنه الوبل)
ومثاله فِي الذَّم فلَان لَا خير فِيهِ إِلَّا أَنه يسيء الْأَدَب وَفُلَان فَاسق لكنه جَاهِل
الاستتباع الْمَدْح بِشَيْء على وَجه يستتبعه أَي الْمَدْح بآخر كَقَوْلِه
(نبهت من الْأَعْمَار مَا لَو حويته ... لهنئت الدُّنْيَا بأنك خَالِد)
مدحه بالنهاية فِي الشجَاعَة على وَجه استتبع مدحه بِكَوْنِهِ سَببا لصلاح الدُّنْيَا ونظامها
الادماج تضمين مَا سيق لشَيْء شَيْئا آخر كَقَوْلِه
(أَبى دَهْرنَا إسعافنا فِي نفوسنا ... وأسعفنا فِيمَن نحب ونكرم)
(فَقلت لَهُ نعماك فيهم أتمهَا ... ودع أمرنَا إِن الأهم الْمُقدم)
ضمن التهنئة بشكوى الدَّهْر
стр. 140
التَّوْجِيه أيراده أَي الْكَلَام مُحْتملا لوَجْهَيْنِ مُخْتَلفين كَقَوْلِه لأعور لَيْت عَيْنَيْهِ سَوَاء الإطراد أَن يُؤْتى باسم الممدوح وآبائه على التَّرْتِيب بِلَا تكلّف كَقَوْلِه
(إِن يَقْتُلُوك فقد ثللت عروشهم ... بعتيبة بن الْحَارِث بن شهَاب)
وَمِنْهَا أَي أَنْوَاع البديع القَوْل بِالْمُوجبِ بِأَن تقع صفة فِي كَلَام الْغَيْر كِنَايَة شَيْء فتثبتها لغيره كَقَوْلِه
(وإخوان حسبتهم دروعا ... فكانوها وَلَكِن للأعادي)
(وخلتهم سهاما صائبات ... فكانوها وَلَكِن فِي فُؤَادِي)
(وَقَالُوا قد صفت منا قُلُوب ... لقد صدقُوا وَلَكِن عَن ودادي)
وتجاهل الْعَارِف بِأَن يساق الْمَعْلُوم مساق الْمَجْهُول كقولها
(أيا شجر الخابور مَالك مورقا ... كَأَنَّك لم تجزع على ابْن طريف)
وَقَوله
(بِاللَّه يَا ظبيات القاع قُلْنَ لنا ... ليلاي مِنْكُن أم ليلِي من الْبشر)
والهزل المُرَاد بِهِ الْجد كَقَوْلِه
(إِذا مَا تميمي أَتَاك مفاخرا ... فَقل عد عَن ذَا كَيفَ أكلك للضب)
وَمَا مر من الْأَنْوَاع معنوي واللفظي أَنْوَاع مِنْهَا الجناس بَين اللَّفْظَيْنِ وَهُوَ تشابهما لفظا فَإِن أتفقا حروفا وعددا وهيئة وَكَانَا من نوع كإسمين فمماثل نَحْو وَيَوْم تقوم السَّاعَة يقسم المجرمون مَا لَبِثُوا غير سَاعَة أَو من نَوْعَيْنِ كاسم وَفعل فمستوفي كَقَوْلِه
(مَا مَاتَ من كرم الزَّمَان فَإِنَّهُ ... يحيا لَدَى يحيى بن عبد الله)
أَو أَحدهمَا مركب من كَلِمَتَيْنِ فتركيب فَإِن اتفقَا خطأ فمتشابه كَقَوْلِه
(إِذا ملك لم يكن ذاهبه ... فَدَعْهُ فدولته ذاهبه)
стр. 141
وَإِلَّا بِأَن اخْتلفَا خطأ فَهُوَ مغروق كَقَوْلِه
(كلكُمْ قد أَخذ الْجَام وَلَا جَام لنا ... مَا الَّذِي ضرمير الْجَام لَو جاملنا)
أَو اخْتلفَا شكلا فمحرف أَو نقطا فمصحف مثالهما قَوْلهم جُبَّة الْبرد جنَّة الْبرد أَو اخْتلفَا عددا فناقص فَإِن كَانَ الزَّائِد بِحرف فِي الأول فمطرف كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿والتفت السَّاق بالساق إِلَى رَبك يَوْمئِذٍ المساق﴾ أَو بِحرف فِي الْوسط فمكتنف نَحْو جدي جهدي أَو بِحرف فِي الآخر فمذيل نَحْو دمعي هام هامل وقلبي واه واهل أَو اخْتلفَا حرفا أَي فِي جنس الْحَرْف لَا الْعدَد فَإِن تقاربا مخرجا فمضارع نَحْو بيني وَبَيْنك ليل دامس وَطَرِيق طامس وهم ينهون عَنهُ وينأون عَنهُ الْخَيل مَعْقُول فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر وَإِلَّا فَهُوَ لَاحق نَحْو ﴿ويل لكل همزَة لُمزَة﴾ ﴿بِمَا كُنْتُم تفرحون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق وَبِمَا كُنْتُم تمرحون﴾ ﴿جَاءَهُم أَمر من الْأَمْن﴾
أَو اخْتلفَا ترتيبا فمقلوب نَحْو حسامه فتح لأوليائه لأعدائه اللَّهُمَّ اسْتُرْ عورتنا وآمن روعتنا فَإِن كَانَا أَي اللفظان المقلوبان أَحدهمَا أول الْبَيْت وَالْآخر آخِره فمجنح كَقَوْلِه فِي البديعية
(مهدأ خارجرم مرك أَخا نَدم ... مدن أخاكرم مرج أخادهم)
أَو تشابها أَي اللفظان فِي بعض الْحُرُوف فَطلق نَحْو قَالَ إِنِّي لعملكم من القالين أَو أجتمعا فِي الأَصْل فاشتقاق نَحْو فأقم وَجهك للدّين الْقيم أَو توالى متجانسان فازدواج نَحْو وجئتك من سبأ بِنَبَأٍ رد الْعَجز على الصَّدْر الْخَتْم بمرادف البدء أَي المبدوء بِهِ أَو مجانسه كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وتخشى النَّاس وَالله أَحَق أَن تخشاه﴾ و ﴿اسْتَغْفرُوا ربكُم إِنَّه كَانَ غفارًا﴾ وَقَول الارجاني
стр. 142
(دَعَاني منملامكما دَعَاني ... فداعي الشوق قبلكما دَعَاني)
السجع تواطؤ الفاصلتين من النثر على حرف وَاحِد فَهُوَ فِي النثر كالقافية فِي الشّعْر فَإِن اخْتلفَا وزنا فمطرف نَحْو ﴿مَا لكم لَا ترجون لله وقارا وَقد خَلقكُم أطوارا﴾ أَو اسْتَوَى الْقَرِينَتَانِ وزنا وتقفية فترصيع كَقَوْل الحريري
(فَهُوَ يطبع الأسجاع بجواهر لَفظه ... ويقرع الأسماع بزواجر وعظه)
وَإِلَّا بِأَن تستويا وزنا فمتواز كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فِيهَا سرر مَرْفُوعَة وأكواب مَوْضُوعَة﴾
التشريع هُوَ بِنَاء الْبَيْت على قافيتين يَصح الْمَعْنى بِالْوُقُوفِ على كل مِنْهُمَا كَقَوْل الحريري
(يَا خَاطب الدُّنْيَا الدنية إِنَّهَا ... شرك الردي وقرارة الأكدار)
(دَار مَتى مَا أضحكت فِي يَوْمهَا ... أبكت غَدا بعدا لَهَا من دَار)
لُزُوم مَا لَا يلْزم الْتِزَام حرف قبل الروي وَهُوَ آخر الْبَيْت وَقبل الفاصلة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَأَما الْيَتِيم فَلَا تقهر وَأما السَّائِل فَلَا تنهر﴾ وَقَول المعري
(كل وأشرب النَّاس على خبْرَة ... فهم يَمرونَ وَلَا يُعَذبُونَ)
(وَلَا تصدقهم إِذا حدثوا ... فإنني أعهدهم يكذبُون)
الْقلب أَن يقْرَأ عكس الْكَلَام كطرده نَحْو ﴿كل فِي فلك﴾ ﴿وَرَبك فَكبر﴾ التَّضْمِين ذكر شَيْء من كَلَام الْغَيْر فِي كَلَامه فَإِن كَانَ المضمن بَيْتا فاستعانة لِأَنَّهُ اسْتَعَانَ بِهِ كَقَوْل شيخ الْإِسْلَام أبي الْفضل بن حجر فِي مرتبَة شَيْخه شيخ الْإِسْلَام البُلْقِينِيّ رَحمَه الله تَعَالَى
(مُحدث قل لمن كَانُوا قد اجْتَمعُوا ... اليسمعوا مِنْهُ فزتم مِنْهُ بالوطر)
(علوتم فتواضعتم على ثِقَة ... لما تواضع أَقوام على غرر)
стр. 143
الْبَيْت الثَّانِي تضمين من قصيدة لأبي الْعَلَاء أَو مصراعا فَمَا دونه فإيداع ورفو لِأَنَّهُ أودع شعره كَلَام الْغَيْر ورفاه بِهِ كَقَوْلي
(الْبَحْث إِن يَبْدُو ويحلو قَصده ... كالبدر لم ير حَاجِب من دونه)
(والبحث فِي يَده التَّأَمُّل مَا انجلا ... كالبدر يشرق من خلال غصونه)
ضمنت صدر قَول الْقَائِل
(والبدر يشرق من خلال غصونه ... مثل الْمليح يطلّ من شباك)
وَقَوْلِي
(أَن ابْن ادريس حَقًا ... بِالْعلمِ أولى وَأَحْرَى)
(لِأَنَّهُ من قُرَيْش ... وَصَاحب الْبَيْت أدرى)
ضمنت ثُلثي قَول الْقَائِل وَصَاحب الْبَيْت أدرى بِالَّذِي فِيهِ أَو ضمن من الْقُرْآن والْحَدِيث فاقتباس كَقَوْلِه
(إِن كنت أزمعت على هجرنا ... من غير مَا جرم فَصَبر جميل)
(وَإِن تبدلت بِنَا غَيرنَا ... فحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل)
وَقَوْلِي
(قد بلينا فِي عصرنا بقضاة ... يظْلمُونَ الْأَنَام ظلما عَم) ا
(يَأْكُلُون التراث أكلا لما ... وَيُحِبُّونَ المَال حبا جما)
وكقول ابْن عباد
(قَالَ لي إِن رقيبي ... سيء الْخلق فداره)
(قلت دَعْنِي وَجهك الْجنَّة ... حفت بالمكاره)
اقتبس حَدِيث خفت الْجنَّة بالمكارة أَو فِيهِ إِشَارَة إِلَى قصَّة أَو شعر مَشْهُور فتلميح بِتَقْدِيم اللَّام على الْمِيم كَقَوْلِه
(فوَاللَّه مَا أَدْرِي أأحلام نَائِم ... ألمت بِنَا أم كَانَ فِي الركب يُوشَع)
стр. 144
إِشَارَة إِلَى قصَّة يُوشَع ﵊ واستيقافه الشَّمْس وَقَوله لعَمْرو
(مَعَ الرمضاء وَالنَّار تلتظى ... أرق وأحفى مِنْك فِي سَاعَة الكرب)
أَشَارَ إِلَى الْبَيْت الْمَشْهُور
(المستجير بِعَمْرو عِنْد كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنَّار)
أَو نظم نثر فعقد كَقَوْلِه
(مَا بَال من أَوله نُطْفَة ... وجيفة آخِره يفخر)
عقد قَول عَليّ ﵁ مَا لِابْنِ آدم وَالْفَخْر وَإِنَّمَا أَوله نُطْفَة وَآخره جيفة أَو عَكسه أَي نثر نظم فَحل كَقَوْل بَعضهم فَإِنَّهُ لم قبحت فعلاته وحنظلت نخلاته لم يزل سوء الظَّن يقتاده وَيصدق توهمه الَّذِي يعتاده
حل قَول المتنبي
(إِذا سَاءَ فعل الْمَرْء ساءت ظنونه ... وَصدق مَا يعتاده من توهم)
وَالْأَصْل فِي حسن أَنْوَاع البديع اللفظية تَبَعِيَّة اللَّفْظ للمعنى لَا عَكسه بِأَن يكون الْمَعْنى تَابعا للفظ لِأَن الْمعَانِي إِذا تركت على سجيتها طلبت لأنفسها ألفاظا تلِيق بهَا فَيحسن اللَّفْظ وَالْمعْنَى جَمِيعًا وَإِذا أَتَى بالألفاظ متكلفة مصنوعة وَجعل الْمعَانِي لَهَا تَابِعَة كَانَ كظاهر مموه على بَاطِن مُشَوه
وَيَنْبَغِي للمتكلم التأنق أَي الْمُبَالغَة فِي الْحسن فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع الإبتداء بِأَن يَأْتِي بِمَا يُنَاسب الْمقَام كَقَوْلِه فِي التهنئة
(بشرى فقد أنْجز الإقبال مَا وَعدا ... وكوكب الْمجد فِي أفق الْعلَا صعدا)
وَقَوله فِي دَار
(قصر عَلَيْهِ تَحِيَّة وَسَلام ... خلعت عَلَيْهِ جمَالهَا الايام)
وَقَوله فِي الدُّنْيَا
(هِيَ الدُّنْيَا تَقول بملء فِيهَا ... حذار حذار من بطشي وفتكي)
стр. 145
ويجتنب فِي الْمَدْح وَنَحْوه مَا يتطير بِهِ كَقَوْلِه
(موعد أحبابك بِالْفرقِ غَد ... )
وَثَانِيها التَّخَلُّص بِأَن ينْتَقل مِمَّا افْتتح بِهِ الْكَلَام من تشبيب أَو غَيره إِلَى الْمَقْصُود مَعَ رِعَايَة الْمَلَائِكَة بَينهمَا كَقَوْلِه
(تَقول فِي قومس قومِي وَقد أخذت ... منا السرى أَو خطى المهرية الْقود)
(أمطلع الشَّمْس تبغي أَن تؤم بِنَا ... فَقلت كلا وَلَكِن مطلع الْجُود)
وَثَالِثهَا الإنتهاء بِأَن يَأْتِي بِمَا يُؤذن بأنتهاء الْكَلَام كَقَوْلِه
(بقبيت الدَّهْر يَا كَهْف أَهله ... )
وَهَذَا دُعَاء للبرية شَامِل
علم التشريح
علم يبْحَث فِيهِ عَن أَعْضَاء الْإِنْسَان وَكَيْفِيَّة تركيبها وَسَيَأْتِي تَعْرِيفهَا
الجمجمة أَي الرَّأْس مركبة من سَبْعَة أعظم أَرْبَعَة جدران أَحدهَا عظم الْجَبْهَة ممتد من طرف القحف إِلَى آخر الْحَاجِب وَالثَّانِي مُقَابِله مؤخرها وَهُوَ أَصْلَب الجدران والآخران يمنة ويسرة وَفِيهِمَا الأذنان وَقَاعِدَة عظم وَاحِد صلب يجمل سَائِر الْعِظَام وقحف كالسقف للدماغ عظمان وشكله مستدير
اللحيان
اللحيان الْأَعْلَى مِنْهُمَا مركب من أَرْبَعَة عشر عظما والأسفل مركب من أَرْبَعَة عشر عظما والأسفل مركب من عظمين يجمع بَينهمَا الذقن وَفِيهِمَا اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ سنا فِي كل لحى سِتّ عشرَة ثنيتان ورباعيتان للْقطع ونابان للكسر وضاحكان وَسِتَّة أضراس للطحن وناخذان وَلَيْسَ لغَيْرهَا من الْعِظَام حس وأعينت هِيَ بالحس بِقُوَّة من الدِّمَاغ للتمييز بَين الْحَار والبارد
следующие страницы →