Полный текст (229 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
أمة الْفرس
ومساكنهم وسط الْمَعْمُور يُقَال لَهَا أَرض فَارس مِنْهَا كرمان والأهواز وأقاليم يطول ذكرهَا وَجَمِيع مَا دون جيحون من تِلْكَ الْجِهَات يُقَال لَهُ إيران وَهِي أَرض الْفرس وَأما مَا وَرَاء جيحون فَيُقَال لَهُ توران وَهُوَ أَرض التّرْك وَقد اخْتلف فِي نسب الْفرس فَقيل أَنهم من ولد فَارس ابْن أرم بن سَام وَقيل من ولد يافث وهم يَقُولُونَ أَنهم من ولد كيومرت وَهُوَ عِنْدهم الَّذِي ابْتَدَأَ مِنْهُ النَّسْل مثل آدم عندنَا ويذكرون أَن الْملك لم يزل فيهم من كيومرت إِلَى غَلَبَة الْإِسْلَام خلا تقطع حصل فِي مدد يسيرَة لَا يعْتد بِهِ مثل تغلب الضَّحَّاك وفراسياب التركي وملوك الْفرس عِنْد الْأُمَم أعظم مُلُوك الْعَالم وَكَانَت لَهُم الْعُقُول الوافرة والأحلام الراجحة وَكَانَ لَهُم من تَرْتِيب المملكة مَا لم يلحقهم فِيهِ أحد من الْمُلُوك وهم فرق كَثِيرَة فَمنهمْ الديلم وهم سكان الْجبَال وَمِنْهُم الجيل وأرضهم هِيَ سَاحل بَحر طبرستان وَمِنْهُم الكرد ومنازلهم جبال شهرزور وَقيل أَن الكرد من الْعَرَب ثمَّ تنبطوا وَقيل أَنهم أَعْرَاب الْعَجم وَكَانَ للْفرس مِلَّة قديمَة يُقَال لَهَا الكيومرتية أثبتوا إِلَهًا قَدِيما وسموه يَزْدَان وإلها مخلوقا من الظلمَة وسموه أهرمن وَالْأول عِنْدهم هُوَ الله وَالثَّانِي إِبْلِيس وأصل دينهم تَعْظِيم النُّور والتحرز من الظلمَة وَلِهَذَا عبدُوا النيرَان حَتَّى ظهر زرادشت من قَرْيَة من قرى أذربيجان فَصَارَت الْفرس على دينه وَلَهُم فِي خلق زرادشت وولادته كَلَام طَوِيل لَا فَائِدَة فِيهِ وَقَالَ بآله يُسمى أرمزد بالفارسي وَأَنه خَالق النُّور وَالظُّلم وَهُوَ وَاحِد لَا شريك لَهُ وَلَهُم أعياد ورسوم مِنْهَا النوروز والتيركان والمهرجان والفروردجان والكنبهارت
زعم زرادشت أَن فِي كل يَوْم خلق الله نوعا من الخليقة من سَمَاء وَأَرْض وَمَاء ونبات وحيوان وإنس فتم خلق الْعَالم فِي سِتَّة أَيَّام
أمة اليونان
وهم نجموا من رجل اسْمه اللن ولد سنة أَربع وَسبعين لمولد
стр. 107
مُوسَى ﵇ وَلم يعلمُوا قبل ذَلِك وَكَانُوا أهل شعر وفصاحة ثمَّ صَارَت فيهم الفلسفة فِي زمَان بخت نصر
قَالَ الشهرستاني أَن أبيد قليس كَانَ فِي زمن دَاوُد النَّبِي ﵇ وَكَذَلِكَ فيثاغورس كَانَ فِي زمن سُلَيْمَان وَهَذَا يُخَالف مَا سبق فَإِن بخت نصر بعد سُلَيْمَان بِأَكْثَرَ من أَرْبَعمِائَة سنة وبلاد اليونان كَانَت على الخليج القسطنطيني من شرقيه وغربيه إِلَى الْبَحْر الْمُحِيط وَهُوَ بَين بَحر الرّوم وبحر القلزم وَاسم القلزم فِي الْقَدِيم بَحر نيطش وهم فرقتان الإغريقيون واللطينيون
قيل أَنهم من ولد يافث وَهُوَ الصَّحِيح بِاتِّفَاق من الْمُحَقِّقين وَقيل من جملَة الرّوم من ولد الْعيص بن يَعْقُوب النَّبِي وَكَانَت مُلُوكهمْ من أعظم الْمُلُوك ودولتهم من أَفْخَر الدول وَلم يزَالُوا كَذَلِك حَتَّى غلبت عَلَيْهِم الرّوم وَلم يبْقى لَهُم ذكر وَكَانَت لَهُم الدولتان العظمتان للإسكندر والقياصرة من بعده الَّذين صبحهمْ الْإِسْلَام وهم مُلُوك بِالشَّام وَجَمِيع الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة مَأْخُوذَة عَنْهُم مثل الْعُلُوم المنطقية والطبيعية والإلهية والرياضية وَكَانُوا يسمون الْعلم الرياضي جوهرا مطريا وَهُوَ الْمُشْتَمل على علم الْهَيْئَة والهندسة والحساب واللحون والإيقاع وَغير ذَلِك وَكَانَ الْعَالم بهَا يُسمى فيلسوفا وَتَفْسِيره محب الْحِكْمَة وَمن فلاسفتهم تاليس الْمَلْطِي وَكَانَ فِي زمن بخت نصر وَأخذ عَن لُقْمَان وأبيدقليس وفيثاغورس وَكَانَا فِي زمن دَاوُد ﵉
وَزعم فيثاغورس أَنه سمع حفيف الْفلك وَوصل إِلَى مقَام الْملك وَقَالَ مَا سَمِعت شَيْئا ألذ من حركات الأفلاك وَلَا رَأَيْت شَيْئا أبهى من صورتهَا وبقراط الْحَكِيم وَنجم فِي سنة ١٩٦ لبخت نصر فَيكون قبل الْهِجْرَة بِأَلف وَمِائَة وبضع وَسبعين سنة وسقراط أَقَامَ فِي غَار وَنهى النَّاس عَن الشّرك وَعبادَة الْأَوْثَان حَتَّى قتل فِي الْحَبْس بالسم وأفلاطون الإلهي قَامَ مقَام سقراط حِين اغتيل وَجلسَ على كرسيه وأرسطوطاليس كَانَ تلميذا لأفلاطون وَكَانَ أفلاطون كَبِير حكماء الخليقة غير مُنَازع كَانَ يعلم الْحِكْمَة وَهُوَ ماش تَحت الرواق المظلل لَهُ من حر الشَّمْس
стр. 108
فَسمى تلاميذه بالمشائين فِي زمن الْإِسْكَنْدَر وَكَانَ ملكه لعهد أَرْبَعَة آلَاف وَثَمَانمِائَة من عهد الخليقة ولعهد أَرْبَعمِائَة أَو نَحْوهَا من بِنَاء رومة
وَبَين الْإِسْكَنْدَر وَالْهجْرَة تِسْعمائَة وَأَرْبع وَثَلَاثُونَ سنة فَيكون أفلاطون قبل ذَلِك بِمدَّة يسيرَة وَكَذَلِكَ سقراط قبله بِمدَّة يسيرَة أَيْضا فبالتقريب يكون بَين سقراط وَالْهجْرَة نَحْو ألف سنة وَبَين أفلاطون وَالْهجْرَة أقل من ألف سنة وطيماوس هُوَ من مَشَايِخ أفلاطون وَمن تلامذة أرسطو الْإِسْكَنْدَر الَّذِي ملك غَالب الْمَعْمُور من الغرب إِلَى الشرق وَاسْتولى على بِلَاد فَارس وتخطاها إِلَى بِلَاد السَّنَد فملكها ثمَّ زحف إِلَى بِلَاد الْهِنْد فغلب على أَكْثَرهَا وحاربه فَور ملك الْهِنْد فَانْهَزَمَ وَأَخذه الْإِسْكَنْدَر أَسِيرًا بعد حروب طَوِيلَة وَغلب على جَمِيع طوائف الهنود وَملك بِلَاد الصين والسند وَأقَام يتَعَلَّم على أرسطو خمس سِنِين وَبلغ فِيهَا أحسن المبالغ ونال من الفلسفة مَا لم ينله سَائِر تلاميذه وَمِنْهُم برقلس وَكَانَ بعد أرسطو وصنف كتابا أورد فِيهِ شبها فِي قدم الْعَالم وَمِنْهُم طيموخارس حَكِيم رياضي عَالم بهيئة الْفلك رصد الْكَوَاكِب فِي زَمَانه ذكره بطليموس فِي المجسطي وَكَانَ قبل بطليموس بأربعمائة وَعشْرين سنة وفرفوريوس من أهل مَدِينَة صور على الْبَحْر الرُّومِي بِالشَّام كَانَ بعد زمَان جالينوس فسر مشكلات كتب أرسطو وفلوطيس نقل تصانيف أرسطو من الرُّومِي إِلَى السرياني قَالَ وَلَا أعلم أَن شَيْئا مِنْهَا خرج إِلَى الْعَرَبِيّ وفولس الأجانيطي وَيعرف بالقوابلي
كَانَ خَبِيرا بطب النِّسَاء كثير المعاناة لَهُ وَكَانَ مقَامه بالإسكندرية ولسلون المتعصب يقرى فلسفة أفلاطون وينتصر لَهَا ومقسطراطيس شرح كتب أرسطو وأخرجها إِلَى الْعَرَبِيّ ومنطر الإسكندري كَانَ إِمَامًا فِي علم الْفلك وَاجْتمعَ هُوَ وافطيمن بالإسكندرية وأحكما آلَات الرصد ورصدا الْكَوَاكِب وحققاها وَكَانَا قبل بطليموس بِنَحْوِ خَمْسمِائَة وَإِحْدَى وَسَبْعُونَ سنة ومورطس لَهُ رياضة وحيل صنف كتابا فِي الْآلَة الْمُسَمَّاة بالأرغون وَهِي آلَة تسمع على سِتِّينَ ميلًا ومغنس من أهل حمص من تلامذة بقراط وَله كتاب الْبَوْل وَغَيره ومثروديطوس
стр. 109
كَانَ طَبِيبا ركب معجونا يُسمى باسمه وَكَانَ معتنيا بتجربة الْأَدْوِيَة وَأما بطليموس وجالينوس فزمانهما مُتَأَخّر عَن زمَان اليونان وَكَانَا فِي زمن الرّوم وَأَحَدهمَا قريب من الآخر
وَكَانَ بطليموس مقدما على جالينوس بِقَلِيل وَكَانَ بَين رصد بطليموس ورصد الْمَأْمُون سِتّمائَة وَتسْعُونَ سنة وَكَانَ رصد الْمَأْمُون بعد سنة مِائَتَيْنِ لِلْهِجْرَةِ فَيكون بَين الْهِجْرَة ورصد بطليموس أَرْبَعمِائَة وَتسْعُونَ سنة بالتقريب وَبَين جالينوس وَالْهجْرَة أَكثر من أَرْبَعمِائَة سنة بِقَلِيل وَذَلِكَ كُله بالتقريب
قَالَ ابْن خلدون وَمن حكماء اليونانين انكيثا غورس كَانَ مَعَ حكمته مبرزا فِي علم الطِّبّ وَبعث بِهِ بهمن ملك الْفرس إِلَى ملك اليونان فَامْتنعَ من إيفاده عَلَيْهِ ضنانة بِهِ وَكَانَ من تلاميذته جالينوس لعهد عِيسَى ﵇ وَمَات بصقلية وَدفن بهَا اقليدس صَاحب كتاب الأستقصاءات الْمُسَمّى باسمه وَكَانَ فِي أَيَّام مُلُوك البطالسة وَلم يكن بعد أرسطو بِبَعِيد وَلَيْسَ هُوَ مخترع كتاب اقليدس بل هُوَ جَامعه ومحرره ومحققه وَمِنْهُم ابرخس رصد الْكَوَاكِب وحققها وَكَانَ بَين رصده ورصد بطليموس مِائَتَان وَخمْس وَثَمَانُونَ سنة فارسية بالتقريب
أمة الْيَهُود
هم بَنو إِسْرَائِيل وَإِنَّمَا بَنو إِسْرَائِيل يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْخَلِيل وَكَانَ لإسرائيل اثْنَا عشر ابْنا وهم الأسباط
وَجَمِيع بني إِسْرَائِيل هم أَوْلَاد الأسباط وَأمة الْيَهُود أَعم مِنْهُم لِأَن كثيرا من أَجنَاس الْعَرَب وَالروم وَالْفرس وَغَيرهم صَارُوا يهودا وَلم يَكُونُوا من بني إِسْرَائِيل هم الأَصْل فِي هَذِه الْملَّة وَغَيرهم دخيل فِيهَا وَأما اسْم الْيَهُود فَيُقَال هاد الرجل أَي رَجَعَ وَتَابَ وَإِنَّمَا لَزِمَهُم هَذَا الِاسْم لقَوْل مُوسَى أَنا هدنا إِلَيْك أَي رَجعْنَا
وَقَالَ الْبَيْرُوتِي فِي الْآثَار الْبَاقِيَة لَيْسَ ذَلِك بِشَيْء وَإِنَّمَا سمي هَؤُلَاءِ
стр. 110
باليهود نِسْبَة إِلَى يهوذا أحد الأسباط وأبدلت الْمُعْجَمَة بِالْمُهْمَلَةِ قلت وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب لِأَن الْقُرْآن عَرَبِيّ والتوراة عبرانية وافترقت الْيَهُود فرقا كَثِيرَة
أمة النَّصَارَى
وهم أمة الْمَسِيح ﵇ وَلَهُم فِي تجسد الْكَلِمَة مَذَاهِب شَتَّى مِنْهُم من قَالَ أشرقت على الْجَسَد إشراق النُّور على الْجِسْم المشف وَمِنْهُم من قَالَ انطبعت فِيهِ انطباع النقش فِي الشمعة وَمِنْهُم من قَالَ تدرع اللاهوت بالناسوت وَمِنْهُم من قَالَ مازجت الْكَلِمَة جَسَد الْمَسِيح ممازجة اللَّبن بِالْمَاءِ واتفقت النَّصَارَى على أَن الْمَسِيح قتلته الْيَهُود وصلبوه وافترقت على اثْنَتَيْنِ وَسبعين فرقة كبارهم ثَلَاث فرق الملكانية والنسطورية واليعقوبية
والبطاركة لِلنَّصَارَى بِمَنْزِلَة الْأَئِمَّة أَصْحَاب الْمذَاهب للْمُسلمين والمطارنة مثل الْقُضَاة والأساقفة مثل الْمُفْتِينَ والقسيسون بِمَنْزِلَة الْقُرَّاء والجاثليق بِمَنْزِلَة الإِمَام الَّذِي يؤم فِي الصَّلَاة والشمامسة بِمَنْزِلَة المؤذنين وقومة الْمَسَاجِد وَمن أعيادهم الشعانين وجمعة الصلبوت وَعِيد الفصح وَيَوْم الْأَحَد والسلاقا وَعِيد البنديقسطي والدنح وَعِيد الصَّلِيب والميلاد
وَأما الْإِنْجِيل فَهُوَ كتاب يتَضَمَّن أَخْبَار الْمَسِيح من وِلَادَته إِلَى وَقت خُرُوجه من هَذَا الْعَالم كتبه أَرْبَعَة نفر من أَصْحَابه وهم مَتى كتبه بفلسطين بالعبرانية ومرقوس كتبه بِبِلَاد الرّوم باللغة الرومية ولوقا كتبه بالإسكندرية باللغة اليونانية ويوحنا كتبه بافسس باليونانية أَيْضا وَمن الْأُمَم الدَّاخِلَة فِي دين النَّصَارَى أمة الرّوم كَانُوا صابئة حَتَّى تنصر قسطنطين وَحَملهمْ عَلَيْهِ حَتَّى تنصرُوا عَن آخِرهم
وَأما أُمَم النَّصَارَى فَهِيَ الأرمن وَالروم والبلغار وَكَانَ أصل الكرج والجراكسة نَصَارَى إِلَّا أَنهم الْآن مُسلمُونَ وَأما الْمُسلمُونَ القاطنون فِي جِهَات الرّوم ايلي فأصلهم نَصَارَى وَيُوجد فِي سوريا وحلب وبغداد وَغَيرهَا من الممالك العثمانية نَصَارَى ولغتهم الْعَرَبيَّة وَبَقِيَّة النَّصَارَى فِي
стр. 111
بِلَاد أوروبا وأميريكا وَغَيرهمَا وهم أُمَم مُخْتَلفَة مِنْهُم الجرمانيون والإنكليز أَعنِي البريطانيون والفرنساويون والطليانيون والروس وَغَيرهم والانكليزيون هم المسئولون الْآن على سلطنة الْهِنْد
أمة الْهِنْد
فرق كَثِيرَة ذكرهَا الشهرستاني فِي الْملَل والنحل مِنْهُم الباسومية واليهودية وَعَبدَة الْأَصْنَام وَعباد النَّار وَمِنْهُم البراهمة أَصْحَاب الفكرة وهم أهل الْعلم بالفلك والنجوم على طَريقَة تخَالف طَريقَة منجمي الرّوم والعجم وللهند ممالك مِنْهَا مملكة قنوج وَهِي مُنْقَطِعَة عَن الْبَحْر ولأهلها أصنام يتوارثون عبادتها ويزعمون أَن لَهَا نَحْو مِائَتي ألف سنة قَالَه أَبُو الفدا وَهِي الْيَوْم خاوية على عروشها كَأَن لم تغني بالْأَمْس ولنعم مَا قيل
(وَرَأَيْت معالم دراسة ... رسمته مزاولة السبل)
(وَسَأَلت رسوم الْأَرْبَع مَا ... فعلت بك سَابِقَة الْأَزَل)
(فأجابت قَالَ الله لنا ... وسؤالك من جِهَة الغفل)
(تِلْكَ الْأَيَّام نداولها ... لَا مكث لَهُنَّ على رجل) وَكَانَت هَذِه الْبَلدة هِيَ موطن آبَائِنَا مُنْذُ ثَلَاثمِائَة سنة تَقْرِيبًا حَتَّى خرجنَا مِنْهَا مُنْذُ أَعْوَام ثمَّ لم نعد ونزلنا ببلذة بهوبال وَبهَا نَعِيش فِي هَذِه الْأَيَّام وَهِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف هجرية وجزائر بَحر الْهِنْد فِي نِهَايَة الْكَثْرَة وَهِي فِي الْبَحْر قبالة هَذِه الممالك وَلها مُلُوك وكوائف وَأَيَّام ومحاربات قد أَكثر المصنفون فِيهَا الْكَلَام وَقد ذكرنَا طرفا من حَالهَا وَخبر فتوح فِي كتَابنَا حجج الْكَرَامَة فِي آثَار الْقِيَامَة فَإِن شِئْت أَن تطلع على مُعظم مجرياتها وتعلمها فَارْجِع إِلَيْهِ تَجدهُ كتابا لم يؤلف مثله قبل ذَلِك الزَّمَان وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَهُوَ الْمُسْتَعَان
أمة السَّنَد
وهم غربي الْهِنْد مِنْهَا على جَانب الْبَحْر وَيُقَال لَهَا بِلَاد اللان وَمِنْهَا فِي الْبر إِلَى جَانب الْحَبل وكل من ملك السَّنَد يُقَال لَهَا رتبيل وَمن المدن
стр. 112
الأول ملتان والمنصورة وَمن الثَّانِي قشمير وَكَانَ الْمُسلمُونَ غَالِبين عَلَيْهَا ثمَّ صَارَت هِيَ والهند فِي أَيدي الْكفَّار من البريطانية والنصرانية مُنْذُ مائَة عَام بل أَزِيد من ذَلِك
أُمَم السودَان
قيل هم من ولد حام وأديانهم مُخْتَلفَة فَمنهمْ مجوس وَمِنْهُم من يعبد الْحَيَّات وَمِنْهُم صَاحب أوثان وَقد رُوِيَ عَن جالينوس أَنهم يختصون بِعشر خِصَال وَهِي تفلفل الشّعْر وخفة اللحى وانتشار المنخرين وَغلظ الشفتين وتحدد الْأَسْنَان ونتن الْجلد وَسَوَاد اللَّوْن وتشقق الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ وَطول الذّكر وَكَثْرَة الطَّرب وَمن أعظم أممهم الْحَبَش وبلادهم تقَابل الْحجاز وَبَينهمَا الْبَحْر وَهِي بِلَاد طَوِيلَة عريضة وخصيانهم أَفْخَر الخصيان وَمِنْهُم النّوبَة وَيُقَال أَن لُقْمَان الْحَكِيم الَّذِي كَانَ مَعَ دَاوُد ﵇ من النّوبَة وَمِنْهُم ذُو النُّون الْمصْرِيّ وبلال بن حمامة مُؤذن الرَّسُول ﷺ وَمِنْهُم البجا وهم شديدو السوَاد عُرَاة يعْبدُونَ الْأَوْثَان وهم أهل أَمن وَحسن مرافقة للتجار وَمِنْهُم الدمادم وبلادهم على النّيل فَوق بِلَاد الزنج وهم تتر السودَان خَرجُوا عَلَيْهِم وَقتلُوا فيهم كَمَا جرى للتتر مَعَ الْمُسلمين وهم مهملون فِي أديانهم وَمِنْهُم الزنج وهم أَشد السودَان سوادا يعْبدُونَ الْأَوْثَان وَأهل بَأْس وقساوة وَمِنْهُم التكرور وهم على غربي النّيل كفار ومسلمون وَمِنْهُم الكانم وهم على مَذْهَب مَالك ومدينة غانة هِيَ من أعظم مدن السودَان وَهِي فِي أقْصَى جنوب الْمغرب
أُمَم الصين
هِيَ بِلَاد طَوِيلَة عريضة من الْمشرق إِلَى الْمغرب أَكثر من مسيرَة شَهْرَيْن طولا وعرضا من بَحر الصين فِي الْجنُوب إِلَى سد يَأْجُوج وَمَأْجُوج فِي الشمَال وَقيل أَن عرضهَا أَكثر من طولهَا حَتَّى يشْتَمل على الأقاليم السَّبْعَة وَأهل الصين أحسن النَّاس سياسة وَأَكْثَرهم عدلا وأحذق النَّاس فِي الصناعات وهم قصار القدود عِظَام الرؤوس أهل مَذَاهِب مُخْتَلفَة مجوس وَأهل أوثان وَأهل نيران ومدينتهم الْكُبْرَى يُقَال لَهَا جمدان
стр. 113
والصين الْأَقْصَى وَيُقَال لَهُ صين الصين هُوَ نِهَايَة الْعِمَارَة من حهة الشرق وَلَيْسَ وَرَاءه غير الْبَحْر الْمُحِيط ومدينته الْعُظْمَى يُقَال لَهَا السيلى
بني كنعان
هم أهل الشَّام وَإِنَّمَا سمي الشَّام شاما لسكنى سَام بن نوح بِهِ وسام اسْمه بالعبرانية شام بِالْمُعْجَمَةِ وَقيل تشاءمت بِهِ بَنو كنعان هُوَ ابْن حام ابْن نوح وَسَار مِنْهُم طَائِفَة إِلَى الْمغرب وهم البربر
أمة البربر
اخْتلف فيهم اخْتِلَافا كثيرا فَقيل أَنهم من ولد حام وهم يَزْعمُونَ أَنهم من ولد قيس عيلان وصنهاجة مِنْهُم تزْعم أَنَّهَا من ولد أفريقس الْحِمْيَرِي وزناتة مِنْهُم تزْعم أَنَّهَا من لخم وَالأَصَح انهم من ولد كنعان ابْن مازيع بن حام
وَلما قتل ملكهم جالوت وَكَانَ كل من ملك بني كنعان يلقب جالوت إِلَى أَن قتل دَاوُد جالوت آخر مُلُوكهمْ تَفَرَّقت بَنو كنعان وقصدت مِنْهُم طَائِفَة بِلَاد الْمغرب وَسَكنُوا تِلْكَ الْبِلَاد وهم البربر وقبائل البربر كَثِيرَة جدا مِنْهُم كتامة وصنهاجة والمصامدة وبرغواطة وهم مثل الْعَرَب فِي سُكْنى الصحارى وَلَهُم لِسَان غير الْعَرَبِيّ قَالَ أَبُو سعيد ولغاتهم ترجع إِلَى أصُول وَاحِدَة وتختلف فروعها حَتَّى لَا تفهم إِلَّا بترجمان
أمة عَاد
هم من ولد عَاد من ولد سَام بن نوح وبلادهم الْأَحْقَاف مُتَّصِلَة بِالْيمن وَأول من ملك مِنْهُم شَدَّاد قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ إِن شدادا هُوَ الَّذِي بنى مَدِينَة أرم فِي صحارى عدن وشيدها بصخور الذَّهَب وأساطين الْيَاقُوت والزبرجد يحاكي بهَا الْجنَّة لما سمع وصفهَا طغيانا مِنْهُ وعتوا وَيُقَال أَن باني أرم هَذِه هُوَ أرم بن عَاد وَذكر بن سعيد عَن الْبَيْهَقِيّ هُوَ أرم بن شَدَّاد بن عَاد الْأَكْبَر انْتهى
стр. 114
وَالصَّحِيح أَنه لَيْسَ هُنَاكَ مَدِينَة اسْمهَا ارْمِ وَإِنَّمَا هَذَا من خرافات الْقصاص وَإِنَّمَا يَنْقُلهُ ضعفاء الْمُفَسّرين وأرم الْمَذْكُورَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إرم ذَات الْعِمَاد﴾ الْقَبِيلَة لَا الْبَلَد وَكَانُوا ذَوي قُوَّة وبطش وَكَانَ لَهُم فِي الأَرْض آثَار عَظِيمَة حَتَّى قَالَ لَهُم هود ﵇ ﴿أتبنون بِكُل ريع آيَة تعبثون وتتخذون مصانع لَعَلَّكُمْ تخلدون وَإِذا بطشتم بطشتم جبارين﴾ وَقد كثر الِاخْتِلَاف فِي ذكرهم وَجَمِيع مَا ذكرُوا من ذَلِك مُضْطَرب غير قريب للصِّحَّة
أمة العمالقة
هم من ولد عمليق بن لاوذ بن سَام بهم يضْرب الْمثل فِي الطول والجسمان نزلُوا بِصَنْعَاء من الْيمن ثمَّ تحولوا إِلَى الْحرم وَكَانَ مِنْهُم جمَاعَة بِالشَّام وَأهل عمان الْبَحْرين وهم الَّذين قَاتلهم مُوسَى ثمَّ يُوشَع فأفناهم وَكَانَ مِنْهُم فَرَاعِنَة مصر والكنعانيون وَمن ملك يثرب وخيبر وَتلك النواحي
أُمَم الْعَرَب
الْعَرَب الْجَاهِلِيَّة أَصْنَاف وَلَهُم مَذَاهِب مُخْتَلفَة ذكرهَا الشهرستاني فِي الْملَل والنحل وقسمهم المؤرخون إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام بائدة وعاربة ومستعربة أما البائدة فهم الْعَرَب الأول الَّذين ذهبت عَنَّا تفاصيل أخبارهم لتقادم عَهدهم وهم عَاد وَثَمُود وجرهم الأولى وَكَانَت على عهد عَاد فبادوا ودرست أخبارهم وَأما جرهم الثَّانِيَة فهم من ولد قحطان وَثَبت أَن قحطان كَانَ يتَكَلَّم بِالْعَرَبِيَّةِ ولقنها عَن الأجيال قبله فَكَانَت لُغَة بنيه وَلذَلِك سموا الْعَرَب المستعربة وَلم يكن فِي آبَاء قحطان من لدن نوح ﵇ إِلَيْهِ من يتَكَلَّم بِالْعَرَبِيَّةِ وَكَذَلِكَ كَانَ أَخُوهُ قَانِع وَبَنوهُ إِنَّمَا يَتَكَلَّمُونَ بالعجمية إِلَى أَن جَاءَ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم فتعلم الْعَرَبيَّة من جرهم فَكَانَت لُغَة بنيه وهم أهل الطَّبَقَة الثَّالِثَة المسمون بالعرب التابعة للْعَرَب وَلم يبْق من ذكر الْعَرَب البائدة إِلَّا الْقَلِيل
стр. 115
وَأما الْعَرَب العاربة
فهم عرب الْيمن من ولد قحطان وَهَذِه الْأمة أقدم الْأُمَم من بعد قوم نوح وأعظمهم قدرَة وأشدهم قُوَّة وآثارا فِي الأَرْض وَأول أجيال الْعَرَب من الخليقة فِيمَا سمعناه لِأَن أَخْبَار الْقُرُون الْمَاضِيَة من قبلهم يمْتَنع اطلاعنا عَلَيْهَا لتطاول الأحقاب ودروسها إِلَّا مَا يقصه علينا الْكتاب ويؤثر من الْأَنْبِيَاء بِوَحْي الله إِلَيْهِم وَمَا سوى ذَلِك من الْأَخْبَار الأزلية فمقطع الْأُسْتَاذ وَلذَلِك كَانَ الْمُعْتَمد عِنْد الْإِثْبَات فِي أخبارهم مَا تنطق بِهِ آيَة الْقُرْآن فِي قصَص الْأَنْبِيَاء الأقدمين أَو مَا يَنْقُلهُ زعماء الْمُفَسّرين فِي تَفْسِيرهَا من أخبارهم وَذكر دولهم وحروبهم ينقلون ذَلِك عَن السّلف من التَّابِعين الَّذين أخذُوا عَن الصَّحَابَة أَو سَمِعُوهُ مِمَّن هَاجر إِلَى الْإِسْلَام من أَحْبَار الْيَهُود وعلمائهم أهل التَّوْرَاة أقدم الصُّحُف الْمنزلَة فِيمَا علمناه وَمَا سوى ذَلِك من حطام الْمُفَسّرين وأساطير الْقَصَص وَكتب بَدْء الخليقة فَلَا نعول على شَيْء مِنْهُ وَإِن وجد لمشاهير الْعلمَاء تأليف مثل كتاب الياقوتية للطبري والبدء للكسائي فَإِنَّمَا نَحوا فِيهَا منحى الْقصاص وجروا على أساليبهم وَلم يلتزموا فِيهَا الصِّحَّة وَلَا ضمنُوا لنا الوثوق بهَا فَلَا يَنْبَغِي التعويل عَلَيْهَا وتترك وشأنها وأخبار هَذَا الجيل من الْعَرَب وَإِن لم يَقع لَهَا ذكر فِي التَّوْرَاة إِلَّا أَن بني إِسْرَائِيل من بَين أهل الْكتاب أقرب إِلَيْهِم عصرا وأوعى لأخبارهم فَلذَلِك يعْتَمد نقل المهاجرة مِنْهُم لأخبار هَذَا الجيل
ثمَّ إِن هَذِه الْأُمَم على مَا نقل كَانَ لَهُم مُلُوك ودول وَأما الْعَرَب المستعربة فَعم ولد إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم ﵉
وَمن العاربة بَنو جرهم وَكَانَت مساكنهم بالحجاز
وَمِنْهُم بَنو سبأ وَاسم سبأ عبد شمس فَلَمَّا أَكثر الْغَزْو السَّبي سمي سبأ وَكَانَ لَهُ عدَّة أَوْلَاد
مِنْهُم حمير وكهلان وَجَمِيع قبائل عرب الْيمن وملوكها التبابعة من ولد سبأ الْمَذْكُور وَجَمِيع تبابعة الْيمن من ولد حمير بن سيأ خلا عمرَان
стр. 116
وأخيه مزيقيا فأنهما من ولد كهلان بن سبأ بني حمير بن سبأ
وَمِنْهُم التبابعة مُلُوك الْيمن
وَمِنْهُم قضاعة وَكَانَ مَالِكًا لبلاد الشحر وَمن قضاعة بَنو كلب نزلُوا فِي الْجَاهِلِيَّة دومة الجندل وتبوك وأطراف الشَّام
وَمِنْهُم حَارِثَة أَبُو زيد بن حَارِثَة الْكَلْبِيّ مولى رَسُول الله ﷺ
وَمِنْهُم بلَى وبهراء وجهينة وَكَانَت مَنَازِلهمْ بأطراف الْحجاز الشمالي من جِهَة بَحر جدة وَبَنُو سليخ وَبَنُو نهد وَبَنُو عذرة وشعبا بني كهلان
وَصَارَ مِنْهُم أَحيَاء كَثِيرَة وَالْمَشْهُور فِيهَا سَبْعَة وَهِي الأزد وطيء ومذحج وهمذان وَكِنْدَة ومولد وأنمار وَمن الأزد الغسانية والأوس والخزرج أهل يثرب والمسلمون مِنْهُم هم الْأَنْصَار وخزاعة وبارق ودوس وعتيك وغافق فَهَؤُلَاءِ بطُون الأزد وَحصل لخزاعة سدانة الْبَيْت والرئاسة وَالْأَكْثَر أَنَّهَا يَمَانِية وَمَا زَالَت فيهم حَتَّى أَخذهَا قصي بن كلاب وَأرْسل بهَا إِلَى مَكَّة
وَقَالَ معاشر قُرَيْش هَذِه مَفَاتِيح بَيت أبيكم إِسْمَاعِيل قد رَددتهَا عَلَيْكُم من غير عَار وَلَا ظلم وَظهر قصي على خُزَاعَة وأخرجها من مَكَّة
وَمن خُزَاعَة بَنو المصطلق الَّذين غزاهم رَسُول الله ﷺ وسكنت بَنو دوس إِحْدَى الشروات المظلة على تهَامَة وَكَانَت لَهُم دولة بأطراف الْعرَاق وَمن الدوس أَبُو هُرَيْرَة وَاخْتلف فِي اسْمه وَالْأَكْثَر أَن اسْمه عُمَيْر بن عَامر
وَأما عَتيق وغافق فقبيلتان مشهورتان فِي الْإِسْلَام وهم من ولد الأزد وَمن الأزد بَنو الجلندي مُلُوك عمان والجلندي لقب لكل من ملك مِنْهُم عمان وانْتهى ملك عمان فِي الْإِسْلَام إِلَى حبقر وَعبد ابْني الجلندي وأسلما مَعَ أهل عمان على يَد عَمْرو بن الْعَاصِ
وَنزلت طَيء بِنَجْد الْحجاز فِي جبلي أجأ وسلمى فعرفا بجبل طَيء
стр. 117
إِلَى يَوْمنَا هَذَا وَمن بطُون جديلة ونبهان وبولان وسلامان وَهِي سدوس بِضَم السِّين وَمن طَيء زيد الْخَيل وَسَماهُ رَسُول الله ﷺ زيد الْخَيْر وحاتم طَيء الْمَشْهُور بِالْكَرمِ وَمن بطُون مذْحج أَيْضا النخع وَمِنْهُم الأشتر النَّخعِيّ واسْمه مَالك بن حَارِث صَاحب رَسُول الله ﷺ ثمَّ عَليّ بن أبي طَالب
وَمن النخع سِنَان بن أنس قَاتل الْحُسَيْن وعنس وَهِي قَبيلَة الْأسود الْكذَّاب الَّذِي ادّعى النُّبُوَّة بِالْيمن وعنس أَيْضا رَهْط عمار بن يَاسر صَاحب رَسُول الله ﷺ
ولهمدان من بني كهلان صيت فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وبلاد كِنْدَة بِالْيمن تلِي حَضرمَوْت وَمِنْهُم حجر بن عدي صَاحب عَليّ بن أبي طَالب وَهُوَ الَّذِي قَتله مُعَاوِيَة صبرا وَمِنْهُم القَاضِي شُرَيْح وَمن كِنْدَة السكاسك والسكون
وَمن السّكُون مُعَاوِيَة بن خديج قَاتل مُحَمَّد بن أبي بكر ﵁ وحصين بن نمير السكونِي الَّذِي صَار صَاحب جَيش يزِيد نوبَة وقْعَة الْحرَّة بِظَاهِر مَدِينَة الرَّسُول ﷺ وَبَنُو مُرَاد بِلَادهمْ إِلَى جَانب زبيد من جبال الْيمن والأنمار فرعان وهما بجيلة وخثعم وبجيلة هِيَ رَهْط جرير ابْن عبد الله البخلي صَاحب رَسُول الله ﷺ بني عَمْرو بِي سبأ وَمِنْهُم لخم بن عدي وَمن لخم بَنو الدَّار رَهْط تَمِيم الدَّارِيّ صَاحب رَسُول الله ﷺ والمناذرة مُلُوك الْحيرَة وَكَانَت دولتهم من أعظم دوَل مُلُوك الْعَرَب وجذام بني اشعر وَيُقَال لَهُم الأشعريون وهم رَهْط أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ واسْمه عبد الله بن قيس بَنو عاملة هم من الْقَبَائِل اليمانية خرجت إِلَى الشَّام عِنْد سيل العرم ونزلوا بِالْقربِ من دمشق فِي جبل هُنَاكَ يعرف بجبل عاملة
الْعَرَب المستعربة
هم ولد إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الْخَلِيل وَقيل لَهُم المستعربة لِأَن إِسْمَاعِيل لم تكن لغته عَرَبِيَّة بل عبرانية ثمَّ دخل فِي الْعَرَبيَّة فَمن سُكْنى إِسْمَاعِيل مَكَّة إِلَى الْهِجْرَة أَلفَانِ وَسَبْعمائة وَثَلَاث وَتسْعُونَ سنة
стр. 118
وَكَانَ هُنَاكَ قبائل جرهم فَتزَوج إِسْمَاعِيل مِنْهُم إمرأة وَولدت لَهُ إثنى عشر ولدا ذكرا مِنْهُم قيذار وَمَاتَتْ هَاجر ودفنت بِالْحجرِ ثمَّ لما مَاتَ إِسْمَاعِيل بِمَكَّة دفن مَعهَا بِالْحجرِ أَيْضا
وَقد اخْتلف المؤرخون اخْتِلَافا كثيرا فِي أَمر الْملك على الْحجاز بَين جرهم وَبَين إِسْمَاعِيل فَمن قَائِل كَانَ الْملك على الْحجاز فِي جرهم ومفتاح الْكَعْبَة وسدانتها فِي يَد ولد إِسْمَاعِيل وَمن قَائِل أَن قيذار توجته أخوالهم جرهم وعقدوا لَهُ الْملك عَلَيْهِم بالحجاز وَأما سدانة الْبَيْت الْحَرَام ومفاتيحه فَكَانَت مَعَ بني إِسْمَاعِيل بِغَيْر خلاف حَتَّى انْتهى ذَلِك إِلَى نابت من ولد إِسْمَاعِيل فَصَارَت السدَانَة بعده لجرهم وَيدل على ذَلِك قَول عَامر بن الْحَارِث الجرهمي من قصيدته الَّتِي مِنْهَا
(وَكُنَّا وُلَاة الْبَيْت من بعد نابت ... نطوف بِذَاكَ الْبَيْت وَالْأَمر ظَاهر)
(كَأَن لم يكن بَين الْحجُون إِلَى الصَّفَا ... أنيس وَلم يسمر بِمَكَّة سامر)
(بلَى نَحن كُنَّا أَهلهَا فأبادنا ... صروف اللَّيَالِي والجدود العواثر)
ثمَّ ولد لقيذار ابْنه حمل ولحمل نبت وَيُقَال نابت وَقيل نبت بن إِسْمَاعِيل وَفِيه خلاف كثير ثمَّ لنبت سلامان ثمَّ ولد لَهُ الهميسع وَولد لَهُ اليسع وَله أدد وَله أد ثمَّ ولد لأد عدنان وَولد لَهُ معد ولمعد نزار ولنزار أَرْبَعَة مِنْهُم مُضر على عَمُود النّسَب النَّبَوِيّ وَثَلَاثَة خارجون عَنهُ أَوَّلهمْ إياد وَمِنْه كَعْب بن مامة وَيضْرب بجوده الْمثل وَقس بن سَاعِدَة وَيضْرب بفصاحته الْمثل
وَالثَّانِي ربيعَة الْفرس وَمن ربيعَة أَسد وضبيعة ولأسد جديلة وعنزة وَمن جديلة وَائِل وَمن وَائِل بكر وتغلب وَمن بكر بَنو شَيبَان وَمرَّة وطرفة والمرقشان الْأَكْبَر والأصغر وَبَنُو حنيفَة
وَمِنْهُم مُسَيْلمَة الْكذَّاب وَمن أَسد بَنو عنزة وهم أهل خَيْبَر وَمن عنزة القارظان وَمن ربيعَة النمر ولجيم والعجل وَبَنُو عبد الْقَيْس وَمن أَسد السدوس واللهازم
وَالثَّالِث أَنْمَار وَمضى إِلَى الْيمن فتناسل بنوه بِتِلْكَ الْجِهَات
стр. 119
وَحَسبُوا من الْعَرَب اليمانية ثمَّ ولد لمضر الياس على عَمُود النّسَب وَولد لَهُ خَارِجا عَنهُ قيس عيلان وعيلان فرسه أَو كَلْبه وَقيل بل هُوَ أَخُو إلْيَاس
وَقد جعل الله لقيس الْمَذْكُور من الْكَثْرَة أمرا عَظِيما فَمن وَلَده قبائل هوَازن الَّذين كَانَ رَسُول الله ﷺ فيهم رضيعا وَبَنُو كلاب وَمِنْهُم أَصْحَاب حلب وَعقيل وَمِنْهُم مُلُوك الْموصل الْمُقَلّد وقرواش وَغَيرهمَا وَبَنُو عَامر وصعصعة وخفاجة
وَمَا زَالَت لخفاجة إمرة الْعرَاق من قديم وَإِلَى الْآن وَبَنُو ربيعَة وجشم وَبَنُو وَبكر وَبَنُو هِلَال وَثَقِيف وَقيل أَن ثقيفا من اياد وَقيل من بقايا ثَمُود وهم أهل الطَّائِف وَبَنُو نمير وباهلة ومازن وغَطَفَان وَبَنُو عبس وَأَشْجَع وسليم وَبَنُو ذبيان وَبَنُو فَزَارَة والنابغة وعدوان نزلُوا الطَّائِف قبل ثَقِيف ثمَّ ولد لإلياس مدركة على عَمُود النّسَب وَولد لَهُ خَارِجا عَنهُ طابخة وَبَعْضهمْ ينْسب مدركة وطابخة إِلَى أمهما خندف وَاسْمهَا ليلى بنت حلوان وَصَارَ من طابخة قبائل مِنْهُم بَنو تَمِيم والرباب وَبَنُو ضبة وَبَنُو مزينة ثمَّ ولد لمدركة خُزَيْمَة على عَمُود النّسَب وَله خَارِجا عَن النّسَب هُذَيْل وَمِنْه جَمِيع قبائل الهذليين مِنْهُم ابْن مَسْعُود صَاحب رَسُول الله ﷺ وَولد لخزامة كنَانَة على عَمُود النّسَب وخارج النّسَب الْهون وَأسد وَمن الْهون عضل وديش وَيُقَال لَهما القارة وَمن أَسد الكاهلية ودودان وَغَيرهمَا وَولد لكنانة على عَمُود النّسَب النَّضر وَكَانَ لَهُ عدَّة أخوة لَيْسُوا على عَمُود النّسَب وهم ملكان وَعبد مَنَاة وَعَمْرو وعامر وَمَالك
وَمن عبد مَنَاة بَنو غفار رَهْط أبي ذَر وَبَنُو بكر وَمِنْه الدئل وَبَنُو لَيْث وَبَنُو الْحَارِث وَبَنُو مُدْلِج وَبَنُو ضَمرَة وَمن عَمْرو العمريين وَمن عَامر العامريون وَمن مَالك بَنو فراس وَمن بطُون كنَانَة الْأَحَابِيش وَغلط من ظن أَنهم من الْحَبَشَة
وَأما النَّضر فَقيل أَنه قُرَيْش وَالصَّحِيح أَن قريشأ هم بَنو فهر الَّذِي سَنذكرُهُ وَولد لنضر مَالك على عَمُود النّسَب وَلم يشْتَهر لَهُ ولد غَيره ثمَّ ولد لمَالِك فهر على عَمُود النّسَب وَهُوَ قُرَيْش فَكل من كَانَ من وَلَده فَهُوَ قرشي وَمن لم يكن من وَلَده فَلَيْسَ قرشيا
стр. 120
وَقيل سمي قُريْشًا لِشِدَّتِهِ تَشْبِيها لَهُ بِدَابَّة من دَوَاب الْبَحْر يُقَال لَهَا القرش تَأْكُل دَوَاب الْبَحْر وتقهرهم وَقيل أَن قصي بن كلاب لما استولى على الْبَيْت وَجمع أشتات بني فهر سموا قُريْشًا لِأَن قرشهم أَي جمعهم حول الْحرم وعَلى هَذَا يكون اسْما لبني فهر لَا لفهر نَفسه وَولد لفهر غَالب على عَمُود النّسَب وَولد لَهُ خَارِجا عَنهُ ولدان هم محَارب وهما والْحَارث
فَمن الأول بَنو محَارب وَمن الثَّانِي بَنو الخلج وَمِنْهُم أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح أحد الْعشْرَة المبشرة
ثمَّ ولد لغالب لؤَي على عَمُود النّسَب وخارج النّسَب تيم الأردم وَهُوَ النَّاقِص الذقن ثمَّ ولد للوى سِتَّة أَوْلَاد وهم كَعْب على عَمُود النّسَب وأخوته الْخَمْسَة خارجون لمن عَمُود النّسَب وهم سعد وَخُزَيْمَة والْحَارث وعامر وَأُسَامَة وَلكُل ولد ينسبون إِلَيْهِ خلا الْحَارِث مِنْهُم
ثمَّ ولد لكعب مرّة على عَمُود النّسَب وخارجا عَنهُ هصيص وعدي فَمن الأول بَنو جمح وَمِنْهُم أُميَّة بن خلف عَدو رَسُول الله ﷺ وَبَنُو سهم وَمِنْهُم عَمْرو بن الْعَاصِ وَمن الثَّانِي بَنو عدي وَمِنْهُم عمر الْخطاب وَسَعِيد بن زيد من الْعشْرَة
ثمَّ ولد لمرة على عَمُود النّسَب كلاب وخارج النّسَب تيم ويقظة
فَمن الأول أَبُو بكر الصّديق وَطَلْحَة من الْعشْرَة وَمن الثَّانِي بَنو مَخْزُوم وَنسب خَالِد بن الْوَلِيد وَأبي جهل بن هِشَام ثمَّ ولد لكلاب قصي على عَمُود النّسَب وَولد لَهُ خَارِجا عَنهُ زهرَة وَمِنْه بَنو زهرَة
وَنسب سعد بن أبي وَقاص أحد الْعشْرَة وَنسب آمِنَة أم الرَّسُول ﷺ وَنسب عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَكَانَ قصي عَظِيما فِي قُرَيْش وَهُوَ الَّذِي ارتجع مَفَاتِيح الْكَعْبَة من خُزَاعَة وَهُوَ الَّذِي جمع قُريْشًا وَائِل مجدهم
ثمَّ ولد لقصي عبد منَاف على عَمُود النّسَب وَالْخَارِج عَنهُ عبد الدَّار وَعبد الْعُزَّى
стр. 121
فَمن الأول بَنو شيبَة الحجبة وَمن الثَّانِي النَّضر بن الْحَارِث وَكَانَ شَدِيد الْعَدَاوَة لرَسُول الله ﷺ وَقَتله رَسُول الله ﷺ صبرا يَوْم بدر وَمِنْهُم الزبير بن الْعَوام أحد الْعشْرَة وَخَدِيجَة بنت خويلد زوج النَّبِي ﷺ وورقة بن نَوْفَل
وَولد لعبد منَاف على عَمُود النّسَب هَاشم وخارجا عَنهُ عبد شمس وَالْمطلب وَنَوْفَل
فَمن الأول أُميَّة وَمِنْه بَنو أُميَّة وَمِنْهُم عُثْمَان بن عَفَّان وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَسَعِيد بن الْعَاصِ وَعتبَة بن ربيعَة وَعقبَة بن أبي معيط وَقَتله رَسُول الله ﷺ صبرا يَوْم بدر
وَمن الْمطلب المطلبيون وَمِنْهُم الإِمَام الشَّافِعِي وَمن نَوْفَل النوفليون ثمَّ ولد الهاشم عبد الْمطلب على عَمُود النّسَب وَلم يعلم لَهُ ولد غَيره وَولد لعبد الْمطلب على عَمُود النّسَب عبد الله وَولد لَهُ خَارِجا عَنهُ جَمِيع أعمام رَسُول الله ﷺ وهم حَمْزَة وَالْعَبَّاس وَأَبُو طَالب وَأَبُو لَهب والغيداق
وَمِنْهُم من يَقُول هُوَ حجل والْحَارث والمقوم وَضِرَار والوبير وقم درج صَغِيرا وَعبد الْكَعْبَة
وَمِنْهُم من يَقُول أَن الَّذِي عبد الْكَعْبَة هُوَ الْمُقَوّم ثمَّ ولد لعبد الله مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ فِي عَام الْفِيل
قَالَ ابْن الْأَثِير فِي الْكَامِل أَن الْحَبَشَة ملكوا الْيمن بعد حمير فَلَمَّا صَار الْملك إِلَى أَبْرَهَة مِنْهُم بني كَنِيسَة عَظِيمَة وَقصد أَن يصرف حج الْعَرَب إِلَيْهَا وَيبْطل الْكَعْبَة الْحَرَام فجَاء شخص من الْعَرَب وأحدث فِي تِلْكَ الْكَنِيسَة فَغَضب أَبْرَهَة لذَلِك وَسَار بجيشه وَمَعَهُ الْفِيل وَقيل كَانَ مَعَه ثَلَاثَة عشر فيلا ليهْدم الْكَعْبَة فَلَمَّا وصل إِلَى الطَّائِف بعث الْأسود ابْن مَقْصُود إِلَى مَكَّة فساق أَمْوَال أهليها وأحضرها إِلَى أَبْرَهَة وَأرْسل أَبْرَهَة إِلَى قُرَيْش وَقَالَ لَهُم لست أقصد الْحَرْب بل جِئْت لأهدم الْكَعْبَة
فَقَالَ عبد الْمطلب وَالله مَا نُرِيد حربه هَذَا بَيت الله فَإِن منع عَنهُ فَهُوَ بَيته وَحرمه وَإِن خلا بَينه فوَاللَّه مَا عندنَا من دفع
стр. 122
ثمَّ انْطلق عبتدالمطلب مَعَ رَسُول أَبْرَهَة إِلَيْهِ فَلَمَّا استؤذن لعبد الْمطلب قَالُوا لأبرهة هَذَا سيد قُرَيْش فآذن لَهُ أَبْرَهَة وأكرمه وَنزل عَن سَرِيره وَجلسَ مَعَه وَسَأَلَهُ فِي حَاجته فَذكر عبد الْمطلب أباعره الَّتِي أخذت لَهُ فَقَالَ أَبْرَهَة إِنِّي كنت أَظن أَنَّك تطلب مني أَن لَا أخرب الْكَعْبَة الَّتِي هِيَ دينك فَقَالَ عبد الْمطلب أَنا رب الأباعر فاطلبها وللبيت رب يمنعهُ فَأمر أَبْرَهَة برد أباعره عَلَيْهِ فَأَخذهَا وَانْصَرف إِلَى قُرَيْش وَلما قَارب أَبْرَهَة مَكَّة وتهيأ لدخولها بَقِي كلما قبل فيله مَكَّة
وَكَانَ اسْم الْفِيل مَحْمُودًا ينَام وَيَرْمِي نَفسه إِلَى الأَرْض وَلم يسر فَإِذا قبلوه غير مَكَّة قَامَ يُهَرْوِل وبينما هم كَذَلِك إِذْ أرسل الله عَلَيْهِم طيرا أبابيل أَمْثَال الخطاطيف مَعَ كل طَائِر ثَلَاثَة أَحْجَار فِي منقاره وَرجلَيْهِ فقذفتهم بهَا وَهِي مثل الحمص والعدس فَلم يصب أحدا مِنْهُم إِلَّا هلك وَلَيْسَ كلهم أَصَابَت ثمَّ أرسل الله تَعَالَى سيلا فألقاهم فِي الْبَحْر وَالَّذِي سلم هَارِبا مَعَ أَبْرَهَة إِلَى الْيمن يبتدر الطَّرِيق وصاروا يتساقطون بِكُل مِنْهُم ولى منهل وَأُصِيب أَبْرَهَة فِي جسده وَسَقَطت أعضاؤه وَوصل إِلَى صنعاء كَذَلِك وَمَات وَلما جرى ذَلِك خرجت قُرَيْش إِلَى مَنَازِلهمْ وغنموا من أَمْوَالهم شَيْئا كثيرا وَلما هلك أَبْرَهَة ملك بعده ابْنه يكسوم ثمَّ أَخُوهُ مَسْرُوق وَمِنْه أخذت الْعَجم الْيمن
انْتهى الْكَلَام وَهُوَ آخر التواريخ الْقَدِيمَة وَلَا نذْكر من التواريخ الإسلامية هُنَا إِلَّا مولد رَسُول الله ﷺ وَذكر الْهِجْرَة النَّبَوِيَّة لِأَن أهل الْعلم من الْمُسلمين قد أَكْثرُوا الْجمع والتأليف فِيهَا وَهِي كَثِيرَة شهيرة متيسرة لكل وَاحِد فِي كل بلد من بِلَاد الْإِسْلَام وَقد ذكرنَا طرفا مِنْهَا فِي كتاب حجج الْكَرَامَة فِي آثَار الْقِيَامَة
مولد رَسُول الله ﷺ
أما أَبوهُ فَهُوَ عبد الله وَكَانَت وِلَادَته قبل الْفِيل بِخمْس وَعشْرين سنة وَكَانَ أَبوهُ قد بَعثه يمتار لَهُ فَمر بِيَثْرِب فَمَاتَ بهَا ولرسول الله ﷺ شَهْرَيْن وَقيل كَانَ حملا وَولد بعد مهلكه بأشهر قَلَائِل وَدفن فِي
стр. 123
دَار الْحَارِث بن إِبْرَاهِيم بن سراقَة الْعَدوي وهم أخوال عبد الْمطلب وَقيل دفن بدار النَّابِغَة ببني النجار وَكَانَ أَبوهُ يُحِبهُ لِأَنَّهُ كَانَ أحسن أَوْلَاده وأعفهم وَجَمِيع مَا خَلفه عبد الله خَمْسَة أجمال وَجَارِيَة حبشية اسْمهَا بركَة وكنيتها أم أَيمن وَهِي حاضنة لرَسُول الله ﷺ وَأما آمِنَة أم رَسُول الله ﷺ فَهِيَ بنت وهب بن عبد منَاف بن زهرَة بن كلاب فَولدت رَسُول الله ﷺ يَوْم الِاثْنَيْنِ لعشر وَقيل لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلون من ربيع الأول من عَام الْفِيل وَكَانَ قدوم الْفِيل فِي منتصف الْمحرم من تِلْكَ السّنة وَهِي السّنة الثَّانِيَة وَالْأَرْبَعُونَ من ملك كسْرَى أنوشيروان وَهِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة لغَلَبَة الْإِسْكَنْدَر على دَارا وَهِي سنة ألف وثلاثمائة وست عشر لبخت نصر وكفله جده عبد الْمطلب وكفالة الله من وَرَائه وَالْتمس لَهُ الرضَاعَة فاسترضع فِي بني سعد من بني هوَازن أَرْضَعَتْه حليمة بنت أبي ذُؤَيْب وَكَانَ أَهله يتوسمون فِيهِ عَلَامَات الْخَيْر والكرامات من الله
قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَفِي الْيَوْم السَّابِع من ولادَة رَسُول الله ﷺ ذبح جده عبد الْمطلب عَنهُ ودعا لَهُ قُريْشًا فَلَمَّا أكلُوا قَالُوا يَا عبد الْمطلب أرأيتك ابْنك هَذَا الَّذِي أكرمتنا على وحهه مَا سميته قَالَ سميته مُحَمَّدًا قَالُوا فيمَ رغبت بِهِ عَن أَسمَاء أهل بَيته قَالَ أردْت أَن يحمده الله تَعَالَى فِي السَّمَاء وخلقه فِي الأَرْض وَرُوِيَ أَيْضا بِسَنَدِهِ الْمُتَّصِل بِالْعَبَّاسِ قَالَ ولد رَسُول الله ﷺ مختونا مَسْرُورا
قَالَ فأعجب جده وحظي عِنْده وَقَالَ لَيَكُونن لِابْني هَذَا شَأْن
وَرُوِيَ أَيْضا عَن هاني المَخْزُومِي قَالَ لما كَانَت اللَّيْلَة الَّتِي ولد فِيهَا رَسُول الله ﷺ ارتجس إيوَان كسْرَى وَسَقَطت مِنْهُ أَربع عشرَة شرفة وخمدت نَار فَارس وَلم تخمد قبل ذَلِك بِأَلف عَام وغاضت بحيرة ساوة وَرَأى الموبذان وَهُوَ قَاضِي الْفرس فِي مَنَامه إبِلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت فِي بلادها فَلَمَّا أصبح كسْرَى أفزعه ذَلِك وَاجْتمعَ بالموبذان فَقص عَلَيْهِ مَا رأى فَقَالَ كسْرَى أَي شَيْء يكون هَذَا فَقَالَ الموبذان وَكَانَ عَالما بِمَا يكون حدث من جِهَة الْعَرَب أَمر فَكتب كسْرَى إِلَى النُّعْمَان بن الْمُنْذر أما بعد فَوجه
стр. 124
إِلَيّ بِرَجُل عَالم بِمَا أُرِيد أَن أسأله عَنهُ فَوجه بِعَبْد الْمَسِيح بن عَمْرو بن حنان الغساني فَأخْبرهُ كسْرَى بِمَا كَانَ من ارتجاس الإيوان وَغَيره فَقَالَ لَهُ علم ذَلِك عِنْد أخال لي يسكن مشارف الشَّام يُقَال لَهُ سطيح قَالَ كسْرَى فَاذْهَبْ إِلَيْهِ وسله وأتني بِتَأْوِيل مَا عِنْده فَسَار عبد الْمَسِيح حَتَّى قدم على سطيح وَقد أشفى على الْمَوْت فَسلم عَلَيْهِ محياه فَفتح سطيح عَيْنَيْهِ ثمَّ قَالَ يَا عبد الْمَسِيح إِذا كثرت التِّلَاوَة وَظهر صَاحب الهراوة وخمدت نَار فَارس وفاض وَادي السماوة وغاضت بحيرة ساوة فَلَيْسَ بِالشَّام لسطيح شاما يملك مِنْهُم مُلُوك وملكات على عدد الشرفات وكل مَا هُوَ آتٍ آتٍ ثمَّ قضى سطيح مَكَانَهُ وَقدم عبد الْمَسِيح على كسْرَى وَأخْبرهُ بقول سطيح فَقَالَ إِلَى أَن يملك منا أَرْبَعَة عشر ملكا كَانَت أُمُور فَملك مِنْهُم عشرَة فِي أَربع سِنِين وَذكر فِي العقد أَن سطيحا كَانَ على زمن نزار بن معد وَكَانَ من حَدِيثه شقّ الْملكَيْنِ بَطْنه واستخراج الْعلقَة السَّوْدَاء من قلبه وغسلهم أحشاءه وَقَلبه بالثلج وَذَلِكَ لرابعة من مولده وَكَانَ شَأْنه فِي رضاعه وصباه وشبابه ومرباه عجبا ثمَّ اسْتمرّ على أكمل الزكاء وَالطَّهَارَة فِي أخلاقه وَكَانَ يعرف بالأمين ثمَّ بدى بالرؤيا الصَّالِحَة فَكَانَ لَا يرى رُؤْيا إِلَّا جَاءَت مثل كخلق الصُّبْح
وَأما شرفه ﷺ وَشرف أهل بَيته فروى الْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَا يدْخل قلب رجل الْإِيمَان حَتَّى يحبكم لله وَلِرَسُولِهِ
وَرُوِيَ عَن ابْن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله خلق السَّمَوَات سبعا فَاخْتَارَ الْعلي مِنْهَا فأسكنها من شَاءَ من خلقه ثمَّ خلق الْخلق فَاخْتَارَ من الْخلق بني آدم وَاخْتَارَ من بني آدم الْعَرَب وَاخْتَارَ من الْعَرَب مُضر وَاخْتَارَ من مُضر قُريْشًا وَاخْتَارَ من قُرَيْش بني هَاشم واختارني من بني هَاشم
وَعَن عايشة قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ قَالَ لي جبرئيل قلبت الأَرْض مشارقها وَمَغَارِبهَا فَلم أجد رجلا أفضل من مُحَمَّد وَلم أجد بني أَب أفضل من بني هَاشم وَفِي الْبَاب أَحَادِيث كَثِيرَة صَحِيحَة شهيرة لَا يَسعهَا هَذَا الْمقَام
стр. 125
وَأما نسبه ﷺ فقد تقدم ذكر بني إِسْمَاعِيل الَّذين هم على عَمُود نسب رَسُول الله ﷺ والخارجين عَن عَمُود النّسَب
وَأما نسبه ﷺ سردا فَهُوَ أَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب ابْن هَاشم بن عبد منَاف بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كَعْب بن لوى بن غَالب بن فهر بن مَالك بن النَّضر بن كنَانَة بن خُزَيْمَة بن مدركة بن الياس بن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان وَنسبه إِلَى عدنان مُتَّفق عَلَيْهِ من غير خلاف ورجمه صَحِيح بِاتِّفَاق النسابين وعدنان من ولد إِسْمَاعِيل من غير خلاف ورجحة ابْن سيد النَّاس وَصَححهُ
وَقَالَ ابْن خلدون بِاتِّفَاق من النسابين انْتهى
وَلَكِن الْخلاف فِي عدَّة الْآبَاء الَّذين بَين عدنان وَإِسْمَاعِيل ﵇ فعد بَعضهم بَينهمَا نَحْو أَرْبَعِينَ رجلا وَبَعْضهمْ سَبْعَة
قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَكَانَ شَيخنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ يَقُول نِسْبَة رَسُول الله ﷺ صَحِيحَة إِلَى عدنان وَمَا وَرَاء عدنان فَلَيْسَ فِيهِ شَيْء يعْتَمد عَلَيْهِ أنْتَهى
وَقَالَ ابْن خلدون إِن الْآبَاء بَينه وَبَين إِسْمَاعِيل غير مَعْرُوفَة وتنقلب فِي غَالب الْأَمر مخلطة مُخْتَلفَة بالقلة وَالْكَثْرَة فِي الْعدَد فَأَما نسبته إِلَيْهِ فصحيحة فِي الْغَالِب انْتهى
وَفِي سبائك الذَّهَب لأبي الْفَوْز مُحَمَّد أَمِين السويدي الْبَغْدَادِيّ وَقد انتسب النَّبِي ﷺ إِلَى عدنان هَذَا كَمَا روى ذَلِك الْبَيْهَقِيّ وَابْن عَسَاكِر عَن أنس وَهُوَ الْمُتَّفق عَلَيْهِ بَين النسابين وَأما النّسَب من عدنان إِلَى آدم ﵇ فقد وَقع الِاخْتِلَاف فِيهِ قَالَ الْحَافِظ شرف الدّين الدمياطي من بعد أَن سَاق هَذَا النّسَب هَكَذَا سَاقه أَبُو عَليّ مُحَمَّد بن أسعد النسابة وَقَالَ هَذَا أصح الطّرق وأحسنها وأوضحها وَهِي رِوَايَة شُيُوخنَا فِي النّسَب
ثمَّ اخْتلف فِي كَرَاهَة رفع النّسَب من عدنان إِلَى آدم فَذهب بن اسحق وَابْن جرير وَغَيرهمَا إِلَى جَوَازه وَعَلِيهِ البُخَارِيّ وَغَيره من الْعلمَاء
стр. 126
وَذهب جمع من أهل الْعلم إِلَى كَرَاهَة ذَلِك وَمِنْهُم مَالك فَإِنَّهُ لما سُئِلَ عَن الرجل يرفع نسبه إِلَى آدم كرهه وَقَالَ من يُخبرهُ بِهِ وَقد وَردت آثَار تفِيد منع رفع النّسَب من عدنان إِلَى آدم مِنْهَا مَا ورد عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ لَا تجاوزا معد بن عدنان
وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ إِذا انتسب لم يُجَاوز معد بن عدنان ثمَّ يمسك وَيَقُول كذب النسابون مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا
وَعَن عمر بن الْخطاب قَالَ إِنَّمَا ننتسب إِلَى عدنان وَمَا فَوق ذَلِك لَا نَدْرِي مَا هُوَ وَقد تقدم الْكَلَام فِي ذَلِك وعضد ذَلِك بِاتِّفَاق النسابين على بعد الْمدَّة بَين عدنان وَإِسْمَاعِيل بِحَيْثُ يَسْتَحِيل فِي الْعَادة أَن يكون بَينهمَا أَرْبَعَة آبَاء أَو خَمْسَة أَو عشرَة إِذْ الْمدَّة أطول من هَذَا كُله بِكَثِير
قَالَ أَبُو الفدا وَسبب هَذَا الِاخْتِلَاف أَن قدماء الْعَرَب لم يَكُونُوا أَصْحَاب كتب يرجعُونَ إِلَيْهَا وَإِنَّمَا كَانُوا يرجعُونَ إِلَى حفظ بَعضهم من حفظ بعض وَقَالَ ابْن خلدون وَلَعَلَّ الْخلاف إِنَّمَا جَاءَ من قبل اللُّغَة لِأَن الْأَسْمَاء ترجمت من العبرانية انْتهى
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ أَن الْيَهُود اخْتلفُوا اخْتِلَافا متفاوتا بَين آدم ونوح وَفِيمَا بَين الْأَنْبِيَاء من السنين وَهَذَا هُوَ سَبَب الِاخْتِلَاف انْتهى
ومواطن بني عدنان مُخْتَصَّة بِنَجْد وَكلهَا بادية رحالة إِلَّا قُرَيْش بِمَكَّة فَلم يشاركهم أحد من الْعَرَب إِلَّا طَيء من كهلان ثمَّ افْتَرَقت بَنو عدنان فِي تهَامَة الْحجاز ثمَّ فِي الْعرَاق والجزيرة ثمَّ تفَرقُوا بعد الْإِسْلَام فِي الأقطار
وَكَانَ لَهُ ﷺ من الْأَوْلَاد خَمْسَة الْقَاسِم وَالطّيب والطاهر وَعبد الله وَإِبْرَاهِيم
وَمن الْإِنَاث أَربع رقية وَزَيْنَب وَأم كُلْثُوم وَفَاطِمَة وأوصافه الغر ﷺ أَكثر من أَن يُحِيط بهَا وصف وَلم يبْقى لَهُ ﷺ عقب إِلَّا من فَاطِمَة رَضِي الله عَنْهَا
стр. 127
وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يُحِبهَا حبا شَدِيدا وَكَانَ لَهَا ولدان الْحسن وَالْحُسَيْن وهما ريحانتا رَسُول الله ﷺ وَسَيِّدًا شباب أهل الْجنَّة وَولد الْحُسَيْن بِالْمَدِينَةِ لخمس خلون من شعْبَان لسنة أَربع من الْهِجْرَة وَقَالَ ﷺ حُسَيْن مني وَأَنا من حُسَيْن أحب الله من أحب الْحُسَيْن وفضائله كَثِيرَة لَا يَسعهَا الْمقَام وَولد لَهُ عَليّ ويلقب بزين العابدين بِالْمَدِينَةِ فِي أَيَّام جده عَليّ بن أبي طَالب قبل وَفَاته بِسنتَيْنِ وَتُوفِّي سنة أَربع وَتِسْعين وَدفن بِالبَقِيعِ وَله من الْعُمر سبع وَخَمْسُونَ سنة وَمَات مسموما سمه الْوَلِيد ابْن عبد الْملك
وَولد لَهُ مُحَمَّد الباقر بِالْمَدِينَةِ قبل قتل جده الْحُسَيْن بِثَلَاث سِنِين وَأمه فَاطِمَة بنت الْحسن وَله من الْعُمر ثَمَانِيَة وَخَمْسُونَ سنة مَاتَ بالسم فِي زمن إِبْرَاهِيم بن الْوَلِيد وَدفن بِالبَقِيعِ فِي قبَّة الْعَبَّاس وَولد لَهُ جَعْفَر الصَّادِق بِالْمَدِينَةِ سنة ثَمَانِينَ من الْهِجْرَة وَأمه أم فَرْوَة بنت الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر توفّي فِي سنة مائَة وَثَمَانِية وَأَرْبَعُونَ وَله من الْعُمر ثَمَانِيَة وَسَبْعُونَ سنة قيل مَاتَ مسموما فِي زمن الْمَنْصُور وَدفن بِالبَقِيعِ وَولد لَهُ مُوسَى الكاظم بالابواء سنة مائَة وَثَمَانِية وَعِشْرُونَ وَأمة حميدة البربرية
وَكَانَت وَفَاته سنة مائَة وَثَلَاث وَثَمَانِينَ من الْهِجْرَة وَله من الْعُمر خمس وَخَمْسُونَ سنة وَدفن بمقابر قُرَيْش وَولد لَهُ عَليّ الرِّضَا وَتُوفِّي بطوس قَرْيَة من قرى خُرَاسَان فِي آخر صفر سنة مِائَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَله من الْعُمر خَمْسَة وَخَمْسُونَ سنة
وَولد لَهُ مُحَمَّد الْجواد بِالْمَدِينَةِ المنورة تَاسِع شهر رَمَضَان سنة تسع وَتِسْعين وَمِائَة وَأمه أم ولد وزوجه الْمَأْمُون ابْنَته أم الْفضل وسيره إِلَى الْمَدِينَة توفّي بِبَغْدَاد وَدفن فِي مَقَابِر قُرَيْش بِالْقربِ من جده مُوسَى الكاظم
وَولد لَهُ عَليّ الْهَادِي وَتُوفِّي يَوْم الِاثْنَيْنِ سنة مِائَتَيْنِ واثنتين وَخمسين وَدفن بسر من رأى وَله من الْعُمر أَرْبَعُونَ سنة وَإِلَيْهِ يَنْتَهِي نسب مُحَرر هَذِه السطور ويبلغ مِنْهُ إِلَى رَسُول الله ﷺ بالترتيب الْمَذْكُور وسرده هَكَذَا ولد لعَلي الْهَادِي جَعْفَر التركي على عَمُود النّسَب
стр. 128
وَولد لَهُ عَليّ الْأَشْقَر الْمُخْتَار
وَولد لَهُ عبد الله
وَولد لعبد الله السَّيِّد مُحَمَّد الْبَغْدَادِيّ
وَولد لَهُ السَّيِّد مَحْمُود
وَولد لمحمود السَّيِّد مُحَمَّد البُخَارِيّ
وَولد لمُحَمد الْمَذْكُور السَّيِّد جَعْفَر
وَولد لجَعْفَر السَّيِّد عَليّ موبد البُخَارِيّ
وَولد لَهُ السَّيِّد حُسَيْن أَبُو عبد الله الملقب بالسيد جلال أعظم البُخَارِيّ
وَولد لَهُ السَّيِّد أَحْمد الْكَبِير
وَولد لَهُ السَّيِّد أَبُو عبد الله حُسَيْن الْمَعْرُوف بمخدوم جهانيان جهان كشت المتوفي بِأَرْض ملتان من إقليم السَّنَد المدفون بقرية أج
وَولد لَهُ السَّيِّد مَحْمُود الملقب بناصر الدّين
وَولد لَهُ السَّيِّد حَامِد الْكَبِير
وَولد لَهُ السَّيِّد أَبُو الْفَتْح ركن الدّين سجاد وَولد لَهُ السَّيِّد جلال الثَّالِث البُخَارِيّ
وَولد لَهُ السَّيِّد راجو شَهِيد صَاحب السجادة ببلدة قنوج
وَولد لَهُ السَّيِّد جلال الرَّابِع
وَولد لَهُ السَّيِّد تَاج الدّين
وَولد لَهُ السَّيِّد كَبِير
وَولد لَهُ السَّيِّد عَليّ أَصْغَر
وَولد لَهُ السَّيِّد لطف الله
وَولد لَهُ السَّيِّد عَزِيز الله
وَولد لَهُ السَّيِّد لطف الله الْمُسَمّى باسم جده
стр. 129
وَولد لَهُ السَّيِّد عَليّ الملقب بنواب أَوْلَاد عليخان بهادر أنور جنك المتوفي بِأَرْض حيدر أباد من بِلَاد دكن
وَولد لَهُ وَالِدي السَّيِّد الْعَلامَة حسن الْمَعْرُوف بِسَيِّد أَوْلَاد حسن القنوجي الْمُتَوفَّى بقنوج سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَله من الْفَضَائِل العلمية والفواضل العملية والآيات والكرامات مَا يُغني شهرته عَن الذّكر والضبط لَهُ وَولد لَهُ هَذَا العَبْد صديق بن حسن عَفا الله عَنهُ
стр. 130
ذكر تَجْدِيد قُرَيْش عمَارَة الْكَعْبَة وَمَا كَانَ من اجْتِمَاع الْعَرَب على الْإِسْلَام بعد الإباية وَالْحَرب
قيل لما مَاتَ إِسْمَاعِيل ولي الْبَيْت بعده ابْنه نابت ثمَّ صَارَت ولَايَة الْبَيْت إِلَى جرهم ثمَّ إِلَى خُزَاعَة ثمَّ إِلَى قُرَيْش وَكَانَت الْكَعْبَة قَصِيرَة الْبناء فَأَرَادَتْ قُرَيْش رَفعهَا فهدموها ثمَّ بنوها حَتَّى بلغ الْبُنيان مَوضِع الْحجر الْأسود فاختصموا فِيهِ لِأَن كل قَبيلَة أَرَادَت أَن ترفعه إِلَى مَوْضِعه ثمَّ اتَّفقُوا على أَن يحكموا أول دَاخل من بَاب الْحرم فَكَانَ رَسُول الله ﷺ فحكموه فَأَمرهمْ أَن يضعوا الْحجر فِي ثوب وَأَن يمسك كل قَبيلَة بِطرف من أَطْرَافه وَأَن يرفعوه إِلَى مَوْضِعه فَفَعَلُوا ذَلِك وَأَخذه رَسُول الله ﷺ عِنْد وُصُوله إِلَى مَوْضِعه فَوَضعه بِيَدِهِ الْكَرِيمَة مَوْضِعه ثمَّ أَتموا بِنَاء الْكَعْبَة وَكَانَت تُكْسَى الْقبَاطِي ثمَّ كسبت البرود وَأول من كساها الديباج الْحجَّاج بن يُوسُف
وَكَانَ عمر النَّبِي ﷺ حِين رضيت قُرَيْش بِحكمِهِ خمْسا وَثَلَاثِينَ سنة قبل مبعثه بِخمْس سِنِين وَلما اسْتَقر أَمر قُرَيْش بِمَكَّة على مَا اسْتَقر وافترقت قبائل مُضر فِي أدنى مدن الشَّام وَالْعراق وَمَا دونهمَا من الْحجاز فَكَانُوا ظعونا وَأَحْيَاء وَكَانَ جَمِيعهم بمسغبة وَفِي جهد من الْعَيْش بِحَرب بِلَادهمْ وَحرب فَارس وَالروم على تلول الْعرَاق وَالشَّام وأربابهما يتنزلون حاميتهم بثغورها ويجهزون كتائبهم بتخومها وَيُوَلُّونَ على الْعَرَب من رجالاتهم وبيوت العصائب مِنْهُم من يسومهم الْقَهْر ويحملهم على الإنقياد حَتَّى يؤتوا جباية السُّلْطَان الْأَعْظَم وإتاوة ملك الْعَرَب ويؤدوا مَا عَلَيْهِم من الدِّمَاء والطوائل من يسترهن أَبْنَاءَهُم على السّلم وكف العادية وَمن
стр. 131
انتجاع الأرباب وميرة الأقوات والعساكر من وَرَاء ذَلِك توقع بِمن منع الْخراج وتستأصل من يروم الْفساد
وَكَانَ أَمر مُضر رَاجعا فِي ذَلِك إِلَى مُلُوك كِنْدَة بني حجر آكل المرار مُنْذُ ولاه عَلَيْهِم تبع حسان وَلم يكن فِي الْعَرَب ملك إِلَّا فِي آل الْمُنْذر بالخيرة للْفرس وَفِي آل جَفْنَة بِالشَّام للروم وَفِي بني حجر هَؤُلَاءِ على مُضر والحجاز
وَكَانَت قبائل مُضر مَعَ ذَلِك بل وَسَائِر الْعَرَب أهل بغي وإلحاد وَقطع أَرْحَام وتنافس فِي الردى وإعراض عَن ذكر الله فَكَانَت عِبَادَتهم الْأَوْثَان وَالْحِجَارَة وأكلهم العقارب والخنافس والحيات والجعلان وأشرف طعامهم أوبار الْإِبِل إِذا أمروها فِي الْحَرَارَة فِي الدَّم وَأعظم عزهم وفادة على آل الْمُنْذر وَآل جَفْنَة وَبني جَعْفَر ونجعة من مُلُوكهمْ وَإِنَّمَا كَانَ تنافسهم المؤودة والسائبة والوصيلة والحامي فَلَمَّا تَأذن الله بظهورهم واشرأبت إِلَى الشّرف هوادي أيامهم وَتمّ أَمر الله فِي إعلاء أَمرهم وهبت ريح دولتهم وملة الله فيهم تبدت تباشير الصَّباح من أَمرهم وأونس الْخَيْر والرشد فِي خلالهم وأبدل الله بالطيب الْخَبيث من أَحْوَالهم وشرهم واستبدلوا بالذل عزا وبالمآثم متابا وبالشر خيرا وبالضلالة هدى وبالمسغبة شبعا وريا وإيالة وملكا وَإِذا أَرَادَ الله أمرا يسر أَسبَابه فَكَانَ لَهُم من الْعِزّ والظهور قبل المبعث مَا كَانَ وتنافست الْعَرَب فِي الْخلال وَتَنَازَعُوا فِي الْمجد والشرف حسب مَا هُوَ مَذْكُور فِي أيامهم وأخبارهم وَكَانَ حَظّ قُرَيْش من ذَلِك أوفر على نِسْبَة حظهم من مبعثه وعَلى مَا كَانُوا ينتحلونه من هدى آبَاءَهُم ثمَّ ألْقى الله فِي قُلُوبهم التمَاس الدّين وإنكار مَا عَلَيْهِ قَومهمْ من عبَادَة الْأَوْثَان حَتَّى تَلَاوَمُوا فِي عبَادَة الْأَحْجَار والأوثان وَتَوَاصَوْا بالنفر فِي الْبلدَانِ بالتماس الْحَنَفِيَّة دين إِبْرَاهِيم نَبِيّهم ثمَّ تحدث الْكُهَّان والحزاة قبل النُّبُوَّة وَأَنَّهَا كائنة فِي الْعَرَب وَأَن ملكهم سَيظْهر
وتحدث أهل الْكتاب بِمَا فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل من بعث مُحَمَّد وَأمته وَظَهَرت كَرَامَة الله بِقُرَيْش وَمَكَّة فِي أَصْحَاب الْفِيل إرهاصا بَين يَدي مبعثه ثمَّ ذهب ملك الْحَبَشَة من الْيمن على يَد ابْن ذِي يزن ثمَّ رجمت الشَّيَاطِين عَن اسْتِمَاع خبر السَّمَاء فِي أمره وأصغى الْكَوْن للاستماع أنبائه
стр. 132
ذكر مبعث رَسُول ﷺ
لما بلغ ﷺ أَرْبَعِينَ سنة بَعثه الله إِلَى الْأسود والأحمر رَسُولا نَاسِخا بِشَرِيعَتِهِ الشَّرَائِع الْمَاضِيَة والأديان الخالية فَكَانَ أول مَا ابتدى بِهِ من النُّبُوَّة الرُّؤْيَا الصادقة وحبب الله إِلَيْهِ الْخلْوَة وَكَانَ يجاور فِي جبل حراء فِي كل سنة شهرا فَلَمَّا كَانَت سنة مبعثه خرج إِلَى حراء فِي رَمَضَان للمجاورة فِيهِ وَمَعَهُ أَهله حَتَّى إِذا كَانَت اللَّيْلَة الَّتِي أكْرمه الله فِيهَا جَاءَ جِبْرِيل ﵇ فَقَالَ لَهُ اقْرَأ قَالَ لَهُ مَا أَنا بقارئ ثمَّ قَالَ لَهُ جِبْرِيل ثَانِيًا وثالثا اقْرَأ قَالَ فَمَا أَقرَأ قَالَ ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق﴾ إِلَى قَوْله ﴿علم الْإِنْسَان مَا لم يعلم﴾ فقرأها وَقَالَ ورقة بن نَوْفَل لقد جَاءَهُ الناموس الْأَكْبَر الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى بن عمرَان وَأَنه نَبِي هَذِه الْأمة ثمَّ تَوَاتر الْوَحْي إِلَيْهِ أَولا فأولا
وَكَانَ أول النَّاس من النِّسَاء إسلاما خَدِيجَة وَمن وَمن الرِّجَال أَبُو بكر وَمن الصغار عَليّ بن أبي طَالب وَمن الموَالِي زيد بن حَارِثَة وَكَانَت دَعْوَة رَسُول الله إِلَى الْإِسْلَام سرا ثَلَاث سِنِين ثمَّ أمره الله بِإِظْهَار الدعْوَة حَتَّى أسلم عمر بن الْخطاب وَكَانَ مَا كَانَ وَللَّه الْأَمر من قبل وَمن بعد وَكَانَ أَمر الله قدرا مَقْدُورًا يفعل مَا يَشَاء وَيحكم مَا يُرِيد وَكتب السّنة المطهرة ودواوين الْإِسْلَام وتواريخه كَأبي الفدا وَابْن خلدون وَالْخَمِيس تغني عَن بَيَان أَحْوَاله ﷺ لِأَنَّهَا اشْتَمَلت على جَمِيع مَا كَانَ من مولده إِلَى وَفَاته ﷺ وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع تفاصيلها
ذكر تَارِيخ الْهِجْرَة النَّبَوِيَّة
وَهِي ابْتِدَاء التَّارِيخ الإسلامي أما لفظ التَّارِيخ فَإِنَّهُ مُحدث فِي لُغَة
стр. 133
الْعَرَب لِأَنَّهُ مُعرب من ماه وروز كَمَا تقدم وَبِذَلِك جَاءَت الرِّوَايَة
وروى ابْن سُلَيْمَان عَن مَيْمُون بن مهْرَان أَنه رفع إِلَى عمر بن الْخطاب فِي خِلَافَته ﵁ صك مَحَله شعْبَان فَقَالَ أَي شعْبَان أَهَذا هُوَ الَّذِي نَحن فِيهِ أم الَّذِي هُوَ آتٍ
ثمَّ جمع وُجُوه الصَّحَابَة وَقَالَ إِن الْأَمْوَال قد كثرت وَمَا قسمنا مِنْهَا غير موقت فَكيف التَّوَصُّل إِلَى مَا نضبط بِهِ ذَلِك فَقَالُوا نحب أَن يعرف ذَلِك من رسوم الْفرس
فعندما استحضر عمر الهرمزان وَسَأَلَهُ عَن ذَلِك فَقَالَ إِن لنا حسابا نُسَمِّيه ماه روز وَمَعْنَاهُ حِسَاب الشُّهُور وَالْأَيَّام فعربوا الْكَلِمَة فَقَالُوا مؤرخ ثمَّ جعلُوا اسْمه التَّارِيخ واستعملوه ثمَّ طلبُوا وقتا يجعلونه أَولا لتاريخ دولة الإيلام وَاتَّفَقُوا على أَن يكون المبدأ سنة هَذِه الْهِجْرَة وَكَانَت الْهِجْرَة من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة شرفهما الله تَعَالَى
وَقد تصرم من شهور هَذِه السّنة وأيامها الْمحرم وصفر وَثَمَانِية أَيَّام من ربيع الأول فَلَمَّا عزموا على تأسيس الْهِجْرَة رجعُوا الْقَهْقَرِي ثَمَانِيَة وَسِتِّينَ يَوْمًا وَجعلُوا مبدأ التَّارِيخ أول الْمحرم من هَذِه السّنة ثمَّ أحصوا من أول يَوْم فِي الْمحرم إِلَى آخر يَوْم من عمر النَّبِي ﷺ فَكَانَ عشر سِنِين وشهرين
وَأما إِذا حسب عمره من الْهِجْرَة حَقِيقَة فَيكون قد عَاشَ بعْدهَا تسع سِنِين وَوَاحِد عشر شهرا واثنين وَعشْرين يَوْمًا
التواريخ الْقَدِيمَة
الْمَشْهُورَة من السنين بَين الْهِجْرَة وَبَين آدم على مُقْتَضى التَّوْرَاة اليونانية وَاخْتِيَار المؤرخين سِتَّة آلَاف ومائتان وست عشرَة سنة وعَلى مُقْتَضى التَّوْرَاة اليونانية وَاخْتِيَار المنجمين حسب يما أثبتوا فِي الزيجات خَمْسَة آلَاف وَتِسْعمِائَة وَسبع وَسِتُّونَ سنة وعيلى مُقْتَضى التَّوْرَاة العبرانية وَاخْتِيَار المؤرخين أَرْبَعَة آلَاف وَسَبْعمائة وَإِحْدَى وَأَرْبَعُونَ سنة وَأما على إختيار
стр. 134
المنجمين ينقص عِنْد مِائَتَان وتسع وَأَرْبَعُونَ سنة وعَلى مُقْتَضى التَّوْرَاة السامرية وَاخْتِيَار المؤرخين خَمْسَة آلَاف وَمِائَة وَسبع وَثَلَاثُونَ سنة وَأما على اخْتِيَار المنجمين فينقص مَا ذكر وَكَذَلِكَ جَاءَ الْأَمر فِي جَمِيع التواريخ الَّتِي قبل بخت نصر فَبين الْهِجْرَة وَبَين الطوفان على اخْتِيَار المنجمين ثَلَاثَة آلَاف وَتِسْعمِائَة وَأَرْبع وَسَبْعُونَ سنة وَكَانَ الطوفان لستمائة سنة مَضَت من عمر نوح وعاش نوح بعده ثَلَاثمِائَة وَخمسين سنة وعَلى اخْتِيَار المنجمين ثَلَاثَة آلَاف وَسَبْعمائة وَخمْس وَعِشْرُونَ سنة حسب مَا قَرَّرَهُ أَبُو معشر وكوشيار وَغَيرهمَا فِي الزيجات والتقاويم وَبَين الْهِجْرَة وتبلبل الألسن على اخْتِيَار المؤرخين ثَلَاثَة آلَاف وثملاثمائة وَثَلَاث وَأَرْبع سِنِين وَأما على اخْتِيَار المنجمين فتنقص عَنهُ مِائَتَيْنِ وتسعا وَأَرْبَعين سنة حسب مَا تقدم ذكره وَبَين الْهِجْرَة وَبَين مولد إِبْرَاهِيم الْخَلِيل على اخْتِيَار المؤرخين أَلفَانِ وَثَمَانمِائَة وَتسْعُونَ سنة وَأما على اخْتِيَار المنجمين فتنقص عَنهُ مِائَتَيْنِ وتسعا وَأَرْبَعين سنة وَبَين الْهِجْرَة وَبَين بِنَاء الْكَعْبَة على يَد إِبْرَاهِيم الْخَلِيل وَولده إِسْمَاعِيل أَلفَانِ وَسَبْعمائة وَنَحْو ثَلَاث وَتِسْعين سنة وَكَانَ ذَلِك بعد مُضِيّ مائَة سنة من عمر إِبْرَاهِيم وَهُوَ الْقَرِيب وَالله أعلم
وَبَين الْهِجْرَة وَبَين وَفَاة مُوسَى على اخْتِيَار المؤرخين أَلفَانِ وثلاثمائة وثمان وَأَرْبَعُونَ سنة وَأما على اخْتِيَار المنجمين فتنقص عَنهُ مِائَتَيْنِ وتسعا وَأَرْبَعُونَ سنة وَبَين الْهِجْرَة وَبَين عمَارَة بَيت الْمُقَدّس على اخْتِيَار المؤرخين ألف وَثَمَانمِائَة وَقَرِيب سنتَيْن وَكَانَ فَرَاغه لمضي إِحْدَى عشرَة سنة من ملك سُلَيْمَان ولمضي خَمْسمِائَة وست وَأَرْبَعين سنة لوفاة مُوسَى وَأما على اخْتِيَار المنجمين فتنقص عَنهُ مِائَتَيْنِ وتسعا وَأَرْبَعين سنة وَبَين الْهِجْرَة وَبَين ابْتِدَاء ملك بخت نصر ألف وثلاثمائة وتسع وَسِتُّونَ سنة وَلَيْسَ فِيهِ خلاف وَبَين الْهِجْرَة وَبَين خراب بَيت الْمُقَدّس ألف وثلاثمائة وَخَمْسُونَ سنة وَكَانَ لمضي تسع عشرَة سنة لبخت نصر وَاسْتمرّ خرابا سبعين سنة ثمَّ عمر وَبَين الْهِجْرَة وَبَين غَلَبَة الْإِسْكَنْدَر على دَارا ملك الْفرس تِسْعمائَة وَأَرْبع وَثَلَاثُونَ سنة وَكَانَت أَيْضا ابْتِدَاء ملكه على الْفرس وَبَقِي الْإِسْكَنْدَر بعد غلبته على دَارا نَحْو سبع سِنِين وَبَين الْهِجْرَة وَبَين فيلبس
стр. 135
تِسْعمائَة وَسبع وَعِشْرُونَ سنة وَهُوَ أَخُو الْإِسْكَنْدَر أَصْغَر مِنْهُ باثنتي عشرَة سنة وَملك بعده على مقدونيا كَمَا ذكره بطليموس وَبَين الْهِجْرَة وَبَين غَلَبَة أغسطس على قلوبطرا ملكة مصر سِتّمائَة وَاثْنَتَانِ وَخَمْسُونَ سنة وَكَانَت بِسنة اثْنَتَيْ عشرَة من ملك أغسطس وَبَين الْهِجْرَة وَبَين مولد الْمَسِيح ﵇ سِتّمائَة وَإِحْدَى وَثَلَاثُونَ سنة وَكَانَت بِسنة أَربع وثلاثمائة لغَلَبَة الْإِسْكَنْدَر ولإحدى وَعِشْرُونَ سنة مَضَت من غَلَبَة أغسطس على قلوبطرا وَبَين الْهِجْرَة وَبَين الخراب الثَّانِي لبيت الْمُقَدّس خَمْسمِائَة وثمان وَخَمْسُونَ سنة وَكَانَ لمضي أَرْبَعِينَ سنة من رفع الْمَسِيح ﵇ وَهُوَ تَارِيخ لسنة الْيَهُود إِلَى الْآن وَبَين الْهِجْرَة وَبَين أول ملك أدريانس خَمْسمِائَة وَسبع سِنِين وَبَين الْهِجْرَة وَبَين قيام أزدشير بن بابك أَرْبَعمِائَة وَاثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ سنة وَهُوَ أَيْضا تَارِيخ انْقِرَاض مُلُوك الطوائف وَبَين الْهِجْرَة وَبَين أول ملك دوقلطيانس ثَلَاثمِائَة وتسع وَثَلَاثُونَ سنة وَهُوَ آخر عَبدة الْأَصْنَام من مُلُوك الرّوم وَبَين الْهِجْرَة وَبَين مولد رَسُول الله ﷺ ثَلَاث وَخَمْسُونَ سنة وشهران وَثَمَانِية أَيَّام وَبَين الْهِجْرَة وَبَين مبعث رَسُول الله ﷺ ثَلَاث عشرَة سنة وشهران وَثَمَانِية أَيَّام وَبَين الْهِجْرَة وَبَين وَفَاة رَسُول الله ﷺ تسع سِنِين وَأحد عشر شهرا وَاثْنَانِ وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَهِي بعد الْهِجْرَة وَقد وضع أَبُو الفدا فِي الْمُخْتَصر زائجة تَتَضَمَّن مَا بَين الْهِجْرَة وَبَين التواريخ الْقَدِيمَة الْمَشْهُورَة من السنين وَذكر مَا ذكرنَا هُنَا وَالله أعلم
ذكر اخْتِلَاف التواريخ الْقَدِيمَة
يَنْبَغِي لمتأمل التواريخ الْقَدِيمَة أَن يعلم أَن الِاخْتِلَاف فِيهَا بَين المؤرخين كثير جدا
قَالَ ابْن الْأَثِير فِي ذكر ولادَة الْمَسِيح ﵇ أَن وِلَادَته كَانَت بعد خمس وَسِتِّينَ سنة من غَلَبَة الْإِسْكَنْدَر عِنْد الْمَجُوس
وَأما عِنْد النَّصَارَى فَكَانَت وِلَادَته بعد ثَلَاثمِائَة وَثَلَاث سِنِين من غَلَبَة الْإِسْكَنْدَر وَهَذَا تفَاوت فَاحش وَكَذَلِكَ عِنْد أبي معشر وكوشيار وَغَيرهمَا
стр. 136
من المنجمين أَن بَين الطوفان وَبَين الْهِجْرَة ثَلَاثَة آلَاف وَسَبْعمائة وخمسا وَعشْرين سنة وَهُوَ الثَّابِت فِي الزيجات مثل الزيج المأموني وَغَيره
وَأما الْمُحَقِّقُونَ من المؤرخين فَيَقُولُونَ أَن بَين الطوفان وَبَين الْهِجْرَة ثَلَاثَة آلَاف وَتِسْعمِائَة وأربعا وَسبعين سنة فَيكون التَّفَاوُت بَينهمَا مِائَتَيْنِ وتسعا وَأَرْبَعين سنة
وَسبب هَذَا الِاخْتِلَاف أَن من هبوط آدم ﵇ إِلَى وَفَاة مُوسَى لَا يعلم إِلَّا من التَّوْرَاة والتوراة مُخْتَلفَة على ثَلَاث نسخ كَمَا ستقف على ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَأما مَا بَين وَفَاة مُوسَى إِلَى ابْتِدَاء ملك بخت نصر فَيعلم من المنجمين قَالَ أَبُو عِيسَى وَيعلم من قرانات زحل وَالْمُشْتَرِي فِي المثلثات وهم أَيْضا مُخْتَلفُونَ فِي ذَلِك وَيعلم أَيْضا من سفر قُضَاة بني إِسْرَائِيل وَهُوَ أَيْضا غير مُحَصل
وَأما مَا يُؤْخَذ عَن المؤرخين قبل الْإِسْلَام فَهُوَ أَيْضا مُضْطَرب لأَنهم كَانُوا يؤرخون من ابْتِدَاء ملك كل من يتَمَلَّك مِنْهُم فكثرت ابتداءات تواريخهم
قَالَ حَمْزَة الْأَصْفَهَانِي وفسدت تواريخهم بِسَبَب ذَلِك فَسَادًا لَا مطمع فِي إِصْلَاحه مَعَ مَا انْضَمَّ إِلَى ذَلِك من بعد الْعَهْد وَتغَير اللُّغَات كقدم الْكتب الْمُؤَلّفَة فِي هَذَا الْفَنّ فَصَارَ تَحْقِيق التواريخ الْقَدِيمَة بِسَبَب ذَلِك متعذرا أَو فِي غَايَة التعسر
ذكر نسخ التَّوْرَاة الَّتِي عَلَيْهَا مدَار التواريخ الْقَدِيمَة
وَهِي ثَلَاث الأولى السامرية وَهِي تنبئ أَن من هبوط آدم إِلَى الطوفان ألفا وثلاثمائة وَسبع سِنِين وَكَانَ الطوفان سِتّمائَة سنة خلت من عمر نوح وعاش آدم تِسْعمائَة وَثَلَاثِينَ سنة بِاتِّفَاق فَيكون نوح على حكم هَذِه التَّوْرَاة قد أدْرك من عمر آدم فَوق مِائَتي سنة فنوح قد أدْرك جَمِيع
стр. 137
آبَائِهِ إِلَى آدم وَهَذَا غَايَة الْمُنكر وتنبئ هَذِه النُّسْخَة أَن من انْقِضَاء الطوفان إِلَى ولادَة إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵇ تِسْعمائَة وَسبعا وَثَلَاثِينَ سنة وَأَن من ولادَة إِبْرَاهِيم إِلَى ولادَة مُوسَى خَمْسمِائَة وخمسا وَأَرْبَعين سنة فَمن آدم إِلَى وَفَاة مُوسَى حِينَئِذٍ أَلفَانِ وَسَبْعمائة وتسع وَثَمَانُونَ سنة وَأما مَا بَين وَفَاة مُوسَى وَبَين الْهِجْرَة فَفِيهِ مذهبان أَحدهمَا اخْتِيَار المؤرخين وَالْآخر اخْتِيَار المنجمين فَإِذا ضممنا إِلَى ذَلِك مَا بَين وَفَاة مُوسَى وَالْهجْرَة كَانَ بَين هبوط آدم وَبَين الْهِجْرَة على حكم اخْتِيَار المؤرخين وَحكم توراة السمرَة خَمْسَة آلَاف وَمِائَة وَسبع وَثَلَاثُونَ سنة وَأما على اخْتِيَار المنجمين فتنقص عَن هَذِه الْجُمْلَة مِائَتَيْنِ وتسعا وَأَرْبَعين سنة فقد ظهر لَك فَسَاد هَذِه التَّوْرَاة من كَونهَا تَقْتَضِي إِدْرَاك نوح آدم وعيشه مَعَه الْمدَّة الطَّوِيلَة
الثَّانِيَة العبرانية وَهِي أَيْضا فَاسِدَة وَذَلِكَ أَنَّهَا تنبئ أَن مَا بَين هبوط آدم وَبَين الطوفان ألف وَخَمْسمِائة وست وَخَمْسُونَ سنة وَبَين الطوفان وَبَين ولادَة إِبْرَاهِيم مِائَتَان وَاثْنَتَانِ وَتسْعُونَ سنة وعاش نوح بعد الطوفان ثَلَاثمِائَة وَخمسين سنة بِاتِّفَاق فالتوراة العبرانية تنبئ أَن نوحًا أدْرك من عمر إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ثمانيا وَخمسين سنة وَهَذَا أَيْضا غَايَة الْمُنكر فَإِن نوحًا لم يدْرك إِبْرَاهِيم أصلا وَلَا يجوز ذَلِك لِأَن قوم هود أمة نجمت بعد قوم نوح وَأمة صَالح نجمت بعد أمة هود وَإِبْرَاهِيم وَأمته بعد أمة صَالح وَمِمَّا يدل على ذَلِك قَوْله تَعَالَى مخبرا عَن هود فِيمَا يعظ بِهِ قومه وهم قوم عَاد ﴿واذْكُرُوا إِذْ جعلكُمْ خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم فِي الْخلق بسطة﴾ وَكَذَلِكَ أخبر الله تَعَالَى عَن صَالح فِيمَا يعظ بِهِ قومه وهم ثَمُود ﴿واذْكُرُوا إِذْ جعلكُمْ خلفاء من بعد عَاد وبوأكم فِي الأَرْض تَتَّخِذُونَ من سهولها قصورا وتنحتون الْجبَال بُيُوتًا﴾ فقد ظهر فَسَاد هَذِه التَّوْرَاة العبرانية بذلك وَهِي التَّوْرَاة الَّتِي بيد الْيَهُود إِلَى زَمَاننَا هَذَا وَعَلَيْهَا اعتمادهم
стр. 138
ولنستوف مَا تنبي بِهِ من جملَة سني الْعَالم قد تقدم أَنَّهَا تنبي أَن بَين هبوط آدم وَبَين الطوفان ألفا وَخَمْسمِائة وستا وَخمسين سنة وَبَين الطوفان وَبَين ولادَة إِبْرَاهِيم مِائَتَيْنِ واثنتين وَتِسْعين سنة وَبَين ولادَة إِبْرَاهِيم وَبَين وَفَاة مُوسَى خَمْسمِائَة وخمسا وَأَرْبَعين سنة بِاتِّفَاق وَمَا بَين وَفَاة مُوسَى وَبَين الْهِجْرَة فِيهِ المذهبان الْمَذْكُورَان فعلى اخْتِيَار المؤرخين وَمُقْتَضى العبرانية يكون بَين آدم وَبَين الْهِجْرَة أَرْبَعَة آلَاف وَسَبْعمائة وَإِحْدَى وَأَرْبَعُونَ سنة وَأما على إختيار المنجمين فتنقص من هَذِه الْجُمْلَة مِائَتَيْنِ وتسعا وَأَرْبَعين سنة فَيكون من آدم إِلَى الْهِجْرَة على ذَلِك أَرْبَعَة آلَاف وَأَرْبع مائَة وَاثْنَتَانِ وَتسْعُونَ سنة وَجُمْلَة سني هَذِه التَّوْرَاة تنقص عَن التَّوْرَاة اليونانية وَهِي الَّتِي عَلَيْهَا الْعَمَل ألفا وَأَرْبَعمِائَة وخمسأ وَسبعين سنة وَهَذِه الْجُمْلَة هِيَ الْقدر الَّذِي نَقصه الْيَهُود من الْمَاضِي من سني الْعَالم فنقصوا من قبل الطوفان سِتّمائَة وستا وَثَمَانِينَ سنة وَمن بعد الطوفان سَبْعمِائة وتسعا وَثَمَانِينَ سنة الْجُمْلَة ألف وَأَرْبَعمِائَة وَخمْس وَسَبْعُونَ سنة وَصُورَة مَا اعْتَمدهُ الْيَهُود فِي ذَلِك أَنهم نقلوا من عمر كل وَاحِد من آدم وبنيه مائَة سنة من قبل مِيلَاد ابْنه إِلَى بعد الميلاد فَلم تَتَغَيَّر جملَة عمر ذَلِك الشَّخْص ونقصت مُدَّة الزَّمَان فَإِن آدم لما صَار لَهُ مِائَتَان وَثَلَاثُونَ سنة ولد لَهُ شِيث وعاش آدم تِسْعمائَة وَثَلَاثِينَ سنة بِاتِّفَاق فَأخذ الْيَهُود مائَة سنة من عمر آدم قبل أَن يُولد لَهُ شِيث جعلوها بعد مولد شِيث فَلم تَتَغَيَّر جملَة عمر آدم وجعلوه أَنه ولد شِيث لمضي مائَة وَثَلَاثِينَ سنة من عمره وَكَذَلِكَ اعتمدوا فِي كل من بعده فنقص من سني الْعَالم الْقدر الْمَذْكُور قَالُوا وَالَّذِي دَعَا الْيَهُود إِلَى ذَلِك أَن التَّوْرَاة وَغَيرهَا من كتب بني إِسْرَائِيل بشرت بالمسيح وَأَنه يَجِيء فِي أوآخر الزَّمَان وَكَانَ مَجِيء الْمَسِيح فِي الْألف السَّادِس فِي توَسط الزَّمَان لَا فِي أوآخر بِنَاء على أَن عمر الزَّمَان جَمِيعه سَبْعَة آلَاف سنة
وَالثَّالِثَة التَّوْرَاة اليونانية وَهِي الَّتِي اخْتَارَهَا الْمُحَقِّقُونَ من المؤرخين وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَقْتَضِي الْإِنْكَار من جِهَة الْمَاضِي من عمر الزَّمَان وَهِي توراة نقلهَا اثْنَان وَسَبْعُونَ حبرًا قبل ولادَة الْمَسِيح بقريب ثَلَاثمِائَة سنة لبطليموس اليوناني الَّذِي كَانَ بعد الْإِسْكَنْدَر وَلذَلِك اعتمدنا على هَذِه
стр. 139
التَّوْرَاة دون غَيرهَا وَالَّذِي تنبي بِهِ هَذِه التَّوْرَاة أَن مَا بَين هبوط آدم والطوفان أَلفَانِ ومائتان وَاثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ سنة وَمَا بَين الطوفان وَكَانَ سِتّمائَة سنة مَضَت من عمر نوح وَبَين مولد إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ألف وَإِحْدَى وَثَمَانُونَ سنة وَبَين ومولد إِبْرَاهِيم ووفاة مُوسَى خَمْسمِائَة وَخمْس وَأَرْبَعُونَ بِاتِّفَاق فِي نسخ التَّوْرَاة جَمِيعهَا وَبَين وَفَاة مُوسَى وَبَين ابْتِدَاء ملك بخت نصر فِيهِ خلاف بَين المنجمين والمؤرخين وَالَّذِي اخْتَارَهُ المؤرخون أَن بَين وَفَاة مُوسَى وَبَين ابْتِدَاء ملك بخت نصر تِسْعمائَة وثمانيا وَسبعين سنة وَمِائَتَيْنِ وَثَمَانِية وَأَرْبَعين يَوْمًا وَأما مَا بَين ابْتِدَاء ملك بخت نصر وَبَين الْهِجْرَة فَهُوَ ألف وَثَلَاث مائَة وتسع وَسِتُّونَ سنة وَمِائَة وَسَبْعَة عشر يَوْمًا وَلَيْسَ فِيهِ خلاف لِأَن بطليموس أثْبته فِي المجسطي وأرخ بِهِ رصده فَيكون بَين الْهِجْرَة وَبَين هبوط آدم سِتَّة آلَاف سنة ومائتان وست عشرَة سنة
وَهَذَا الْقدر هُوَ الْمُخْتَار وَعَلِيهِ بنى أَبُو الفدا كِتَابه الْمُخْتَصر فِي أَحْوَال الْبشر
وَأما الَّذِي اخْتَارَهُ المنجمون وأثبتوه فِي الزيجات من الْمدَّة بَين وَفَاة مُوسَى وَبَين بخت نصر فَإِنَّهَا تنقص عَمَّا ذَكرْنَاهُ مِائَتَيْنِ وتسعا وَأَرْبَعين سنة وأقترح أَبُو الفدا جدولا يتَضَمَّن مَا بَين التواريخ الْمَشْهُورَة من المدد وَقَالَ يَنْبَغِي أَن تعلم أَن الْمُحَقِّقين من المنجمين والمؤرخين قد اخْتلفُوا فِي الْمدَّة الَّتِي بَين وَفَاة مُوسَى وَابْتِدَاء ملك بخت نصر اخْتِلَافا كثيرا فَذهب أَبُو عِيسَى والمحققون من المؤرخين إِلَى أَن بَينهمَا تِسْعمائَة وثمانيا وَسبعين سنة وَمِائَتَيْنِ وَثَمَانِية وَأَرْبَعين يَوْمًا وَهُوَ الَّذِي اخترناه وَأَثْبَتْنَاهُ فِي جدولنا وَجَعَلنَا الْأَيَّام الْمَذْكُورَة على سَبِيل الْجَبْر سنة فَصَارَ المثبوت فِي الْجَدْوَل تِسْعمائَة وتسعا وَسبعين سنة وَأما أَبُو معشر وكوشيار وَغَيرهمَا من كبار المنجمين فَإِنَّهُم أثبتوا فِي الزيجات أَن بَين وَفَاة مُوسَى وَابْتِدَاء ملك بخت نصر سَبْعمِائة وَعشْرين سنة وَذَلِكَ ينقص عَمَّا اخْتَارَهُ أَبُو عِيسَى وَغَيره من الْمُحَقِّقين مِائَتَيْنِ وتسعا وَأَرْبَعين سنة وَإِذا نقص مَا بَين وَفَاة مُوسَى وبخت نصر الْمدَّة الْمَذْكُورَة نقص مَا بَين الطوفان وَالْهجْرَة
стр. 140
قطعا فَلذَلِك تَجِد فِي الزيج المأموني وَغَيره من الزيجات أَن بَين الطوفان وَبَين الْهِجْرَة ثَلَاثَة آلَاف وَسَبْعمائة وخمسا وَعشْرين سنة وتجد مَا بَين الطوفان وَبَين الْهِجْرَة فِي جدولنا هَذَا ثَلَاثَة آلَاف وَتِسْعمِائَة وأربعا وَسبعين سنة فَيكون مَا فِي الْجَدْوَل أَزِيد مِمَّا فِي الزيجات بمائتين وتسع وَأَرْبَعين سنة وَأما بِمُقْتَضى سفر قُضَاة بني إِسْرَائِيل وسفر مُلُوكهمْ إِذا جَمعنَا مدد ولايتهم فَإِن بَين وَفَاة مُوسَى وَبَين ملك بخت نصر بمقتضي ذَلِك اثْنَتَيْنِ وَخمسين وتسع مائَة سنة وَأما من بخت نصر بمقتضي ذَلِك اثْنَتَيْنِ وَخمسين وتسع مائَة سنة وَأما من بخت نصر إِلَى الْهِجْرَة فَلم يخْتَلف فِيهِ لِأَن بطليموس أثْبته فِي المجسطي وَأما تَارِيخ فيلبس فَهُوَ مَشْهُور كَمَا تقجدم فِيمَا سبق وَقد أرخ بِهِ بطليموس فِي المجسطي غَالب أرصاده وَلَكنَّا تَرَكْنَاهُ للاختصار لقُرْبه من تَارِيخ الْإِسْكَنْدَر لِأَنَّهُ مُتَقَدم على تَارِيخ الْإِسْكَنْدَر بإثنتي عشرَة سنة فَإِذا زِدْت على تَارِيخ الْإِسْكَنْدَر اثْنَتَيْ عشرَة سنة خرج فيلبس وَأما أزدشير بن بابك فَبين ملكه وَبَين الْإِسْكَنْدَر خَمْسمِائَة واثنتا عشرَة سنة تَقْرِيبًا وَبَينه وَبَين الْهِجْرَة أَرْبَعمِائَة وَاثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ سنة انْتهى كَلَامه
وَهَذَا غَايَة الْجمع وَالْبَيَان فِي أَحْوَال التواريخ الْقَدِيمَة للزمان من هبوط آدم ﵇ إِلَى الْهِجْرَة النَّبَوِيَّة
ولعلك لَا تَجِد أَكثر مِنْهُ وأوضح مجموعا فِي كتاب بسيط وسفر وسيط ومرقوم مُحِيط وَإِن وجدت شَيْئا من ذَلِك بعد جهد بَالغ وجدت مَا ذَكرْنَاهُ فِي صحف جمة لَا فِي مقَالَة صَغِيرَة فَخذه وَكن من الشَّاكِرِينَ
ذكر وَفَاة رَسُول الله ﷺ
إِذا أحطت علما بِمَا ذكرنَا من تَارِيخ الْهِجْرَة وَاخْتِلَاف التواريخ الْمُتَقَدّمَة فَاعْلَم أَنه لما قدم رَسُول الله ﷺ من حجَّة الْوَدَاع أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى مَضَت سنة عشر وَالْمحرم من سنة إِحْدَى عشرَة ومعظم صفر وأبتدأ برَسُول الله ﷺ مَرضه فِي أوآخر صفر قيل لليلتين بَقِيَتَا مِنْهُ وَهُوَ فِي بَيت زَيْنَب بنت جحش وَكَانَ يَدُور على نِسَائِهِ حَتَّى اشْتَدَّ مَرضه وَهُوَ فِي بَيت مَيْمُونَة بنت الْحَارِث فَجمع نِسَاءَهُ واستأذنهن فِي أَن يمرض فِي بَيت إِحْدَاهُنَّ فَإِذن لَهُ أَن يمرض فِي بَيت عَائِشَة فانتقل إِلَيْهَا وَفِي أثْنَاء
стр. 141
مَرضه خرج بَين الْفضل بن الْعَبَّاس وَعلي بن أبي طَالب حَتَّى جلس على الْمِنْبَر فَحَمدَ الله ثمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس من كنت جلدت لَهُ ظهرا فَهَذَا ظَهْري فليستقد مني وَمن كنت شتمت لَهُ عرضا فَهَذَا عرضي فليستقد مِنْهُ وَمن أخذت لَهُ مَالا فَهَذَا مَالِي فليأخذ مِنْهُ وَلَا يخْشَى الشحناء من قبلي فَإِنَّهَا لَيست من شأني ثمَّ نزل وَصلى الظّهْر ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْمِنْبَر فَعَاد إِلَى مقَامه فَادّعى عَلَيْهِ رجل ثَلَاثَة دَرَاهِم فَأعْطَاهُ عوضا ثمَّ قَالَ إِلَّا أَن فضوح الدُّنْيَا أَهْون من فضوح الْآخِرَة ثمَّ صلى على أَصْحَاب أحد واستغفر لَهُم ثمَّ قَالَ إِن عبدا خَيره الله بَين الدُّنْيَا وَبَين مَا عِنْده فَاخْتَارَ مَا عِنْده فَبكى أَبُو بكر ثمَّ قَالَ فَدَيْنَاك بِأَنْفُسِنَا ثمَّ أوصى بالأنصار وَكَانَ فِي أَيَّام مَرضه يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَإِنَّمَا انْقَطع ثَلَاثَة أَيَّام فَلَمَّا أذن بِالصَّلَاةِ أول مَا انْقَطع قَالَ مروا أَبَا بكر فَليصل بِالنَّاسِ وتزايد بِهِ مَرضه حَتَّى توفّي يَوْم الْإِثْنَيْنِ ضحوة النَّهَار وَقيل نصف النَّهَار لأثنتي عشرَة لَيْلَة خلت من ربيع الأول
فعلى هَذِه الرِّوَايَة يكون يَوْم وَفَاته مُوَافقا ليَوْم مولده وَلما مَاتَ ارْتَدَّ أَكثر الْعَرَب إِلَّا أهل الْمَدِينَة وَمَكَّة والطائف فَإِنَّهُ لم يدخلهَا ردة وَقيل دفن يَوْم الثُّلَاثَاء ثَانِي يَوْم مَوته وَقيل لَيْلَة الْأَرْبَعَاء وَهُوَ الْأَصَح وَقيل بَقِي ثَلَاثًا لم يدْفن وَكَانَ الَّذِي تولى غسله عَليّ بن أبي طَالب وَالْعَبَّاس وَالْفضل وَقثم ابْنا الْعَبَّاس وَأُسَامَة بن زيد وشقران مولى رَسُول الله ﷺ فَكَانَ الْعَبَّاس وابناه يقبلونه واسامة وشقران يصبَّانِ المَاء وَعلي يغسلهُ وَعَلِيهِ قَمِيصه وَهُوَ يَقُول بِأبي أَنْت وَأمي طبت حَيا وَمَيتًا وَلم ير مِنْهُ مَا يرى من ميت وكفن ﷺ فِي ثَلَاثَة أَثوَاب ثَوْبَيْنِ صحاريين وَبرد حبرَة أدرج فِيهَا أدراجا وصلوا عَلَيْهِ ودفنوه تَحت فرَاشه الَّذِي مَاتَ عَلَيْهِ وحفر لَهُ أَبُو طَلْحَة الْأنْصَارِيّ وَأنزل فِي قَبره عَليّ وَالْفضل وَقثم
وَاخْتلف فِي مُدَّة عمره ﷺ فَالْمَشْهُور أَنه ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة وَقيل خمس وَسِتُّونَ سنة وَقبل سِتُّونَ سنة وَالْمُخْتَار أَنه بعث لأربعين سنة وَأقَام بِمَكَّة يَدْعُو الْإِسْلَام ثَلَاث عشرَة سنة وكسرا وَأقَام بِالْمَدِينَةِ بعد الْهِجْرَة قريب عشر سِنِين فَذَلِك ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة وكسور وَقد رثاه جمع من الصَّحَابَة والصحابيات بمراث كَثِيرَة
стр. 142
وَكَانَ بَين كَتفيهِ خَاتم النُّبُوَّة وَهُوَ بضعَة نَاشِزَة حولهَا شعر مثل بَيْضَة الْحَمَامَة تشبه جسده وَقيل كَانَ لَونه أَحْمَر قَالَ أَبُو هُرَيْرَة خرج رَسُول الله ﷺ من الدُّنْيَا وَلم يشْبع من خبز الشّعير وَكَانَ يَأْتِي على آل مُحَمَّد الشَّهْر والشهران لَا توقد فِي بَيت من بيوته نَار وَكَانَ قوتهم التَّمْر وَالْمَاء وَكَانَ يعصب على بَطْنه الْحجر من الْجُوع قيل كَانَت غَزَوَاته تسع عشرَة وَقيل سِتا وَعشْرين وَقيل سبعأ وَعشْرين غَزْوَة وَآخر غَزَوَاته غَزْوَة تَبُوك وَوَقع الْقِتَال مِنْهَا فِي تسع وَهِي بدر وَأحد وَالْخَنْدَق وَقُرَيْظَة والمصطلق وخبير وَالْفَتْح وحنين والطائف وَبَاقِي الْغَزَوَات لم يجر فِيهَا الْقِتَال وَأما السَّرَايَا والبعوث فَقيل خمس وَثَلَاثُونَ وَقيل ثَمَان وَأَرْبَعُونَ ودواوين الْإِسْلَام وَكتب السّنة المطهرة قد اشْتَمَلت على تفاصيل أَحْوَاله ﷺ وَمَا جرياته بِمَا هُوَ مَعْرُوف عِنْد عُلَمَاء هَذَا الشَّأْن وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكرهَا وأوصافه أجل من أَن تحصر أَو تحيطه الدفاتر صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ على وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا
стр. 143
ذكر طرف من هَيْئَة الأفلاك
إعلم أَن الْكَوَاكِب أجسام كريات وَالَّذِي أدْرك مِنْهَا الْحُكَمَاء بالرصد ألف كَوْكَب وَتِسْعَة وَعشْرين كوكبا وَهِي على قسمَيْنِ سيارة وثابتة فالسيارة سَبْعَة وَهِي زحل وَالْمُشْتَرِي والمريخ وَالشَّمْس والزهرة وَعُطَارِد وَالْقَمَر وَقد نظمها المقريزي فِي بَيت وَاحِد وَهُوَ
(زحل شري مريخه من شمسه ... فتزاهرت بعطارد الأقمار)
وَيُقَال لهَذِهِ السَّبْعَة الخنس وَقيل أَنَّهَا الَّتِي عناها الله تَعَالَى بقوله ﴿فَلَا أقسم بالخنس الْجوَار الكنس﴾ وَالَّتِي عناها الله بقوله ﴿فالمدبرات أمرا﴾ وَقيل لَهَا الخنس لاستقامتها فِي سَيرهَا ورجوعها وَقيل لَهَا الكنس لِأَنَّهَا تجْرِي فِي البروج ثمَّ تكنس أَي تستتر كَمَا يكنس الظبي وَقيل الكنس والخنس مِنْهَا خَمْسَة وَهِي مَا سوى الشَّمْس وَالْقَمَر سميت بذلك من الأنخاس وَهُوَ الإنقباض وَفِي الحَدِيث الشَّيْطَان يوسوس للْعَبد فَإِذا ذكر الله خنس أَي انقبض وَرجع فَيكون الخنس على هَذَا فِي الْكَوَاكِب بِمَعْنى الرُّجُوع وَسميت بالكنس من قَوْلهم كنس الظبي إِذا دخل الكناس وَهُوَ مقره فالكنس على هَذَا فِي الْكَوَاكِب بِمَعْنى اختفائها تَحت ضوء الشَّمْس وَيُقَال لهَذِهِ الْكَوَاكِب الْمُتَحَيِّرَة لِأَنَّهَا ترجع أَحْيَانًا عَن سمت مسيرها بالحركة الشرقية وتتبع الغريبة فِي رَأْي الْعين فَيكون هَذَا الإرتداد لَهَا شبه التحير
стр. 144
وَهَذِه الْأَسْمَاء الَّتِي لهَذِهِ الْكَوَاكِب يُقَال أَنَّهَا مُشْتَقَّة من صفاتها
فزحل مُشْتَقّ من زحل فلَان إِذا أعيا سمي بذلك لبطء سيره وَيُقَال أَنه المُرَاد فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّمَاء والطارق وَمَا أَدْرَاك مَا الطارق النَّجْم الثاقب﴾
وَالْمُشْتَرِي سمي بذلك لحسنه كَأَنَّهُ اشْترى الْحسن لنَفسِهِ وَقيل لِأَنَّهُ نجم الشِّرَاء وَالْبيع وَدَلِيل الرِّبْح وَالْمَال فِي قَوْلهم
والمريخ مَأْخُوذ من المرخ وَهُوَ شجر يحتك بعض أغصانه بِبَعْض فيوري نَارا سمي بذلك لإحمراره وَقيل المريخ سهم لَا ريش لَهُ إِذا رمي بِهِ لَا يَسْتَوِي فِي مَمَره وَكَذَا المريخ فِيهِ التواء كثير فِي سيره ودلالته بزعمهم تشبه ذَلِك
وَالشَّمْس لما كَانَت وَاسِطَة بَين ثَلَاثَة كواكب علوِيَّة لأَنهم من فَوْقهَا وَثَلَاثَة سفلية لأَنهم من تحتهَا سميت بذلك لِأَن الْوَاسِطَة الَّتِي فِي المخنقة تسمى شمسة
والزهرة من الزَّاهِر وَهُوَ الْأَبْيَض النير من كل شَيْء
وَعُطَارِد وَهُوَ النَّافِذ فِي كل الْأُمُور وَلذَلِك يُقَال لَهُ أَيْضا الْكَاتِب فَإِنَّهُ كثير التَّصَرُّف مَعَ مَا يقارنه ويلابسه من الْكَوَاكِب
وَالْقَمَر مَأْخُوذ من القمرة وَهِي الْبيَاض والأقمر الْأَبْيَض وَيُقَال لزحل كيوان وَللْمُشْتَرِي تبر والبرجيس أَيْضا وللمريخ بهْرَام وللشمس مهر وللزهرة أناهيذ وسدحت أَيْضا وناهيذ ايضا ولعطارد هرمس وللقمر ماه وَقد جمعهَا المقريزي فِي ثَانِي هذَيْن الْبَيْتَيْنِ
(لَا زلت تبقى وترقى للعلى أبدا ... مَا دَامَ للسبعة الأفلاك أَحْكَام)
(مهر وماه وكبوان وتبر مَعًا ... وهرمس وأناهيذ وبهرام)
وَيُقَال لما عدا هَذِه الْكَوَاكِب السَّبْعَة من بَقِيَّة نُجُوم السَّمَاء الْكَوَاكِب الثَّابِتَة سميت بذلك لثباتها فِي الْفلك بِموضع وَاحِد وَقيل لبطء حركتها
стр. 145
فَإِنَّهَا تقطع الْفلك بزعمهم بعد كل سِتّ وَثَلَاثِينَ ألف سنة شمسية مرّة وَاحِدَة وَلكُل كَوْكَب من الْكَوَاكِب السَّبْعَة السيارة فلك من الأفلاك يَخُصُّهُ والأفلاك أجسام كريات مشفات بَعْضهَا فِي جَوف بعض وَهِي تِسْعَة أقربها إِلَيْنَا فلك الْقَمَر وَبعده فلك عُطَارِد ثمَّ بعده فلك الزهرة وَبعده فلك الشَّمْس وفوقه فلك المريخ ثمَّ فلك المُشْتَرِي وفوقه فلك زحل ثمَّ فلك الثوابت وَفِيه كل كَوْكَب يرى فِي السَّمَاء سوى السَّبْعَة السيارة وَمن فَوق فلك الثوابت الْفلك الْمُحِيط وَهُوَ الْفلك التَّاسِع وَيُسمى الأطلس وفلك الأفلاك وفلك الْكل
وَقد اخْتلفت فِي الأفلاك فَقيل هِيَ السَّمَوَات وَقيل بل السَّمَوَات غَيرهَا وَقيل بل هِيَ كرية وَقيل غير ذَلِك وَقيل الْفلك الثَّامِن هُوَ الْكُرْسِيّ والفلك التَّاسِع هُوَ الْعَرْش وَقيل غير ذَلِك
وَهَذَا الْفلك التَّاسِع دَائِم الدوران كالدولاب ويدور فِي كل أَرْبَعَة وَعشْرين سَاعَة مستوية دورة وَاحِدَة ودورانه يكون أبدا من الْمشرق إِلَى الْمغرب ويدور بدورانه جَمِيع الأفلاك الثَّمَانِية وَمَا حوته من الْكَوَاكِب دورانا حركته قسرية لإدارة التَّاسِع لَهَا وَعَن حَرَكَة التَّاسِع الْمَذْكُور يكون اللَّيْل وَالنَّهَار فالنهار مُدَّة بَقَاء الشَّمْس فَوق أفق الأَرْض وَاللَّيْل مُدَّة غيبوبة الشَّمْس تَحت أفق الأَرْض وفلك الْكَوَاكِب الثَّابِتَة مقسوم بِاثْنَيْ عشر قسما كحجم البطيخة كل قسم مِنْهَا يُقَال لَهُ برج وَهِي الْحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة وَالْمِيزَان وَالْعَقْرَب والقوس والجدي والدلو والحوت وكل برج من هَذِه البروج الأثني عشر يَنْقَسِم ثَلَاثِينَ قسما يُقَال لكل قسم مِنْهَا دَرَجَة وكل دَرَجَة من هَذِه الثَّلَاثِينَ مقسومة سِتِّينَ قسما يُقَال لكل قسم مِنْهَا دقيقة وكل دقيقة من هَذِه السِّتين مقسومة سِتِّينَ قسما يُقَال لكل قسم مِنْهَا ثَانِيَة وَهَكَذَا إِلَى الثوالث والروابع والخوامس إِلَى الثواني عشر وَمَا فَوْقهَا من الْأَجْزَاء وكل ثَلَاثَة بروج تسمى فصلا فالزمان على ذَلِك أَرْبَعَة فُصُول وَهِي الرّبيع والصيف والخريف والشتاء وجهات الأقطار
следующие страницы →