Полный текст (229 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وهم أرفخشد وارم ولاوذ واشود وغليم وَكَذَا وَقع ذكر هَذِه الْخَمْسَة فِي التَّوْرَاة وَأَن بني أشوذ أهل الْموصل وَبني غليم أهل خوزستان وَمِنْهَا الأهواز وَلم يذكر فِي التَّوْرَاة ولد ولاوذ
وَقَالَ ابْن اسحاق وَكَانَ للاوذ أَرْبَعَة من الْوَلَد وهم طسم وعمليق وجرجان وَفَارِس قَالَ وَمن العماليق أمة جاسم فَمنهمْ بَنو لف وَبَنُو هزان وَبَنُو مطر وَبَنُو الْأَزْرَق وَمِنْهُم بديل وراحل وظفار وَمِنْهُم الكنعانيون وبرابرة الشَّام وفراعنة مصر
وَعَن غير ابْن إِسْحَاق أَن عبد بن ضخم وأميم من ولد ولاوذ
قَالَ ابْن اسحاق وَكَانَت طسم والعماليق وأميم وجاسم يَتَكَلَّمُونَ بِالْعَرَبِيَّةِ وَفَارِس يجاورونهم إِلَى الْمشرق ويتكلمون بِالْفَارِسِيَّةِ قَالَ ولد أرم عوص وكاثر وعبيل وَمن ولد عوص عَاد ومنزلهم بالرمال والأحقاف إِلَى حَضرمَوْت وَمن ولد كاثر ثَمُود وجدبس ومنزل ثَمُود بِالْحجرِ بَين الشَّام والحجاز
وَقَالَ هِشَام بن الْكَلْبِيّ عبيل بن عوص أَخُو عَاد
وَقَالَ ابْن حزم عَن قدماء النسابين أَن لاوذ هُوَ ابْن إرم بن سَام أَخُو عوص وكاثر
قَالَ فعلى هَذَا يكون جديس وَثَمُود أَخَوَيْنِ وطسم وعملاق أَخَوَيْنِ أَبنَاء عَم لحام وَكلهمْ بَنو عَم عَاد قَالَ ويذكرون أَن عبد بن ضخم ابْن إرم وَأَن أميم ابْن عَاد أرم
قَالَ الطَّبَرِيّ وَفهم الله لِسَان الْعَرَبيَّة عَاد وَثَمُود وعبيل وطسم وجديس وأميم وعمليق وهم الْعَرَب العاربة وَرُبمَا يُقَال أَن من الْعَرَب العاربة يقطن أَيْضا ويسمون أَيْضا الْعَرَب البائدة وَلم يبْق على وَجه الأَرْض مِنْهُم أحد
قَالَ وَكَانَ يُقَال عَاد إرم فَلَمَّا هَلَكُوا قيل ثَمُود إرم ثمَّ هَلَكُوا فَقيل لسَائِر ولد إرم أرمان وهم النبط
стр. 72
وَقَالَ هِشَام بن مُحَمَّد الْكَلْبِيّ إِن النبط بَنو نبيط بن ماش بن ارْمِ والسريان بَنو سريان بن نبط وَذكر أَيْضا أَن فَارس من ولد أشوذ بن سَام وَقَالَ فِيهِ فَارس بن طبراش بن أشوذ وَقيل أمّهم من أميم بن لاوذ وَقيل ابْن غليم
وَفِي التَّوْرَاة ذكر ملك الأهواز واسْمه كرد لَا عَمْرو من بني غليم والأهواز مُتَّصِلَة بِبِلَاد فَارس فَلَعَلَّ هَذَا الْقَائِل ظن أَن أهل الأهواز هم فَارس وَالصَّحِيح أَنهم من ولد يافث
وَقَالَ أَيْضا أَن البربر من ولد عمليق بن لاوذ وَأَنَّهُمْ بَنو ثميلة من مارب بن قاران بن عَمْرو بن عمليق وَالصَّحِيح أَنهم من كنعان بن حام وَذكر فِي التَّوْرَاة ولد ارْمِ أَرْبَعَة عوص وكاثر وماش وَيُقَال مشح وَالرَّابِع حول وَلم يَقع عِنْد بني إِسْرَائِيل فِي تَفْسِير هَذَا الشَّيْء إِلَّا أَن الجرامقة من ولد كاثر وَقد قيل أَن الكرد والديلم من الْعَرَب وَهُوَ قَول مَرْغُوب عَنهُ
وَقَالَ ابْن سعيد كَانَ لأشوذ أَرْبَعَة من الْوَلَد أيران ونبيط وجرموق وباسل فَمن ايران الْفرس والكرد والخزر وَمن نبيط النبط والسريان وَمن جرموق الجرامقة وَأهل الْموصل وَمن باسل الديلم وَأهل الْجَبَل
قَالَ الطَّبَرِيّ وَمن ولد أرفخشد العبرانيون وَبَنُو عَامر بن شالخ ابْن ارفخشد وَهَكَذَا نسبه فِي التَّوْرَاة وَفِي غَيرهَا أَن شالخ بن قينن بن ارفحشدر وَإِنَّمَا لم يذكر قينن فِي التَّوْرَاة لِأَنَّهُ كَانَ ساحرا وَادّعى الألوهية وَعند بَعضهم أَن النمرود من ولد ارفخشد وَهُوَ ضَعِيف
وَفِي التَّوْرَاة أَن عَابِر ولد اثْنَيْنِ من الْوَلَد هما قَانِع ويقطن وَعند الْمُحَقِّقين من النسابة أَن يقطن هُوَ قحطان عربته الْعَرَب هَكَذَا وَمن قَانِع ابراهيم ﵇ وشعوبه وَمن يقطن شعوب كَثِيرَة
فَفِي التَّوْرَاة ذكر ثَلَاثَة من الْوَلَد لَهُ وهم المرذاذ ومعربة ومضاض وهم جرهم وارام وهم حُضُور وسالف وهم أهل السلفات
стр. 73
وسبأ وهم أهل الْيمن من حمير والتبابعة وكهلان وهدرماوت وهم حَضرمَوْت هَؤُلَاءِ خَمْسَة وَثَمَانِية أُخْرَى ننقل إسماءهم وَهِي عبرانية وَلم نقف على تَفْسِير شَيْء مِنْهَا وَلَا يعلم من أَي الْبُطُون هم وهم بباراح أوزال ودفلا وعوثال وافيمايل وايوفير وحويلا ويوقاف
وَعند النسابين أَن جرهم من ولد يقطن فَلَا ادري من أَيهمْ
وَقَالَ هِشَام بن الْكَلْبِيّ أَن الْهِنْد والسند من نوفير بن يقطن وَالله أعلم
وَأما يافث
فَمن وَلَده التّرْك والصين والصقالبة ويأجوج وَمَأْجُوج بِاتِّفَاق من النسابين وَفِي آخَرين خلاف وَكَانَ لَهُ من الْوَلَد على ماوقع فِي التَّوْرَاة سَبْعَة وهم كومر وياوان وماذاي وماغوغ وقطوبال وماشخ وطيراش وعدهم ابْن إِسْحَاق هَكَذَا وَحذف ماذاي وَلم يذكر كومر وتوغرما واشبان وريغاث هَكَذَا فِي نَص التَّوْرَاة
وَوَقع فِي الْإسْرَائِيلِيات أَن توغرما هم الخزر وَأَن أشبان هم الصقالبة وَأَن ريغات هم الإفرنج وَيُقَال لَهُم برنسوس والخزر هم التركمان وشعوب التّرْك كلهم من بني كومر وَلم يذكرُوا من أَي الثَّلَاثَة هم وَالظَّاهِر أَنهم من توغرما ونسبهم ابْن سعيد إِلَى التّرْك ابْن مامورين سويل بن يافث وَالظَّاهِر أَنه غلط وَأَن عامور هُوَ كومر صحف عَلَيْهِ وهم أَجنَاس كَثِيرَة مِنْهُم الطغرغر وهم التتر والخطا وَكَانُوا بِأَرْض طمغاج والخزلقية والغز الَّذين كَانَ مِنْهُم السلجوقية وللهياطلة الَّذين كَانَ مِنْهُم الخلج وَيُقَال للهياطة الصغد أَيْضا
وَمن أَجنَاس التّرْك الْغَوْر والخزر القفجاق وَيُقَال الخفشاخ وَمِنْهُم يمك والعلان وَيُقَال اللاز وَمِنْهُم الشركس وازكش وَمن ماغوغ عِنْد الإسرائليين يَأْجُوج وَمَأْجُوج
стр. 74
وَقَالَ ابْن اسحاق انهم من كومر وَمن ماذاي الديلم ويسمون فِي اللِّسَان العبراني ماهان وَمِنْهُم أَيْضا همذان وجعلهم بعض الإسرائيليين من بني همذان بن يافث وعد همذان ثامنا للسبعة الْمَذْكُورين من وَلَده وَأما ياوان وإسمه يونان فَعِنْدَ الإسرائليين أَنه كَانَ لَهُ من الْوَلَد أَرْبَعَة وهم داورين واليشا وكيتم وترشيش وَأَن كيتم من هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة هُوَ أَبُو الرّوم وَالْبَاقِي يونان وَأَن ترشيش أهل طرطوس وَأما قطوبال فهم أهل الصين من الْمشرق واللمان الْمغرب وَيُقَال أَن أهل إفريقية قبل البربر مِنْهُم وَأَن الفرنج أَيْضا مِنْهُم
وَيُقَال أَيْضا أَن أهل الأندلس قَدِيما مِنْهُم وَأما ماشخ فَكَانَ وَلَده عِنْد الإسرائليين بخرسان وَقد انقرضوا لهَذَا الْعَهْد فِيمَا يظْهر وَعند بعض النسابين أَن الأشبان مِنْهُم وَأما طيراش فهم الْفرس عِنْد الإسرائيليين وَرُبمَا قَالَ غَيرهم أَنهم من كومر وَأَن الخزر وَالتّرْك من طيراش وَأَن الصقالبة وبرجان والأشبان من ياوان وَأَن يَأْجُوج وَمَأْجُوج من كومر وَهِي كلهَا مزاعم بعيدَة عَن الصَّوَاب
وَقَالَ أهردشيوش مؤرخ الرّوم أَن القوط واللطين من ماغوغ وَهَذَا آخر الْكَلَام فِي أَنْسَاب يافث وَالله أعلم
وَأما حام
فَمن وَلَده السودَان والهند والسند والقبط وكنعان بِاتِّفَاق وَفِي آخَرين خلاف
وَكَانَ لَهُ على مَا وَقع فِي التَّوْرَاة أَرْبَعَة من الْوَلَد وهم مصر وَيَقُول بَعضهم مصرايم وكنعان وكوش وقوط فَمن ولد مصر عِنْد الإسرائيليين فتروسيم وكسلوحيم وَوَقع فِي التَّوْرَاة فلشنين مِنْهُمَا مَعًا وَلم يتَعَيَّن من أَحدهمَا وَبَنُو فلشنين الَّذين كَانَ مِنْهُم جالوت وَمن ولد مصر عِنْدهم كفتورع وَيَقُولُونَ هم أهل دمياط وَوَقع الأنقلوس بن أُخْت قيطش الَّذِي خرب الْقُدس فِي الجولة الْكُبْرَى على الْيَهُود وَقَالَ أَن كفتورع هُوَ قبطفاي وَيظْهر من هَذِه الصِّيغَة أَنهم القبط لما بَين الإسمين من الشّبَه وَمن ولد
стр. 75
مصر عناميم وَكَانَ لَهُم نواحي اسكندرية وهم أَيْضا يفتوحيم ولوديم ولهابيم وَلم يَقع إِلَيْنَا تَفْسِير هَذِه الْأَسْمَاء
وَأما كنعان بن حام
فَذكر من وَلَده فِي التَّوْرَاة أحد عشر مِنْهُم صيدون وَلَهُم نَاحيَة صيداء وايموري وكرساش وَكَانُوا بِالشَّام وانتقلوا عِنْدَمَا غلبهم عَلَيْهِ يُوشَع إِلَى إفريقية فأقاموا بهَا وَمن كنعان أَيْضا بيوسا وَكَانُوا بِبَيْت الْمُقَدّس وهربوا أَمَام دَاوُد ﵇ حِين غلبهم عَلَيْهِ إِلَى إفريقية وَالْمغْرب وَأَقَامُوا بهَا وَالظَّاهِر أَن البربر من هَؤُلَاءِ المنتقلين أَولا وآخرا إِلَّا أَن الْمُحَقِّقين من نسابهم على أَنهم من ولد مازيغ بن كنعان فَلَعَلَّ مازيغ ينتسب إِلَى هَؤُلَاءِ وَمن كنعان أَيْضا حَيْثُ الَّذين كَانَ ملكهم عوج بن عنَاق وَمِنْهُم عرفان واروادى وخوى وَلَهُم نابلس وسبأ وَلَهُم طرابلس وضمارى وَلَهُم حمص وحماة وَلَهُم أنطاكية وَكَانَت تسمى حماة بإسمهم وَأما كوش بن حام فَذكر لَهُ فِي التَّوْرَاة خَمْسَة من الْوَلَد وهم سفتا وسبأ وجويلا ورعما وسفخا وَمن ولد رعما شاد وهم السَّنَد ودادان وهم الْهِنْد وفيهَا أَن النمرود من ولد كوش وَلم يعنيه وَفِي تفاسيرها أَن جويلا زويلة وهم أهل برقة وَأما أهل الْيمن من ولد سبأ وَأما قوط فَعِنْدَ أَكثر الإسرائيليين أَن القبط مِنْهُم
وَنقل الطَّبَرِيّ عَن ابْن اسحاق أَن الْهِنْد والسند والحبشة من بني السودَان من ولد كوش وَأَن النّوبَة وقزان وزغاوه والزنج مِنْهُم من كنعان
وَقَالَ ابْن سعيد أَجنَاس السودَان كلهم من ولد حام وَنسب ثَلَاثَة مِنْهُم إِلَى ثَلَاثَة سماهم من وَلَده غير هَؤُلَاءِ الْحَبَشَة إِلَى حبش والنوبة إِلَى نوابة أَو نوى والزنج إِلَى زنج وَلم يسم أحدا من أباء الْأَجْنَاس الْبَاقِيَة وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة الَّذين ذكرُوا لم يعرفوا من ولد حام فلعلهم من أَعْقَابهم أَو لَعَلَّهَا أَسمَاء أَجنَاس
وَقَالَ هِشَام بن مُحَمَّد الْكَلْبِيّ أَن النمرود هُوَ ابْن كوش بن كنعان
стр. 76
وَقَالَ أهردشيوش مؤرخ الرّوم أَن سبأ وَأهل إفريقية يَعْنِي البربر من جويلا بن كوش وَيُسمى يضول وَهَذَا وَالله أعلم غلط لِأَنَّهُ مران يضول فِي التَّوْرَاة من ولد يافث وَلذَلِك ذكر أَن حبشة الْمغرب من دادان بن رعما من ولد مصر بن حام بَنو قبط بن لاب بن مصر انْتهى الْكَلَام فِي بني حام
وَهَذَا آخر الْكَلَام فِي أَنْسَاب أُمَم الْعَالم على الْجُمْلَة وَالْخلاف الَّذِي فِي تفاصيلها ذكره ابْن خلدون فِي أماكنه وَالله ولي العون والتوفيق
стр. 77
ذكر طرف من تَارِيخ بعض الرُّسُل والأمم الْمَاضِيَة
أعلم أَن للنَّاس فِي الْعَالم مَذَاهِب ثَلَاثَة الْحُدُوث وَهُوَ مَذْهَب أهل الْملَل وَالْمَجُوس وَغَيرهم والقدم الْمُطلق أَي قدم أصُول هَذَا الْعَالم من الأفلاك ومواد العناصر وأنواع صورها على الإتصال بِلَا انْقِطَاع وَهُوَ مَذْهَب الفلاسفة والآباديين وهم قوم من أَوَائِل الْفرس يدعونَ أَن مبدأ نوعهم وقدوة دينهم رجل اسْمه مَه آباد وَأنزل عَلَيْهِ كتاب اسْمه دساتير بِالْفَارِسِيَّةِ والقدم بالنوع والحدوث بالشخص وَهُوَ مَذْهَب الهنود
وَهَذِه الإحتمالات بِعَينهَا تجْرِي فِي نوع الْإِنْسَان إِذا أَقَمْنَا وجود هَذَا النَّوْع على الإتصال مقَام الْوُجُود الشخصي والتجدد فِي الْأَعْيَان مَعَ الإنقطاع مقَام الْقدَم النوعي وعَلى تَقْدِير الْحُدُوث هَذَا النَّوْع الْمَوْجُود مُخْتَلف فِي بدايته على أَقْوَال لَا يُمكن الْجمع بَينهمَا وَأَصْحَاب هَذَا الرَّأْي الْمُسلمُونَ وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وَالتّرْك والإفرنج قبل ظُهُور النَّصْرَانِيَّة فيهم والمنقح عِنْد جَمِيع الْيَهُود وَالْمُسْلِمين مَا صور فِي كتابي تَقْوِيم التواريخ وتاريخ بَيت الْمُقَدّس للناصر مجير الدّين عبد الرَّحْمَن العلمي الْحَنْبَلِيّ الْعمريّ صنفه فِي آخر سنة تِسْعمائَة
وَقد وَقع فِي الْكِتَابَيْنِ فِي بعض الْمَوَاضِع تفَاوت قَلِيل تَارَة فِي التَّعَرُّض وَالتّرْك وَتارَة فِي الرقوم وَإِنِّي قد جمعت ذَلِك مَعَ زِيَادَة فَائِدَة على مَا فيهمَا وأشرت إِلَى مَوَاضِع الإختلاف وَجعلت مبدأ التَّارِيخ على مَا فِي الْكِتَابَيْنِ هبوط آدم أبي الْبشر ﵇ وَالظَّاهِر أَنه وَقت الْخلقَة وَالله أعلم ولكنهما اعتبراه من وَقت الهبوط وَلم يتعرضا لما بَين الْخلقَة
стр. 78
والهبوط من الْمدَّة وَكَذَا صنع غَيرهمَا فِي غَيرهمَا فَأَقُول هبوط آدم أبي الْبشر ﵇ كَانَ وَقت الْعَصْر يَوْم الْجُمُعَة ثامن شهر نيسان مُطَابق لعاشر الْمحرم فِي جَزِيرَة سرانديب وَإِنَّمَا سمي آدم لِأَنَّهُ خلق من أَدِيم الأَرْض وَخلق الله جسده وَتَركه أَرْبَعِينَ لَيْلَة وَقيل أَرْبَعِينَ سنة ملقى بِغَيْر روح فَلَمَّا نفخ فِيهِ الرّوح سجد لَهُ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ ﴿إِلَّا إِبْلِيس أَبى واستكبر وَكَانَ من الْكَافرين﴾ وَقَالَ ﴿أَنا خير مِنْهُ خلقتني من نَار وخلقته من طين﴾ وَكَانَ سجودهم لآدَم تَحِيَّة لَا عبَادَة وَكَانَ بِوَضْع الْجَبْهَة على الأَرْض كَمَا هُوَ ظَاهر النّظم القرآني لَا بالانحناء كَمَا زعم كثير من أهل الْعلم وَالتَّفْسِير
وَعلم الله آدم الْأَسْمَاء كلهَا حَتَّى الْقَصعَة والقصيعة وَخلق الله من ضلعه حَوَّاء زَوجته وَسميت بهَا لِأَنَّهَا خلقت من شَيْء حَيّ فَقَالَ الله ﴿يَا آدم اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة وكلا مِنْهَا رغدا حَيْثُ شئتما وَلَا تقربا هَذِه الشَّجَرَة فتكونا من الظَّالِمين﴾ فوسوس لَهما الشَّيْطَان وأكلا من الشَّجَرَة الْمنْهِي عَنْهَا ﴿فبدت لَهما سوآتهما وطفقا يخصفان عَلَيْهِمَا من ورق الْجنَّة﴾ وَقَالَ الله ﴿اهبطوا بَعْضكُم لبَعض عَدو﴾ وَقد اخْتلف أهل الْعلم فِي الْجنَّة الَّتِي كَانَ فِيهَا آدم قبل الهبوط هَل هِيَ على الأَرْض أَو فَوق السَّمَاء على قَوْلَيْنِ ثمَّ اخْتلفُوا فِي أَي مَوضِع كَانَت من الأَرْض على أَقْوَال وَاسْتدلَّ كل قَائِل بِمَا بدا لَهُ من الْحجَج والأدلة وَأطَال فِي ذَلِك كَمَا ذكره الْحَافِظ بن الْقيم فِي حادي الْأَرْوَاح إِلَى بِلَاد الأفراح
وَالْحق البحت أَنه لم يرد فِي تعْيين تِلْكَ الْجنَّة نَص من الله وَلَا من رَسُوله فِي الْكتاب الْعَزِيز وَلَا فِي السّنة المطهرة حَتَّى يجب الْمصير إِلَيْهِ وَالْقَوْل بِهِ فَالْأولى فِي الْبَاب التَّوَقُّف وَالسُّكُوت وَالْحجّة فِي مثل هَذَا
стр. 79
الْمقَام وَهَذَا المرام دلَالَة الْعبارَة من الْقُرْآن والْحَدِيث دون اقتضائها وإشارتها وَلما هَبَط آدم ﵇ مِنْهَا إِلَى الأَرْض كَانَ لَهُ ولدان هابيل وقابيل فَقتل الثَّانِي الأول
وَتُوفِّي آدم ﵇ سنة تِسْعمائَة وَثَلَاثِينَ وَالظَّاهِر أَنه أَرْبَعُونَ سنة لِأَن عمره ألف سنة قمرية وتفاوتها قريب من ثَلَاثِينَ سنة شمسية فَهُوَ بالشمسية تسع وَتسْعُونَ فمدة الْمكْث فِي الْجنَّة أَرْبَعُونَ سنة وَالله أعلم
وَكَانَت ولادَة شِيث لمضي مِائَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سنة من عمر آدم وَهُوَ وَصِيّ آدم وَتَفْسِيره هبة الله وَإِلَى شِيث تَنْتَهِي أَنْسَاب بني آدم كلهم وَولد لَهُ أنوش لمضي سنة ٤٣٥ من عمر آدم
وَتقول الصابئة أَنه ولد لَهُ ابْن آخر اسْمه صابىء بن شِيث وَإِلَيْهِ تنْسب الصابئة وَولد لَهُ قينن لمضي سنة ٦٢٥ من عمر آدم وَولد لَهُ مهلائيل لمضي سنة من عمر آدم
قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ أَن آدم عِنْد مَوته كَانَ قد بلغ عدَّة وَلَده وَولد وَلَده أَرْبَعِينَ ألفا وَولد لمهلائيل يرد وَولد ليردخنوخ ولمضي عشْرين سنة من عمر خنوخ توفّي شِيث وعمره تِسْعمائَة واثنتا عشرَة سنة وَكَانَت وَفَاته لمضي سنة ألف وَمِائَة واثنتين وَأَرْبَعين لهبوط آدم ﵇
وَفِي تَقْوِيم التواريخ بترك مائَة وأسم شِيث عِنْد الصابئة عاديمون وَولد لخنوخ متوشلح وَتُوفِّي فِي زَمَنه أنوش وَكَانَ لَهُ من الْعُمر تِسْعمائَة وَخَمْسُونَ سنة وَولد لمتوشلح لامخ وَيُقَال لَهُ لامك ولمك وَتُوفِّي فِي زَمَنه قينن وَله تِسْعمائَة وَعشر سِنِين وَأما خنوخ وَهُوَ إِدْرِيس فَإِنَّهُ رفع لما صَار لَهُ من الْعُمر ثَلَاثمِائَة وَخمْس وَسِتُّونَ سنة رَفعه الله إِلَى السَّمَاء فَكَانَ ذَلِك لمضي ثَلَاث عشرَة سنة من عمر لامخ قبل ولادَة نوح بِمِائَة وَخمْس وَسبعين سنة وَسنة سبع وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة وَألف من هبوط آدم ﵇ ونبا الله إِدْرِيس الْمَذْكُور وانكشفت لَهُ الْأَسْرَار السماوية وَله صحف مِنْهَا لَا ترموا أَن تحيطوا بِاللَّه خبْرَة فَإِنَّهُ أعظم وَأَعْلَى أَن تُدْرِكهُ فطن المخلوقين إِلَّا من آثاره
стр. 80
وَأما متوشلح بن إِدْرِيس فَإِنَّهُ توفّي لمضي سِتّمائَة من عمر نوح وَذَلِكَ عِنْد ابْتِدَاء مَجِيء الطوفان وَكَانَ عمره ٩٦٩ وَولد للامخ نوح وَكَانَت وِلَادَته بعد أَن مُضِيّ ألف وسِتمِائَة وَاثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ سنة من هبوط آدم وَتُوفِّي فِي زَمَنه مهلائيل وَكَانَ لَهُ من الْعُمر ٨٩٥ وَأَيْضًا يرد وعمره ٩٢٦ وَلما صَار لنوح خَمْسمِائَة سنة من الْعُمر ولد لَهُ سَام وَحَام وَيَافث وَلما مضى من عمر نوح سِتّمائَة سنة كَانَ الطوفان وَذَلِكَ لمضي أَلفَيْنِ وَمِائَتَيْنِ واثنتين وَأَرْبَعين سنة من هبوط آدم وعاش بعد الطوفان ثَلَاثمِائَة وَخمسين سنة فَكَانَت جملَة ذَلِك تِسْعمائَة وَخمسين سنة ألف سنة إِلَّا خمسين عَاما وَهَذَا نَص الْمُصحف الْكَرِيم وَكَذَا وَقع التَّوْرَاة بِعَيْنِه
قَالَ ابْن الْكثير فِي الْكَامِل أَن الله تَعَالَى أرسل نوحًا إِلَى قومه وَقد اخْتلف فِي ديانتهم وَأَصَح ذَلِك مَا نطق بِهِ الْكتاب الْعَزِيز بِأَنَّهُم كَانُوا أهل أوثان ﴿وَقَالُوا لَا تذرن آلِهَتكُم وَلَا تذرن ودا وَلَا سواعا وَلَا يَغُوث ويعوق ونسرا وَقد أَضَلُّوا كثيرا﴾ وَصَارَ نوح يَدعُوهُم إِلَى طَاعَة الله وهم لَا يلتفتون وَبَقِي لَا يَأْتِي قرن مِنْهُم إِلَّا كَانَ أَخبث من الَّذِي قبله فَلَمَّا طَال ذَلِك عَلَيْهِ شكاهم إِلَى الله تَعَالَى فَأوحى إِلَيْهِ ﴿أَنه لن يُؤمن من قَوْمك إِلَّا من قد آمن﴾ فَلَمَّا يئس مِنْهُم دَعَا عَلَيْهِم فَقَالَ ﴿رب لَا تذر على الأَرْض من الْكَافرين ديارًا﴾ فَأوحى إِلَيْهِ أَن يصنع الْفلك وصنع السَّفِينَة من خشب الساج فَلَمَّا فار التَّنور وَكَانَ هُوَ الْآيَة بَين نوح وَبَين ربه حمل نوح من أَمر الله بِحمْلِهِ وَكَانَ مِنْهُم سَام وَحَام وَيَافث وَنِسَاؤُهُمْ وَقيل حمل أَيْضا سِتَّة أناسى وَقيل ثَمَانِينَ رجلا أحدهم جرهم كلهم من بني شِيث وتخلف عَنهُ ابْنه يام وَكَانَ كَافِرًا وارتفع المَاء وطمى وَجعلت الْفلك تجْرِي بهم فِي موج كالجبال وَعلا المَاء على رُؤُوس الْجبَال خمس عشرَة ذِرَاعا فَهَلَك مَا على وَجه الأَرْض من حَيَوَان ونبات
стр. 81
وَكَانَ بَين أَن أرسل الله المَاء وَبَين أَن غاض سِتَّة أشهر وَعشر لَيَال وَقيل أَن ركُوب نوح فِي الْفلك كَانَ لعشر لَيَال مَضَت من رَجَب وَكَانَ ذَلِك أَيْضا لعشر لَيَال خلت من آب وَخرج من السَّفِينَة يَوْم عَاشُورَاء من الْمحرم وَكَانَ اسْتِقْرَار السَّفِينَة على الجودى من أَرض الْموصل
قَالَ ابْن الْأَثِير وَأما الْمَجُوس فَلَا يعْرفُونَ الطوفان وَكَانَ بَعضهم يقر بِهِ وَيَزْعُم أَنه كَانَ فِي إقليم بابل وَمَا قرب مِنْهُ وَأَن مسَاكِن ولد خيرموت كَانَت بالمشرق فَلم يصل ذَلِك إِلَيْهِم وَكَذَلِكَ جَمِيع الْأُمَم المشرقية من الْهِنْد وَالْفرس والصين لَا يعترفون بِهِ وَبَعض الْفرس يعْتَرف بِهِ وَيَقُول لم يكن عَاما وَلم يَتَعَدَّ عقبه حلوان وَالصَّحِيح أَن جَمِيع أهل الأَرْض من ولد نوح لقَوْله تَعَالَى (وَجَعَلنَا ذُريَّته هم البَاقِينَ) فَجَمِيع النَّاس من ولد سَام وَحَام وَيَافث أَوْلَاد نوح فسام أَبُو الْعَرَب وَفَارِس وَالروم وَحَام أَو السودَان وَيَافث أَبُو التّرْك ويأجوج وَمَأْجُوج والفرنج والقبط من ولد حام بن نوح وَلما مَضَت سنة ثَلَاثمِائَة وَخمسين للطوفان توفّي نوح سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وألفين لهبوط آدم وعمره تِسْعمائَة وَخَمْسُونَ سنة وَهَذَا على أَن المُرَاد بقوله تَعَالَى ﴿فَلبث فيهم ألف سنة إِلَّا خمسين عَاما﴾ جَمِيع عمره ﵇ والمتبادر من السباق والسياق أَنه مَا بَين الْبعْثَة والطوفان وَالله أعلم
وَولد لسام ارفخشد بعد الطوفان بِسنتَيْنِ وَولد لَهُ قنين لمضي سنة ١٣٧ للطوفان وَولد لَهُ شالخ لمضي سنة ٢٧٦ من الطوفان وَولد لَهُ عَابِر لمضي سنة ٤٦٦ للطوفان وَولد لَهُ فانع لمضي ٥٤٠ للطوفان ثمَّ ولد لفنع رعو وَعند مولده تبلبلت الألسن وَقسمت الأَرْض وَتَفَرَّقَتْ بَنو نوح وَذَلِكَ لمضي ٦٧٠ للطوفان وَولد لرعو ساروع بعد مُضِيّ سنة ٨٠٢ وَولد لَهُ ناحور لمضي سنة ٩٣٢ للطوفان وَولد لَهُ تارخ لمضي إِحْدَى عشرَة وَألف سنة للطوفان وَولد لَهُ إِبْرَاهِيم الْخَلِيل
стр. 82
عَلَيْهِ السَّلَام وَذَلِكَ لمضي ألف وَإِحْدَى وَثَمَانِينَ سنة للطوفان وَسنة ثَلَاث وَعشْرين وثلاثمائة وَثَلَاثَة آلَاف من هبوط آدم ﵇
وَمن الْغَرِيب الْوَاقِع فِي التَّوْرَاة أَن عمر إِبْرَاهِيم كَانَ يَوْم وَفَاة نوح ثَلَاثَة وَخمسين سنة فَيكون لَقِي نوحًا وخالطه وَأخذ عَنهُ وَهُوَ على رَأْي وَبَعْضهمْ أَب لجَمِيع الشعوب من بعده فَلذَلِك كَانَ الْأَب الثَّالِث للخليقة من بعد آدم ونوح وعَلى هَذَا جملَة السنين من الطوفان إِلَى ولادَة إِبْرَاهِيم مِائَتَان وَسبع وَتسْعُونَ سنة وَعمر نوح بعد الطوفان ثَلَاثمِائَة وَخَمْسُونَ سنة
وَأما سَبَب تبلبل الألسن
فقد ذكر أَبُو عِيسَى أَن بني نوح الَّذين نشوا بعد الطوفان اجْتَمعُوا على بِنَاء حصن يتحرزون بِهِ خوفًا من مَجِيء الطوفان مرّة ثَانِيَة وَالَّذِي وَقع رَأْيهمْ عَلَيْهِ أَن يبنوا صرحا شامخا يبلغ رَأسه السَّمَاء فَجعلُوا لَهُ اثْنَيْنِ وَسبعين برجا وَجعلُوا على كل برج كَبِيرا مِنْهُم يستحث على الْعَمَل فانتقم الله مِنْهُم وبلبل ألسنتهم إِلَى لُغَات شَتَّى وَلم يوافقهم عَابِر على ذَلِك وَاسْتمرّ على طَاعَة الله تَعَالَى فبقاه الله تَعَالَى على اللُّغَة العبرانية وَلم يَنْقُلهُ عَنْهَا وَلما افْتَرَقت بَنو نوح صَار لولد سَام الْعرَاق وَفَارِس وَمَا يَلِي ذَلِك إِلَى الْهِنْد وَصَارَ لولد حام الْجنُوب مِمَّا يَلِي مصر على النّيل وَكَذَلِكَ مغربا إِلَى أقصاه وَصَارَ لولد يافث مِمَّا يَلِي بَحر الخزر وَكَذَلِكَ مشرقا إِلَى جِهَة الصين وَكَانَت شعوب أَوْلَاد نوح الثَّلَاثَة عِنْد تبلبل الألسن اثْنَيْنِ وَسبعين شعبًا هود وَصَالح وهما نبيان أرسلا بعد نوح وَقبل إِبْرَاهِيم الْخَلِيل
أما هود فَقيل أَنه عَابِر بن شالح أرسل إِلَى عَاد وَكَانُوا أهل أصنام ثَلَاثَة وَكَانَ عَاد وَثَمُود جبارين طوال القامات كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿واذْكُرُوا إِذْ جعلكُمْ خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم فِي الْخلق بسطة﴾ وَبَقِي
стр. 83
هود بعد هَلَاك عَاد كَذَلِك حَتَّى مَاتَ وقبره بحضرموت وَقيل بِالْحجرِ من مَكَّة
وَأما صَالح فَأرْسلهُ الله إِلَى ثَمُود وَهُوَ ابْن عبيد بن أَسف بن ماشج وَكَانَ مسكن ثَمُود بِالْحجرِ فَلم يُؤمن بِهِ إِلَّا قَلِيل وعقروا النَّاقة فأهلكهم الله تَعَالَى ﴿فَأَصْبحُوا فِي دِيَارهمْ جاثمين﴾ وَصَارَ صَالح إِلَى فلسطين ثمَّ انْتقل إِلَى الْحجاز يعبد الله إِلَى أَن مَاتَ وَهُوَ ابْن ثَمَان وَخمسين سنة وَولد إِبْرَاهِيم بالأهواز وَقيل بِبَابِل وَهِي الْعرَاق وَكَانَ نمْرُود عَاملا على سَواد الْعرَاق وَمَا اتَّصل بِهِ للضحاك وَقيل كَانَ ملكا مُسْتقِلّا بِرَأْسِهِ فَأخذ إِبْرَاهِيم ورماه فِي نَار عَظِيمَة سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَثَلَاثَة آلَاف من هبوط آدم ﵇ فَكَانَت النَّار عَلَيْهِ بردا وَسلَامًا
وَفِي تَارِيخ الْقُدس سنة تسع وَثَلَاثِينَ وفيهَا هِجْرَة إِبْرَاهِيم من بابل إِلَى فلسطين وَفِي تَقْوِيم التواريخ سنة ثَلَاث وَتِسْعين وفيهَا خُرُوج كادة الْحداد على الضَّحَّاك وسلطنته أفريدون الْفَارِسِي
وَكَانَ إِبْرَاهِيم فِي أَوَاخِر أَيَّام بيوراسب الْمُسَمّى بِالضحاكِ وَفِي أول ملك أفريدون
وَكَانَ بِنَاء الْكَعْبَة المعظمة على يَده الْكَرِيمَة فِي سنة ثَلَاث وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة وَثَلَاثَة آلَاف وفيهَا وُلَاة اسحاق ﵇
وَكَانَت ولادَة إِسْمَاعِيل قبل هَذَا بأَرْبعَة عشر عَاما أَعنِي سنة تسع مِنْهَا وَقد اخْتلف فِي الذَّبِيح هَل هُوَ إِسْحَاق أم إِسْمَاعِيل وفداه الله بكبش وَلكُل من أهل الْعلم وجهة هُوَ موليها وَقد بَينا مَا هُوَ الْحق فِي تفسيرنا فتح الْبَيَان فِي مَقَاصِد الْقُرْآن
وَمن زعم أَن الذَّبِيح إِسْحَاق يَقُول كَانَ مَوضِع الذّبْح بِالشَّام على ميلين من إيليا وَهِي بَيت الْمُقَدّس وَمن يَقُول أَنه إِسْمَاعِيل يَقُول أَن ذَلِك كَانَ بِمَكَّة ثمَّ أَن إِبْرَاهِيم وَمن آمن مَعَه فارقوا قَومهمْ وَهَاجرُوا إِلَى
стр. 84
حران وَأَقَامُوا بهَا مُدَّة ثمَّ سَار إِبْرَاهِيم إِلَى مصر وصاحبها فِرْعَوْن ووهبه هَاجر ثمَّ سَار من مصر إِلَى السام وَأقَام بَين الرملة وإيليا وَولدت لَهُ هاجراسماعيل وَمَعْنَاهُ بالعبراني مُطِيع الله فحزنت سارة لذَلِك فَوَهَبَهَا الله إِسْحَاق وَمَاتَتْ هَاجر بِمَكَّة وَقدم إِلَيْهِ أَبوهُ ابراهيم وَبينا الْكَعْبَة وَهِي بَيت الْحَرَام
وَلُوط هُوَ ابْن أخي ابراهيم هاران بن آزر وَكَانَ قد آمن بِعَمِّهِ إِبْرَاهِيم وَهَاجَر مَعَه إِلَى مصر وَعَاد إِلَى الشَّام وأرسله الله إِلَى أهل سذوم وَكَانَ مَا كَانَ وقصته فِي الْقُرْآن الْكَرِيم وَأرْسل الله إِسْمَاعِيل إِلَى قبائل الْيمن وَإِلَى العماليق وعاش مائَة وَسبعا وَثَلَاثِينَ سنة وَمَات بِمَكَّة وَدفن عِنْد قبر أمه هَاجر بِالْحجرِ وَكَانَت وَفَاته بعد وَفَاة أَبِيه إِبْرَاهِيم بثمان وَأَرْبَعين سنة
وَاسْتمرّ الْبَيْت على مَا بناه إِبْرَاهِيم إِلَى أَن هدمته قُرَيْش سنة خمس وَثَلَاثِينَ من مولد رَسُول الله ﷺ وَبَنوهُ وَكَانَ بِنَاؤُه بعد مُضِيّ مائَة سنة من عمر إِبْرَاهِيم بِمدَّة فَتكون بالتقريب بَين ذَلِك وَبَين الْهِجْرَة أَلفَانِ وَسَبْعمائة وَنَحْو ثَلَاث وَتِسْعين سنة
ولادَة يَعْقُوب ﵇ سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَثَلَاثَة آلَاف وَيُقَال لَهُ إِسْرَائِيل وَكَانَ بنوه اثْنَي عشر رجلا هم آبَاء الأسباط وهم روبيل ثمَّ شَمْعُون ثمَّ لاوي ثمَّ يهوذا ثمَّ يساخر ثمَّ زبولون ثمَّ يُوسُف ثمَّ بنيامين ثمَّ دَان ثمَّ نفتالي ثمَّ كاذ ثمَّ أَشَارَ
وَتُوفِّي إِبْرَاهِيم ﵇ سنة ثَمَان وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة وَثَلَاثَة آلَاف
أَيُّوب ﵇ وَهُوَ رجل عده المؤرخون من أمة الرّوم لِأَنَّهُ من ولد الْعيص بن إِسْحَاق وَكَانَ نَبيا فِي عهد يَعْقُوب فِي قَول بَعضهم وعاش ثَلَاثًا وَتِسْعين سنة وَمن ولد أَيُّوب ابْنه بشر وَبعث الله بشرا بعد أَيُّوب وَسَماهُ ذَا الكفل وَكَانَ مقَامه بِالشَّام
يُوسُف بن يَعْقُوب لما صَار لَهُ من الْعُمر ثَمَانِي عشرَة سنة كَانَ فِرَاقه لِأَبِيهِ وبقيا مفترقين إِحْدَى وَعشْرين سنة ثمَّ اجْتمعَا فِي مصر وبقيا
стр. 85
مُجْتَمعين سبع عشرَة سنة وعاش يُوسُف مائَة وَعشر سِنِين وَكَانَ مولده لمضي سنة ٢٥١ من مولد إِبْرَاهِيم ووفاته لمضي سنة ٣٦١ من مولد إِبْرَاهِيم وَيكون وَفَاة يُوسُف قبل مولد مُوسَى بِأَرْبَع وَسِتِّينَ سنة محققا وَأما قصَّة فِرَاقه من أَبِيه وشغف زليخا بِهِ حبا فَحسب مَا ذكر الله فِي كِتَابه الْعَزِيز وَهُوَ أحسن الْقَصَص فِي الْقُرْآن وَكَانَ وَفَاة يُوسُف بِمصْر وَدفن بهَا حَتَّى كَانَ من مُوسَى وَفرْعَوْن مَا كَانَ فَلَمَّا سَار مُوسَى من مصر ببني إِسْرَائِيل إِلَى إِلَى التيه نبش يُوسُف وَحمله مَعَه فِي التيه حَتَّى مَاتَ مُوسَى فَلَمَّا قد يُوشَع ببني إِسْرَائِيل إِلَى الشَّام وَدَفنه بِالْقربِ من نابلس وَقيل عِنْد الْخَلِيل ﵇
شُعَيْب بَعثه الله إِلَى أَصْحَاب الأيكة وَأهل مَدين وَقد اخْتلف فِي نسبه فَقيل من ولد إِبْرَاهِيم الْخَلِيل وَقيل من ولد بعض الْمُؤمنِينَ بإبراهيم وَكَانَ الأيكة من شجر ملتف فَلم يُؤمنُوا فأهلكهم الله بسحابة أمْطرت عَلَيْهِم نَارا يَوْم الظلة وَأهْلك أهل مَدين بالزلزلة
مُوسَى هُوَ ابْن عمرَان بن قاهات بن لاوى بن يَعْقُوب بن إِسْحَاق أرْسلهُ الله تَعَالَى نَبيا بشريعة بني إِسْرَائِيل وَكَانَ من أمره مَا حَكَاهُ الله سُبْحَانَهُ فِي كِتَابه الْعَزِيز فِي غير مَوضِع وَهَارُون أَخُوهُ وَكَانَ اكبر مِنْهُ بِثَلَاث سِنِين وَقَارُون ابْن عَم مُوسَى وَكَانَ قد رزقه الله مَالا عَظِيما يضْرب بِهِ الْمثل على طول الدَّهْر وَكَانَ وَفَاة مُوسَى سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة وَثَلَاثَة آلَاف من هبوط آدم فِي التيه فِي سَابِع آذار لمضي ألف وسِتمِائَة وست وَعشْرين سنة من الطوفان فِي أَيَّام منوجهر الْملك وَكَانَ مَوته بعد هَارُون أَخِيه بِأحد عشر شهرا وَكَانَ مولد مُوسَى لمضي سنة ٤٤٥ من مولد إِبْرَاهِيم وَكَانَ بَين وَفَاة إِبْرَاهِيم ومولد مُوسَى مِائَتَان وَخَمْسُونَ سنة وَولد لمضي ألف وَخَمْسمِائة وست سِنِين من الطوفان وَكَانَ عمره حِين خرج من مصر ثَمَانِينَ سنة وَأقَام فِي التيه أَرْبَعِينَ سنة فَيكون عنمره مائَة وَعشْرين سنة وَكَانَت جملَة مقَام بني إِسْرَائِيل بِمصْر من حِين دخلُوا بهَا حَتَّى أخرجهم مُوسَى مِائَتَيْنِ وَخمْس عشرَة سنة وَأول من قَامَ فِي بني إِسْرَائِيل بعد مُوسَى طالوت
стр. 86
وَقد كثر اللَّغط فِي بَيَان حكام بني إِسْرَائِيل وملوكهم لبعد عَهده ولكونه باللغة العبرانية فتعسر النُّطْق بألفاظه على الصِّحَّة وَلم أجد فِي نسخ التواريخ مَا اعْتمد على صِحَّته لِأَن كل نُسْخَة تخَالف الْأُخْرَى أما فِي أسمائهم وَأما فِي عَددهمْ وَأما فِي مدد استيلائهم ولليهود الْكتب الْأَرْبَعَة وَالْعشْرُونَ وَهِي عِنْدهم متواترة قديمَة لم تعرب إِلَى الْآن بل هِيَ باللغة العبرانية
قَالَ أَبُو الفدا فأحضرت مِنْهَا سَفَرِي بني إِسْرَائِيل وملوكها وأحضرت إنْسَانا عَارِفًا باللغة العبرانية والعربية وَتركته يَقْرَأها وأحضرت مِنْهَا ثَلَاث نسخ وكتبت مِنْهَا مَا ظهر عِنْدِي صِحَّته وضبطت الْأَسْمَاء بالحروف والحركات حسب الطَّاقَة انْتهى
ولادَة دَاوُد
هُوَ من ولد هوذا بن يَعْقُوب بن إِسْحَاق سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة وَثَلَاثَة آلَاف من هبوط آدم وَكَانَ مقَامه بجيرون فَلَمَّا بلغ سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ من عمره انْتقل إِلَى الْقُدس وَفتح فِي الشَّام فتوحات كَثِيرَة من أَرض فلسطين وبلد عمان وماب وحلب ونصيبين وبلاد الأرمن وَغير ذَلِك وَملك دَاوُد أَرْبَعُونَ سنة وَتُوفِّي وَله سَبْعُونَ سنة فِي أَوَاخِر سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة لوفاة مُوسَى وَأوصى بِالْملكِ إِلَى سُلَيْمَان وأوصاه بعمارة بَيت الْمُقَدّس وَفِي تَقْوِيم التواريخ وَفِي أَي فِي سنة مولد دَاوُد غَلَبَة أفراسياب على الْفرس وَفِيه اخْتِلَاف وَفِي تَارِيخ الطَّبَرِيّ أَن غَلَبَة أفراسياب غلى منوجهر كَانَ فِي زمن مُوسَى وَكَانَ كيقباذ فِي زمن دَاوُد ﵇ وَلَعَلَّ ذَلِك هُوَ الصَّحِيح
ولادَة سُلَيْمَان
سنة إِحْدَى وَتِسْعين وثلاثمائة وَأَرْبَعَة آلَاف من هبوط آدم وَملك بعد أَبِيه وعمره اثْنَتَا عشر سنة فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَأَرْبَعَة آلَاف وفيهَا توفّي دَاوُد ﵇ وَأَتَاهُ الله من
стр. 87
الْحِكْمَة وَالْملك مَا لم يؤته لأحد سواهُ على مَا أخبر الله بِهِ فِي مُحكم كِتَابه الْعَزِيز وَهَذَا الَّذِي ذكر من وَفَاة دَاوُد وَخِلَافَة سُلَيْمَان خلاف مَا فِي الْكِتَابَيْنِ ففيهما أَن وَفَاة دَاوُد سنة ثَلَاث وَأَرْبَعمِائَة بعد أَرْبَعَة آلَاف ووفاة سُلَيْمَان ﵇ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين مِنْهَا وَالَّذِي أوجب ذَلِك مَا صَحَّ فِي حَدِيث الْمِيثَاق فأكمل الله تَعَالَى لداود مائَة سنة ولآدم ألف سنة وَمن الثَّابِت أَن سُلَيْمَان ولي الْخلَافَة بعد أَبِيه أَرْبَعِينَ سنة وَالله أعلم
وَفِي السّنة الرَّابِعَة من ملك سُلَيْمَان وَهِي سنة ٥٣٩ لوفاة مُوسَى ابْتَدَأَ سُلَيْمَان فِي عمَارَة بَيت الْمُقَدّس وَأقَام فِيهَا سبع سِنِين وَفرغ فِي السّنة الْحَادِيَة عشرَة من ملكه فَيكون الْفَرَاغ مِنْهُ فِي أَوَاخِر سنة ٥٤٦ لوفاة مُوسَى وَكَانَ ارْتِفَاع الْبَيْت ثَلَاثِينَ ذِرَاعا وَطوله سِتِّينَ ذِرَاعا فِي عرض عشْرين ذِرَاعا وَعمل خَارج الْبَيْت سورا محيطا بِهِ امتداده خمس مائَة ذِرَاع وَفِي السّنة الْخَامِسَة وَالْعِشْرين من ملكه جَاءَتْهُ بلقيس ملكة الْيمن وَمن مَعهَا وأطاعه جَمِيع مُلُوك الأَرْض
وَاسْتمرّ سُلَيْمَان على ذَلِك حَتَّى توفّي وعمره اثْنَتَانِ وَخَمْسُونَ سنة فَكَانَت مُدَّة ملكه أَرْبَعِينَ سنة فَيكون وَفَاة سُلَيْمَان فِي أَوَاخِر سنة ٥٧٥ لوفاة مُوسَى
تولي بخت نصر على بابل فِي سنة اثْنَيْنِ وَخمسين وَتِسْعمِائَة لوفاة مُوسَى وَذَلِكَ على حكم مَا اجْتمع لنا من مدد ولايات حكام بني إِسْرَائِيل والفترات الَّتِي كَانَت بَينهم وَأما مَا اخْتَارَهُ المؤرخون فَقَالُوا أَن من وَفَاة مُوسَى إِلَى ابْتِدَاء ملك بخت نصر تِسْعمائَة وثمانيا وَسبعين سنة وَثَمَانِية وَأَرْبَعين يَوْمًا وَهُوَ يزِيد على مَا اجْتمع لنا من المدد الْمَذْكُورَة فَوق سِتّ وَعشْرين سنة وَهُوَ تفَاوت قريب وَكَانَ هَذَا النَّقْص إِنَّمَا حصل من إِسْقَاط الْيَهُود كسورات المدد الْمَذْكُورَة فَإِنَّهُ من المستبعد أَن يملك الشَّخْص عشْرين سنة أَو تسع عشر سنة مثلا بل لابد من أشهر وَأَيَّام مَعَ ذَلِك فَلَمَّا ذكرُوا لكل شخص مُدَّة صَحِيحَة سَالِمَة من الْكسر نقصت جملَة السنين الْقدر الْمَذْكُور أَعنِي سِتا وَعشْرين سنة وكسورا وَكَانَ ابْتِدَاء ولَايَة بخت نصر فِي سنة تسع وَسبعين وَتِسْعمِائَة لوفاة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام
стр. 88
ظُهُور طبقَة الكيانين
وأولهم كيقباد سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين بعد أَرْبَعَة آلَاف وسِتمِائَة كَمَا فِي تَقْوِيم التواريخ وَابْتِدَاء ملك بخت نصر إِحْدَى وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة وَأَرْبَعَة آلَاف وَفِي تَارِيخ بَيت الْمُقَدّس أَن بخت نصر كَانَ أَمِيرا للهراسب الْفَارِسِي الَّذِي فوض إِلَيْهِ السلطنة كيخسرو وَابْتِدَاء ملكه سنة سبع وَأَرْبَعين مِنْهَا تخريب بَيت الْمُقَدّس على يَده سنة سبع وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة وَأَرْبَعَة آلَاف وَفِي تَقْوِيم التواريخ بِزِيَادَة سنة وَاحِدَة وفيهَا ابْتِدَاء ملك كشتاسب ابْن لهراسب سنة سبع وَتِسْعمِائَة وَأَرْبَعَة آلَاف وكشتاسب عِنْد الْيَهُود يُسمى كورش
تعمير بَيت الْمُقَدّس على يَد كورش
سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَأَرْبَعَة آلَاف وفيهَا كَانَ ظُهُور زردشت ومتابعة كشتاسب كَمَا فِي تَقْوِيم التواريخ وَعند صَاحب تَارِيخ الْقُدس الْأَصَح أَن كورش هُوَ بهمن بن أسفنديار ولد كشتاسسب قَالَ أَبُو الفدا صَاحب حماة يكون انْقِضَاء مُلُوك بني إِسْرَائِيل وخراب بَيت الْمُقَدّس على يَد بخت نصر سنة عشْرين من ولَايَته تَقْرِيبًا وَهِي السّنة التَّاسِعَة وَالتِّسْعُونَ وَتِسْعمِائَة لوفاة مُوسَى وَهِي أَيْضا سنة ثَلَاث وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة مَضَت من عمَارَة بَيت الْمُقَدّس وَهِي مُدَّة لبثه على الْعِمَارَة
وَاسْتمرّ بَيت الْمُقَدّس خرابا سبعين سنة ثمَّ عمر وعمره بعض مُلُوك الْفرس واسْمه عِنْد الْيَهُود كيرش وَاخْتلف فِيهِ من هُوَ فَقيل دَارا ابْن بهمن وَقيل هُوَ بهمن الْمَذْكُور وَهُوَ الْأَصَح وَيشْهد لصِحَّة ذَلِك
стр. 89
كتاب أشعيا وَلما عَادَتْ عمَارَة بَيت الْمُقَدّس تراجعت إِلَيْهِ بَنو إِسْرَائِيل من الْعرَاق وَغَيره وَكَانَت عِمَارَته فِي أول سنة تسعين لابتداء ولَايَة بخت نصر
قَالَ أَبُو عِيسَى أَن بني إِسْرَائِيل لما تراجعوا إِلَى الْقُدس بعد عِمَارَته صَار لَهُم حكام مِنْهُم وَكَانُوا تَحت حكم مُلُوك الْفرس واستمروا حَتَّى ظهر الْإِسْكَنْدَر فِي سنة ٤٣٥ لولاية بخت نصر وغلبت اليونان على الْفرس وَدخلت حِينَئِذٍ بَنو إِسْرَائِيل تَحت حكم اليونان وَأقَام اليونان من بني إِسْرَائِيل وُلَاة عَلَيْهِم وَكَانَ يُقَال للمتولي عَلَيْهِم هرذوس وَاسْتمرّ بَنو إِسْرَائِيل على ذَلِك حَتَّى خرب بَيت الْمُقَدّس الخراب الثَّانِي وتشتت مِنْهُ بَنو إِسْرَائِيل
يُونُس بن مَتى ﵇
وَمَتى أم يُونُس وَلم يشْتَهر نَبِي بِأُمِّهِ غير عِيسَى وَيُونُس ﵉ كَذَا ذكره ابْن الْأَثِير فِي الْكَامِل وَقد قيل أَنه من بني إِسْرَائِيل وَأَنه من سبط بنيامين وَكَانَت بعثته بعد يوثم بن عزيا وَهُوَ أحد مُلُوك بني إِسْرَائِيل وَكَانَت وَفَاة يوثم فِي سنة خمس عشرَة وَثَمَانمِائَة لوفاة مُوسَى وَبعث الله يُونُس إِلَى أهل نِينَوَى وَهِي قبالة الْموصل بَينهمَا دجلة وَكَانُوا يعْبدُونَ الْأَصْنَام فنهاهم وأوعدهم الْعَذَاب فِي يَوْم مَعْلُوم إِن لم يتوبوا وَضمن ذَلِك عَن ربه فَلَمَّا أظلهم الْعَذَاب آمنُوا فكشفه الله عَنْهُم والتقمه الْحُوت وَسَار بِهِ إِلَى الابله وَكَانَ من شَأْنه مَا أخبر الله تَعَالَى بِهِ فِي كِتَابه الْعَزِيز
آرميا بن خلقيا ﵇
نَبِي من أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل كَانَ بِعَهْد صدقيا وَهُوَ آخر مُلُوك بني يهوذا بِبَيْت الْمُقَدّس وَلما توغلوا فِي الْكفْر والعصيان هدد بني إِسْرَائِيل ببخت نصر وهم لَا يلتقتون إِلَيْهِ فَلَمَّا رأى أَنهم لَا يرجعُونَ عَمَّا هم فِيهِ فارقهم وختفى حَتَّى غزاهم بخت نصر وَخرب الْقُدس حسب مَا تقدم ذكره وَكَانَ من قصَّته مَا أخبر الله بِهِ فِي الْكتاب بقوله ﴿أَو كَالَّذي﴾
стр. 90
مر على قَرْيَة وَهِي خاوية على عروشها) الْآيَة وَقد قيل أَن صَاحب الْقِصَّة هُوَ الْعَزِيز وَالأَصَح أَنه أرميا كَذَا فِي تَارِيخ ابْن سعيد المغربي وَالله أعلم
ولادَة الْإِسْكَنْدَر اليوناني
سنة سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَخَمْسَة آلَاف من هبوط آدم وفيهَا وَفَاة أفلاطون الْحَكِيم الإلهي غَلَبَة إسكندر على الْفرس سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَخَمْسَة آلَاف ووفاة إسكندر سنة تسع وَثَمَانِينَ مِنْهَا
زَكَرِيَّا من ولد سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵇
وَكَانَ نَبيا ذكره الله فِي كِتَابه الْعَزِيز وَكَانَ نجارا وَهُوَ الَّذِي كفل مَرْيَم أم عِيسَى وَكَانَت مَرْيَم بنت عمرَان بن ماتان من ولد سُلَيْمَان وَكَانَت أم مَرْيَم اسْمهَا حنه وَكَانَ زَكَرِيَّا متزوج أُخْت حنه وَاسْمهَا ايشاع فَكَانَت زوج زَكَرِيَّا خَالَة مَرْيَم وَأرْسل الله تَعَالَى جِبْرِيل فبشر زَكَرِيَّا بيحي ثمَّ أرسل جِبْرِيل فَنفخ فِي جيب مَرْيَم فحبلت بِعِيسَى وَولد يحيى قبل الْمَسِيح بِسِتَّة أشهر ثمَّ ولدت مَرْيَم عِيسَى فَلَمَّا علمت الْيَهُود أَن مَرْيَم ولدت من غير بعل اتهموا زَكَرِيَّا بهَا وطلبوه فهرب واختفى فِي شَجَرَة عَظِيمَة فَقطعُوا الشَّجَرَة وَقَطعُوا زَكَرِيَّا مَعهَا وشق فِيهَا نِصْفَيْنِ وَقيل المشقوق فِي الشَّجَرَة إِنَّمَا هُوَ شعيا النَّبِي وَكَانَ عمر زَكَرِيَّا حِينَئِذٍ نَحْو مائَة سنة وَكَانَ قَتله بعد ولادَة الْمَسِيح لمضي ثَلَاثمِائَة وَثَلَاث سِنِين للإسكندر فَيكون مقتل زَكَرِيَّا بعد ذَلِك بِقَلِيل
وَأما يحي ابْنه فَإِنَّهُ نَبِي صَغِير ودعا النَّاس إِلَى عبَادَة الله وَلبس يحي الشّعْر واجتهد فِي الْعِبَادَة حَتَّى نحل جِسْمه وَذبح يحي لما نهى هذروس عَن بنت أَخ لَهُ أَن يَتَزَوَّجهَا وَقيل اغتصب امْرَأَة أَخِيه وَتَزَوجهَا وَلم يكن ذَلِك فِي شرعهم مُبَاحا فَأنْكر ذَلِك عَلَيْهِ وَقتل يحي
وَقد ذكر فِي قَتله أَسبَاب كَثِيرَة وَهَذَا أقربها إِلَى الصِّحَّة وَاخْتلف
стр. 91
هَل كَانَ أَبوهُ حَيا عِنْد قَتله فَقيل مَاتَ قبله وَقيل بعده وَكَذَلِكَ اخْتلف فِي دَفنه فَقيل دفن فِي بِبَيْت الْمُقَدّس وَهُوَ الصَّحِيح وَكَانَ قَتله قبل رفع الْمَسِيح بِمدَّة يسيرَة بعد مُضِيّ ثَلَاثِينَ سنة من عمر عِيسَى وَكَانَ رفع عِيسَى بعد نبوته بِثَلَاث سِنِين وَالنَّصَارَى تسمي يحي يوحنا المعمدان لكَونه عمد الْمَسِيح عِيسَى بن مَرْيَم ﵉
قَالَ فِي تَقْوِيم التواريخ ولادَة يحي وَعِيسَى سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَخَمْسَة آلَاف من هبوط آدم ﵇ وَمَرْيَم مَعْنَاهُ العابدة وولدته فِي بَيت لحم وَهِي قَرْيَة قريبَة من الْقُدس سنة أَربع وثلاثمائة لغَلَبَة الْإِسْكَنْدَر ثمَّ إِن مَرْيَم سَارَتْ بِهِ إِلَى مصر وَسَار مَعهَا ابْن عَمها يُوسُف بن يَعْقُوب بن ماتان النجار وَكَانَ حكيما وَزعم بَعضهم أَن يُوسُف كَانَ قد تزوج مَرْيَم لكنه لم يقربهَا وَهُوَ أول من أنكر حملهَا ثمَّ علم وَتحقّق براءتها وَسَار مَعهَا إِلَى مصر وَأَقَامَا هُنَاكَ اثْنَتَيْ عشرَة سنة ثمَّ عَاد عِيسَى وَأمه إِلَى الشَّام وَنزلا الناصرة وَبهَا سميت النَّصَارَى وَأقَام بهَا عِيسَى حَتَّى بلغ ثَلَاثِينَ سنة فَأوحى الله إِلَيْهِ وأرسله إِلَى النَّاس وَكَانَ يلبس الصُّوف وَالشعر وَيَأْكُل من نَبَات الأَرْض
وَكَانَ الحواريون اثْنَي عشر رجلا وسألوه الْمَائِدَة فَأنْزل الله إِلَيْهِ سفرة حَمْرَاء مغطاة بمنديل فِيهَا سَمَكَة مشوية وحولها الْبُقُول مَا خلا الكراث وَعند رَأسهَا ملح وَعند ذنبها خل وَمَعَهَا خمس أرغفة على بَعْضهَا زيتون وعَلى بَاقِيهَا رمان وتمر فَأكل مِنْهَا خلق كثير وَلم تنقص وَلم يَأْكُل مِنْهَا ذُو عاهة إِلَّا برِئ وَكَانَت تنزل يَوْمًا وتغيب يَوْمًا أَرْبَعِينَ لَيْلَة ثمَّ رفع الله تَعَالَى الْمَسِيح إِلَيْهِ وَألقى شبهه على الَّذِي دلهم عَلَيْهِ وَكَانَ رَفعه إِلَى السَّمَاء سنة سبع عشرَة وسِتمِائَة وَخَمْسَة آلَاف من هبوط آدم ﵇ وَفِي تَارِيخ الْقُدس كل من الْولادَة والوفاة بعد هَذِه السنين قَالَ ابْن الْأَثِير فِي الْكَامِل اخْتلف الْعلمَاء فِي مَوته قبل رَفعه فَقيل رفع وَلم يمت وَقيل بل توفاه الله ثَلَاث سَاعَات وَقيل سبع سَاعَات ثمَّ أَحْيَاهُ وَتَأَول قَائِل هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنِّي متوفيك﴾ وَكَانَ رَفعه لمضي ثَلَاثمِائَة وست وَثَلَاثِينَ سنة من غَلَبَة الْإِسْكَنْدَر على دَارا وَكَانَ بَين رَفعه
стр. 92
ومولد النَّبِي ﷺ خَمْسمِائَة وَخمْس أَرْبَعُونَ سنة تَقْرِيبًا وَكَانَت ولادَة الْمَسِيح أَيْضا لمضي ثَلَاث وَثَلَاثِينَ سنة من أول ملك أغسطس ولمضي إِحْدَى وَعشْرين سنة من غلبته على قلوبطرا ملكة اليونان
وَقيل غير ذَلِك وَلَكِن هَذَا هُوَ الْأَقْوَى وعاش الْمَسِيح إِلَى أَن رفع ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سنة فَكَانَ رَفعه فِي أَوَاخِر السّنة الأولى من ملك غانيوس
وَأما مَرْيَم أمه فَعَاشَتْ نَحْو ثَلَاث وَخمسين سنة لِأَنَّهَا حملت بالمسيح لما صَار لَهَا ثَلَاث عشرَة سنة وَعَاشَتْ مَعَه مجتمعة ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سنة وكسرا وَبقيت بعد رَفعه سِتّ سِنِين
ذكر خراب بَيت الْمُقَدّس
الخراب الثَّانِي وهلاك الْيَهُود وَزَوَال دولتهم زوالا لَا رُجُوع بعده كَانَ ابْتِدَاء عِمَارَته الثَّانِيَة لمضي ألف وَسبع وَسِتِّينَ سنة لوفاة مُوسَى ولمضي تسع وَثَمَانِينَ سنة من ابْتِدَاء ملك بخت نصر وَالَّذِي عمره هُوَ ملك الْفرس اردشير بهمن واسْمه عِنْد بني إِسْرَائِيل كيرش وَقيل كورش وَقيل كيرش ملك آخر غير بهمن وَكَانَ اسْم هرذوس الَّذِي قصد قتل الْمَسِيح فيلاطوس فَرفع الله عِيسَى وَكَانَ مِنْهُ وَمِنْهُم مَا كَانَ
ثمَّ ملك طيطوس وَفِي السّنة الأولى من ملكه قصد بَيت الْمُقَدّس وأوقع باليهود وقتلهم وأسرهم عَن آخِرهم إِلَّا من اختفى وَنهب الْقُدس وَخَرَّبَهُ وَخرب بَيت الْمُقَدّس وأحرق الهيكل وأحرق كتبهمْ وخلا الْقُدس من بني إِسْرَائِيل كَانَ لم يغن بالْأَمْس وَلم تعد لَهُم بعد ذَلِك رئاسة وَلَا حكم وَكَانَ ذَلِك بعد رفع الْمَسِيح بِنَحْوِ أَرْبَعِينَ سنة وَثَلَاث مائَة وست وَسبعين سنة من غَلَبَة الْإِسْكَنْدَر ولثمان مائَة وَإِحْدَى عشرَة سنة مَضَت لابتداء ملك بخت نصر
وَفِي تَقْوِيم التواريخ سنة تسع وَخمسين وسِتمِائَة وَخَمْسَة آلَاف من هبوط آدم وَفِي تَارِيخ بَيت الْمُقَدّس بعده يسنتين فَيكون لبث بَيت الْمُقَدّس
стр. 93
على عِمَارَته الأولى إِلَى حِين خربه بخت نصر أَرْبَعمِائَة وَثَلَاثًا وَخمسين سنة ثمَّ لبث على التخريب سبعين سنة ثمَّ عمر ولبث على عِمَارَته الثَّانِيَة إِلَى حِين خربه طيوطوس الرُّومِي مرّة ثَانِيَة سَبْعمِائة وَإِحْدَى وَعشْرين سنة
قَالَ الْحسن بن أَحْمد المهلبي فِي المسالك والممالك ثمَّ تراجع بَيت الْمُقَدّس إِلَى الْعِمَارَة قَلِيلا قَلِيلا واعتنى بِهِ بعض مُلُوك الرّوم وَسَماهُ إيليا وَمَعْنَاهُ بَيت الرب فعمره ورمم شعثه وَاسْتمرّ عَامِرًا وَهِي عِمَارَته الثَّالِثَة حَتَّى سَارَتْ هيلانة أم قسطنطين إِلَى الْقُدس فِي طلب خَشَبَة الْمَسِيح الَّتِي تزْعم النَّصَارَى أَن الْمَسِيح صلب عَلَيْهَا وَلما وصلت إِلَى الْقُدس بنت كَنِيسَة قِيَامَة على الْقَبْر الَّذِي تزْعم النَّصَارَى أَن عِيسَى دفن بِهِ وَخَربَتْ هيكل بَيت الْمُقَدّس إِلَى الأَرْض وَأمرت أَن يلقى فِي مَوْضِعه قمامات الْبَلَد وزبالته فَصَارَ مَوضِع الصَّخْرَة مزبلة وَبَقِي الْحَال على ذَلِك حَتَّى قدم عمر بن الْخطاب ﵁ وَفتح الْقُدس فدله بَعضهم على مَوضِع الهيكل فنظفه عمر من الزبايل وَبنى بِهِ مَسْجِدا وَبَقِي ذَلِك الْمَسْجِد إِلَى أَن تولى الْوَلِيد بن عبد الْملك الْأمَوِي فهدم ذَلِك الْمَسْجِد وَبنى على الأساس الْقَدِيم الْمَسْجِد الْأَقْصَى وَفِيه الصَّخْرَة
وَبنى هُنَاكَ قبايا أَيْضا سمي بَعْضهَا قبَّة الْمِيزَان وَبَعضهَا قبَّة الْمِعْرَاج وَبَعضهَا قبَّة السلسلة وَالْأَمر على ذَلِك إِلَى يَوْمنَا هَذَا
هَكَذَا نَقله المهبلي العزيزي الْمَذْكُور والعهدة عَلَيْهِ فَيكون عمَارَة الْوَلِيد هِيَ عِمَارَته الْخَامِسَة
الْفرس وهم أَربع طَبَقَات
وَهَذِه الْأمة من أقدم أُمَم الْعَالم وأشدهم قُوَّة وآثارا فِي الأَرْض وَكَانَت لَهُم فِي الْعَالم دولتان عظيمتان طويلتان الأولى مِنْهُمَا الكينية وَهِي الَّتِي غلب عَلَيْهَا الْإِسْكَنْدَر وَالثَّانيَِة الساسانية الكسروية وَهِي الَّتِي غلب عَلَيْهَا الْمُسلمُونَ وَأما قبل هَاتين الدولتين فبعيد وأخباره متعارضة وَلَا خلاف بَين الْمُحَقِّقين أَنهم من ولد سَام بن نوح وَأَرْض ايران هِيَ بِلَاد الْفرس وَلما عربت قيل لَهَا عراق وَقيل أَنهم من ولد ايران بن
стр. 94
افريدون وهم ينسبون الْفرس إِلَى كيومرت وَمَعْنَاهُ ابْن الطين كَانَت مُلُوك الْفرس من أعظم مُلُوك الأَرْض فِي قديم الزَّمَان ودولتهم وترتيبهم لَا يماثلهم فِي ذَلِك غَيرهم وهم أَربع طَبَقَات
الأولى
يُقَال لَهُم الفيشداذية وَمَعْنَاهَا أول سيرة الْعدْل وعدتها تِسْعَة وهم أوشهنج وطهمورت وجمشيد وبيوراسب وَهُوَ الضَّحَّاك وأفريدون بن أثفيان ومنوجهر وفراسياب وزد وكرشاسف وَهَذِه الطَّبَقَة قديمَة وَقد نقل عَن مدد ملكهم وحروبهم أمورا كَثِيرَة يأباها ويمجها السّمع
وَالثَّانيَِة
يُقَال لَهُم الكيانية وهم الَّذين فِي أول أسمائهم لَفْظَة كي وكي لقطَة للتنويه قيل مَعْنَاهُ الروحاني وَقيل الْجَبَّار وعدة الكيانية تِسْعَة أَيْضا وهم كيقباذ وكياكاؤس وكيخسرو وكيلهراسف وكيبشتاسف وكي ازدشير وبهمن وخمانى بنت أزدشير وَدَار الأول وَدَار الثَّانِي وَهُوَ الَّذِي قَتله الْإِسْكَنْدَر وَاسْتولى على ملكه
وَالثَّالِثَة
هم بعض مُلُوك الطوائف وَيُقَال لهَذِهِ الطَّبَقَة الإشغانية وعدتهم أحد عشر وهم اشغابن اشغان وَيُقَال اشك بن اشكان وسابور بن اشغال وجور بن اشغان وبيرن الأشغاني وجودزر الأشغاني وترسي الأشغاني وهمز الأشغاني واردوان الأشغاني وخسرو الأشغاني وبلاش الأشغاني واردوان الْأَصْغَر الأشغاني
وَالرَّابِعَة
وهم الأكاسرة لآن كل وَاحِد مِنْهُم يُقَال لَهُ كسْرَى وَيُقَال لَهُم أَيْضا الساسانية نِسْبَة إِلَى جدهم ساسان وَملك مِنْهُم عدَّة من النِّسَاء بعد
стр. 95
الْهِجْرَة وَاسْتولى عَلَيْهِم غَيرهم من الْفرس وَكَانَ أَوَّلهمْ أزدشير بن بابك وَآخرهمْ يزدجرد الَّذِي قتل فِي أَيَّام عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ وَمُدَّة ملكهم فِي الْعَالم على مَا نقل ابْن سعيد من كتاب تَارِيخ الْأُمَم لعَلي ابْن حَمْزَة الْأَصْفَهَانِي وَذَلِكَ من زمن كيومرت أَبِيهِم إِلَى مهلك يزدجرد أَرْبَعَة آلَاف سنة وَمِائَتَا سنة وَنَحْو إِحْدَى وَثَمَانِينَ سنة وكيومرت عِنْدهم هُوَ أول ملك نصب فِي الأَرْض ويزعمون فِيمَا قَالَ المَسْعُودِيّ أَنه عَاشَ ألف سنة وَالْفرس كلهم متفقون على أَن كيومرت هُوَ آدم الَّذِي هُوَ أول الخليقة وَأَن اوشهنك هُوَ مهلايل ملك الْهِنْد وَبِالْجُمْلَةِ وَكَانَ أوشهنك فَاضلا مَحْمُود السِّيرَة والسياسة بني بابل والسوس وَنزل الْهِنْد وَعقد على رَأسه التَّاج وَجلسَ على السرير وجمشيد مَعْنَاهُ شُعَاع الْقَمَر فجم هُوَ الْقَمَر والشيد هُوَ الشعاع وَكَذَلِكَ خورشيد لِأَن خور إسم الشَّمْس وَملك جمشيد الأقاليم السَّبْعَة وببوراسب كَانَ يُقَال لَهُ الدهاك وَمَعْنَاهُ عشر آفَات فَلَمَّا عرب قيل الضَّحَّاك وَملك الأَرْض كلهَا
وَكَانَ إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵇ فِي أَوَاخِر أَيَّام الضَّحَّاك وَأول ملك افريدون وَيُقَال أَن أفريدون هُوَ نوح وَالتَّحْقِيق أَنه من ولد جمشيد بَينهمَا تِسْعَة آبَاء وَأَنه ملك خسمائة سنة وَأَنه الَّذِي محا آثَار ثَمُود وَاخْتلف فِي الضَّحَّاك اخْتِلَافا كثيرا فيزعم كل من الْفرس واليونان وَالْعرب أَنه مِنْهُم وَالْفرس يجعلونه قبل الطوفان لأَنهم يعترفون بالطوفان
وخر ج فِي أَيَّامه بأصبهان رجل يُقَال لَهُ كابى وَكَانَ حدادا فَدَعَا النَّاس إِلَى مجاهدة الضَّحَّاك فِي سنة ٣٣٩٣ وَكَانَ ماكان حَتَّى ملك أفريدون قيل هُوَ ذُو القرنين الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن الْكَرِيم وَكَانَ لَهُ ثَلَاثَة أَوْلَاد فقسم الأَرْض بَينهم أَثلَاثًا أحدهم ايرج جعل لَهُ الْعرَاق والهند والحجاز وَجعله صَاحب التَّاج والسرير وفوض إِلَيْهِ الْولَايَة على أَخَوَيْهِ وَالثَّانِي شرم وَجعل لَهُ الرّوم وديار مصر وَالْمغْرب وَالثَّالِث طوج وَجعل لَهُ الصين وَالتّرْك والمشرق جَمِيعه ومنوجهر هُوَ ابْن ايرج وَكَانَت أمه من ولد اسحاق ﵇
ثمَّ استبد وَحمل الْفرس على دين إِبْرَاهِيم وَفِي أَيَّامه ظهر مُوسَى
стр. 96
عَلَيْهِ السَّلَام وَكَانَ فِرْعَوْن مصر عَاملا لمنوجهر ومطيعا لَهُ وأفريدون وَأول من تسمى بكي وَمَعْنَاهُ التَّنْزِيه أَي ملخص مُتَّصِل بالروحانيات
وَقيل مَعْنَاهُ الْبَهَاء لِأَنَّهُ يَغْشَاهُ نور من بِيَوْم قتل الضَّحَّاك وَقيل مَعْنَاهُ مدرك الثأر وَكَانَ فِي زمَان لهراسف بخت نصر وَجعله اصبهذا على الْعرَاق والهواز وَالروم وَهُوَ الَّذِي خرب الْقُدس وَحضر مَعَ بخت نصر دانيال النَّبِي من بني إِسْرَائِيل وَالأَصَح أَنه لم يكن ملكا مُسْتقِلّا بِنَفسِهِ بل كَانَ نَائِبا للهراسف ثمَّ غزا بخت نصر الْعَرَب وَكَانَ فِي زمن معد بن عدنان فقصده طوائف من الْعَرَب مسالمين فَأحْسن إِلَيْهِم وأنزلهم شاطئ الْفُرَات وبنوا مَوضِع معسكرهم وسموه الأنبار واستمروا كَذَلِك مُدَّة حَيَاة بخت نصر وَرَأى رُؤْيا لم يطق أحد من الْعلمَاء والسحرة والكهنة أَن ينبئه بذلك حَتَّى سَأَلَ دانيال فعبرها فَخر بخت نصر سَاجِدا لدانيال وَأمر لَهُ بِالْخلْعِ وَأَن يقرب لَهُ القوابين وَتَفْسِير بخت نصر بِالْعَرَبِيَّةِ عُطَارِد وَهُوَ ينْطق
قَالَ ابْن العميد ملك من بعد كورش ابْنه قمبوسيوس وغزا مصر وَاسْتولى عَلَيْهَا وَتسَمى بخت نصر الثَّانِي وَظهر فِي أَيَّام كي بشتاسف زرادشت وَهُوَ صَاحب كتاب الْمَجُوس فَصدقهُ وَدخل فِي دينه وَكَانَ فِيمَا زعم أهل الْكتاب من أهل فلسطين خَادِمًا لبَعض تلامذة أرميا النَّبِي ﵇ وَعند عُلَمَاء الْفرس أَنه من نسل منوجهر الْملك وَأَن نَبيا من بني إِسْرَائِيل بعث إِلَى كشتاسف وَهُوَ يبلخ فَكَانَ لزرادشت وجاماسب الْعَالم وَهُوَ من نسل منوجهر أَيْضا يكتبان بِالْفَارِسِيَّةِ مَا يَقُول ذَلِك النَّبِي بالعبرانية وَكَانَ جاماسب يعرف اللِّسَان الْعَرَبِيّ ويترجمه لزرادشت وَقَالَ عُلَمَاء الْفرس أَن زرادشت جَاءَ بِكِتَاب ادَّعَاهُ وَحيا قَالَ المَسْعُودِيّ وَيُسمى ذَلِك الْكتاب نسناه وَهُوَ كتاب الزمزمة ويدور على سِتِّينَ حرفا من حُرُوف المعجم وَفَسرهُ زرادشت وَسمي تَفْسِيره زند ثمَّ فسر التَّفْسِير ثَانِيًا وَسَماهُ زندية وَهَذِه اللَّفْظَة هِيَ الَّتِي عربتها الْعَرَب زنديق وأقسام هَذَا الْكتاب عِنْدهم ثَلَاثَة قسم فِي أَخْبَار الْأُمَم الْمَاضِيَة وَقسم فِي حدثان الْمُسْتَقْبل وَقسم فِي نواميسهم وشرائعهم مثل أَن الْمشرق قبْلَة
стр. 97
وَأَن الصَّلَوَات فِي الطُّلُوع والزوال والغروب وَأَنَّهَا ذَات سَجدَات ودعوات وجدد لَهُم زرادشت بيُوت النيرَان الَّتِي كَانَ منوجهر أخمدها ورتب لَهُم عيدين النيروز فِي الِاعْتِدَال الربيعي والمهرجان فِي الِاعْتِدَال الخريفي وأمثال ذَلِك من نواميسهم
وَلما انقرض ملك الْفرس الأول أحرق الْإِسْكَنْدَر هَذِه الْكتب
وَلما جَاءَ ازدشير جمع الْفرس على قِرَاءَة سُورَة مِنْهَا تسمى استا وجاماسب الْعَالم من أهل أذربيجان وَهُوَ أول موبذان كَانَ فِي الْفرس
قَالَ المَسْعُودِيّ وَكَانَ أزدرنشير بهمن كَرِيمًا متواضعا علامته على كتبه يقلمه من أزدشير بهمن عبد الله وخادم الله والسائس لأمركم وَتَفْسِير بهمن بِالْعَرَبِيَّةِ الْحسن النِّيَّة
وَكَانَ بهمن متزوجا بابنته خماني وَذَلِكَ حَلَال على دين الْمَجُوس فتوفى بهمن وَهِي حَامِل مِنْهُ بَدْرًا وساست خمانى الْملك بعده أحسن سياسة ثمَّ ملك بدارا وَولد لَهُ ابْن سَمَّاهُ دَارا باسم نَفسه وَهُوَ الَّذِي صَار ملكه إِلَى الْإِسْكَنْدَر بن فيلبس وَكَانَ أَبوهُ أحد مُلُوك اليونان وَكَانُوا طوائف فَلَمَّا ملك الْإِسْكَنْدَر غزاهم وَاجْتمعَ لَهُ ملكهم ثمَّ غزا دَارا ملك الْفرس وَقَتله ثمَّ غزا الْهِنْد وَتَنَاول أَطْرَاف الصين ثمَّ بنى الْإسْكَنْدَريَّة وذللت عَلَيْهِ الْمُلُوك وحملت إِلَيْهِ الْهَدَايَا وَالْخَرَاج من كل نَاحيَة وراسله مُلُوك الأَرْض من افريقيه والغرب والافرنجة والصقالبة والسودان ثمَّ ملك بِلَاد خرسان وَالتّرْك وَاسْتولى على الْمُلُوك يُقَال على خَمْسَة وَثَلَاثِينَ ملكا وَعَاد إِلَى بابل فَمَاتَ بهَا وَقيل هلك فِي نَاحيَة السوَاد وَقيل بِشَهْر زور وَكَانَ عمره سِتا وَثَلَاثِينَ سنة وَكَانَ ملكه نَحْو ثَلَاث عشرَة سنة وَكَانَ مَرضه الخوانيق وَقيل اغتيل بالسم وَهَذَا هُوَ صَاحب ارسطاطليس وتلميذه وَكَانَ اشقر أَزْرَق وَمر فِي طَرِيقه على بَيت الْمُقَدّس وَأكْرم بني إِسْرَائِيل قيل أَنه بنى السد على يَأْجُوج وَمَأْجُوج وَالصَّحِيح أَنه لم يكن مِنْهُ ذَلِك بل ذُو القرنين الَّذِي وَذكره الله فِي الْقُرْآن وَهُوَ ملك قديم كَانَ على زمن إِبْرَاهِيم وَقيل أَنه أفريدون وَقيل غَيره وَقد غلط من ظن أَن باني السد هُوَ الْإِسْكَنْدَر الرُّومِي وَذُو القرنين الصعب بن الرائش
стр. 98
وَهُوَ الَّذِي مكن الله لَهُ فِي الأَرْض وَعظم ملكه وَبنى السد على يَأْجُوج وَمَأْجُوج وَهُوَ من حمير قَالَه ابْن عَبَّاس وَقد تقدم الْكَلَام فِي تَحْقِيق ذَلِك
وَلما مَاتَ الْإِسْكَنْدَر الرُّومِي عرض الْملك على ابْنه فَأبى وَاخْتَارَ النّسك فانقسمت الممالك بَين مُلُوك الطوائف واليونان وَاسْتمرّ بهم الْحَال على ذَلِك نَحْو خَمْسمِائَة واثنتي عشرَة سنة حَتَّى قَامَ أزدشير بن بابك وَجمع ملك الْفرس وَكَانَت عدَّة طوائف الْمُلُوك تزيد على تسعين ملكا وَلم تؤرخ فِي مُبْتَدأ أَمرهم أَسمَاؤُهُم وَلَا مدد ملكهم فَإِنَّهُم كَانُوا ملوكا صغَارًا فِي الْأَطْرَاف وَبَقِي الْأَمر على ذَلِك حَتَّى اشتهرت الْمُلُوك الأشغانية من بَينهم وَملك أشغا هُوَ أَوَّلهمْ لمضي مِائَتَيْنِ وست وَأَرْبَعين سنة لغَلَبَة الْإِسْكَنْدَر ثمَّ ملك يعده ابْنه سَابُور وَكَانَ مولد الْمَسِيح فِي سنة وَأَرْبَعين سنة خلت من ملكه وَقَالَ هُرْمُز يَوْم ملك يَا معشر النَّاس اجتنبوا الذُّنُوب كَيْلا تذلوا بالمعاذير وانقضى ملك أردوان الْأَصْغَر وَهُوَ آخر هَذِه الطَّبَقَة لمضي خَمْسمِائَة واثنتي عشرَة سنة لغَلَبَة الْإِسْكَنْدَر وَأول الأكاسرة أزدشير بن بابك وَهُوَ من ولد ساسان بن بهمن الْمَذْكُور سَابِقًا وَكَانَ بَين قِيَامه وَبَين الْهِجْرَة النَّبَوِيَّة أَرْبَعمِائَة وَاثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ سنة وَكَانَ رصد بطليموس قبله بِسبع وَسبعين سنة وَجَمِيع الأكاسرة الَّذين كَانَ آخِرهم يزدجرد بن شهريار من ولد أزدشير الْمَذْكُور وَظهر فِي أَيَّام سَابُور ماني الزنديق النقاش صَاحب القَوْل بِالنورِ والظلمة وَادّعى النُّبُوَّة وَتَبعهُ خلق كثير وهم المسمون بالمانوية والثنوية
قَالَ فِي تَقْوِيم التواريخ ظُهُور الماني المتنبي فِي سنة إِحْدَى وَعشْرين وَثَمَانمِائَة وَخَمْسَة آلَاف يَعْنِي من هبوط آدم ﵇
وَأما ظُهُور بله ولصان فَكَانَ فِي سنة عشر وَسَبْعمائة وَخَمْسَة آلَاف كَمَا فِي التَّقْوِيم
انتباه أَصْحَاب الْكَهْف من نومهم
كَانَ فِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَسِتَّة آلَاف
стр. 99
وَكَانَ لسابور الْمَذْكُور عناية عَظِيمَة بِجمع كتب الفلاسفة لليونانيين ونقلها إِلَى اللُّغَة الفارسية
وَيُقَال أَن فِي زَمَانه اخترع الْعود وَهُوَ آلَة اللَّهْو الَّتِي يضْرب بهَا وَفِي أَيَّام صبا سَابُور بن هُرْمُز وَهُوَ السابور الثَّانِي طمعت الْعَرَب فِي بِلَاده فَلَمَّا بلغ غلب على الْعَرَب وَقتل أُنَاسًا من تَمِيم وَبكر بن وَائِل وَعبد الْقَيْس وَسمي ذَا الأكتاف وَقتل النَّصَارَى وأخرب الْكَنَائِس وأحرق الْإِنْجِيل
وَفِي أَيَّام قباذ بن فَيْرُوز ظهر مردك الزنديق الْمَجُوسِيّ وَادّعى النُّبُوَّة وَأمر النَّاس بالتساوي فِي الْأَمْوَال وَأَن يشتركوا فِي النِّسَاء لأَنهم أخوة لأَب وَأم آدم وحواء
وَدخل قباذ فِي دينه وَكَانَ ظُهُوره من هبوط آدم ﵇ لسنة ثَمَانِي عشرَة وَمِائَة وَسِتَّة آلَاف ثمَّ ملك أنوشروان بن قباذ وَلما تولى كَانَ صَغِيرا فَلَمَّا اسْتَقل وَجلسَ على السرير أعَاد آل الْمُنْذر إِلَى الْحيرَة وطرد الْحَارِث عَنْهَا وَقتل مردك بَين يَدَيْهِ وأحرق جيفته ونادى بِإِبَاحَة دِمَاء المردكية فَقتل مِنْهُم فِي ذَلِك الْيَوْم عَالما كثيرا وأباح دِمَاء المانوية أَيْضا وَقتل مِنْهُم خلقا كثيرا
وَثبتت مِلَّة الْمَجُوسِيَّة الْقَدِيمَة وَفتح الْإسْكَنْدَريَّة وَتوجه إِلَى عدن فَعَسْكَرَ هُنَاكَ من نَاحيَة الْبَحْر بَين جبلين بالصخور وَعمد الْحَدِيد وَكَانَ مكرما للْعُلَمَاء محبا للْعلم وَفِي أَيَّامه ترْجم كتاب كليلة ودمنة وترجمه من لِسَان الْيَهُود وحله بِضَرْب الْأَمْثَال وَيحْتَاج إِلَى فهم دَقِيق
قَالَ الطَّبَرِيّ وَفِي أَيَّامه رأى الموبذان أَن الْإِبِل الصعاب تقود الْخَيل العراب وَقد قطعت دجلة وانتشرت فِي بلادها فأفزعه ذَلِك وَسَيَأْتِي تَفْصِيله
وَفِي زَمَانه ولد عبد الله أَبُو النَّبِي ﷺ لأَرْبَع وَعشْرين سنة من ملكه وَكَذَلِكَ ولد النَّبِي ﷺ فِي السّنة الثَّانِيَة وَالْأَرْبَعِينَ من ملكه وَذَلِكَ عَام الْفِيل وَمَات أنو شيروان فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة للإسكندر لمضي سَبْعَة أشهر من السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ قَامَ ابْنه هُرْمُز ثمَّ سمل برويز
стр. 100
ابْنه عَيْنَيْهِ وتملك وغزا الرّوم وَجمع فِي مُدَّة ملكه من الْأَمْوَال مَا لم يجْتَمع لغيره من الْمُلُوك وَكَانَ يشتو بِالْمَدَائِنِ ويصيف بهمدان وَكَانَ لَهُ اثْنَا عشر ألف امْرَأَة وَألف فيل وَخَمْسُونَ ألف دَابَّة وَبنى بيُوت النيرَان وَتزَوج شيرين الْمُغنيَة وَبنى لَهَا قصر شيرين بَين حلوان وخانقين ثمَّ قتل على يَدي ابْنه شيرويه وَكَانَت أم شيرويه مَرْيَم بنت ملك الرّوم
ولمضي اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سنة وَخَمْسَة أشهر وَخَمْسَة عشر يَوْمًا من ملك برويز هَاجر النَّبِي ﷺ من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة وَكَانَ لَهُ من الْعُمر ثَلَاث وَخمسين سنة فَيكون لرَسُول الله ﷺ سبع سِنِين فِي أَيَّام أنوشيروان واثنتا عشرَة سنة فِي أَيَّام هُرْمُز بن أنوشيران وَسنة وَنصف بالتقريب فِي الفترة الَّتِي كَانَت بَين إمْسَاك وَبَين اسْتِقْرَار ابْنه برويز وَاثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ سنة وَنصف بالتقريب من ملك برويز ومجموع ذَلِك ثَلَاث وَخَمْسُونَ سنة وعَلى ذَلِك فَتكون السّنة الثَّالِثَة وَالثَّلَاثُونَ من ملك برويز هِيَ السّنة الْخَامِسَة وَالثَّلَاثُونَ وَتِسْعمِائَة للاسكندر بالتقريب
وَفِي أَيَّامه افْتتح هِرقل عَظِيم الرّوم يَغْزُو بِلَاد كسْرَى وَفِي مناوبة هَذَا الغلب بَين فَارس وَالروم نزلت الْآيَات من أول سُورَة الرّوم قَالَ الطَّبَرِيّ وَأدنى الأَرْض الَّتِي أشارت إِلَيْهِ الْآيَة هِيَ أَذْرُعَات بصرى الَّتِي كَانَت بهَا هَذِه الحروب ثمَّ غلبت الرّوم سبع سِنِين من ذَلِك الْعَهْد وَأخْبر الْمُسلمُونَ بذلك الْوَعْد الْكَرِيم لما أَهَمَّهُمْ من غلب فَارس الرّوم لِأَن قُريْشًا كَانُوا يتشيعون لفارس لأَنهم غير دئنين بِكِتَاب والمسلمون يودون غلب الرّوم أهل كتاب وَفِي كتب التَّفْسِير بسط مَا وَقع فِي ذَلِك بَينهم وبرويز هَذَا هُوَ الَّذِي قتل النُّعْمَان بن الْمُنْذر ملك الْعَرَب
وَاتفقَ صَاحب التَّقْوِيم وتاريخ الْقُدس على أَن ولادَة النَّبِي ﷺ كَانَت فِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَمِائَة وَسِتَّة آلَاف وَالله أعلم من هبوط آدم ﵇
قَالَ الشَّيْخ رفيع الدّين بن أَحْمد ولي الله الْمُحدث الدهلوي لَا يخفى أَن هَذِه السنين سنُون شمسية والسنون الْمَأْخُوذَة من مولد النَّبِي ﷺ قمرية
стр. 101
وَجَمعهَا فِي الْحساب لَا يَخْلُو عَن مُسَامَحَة بل الْمُنَاسب إِمَّا إرجاع مَا بعد المولد إِلَى الشمسية أَو إرجاع مَا قبله إِلَى القمرية
فَاعْلَم أَن من هبوط آدم ﵇ إِلَى المولد الشريف إِذا أخذت قمرية صَارَت سِتَّة آلَاف وثلاثمائة وَإِحْدَى وَخمسين سنة قمرية وَمِائَتَيْنِ وَتِسْعَة وَعشْرين يَوْمًا وَهُوَ قريب من سَبْعَة أشهر وَمن المولد الشريف إِلَى آخر سنة من الْهِجْرَة المقدسة ثَلَاث وَخَمْسُونَ وَألف ومائتان فَمن هبوط آدم ﵇ إِلَى آخر تِلْكَ السّنة سَبْعَة آلَاف وسِتمِائَة وَأَرْبع وَسِتُّونَ سنة قمرية وَأشهر وَأَيْضًا فَمن المولد الشريف إِلَى آخر السّنة الْمَذْكُورَة ألف ومائتان وثماني عشرَة سنة شمسية وَسِتُّونَ يَوْمًا بالتقريب وَهُوَ قريب من شَهْرَيْن فَمن هبوط آدم ﵇ إِلَى آخر السّنة الْمَذْكُورَة سَبْعَة آلَاف وثلاثمائة وَإِحْدَى وَسَبْعُونَ سنة شمسية فاحفظ فَإِن جُمْهُور أهل التَّارِيخ وَمِنْهُم صاحبا تَارِيخ الْقُدس والخليل وتقويم التواريخ قد خلطا الْأَمر وغفلا عَن التَّمْيِيز وَالله الْهَادِي انْتهى وَسَيَأْتِي لذَلِك مزِيد إِيضَاح إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَلما ملك شيرويه وَكَانَ رَدِيء المزاج كثير الْأَمْرَاض صَغِير الْخلق قتل أخوته السَّبْعَة عشر ثمَّ نَدم على قَتلهمْ وَصَارَ يبكي لَيْلًا وَنَهَارًا وَيَرْمِي التَّاج عَن رَأسه ثمَّ هلك وَملك أزدشير بن شيرويه وَكَانَ ابْن سبع سِنِين وَقتل وَملك شهريران وَلم يكن من أهل بَيت المملكة ثمَّ قتل وولوا الْملك يوران بنت كسْرَى برويز فأحسنت السِّيرَة ثمَّ هَلَكت بعد سنة وَأَرْبَعَة أشهر وَملك بعْدهَا خشنشدة من بني عَم كسْرَى برويز وَكَانَ ملكه أقل من شهر وَقتل ثمَّ ملكت أرزمى دخت بنت كسْرَى برويز وَكَانَت من أحسن النِّسَاء صُورَة فَخَطَبَهَا فرخ هُرْمُز فَقتلته فَجمع رستم بن فرخ الْمَذْكُور عسكره وقتلها ثمَّ ولوا مَكَانهَا كسْرَى بن مهر وقتلوه بعد أَيَّام وَلم يَجدوا من يملكونه من بَيت المملكة فَوَلوا رجلا يُقَال لَهُ فَيْرُوز ابْن خستان يزْعم أَنه من نسل أنوشيروان ثمَّ قَتَلُوهُ ثمَّ ملك فرخ زَاد خسرو من أَوْلَاد أنو شيروان وَملك سِتَّة أشهر وقتلوه ثمَّ ملك يزدجرد ابْن شهريار من نسل أردشير بن بابك وَكَانَ ملكه كالخيال بِالنِّسْبَةِ إِلَى
стр. 102
ملك آبَائِهِ وغزت الْمُسلمُونَ بِلَادهمْ وَكَانَ عمره إِلَى أَن قتل بمرور عشْرين سنة وَكَانَ مَقْتَله فِي خلَافَة عُثْمَان ﵁ فِي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ لِلْهِجْرَةِ وَهُوَ آخر من ملك مِنْهُم وَزَالَ ملكهم بِالْإِسْلَامِ زوالا إِلَى الْأَبَد وَهَذِه هِيَ سِيَاقَة الْخَبَر عَن دولة الْفرس عِنْد الْمُحَقِّقين
قَالَ الطَّبَرِيّ فَجَمِيع سني الْعَالم من آدم حَتَّى الْهِجْرَة على مَا يزعمه الْيَهُود أَرْبَعَة آلَاف سنة وسِتمِائَة وَاثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ سنة وعَلى مَا يَدعِيهِ النَّصَارَى فِي توراة اليونانيين سِتَّة آلَاف سنة غير ثَمَانِي سِنِين وعَلى مَا يَقُوله الْفرس إِلَى مقتل يزدجر أَرْبَعَة آلَاف وَمِائَة وَثَمَانُونَ سنة ومقتل يزدجرد عِنْدهم لثلاثين من الْهِجْرَة وَأما عِنْد أهل الْإِسْلَام فَبين آدم ونوح عشرَة قُرُون والقرن مائَة سنة وَبَين نوح وَإِبْرَاهِيم كَذَلِك وَبَين إِبْرَاهِيم ومُوسَى كَذَلِك وَنَقله الطَّبَرِيّ عَن ابْن عَبَّاس وَمُحَمّد بن عَمْرو بن وَاقد الإسلامي عَن جمَاعَة من أهل الْعلم وَقَالَ إِن الفترة بَين عِيسَى وَبَين مُحَمَّد ﷺ سِتّمائَة سنة وَرَوَاهُ عَن سلمَان الْفَارِسِي وَكَعب الْأَحْبَار قَالَ ابْن خلدون وَالله أعلم بِالْحَقِّ فِي ذَلِك والبقاء لله الْوَاحِد القهار
ذكر فَرَاعِنَة مصر
هم مُلُوك القبط فِي بالديار المصرية وَكَانُوا أهل ملك عَظِيم فِي الدهور الخالية والأزمان السالفة وَكَانُوا أخلاطا من الْأُمَم مَا بَين قبْطِي ويوناني وعمليقي إِلَّا أَن جمهرتهم قبط وَأكْثر مَا تملك مصر الغرباء
وَكَانُوا صابئية يعْبدُونَ الْأَصْنَام وَصَارَ بعد الطوفان بِمصْر عُلَمَاء بضروب من الْعُلُوم خَاصَّة بِعلم الطلمسات والنيرنجات والكيمياء
وَكَانَت مَدِينَة منف هِيَ كرْسِي المملكة حَتَّى ملك الْوَلِيد بن مُصعب وَهُوَ فِرْعَوْن مُوسَى ﵇ وَكَانَ من العمالقة وَهُوَ الْأَظْهر وَقيل أَنه فِرْعَوْن يُوسُف وَطَالَ عمره إِلَى أَيَّام مُوسَى
стр. 103
وَذكر الْقُرْطُبِيّ أَن الْوَلِيد الْمَذْكُور من القبط وَهُوَ الَّذِي ادّعى الربوبية وَكَانَ من شَأْنه وشأن مُوسَى مَا حَكَاهُ الله سُبْحَانَهُ فِي كِتَابه الْعَزِيز وَلما هلك ملكت القبط بعده دلوكة الْمَشْهُورَة بالعجوز من بَنَات مُلُوك القبط وانْتهى السحر إِلَيْهَا وَطَالَ عمرها
وَلما قتل بخت نصر فِرْعَوْن مصر بقيت خرابا أَرْبَعِينَ سنة حَتَّى انقرضت دولة بني بخت نصر فتوالت وُلَاة الْفرس عَلَيْهَا فَكَانَ مِنْهُم طخارست وَفِي أَيَّامه كَانَ بقراط الْحَكِيم حَتَّى غلب عَلَيْهَا الْإِسْكَنْدَر والخطط للمقريزي أجمع التواريخ لمصر وَلَيْسَ ذكر مُلُوك اليونان وملوك الرّوم من غرضنا فِي هَذَا الْمقَام
وَأما مُلُوك الْعَرَب قبل الْإِسْلَام فَأول من نزل الْيمن قحطان بن عَابِر بن شالخ الْمُقدم الذّكر ثمَّ ملك بعده ابْنه يعرب وَهُوَ أول من نطق بِالْعَرَبِيَّةِ على مَا ذكر ثمَّ ابْنه يشجب ثمَّ ابْنه عبد شمس وَسمي سبأ وَهُوَ الَّذِي بنى السد بِأَرْض مآرب وفجر إِلَيْهِ سبعين نَهرا وسَاق إِلَيْهِ السُّيُول من أمد بعيد ثمَّ ابْنه حمير بن سبأ إِلَى أَن ملكت بلقيس بنت الهدهاد عشْرين سنة وَتَزَوجهَا سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉ إِلَى أَن الْملك ذُو نواس وَكَانَ من لَا يتهود أَلْقَاهُ فِي أخدُود مضطرم نَارا فَقيل لَهُ صَاحب الْأُخْدُود ثمَّ ملك بعده ذوجدن وَهُوَ آخر مُلُوك حمير وَكَانَت مُدَّة ملكهم على مَا قيل أَلفَيْنِ وَعشْرين سنة
قَالَ صَاحب تواريخ الْأُمَم لَيْسَ فِي جَمِيع التواريخ أسقم من تَارِيخ مُلُوك حمير لما يذكر فِيهِ من كَثْرَة عدد سنيهم مَعَ قلَّة عدد مُلُوكهمْ فَإِنَّهُم يَزْعمُونَ أَن مُلُوكهمْ سِتَّة وَعِشْرُونَ ملكا ملكوا فِي مُدَّة أَلفَيْنِ وعشين سنة ثمَّ ملك الْيمن بعدهمْ من الْحَبَشَة أَربع وَمن الْفرس ثَمَانِيَة ثمَّ صَارَت الْيمن لِلْإِسْلَامِ
وَكَانَ أول من ملك على الْعَرَب بِأَرْض الْحيرَة مَالك بن فهم من ولد يعرب بن قحطان وَكَانَ ملكه قبل الأكاسرة ثمَّ ملكه اللحميون وأولهم عَمْرو بن عدي إِلَى أَن ملكه الْمُنْذر بن النُّعْمَان وسمته الْعَرَب الْمَغْرُور وَاسْتمرّ مَالِكًا للحيرة إِلَى أَن قدم إِلَيْهَا خَالِد بن الْوَلِيد وَاسْتولى على الْحيرَة
стр. 104
وَكَانَت مُلُوك غَسَّان عمالا للقياصرة على عرب الشَّام وأصل غَسَّان من الْيمن من ولد كهلان بن سبأ وَأول من ملك مِنْهُم جَفْنَة بن عَمْرو وَآخرهمْ جبلة بن الْأَيْهَم وَهُوَ الَّذِي أسلم فِي خلَافَة عمر بن الْخطاب وَقد اخْتلف فِي مُدَّة ملك الغسانية فَقيل أَرْبَعمِائَة سنة وَقيل سِتّمائَة سنة وَقيل بَين ذَلِك وَأما جرهم فهم صنفان الأولى وَكَانُوا على عهد عَاد فبادوا ودرست أخبارهم وهم من الْعَرَب الْبَادِيَة وَأما جرهم الثَّانِيَة فهم من ولد قحطان فَملك يعرب الْيمن وَأَخُوهُ جرهم الحجاو وهم الَّذين اتَّصل بهم إِسْمَاعِيل وَتزَوج مِنْهُم
وَأول مُلُوك كِنْدَة حجر بن عَمْرو وَقيل لَهُ آكل المرار وَآخرهمْ الْحَارِث وَمن مُلُوك الْعَرَب عَمْرو بن لحى ملك الْحجاز وَهُوَ أول من جعل الْأَصْنَام على الْكَعْبَة وعبدها فأطاعته الْعَرَب وعبدوها مَعَه واستمرت الْعَرَب على تِلْكَ الْعِبَادَة حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَام وَمِنْهُم زُهَيْر بن حباب وَزُهَيْر ابْن جذيمة والْحَارث بن ظَالِم وَقيس بن زُهَيْر وَلَهُم أَيَّام ذكرهَا المؤرخون وأطالوا فِي بَيَانهَا وَمِنْهَا يَوْم ذِي قار
وَكَانَ فِي سنة أَرْبَعِينَ من مولد رَسُول الله ﷺ وَقيل فِي عَام وقْعَة بدر وَالْأول أولى قَالَ ابْن خلدون أَن جَمِيع الْعَرَب يرجعُونَ إِلَى ثَلَاثَة أَنْسَاب وَهِي عدنان وقحطان وقضاعة فَأَما عدنان فَهُوَ من ولد إِسْمَاعِيل بالِاتِّفَاقِ إِلَّا الْآبَاء الَّذين بَينه وَبَين إِسْمَاعِيل فَلَيْسَ فِيهِ شَيْء يرجع إِلَى يقينه وَغير عدنان من ولد إِسْمَاعِيل قد انقرضوا فَلَيْسَ على وَجه الأَرْض مِنْهُم أحد وَأما قحطان فقد قيل من ولد إِسْمَاعِيل وَهُوَ ظَاهر كَلَام البُخَارِيّ فِي قَوْله بَاب نِسْبَة الْيمن إِلَى إِسْمَاعِيل وَأما قضاعة فَقيل أَنَّهَا من حمير قَالَه ابْن إِسْحَاق والكلبي وَطَائِفَة
وَقيل غير ذَلِك وَالنّسب الْبعيد يحِيل الظنون وَلَا يرجع فِيهِ إِلَى يَقِين
ذكر الْأُمَم
الْأمة الْجَمَاعَة هُوَ فِي اللَّفْظ وَاحِد وَفِي الْمَعْنى جمع وكل جنس
стр. 105
من الْحَيَوَان أمة وَفِي الحَدِيث لَوْلَا أَن الْكلاب أمة من الْأُمَم لأمرت بقتلها
أمة السريان هِيَ أقدم الْأُمَم وَكَلَام آدم وبنيه بالسرياني وملتهم هِيَ مِلَّة الصابئين ويذكرون أَنهم أخذُوا دينهم عَن شِيث وَإِدْرِيس وَلَهُم كتاب يسمونه صحف شِيث وَلَهُم صلوَات سبع وَصَوْم ثَلَاثِينَ يَوْمًا وأعياد عِنْد نزُول الْكَوَاكِب الْخَمْسَة الْمُتَحَيِّرَة بيُوت أَشْرَافهَا ويعظمون مَكَّة وَلَهُم بِظَاهِر حران مَكَان يحجونه ويعظمون أهرام مصر ويزعمون أَن أَحدهمَا قبر شِيث وَالْآخر قبر إِدْرِيس وَالْآخر قبر صابئ بن إِدْرِيس
قَالَ ابْن حزم وَالدّين الَّذِي انتحله الصابئون أقدم الْأَدْيَان على وَجه الدَّهْر وَالْغَالِب على الدُّنْيَا إِلَى أَن أَحْدَثُوا فِيهِ الْحَوَادِث فَبعث الله تَعَالَى إِلَيْهِم إِبْرَاهِيم بِالدّينِ الَّذِي نَحن عَلَيْهِ الْآن
قَالَ الشهرستاني وهم يُقَاتلُون الْحَنَفِيَّة ومدار مَذْهَبهم التعصب للروحانيين كَمَا أَن مدَار مَذْهَب الحنفاء التعصب للبشر والجسمانيين
أمة القبط
وهم من ولد حام بن نوح وَكَانَ سكناهم بديار مصر فاختلطت بهم طوائف كَثِيرَة وَكَانُوا فِي سالف الدَّهْر صابئية وَكَانَت مُلُوكهمْ تلقب الفراعنة يعْبدُونَ الهياكل والأصنام وَهَذِه الْأمة أقدم أُمَم الْعَالم وأطولهم أمدا فِي الْملك واختصوا بِملك مصر وَمَا إِلَيْهَا مُلُوكهَا من لدن الخليقة إِلَى أَن صحبهم الْإِسْلَام بهَا فَانْتزع الْمُسلمُونَ من أَيْديهم ولعهدهم كَانَ الْفَتْح وَرُبمَا غلب عَلَيْهِم جَمِيع من عاصرهم من الْأُمَم حِين يستفحل أَمرهم مثل العمالقة وَالْفرس وَالروم واليونان فيستولون على مصر من أَيْديهم ثمَّ يَتَقَلَّص ظلهم فراجع القبط ملكهم هَكَذَا إِلَى أَن انقرضوا فِي مملكة الْإِسْلَام
стр. 106
أمة الْفرس
ومساكنهم وسط الْمَعْمُور يُقَال لَهَا أَرض فَارس مِنْهَا كرمان والأهواز وأقاليم يطول ذكرهَا وَجَمِيع مَا دون جيحون من تِلْكَ الْجِهَات يُقَال لَهُ إيران وَهِي أَرض الْفرس وَأما مَا وَرَاء جيحون فَيُقَال لَهُ توران وَهُوَ أَرض التّرْك وَقد اخْتلف فِي نسب الْفرس فَقيل أَنهم من ولد فَارس ابْن أرم بن سَام وَقيل من ولد يافث وهم يَقُولُونَ أَنهم من ولد كيومرت وَهُوَ عِنْدهم الَّذِي ابْتَدَأَ مِنْهُ النَّسْل مثل آدم عندنَا ويذكرون أَن الْملك لم يزل فيهم من كيومرت إِلَى غَلَبَة الْإِسْلَام خلا تقطع حصل فِي مدد يسيرَة لَا يعْتد بِهِ مثل تغلب الضَّحَّاك وفراسياب التركي وملوك الْفرس عِنْد الْأُمَم أعظم مُلُوك الْعَالم وَكَانَت لَهُم الْعُقُول الوافرة والأحلام الراجحة وَكَانَ لَهُم من تَرْتِيب المملكة مَا لم يلحقهم فِيهِ أحد من الْمُلُوك وهم فرق كَثِيرَة فَمنهمْ الديلم وهم سكان الْجبَال وَمِنْهُم الجيل وأرضهم هِيَ سَاحل بَحر طبرستان وَمِنْهُم الكرد ومنازلهم جبال شهرزور وَقيل أَن الكرد من الْعَرَب ثمَّ تنبطوا وَقيل أَنهم أَعْرَاب الْعَجم وَكَانَ للْفرس مِلَّة قديمَة يُقَال لَهَا الكيومرتية أثبتوا إِلَهًا قَدِيما وسموه يَزْدَان وإلها مخلوقا من الظلمَة وسموه أهرمن وَالْأول عِنْدهم هُوَ الله وَالثَّانِي إِبْلِيس وأصل دينهم تَعْظِيم النُّور والتحرز من الظلمَة وَلِهَذَا عبدُوا النيرَان حَتَّى ظهر زرادشت من قَرْيَة من قرى أذربيجان فَصَارَت الْفرس على دينه وَلَهُم فِي خلق زرادشت وولادته كَلَام طَوِيل لَا فَائِدَة فِيهِ وَقَالَ بآله يُسمى أرمزد بالفارسي وَأَنه خَالق النُّور وَالظُّلم وَهُوَ وَاحِد لَا شريك لَهُ وَلَهُم أعياد ورسوم مِنْهَا النوروز والتيركان والمهرجان والفروردجان والكنبهارت
زعم زرادشت أَن فِي كل يَوْم خلق الله نوعا من الخليقة من سَمَاء وَأَرْض وَمَاء ونبات وحيوان وإنس فتم خلق الْعَالم فِي سِتَّة أَيَّام
أمة اليونان
وهم نجموا من رجل اسْمه اللن ولد سنة أَربع وَسبعين لمولد
стр. 107
مُوسَى ﵇ وَلم يعلمُوا قبل ذَلِك وَكَانُوا أهل شعر وفصاحة ثمَّ صَارَت فيهم الفلسفة فِي زمَان بخت نصر
قَالَ الشهرستاني أَن أبيد قليس كَانَ فِي زمن دَاوُد النَّبِي ﵇ وَكَذَلِكَ فيثاغورس كَانَ فِي زمن سُلَيْمَان وَهَذَا يُخَالف مَا سبق فَإِن بخت نصر بعد سُلَيْمَان بِأَكْثَرَ من أَرْبَعمِائَة سنة وبلاد اليونان كَانَت على الخليج القسطنطيني من شرقيه وغربيه إِلَى الْبَحْر الْمُحِيط وَهُوَ بَين بَحر الرّوم وبحر القلزم وَاسم القلزم فِي الْقَدِيم بَحر نيطش وهم فرقتان الإغريقيون واللطينيون
قيل أَنهم من ولد يافث وَهُوَ الصَّحِيح بِاتِّفَاق من الْمُحَقِّقين وَقيل من جملَة الرّوم من ولد الْعيص بن يَعْقُوب النَّبِي وَكَانَت مُلُوكهمْ من أعظم الْمُلُوك ودولتهم من أَفْخَر الدول وَلم يزَالُوا كَذَلِك حَتَّى غلبت عَلَيْهِم الرّوم وَلم يبْقى لَهُم ذكر وَكَانَت لَهُم الدولتان العظمتان للإسكندر والقياصرة من بعده الَّذين صبحهمْ الْإِسْلَام وهم مُلُوك بِالشَّام وَجَمِيع الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة مَأْخُوذَة عَنْهُم مثل الْعُلُوم المنطقية والطبيعية والإلهية والرياضية وَكَانُوا يسمون الْعلم الرياضي جوهرا مطريا وَهُوَ الْمُشْتَمل على علم الْهَيْئَة والهندسة والحساب واللحون والإيقاع وَغير ذَلِك وَكَانَ الْعَالم بهَا يُسمى فيلسوفا وَتَفْسِيره محب الْحِكْمَة وَمن فلاسفتهم تاليس الْمَلْطِي وَكَانَ فِي زمن بخت نصر وَأخذ عَن لُقْمَان وأبيدقليس وفيثاغورس وَكَانَا فِي زمن دَاوُد ﵉
وَزعم فيثاغورس أَنه سمع حفيف الْفلك وَوصل إِلَى مقَام الْملك وَقَالَ مَا سَمِعت شَيْئا ألذ من حركات الأفلاك وَلَا رَأَيْت شَيْئا أبهى من صورتهَا وبقراط الْحَكِيم وَنجم فِي سنة ١٩٦ لبخت نصر فَيكون قبل الْهِجْرَة بِأَلف وَمِائَة وبضع وَسبعين سنة وسقراط أَقَامَ فِي غَار وَنهى النَّاس عَن الشّرك وَعبادَة الْأَوْثَان حَتَّى قتل فِي الْحَبْس بالسم وأفلاطون الإلهي قَامَ مقَام سقراط حِين اغتيل وَجلسَ على كرسيه وأرسطوطاليس كَانَ تلميذا لأفلاطون وَكَانَ أفلاطون كَبِير حكماء الخليقة غير مُنَازع كَانَ يعلم الْحِكْمَة وَهُوَ ماش تَحت الرواق المظلل لَهُ من حر الشَّمْس
стр. 108
فَسمى تلاميذه بالمشائين فِي زمن الْإِسْكَنْدَر وَكَانَ ملكه لعهد أَرْبَعَة آلَاف وَثَمَانمِائَة من عهد الخليقة ولعهد أَرْبَعمِائَة أَو نَحْوهَا من بِنَاء رومة
وَبَين الْإِسْكَنْدَر وَالْهجْرَة تِسْعمائَة وَأَرْبع وَثَلَاثُونَ سنة فَيكون أفلاطون قبل ذَلِك بِمدَّة يسيرَة وَكَذَلِكَ سقراط قبله بِمدَّة يسيرَة أَيْضا فبالتقريب يكون بَين سقراط وَالْهجْرَة نَحْو ألف سنة وَبَين أفلاطون وَالْهجْرَة أقل من ألف سنة وطيماوس هُوَ من مَشَايِخ أفلاطون وَمن تلامذة أرسطو الْإِسْكَنْدَر الَّذِي ملك غَالب الْمَعْمُور من الغرب إِلَى الشرق وَاسْتولى على بِلَاد فَارس وتخطاها إِلَى بِلَاد السَّنَد فملكها ثمَّ زحف إِلَى بِلَاد الْهِنْد فغلب على أَكْثَرهَا وحاربه فَور ملك الْهِنْد فَانْهَزَمَ وَأَخذه الْإِسْكَنْدَر أَسِيرًا بعد حروب طَوِيلَة وَغلب على جَمِيع طوائف الهنود وَملك بِلَاد الصين والسند وَأقَام يتَعَلَّم على أرسطو خمس سِنِين وَبلغ فِيهَا أحسن المبالغ ونال من الفلسفة مَا لم ينله سَائِر تلاميذه وَمِنْهُم برقلس وَكَانَ بعد أرسطو وصنف كتابا أورد فِيهِ شبها فِي قدم الْعَالم وَمِنْهُم طيموخارس حَكِيم رياضي عَالم بهيئة الْفلك رصد الْكَوَاكِب فِي زَمَانه ذكره بطليموس فِي المجسطي وَكَانَ قبل بطليموس بأربعمائة وَعشْرين سنة وفرفوريوس من أهل مَدِينَة صور على الْبَحْر الرُّومِي بِالشَّام كَانَ بعد زمَان جالينوس فسر مشكلات كتب أرسطو وفلوطيس نقل تصانيف أرسطو من الرُّومِي إِلَى السرياني قَالَ وَلَا أعلم أَن شَيْئا مِنْهَا خرج إِلَى الْعَرَبِيّ وفولس الأجانيطي وَيعرف بالقوابلي
كَانَ خَبِيرا بطب النِّسَاء كثير المعاناة لَهُ وَكَانَ مقَامه بالإسكندرية ولسلون المتعصب يقرى فلسفة أفلاطون وينتصر لَهَا ومقسطراطيس شرح كتب أرسطو وأخرجها إِلَى الْعَرَبِيّ ومنطر الإسكندري كَانَ إِمَامًا فِي علم الْفلك وَاجْتمعَ هُوَ وافطيمن بالإسكندرية وأحكما آلَات الرصد ورصدا الْكَوَاكِب وحققاها وَكَانَا قبل بطليموس بِنَحْوِ خَمْسمِائَة وَإِحْدَى وَسَبْعُونَ سنة ومورطس لَهُ رياضة وحيل صنف كتابا فِي الْآلَة الْمُسَمَّاة بالأرغون وَهِي آلَة تسمع على سِتِّينَ ميلًا ومغنس من أهل حمص من تلامذة بقراط وَله كتاب الْبَوْل وَغَيره ومثروديطوس
стр. 109
كَانَ طَبِيبا ركب معجونا يُسمى باسمه وَكَانَ معتنيا بتجربة الْأَدْوِيَة وَأما بطليموس وجالينوس فزمانهما مُتَأَخّر عَن زمَان اليونان وَكَانَا فِي زمن الرّوم وَأَحَدهمَا قريب من الآخر
وَكَانَ بطليموس مقدما على جالينوس بِقَلِيل وَكَانَ بَين رصد بطليموس ورصد الْمَأْمُون سِتّمائَة وَتسْعُونَ سنة وَكَانَ رصد الْمَأْمُون بعد سنة مِائَتَيْنِ لِلْهِجْرَةِ فَيكون بَين الْهِجْرَة ورصد بطليموس أَرْبَعمِائَة وَتسْعُونَ سنة بالتقريب وَبَين جالينوس وَالْهجْرَة أَكثر من أَرْبَعمِائَة سنة بِقَلِيل وَذَلِكَ كُله بالتقريب
قَالَ ابْن خلدون وَمن حكماء اليونانين انكيثا غورس كَانَ مَعَ حكمته مبرزا فِي علم الطِّبّ وَبعث بِهِ بهمن ملك الْفرس إِلَى ملك اليونان فَامْتنعَ من إيفاده عَلَيْهِ ضنانة بِهِ وَكَانَ من تلاميذته جالينوس لعهد عِيسَى ﵇ وَمَات بصقلية وَدفن بهَا اقليدس صَاحب كتاب الأستقصاءات الْمُسَمّى باسمه وَكَانَ فِي أَيَّام مُلُوك البطالسة وَلم يكن بعد أرسطو بِبَعِيد وَلَيْسَ هُوَ مخترع كتاب اقليدس بل هُوَ جَامعه ومحرره ومحققه وَمِنْهُم ابرخس رصد الْكَوَاكِب وحققها وَكَانَ بَين رصده ورصد بطليموس مِائَتَان وَخمْس وَثَمَانُونَ سنة فارسية بالتقريب
أمة الْيَهُود
هم بَنو إِسْرَائِيل وَإِنَّمَا بَنو إِسْرَائِيل يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْخَلِيل وَكَانَ لإسرائيل اثْنَا عشر ابْنا وهم الأسباط
وَجَمِيع بني إِسْرَائِيل هم أَوْلَاد الأسباط وَأمة الْيَهُود أَعم مِنْهُم لِأَن كثيرا من أَجنَاس الْعَرَب وَالروم وَالْفرس وَغَيرهم صَارُوا يهودا وَلم يَكُونُوا من بني إِسْرَائِيل هم الأَصْل فِي هَذِه الْملَّة وَغَيرهم دخيل فِيهَا وَأما اسْم الْيَهُود فَيُقَال هاد الرجل أَي رَجَعَ وَتَابَ وَإِنَّمَا لَزِمَهُم هَذَا الِاسْم لقَوْل مُوسَى أَنا هدنا إِلَيْك أَي رَجعْنَا
وَقَالَ الْبَيْرُوتِي فِي الْآثَار الْبَاقِيَة لَيْسَ ذَلِك بِشَيْء وَإِنَّمَا سمي هَؤُلَاءِ
стр. 110
باليهود نِسْبَة إِلَى يهوذا أحد الأسباط وأبدلت الْمُعْجَمَة بِالْمُهْمَلَةِ قلت وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب لِأَن الْقُرْآن عَرَبِيّ والتوراة عبرانية وافترقت الْيَهُود فرقا كَثِيرَة
أمة النَّصَارَى
وهم أمة الْمَسِيح ﵇ وَلَهُم فِي تجسد الْكَلِمَة مَذَاهِب شَتَّى مِنْهُم من قَالَ أشرقت على الْجَسَد إشراق النُّور على الْجِسْم المشف وَمِنْهُم من قَالَ انطبعت فِيهِ انطباع النقش فِي الشمعة وَمِنْهُم من قَالَ تدرع اللاهوت بالناسوت وَمِنْهُم من قَالَ مازجت الْكَلِمَة جَسَد الْمَسِيح ممازجة اللَّبن بِالْمَاءِ واتفقت النَّصَارَى على أَن الْمَسِيح قتلته الْيَهُود وصلبوه وافترقت على اثْنَتَيْنِ وَسبعين فرقة كبارهم ثَلَاث فرق الملكانية والنسطورية واليعقوبية
والبطاركة لِلنَّصَارَى بِمَنْزِلَة الْأَئِمَّة أَصْحَاب الْمذَاهب للْمُسلمين والمطارنة مثل الْقُضَاة والأساقفة مثل الْمُفْتِينَ والقسيسون بِمَنْزِلَة الْقُرَّاء والجاثليق بِمَنْزِلَة الإِمَام الَّذِي يؤم فِي الصَّلَاة والشمامسة بِمَنْزِلَة المؤذنين وقومة الْمَسَاجِد وَمن أعيادهم الشعانين وجمعة الصلبوت وَعِيد الفصح وَيَوْم الْأَحَد والسلاقا وَعِيد البنديقسطي والدنح وَعِيد الصَّلِيب والميلاد
وَأما الْإِنْجِيل فَهُوَ كتاب يتَضَمَّن أَخْبَار الْمَسِيح من وِلَادَته إِلَى وَقت خُرُوجه من هَذَا الْعَالم كتبه أَرْبَعَة نفر من أَصْحَابه وهم مَتى كتبه بفلسطين بالعبرانية ومرقوس كتبه بِبِلَاد الرّوم باللغة الرومية ولوقا كتبه بالإسكندرية باللغة اليونانية ويوحنا كتبه بافسس باليونانية أَيْضا وَمن الْأُمَم الدَّاخِلَة فِي دين النَّصَارَى أمة الرّوم كَانُوا صابئة حَتَّى تنصر قسطنطين وَحَملهمْ عَلَيْهِ حَتَّى تنصرُوا عَن آخِرهم
وَأما أُمَم النَّصَارَى فَهِيَ الأرمن وَالروم والبلغار وَكَانَ أصل الكرج والجراكسة نَصَارَى إِلَّا أَنهم الْآن مُسلمُونَ وَأما الْمُسلمُونَ القاطنون فِي جِهَات الرّوم ايلي فأصلهم نَصَارَى وَيُوجد فِي سوريا وحلب وبغداد وَغَيرهَا من الممالك العثمانية نَصَارَى ولغتهم الْعَرَبيَّة وَبَقِيَّة النَّصَارَى فِي
следующие страницы →