Полный текст (229 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
مَرضه خرج بَين الْفضل بن الْعَبَّاس وَعلي بن أبي طَالب حَتَّى جلس على الْمِنْبَر فَحَمدَ الله ثمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس من كنت جلدت لَهُ ظهرا فَهَذَا ظَهْري فليستقد مني وَمن كنت شتمت لَهُ عرضا فَهَذَا عرضي فليستقد مِنْهُ وَمن أخذت لَهُ مَالا فَهَذَا مَالِي فليأخذ مِنْهُ وَلَا يخْشَى الشحناء من قبلي فَإِنَّهَا لَيست من شأني ثمَّ نزل وَصلى الظّهْر ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْمِنْبَر فَعَاد إِلَى مقَامه فَادّعى عَلَيْهِ رجل ثَلَاثَة دَرَاهِم فَأعْطَاهُ عوضا ثمَّ قَالَ إِلَّا أَن فضوح الدُّنْيَا أَهْون من فضوح الْآخِرَة ثمَّ صلى على أَصْحَاب أحد واستغفر لَهُم ثمَّ قَالَ إِن عبدا خَيره الله بَين الدُّنْيَا وَبَين مَا عِنْده فَاخْتَارَ مَا عِنْده فَبكى أَبُو بكر ثمَّ قَالَ فَدَيْنَاك بِأَنْفُسِنَا ثمَّ أوصى بالأنصار وَكَانَ فِي أَيَّام مَرضه يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَإِنَّمَا انْقَطع ثَلَاثَة أَيَّام فَلَمَّا أذن بِالصَّلَاةِ أول مَا انْقَطع قَالَ مروا أَبَا بكر فَليصل بِالنَّاسِ وتزايد بِهِ مَرضه حَتَّى توفّي يَوْم الْإِثْنَيْنِ ضحوة النَّهَار وَقيل نصف النَّهَار لأثنتي عشرَة لَيْلَة خلت من ربيع الأول
فعلى هَذِه الرِّوَايَة يكون يَوْم وَفَاته مُوَافقا ليَوْم مولده وَلما مَاتَ ارْتَدَّ أَكثر الْعَرَب إِلَّا أهل الْمَدِينَة وَمَكَّة والطائف فَإِنَّهُ لم يدخلهَا ردة وَقيل دفن يَوْم الثُّلَاثَاء ثَانِي يَوْم مَوته وَقيل لَيْلَة الْأَرْبَعَاء وَهُوَ الْأَصَح وَقيل بَقِي ثَلَاثًا لم يدْفن وَكَانَ الَّذِي تولى غسله عَليّ بن أبي طَالب وَالْعَبَّاس وَالْفضل وَقثم ابْنا الْعَبَّاس وَأُسَامَة بن زيد وشقران مولى رَسُول الله ﷺ فَكَانَ الْعَبَّاس وابناه يقبلونه واسامة وشقران يصبَّانِ المَاء وَعلي يغسلهُ وَعَلِيهِ قَمِيصه وَهُوَ يَقُول بِأبي أَنْت وَأمي طبت حَيا وَمَيتًا وَلم ير مِنْهُ مَا يرى من ميت وكفن ﷺ فِي ثَلَاثَة أَثوَاب ثَوْبَيْنِ صحاريين وَبرد حبرَة أدرج فِيهَا أدراجا وصلوا عَلَيْهِ ودفنوه تَحت فرَاشه الَّذِي مَاتَ عَلَيْهِ وحفر لَهُ أَبُو طَلْحَة الْأنْصَارِيّ وَأنزل فِي قَبره عَليّ وَالْفضل وَقثم
وَاخْتلف فِي مُدَّة عمره ﷺ فَالْمَشْهُور أَنه ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة وَقيل خمس وَسِتُّونَ سنة وَقبل سِتُّونَ سنة وَالْمُخْتَار أَنه بعث لأربعين سنة وَأقَام بِمَكَّة يَدْعُو الْإِسْلَام ثَلَاث عشرَة سنة وكسرا وَأقَام بِالْمَدِينَةِ بعد الْهِجْرَة قريب عشر سِنِين فَذَلِك ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة وكسور وَقد رثاه جمع من الصَّحَابَة والصحابيات بمراث كَثِيرَة
стр. 142
وَكَانَ بَين كَتفيهِ خَاتم النُّبُوَّة وَهُوَ بضعَة نَاشِزَة حولهَا شعر مثل بَيْضَة الْحَمَامَة تشبه جسده وَقيل كَانَ لَونه أَحْمَر قَالَ أَبُو هُرَيْرَة خرج رَسُول الله ﷺ من الدُّنْيَا وَلم يشْبع من خبز الشّعير وَكَانَ يَأْتِي على آل مُحَمَّد الشَّهْر والشهران لَا توقد فِي بَيت من بيوته نَار وَكَانَ قوتهم التَّمْر وَالْمَاء وَكَانَ يعصب على بَطْنه الْحجر من الْجُوع قيل كَانَت غَزَوَاته تسع عشرَة وَقيل سِتا وَعشْرين وَقيل سبعأ وَعشْرين غَزْوَة وَآخر غَزَوَاته غَزْوَة تَبُوك وَوَقع الْقِتَال مِنْهَا فِي تسع وَهِي بدر وَأحد وَالْخَنْدَق وَقُرَيْظَة والمصطلق وخبير وَالْفَتْح وحنين والطائف وَبَاقِي الْغَزَوَات لم يجر فِيهَا الْقِتَال وَأما السَّرَايَا والبعوث فَقيل خمس وَثَلَاثُونَ وَقيل ثَمَان وَأَرْبَعُونَ ودواوين الْإِسْلَام وَكتب السّنة المطهرة قد اشْتَمَلت على تفاصيل أَحْوَاله ﷺ وَمَا جرياته بِمَا هُوَ مَعْرُوف عِنْد عُلَمَاء هَذَا الشَّأْن وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكرهَا وأوصافه أجل من أَن تحصر أَو تحيطه الدفاتر صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ على وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا
стр. 143
ذكر طرف من هَيْئَة الأفلاك
إعلم أَن الْكَوَاكِب أجسام كريات وَالَّذِي أدْرك مِنْهَا الْحُكَمَاء بالرصد ألف كَوْكَب وَتِسْعَة وَعشْرين كوكبا وَهِي على قسمَيْنِ سيارة وثابتة فالسيارة سَبْعَة وَهِي زحل وَالْمُشْتَرِي والمريخ وَالشَّمْس والزهرة وَعُطَارِد وَالْقَمَر وَقد نظمها المقريزي فِي بَيت وَاحِد وَهُوَ
(زحل شري مريخه من شمسه ... فتزاهرت بعطارد الأقمار)
وَيُقَال لهَذِهِ السَّبْعَة الخنس وَقيل أَنَّهَا الَّتِي عناها الله تَعَالَى بقوله ﴿فَلَا أقسم بالخنس الْجوَار الكنس﴾ وَالَّتِي عناها الله بقوله ﴿فالمدبرات أمرا﴾ وَقيل لَهَا الخنس لاستقامتها فِي سَيرهَا ورجوعها وَقيل لَهَا الكنس لِأَنَّهَا تجْرِي فِي البروج ثمَّ تكنس أَي تستتر كَمَا يكنس الظبي وَقيل الكنس والخنس مِنْهَا خَمْسَة وَهِي مَا سوى الشَّمْس وَالْقَمَر سميت بذلك من الأنخاس وَهُوَ الإنقباض وَفِي الحَدِيث الشَّيْطَان يوسوس للْعَبد فَإِذا ذكر الله خنس أَي انقبض وَرجع فَيكون الخنس على هَذَا فِي الْكَوَاكِب بِمَعْنى الرُّجُوع وَسميت بالكنس من قَوْلهم كنس الظبي إِذا دخل الكناس وَهُوَ مقره فالكنس على هَذَا فِي الْكَوَاكِب بِمَعْنى اختفائها تَحت ضوء الشَّمْس وَيُقَال لهَذِهِ الْكَوَاكِب الْمُتَحَيِّرَة لِأَنَّهَا ترجع أَحْيَانًا عَن سمت مسيرها بالحركة الشرقية وتتبع الغريبة فِي رَأْي الْعين فَيكون هَذَا الإرتداد لَهَا شبه التحير
стр. 144
وَهَذِه الْأَسْمَاء الَّتِي لهَذِهِ الْكَوَاكِب يُقَال أَنَّهَا مُشْتَقَّة من صفاتها
فزحل مُشْتَقّ من زحل فلَان إِذا أعيا سمي بذلك لبطء سيره وَيُقَال أَنه المُرَاد فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّمَاء والطارق وَمَا أَدْرَاك مَا الطارق النَّجْم الثاقب﴾
وَالْمُشْتَرِي سمي بذلك لحسنه كَأَنَّهُ اشْترى الْحسن لنَفسِهِ وَقيل لِأَنَّهُ نجم الشِّرَاء وَالْبيع وَدَلِيل الرِّبْح وَالْمَال فِي قَوْلهم
والمريخ مَأْخُوذ من المرخ وَهُوَ شجر يحتك بعض أغصانه بِبَعْض فيوري نَارا سمي بذلك لإحمراره وَقيل المريخ سهم لَا ريش لَهُ إِذا رمي بِهِ لَا يَسْتَوِي فِي مَمَره وَكَذَا المريخ فِيهِ التواء كثير فِي سيره ودلالته بزعمهم تشبه ذَلِك
وَالشَّمْس لما كَانَت وَاسِطَة بَين ثَلَاثَة كواكب علوِيَّة لأَنهم من فَوْقهَا وَثَلَاثَة سفلية لأَنهم من تحتهَا سميت بذلك لِأَن الْوَاسِطَة الَّتِي فِي المخنقة تسمى شمسة
والزهرة من الزَّاهِر وَهُوَ الْأَبْيَض النير من كل شَيْء
وَعُطَارِد وَهُوَ النَّافِذ فِي كل الْأُمُور وَلذَلِك يُقَال لَهُ أَيْضا الْكَاتِب فَإِنَّهُ كثير التَّصَرُّف مَعَ مَا يقارنه ويلابسه من الْكَوَاكِب
وَالْقَمَر مَأْخُوذ من القمرة وَهِي الْبيَاض والأقمر الْأَبْيَض وَيُقَال لزحل كيوان وَللْمُشْتَرِي تبر والبرجيس أَيْضا وللمريخ بهْرَام وللشمس مهر وللزهرة أناهيذ وسدحت أَيْضا وناهيذ ايضا ولعطارد هرمس وللقمر ماه وَقد جمعهَا المقريزي فِي ثَانِي هذَيْن الْبَيْتَيْنِ
(لَا زلت تبقى وترقى للعلى أبدا ... مَا دَامَ للسبعة الأفلاك أَحْكَام)
(مهر وماه وكبوان وتبر مَعًا ... وهرمس وأناهيذ وبهرام)
وَيُقَال لما عدا هَذِه الْكَوَاكِب السَّبْعَة من بَقِيَّة نُجُوم السَّمَاء الْكَوَاكِب الثَّابِتَة سميت بذلك لثباتها فِي الْفلك بِموضع وَاحِد وَقيل لبطء حركتها
стр. 145
فَإِنَّهَا تقطع الْفلك بزعمهم بعد كل سِتّ وَثَلَاثِينَ ألف سنة شمسية مرّة وَاحِدَة وَلكُل كَوْكَب من الْكَوَاكِب السَّبْعَة السيارة فلك من الأفلاك يَخُصُّهُ والأفلاك أجسام كريات مشفات بَعْضهَا فِي جَوف بعض وَهِي تِسْعَة أقربها إِلَيْنَا فلك الْقَمَر وَبعده فلك عُطَارِد ثمَّ بعده فلك الزهرة وَبعده فلك الشَّمْس وفوقه فلك المريخ ثمَّ فلك المُشْتَرِي وفوقه فلك زحل ثمَّ فلك الثوابت وَفِيه كل كَوْكَب يرى فِي السَّمَاء سوى السَّبْعَة السيارة وَمن فَوق فلك الثوابت الْفلك الْمُحِيط وَهُوَ الْفلك التَّاسِع وَيُسمى الأطلس وفلك الأفلاك وفلك الْكل
وَقد اخْتلفت فِي الأفلاك فَقيل هِيَ السَّمَوَات وَقيل بل السَّمَوَات غَيرهَا وَقيل بل هِيَ كرية وَقيل غير ذَلِك وَقيل الْفلك الثَّامِن هُوَ الْكُرْسِيّ والفلك التَّاسِع هُوَ الْعَرْش وَقيل غير ذَلِك
وَهَذَا الْفلك التَّاسِع دَائِم الدوران كالدولاب ويدور فِي كل أَرْبَعَة وَعشْرين سَاعَة مستوية دورة وَاحِدَة ودورانه يكون أبدا من الْمشرق إِلَى الْمغرب ويدور بدورانه جَمِيع الأفلاك الثَّمَانِية وَمَا حوته من الْكَوَاكِب دورانا حركته قسرية لإدارة التَّاسِع لَهَا وَعَن حَرَكَة التَّاسِع الْمَذْكُور يكون اللَّيْل وَالنَّهَار فالنهار مُدَّة بَقَاء الشَّمْس فَوق أفق الأَرْض وَاللَّيْل مُدَّة غيبوبة الشَّمْس تَحت أفق الأَرْض وفلك الْكَوَاكِب الثَّابِتَة مقسوم بِاثْنَيْ عشر قسما كحجم البطيخة كل قسم مِنْهَا يُقَال لَهُ برج وَهِي الْحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة وَالْمِيزَان وَالْعَقْرَب والقوس والجدي والدلو والحوت وكل برج من هَذِه البروج الأثني عشر يَنْقَسِم ثَلَاثِينَ قسما يُقَال لكل قسم مِنْهَا دَرَجَة وكل دَرَجَة من هَذِه الثَّلَاثِينَ مقسومة سِتِّينَ قسما يُقَال لكل قسم مِنْهَا دقيقة وكل دقيقة من هَذِه السِّتين مقسومة سِتِّينَ قسما يُقَال لكل قسم مِنْهَا ثَانِيَة وَهَكَذَا إِلَى الثوالث والروابع والخوامس إِلَى الثواني عشر وَمَا فَوْقهَا من الْأَجْزَاء وكل ثَلَاثَة بروج تسمى فصلا فالزمان على ذَلِك أَرْبَعَة فُصُول وَهِي الرّبيع والصيف والخريف والشتاء وجهات الأقطار
стр. 146
أَرْبَعَة اشرق والغرب وَالشمَال والجنوب والأركان أَرْبَعَة النَّار والهواء وَالْمَاء وَالتُّرَاب والطبائع أَرْبَعَة الْحَرَارَة والبرودة والرطوبة واليبوسة والأخلاط أَرْبَعَة الصَّفْرَاء والسوداء والبلغم وَالدَّم والرياح أَرْبَعَة الصِّبَا وَالدبور وَالشمَال والجنوب فالبروج مِنْهَا ثَلَاثَة ربيعية صاعدة فِي الشمَال زَائِدَة النَّهَار عليل وَهِي الْحمل والثور والجوزاء وَثَلَاثَة صيفية هابطة فِي الشمَال آخذة اللَّيْل من النَّهَار وَهِي السرطان والأسد والسنبلة وَثَلَاثَة خريفية هابطة فِي جنوب زَائِدَة اللَّيْل على النَّهَار وَهِي الْمِيزَان وَالْعَقْرَب والقوس وَثَلَاثَة شتوية صاعدة فِي الْجنُوب آخذة النَّهَار من اللَّيْل وَهِي الجدي والدلو والحوت والفلك الْمُحِيط كَمَا تقدم يَدُور أبدا من الْمشرق إِلَى الْمغرب فَوق الأَرْض وَمن الْمغرب إِلَى الْمشرق تحتهَا فَيكون دَائِما نصف الْفلك وَهُوَ سِتَّة بروج بِمِائَة وَثَمَانِينَ دَرَجَة فَوق الأَرْض ونصفة الآخر وَهُوَ سِتَّة بروج بِمِائَة وَثَمَانِينَ دَرَجَة تَحت الأَرْض وَكلما طلعت من أفق الْمشرق دَرَجَة من دَرَجَات الْفلك الَّتِي عدتهَا ثَلَاثمِائَة وَسِتُّونَ دَرَجَة غرب نظيرها فِي أفق الْمغرب من البرج السَّابِع فَلَا يزَال دَائِما سِتَّة بروج طُلُوعهَا بِالنَّهَارِ وَسِتَّة بروج طُلُوعهَا بِاللَّيْلِ والأفق عبارَة عَن الْحَد الْفَاصِل من الأَرْض بَين المرئي والخفي من السَّمَاء والفلك يَدُور على قطبين شمَالي وجنوبي كَمَا يَدُور الْحق على قطبي المخروطة
وَيقسم الْفلك خطّ من دَائِرَة تقسمه نِصْفَيْنِ متساويين بعدهمَا من كلا القطبين سَوَاء وَتسَمى هَذِه الدائرة دَائِرَة معدل النَّهَار فَهِيَ تقاطع فلك البروج ودائرة فلك البروج تقاطع دَائِرَة معدل النَّهَار ويميل نصفهَا إِلَى الْجَانِب الشمالي بِقدر أَربع وَعشْرين دَرَجَة تَقْرِيبًا وَهَذَا النّصْف فِيهِ قسْمَة البروج السِّتَّة الشمالية وَهِي من أول الْحمل إِلَى آخر السنبلة ويميل نصفهَا الثَّانِي عَنْهَا إِلَى الْجنُوب بِمثل ذَلِك وَفِيه قسْمَة البروج السِّتَّة الجنوبية وَهِي من أول برج الْمِيزَان إِلَى آخر برج الْحُوت
وَمَوْضِع تقاطعين هَاتين الدرجتين أَعنِي دَائِرَة معدل النَّهَار ودائرة فلك
стр. 147
البروج من الْجَانِبَيْنِ هما نقطتا الاعتدالين أَعنِي رَأس الْحمل وَرَأس الْمِيزَان ومدار الشَّمْس وَالْقَمَر وَسَائِر النُّجُوم على محاذاة دَائِرَة فلك البروج دون دَائِرَة معدل النَّهَار
وتمر الشَّمْس على دَائِرَة معدل النَّهَار عِنْد حلولها بنقطتي الاعتدالين فَقَط لِأَنَّهَا مَوضِع تقاطع الدائرتين وَهَذَا هُوَ خطّ الاسْتوَاء الَّذِي لَا يخْتَلف فِيهِ الزَّمَان بِزِيَادَة اللَّيْل على النَّهَار وَلَا النَّهَار على اللَّيْل لِأَن ميل الشَّمْس عَنهُ إِلَى كلا الْجَانِبَيْنِ الشمالي والجنوبي سَوَاء فالشمس تَدور الْفلك وتقطع الاثْنَي عشر برجا فِي مُدَّة ثَلَاثمِائَة وَخَمْسَة وَسِتِّينَ يَوْمًا وَربع يَوْم بالتقريب وَهَذِه هِيَ مُدَّة السّنة الشمسية وتقيم فِي كل برج ثَلَاثِينَ يَوْمًا وكسرا من يَوْم وَتَكون أبدا بِالنَّهَارِ ظَاهِرَة فَوق الأَرْض وبالليل بِخِلَاف ذَلِك وَإِذا حلت فِي البروج السِّتَّة الشمالية الَّتِي هِيَ الْحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة فَإِنَّهَا تكون مُرْتَفعَة فِي الْهَوَاء قريبَة من سمت رؤوسنا وَذَلِكَ من فصل الرّبيع وَفصل الصَّيف وَإِذا حلت فِي البروج الجنوبية وَهِي الْمِيزَان وَالْعَقْرَب والقوس والجدي والدلو والحوت كَانَ فصل الخريف وَفصل الشتَاء وانحطت الشَّمْس وبعدت عَن سِتّ الرؤوس
وَزعم وهب بن مُنَبّه أَن أول مَا خلق الله تَعَالَى من الْأَزْمِنَة الْأَرْبَعَة الشتَاء فَجعله بَارِدًا رطبا وَخلق الرّبيع فَجعله حارا رطبا وَخلق الصَّيف فَجعله حارا يَابسا وَخلق الخريف فَجعله بَارِدًا يَابسا
وَأول الْفُصُول عِنْد أهل زَمَاننَا الرّبيع وَيكون فصل الرّبيع عِنْدَمَا تنْتَقل الشَّمْس من برج الْحُوت وَقد اخْتلف القدماء فِي الْبِدَايَة من الْفُصُول فَمنهمْ من اخْتَار فصل الرّبيع وخيره أول السّنة وَمِنْهُم من اخْتَار تَقْدِيم الانقلاب الصيفي وَمِنْهُم من اخْتَار تَقْدِيم الِاعْتِدَال الخريفي وَمِنْهُم من اخْتَار تَقْدِيم الانقلاب الشتوي فَإِذا حلت أول جُزْء من برج الْحمل اسْتَوَى اللَّيْل وَالنَّهَار واعتدل الزَّمَان وَانْصَرف الشتَاء وَدخل الرّبيع وطاب الْهَوَاء وهب النسيم وذاب الثَّلج وسالت الأودية ومدت الْأَنْهَار فِيمَا عدا مصر وَنبت العشب وَطَالَ الزَّرْع ونما الْحَشِيش وتلألأ الزهر وأورق الشّجر
стр. 148
وتفتح النُّور واخضر وَجه الأَرْض ونتجت الْبَهَائِم وَدرت الضروع وأخرجت الأَرْض زخرفها وأزينت وَصَارَت كصبية شَابة قد تزينت للناظرين وَللَّه در الْحَافِظ جمال الدّين يُوسُف بن أَحْمد الْيَعْمرِي ﵀ حَيْثُ يَقُول
(واستنشقوا لهوا الرّبيع فَإِنَّهُ ... نعم النسيم وَعِنْده ألطاف)
(يغذي الجسوم نسيمه وَكَأَنَّهُ ... روح حواها جَوْهَر شفاف)
وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة وَمن ذَلِك الرّبيع يذهب النَّاس إِلَى أَنه الْفَصْل الَّذِي يتبع الشتَاء وَيَأْتِي فِيهِ النُّور والورد وَلَا يعْرفُونَ الرّبيع غَيره وَالْعرب تخْتَلف فِي ذَلِك فَمنهمْ من يَجْعَل الرّبيع الْفَصْل الَّذِي تدْرك فِيهِ الثِّمَار وَهُوَ الخريف وَفصل الشتَاء بعد ثمَّ فصل الصَّيف بعد الشتَاء وَهُوَ الْوَقْت الَّذِي تَدعُوهُ الْعَامَّة الرّبيع ثمَّ فصل القيظ وَهُوَ الَّذِي تَدعُوهُ الْعَامَّة الصَّيف وَمن الْعَرَب من يُسَمِّي الْفَصْل الَّذِي يعتدل وتدرك فِيهِ الثِّمَار وَهُوَ الخريف الرّبيع الأول ويسمي الْفَصْل الَّذِي يتلوه الشتَاء وَيَأْتِي فِيهِ الكمام والنور الرّبيع الثَّانِي وَكلهمْ مجمعون على أَن الرّبيع هُوَ الخريف فَإِذا حلت الشَّمْس آخر برج الجوزاء وَأول برج السرطان تناهى طول النَّهَار وَقصر اللَّيْل وابتدأ وَزِيَادَة اللَّيْل وانصرم فصل الرّبيع وَدخل فصل الصَّيف وَاشْتَدَّ الْحر وحمي الْهَوَاء وهبت السمائم ونقصت الْمِيَاه إِلَّا بِمصْر ويبس العشب واستحكم الْحبّ وَأدْركَ حصاد الغلال ونضجت الثِّمَار وسمنت الْبَهَائِم واشتدت قُوَّة الْأَبدَان وَدرت أخلاف النعم وَصَارَت الأَرْض كَأَنَّهَا عروس فَإِذا بلغت آخر برج السنبلة وَأول برج الْمِيزَان تساوى اللَّيْل وَالنَّهَار مرّة ثَانِيَة وَأخذ اللَّيْل فِي الزِّيَادَة وَالنَّهَار فِي النُّقْصَان وانصرم فصل الصَّيف وَدخل فصل الخريف فبرد الْهَوَاء وهبت الرِّيَاح وَتغَير الزَّمَان وجفت الْأَنْهَار وَغَارَتْ الْعُيُون واصفر ورق الشّجر وصرمت الثِّمَار ودرست البيادر واختزن الْحبّ واقتنى العشب واغبر وَجه الأَرْض إِلَّا بِمصْر وهزلت الْبَهَائِم وَمَاتَتْ الْهَوَام وانجحرت الحشرات وَانْصَرف الطير والوحش يُرِيد الْبِلَاد الدافئة وَأخذ النَّاس يخزنون الْقُوت للشتاء وَصَارَت الدُّنْيَا كَأَنَّهَا امْرَأَة كهلة قد أَدْبَرت وَأخذ شبابها
стр. 149
يولي وَللَّه در الإِمَام أَبُو الْحسن أَحْمد بن عَليّ الْأَزْدِيّ المهلبي حَيْثُ يَقُول
(لله فصل الخريف المستلذ بِهِ ... برد الْهَوَاء لقد أبدى لنا عجبا)
(أهْدى إِلَى الأَرْض من أوراقه ذَهَبا ... وَالْأَرْض من شَأْنهَا أَن تهدي الذهبا)
وَقَالَ أَيْضا
(لله فصل الخريف فصلا ... رقت حَوَاشِيه فَهُوَ رائق)
(فالماء يجْرِي من قلب سَالَ ... والدمع يَبْدُو بِوَجْه عاشق)
(فبرد هَذَا ولون هَذَا ... يلذه ذائق ووامق)
وَقَالَ أَيْضا
(أَتَى فصل الخريف بِكُل طيب ... وَحسن معجب قلبا وعينا)
(أرانا الدوح مصفرا نضارا ... وصافي المَاء مبيضا لجينا)
(فاحسن كل إِحْسَان إِلَيْنَا ... وأنعم كل إنعام علينا)
وَقَالَ آخر يذم الخريف
(خُذ فِي التدثر فِي الخريف فَإِنَّهُ ... مستوبل ونسيمه خطَّاف)
(يجْرِي مَعَ الْأَجْسَام جري حَيَاتهَا ... كصديقها وَمن الصّديق يخَاف)
وَقَالَ آخر
(يَا عائبا فصل الخريف وغائبا ... عَن فَضله فِي ذمه لزمانه)
(لَا شَيْء ألطف مِنْهُ عِنْدِي موقعا ... أبدا يعري الْغُصْن من قمصانه)
(وتراه يفرش تَحْتَهُ أثوابه ... فاعجب لرأفته وفرط خنانه)
(وألذ سَاعَات الْوِصَال إِذا دنا ... وَقت الرحيل وحان حِين أَوَانه)
فَإِذا حلت الشَّمْس آخر برج الْقوس وَأول برج الجدي تناهى طول اللَّيْل وَقصر النَّهَار وَأخذ النَّهَار فِي الزِّيَادَة وَالنَّهَار فِي النُّقْصَان وانصرم فصل الخريف وَحل فصل الشتَاء وَاشْتَدَّ الْبرد وخشن الْهَوَاء وتساقط ورق الشّجر وَمَات أَكثر النَّبَات وَغَارَتْ الْحَيَوَانَات فِي جَوف الأَرْض
стр. 150
وَضعف قوى الْأَبدَان وعري وَجه الأَرْض من الزِّينَة ونشأت الغيوم وَكَثُرت الأنداء وأظلم الجو وكلح وَجه الأَرْض إِلَّا بِمصْر وَامْتنع النَّاس من التَّصَرُّف وَصَارَت الدُّنْيَا كَأَنَّهَا عَجُوز هرمة قد دنا مِنْهَا الْمَوْت فَإِذا بلغت آخر برج الْحُوت وَأول برج الْحمل عَاد الزَّمَان كَمَا كَانَ عَام أول وَهَذَا دأبه ذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم وتدبير الْخَبِير الْحَكِيم لَا إِلَه إِلَّا هُوَ
وَقد شبه بطليموس فصل الرّبيع بِزَمَان الطفولية وَفصل الصَّيف بالشباب والخريف بالكهولة والشتاء بالشيخوخة وَعَن حَرَكَة الشَّمْس وتنقلها فِي البروج الاثْنَي عشر الْمَذْكُورَة تكون أزمان السّنة وأوقات الْيَوْم من اللَّيْل وَالنَّهَار وساعاتهما وَعَن حَرَكَة الْقَمَر فِي البروج الاثْنَي عشر تكون الشُّهُور القمرية وَالسّنة القمرية فالقمر يَدُور البروج الاثْنَي عشر وَيقطع الْفلك كُله فِي مُدَّة ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَبَعض يَوْم وَيُقِيم فِي كل برج يَوْمَيْنِ وَثلث يَوْم بالتقريب وَيُقِيم فِي كل منزلَة من منَازِل الْقَمَر الثَّمَانِية وَالْعِشْرين منزلَة يَوْمًا وَلَيْلَة فَيظْهر عِنْد إهلاله من نَاحيَة الغرب بعد غرُوب جرم الشَّمْس وَيزِيد نوره فِي كل لَيْلَة قدر نصف سبع حَتَّى يكمل نوره ويمتلئ فِي لَيْلَة الرَّابِع عشر من إهلاله ثمَّ يَأْخُذ من اللَّيْلَة الْخَامِسَة عشرَة فِي النُّقْصَان فينقص من نوره فِي كل لَيْلَة نصف سبع كَمَا بَدَأَ إِلَى أَن يمحق نوره فِي آخر الثَّمَانِية وَعشْرين يَوْمًا من إهلاله ويمر فِي هَذِه الْمدَّة مُنْذُ يُفَارق الشَّمْس ويبدو فِي نَاحيَة الغرب ويسير إِلَى أَن يُجَامِعهَا بِثمَانِيَة وَعشْرين منزلَة وَهِي السرطان والبطين والثريا والدبران والهقعة والهنعة والذراع والنثرة والطرف والجبهة والزبرة والصرفة والعواء والسماك والغفر والزبانان والاكليل وَالْقلب والشولة والنعائم والبلدة وَسعد الذَّابِح وَسعد بلع وَسعد السُّعُود وَسعد الأخبية وَالْفرع الْمُقدم وَالْفرع الْمُؤخر وبطن الْحُوت ولحساب ذَلِك كتب مَوْضُوعَة وَفِيمَا ذكرنَا كِفَايَة وَالله يعلم وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ
стр. 151
ذكر محَاسِن الْفُصُول الْأَرْبَعَة للسّنة على لِسَان الْأَدَب
من كتاب نسيم الصِّبَا للشَّيْخ شمس الدّين بن حبيب ﵀ قَالَ حضر فُصُول الْعَام مجْلِس الْأَدَب فِي يَوْم بلغ فِيهِ الأريب نِهَايَة الأرب بمشهد من ذَوي البلاغة ومنتهى صناعَة الصاغة فَقَامَ كل مِنْهُم يعرب عَن نَفسه ويفتخر على أَبنَاء جنسه
فَقَالَ الرّبيع أَنا شباب الزَّمَان وروح الْحَيَوَان وإنسان عين الْإِنْسَان أَنا حَيَاة النُّفُوس وزينة عروس الغروس ونزهة الْأَبْصَار ومنطق الأطيار عرف أوقاتي ناسم وأيامي أعياد ومواسم فِيهَا يظْهر النَّبَات وتنشر الْأَمْوَات وَترد الودائع وتتحرك الطبائع ويمرح جنيب الْجنُوب ويبرح وجيب الْقُلُوب وَتفِيض عُيُون الْأَنْهَار ويعتدل اللَّيْل وَالنَّهَار كم لي من عقد منظوم وطراز وشي مرقوم وحلة فاخرة وَحلية ظَاهِرَة وَنجم سعد يدني راعيه من الأمل وشمس حسن بأبعد مَا بَين برج الجدي وَالْحمل عساكري منصورة وأسلحتي مَشْهُورَة فَمن سيف غُصْن مجوهر وَدرع بنفسج مشهر ومغفر شفيق أَحْمَر وترس بهار يبهر وَسَهْم آس يرشق فينشق ورمح سوسن سنانه أَزْرَق تحرسها آيَات وتكنفها ألوية ورايات بِي تحمر من الْورْد خدوده وتهتز من البان قدوده ويخضر عذار الريحان وينتبه من النرجس طرفه الْوَسْنَان وَتخرج الخفايا من الزوايا ويفتر ثغر الأقحوان قَائِلا أَنا ابْن جلا وطلاع الثنايا
(إِن هَذَا الرّبيع شَيْء عَجِيب ... تضحك الأَرْض من بكاء السَّمَاء)
стр. 152
(ذهب حَيْثُمَا ذَهَبْنَا ودر ... حَيْثُ درنا وَفِضة فِي الفضاء)
وَقَالَ الصَّيف أَنا الْخلّ الْمُوَافق وَالصديق الصَّادِق وَالطّيب الحاذق أجتهد فِي مصلحَة الْأَصْحَاب وَأَرْفَع عَنْهُم كلفة حمل الثِّيَاب وأخفف أثقالهم وأوفر أَمْوَالهم وأكفيهم المؤونة واجزل لَهُم المعونة وأغنيهم من شِرَاء الفرا وأحقق عِنْدهم أَن كل الصَّيْد فِي جَوف الفرا نصرت بالصبا وَأُوتِيت الْحِكْمَة فِي زمن الصبى بِي تتضح الجادة وتنضج من الْفَوَاكِه الْمَادَّة ويزهو الْبُسْر وَالرّطب وينصلح مزاج الْعِنَب ويقوى قلب اللوز ويلين عطف التِّين والموز وَينْعَقد حب الرُّمَّان فيقمع الصَّفْرَاء ويسكن الخفقان وتخضب وجنات التفاح وَيذْهب عرف السفرجل مَعَ هبوب الرِّيَاح وَتسود عُيُون الزَّيْتُون وتتخلق تيجان النارنج والليمون مواعيدي منقودة وموائدي ممدودة الْخَيْر مَوْجُود فِي مقَامي والرزق مقسوم فِي أيامي والفقر ينصاع على مده وصاعه ويالغنى يرتع فِي ملكه وإقطاعه والوحش تَأتي زرافات ووحدانا وَالطير تَغْدُو خماصا وتعود بطانا
(مصيف لَهُ ظلّ مديد على الورى ... فكم قد حلا طعما وحليل أخلاطا)
(يعالج أَنْوَاع الْفَوَاكِه مبديا ... لصحتها حفظا ويعجز بقراطا)
وَقَالَ الخريف أَنا سائق الغيوم وكاسر جَيش الغموم وهازم أحزاب السمُوم وحادي نَجَائِب السحائب وحاسر نقاب المناقب أَنا أصد الصدى وأجود بالندى وَأظْهر كل معنى جلى وأسمو بالوسمى والولى فِي أيامي تقطف الثِّمَار وتصفو الْأَنْهَار من الأكدار ويترقرق دمع الْعُيُون ويتلون ورق الغصون طورا يحاكي البقم وَتارَة يشبه الأرقم وحينا يَبْدُو فِي حلته الذهبية فيجذب إِلَى جَانِبه الْقُلُوب الأبية وفيهَا يَكْفِي النَّاس هم الْهَوَام ويتساوى فِي لَذَّة المَاء الْخَاص وَالْعَام وَتقدم الأطيار مطربة بنشيشها رافلة فِي الملابس الجديدة من ريشها وتعصر بنت العنقود وتوثق فِي سجن الدن بالقيود على أَنَّهَا لم تجترح إِثْمًا وَلم تعاقب إِلَّا عُدْوانًا وظلما بِي تطيب الْأَوْقَات وَتحصل اللَّذَّات وترق النسمات وترمى حَصى الجمرات وتسكن
стр. 153
حرارة الْقُلُوب وتكثر أَنْوَاع المطعوم والمشروب كم لي من شَجَرَة أكلهَا دَائِم وَحملهَا للنفع الْمُتَعَدِّي لَازم وورقها على الدَّوَام غير ذابل وقدود أَغْصَانهَا تخجل كل رمح ذابل
(إِن فصل الخريف وافي إِلَيْنَا ... يتهادى فِي حلية كالعروس)
(غَيره كَانَ للعيون ربيعا ... وَهُوَ مَا بَيْننَا ربيع النُّفُوس)
وَقَالَ الشتَاء أَنا شيخ الْجَمَاعَة وَرب البضاعة والمقابل بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة أجمع شَمل الْأَصْحَاب وأسدل عَلَيْهِم الْحجاب وأتحفهم بِالطَّعَامِ وَالشرَاب وَمن لَيْسَ لَهُ بِي طَاقَة أغلقت من اجله الْبَاب أميل إِلَى الْمُطِيع الْقَادِر المستطيع المعتضد بالبرود والفرا والمستمسك من الدثار بأوثق العرى المرتقب قدومي وموافاتي المتأهب للسبعة الْمَشْهُورَة من كافاتي وَمن يَعش عَن ذكري وَلم يتَمَثَّل أَمْرِي أرجفته بِصَوْت الرَّعْد وأنجزت لَهُ من سيف الْبَرْق صَادِق الْوَعْد وسرت إِلَيْهِ بعساكر السَّحَاب وَلم أقنع بِالْغَنِيمَةِ بالإياب معروفي مَعْرُوف ونيل نيلي مَوْصُوف وثمار إحساني دانية القطوف كم لي من وابل طَوِيل المدى وجود وافر الجدا وقطر حلا مذاقه وغيث قيد العفاة إِطْلَاقه وديمة تطرب السّمع بصوتها وَحيا يحي الأَرْض بعد مَوتهَا أيامي وجيزة وأوقاتي عزيزة ومجالسي معمورة بذوي السِّيَادَة مغمورة بِالْخَيرِ والمبر والسعادة نقلهَا يَأْتِي من أَنْوَاعه بالعجب ومناقلها تسمح بِذَهَب اللهب وراحها تنعش الْأَرْوَاح وسقاتها يجفونهم السقيمة تفتن الْعُقُول الصِّحَاح إِن زرتها وجدت مَالا ممدودا وَإِن زرتها شاهدت لَهَا بَنِينَ شُهُودًا
(وَإِذا رميت بِفضل كأسك فِي الهوا ... عَادَتْ عَلَيْك من العقيق عقودا)
(يَا صَاحب العودين لَا تهملهما ... حرك لنا عودا واحرق عودا)
فَلَمَّا نظم كل مِنْهُم سلك مقَال وَفرغ من الْكَلَام على شرح حَاله أَخذ الْجَمَاعَة من الطَّرب مَا يَأْخُذ أهل السكر وتجاذبوا أَطْرَاف مطارف الثَّنَاء وَالشُّكْر وَظَهَرت أسرار السرُور وانشرحت صُدُور الصُّدُور وهبت قبُول الاقبال وَأنْشد لِسَان الْحَال
стр. 154
وماذا يعيب الْمَرْء فِي مدح نَفسه إِذا لم يكن فِي قَوْله بكذوب ثمَّ انفض الْمجْلس وَحل النطاق وتفرق شَمل أَهله وَآخر الصُّحْبَة الْفِرَاق قَالَ بَعضهم الرّبيع مفضل على سَائِر الْفُصُول بِحسن آثاره ورياحينه وأزهاره قَالَ بقراط الْحَكِيم من لم يبتهج بِالربيعِ وأزهاره وَلم يسْتَمْتع بِبرد نسيمه وأمطاره فَهُوَ فَاسد المزاج مُحْتَاج إِلَى العلاج وَقَالَ بعض البلغاء الرّبيع جميل الْوَجْه ضَاحِك السن رَشِيق الْقد حُلْو الشَّمَائِل عطر الرَّائِحَة كريم الْخلق وَقَالَ ظريف الرّبيع شباب الزَّمَان ونسيمه غذَاء النُّفُوس ومنظره جلاء الْعُيُون وَمن لطائف الصنوبري فِي تَفْضِيل الرّبيع على سَائِر الْفُصُول قَوْله
(إِن كَانَ فِي الصَّيف أثمار وَفَاكِهَة ... فالأرض مستوقد والجو تنور)
(وَإِن يكن فِي الخريف النّخل مخترفا ... فالأرض مسجورة وَالْمَاء مأسور)
(وَإِن يكن فِي الشتَاء الْغَيْم مُتَّصِلا ... فالأرض عُرْيَانَة والأفق مقرور)
(مَا الدَّهْر إِلَّا الرّبيع المستنير إِذا ... أَتَى الرّبيع أَتَاك النُّور والنور)
(فالأرض ياقوتة والجو لؤلؤة ... والنبت فيروزج وَالْمَاء بلور)
(تبَارك الله مَا أحلى الرّبيع فَلَا يقل ... تغرر فقائسه بالصيف مغرور)
(من شم ريح تحيات الرّبيع يقل ... لَا الْمسك مسك وَلَا الكافور كافور)
ذكر علم الْهَيْئَة
وَهُوَ علم ينظر بِهِ فِي حركات الْكَوَاكِب الثَّابِتَة والمتحركة والمتحيرة ويستدل بكيفيات تِلْكَ الحركات على أشكال وأوضاع للأفلاك لَزِمت الأَرْض عَنْهَا هَذِه الحركات المحسوسة بطرق هندسية كَمَا يبرهن على أَن مَرْكَز الأَرْض مبائن لمركز فلك الشَّمْس بِوُجُود حَرَكَة الإقبال والإدبار وكما يسْتَدلّ بِالرُّجُوعِ والإستقامة للكواكب على وجود أفلاك صَغِيرَة حاملة لَهَا متحركة دَاخل فلكها الْأَعْظَم وكما يبرهن على وجود الْفلك الثَّامِن بحركة الْكَوَاكِب الثَّابِتَة وكما يبرهن على تعدد الأفلاك للكوكب الْوَاحِد بِتَعَدُّد المبول لَهُ وأمثال ذَلِك وَإِدْرَاك الْمَوْجُود من الحركات وكيفياتها وأجناسها وَإِنَّمَا هُوَ بالرصد فَإِنَّمَا علمنَا حَرَكَة الإقبال والإدبار بِهِ
стр. 155
وَكَذَا تركيب الأفلاك فِي طباقتها وَكَذَا الرُّجُوع والإستقامة وأمثال ذَلِك وَكَانَ اليونانيون يعتنون بالرصد كثيرا ويتخذون لَهُ الْآلَات الَّتِي تُوضَع ليرصد بهَا حَرَكَة الْكَوْكَب الْمعِين وَكَانَت تسمى عِنْدهم ذَات الْحلق وصناعة عَملهَا والبراهين عَلَيْهِ ومطابقة حركتها بحركة الْفلك مَنْقُول بأيدي النَّاس
وَأما فِي الْإِسْلَام فَلم تقع بِهِ عناية إِلَّا فِي الْقَلِيل وَكَانَ فِي أَيَّام الْمَأْمُون شَيْء مِنْهُ وضع الْآلَة الْمَعْرُوفَة للرصد الْمُسَمَّاة ذَات الْحلق وَشرع فِي ذَلِك فَلم يتم وَلما مَاتَ ذهب رسمه وأغفل وَاعْتمد من بعده على الأرصاد الْقَدِيمَة وَلَيْسَت بمغنية لاخْتِلَاف الحركات باتصال الأحقاب وَأَن مُطَابقَة حَرَكَة الْآلَة فِي الرصد بحركة الأفلاك وَالْكَوَاكِب إِنَّمَا هُوَ بالتقريب وَلَا يعْطى التَّحْقِيق فَإِذا طَال الزَّمَان ظهر تفَاوت ذَلِك بالتقريب وَهَذِه الْهَيْئَة صناعَة شريفة وَلَيْسَت على مَا يفهم فِي الْمَشْهُور أَنَّهَا تُعْطِي صُورَة السَّمَوَات وترتيب الأفلاك وَالْكَوَاكِب بِالْحَقِيقَةِ بل إِنَّمَا تُعْطِي أَن هَذِه الصُّور والهيئات للأفلاك لَزِمت عَن هَذِه الحركات وَأَنت تعلم أَنه لَا يبعد أَن يكون الشَّيْء الْوَاحِد لَازِما لمختلفين وَإِن قُلْنَا أَن الحركات لَازِمَة فَهُوَ اسْتِدْلَال باللازم على وجود الْمَلْزُوم وَلَا ايعطى الْحَقِيقَة بِوَجْه على أَنه علم جليل وَهُوَ أحد أَرْكَان التعاليم
وَمن أحسن التآليف فِيهِ كتاب المجسطي مَنْسُوب لبطليموس وَلَيْسَ من مُلُوك اليونان الَّذين أَسمَاؤُهُم بطليموس على مَا حَقَّقَهُ شرَّاح الْكتاب وَقد اخْتَصَرَهُ الْأَئِمَّة من حكماء الْإِسْلَام كَمَا فعله ابْن سينا وأدرجه فِي تعاليم الشِّفَاء ولخصه ابْن رشد أَيْضا من حكماء الأندلس وَابْن السَّمْح وَابْن الصَّلْت فِي كتاب الإقتصار
ولإبن الفرغاني هَيْئَة ملخصة قربهَا وَحذف براهينها الهندسية وَالله علم الْإِنْسَان مَا لم يعلم سُبْحَانَهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ رب الْعَالمين
وَمن فروعه علم الأزياج وَهِي صناعَة حسابية على قوانين عددية فِيمَا يخص كل كَوْكَب من طَرِيق حركته وَمَا أدّى إِلَيْهِ برهَان الْهَيْئَة فِي وَضعه من سرعَة وبطء واستقامة وَرُجُوع وَغير ذَلِك يعرف بِهِ مَوَاضِع
стр. 156
الْكَوَاكِب فِي أفلاكها لأي وَقت فرض من قبل حسبان حركاتها على تِلْكَ القوانين المستخرجة من كتب الْهَيْئَة ولهذه الصِّنَاعَة قوانين كالمقدمات وَالْأُصُول لَهَا فِي معرفَة الشُّهُور وَالْأَيَّام والتواريخ الْمَاضِيَة وأصول متقررة من معرفَة الأوج والحضيض والميول وأصناف الحركات واستخراج بَعْضهَا من بعض يضعونها فِي جداول مرتبَة تسهيلا على المتعلمين وَتسَمى الأزياج وَيُسمى اسْتِخْرَاج مَوَاضِع الْكَوَاكِب للْوَقْت الْمَفْرُوض لهَذِهِ الصِّنَاعَة تعديلا وتقويما وَلِلنَّاسِ فِيهِ تآليف كَثِيرَة للْمُتَقَدِّمين والمتأخرين مثل الْبنانِيّ وَابْن الكماد وَقد عول الْمُتَأَخّرُونَ لهَذَا الْعَهْد بالمغرب على زيج مَنْسُوب لِابْنِ إِسْحَاق من منجمي تونس فِي أول الْمِائَة السَّابِعَة ويزعمون أَن ابْن إِسْحَاق عول فِيهِ على الرصد وَأَن يهودا كَانَ بصقلية ماهرا فِي الْهَيْئَة والتعاليم وَكَانَ قد عَنى بالرصد وَكَانَ يبْعَث إِلَيْهِ بِمَا يَقع فِي ذَلِك من أَحول الْكَوَاكِب وحركاتها فَكَانَ أهل الْمغرب لذَلِك عنوا بِهِ لوثائق مبناه على مَا يَزْعمُونَ ولخصه ابْن الْبناء فِي آخر سَمَّاهُ الْمِنْهَاج فولع بِهِ النَّاس لما سهل من الْأَعْمَال فِيهِ وَإِنَّمَا يحْتَاج إِلَى مَوَاضِع الْكَوَاكِب من الْفلك لتبتني عَلَيْهَا الْأَحْكَام النجومية وَهُوَ معرفَة الْآثَار الَّتِي تَتَحَدَّث عَنْهَا بأوضاعها فِي عَالم الْإِنْسَان من الْملك والدول والمواليد البشرية كَمَا بَينه ابْن خلدون وأوضح فِيهِ أدلتهم وَالله الْمُوفق لما يُحِبهُ ويرضاه وَلَا معبود سواهُ
стр. 157
ذكر صُورَة الأَرْض وَمَوْضِع الأقاليم مِنْهَا
لما تقدم فِي الأفلاك من القَوْل مَا تبين بِهِ لمن ألهمه الله تَعَالَى كَيفَ تكون الْحَرَكَة الَّتِي بهَا اللَّيْل وَالنَّهَار وتركب الشُّهُور والأعوام مِنْهَا جَازَ حِينَئِذٍ الْكَلَام على الأَرْض فَأَقُول الْجِهَات من حَيْثُ هِيَ سِتّ الشرق وَهُوَ حَيْثُ تطلع الشَّمْس وَالْقَمَر وَسَائِر الْكَوَاكِب فِي كل قطر من الأَرْض والغرب وَهُوَ حَيْثُ تغرب وَالشمَال وَهُوَ حَيْثُ مدَار الجدي والفرقدين والجنوب وَهُوَ حَيْثُ مدَار سُهَيْل والفوق وَهُوَ مِمَّا يَلِي السَّمَاء والتحت وَهُوَ مِمَّا يَلِي مَرْكَز الأَرْض
وَالْأَرْض جسم مستدير كالكرة وَقيل لَيست بكروية الشكل وَهِي واقفة فِي الْهَوَاء بِجَمِيعِ جبالها وبحارها وعامرها وغامرها والهواء مُحِيط بهَا من جَمِيع جهاتها كالمح فِي جَوف الْبَيْضَة وَبعدهَا من السَّمَاء متساو من جَمِيع الْجِهَات وأسفل الأَرْض مَا تَحْقِيقه هُوَ عمق بَاطِنهَا مِمَّا يَلِي مركزها من أَي جَانب كَانَ
ذهب الْجُمْهُور إِلَى أَن الأَرْض كالكرة الْمَوْضُوعَة فِي جَوف الْفلك كالمح فِي الْبَيْضَة وَأَنَّهَا فِي الْوسط وَبعدهَا فِي الْفلك من جَمِيع الْجِهَات على التَّسَاوِي
وَزعم هِشَام بن الحكم أَن تَحت الأَرْض جسما من شَأْنه الإرتفاع وَهُوَ الْمَانِع للْأَرْض من الإنحدار وَهُوَ لَيْسَ مُحْتَاجا إِلَى مَا بعده لِأَنَّهُ لَيْسَ يطْلب الإنحدار بل الإرتفاع وَقَالَ أَن الله تَعَالَى وَقفهَا بِلَا عماد
وَقَالَ ديمقراطس أَنَّهَا تقوم على المَاء وَقد حصر المَاء تحتهَا حَتَّى لَا يجد مخرجا فيضطر إِلَى الإنتقال
стр. 158
وَقَالَ آخر هِيَ واقفة على الْوسط مِقْدَار وَاحِد من كل جَانب والفلك بجذبها من كل وَجه فَلذَلِك لَا تميل إِلَى نَاحيَة من الْفلك دون نَاحيَة لِأَن قُوَّة الْأَجْزَاء متكافئة وَذَلِكَ كحجر المغناطيس فِي جذبه الْحَدِيد فَإِن الْفلك بالطبع مغناطيس الأَرْض فَهُوَ يجذبها فَهِيَ واقفة فِي الْوسط وَسبب وقوفها بالوسط سرعَة تَدْبِير الْفلك وَدفعه إِيَّاهَا من كل جِهَة إِلَى الْوسط كَمَا إِذا وضعت تُرَابا فِي قَارُورَة وأدرتها بِقُوَّة فَإِن التُّرَاب يقوم فِي الْوسط
وَقَالَ مُحَمَّد بن أَحْمد الْخَوَارِزْمِيّ فِي وسط السَّمَاء وَالْوسط هُوَ السفلي بِالْحَقِيقَةِ وَهِي مُدَوَّرَة مضرسة من جِهَة الْجبَال البارزة والوهاد الغائرة وَذَلِكَ لَا يُخرجهَا عَن الكرية إِذا اعْتبرت جُمْلَتهَا لِأَن مقادير الْجبَال وَإِن شمخت يسيرَة بِالْقِيَاسِ إِلَى كرة الأَرْض فَإِن الكرة الَّتِي قطرها ذِرَاع أَو ذراعان مثلا إِذا نتأ مِنْهَا شَيْء أَو غَار فِيهَا لَا يُخرجهَا عَن الكرية وَلَا هَذِه التضاريس لإحاطة المَاء بهَا من جَمِيع جوانبها وغمرها بِحَيْثُ لَا يظْهر مِنْهَا شَيْء فَحِينَئِذٍ تبطل الْحِكْمَة المؤدية المودعة فِي الْمَعَادِن والنبات وَالْحَيَوَان فسبحان من لَا يعلم أسرار حكمه إِلَّا هُوَ
وَأما سطحها الظَّاهِر المماس للهواء من جَمِيع الْجِهَات فَإِنَّهُ فَوق والهواء فَوق الأَرْض يُحِيط بهَا ويجذبها من سَائِر الْجِهَات وَفَوق الْهَوَاء الأفلاك الْمَذْكُورَة فِيمَا تقدم وَاحِدًا فَوق آخر إِلَى الْفلك التَّاسِع الَّذِي هُوَ أَعلَى الأفلاك وَنِهَايَة الْمَخْلُوقَات بأسرها
وَقد اخْتلف فِيمَا وَرَاء ذَلِك فَقيل خلاء وَقيل ملاء وَقيل لَا خلاء وَلَا ملاء وكل مَوضِع يقف فِيهِ الْإِنْسَان من سطح الأَرْض فَإِن رَأسه أبدا يكون مِمَّا يَلِي السَّمَاء إِلَى فَوق وَرجلَاهُ أبدا تكون أَسْفَل مِمَّا يَلِي مَرْكَز الأَرْض وَهُوَ دَائِما يرى من السَّمَاء نصفهَا وَيسْتر عَنهُ النّصْف الآخر حدبة الأَرْض وَكلما انْتقل من مَوضِع إِلَى آخر ظهر لَهُ من السَّمَاء بِقدر مَا خَفِي عَنهُ
وَالْأَرْض غامرة بِالْمَاءِ كعنبة طافية فَوق المَاء فانحسر المَاء عَن بعض جوانبها لما أَرَادَ الله من تكوين الْحَيَوَانَات وعمرانها بالنوع البشري الَّذِي لَهُ الْخلَافَة على سائرها وَقد يتَوَهَّم من ذَلِك أَن المَاء تَحت الأَرْض وَلَيْسَ
стр. 159
بِصَحِيح وَإِنَّمَا التحت الطبيعي قلب الأَرْض ووسط كرتها الَّذِي هُوَ مركزها وَالْكل يَطْلُبهُ بِمَا فِيهِ من الثّقل وَمَا عدا ذَلِك من جوانبها
وَأما المَاء الْمُحِيط بهَا فَوق الأَرْض وَإِن قيل فِي شَيْء مِنْهَا أَنه تَحت الأَرْض فبالإضافة إِلَى جِهَة أُخْرَى مِنْهُ
وَأما الَّتِي قد انحسر المَاء عَنْهَا نَحْو النّصْف من سطح كرتها فِي شكل دَائِرَة أحَاط العنصر المائي من جَمِيع جهاتها بحرا يُسمى الْبَحْر الْمُحِيط وَيُسمى أَيْضا لبلابة بتفخيم اللَّام الثَّانِيَة وَيُسمى أوقيانوس أَسمَاء عجمية وَيُقَال لَهُ الْبَحْر الْأَخْضَر
ثمَّ إِن هَذَا المنكشف من الأَرْض للعمران فِيهِ القفار والخلاء أَكثر من عمرانه والخالي من جِهَة الْجنُوب مِنْهُ أَكثر من جِهَة الشمَال وَإِنَّمَا الْمَعْمُور مِنْهُ قِطْعَة أميل إِلَى الْجَانِب الشمالي على شكل مسطح كري يَنْتَهِي من جِهَة الْجنُوب إِلَى خطّ الإستواء وَمن جِهَة الشمَال إِلَى خطّ كري ووراءه الْجبَال الفاصلة بَينه وَبَين المَاء العنصري الَّذِي بَينهمَا سد يَأْجُوج وَمَأْجُوج
وَهَذِه الْجبَال مائلة إِلَى جِهَة الْمشرق وَيَنْتَهِي من الْمشرق وَالْمغْرب إِلَى عنصر المَاء أَيْضا بقطعتين من الدائرة المحيطة وَهَذَا المنكشف من الأَرْض قَالُوا هُوَ مِقْدَار النّصْف من الكرة أَو أقل والمعمور مِنْهُ مِقْدَار ربعه وَهُوَ المنقسم بالأقاليم السَّبْعَة وانغمر النّصْف الآخر فِي الأَرْض وَصَارَ المنكشف من الأَرْض نِصْفَيْنِ كَأَنَّمَا قسم بِخَط مسامت لخط معدل النَّهَار يمر تَحت دائرته وَجَمِيع الْبِلَاد الَّتِي على هَذَا الْخط لَا عرض لَهَا الْبَتَّةَ والقطبان غير مرئيين فِيهَا ويكونان هُنَاكَ على دَائِرَة الْأُفق من الْجَانِبَيْنِ وَكلما بعد مَوضِع بلد عَن هَذَا الْخط إِلَى نَاحيَة الشمَال قدر دَرَجَة ارْتَفع القطب الشمالي الَّذِي هُوَ الجدي على أهل ذَلِك الْبَلَد دَرَجَة وانخفض القطب الجنوبي الَّذِي هُوَ سُهَيْل دَرَجَة وَهَكَذَا مَا زَاد وَيكون الْأَمر فِيمَا بعد من الْبِلَاد الْوَاقِعَة فِي نَاحيَة الْجنُوب كَذَلِك من ارْتِفَاع القطب الجنوبي وانحطاط القطب الشمالي
стр. 160
وَبِهَذَا عرف عرض الْبلدَانِ وَصَارَ عرض الْبَلَد عبارَة عَن ميل دَائِرَة معدل النَّهَار عَن سمت رُؤُوس أَهله وارتفاع القطب عَلَيْهِم وَهُوَ أَيْضا بعد مَا بَين سمت رُؤُوس أهل ذَلِك الْبَلَد وسمت رُؤُوس أهل بلد لَا عرض لَهُ فَأَما مَا انْكَشَفَ من الأَرْض مِمَّا يَلِي الْجنُوب من خطّ الاسْتوَاء فَهُوَ الرّبع العامر وَهُوَ المسكون من الأَرْض وَخط الاسْتوَاء لَا وجود لَهُ فِي الْخَارِج وَإِنَّمَا هُوَ فرض يوهمنا أَنه خطّ ابتداؤه من الْمشرق إِلَى الْمغرب تَحت مدَار رَأس الْحمل وَسمي بذلك من أجل أَن النَّهَار وَاللَّيْل هُنَاكَ أبدا سَوَاء لَا يزِيد وَلَا ينقص أَحدهمَا عَن الآخر شَيْئا الْبَتَّةَ فِي سَائِر أَوْقَات السّنة كلهَا ونقطتا هَذَا الْخط ملازمتان للأفق إِحْدَاهَا على مدَار سُهَيْل فِي نَاحيَة الْجنُوب وَالْأُخْرَى مِمَّا يَلِي الجدي فِي نَاحيَة الشمَال وَخط الاسْتوَاء يقسم الأَرْض نِصْفَيْنِ من الْمغرب إِلَى الْمشرق وَهُوَ طول الأَرْض وأكبر خطّ فِي كرتها كَمَا أَن منْطقَة فلك البروج ودائرة معدل النَّهَار أكبر خطّ فِي الْفلك ومنطقة البروج منقسمة ثَلَاثمِائَة وَسِتِّينَ دَرَجَة والدرجة من مَسَافَة الأَرْض خَمْسَة وَعِشْرُونَ فرسخا والفرسخ اثْنَا عشر ألف ذِرَاع فِي ثَلَاثَة أَمْيَال لِأَن الْميل أَرْبَعَة آلَاف ذِرَاع والذراع أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ إصبعا والإصبع سِتّ حبات شعير مصفوفة ملصق بَعْضهَا إِلَى بعض ظهرا لبطن وَبَين دَائِرَة معدل النَّهَار الَّتِي تقسم الْفلك نِصْفَيْنِ وتسامت خطّ الاسْتوَاء من الأَرْض وَبَين كل وَاحِد من القطبين تسعون دَرَجَة لَكِن الْعِمَارَة فِي الْجِهَة الشمالية من خطّ الاسْتوَاء أَربع وَسِتُّونَ دَرَجَة وَالْبَاقِي مِنْهَا خلاء لَا عمَارَة فِيهِ لشدَّة الْبرد والجمود كَمَا كَانَت الْجِهَة الجنوبية خلاء كلهَا لشدَّة الْحر
والعمارة من الْمشرق إِلَى الْمغرب مائَة وَثَمَانُونَ دَرَجَة من الْجنُوب إِلَى الشمَال من خطّ إريس إِلَى بَنَات نعش ثَمَان وَأَرْبَعُونَ دَرَجَة وَهُوَ مِقْدَار ميل الشَّمْس مرَّتَيْنِ وَخلف خطّ إريس وَهُوَ مِقْدَار سِتّ عشر دَرَجَة وَجُمْلَة معمور الأَرْض نَحْو من سبعين دَرَجَة لاعتدال مسير الشَّمْس فِي هَذَا الْوسط ومرورها على مَا وَرَاء الْحمل وَالْمِيزَان مرَّتَيْنِ فِي السّنة وَأما الشمَال والجنوب فالشمس لَا تحاذيهما إِلَّا مرّة وَاحِدَة وَلِأَن أوج الشَّمْس
стр. 161
مرَّتَيْنِ فِي جِهَة الشمَال كَانَت الْعِمَارَة فِيهِ لارتفاعها وَانْتِفَاء ضَرَر قوتها غير سَاكِنة وَلِأَن حضيضها فِي الْجنُوب عدمت الْعِمَارَة هُنَالك
وَقد اخْتلف النَّاس فِي مَسَافَة الأَرْض فَقيل مسافتها خَمْسمِائَة عَام ثلث عمرَان وَثلث خراب وَثلث بحار وَقيل الْمَعْمُور من الأَرْض مائَة وَعِشْرُونَ جُزْء تسعون ليأجوج وَمَأْجُوج وَاثنا عشر للسودان وَثَمَانِية للروم وَثَلَاثَة للْعَرَب وَسَبْعَة لسَائِر الْأُمَم وَقيل الدُّنْيَا سَبْعَة أَجزَاء سِتَّة ليأجوج وَمَأْجُوج وَوَاحِد لسَائِر النَّاس وَقيل الأَرْض خَمْسمِائَة عَام الْبحار ثَلَاثمِائَة وَمِائَة خراب وَمِائَة عمرَان وَقيل الأَرْض أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ألف فَرسَخ للسودان اثْنَا عشر ألفا وللروم ثَمَانِيَة آلَاف ولفارس ثَلَاثَة آلَاف وللعرب ألف
وَعَن وهب بن مُنَبّه مَا الْعِمَارَة من الدُّنْيَا فِي الخراب إِلَّا كفسطاط فِي الصَّحرَاء وَقَالَ أزدشير بن بابك الأَرْض أَرْبَعَة أَجزَاء جُزْء مِنْهَا للترك وجزء للْعَرَب وجزء للْفرس وجزء للسودان وَقيل الأقاليم سَبْعَة والأطراف أَرْبَعَة والنواحي خمس وَأَرْبَعُونَ والمدائن عشرَة آلَاف والرساتيق مِائَتَا ألف وَسِتَّة وَخَمْسُونَ ألفا وَقيل المدن والحصون أحد وَعِشْرُونَ ألفا وسِتمِائَة مَدِينَة وحصن
فَفِي الإقليم الأول ثَلَاثَة آلَاف وَمِائَة مَدِينَة كَبِيرَة
وَفِي الثَّانِي أَلفَانِ وَسَبْعمائة وَثَلَاث عشر مَدِينَة وقرية كَبِيرَة
وَفِي الثَّالِث ثَلَاثَة آلَاف وتسع وَسَبْعُونَ مَدِينَة وقرية
وَفِي الرَّابِع وَهُوَ بابل أَلفَانِ وَتِسْعمِائَة وَأَرْبع وَسَبْعُونَ مَدِينَة
وَفِي الْخَامِس ثَلَاثَة آلَاف مَدِينَة وست مَدَائِن
وَفِي السَّادِس ثَلَاثَة آلَاف وَأَرْبع مائَة وَثَمَانُونَ مَدِينَة
وَفِي السَّابِع ثَلَاثَة آلَاف وثلاثمائة مَدِينَة فِي الجزائر
وَقَالَ الْخَوَارِزْمِيّ قطر الأَرْض سَبْعَة آلَاف فَرسَخ وَهُوَ نصف سدس الأَرْض وَالْجِبَال والمفاوز والبحار وَالْبَاقِي خراب يباب
стр. 162
لَا نَبَات فِيهِ وَلَا حَيَوَان وَقيل الْمَعْمُور من الأَرْض مثل طَائِر رَأسه الصين والجناح الْأَيْمن الْهِنْد والسند والجناح الْأَيْسَر الخزر وصدره مَكَّة وَالْعراق وَالشَّام وذنبه الغرب وَقيل قطر الأَرْض سَبْعَة آلَاف وَأَرْبَعمِائَة وَأَرْبَعَة عشر ميلًا ودورها عشرُون ألف ميل وَأَرْبَعمِائَة ميل وَذَلِكَ جَمِيع مَا أحاطت بِهِ من بر وبحر
وَقَالَ أَبُو زيد أَحْمد بن سهل الْبَلْخِي طول الأَرْض من أقْصَى الْمشرق إِلَى أقْصَى الْمغرب نَحْو أَرْبَعمِائَة مرحلة وعرضها من حَيْثُ الْعمرَان الَّذِي من جِهَة الشمَال وَهُوَ مسَاكِن يَأْجُوج وَمَأْجُوج إِلَى حَيْثُ الْعمرَان الَّذِي من جِهَة الْجنُوب وَهُوَ مسَاكِن السودَان مِائَتَان وَعِشْرُونَ مرحلة وَمَا بَين براري يَأْجُوج وَمَأْجُوج إِلَى الْبَحْر الْمُحِيط فِي الشمَال وَمَا بَين براري السودَان وَالْبَحْر الْمُحِيط فِي الْجنُوب خراب لَيْسَ فِيهِ عمَارَة
وَيُقَال أَن مَسَافَة ذَلِك خَمْسَة آلَاف فَرسَخ وَهَذِه أَقْوَال لَا دَلِيل على صدقهَا وَالطَّرِيق فِي معرفَة مساحة الأَرْض أَنا لَو سرنا على خطّ نصف النَّهَار من الْجنُوب إِلَى الشمَال بِقدر ميل دَائِرَة معدل النَّهَار عَن سمت رؤوسنا إِلَى الْجنُوب دَرَجَة من درج الْفلك الَّتِي هِيَ جُزْء من ثَلَاثمِائَة وَسِتِّينَ جُزْءا وارتفع القطب علينا دَرَجَة نَظِير تِلْكَ الدرجَة فَإنَّا نعلم أَنا قد قَطعنَا من مُحِيط جرم الأَرْض جُزْءا من ثَلَاثمِائَة وَسِتِّينَ جُزْءا وَهُوَ نَظِير ذَلِك الْجُزْء من الْفلك فَلَو قسنا من ابْتِدَاء مسيرنا إِلَى انْتِهَاء مَكَاننَا الَّذِي وصلنا إِلَيْهِ حَيْثُ ارْتَفع القطب علينا دَرَجَة فَإنَّا نجد حَقِيقَة الدرجَة الْوَاحِدَة من الْفلك قد قطعت من الأَرْض سِتَّة وَخمسين ميلًا وثلثي ميل مِنْهَا خَمْسَة وَعِشْرُونَ فرسخا فَإِذا ضربنا حِصَّة الدرجَة الْوَاحِدَة وَهُوَ مَا ذكر من الأميال فِي ثَلَاثمِائَة وَسِتِّينَ خرج من الضَّرْب عشرُون ألفا وَأَرْبَعمِائَة ميل وَذَلِكَ مساحة دور الأَرْض فَإِذا قسمنا هَذِه الأميال الَّتِي هِيَ مساحة دور الأَرْض على ثَلَاثَة وَسبع خرج من الْقِسْمَة سِتَّة آلَاف وَأَرْبَعمِائَة وَأَرْبَعُونَ ميلًا وَهِي مساحة قطر الأَرْض فَلَو ضربنا هَذَا الْقطر فِي مبلغ دور الأَرْض لبلغت مساحة بسط الأَرْض بالتكسير مائَة ألف ألف واثنتين وَثَلَاثِينَ ألف ألف وسِتمِائَة ألف ميل بالتقريب فعلى هَذَا مساحة ربع
стр. 163
الأَرْض المسكون بالتكسير ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ ألف ألف ميل وَمِائَة وَخَمْسُونَ ألف ميل وَعرض المسكون من هَذَا الرّبع بِقدر بعد مدَار السرطان عَن القطب وَهُوَ خَمْسَة وَخَمْسُونَ جُزْءا وَسدس جُزْء وَهَذَا هُوَ سدس الأَرْض وانتهاؤه إِلَى جَزِيرَة تولي فِي بريطانية وَهِي آخر الْمَعْمُور من الشمَال وَهُوَ من الأميال ثَلَاثَة آلف وَسَبْعمائة وَأَرْبَعَة وَسِتُّونَ ميلًا فَإِذا ضربنا هَذَا السُّدس الَّذِي هُوَ مساحة عرض الأَرْض فِي النّصْف وَهُوَ مِقْدَار الطول كَانَ الْمَعْمُور من الشمَال قدر نصف ثلث الأَرْض وَأما الطول فَإِنَّهُ يقل لتضايق أَقسَام كرة الأَرْض ومقداره مثل خمس الدّور وَهُوَ بالتقريب أَرْبَعَة آلَاف وَثَمَانُونَ ميلًا وَفِي الرّبع المسكون من الأَرْض سَبْعَة أبحر كبار وَفِي كل بَحر مِنْهَا عدَّة جزائر وَفِيه خمس عشرَة بحيرة مِنْهَا ملح وعذب وَفِيه مِائَتَا جبل طوال وَمِائَتَا نهر وَأَرْبَعُونَ نَهرا طوَالًا ويشتمل على سَبْعَة أقاليم تحتوي على سَبْعَة عشر ألف مَدِينَة كَبِيرَة
وَقَالَ فِي كتاب هروشيوس لما استقامت طَاعَة بوليس الملقب قَيْصر الْملك فِي عَامَّة الدُّنْيَا تخير أَرْبَعِينَ من الفلاسفة سماهم فَأَمرهمْ أَن يَأْخُذُوا لَهُ وصف حُدُود الدُّنْيَا وعدة بحارها وكورها أَربَاعًا فولى أحدهم أَخذ وصف جُزْء الْمشرق وَولى آخر أَخذ وصف جُزْء الْمغرب وَولى الثَّالِث أَخذ وصف جُزْء الشمَال وَولى الرَّابِع أَخذ وصف جُزْء الْجنُوب فتمت كِتَابَة الْجَمِيع على أَيْديهم فِي نَحْو من ثَلَاثِينَ سنة فَكَانَت جملَة الْبحار الْمُسَمَّاة فِي الدُّنْيَا تِسْعَة وَعشْرين بحرا قد سَموهَا مِنْهَا بِجُزْء الشرق ثَمَانِيَة وبجزء الغرب ثَمَانِيَة وبجزء الشمَال أحد عشر وبجزء الْجنُوب اثْنَان وعدة الجزائر الْمَعْرُوفَة الْأُمَّهَات إِحْدَى وَسَبْعُونَ جَزِيرَة مِنْهَا فِي الشرق ثَمَان وَفِي الغرب سِتّ عشرَة وَفِي جِهَة الشمَال إِحْدَى وَثَلَاثُونَ وَفِي جِهَة الْجنُوب سِتّ عشر
وعدة الْجبَال الْكِبَار الْمَعْرُوفَة فِي جَمِيع الدُّنْيَا سِتَّة وَثَلَاثُونَ وَهِي أُمَّهَات الْجبَال وَقد سَموهَا فِيمَا فسروه مِنْهَا فِي جِهَة الْمشرق سَبْعَة وَفِي جِهَة الغرب خَمْسَة عشر وَفِي الشمَال اثْنَا عشر وَفِي الْجنُوب اثْنَان والبلدان الْكِبَار ثَلَاثَة وَسِتُّونَ مِنْهَا فِي الشرق سَبْعَة وَفِي الْمغرب خَمْسَة
стр. 164
وَعِشْرُونَ وَفِي الشمَال تِسْعَة عشر وَفِي الْجنُوب اثْنَا عشر وَقد سَموهَا
والكور الْكِبَار الْمَعْرُوفَة تسع ومائتان مِنْهَا فِي الْمشرق خمس وَسَبْعُونَ وَفِي الْمغرب سِتّ وَسِتُّونَ وَفِي الشمَال سِتّ وَفِي الْجنُوب اثْنَان وَسِتُّونَ
والأنهار الْكَبِيرَة الْمَعْرُوفَة فِي جَمِيع الدُّنْيَا سِتَّة وَخَمْسُونَ مِنْهَا لجزء الشرق سَبْعَة عشر ولجزء الغرب ثَلَاثَة عشر ولجزء الشمَال تِسْعَة عشر ولجزء الْجنُوب سَبْعَة
ثمَّ إِن المخبرين عَن هَذَا الْمَعْمُور وحدوده وَمَا فِيهِ من الْأَمْصَار والمدن وَالْجِبَال والبحار والأنهار والقفار والرمال مثل بطليموس فِي كتاب الجغرافيا وَصَاحب كتاب زجار من بعده قسموا هَذَا الْمَعْمُور بسبعة أَقسَام يسمونها الأقاليم السَّبْعَة بحدود وهمية بَين الْمشرق وَالْمغْرب مُتَسَاوِيَة فِي الْعرض مُخْتَلفَة فِي الطول وَقَالُوا الأقاليم السَّبْعَة كل إقليم مِنْهَا كَأَنَّهُ بِسَاط مفروش قد مد طوله من الشرق إِلَى الغرب وَعرضه من الشمَال إِلَى الْجنُوب وَهَذِه الأقاليم مُخْتَلفَة الطول وَالْعرض
فالإقليم الأول أطول مِمَّا بعده وَكَذَا الثَّانِي إِلَى آخرهَا فَيكون السَّابِع أقصر لما اقْتَضَاهُ وضع الدائرة الناشئة من انحسار المَاء عَن كرة الأَرْض وكل وَاحِد من هَذِه الأقاليم عِنْدهم منقسم بِعشْرَة أَجزَاء من الْمغرب إِلَى الْمشرق على التوالي وَفِي كل جُزْء الْخَبَر عَن أَحْوَاله وأحوال عمرانه فالإقليم الأول مِنْهَا يمر وَسطه بالمواضع الَّتِي طول نَهَارهَا الأطول ثَلَاث عشرَة سَاعَة وَالسَّابِع مِنْهَا يمر وَسطه بالمواضع الَّتِي طول نَهَارهَا الأطول سِتّ عشرَة سَاعَة لِأَن مَا حَاذَى حد الإقليم الأول إِلَى نَحْو الْجنُوب يشْتَمل عَلَيْهِ الْبَحْر وَلَا عمَارَة فِيهِ وَمَا حَاذَى الإقليم السَّابِع إِلَى الشمَال لَا يعلم فِيهِ عمَارَة فَجعل طول الأقاليم السَّبْعَة من الشرق إِلَى الغرب مَسَافَة اثْنَتَيْ عشر سَاعَة من دور الْفلك وَصَارَت عروضها تتفاضل نصف سَاعَة من سَاعَات النَّهَار الأطول فأطولها وأعرضها
الإقليم الأول وَطوله من الْمشرق إِلَى الْمغرب نَحْو ثَلَاثَة آلَاف فَرسَخ وَعرضه من الشمَال إِلَى الْجنُوب مائَة وَخَمْسُونَ فرسخا وأقصرها طولا وعرضا
стр. 165
الإقليم السَّابِع وَطوله من الشرق إِلَى الغرب ألف وَخَمْسمِائة فَرسَخ وَعرضه من الشمَال إِلَى الْجنُوب نَحْو من سبعين فرسخا وَبَقِيَّة الأقاليم الْخَمْسَة فِيمَا بَين ذَلِك
وَهَذِه الأقاليم خطوط متوهمة لَا وجود لَهَا فِي الْخَارِج وَضعهَا القدماء الَّذين جالوا فِي الأَرْض ليقفوا على حَقِيقَة حُدُودهَا ويتيقنوا مَوَاضِع الْبلدَانِ مِنْهَا ويعرفوا طرق مسالكها هَذَا حَال الرّبع المسكون
وَأما الثَّلَاثَة الأرباع فَإِنَّهَا خراب فجهة الشمَال وَاقعَة تَحت مدَار الجدي قد أفرط هُنَاكَ الْبرد وَصَارَت سِتَّة أشهر لَيْلًا مستمرا وَهِي مُدَّة الشتَاء عِنْدهم لَا يعرف فِيهَا نَهَار وَيظْلم الْهَوَاء ظلمَة شَدِيدَة وتجمد الْمِيَاه لقُوَّة الْبرد فَلَا يكون هُنَاكَ نَبَات وَلَا حَيَوَان
ويقابل هَذِه الْجِهَة الشمالية نَاحيَة الْجنُوب حَيْثُ مدَار سُهَيْل فَيكون النَّهَار سِتَّة أشهر بِغَيْر ليل وَهِي مُدَّة الصَّيف عِنْدهم فيحمى الْهَوَاء وَيصير سموما محرقة يهْلك بشد حره الْحَيَوَان والنبات فَلَا يُمكن سلوكه وَلَا السُّكْنَى فِيهِ
وَأما نَاحيَة الغرب فَيمْنَع الْبَحْر الْمُحِيط من السلوك فِيهِ لتلاطم أمواجه وَشدَّة ظلماته وناحية الشرق تمنع من سلوكه الْجبَال الشامخة وَصَارَ النَّاس أجمعهم قد انحصروا فِي الرّبع المسكون من الأَرْض وَلَا علم لأحد مِنْهُم بِالْأَرْضِ أَي بِالثَّلَاثَةِ الأرباع الْبَاقِيَة وَالْأَرْض كلهَا بِجَمِيعِ مَا عَلَيْهَا من الْجبَال والبحار نسبتها إِلَى الْفلك كنقطة فِي دَائِرَة وَقد اعْتبرت حُدُود الأقاليم السَّبْعَة بساعات النَّهَار وَذَلِكَ أَن الشَّمْس إِذا حلت بِرَأْس الْحمل تَسَاوِي طول النَّهَار وَاللَّيْل فِي سَائِر الأقاليم كلهَا فَإِذا انْتَقَلت فِي دَرَجَات برج الْحمل والثور والجوزاء اخْتلفت سَاعَات نَهَار كل إقليم فَإِذا بلغت آخر الجوزاء وَأول برج السرطان بلغ طول النَّهَار فِي وسط الأقليم الأول ثَلَاث عشرَة سَاعَة سَوَاء وَصَارَت فِي وسط الإقليم الثَّانِي ثَلَاث عشرَة سَاعَة وَنصف سَاعَة وَفِي وسط الأقليم الثَّالِث أَربع عشرَة سَاعَة وَفِي وسط الأقليم الرَّابِع أَربع عشرَة سَاعَة وَنصف سَاعَة وَفِي وسط الأقليم الْخَامِس خمس عشرَة سَاعَة وَفِي وسط الأقليم السَّادِس خمس عشرَة سَاعَة وَنصف سَاعَة وَفِي وسط الأقليم السَّابِع سِتّ عشرَة سَاعَة سَوَاء
стр. 166
وَمَا زَاد على ذَلِك إِلَى عرض تسعين دَرَجَة يصير نَهَارا كُله وَمعنى طول الْبَلَد هُوَ بعْدهَا من أقْصَى الْعِمَارَة فِي الغرب وعرضها هُوَ بعْدهَا عَن خطّ الإستواء وَخط الإستواء كَمَا تقدم هُوَ الْموضع الَّذِي يكون فِيهِ اللَّيْل وَالنَّهَار طول الزَّمَان سَوَاء فَكل بلد على هَذَا الْخط لَا عرض لَهُ وكل بلد فِي أقْصَى الغرب لَا طول لَهُ وَمن أقْصَى الغرب إِلَى أقْصَى الشرق مائَة وَثَمَانُونَ دَرَجَة وكل بلد يكون طوله تسعين دَرَجَة فَإِنَّهُ فِي وسط مَا بَين الشرق والغرب وكل بلد كَانَ طوله أقل من تسعين دَرَجَة فَإِنَّهُ أقرب إِلَى الغرب وَأبْعد من الشرق وَمَا كَانَ طوله من الْبِلَاد أَكثر من تسعين دَرَجَة فَإِنَّهُ أبعد من الغرب وَأقرب إِلَى الشرق
فقد ذكر القدماء أَن الْعَالم السفلي مقسوم سَبْعَة أَقسَام كل قسم يُقَال لَهُ إقليم فإقليم الْهِنْد لزحل وإقليم بابل للْمُشْتَرِي وإقليم التّرْك للمريخ وإقليم الرّوم للشمس وقليم مصر لعطارد وإقليم الصين للقمر
وَقَالَ قوم الْحمل وَالْمُشْتَرِي لبابل والجدي وَعُطَارِد للهند والأسد والمريخ للترك وَالْمِيزَان وَالشَّمْس للروم ثمَّ صَارَت السّنة على اثْنَي عشر برجا فالحمل ومثلاه للمشرق والثور ومثلاه للجنوب والجوزاء ومثلاها للمغرب والسرطان ومثلاه للشمال
قَالُوا وَفِي كل إقليم مدينتان عظيمتان يحْسب بَين كل كَوْكَب إِلَّا إقليم الشَّمْس وإقليم الْقَمَر فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي كل إقليم مِنْهُمَا سوى مَدِينَة وَاحِدَة عَظِيمَة وَجَمِيع مَدَائِن الأقاليم السَّبْعَة وحصونها أحد وَعِشْرُونَ ألف مَدِينَة وست مائَة مَدِينَة وحصن بِقدر دقائق درج الْفلك
وَقَالَ هرمس إِذا جعلت هَذِه الدقائق روابع كَانَت أنَاس هَذِه الأقاليم وَإِذا مَاتَ أحد ولد نَظِيره وَيُقَال أَن عدد مدن الإقليم الأول من مطلع الشَّمْس وقراها ثَلَاثَة آلَاف وَمِائَة مَدِينَة وقرية كَبِيرَة وان فِي الثَّانِي أَلفَيْنِ وَسَبْعمائة وَثَلَاث عشر مَدِينَة وقرية كَبِيرَة وَفِي الثَّالِث ثَلَاثَة آلَاف وتسع وَسَبْعُونَ وَفِي الرَّابِع وَهُوَ بابل أَلفَانِ وَتِسْعمِائَة وَأَرْبع وَسَبْعُونَ وَفِي الْخَامِس ثَلَاثَة آلَاف وست مدن وَفِي السَّادِس
стр. 167
ثَلَاثَة آلَاف وَأَرْبَعمِائَة وثمان مدن وَفِي السَّابِع ثَلَاثَة آلَاف وثلاثمائة مَدِينَة وقرية كَبِيرَة فِي الجزائر
ثمَّ إِن الأول وَالثَّانِي من الأقاليم المعمورة أقل عمرانا مِمَّا بعدهمَا وَمَا وجد من عمرانه فيتخلله الْخَلَاء والقفار والرمال وَالْبَحْر الْهِنْدِيّ الَّذِي فِي الشرق مِنْهُمَا وأمم هذَيْن الإقليمين وأناسيهما لَيست لَهُم الْكَثْرَة الْبَالِغَة وأمصاره ومدنه كَذَلِك وَالثَّالِث وَالرَّابِع وَمَا بعدهمَا بِخِلَاف ذَلِك فالقفار فِيهَا قَليلَة والرمال كَذَلِك أَو مَعْدُومَة وأممها وأناسيها تجوز الْحَد من الْكَثْرَة وأمصارها ومدنها تجَاوز الْحَد والعمران فِيهَا مندرج مَا بَين الثَّالِث وَالسَّادِس والجنوب خلاء كُله وَقد ذكر كثير من الْحُكَمَاء أَن ذَلِك لإفراط الْحر وَقلة ميل الشَّمْس فِيهَا عَن سمت الرؤوس
وَقد أوضح ذَلِك ابْن خلدون ببرهانه ويتبين مِنْهُ سَبَب كَثْرَة الْعِمَارَة فِيمَا بَين الثَّالِث وَالرَّابِع من جَانب الشمَال إِلَى الْخَامِس وَالسَّابِع
فالإقليم الأول يمر وَسطه بالمواضع الَّتِي طول نَهَارهَا الأطول ثَلَاث عشر سَاعَة ويرتفع القطب الشمالي فِيهَا عَن الْأُفق سِتّ عشرَة دَرَجَة وَثلثا دَرَجَة وَهُوَ الْعرض وانتهاء عرض هَذَا الإقليم من حَيْثُ يكون طول النَّهَار الأطول فِيهِ ثَلَاث عشرَة سَاعَة وَربع سَاعَة وارتفاع القطب الشمالي وَهُوَ الْعرض عشرُون دَرَجَة وَنصف دَرَجَة وَهُوَ مَسَافَة أَرْبَعمِائَة وَأَرْبَعين ميلًا وابتداؤه من أقْصَى بِلَاد الصين فيمر فِيهَا إِلَى مَا يَلِي الْجنُوب ويمر بسواحل الْهِنْد ثمَّ بِبِلَاد السَّنَد ويمر فِي الْبَحْر على جَزِيرَة الْعَرَب وَأَرْض الْيمن وَيقطع بَحر القلزم فيمر بِبِلَاد الْحَبَشَة وَيقطع نيل مصر إِلَى بِلَاد ومدينة دنقله من أَرض النّوبَة ويمر فِي أَرض الْمغرب على جنوب البربر إِلَى نَحْو الْبَحْر الْمُحِيط وَفِي هَذَا الإقليم عشرُون جبلا فِيهَا مَا طوله من عشْرين فرسخا إِلَى ألف فَرسَخ وَفِيه ثَلَاثُونَ نَهرا طَويلا مِنْهَا مَا طوله ألف فَرسَخ إِلَى عشْرين فرسخا وَفِيه خَمْسُونَ مَدِينَة كَبِيرَة
стр. 168
وَعَامة أهل هَذَا والإقليم سود الألوان وَلِهَذَا الإقليم من البروج الْحمل والقوس وَله من الْكَوَاكِب السيارة المُشْتَرِي وَهُوَ مَعَ فرط حرارته كثير الْمِيَاه كثير المروج وَزرع أَهله الذّرة والأرز إِلَّا أَن الِاعْتِدَال عِنْدهم مَعْدُوم فَلَا يُثمر عِنْدهم كرم وَلَا حِنْطَة وَالْبَقر عِنْدهم كثير لِكَثْرَة المروج وَفِي مشرقه الْبَحْر الْخَارِج وَرَاء خطّ الاسْتوَاء بِثَلَاث عشرَة دَرَجَة وَفِي مغربه النّيل وبحر الغرب وَمن هَذَا الإقليم يَأْتِي نيل مصر وشرقهم معمور بالبحر الشَّرْقِي الَّذِي هُوَ بَحر الْهِنْد واليمن وَهَذَا الإقليم مار من الْمغرب إِلَى الْمشرق مَعَ خطّ الاسْتوَاء بحده من جِهَة الْجنُوب وَلَيْسَ وَرَاء هُنَالك إِلَّا القفار والرمال وَبَعض عمَارَة إِن صحت فَهِيَ كل عمَارَة ويليه من جِهَة شِمَاله الإقليم الثَّانِي ثمَّ الثَّالِث كَذَلِك ثمَّ الرَّابِع وَالْخَامِس وَالسَّادِس وَالسَّابِع وَهُوَ آخر الْعمرَان من جِهَة الشمَال وَلَيْسَ وَرَاء السَّابِع إِلَّا الْخَلَاء والقفار إِلَى أَن يَنْتَهِي إِلَى الْبَحْر الْمُحِيط كالحال فِي مَا وَرَاء الإقليم الأول فِي جِهَة الْجنُوب إِلَّا أَن الْخَلَاء فِي جِهَة الشمَال أقل بِكَثِير من الْخَلَاء الَّذِي فِي جِهَة الْجنُوب
ثمَّ إِن أزمنة اللَّيْل وَالنَّهَار تَتَفَاوَت فِي هَذِه الأقاليم بِسَبَب ميل الشَّمْس عَن دَائِرَة معدل النَّهَار وارتفاع القطب الشمالي عَن آفاقها فيتفاوت قَوس النَّهَار وَاللَّيْل لذَلِك كَمَا ذكرنَا وَفِيه من جِهَة غربه الجزائر الخالدات الَّتِي مِنْهَا بَدَأَ بطليموس بِأخذ أطوال الْبِلَاد وَلَيْسَت فِي بسيط الإقليم وَإِنَّمَا هِيَ فِي الْبَحْر الْمُحِيط جزر متكثرة أكبرها وأشهرها ثَلَاثَة وَيُقَال إِنَّهَا معمورة
الإقليم الثَّانِي حَيْثُ يكون طول النَّهَار الأطول ثَلَاث عشرَة سَاعَة وَنصف ويرتفع القطب الشمالي فِيهِ قدر أَرْبَعَة وَعشْرين جُزْءا وَعشر جُزْء وَعرضه من حد الإقليم الأول إِلَى حَيْثُ يكون النَّهَار الأطول ثَلَاث عشرَة سَاعَة وَنصف وَربع وارتفاع القطب الشمالي وَهُوَ الْعرض سَبْعَة وَعِشْرُونَ دَرَجَة وَنصف دَرَجَة ومساحة هَذَا الإقليم أَرْبَعمِائَة ميل ويبتدئ من بِلَاد الْمشرق مارا بِبِلَاد الصين إِلَى بِلَاد الْهِنْد والسند ثمَّ بملتقى الْبَحْر الْأَخْضَر وبحر الْبَصْرَة وَيقطع جَزِيرَة الْعَرَب قي أَرض نجد
стр. 169
وتهامة فَيدْخل فِي هَذَا الإقليم الْيَمَامَة والبحران وهجر مَكَّة وَالْمَدينَة والطائف وَأَرْض الْحجاز وَيقطع بَحر القلزم فيمر بصعيد مصر الْأَعْلَى وَيقطع النّيل فَيصير فِيهِ مَدِينَة قوص واخميم واسنا وانصنا وأسوان ويمر فِي أَرض الْمغرب على وسط بِلَاد إفريقية فيمر على بِلَاد البربر إِلَى الْبَحْر فِي الْمغرب وَفِي هَذَا الإقليم سَبْعَة عشر جبلا وَسَبْعَة عشر نَهرا طوَالًا وَأَرْبَعمِائَة وَخَمْسُونَ مَدِينَة كَبِيرَة وألوان أهل هَذَا الإقليم مَا بَين السمرَة والسواد وَله من البروج الجدي وَمن السيارة زحل ويسكن هَذَا الإقليم الرحالة فَفِي الْمغرب حدالة وصنهاجة ولمتونة ومسوفة ويتصل بهم رحالة مصر من أَلْوَاح وَفِي هَذَا الإقليم يكون نخل وَفِيه مَكَّة وَالْمَدينَة وَمن السماوة من أهل الْعرَاق إِلَى رحالة التّرْك وَهُوَ مُتَّصِل بِالْأولِ من جِهَة الشمَال وقبالة الْمغرب مِنْهُ فِي الْبَحْر الْمُحِيط جزيرتان من الجزائر الخالدات
الإقليم الثَّالِث وَسطه حَيْثُ يكون النَّهَار الأطول أَربع عشرَة سَاعَة وارتفاع القطب وَهُوَ الْعرض ثَلَاثُونَ دَرَجَة وَنصف وَخمْس دَرَجَة وَعرض هَذَا الإقليم من حد الإقليم الثَّانِي إِلَى حَيْثُ يكون النَّهَار الأطول أَربع عشرَة سَاعَة وَربع سَاعَة وارتفاع القطب وَهُوَ الْعرض ثَلَاث وَثَلَاثُونَ دَرَجَة ومسافته ثَلَاثمِائَة وَخَمْسُونَ ميلًا ويبتدىء من الشرق فيمر بشمال الصين وبلاد الْهِنْد وَفِيه مَدِينَة الهندهار ثمَّ بشمال السَّنَد وبلاد كابل وكرمان وسبحستان إِلَى سواحل بَحر الْبَصْرَة وَفِيه اصطخر وسابور وشيراز وسيراف ويمر بالأهواز وَالْعراق وَالْبَصْرَة وواسط وبغداد والكوفة والأنبار وهيت ويمر بِبِلَاد الشَّام إِلَى سلمية وصور وعكا ودمشق وطبرية وقيسارية وَبَيت الْمُقَدّس وعسقلان وغزة ومدين والقلزم وَيقطع أَسْفَل أَرض مصر من شمال انصنا إِلَى فسطاط مصر وسواحل الْبَحْر وَفِيه الفيوم والاسكندرية والفرما وتنيس ودمياط ويمر بِبِلَاد برقة إِلَى افريقية فَيدْخل فِيهِ القيروان وَيَنْتَهِي فِي الْبَحْر إِلَى الغرب وَبِهَذَا الإقليم ثَلَاث وَثَلَاثُونَ جبلا كبارًا وَاثْنَانِ وَعِشْرُونَ نَهرا طوَالًا وَمِائَة وَثَمَانِية وَعِشْرُونَ مَدِينَة وَأَهله سمر الألوان وَله من البروج
стр. 170
الْعَقْرَب وَمن السيارة الزهرة وَفِي هَذَا الإقليم العمائر المتواصلة من أَوله إِلَى آخِره وَهُوَ مُتَّصِل بِالثَّانِي من جِهَة الشمَال
والإقليم الرَّابِع وَسطه حَيْثُ يكون النَّهَار الأطول أَربع عشرَة سَاعَة وَنصف سَاعَة وارتفاع القطب الشمالي وَهُوَ الْعرض سِتّ وَثَلَاثُونَ دَرَجَة وَخمْس دَرَجَة وحد هَذَا الإقليم من حد الإقليم الثَّالِث إِلَى حَيْثُ يكون النَّهَار الأطول أَربع عشرَة سَاعَة وَنصف وَربع سَاعَة وَالْعرض تسعا وَعشْرين دَرَجَة وَثلث دَرَجَة ومسافة هَذَا الإقليم ثَلَاثمِائَة ميل ويبتدىء من الشرق فيمر بِبِلَاد التبت وخرسان وخجنده وفرغانة سَمَرْقَنْد وبخارى وهراة ومرو والرود وسرخس وطوس ونيسابور وجرجان وقومس وطبرستان وقزوين والديلم والري واصفهان وهمدان ونهاوند ودينور والموصل ونصيبين وآمد وَرَأس الْعين وشميساط والرقة ويمر بِبِلَاد الشَّام فَيدْخل فِيهِ بالس وَمسح ولمطية وحلب وإنطاكية وطرابلس والصيصة وحماة وصيدا وطرطوس وعمورية واللاذقية وَيقطع بَحر الشَّام على جَزِيرَة قبرس ورودس ويمر بِبِلَاد طنجة فينتهي إِلَى بَحر الْمغرب وَفِي هَذَا الإقليم خَمْسَة وَعِشْرُونَ جبلا كبارًا وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ نَهرا طوَالًا وَمِائَتَا مَدِينَة واثنتا عشرَة مَدِينَة وألوان أَهله مَا بَين السمرَة وَالْبَيَاض وَله من البروج الجوزاء وَمن السيارة عُطَارِد وَفِيه الْبَحْر الرُّومِي من مغربه إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَمن هَذَا الإقليم ظَهرت الْأَنْبِيَاء وَالرسل صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَمِنْه انْتَشَر الْحُكَمَاء وَالْعُلَمَاء فَإِنَّهُ وسط الأقاليم ثَلَاثَة جنوبية وَثَلَاثَة شمالية وَهُوَ فِي قسم الشَّمْس وَبعده فِي الْفَضِيلَة الإقليم الثَّالِث وَالْخَامِس فَإِنَّهُمَا على جَنْبَيْهِ وَبَقِيَّة الأقاليم منحطة أهلوها ناقصون ومنحطون عَن الْفَضِيلَة لسماجة صورهم وتوحش أَخْلَاقهم كالزنج والحبشة وَأكْثر أُمَم الإقليم الأول وَالثَّانِي وَالسَّادِس وَالسَّابِع يَأْجُوج وَمَأْجُوج والتغرغر والصقالبة وَنَحْوهم وَهُوَ مُتَّصِل بالثالث من جِهَة الشمَال
والإقليم الْخَامِس وَسطه حَيْثُ يكون النَّهَار الأطول خمس عشرَة سَاعَة وارتفاع القطب الشمالي وَهُوَ الْعرض إِحْدَى وَأَرْبَعُونَ دَرَجَة
стр. 171
وَثلث دَرَجَة وابتداؤه من نِهَايَة عرض الإقليم الرَّابِع إِلَى حَيْثُ يكون النَّهَار الأطول خمس عشر سَاعَة وَنصف سَاعَة وَالْعرض ثَلَاثًا وَأَرْبَعين دَرَجَة ومسافته خَمْسُونَ وَمِائَتَا ميل ويبتدئ من الْمشرق إِلَى بِلَاد يَأْجُوج وَمَأْجُوج ويمر بشمال خُرَاسَان وَفِيه خوارزم واسبيجاب وآذربيجان وبردعة وسجستان واردن وخلاط ويمر على بِلَاد الرّوم إِلَى رُومِية الْكُبْرَى والأندلس حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى الْبَحْر الَّذِي فِي الْمغرب وَفِي هَذَا الإقليم من الْجبَال الطوَال ثَلَاثُونَ جبلا وَمن الْأَنْهَار الْكِبَار خَمْسَة عشر نَهرا وَمن الْمَدَائِن الْكِبَار مِائَتَا مَدِينَة وَأكْثر أَهله بيض الألوان وَله من البروج الدَّلْو وَمن السيارة الْقَمَر
والإقليم السَّادِس وَسطه حَيْثُ يكون النَّهَار الأطول خمس عشرَة سَاعَة وَنصف وارتفاع القطب الشمالي وَهُوَ الْعرض خمْسا وَأَرْبَعين دَرَجَة وخمسي دَرَجَة وابتداؤه من حد نِهَايَة عرض الاقليم الْخَامِس إِلَى حَيْثُ يكون النَّهَار الاطول خمس عشرَة سَاعَة وَنصف وَربع سَاعَة وَالْعرض سبعا وَأَرْبَعين دَرَجَة وَربع دَرَجَة ومسافة هَذَا الإقليم مِائَتَا ميل وَعشرَة أَمْيَال ويبتدئ من الْمشرق فيمر بمساكن التّرْك من الجرخير والتغرغر إِلَى بِلَاد الخزر من شمال تخومهم على اللان والشرير وَأَرْض برجان والقسطنطينية وشمال الأندلس إِلَى الْبَحْر الْمُحِيط الغربي وَفِي هَذِه الإقليم من الْجبَال الطوَال اثْنَان وَعِشْرُونَ جبلا وَمن الْأَنْهَار الطوَال اثْنَان وَثَلَاثُونَ نَهرا وَمن المدن الْكِبَار تسعون مَدِينَة وَأكْثر أهل هَذَا الإقليم ألوانهم مَا بَين الشقرة وَالْبَيَاض وَله من البروج السرطان وَمن السيارة المريخ
ولإقليم السَّابِع وَسطه حَيْثُ يكون النَّهَار الأطول سِتّ عشر سَاعَة سَوَاء وارتفاع القطب الشمالي وَهُوَ الْعرض ثَمَانِيَة وَأَرْبَعين دَرَجَة وثلثي دَرَجَة وَابْتِدَاء هَذَا الإقليم من حد نِهَايَة الإقليم السَّادِس إِلَى حَيْثُ يكون النَّهَار الأطول سِتّ عشرَة سَاعَة وَربع سَاعَة وَالْعرض خمسين دَرَجَة وَنصف دَرَجَة ومسافته مائَة وَخَمْسَة وَثَمَانُونَ ميلًا فَتبين أَن مَا بَين أول حد الإقليم الأول وَآخر حد الإقليم السَّابِع ثَلَاث سَاعَات وَنصف
стр. 172
وَأَن ارْتِفَاع القطب الشمالي ثَمَانِيَة وَثَلَاثُونَ دَرَجَة تكون من الأميال أَلفَيْنِ وَمِائَة وَأَرْبَعين ميلًا ويبتدئ الإقليم السَّابِع من الْمشرق على بِلَاد يَأْجُوج وَمَأْجُوج ويمر بِبِلَاد التّرْك على سواحل بَحر جرجان مَا يَلِي الشمَال وَيقطع بَحر الرّوم على بِلَاد جرجان والصقالبة إِلَى أَن يَنْتَهِي إِلَى الْبَحْر الْمُحِيط فِي الْمغرب وَبِهَذَا الإقليم عشرَة جبال طوال وَأَرْبَعُونَ نَهرا طوَالًا وَاثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ مَدِينَة كَبِيرَة وَأَهله شقر الألوان وَله من البروج الْمِيزَان وَمن السيارة الشَّمْس
وَفِي كل إقليم من هَذِه الأقاليم السَّبْعَة أُمَم مُخْتَلفَة الآلسن والألوان وَغير ذَلِك من الطبائع والأخلاق والآراء والديانات والمذاهب والعقائد والأعمال والصنائع والعادات والعبادات لَا يشبه بَعضهم بَعْضًا
وَكَذَلِكَ الْحَيَوَانَات والمعادن والنبات مُخْتَلفَة فِي الشكل والطعم واللون وَالرِّيح بِحَسب اخْتِلَاف أهوية الْبلدَانِ وتربة الْبِقَاع وعذوبة الْمِيَاه وملوحتها على مَا اقتضته طوالع كل بلد من البروج على أفقه وممر الْكَوَاكِب على مسامتة الْبِقَاع من الأَرْض ومطارح شعاعاتها على الْمَوَاضِع كَمَا هُوَ مقرّ فِي موَاضعه من كتب الْحِكْمَة ليتدبر أولو النَّهْي وَيعْتَبر ذَوُو الحجى بتدبير الله فِي خلقه وَتَقْدِيره لما يَشَاء وَفعله لما يُرِيد لَا إِلَه إِلَّا هُوَ
وَمَعَ ذَلِك فَإِن الرّبع المسكون من الأَرْض على تفَاوت أقطاره مقسوم بَين سبع أُمَم كبار وهم الصين والهند والسودان والبربر وَالروم وَالتّرْك وَالْفرس فجنوب مشرق الأَرْض فِي يَد الصين وشماله فِي يَد التّرْك ووسط جنوب الأَرْض فِي يَد الْهِنْد وَفِي وسط شمال الأَرْض الرّوم وَفِي جنوب مغرب الأَرْض السودَان وَفِي شمال مغرب الأَرْض البربر وَكَانَت الْفرس فِي وسط هَذِه الممالك قد أحاطت بهم الْأُمَم السِّت
стр. 173
ذكر المعتدل من الأقاليم والمنحرف
قد بَينا أَن الْمَعْمُور من هَذَا المنكشف من الأَرْض إِنَّمَا هُوَ وَسطه لإفراط الْحر فِي الْجنُوب مِنْهُ وَالْبرد فِي الشمَال وَلما كَانَ الجانبان من الشمَال والجنوب متضادين فِي الْحر وَالْبرد وَجب أَن تندرج الْكَيْفِيَّة من كليهمَا إِلَى الْوسط فَيكون معتدلا
فالإقليم الرَّابِع أعدل الْعمرَان وَالَّذِي حفافيه من الثَّالِث وَالْخَامِس أقرب إِلَى الإعتدال وَالَّذِي يليهما وَالثَّانِي وَالسَّادِس بعيدان من الإعتدال وَالْأول وَالسَّابِع أبعد بِكَثِير فَلهَذَا كَانَت الْعُلُوم والصنائع والمباني والملابس والأقوات والفواكه بل والحيوانات وَجَمِيع مَا يتكون فِي هَذِه الأقاليم الثَّلَاثَة المتوسطة مخصوصه بالإعتدال وسكانها من الْبشر أعدل أجساما وألوانا وأخلاقا وأديانا حَتَّى النبوات فَإِنَّمَا تُوجد فِي الْأَكْثَر فِيهَا وَلم نقف على خبر بَعثه فِي الأقاليم الجنوبية وَلَا الشمالية وَذَلِكَ أَن الْأَنْبِيَاء وَالرسل إِنَّمَا يخْتَص بهم أكمل النَّوْع فِي خلقهمْ وأخلاقهم قَالَ تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ وَذَلِكَ ليتم الْقبُول لما يَأْتِيهم بِهِ الْأَنْبِيَاء من عِنْد الله وَأهل هَذِه الأقاليم أكمل لوُجُود الإعتدال لَهُم فتجدهم على غَايَة من التَّوَسُّط فِي مساكنهم وملابسهم وأقواتهم وصنائعهم يتخذون الْبيُوت المنجدة بِالْحِجَارَةِ المنمقة بالصناعة ويتناغون فِي استجادة الْآلَات والمواعين ويذهبون فِي ذَلِك إِلَى الْغَايَة وتوجد لديهم الْمَعَادِن الطبيعية من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْحَدِيد والنحاس والرصاص والقصدير ويتصرفون فِي معاملاتهم بالنقدين العزيزين ويبعدون
стр. 174
عَن الانحراف فِي عَامَّة أَحْوَالهم وَهَؤُلَاء أهل الْمغرب وَالشَّام والحجاز واليمن والعراقين والهند والسند والصين وَكَذَلِكَ الأندلس وَمن قرب مِنْهَا من الفرنجة والجلالقة وَالروم واليونانيين وَمن كَانَ مَعَ هَؤُلَاءِ أَو قَرِيبا مِنْهُم فِي هَذِه الأقاليم المعتدلة وَلِهَذَا كَانَ الْعرَاق وَالشَّام أعدل هَذِه كلهَا لِأَنَّهَا وسط من جَمِيع الْجِهَات وَأما الأقاليم الْبَعِيدَة من الِاعْتِدَال مثل الأول وَالثَّانِي وَالسَّادِس وَالسَّابِع فأهلها أبعد من الِاعْتِدَال فِي جَمِيع أَحْوَالهم فبناؤهم بالطين والقصب وأقواتهم من الذّرة والعشب وملابسهم من أوراق الشّجر يخصفونها عَلَيْهِم أَو الْجُلُود وَأَكْثَرهم عرايا من اللبَاس وفواكه بِلَادهمْ وأدمها غَرِيبَة التكوين مائلة إِلَى الانحراف ومعاملاتهم بِغَيْر الحجرين الشريفين من نُحَاس أَو حَدِيد أَو جُلُود يقدرونها للمعاملات وأخلاقهم مَعَ ذَلِك قريبَة من خلق الْحَيَوَانَات الْعَجم حَتَّى ينْقل عَن الْكثير من السودَان أهل الإقليم الأول أَنهم يسكنون الكهوف والغياض ويأكلون العشب وَأَنَّهُمْ متوحشون غير مستأنسين يَأْكُل بَعضهم بَعْضًا وَكَذَا الصقالبة
وَالسَّبَب فِي ذَلِك أَنهم لبعدهم عَن الِاعْتِدَال يقرب عرض أمزجتهم وأخلاقهم من عرض الْحَيَوَانَات الْعَجم ويبعدون عَن الإنسانية بِمِقْدَار ذَلِك وَكَذَلِكَ أَحْوَالهم فِي الدّيانَة أَيْضا فَلَا يعْرفُونَ نبوة وَلَا يدينون بشريعة إِلَّا من قرب مِنْهُم من جَوَانِب الِاعْتِدَال وَهُوَ فِي الْأَقَل النَّادِر مثل الْحَبَشَة المجاورين الْيمن الدائنين بالنصرانية فِيمَا قبل الْإِسْلَام وَمَا بعده لهَذَا الْعَهْد وَمثل أهل مَالِي وكوكو والتكرور المجاورين لأرض الْمغرب الدائنين بِالْإِسْلَامِ لهَذَا الْعَهْد يُقَال أَنهم دانوا بِهِ فِي الْمِائَة السَّابِعَة وَمثل من دَان بالنصرانية من أُمَم الصقالبة والإفرنجة وَالتّرْك من الشمَال من سوى هَؤُلَاءِ من أهل تِلْكَ الأقاليم المنحرفة جنوبا وَشمَالًا فالدين مَجْهُول عِنْدهم وَالْعلم مَفْقُود بَينهم وَجَمِيع أَحْوَالهم بعيدَة من أَحْوَال الأناسي قريبَة من أَحْوَال الْبَهَائِم ﴿ويخلق مَا لَا تعلمُونَ﴾
وَلَا يعْتَرض على هَذَا القَوْل بِوُجُود الْيمن وحضرموت والأحقاف
стр. 175
وبلاد الْحجاز واليمامة وَمَا يَليهَا من جَزِيرَة الْعَرَب فِي الإقليم الأول وَالثَّانِي فَإِن جَزِيرَة الْعَرَب كلهَا أحاطت بهَا الْبحار من الْجِهَات الثَّلَاث فَكَانَ لرطوبتها أثر فِي رُطُوبَة هوائها فنقص ذَلِك من اليبس والانحراف الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْحر وَصَارَ فِيهِ بعض الِاعْتِدَال بِسَبَب رُطُوبَة الْبَحْر
وَقد توهم بعض النسابين مِمَّن لَا علم لَدَيْهِ بطبائع الكائنات أَن السودَان هم ولد حام بن نوح اختصوا بلون السوَاد لدَعْوَة كَانَت عَلَيْهِ من أبيد ظهر أَثَرهَا فِي لَونه وَفِيمَا جعل الله من الرّقّ فِي عقبه وينقلون فِي ذَلِك حِكَايَة من خرافات الْقصاص وَدُعَاء نوح على إبنه حام قد وَقع فِي التَّوْرَاة وَلَيْسَ فِيهِ ذكر السوَاد وَإِنَّمَا دَعَا عَلَيْهِ بِأَن يكون وَلَده عبيدا لولد أخوته لَا غير وَفِي القَوْل بنسبته السوَاد إِلَى حام غَفلَة عَن طبيعة الْحر وَالْبرد وأثرهما فِي الْهَوَاء وَفِيمَا يتكون فِيهِ من الْحَيَوَانَات وَذَلِكَ أَن هَذَا اللَّوْن شَمل أهل الإقليم الأول وَالثَّانِي من مزاج هوائهم للحرارة المتضاعفة بالجنوب فَإِن الشَّمْس تسامت رُؤْسهمْ مرَّتَيْنِ فِي كل سنة قريبَة أَحدهمَا من الْأُخْرَى فتطول المسامته عَامَّة الْفُصُول فيكثر الضَّوْء لأَجلهَا ويلج القيظ الشَّديد عَلَيْهِم وَتسود جُلُودهمْ لإفراط الْحر وَنَظِير هذَيْن الإقليمين مِمَّا يقابلهما من الشمَال الإقليم السَّابِع وَالسَّادِس شَمل سكانها أَيْضا الْبيَاض من مزاج هوائهم للبرد المفرط فِي الشمَال إِذْ الشَّمْس لَا تزَال بأفقهم فِي دَائِرَة مرأى الْعين أَو مَا قرب مِنْهَا وَلَا ترْتَفع إِلَى المسامتة وَلَا مَا قرب مِنْهَا فيضعف الْحر فِيهَا ويشتد الْبرد عَامَّة الْفُصُول فتبيض ألوان أَهلهَا وتنتهي إِلَى الزعورة وَيتبع ذَلِك مَا يَقْتَضِيهِ مزاج الْبرد المفرط من زرقة الْعُيُون وبرش الْجُلُود وصهوبة الشُّعُور
وتوسطت بَينهمَا الأقاليم الثَّلَاثَة الْخَامِس وَالرَّابِع وَالثَّالِث فَكَانَ لَهَا فِي الإعتدال الَّذِي هُوَ مزاج الْمُتَوَسّط حَظّ وافر وَالرَّابِع أبلغهَا فِي الإعتدال غَايَة لنهايتة فِي التَّوَسُّط فَكَانَ لأَهله من الإعتدال فِي خلقهمْ وخلقهم مَا اقْتَضَاهُ مزاج أهويتهم وَتَبعهُ عَن جانبيه الثَّالِث وَالْخَامِس وَإِن لم يبلغَا غَايَة التَّوَسُّط لميل هَذَا قَلِيلا إِلَى الْجنُوب الْحَار وَهَذَا قَلِيلا إِلَى الشمَال الْبَارِد إِلَّا أَنَّهُمَا لم ينتهيا إِلَى الإنحراف
стр. 176
وَكَانَت الأقاليم الْأَرْبَعَة منحرفة وَأَهْلهَا كَذَلِك فِي خلقهمْ وخلقهم فَالْأول وَالثَّانِي للْحرّ والسواد وَالسَّابِع وَالسَّادِس للبرد وَالْبَيَاض وَيُسمى سكان الْجنُوب من الإقليمين الأول وَالثَّانِي باسم الْحَبَشَة والزنج والسودان أَسمَاء مترادفة على الْأُمَم المتغيرة بِالسَّوَادِ
وَإِن كَانَ اسْم الْحَبَشَة مُخْتَصًّا مِنْهُم بِمن تجاه مَكَّة واليمن والزنج بِمن تجاه بَحر الْهِنْد وَلَيْسَت هَذِه الْأَسْمَاء لَهُم من أجل انتسابهم إِلَى آدَمِيّ أسود لَا حام وَلَا غَيره وَقد نجد من السودَان أهل الْجنُوب من يسكن الرّبع المعتدل أَو السَّبع المنحرف إِلَى الْبيَاض فتبيض ألوان أَعْقَابهم على التدريج مَعَ الْأَيَّام وَبِالْعَكْسِ فِي من يسكن من أهل الشمَال أَو الرَّابِع بالجنوب تسود ألوان أَعْقَابهم وَفِي ذَلِك دَلِيل على أَن اللَّوْن تَابع لمزاج الْهَوَاء قَالَ ابْن سينا أرجوزته فِي الطّلب
(بالزنج حر غير الأجسادا ... حَتَّى كسا جلودها سوادا)
(والصقلب اكْتسبت البياضا ... حَتَّى غذت جلودها بضاضا)
وَأما أهل الشمَال فَلم يسموا بِاعْتِبَار ألوانهم لِأَن الْبيَاض كَانَ لونا لأهل تِلْكَ اللُّغَة الواضعة للأسماء فَلم يكن فِيهِ غرابة يحمل على اعْتِبَاره فِي التَّسْمِيَة لموافقته واعتياده وَوجدنَا سكانه من التّرْك والصقالبة والتغرغر والخزر واللان وَالْكثير من الإفرنجة ويأجوج وَمَأْجُوج أَسمَاء مُتَفَرِّقَة وأجيالا مُتعَدِّدَة مسمين بأسماء متنوعة
وَأما أهل الأقاليم الثَّلَاثَة المتوسطة أهل الإعتدال فِي خلقهمْ وخلقهم وسيرهم وكافة الْأَحْوَال الطبيعية لإعتمار لديهم من المعاش والمساكن والصنائع والعلوم والرئاسات وَالْملك فَكَانَت فيهم النبوات وَالْملك والدول والشرائع والعلوم والبلدان والأمصار والمباني والفراسة والصنائع الفائقة وَسَائِر الْأَحْوَال المعتدلة
وَأهل هَذِه الأقاليم الَّتِي وقفنا على أخبارهم مثل الْعَرَب وَالروم وَفَارِس وَبني إِسْرَائِيل واليونان وَأهل السَّنَد والهند والصين وَلما رأى النسابون اخْتِلَاف هَذِه الْأُمَم بسماتها وشعارها حسبوا ذَلِك لأجل الْأَنْسَاب
стр. 177
فَجعلُوا أهل الْجنُوب كلهم السودَان من ولد حام وارتابوا فِي ألوانهم فتكفلوا نقل تِلْكَ الْحِكَايَة الْوَاهِيَة وَجعلُوا أهل الشمَال كلهم أَو أَكْثَرهم من ولد يافث وَأكْثر الْأُمَم المعتدلة وَأهل الْوسط المنتحلين للعلوم والصنائع والملل والشرائع والسياسة وَالْملك من ولد سَام
وَهَذَا الزَّعْم وَإِن صَادف الْحق فِي انتساب هَؤُلَاءِ فَلَيْسَ ذَلِك بِقِيَاس مطرد إِنَّمَا هُوَ أَخْبَار عَن الْوَاقِع لِأَن تَسْمِيَة أهل الْجنُوب بالسودان والحبشان من أجل انتسابهم إِلَى حام الْأسود وَمَا أداهم إِلَى هَذَا الْغَلَط إِلَّا اعْتِقَادهم أَن التَّمْيِيز بَين الْأُمَم إِنَّمَا يَقع بالأنساب فَقَط وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن التَّمْيِيز للجيل أَو الْأمة يكون بِالنّسَبِ فِي بَعضهم كَمَا للْعَرَب وَبني إِسْرَائِيل وَالْفرس وَيكون بالجهة والسمة كَمَا للزنج والحبشة والصقالبة والسودان وَيكون بالعوائد والشعار وَالنّسب كَمَا للْعَرَب وَيكون بِغَيْر ذَلِك من أَحْوَال الْأُمَم وخواصهم ومميزاتهم فتعميم القَوْل فِي أهل جِهَة مُعينَة من جنوب أَو شمال بِأَنَّهُم من ولد فلَان الْمَعْرُوف لما شملهم من نحلة أَو لون أَو سمة وجدت لذَلِك الْأَب إِنَّمَا هُوَ من الأغاليط الَّتِي وَقع فِيهَا الْغَفْلَة عَن طبائع الأكوان والجهات وَإِن هَذِه كلهَا تتبدل فِي الأعقاب وَلَا يجب اسْتِمْرَار سنة الله فِي عباده ﴿وَلنْ تَجِد لسنة الله تبديلا﴾ وَالله وَرَسُوله أعلم بغيبه وَأحكم وَهُوَ الْمولى الْمُنعم الرؤوف الرَّحِيم
стр. 178
ذكر الْمَسَاجِد الْعَظِيمَة فِي الْعَالم
أعلم أَن الله فضل من الأَرْض بقاعا اختصها بتشريفه وَجعلهَا مَوَاطِن الْعِبَادَة يُضَاعف فِيهَا الثَّوَاب وينمو بهَا الأجور وَأخْبرنَا بذلك على ألسن رسله وأنبيائه لطفا بعباده وتسهيلا لطرق السَّعَادَة لَهُم وَكَانَت الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة هِيَ أفضل بقاع الأَرْض حسب مَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَهِي مَكَّة وَالْمَدينَة وَبَيت الْمُقَدّس
أما الْبَيْت الْحَرَام الَّذِي بِمَكَّة فَهُوَ بَيت إِبْرَاهِيم ﵊ أمره الله ببنائه وَأَن يُؤذن فِي النَّاس بِالْحَجِّ إِلَيْهِ فبناه هُوَ وَابْنه إِسْمَاعِيل كَمَا نَصه الْقُرْآن وَقَامَ بِمَا أمره الله فِيهِ وَسكن إِسْمَاعِيل بِهِ مَعَ هَاجر وَمن نزل مَعَهم من جرهم إِلَى أَن قبضهما الله ودفنا بِالْحجرِ مِنْهُ
وَبَيت الْمُقَدّس بناه دَاوُد ﵇ وَسليمَان أَمرهمَا الله بِبِنَاء مَسْجده وَنصب هياكله وَدفن كثير من الْأَنْبِيَاء من ولد إِسْحَاق ﵇ حواليه
وَالْمَدينَة مهَاجر نَبينَا مُحَمَّد ﷺ أمره الله تَعَالَى بِالْهِجْرَةِ إِلَيْهَا وَإِقَامَة دين الْإِسْلَام بهَا فَبنى مَسْجده الْحَرَام بهَا وَكَانَ ملحده الشريف فِي تربَتهَا فَهَذِهِ الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة قُرَّة عين الْمُسلمين ومهوى أفئدتهم وعظمة دينهم وَفِي الْآثَار من ففضلها ومضاعفة الثَّوَاب فِي مجاورتها وَالصَّلَاة فِيهَا كثير مَعْرُوف فلنشر إِلَى شَيْء من الْخَبَر عَن أولية هَذِه الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة وَكَيف تدرجت أحوالها إِلَى أَن كمل ظُهُورهَا فِي الْعَالم
فَأَما مَكَّة فأوليتها فِيمَا يُقَال أَن آدم صلوَات الله عَلَيْهِ بناها قبالة الْبَيْت
стр. 179
الْمَعْمُور ثمَّ هدمها الطوفان بعد ذَلِك وَلَيْسَ فِيهِ خبر صَحِيح يعول عَلَيْهِ وَإِنَّمَا إقتبسوه من مَحل الْآيَة فِي قَوْله ﴿وَإِذ يرفع إِبْرَاهِيم الْقَوَاعِد من الْبَيْت وَإِسْمَاعِيل﴾ ثمَّ بعث الله إِبْرَاهِيم وَكَانَ من شَأْنه وشأن زَوجته سارة وغيرتها من هَاجر مَا هُوَ مَعْرُوف وَأوحى الله إِلَيْهِ أَن يتْرك ابْنه إِسْمَاعِيل وَأمه هَاجر بالفلاة فوضعهما فِي مَكَان الْبَيْت وَسَار عَنْهُمَا وَكَيف جعل الله لَهما من اللطف فِي نبع مَاء زَمْزَم ومرور الرّفْقَة من جرهم بهما حَتَّى احتملوهما وَسَكنُوا إِلَيْهِمَا ونزلوا مَعَهُمَا حوالي زَمْزَم كَمَا عرف فِي مَوْضِعه فَاتخذ إِسْمَاعِيل بِموضع الْكَعْبَة بَيْتا يأوي إِلَيْهِ وأدار عَلَيْهِ سياجا من الدوم وَجعله زربا لغنمه وَجَاء إِبْرَاهِيم صلوَات الله عَلَيْهِ مرَارًا لزيارته من الشَّام أَمر فِي آخرهَا بِبِنَاء الْكَعْبَة مَكَان ذَلِك الزرب فبناه واستعان فِيهِ بإبنه إِسْمَاعِيل ودعا النَّاس إِلَى حجَّة وَبَقِي إِسْمَاعِيل سَاكِنا بِهِ وَلما قبضت أمه هَاجر وَقَامَ بنوه من بعده بِأَمْر الْبَيْت مَعَ أخوالهم من جرهم ثمَّ العماليق من بعدهمْ وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك وَالنَّاس يهرعون إِلَيْهَا من كل أفق من جَمِيع أهل الخليقة لَا من بني إِسْمَاعِيل وَلَا من غَيرهم مِمَّن دنا أَو نأى فقد نقل أَن التبابعة كَانَت تحج الْبَيْت وتعظمه وَأَن تبعا كساها الملاء والوصائل وَأمر بتطهيرها وَجعل لَهَا مفتاحا وَنقل أَيْضا ان الْفرس كَانَت تحجه وتقرب إِلَيْهِ وَإِن غزالي الذَّهَب اللَّذين وجدهما عبد الْمطلب حِين احتفر زَمْزَم كَانَا من قرابينهم وَلم يزل بجرهم الْولَايَة عَلَيْهِ من بعد ولد إِسْمَاعِيل من قبل خؤولتهم حَتَّى إِذا خرجت خُزَاعَة وَأَقَامُوا بهَا بعدهمْ مَا شَاءَ الله ثمَّ كثر ولد إِسْمَاعِيل وانتشروا وتشعبوا إِلَى كنَانَة ثمَّ كنَانَة إِلَى قُرَيْش وَغَيرهم وَسَاءَتْ ولَايَة خُزَاعَة فَغَلَبَتْهُمْ قُرَيْش على أمره وأخرجوهم من الْبَيْت وملكوا عَلَيْهِم يَوْمئِذٍ قصي بن كلاب فَبنى الْبَيْت وسقفه بخشب الدوم وجريد النّخل قَالَ الْأَعْشَى
(حَلَفت بثوبي رَاهِب الدَّيْر وَالَّتِي ... بناها قصي والمضاض بن جرهم)
ثمَّ أصَاب الْبَيْت سيل وَيُقَال حريق وتهدم وأعادوا بناءه وجمعوا النَّفَقَة لذَلِك من أمولهم وانكسرت سفينة بساحل جدة فاشتروا خشبها
стр. 180
للسقف وَكَانَت جدرانه فَوق الْقَامَة فجعلوها ثَمَانِيَة عشر ذِرَاعا وَكَانَ الْبَاب لاصقا بِالْأَرْضِ فجعلوه فَوق الْقَامَة لِئَلَّا تدخله السُّيُول وَقصرت بهم النَّفَقَة عَن إِتْمَامه فقصروا عَن قَوَاعِده وَتركُوا مِنْهُ سِتَّة أَذْرع وشبرا أداروها بجدار قصير يُطَاف من وَرَائه وَهُوَ الْحجر
وَبَقِي الْبَيْت على هَذَا الْبناء إِلَى أَن تحصن ابْن الزبير بِمَكَّة حِين دَعَا لنَفسِهِ وزحفت إِلَيْهِ جيوش يزِيد ين مُعَاوِيَة مَعَ الْحصين بن نمير السكونِي وَرمى الْبَيْت سنة أَربع وَسِتِّينَ فَأَصَابَهُ حريق يُقَال من النفط الَّذِي رموا بِهِ على ابْن الزبير فَأَعَادَ بناءه أحسن مِمَّا كَانَ بعد أَن اخْتلفت عَلَيْهِ الصَّحَابَة فِي بنائِهِ وَاحْتج عَلَيْهِم بقول رَسُول الله ﷺ لعَائِشَة ﵂ لَوْلَا قَوْمك حديثو عهد بِكفْر لرددت الْبَيْت على قَوَاعِد إِبْرَاهِيم ولجعلت لَهُ بَابَيْنِ شرقيا وغربيا فهدمه وكشف عَن أساس إِبْرَاهِيم ﵇ وَجمع الْوُجُوه والأكابر حَتَّى عينوه وَأَشَارَ عَلَيْهِ ابْن عَبَّاس بِالتَّحَرِّي فِي حفظ الْقبْلَة على النَّاس فأدار على الأساس الْخشب وَنصب من فَوْقهَا الأستار حفظا للْقبْلَة وَبعث إِلَى صنعاء فِي الْفضة والكلس فحملها وَسَأَلَ عَن مقطع الْحِجَارَة الأول فَجمع مِنْهَا مَا احْتَاجَ إِلَيْهِ ثمَّ شرع فِي الْبناء على أساس إِبْرَاهِيم ﵇ وَرفع جدرانها سبعا وَعشْرين ذِرَاعا وَجعل لَهَا بَابَيْنِ لاصقين بِالْأَرْضِ كَمَا روى فِي حديه وَجعل فرشها وارها بالرخام وصاغ لَهَا المفاتيح وصفائح الْأَبْوَاب من الذَّهَب
ثمَّ جَاءَ الْحجَّاج لحصاره أَيَّام عبد الْملك وَرمى على الْمَسْجِد بالمنجنيقات إِلَى أَن تصدعت حيطانها ثمَّ لما ظفر بِابْن الزبير شاور عبد الْملك فِيمَا بناه وزاده فِي الْبَيْت فَأمره بهدمه ورد الْبَيْت على قَوَاعِد قُرَيْش كَمَا هِيَ الْيَوْم وَيُقَال انه نَدم على ذَلِك حِين علم صِحَة رِوَايَة ابْن الزبير لحَدِيث عَائِشَة
وَقَالَ وددت أَنِّي كنت حملت أَبَا خبيب فِي أَمر الْبَيْت وبنائه مَا تحمل فهدم الْحجَّاج مِنْهَا سِتَّة أَذْرع وشبرا مَكَان الْحجر وبناها على أساس قُرَيْش وسد الْبَاب الغربي وَمَا تَحت عتبَة بَابهَا الْيَوْم من الْبَاب الشَّرْقِي
следующие страницы →