الدليل على نفيه بعد موافقته ما أنزل الله" إلى آخر ما قاله الكمال١.
لكن عبارة ابن الهمام موهمة أن الحنفية يجيزون تولي المرأة القضاء في غير الحدود والقصاص كعبارة المرغيناني، وإن كان ابن الهمام في الحقيقة يريد بالقضاء الحكم وليس التولية.
وإذا انتقلنا إلى مصادر أخرى لغير الحنفية، نجد الماوردي مثلا أحد أشهر فقهاء الشافعية، يقول في كتابه: الأحكام السلطانية٢: "وقال أبو حنيفة: يجوز أن تقضي المرأة فيما تصح فيه شهادتها، ولا يجوز أن تقضي فيما لا تصح فيه شهادها". وملاحظتنا على هذه العبارة كملاحظتنا السابقة على عبارة المرغيناني والكمال بن الهمام حتى مع كون الماوردي -بغالب الظن- يريد بقوله: "تقضي" الحكم وليس التولية.
ونجد الحافظ ابن حجر العسقلاني يقول في كتابه الموسوعي فتح الباري: "واتفقوا على اشتراط الذكورة في القاضي، إلا عند الحنفية، واستثنوا الحدود، وأطلق ابن جرير"٣. ونفس ملاحظتنا السابقة يمكن أن توجه إلى عبارة ابن حجر، مع زيادة أن الحنفية لم يستثنوا الحدود فقط، بل استثنوا الحدود والقصاص، إلا إذا كان يريد بالحدود ما يشمل القصاص بنوع من التجوز.
ونجد ابن رشد -الحفيد- في كتابه: بداية المجتهد يقول: "وكذلك اختلفوا في اشتراط الذكورة، فقال الجمهور: هي شرط في صحة الحكم، وقال
стр. 107
أبو حنيفة: يجوز أن تكون المرأة قاضيا في الأموال"١.
ولا تسلم عبارة ابن رشد من الملاحظة التي كررناها على العبارات السابقة إلا إذا كان مراد ابن رشد من قوله: "وهي شرط في صحة الحكم" هي شرط في صحة ما قضت به, وليس المراد التولية فيمكن أن يعتذر عن ابن رشد بأن تعبيره بقوله: هي شرط في صحة الحكم, يعني بالحكم القضاء وليس التولية نفسها، لكن مع هذا فالعبارة موهمة بأن الحنفية يرون جواز التولية للمرأة منصب القضاء في الأموال.
ومن الملاحظ أيضًا على ابن رشد أنه أخطأ في حكاية مذهب الحنفية على أنهم يقصرون جواز قضائها على الأموال، مع أنهم يقولون بصحة قضائها مع إثم من ولاها في كل ما عدا الحدود والقصاص، فليس صحة قضائها فيما لو وليت مع الإثم مقصورا على الأموال٢.
وأوضح في التصريح بأن أبا حنيفة يرى جواز تولية المرأة منصب القضاء قول الباجي صاحب كتاب المنتقي شرح موطأ الإمام مالك: "وقال أبو حنيفة يجوز أن تلي المرأة القضاء في الأموال دون القصاص"٣.
ونجد الصنعاني يقول في كتابه سبل السلام٤: "وذهب الحنفية إلى جواز توليتها الأحكام إلا في الحدود" وهذه العبارة من الصنعاني ظاهرة وواضحة في أن
стр. 108
الذكورة ليست شرطا عند الحنفية في توليتها منصب القضاء، وهذا خطأ؛ لأن الحنفية لا يقولون بجواز توليتها القضاء لا في الحدود ولا في غيرها، ويقول ابن حزم في كتابه "المحلى"١: "وجائز أن تلي المرأة الحكم٢. وهو قول أبي حنيفة" وهذا خطأ أيضًا من ابن حزم في حكاية مذهب أبي حنيفة.
فهذه العبارات وأمثالها توهم أن الحنفية يرون جواز تولية المرأة القضاء في الأمور التي يصح لها أن تشهد فيها، لكننا وجدنا الغزي والكمال بن الهمام -كما بينا- يوضحان مذهب الحنفية على الصورة التي بيناها.
ويمكن أن يقال إن بعض الحنفية متهمون ببعض التقصير في توضيح مذهبهم، فكان عليهم أن يعبروا في كتبهم بعبارات واضحة في الدلالة على المذهب، لا توهم هذا المعنى الذي توهمه غير الحنفية٣.
ومع أنه من الممكن أن يقال إن الغزي وابن الهمام وغيرهما من فقهاء الحنفية الذين بينوا أنه لا يجوز تولية المرأة القضاء مخالفون لمذهب الحنفية وهو -كما نقله بعض العلماء- جواز توليتها في الأمور التي يصح لها أن تشهد فيها، وهي ما عدا القصاص والحدود، وعلى هذا يكون الرأي الذي أبداه ابن الهمام والغزي وصاحب مجمع الأنهر وغيرهم رأيا خاصا بأصحابه, وليس هو المذهب الفقهي للإمام المذهب أو لأئمتهم الكبار الأول، نقول مع أنه من الممكن أن يقال هذا لكن الرد عليه أن من المعهود إذا خالف بعض فقهاء مذهب معين قولا لإمام المذهب أن يذكر قول الإمام, ثم يبين أنه يرى رأيا آخر غير ما يراه الإمام، فلما لم يبين دامادا أفندي صاحب مجمع الأنهر والكمال بن الهمام صاحب شرح فتح القدير والغزي صاحب تنوير الأبصار أن هذا رأي مستقل عن المذهب الفقهي للأئمة السابقين في المذهب الحنفي، غلب على ظننا أن ما بينه هؤلاء هو حقيقة مذهب الحنفية.
стр. 109
مدى توافق رأي الحنفية في قضاء المرأة مع رأيهم في أثر النهي:
النواهي التي وردت في نصوص الشريعة في كتاب الله الكريم، أو على لسان رسول الله ﷺ تدل على تحريم الفعل المنهي عنه على رأي جمهور العلماء، إلا إذا وجدت قرينة تدل على صرف النهي عن تحريم الفعل إلى كراهته، وعلى هذا إذا فعل الإنسان ما نهى الشرع عنه يكون آثما، ويستحق العقوبة في الآخرة.
وليس الأثر الأخروي لمخالفة النهي هو الأثر الوحيد، وإنما قد يوجد أثر دنيوي أيضًا في الفعل المنهي عنه إذا كان من العبادات أو المعاملات١.
فما هو هذا الأثر عند الحنفية؟ وهل رأيهم في أثر النهي في الفعل المنهي عنه يتفق مع رأيهم في تولية المرأة القضاء؟
стр. 110
نرى -كما يرى بعض الباحثين-١ أن مذهب الحنفية في تولية المرأة القضاء لا يتفق مع موقفهم في الأصول من النهي ومقتضاه.
ولكي يفهم مذهب الحنفية في هذه المسألة، يحسن أن نبين أن العلماء قسموا الأفعال التي نهى الشرع عنها إلى قسمين:
القسم الأول: الشرعيات، ويراد بها ما طلبه الشارع لحكمة كالصلاة والصوم والإجارة.
القسم الثاني: الحسيات وهي ما ليست كذلك، كالزنا، والقتل، وشرب الخمر.
أما الحسيات فالحنفية والشافعية يتفقون على أن النهي عنها يقتضي الفساد, إذا كان النهي قد أتى مطلقا, أو دل الدليل على أن النهي لذات الشيء المنهي عنه، كالظلم، فإذا استولى أحد -ظلما- على شيء مملوك لغيره فلا تثبت له الملكية بهذا الاستيلاء الظالم، أو دل الدليل على النهي لوصف لازم للشيء المنهي عنه، كالزنا، فإنه لا يثبت به النسب.
стр. 111
ويلاحظ هنا في هذا القسم أن الفساد والبطلان سواء١.
وأما الشرعيات فمذهب الشافعية كمذهبهم في جانب الحسيات، أي: إن النهي يقتضي فساد الشيء المنهي عنه.
أما الحنفية فلهم موقف آخر يفرقون فيه بين الباطل والفاسد، على الصور الآتية:
أولا: إذا دل الدليل على أن النهي عن العمل كان لفقد أحد الشروط أو الأركان، أي: إن النهي لأصل العمل المنهي عنه وذاته وحقيقته -لأن المشروع بأصله هو الذي استوفى الشروط والأركان- فإن النهي حينئذ يقتضي البطلان، بمعنى عدم ترتيب أي أثر للعمل المنهي عنه، وفي هذه الحالة يقال إن العمل المنهي عنه لم يشرع بأصله ولا بوصفه، ومثال ذلك: النهي عن الصلاة بدون وضوء، أو بدون تكبيرة الإحرام، والنهي عن بيع الملاقيح "أي: الأجنة في بطونها أمهاتها" لعدم وجود أحد أركان البيع وهو المبيع؛ لأن من الجائز أن يكون انتفاخا في بطب أنثى الحيوان، وبيع الحيوان أو ثوب غائب لم يبين البائع صفته، فهو في هذه الحالة فَقَدَ شرطا من شروط البيع، وبيع الخمر أو الخنزير.
стр. 112
ثانيا: إذا دل الدليل على أن النهي عن العمل لوصف لازم للمنهي عنه دون أصله، فإن النهي حينئذ لا يقتضي البطلان، بمعنى عدم ترتيب الأثر، بل يترتب على المنهي عنه أثره لصحة الأصل، وإنما النهي هنا يقتضي الحرمة مطلقا، ويقتضي الفساد بمعنى مطلوبية التفاسخ في المعاملات لفساد الوصف، ويقال حينئذ: إن المنهي عنه مشروع بأصله، لا بوصفه.
مثال ذلك الصوم في الأيام المنهي عنها، وهي العيدان وأيام التشريق الثلاثة١, فالنهي عن الصوم في هذه الأيام ليس لذات الصوم؛ لأن الصوم من العبادات، فلا يكون النهي عنه لذاته، وإنما النهي عن الصوم في هذه الأيام؛ لأن الصوم يكون إعراضًا عن ضيافة الله تعالى. فالناس يعتبرون -كما قال العلماء- في هذه الأيام ضيوفا على الله ، فلا يجوز لهم أن يصوموا.
فتجزئ العبادة مع الإثم على كل حال والتعامل بربا الفضل، كبيع دينار بدينار وربع, فالنهي هنا ليس لذات البيع، بل لوجود الزيادة، والزيادة ليست هي عقد البيع ولا جزءًا كالوصف اللازم، فيثبت الملك ويطلب فسخ البيع.
ثالثًا: إذا دل الدليل على أن النهي عن العمل لوصف مقارن له، ينفك عنه غير لازم له، فهذا النهي لا يقتضي بطلانا ولا فسادًا؛ لأن المنهي عنه شيء آخر في الحقيقة، هو هذا الوصف المقارن، وغاية ما يقتضيه كراهة التحريم.
مثال ذلك النهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة، فالنهي هنا؛ لأن المصلي شغل ملك الغير بغير حق، وهو أمر مقارن غير لازم، وكذلك النهي عن البيع وقت
стр. 113
النداء لصلاة الجمعة؛ لأن الله ﵎ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ ١.
فالنهي عن البيع وقت النداء لصلاة الجمعة ليس راجعا إلى ذات البيع ولا إلى صفة من صفاته، بل يرجع إلى أمر خارج عن البيع، وهو الاشتغال بالبيع عن أداء الواجب وهو صلاة الجمعة.
وكذلك النهي عن إتيان الزوجة أثناء الدورة الشهرية في قول الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ ٢.
فالنهي هنا ليس لذات الوطء؛ لأن وطء الزوجة حلال، وإنما النهي بسبب ما يجاوره من الأذى، فإذا حدث الوطء من الزوج حال الحيض فإنه يكون آثما؛ لأنه ارتكب شيئًا محرمًا، لكن هذا لا يمنع أن تترتب على الوطء جميع أحكام الوطء المشروعة، من ثبوت النسب، وحلها لزوجها الأول الذي
طلقها ثلاث طلقات، وتكميل المهر؛ لأنها أصبحت مدخولا بها، وثبوت حرمة المصاهرة،
والعدة ونحو ذلك.
وبهذا نكون بينا مذهب الحنفية في النهي٣ ومقتضاه، والسؤال الآن: النهي عن ولاية المرأة القضاء من أي قبيل؟
واضح أن ولاية القضاء مطلب شرعي، فإذا ورد نهي من الشرع عن تولية
стр. 114
المرأة القضاء, وهو الذي استفاده العلماء من حديث: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" -كما سنبين بعد ذلك- فإن ذلك يكون من قبيل النهي عن الشرعيات لا الحسيات، وعلى هذا فلا يصح تشبيهه بوطء الزوجة أثناء الدورة الشهرية؛ لأن النهي عن تولية المرأة القضاء لوصف في المرأة لازم غير منفك عنها، هذا الوصف هو نقصان عقلها ودينها, وما يضاف إلى ذلك إما أن يكون من علته أو يكون من إعراضه كعاطفية المرأة, وضعف جسمها بالنسبة إلى الرجل بسبب ما يحدث لها على مر الشهور والسنين من حيض وحمل وولادة ونفاس، ورضاعة.
وتولية المرأة القضاء عقد، فنظيره الذي يتبادر إلى الذهن هو البيع بربا الفضل، كبيع دينار بدينار وربع، وهذا البيع إذا حدث يكون صحيحا مع حرمته, ويجب على المتعاقدين فسخ هذا العقد فكان
على الحنفية -مراعاة لقواعدهم الأصولية- أن يقولوا بمثل هذا الحكم في تولية المرأة القضاء في غير الحدود والقصاص، لكنهم لم يفعلوا فلم يوجبوا عزل المرأة إذا تولت القضاء في غير الحدود والقصاص، واقتصروا على القول بإثم من ولاها مع صحة هذه التولية.
فيكون الحنفية بذلك قد اعتبروا النهي عن توليتها القضاء من قبيل النهي عن الشيء لوصف مقارن له ينفك عنه غير لازم له، وهو لا يقتضي بطلانا ولا فسادا عندهم كما سبق بيانه.
وهذا أشبه بالتحكم، ومقتضاه أن يكون الأثم الذي يلحق بمن يولي المرأة القضاء ناشئًا من كراهة التحريم لا من التحريم نفسه١.
ويرى بعض الباحثين المعاصرين أن غير الحنفية قد أخطئوا في فهم عبارات الحنفية؛ لأنه إذا قال المرغيناني: "ويجوز قضاء المرأة في كل شيء إلا في الحدود
стр. 115
والقصاص" أو قال الكمال بن الهمام: "وأما الذكورة فليست بشرط إلا للقضاء في الحدود والدماء، فتقضي المرأة في كل شيء إلا فيهما" فليس المراد التولية والتقليد؛ لأن التولية فعل المولي، والقضاء فعل القاضي، فلا يدل أحدهما على الآخر لاختلافهما، كما أنه لا يلزم من جواز حكم المرأة ونفاذه جواز توليتها؛ لأن توليتها قد تكون غير جائزة ويكون قضاؤها بناء على هذه التولية جائزا، وهذا مبني على أصول الحنفية وموقفهم من النهي ومقتضاه، فهم يرون أن النهي عن الشيء إذا لم يكن لذاته بل لوصف مجاور له، يكون مفيدا للمشروعية مع الكراهة التحريمية، أي: إن المكلف إذا فعل الشيء المنهي عنه فإن الفعل يكون صحيحا تترتب عليه الأحكام الشرعية لكن مع إثم الفاعل، فمثلا ورد النهي عن وطء الزوجة حال الحيض، والنهي هنا ليس لذات الوطء؛ لأن وطء الزوجة حلال، وإنما النهي بسبب ما يجاوره من الأذى، فإذا حدث الوطء من الزوج حال الحيض فإنه يكون آثما؛ لأنه ارتكب شيئًا محرما، لكن هذا لا يمنع أن تترتب على الوطء جميع أحكام الوطء المشروعة، من ثبوت النسب، وحلها للزوج الأول الذي طلقها ثلاث طلقات، وتكميل المهر، وثبوت حرمة المصاهرة، والعدة، ونحو ذلك١.
ويرى هذا الباحث أن النهي عن تولية المرأة القضاء المستفاد من قوله ﷺ : "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" من هذا القبيل؛ لأن النهي عن توليتها القضاء ليس لذات القضاء؛ لأن القضاء مشروع ومطلوب، وإنما هو لوصف مجاور هو مظنة تقصيرها في الحكم، لنقصها الطبيعي عن الرجل، وانسياقها وراء
стр. 116
العاطفة، وللعوامل الطبيعية التي تعتريها بتوالى الأشهر والسنين من حيض وولادة وإرضاع، وكل هذا يؤثر في انتظام قيامها بالقضاء وفي إصابة الحق.
فإذا طبقت القاعدة المذكورة عند الحنفية فإنه لو ولى الحاكم أو من ينوب عنه المرأة القضاء، فإنه يكون آثمًا؛ لأنه عَمِلَ ما لا يجوز، لكن قضاءها يكون صحيحا نافذًا في كل ما تصح شهادتها فيه، وهو ما عدا الحدود والقصاص إذ كان موافقا للحق، وعلى هذا فإنه لا يلزم من صحة قضائها ونفاذه جواز تقليدها وتوليتها هذا المنصب١.
هذا ما يراه بعض الباحثين، ونرى أن هذا غير مسلم؛ لأنه أولا: إذا تصورناه في عبارة المرغيناني وهي: "ويجوز قضاء المرأة في كل شيء إلا في الحدود والقصاص" وعبارة الكمال بن الهمام وهي: "وأما الذكورة فليست بشرط إلا للقضاء في الحدود والدماء فتقضي المرأة في كل شيء إلا فيهما" فلا يصح تصوره في عبارة الكاساني, وهو أحد أشهر فقهاء الحنفية، فعبارته نصها: "وأما الذكورة فليست شرط جواز التقليد في الجملة؛ لأن المرأة من أهل الشهادة في الجملة، إلا أنها لا تقضي بالحدود والقصاص؛ لأن لا شهادة لها في ذلك، وأهلية القضاء تدور مع أهلية الشهادة"٢.
فعبارة الكاساني غير دقيقة، ولو قال: "وأما الذكورة فليست من شرط
стр. 117
القضاء في الجملة" لكان من الممكن حملها على أنه ليس من شرط تنفيذ القضاء الذكورة، فالمرأة عند الحنفية يصح تنفيذ ما حكمت به مع إثم موليها، إذا كان ما حكمت به في غير القصاص والحدود فيكون معنى "في الجملة" في العبارة بعد تعديلها إلى: "وأما الذكورة فليست من شرط القضاء في الجملة" يكون معناها أنه لا تشترط، الذكورة في كل جزئيات هذه المسألة، بل في بعض جزئياتها لا تشترط, وهي ما إذا وليت وأثم موليها وحكمت في قضايا يصح لها أن تشهد فيها وهي ما عدا قضايا القصاص والحدود، وأما أن يقول الكاساني: وأما الذكورة فليست من شرط جواز التقليد في الجملة, فهو في رأيي تعبير غير دقيق عن مذهب الحنفية, إلا إذا كان للكاساني رأي يخالف ما بينه الكمال بن الهمام وغيره، فالكمال بن الهمام وغيره بينوا أن الحنفية يرون أن الذكورة شرط لجواز التقليد، فهم متفقون مع الجمهور في أنه لا يجوز للحاكم أو من له سلطة تولية القضاة أن يولي المرأة القضاء, وخلافهم فقط مع الجمهور فيما لو وليت مع إثم من ولاها، هل ينفذ حكمها إذا حكمت في القضايا أو لا ينفذ، الجمهور يقولون لا ينفذ والحنفية يقولون ينفذ ما دام موافقا لأحكام الشرع, وفيما تصح فيه شهادتها.
وهذا ما يجعلنا نقول إن بعض الحنفية يمكن أن يتهموا بأنهم قصروا في توضيح رأي الحنفية في هذه المسألة, بالصورة التي لا يحصل في فهمها أي لبس أو غموض.
ثانيا: جعل النهي عن تولية المرأة القضاء الذي بيّن بعض العلماء أنه مستفاد من حديث: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" من قبيل النهي عن الشيء لوصف مجاور كالنهي عن الاتصال الجنسي بالزوجة أثناء الحيض غير دقيق -كما سبق بيانه- والدقة كما بيّن بعض الباحثين أن يكون من قبيل النهي عن الشيء لوصف
стр. 118
لازم، كالبيع بربا الفضل.
بعد هذا نقول إن الجمهور -ومنهم الحنفية- يرون عدم جواز تولية المرأة القضاء، وقد خالف الجمهور ابن القاسم من المالكية١. والحسن البصري أحد كبار فقهاء التابعين، وابن حزم الظاهري، فهم يرون أنه لا تشترط الذكورة في القاضي، فيجوز عند ابن حزم أن تتولى المرأة القضاء، وينفذ حكمها في كل القضايا حتى قضايا القصاص والحدود؛ لأن شهادة المرأة عنده تصحيح فيهما٢. ويجوز عند ابن القاسم أن تتولى المرأة القضاء، وينفذ حكمها فيما تصح فيه شهادتها أيضا عنده، وهو الأموال، وما لا يطلع عليه الرجال غالبا، كالولادة، واستهلال المولود، وعيوب النساء تحت الثياب, وكذلك نقل عن الحسن البصري أنه
стр. 119
يرى جواز ولايتها القضاء مطلقًا١.
стр. 120
رأي ابن جرير الطبري:
نجد بعض المصادر تنسب إلى ابن جرير الطبري، المؤرخ والمفسر، والفقيه المعروف١، القول بجواز أن تكون المرأة قاضية على الإطلاق في كل شيء ليس لها مجال محدد يصح لها أن تتولى القضاء فيه، بل يصح لها أن تتولاه في كافة أنواع القضايا٢.
ويرى أحد الباحثين الفضلاء أن هذا الرأي المنسوب لابن جرير الطبري خطأ من الناحية التاريخية والناحية الموضوعية.
أما من الناحية التاريخية فلم يثبت عن ابن جرير هذا النقل، ولم يصح عنه كما صرح بذلك ابن العربي المفسر المعروف٣.
ويضاف إلى هذا -كما يقول الباحث الفاضل- أن النقل عن ابن جرير لم ينسب إلى كتاب من كتبه، ولم يرو عنه بسند من الأسانيد، وهذا ما يؤدي إلى عدم الاطمئنان إلى صحة نسبة هذا القول إلى ابن جرير من الناحية التاريخية.
وأما من الناحية الموضوعية فإن هذا القول مخالف للحديث عن رسول الله ﷺ : "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" ومخالف لإجماع علماء
стр. 121
الأمة الإسلامية السابقين على عصر ابن جرير على عدم جواز تولية المرأة القضاء، فليس لابن جرير سلف من الفقهاء يرى جواز تولية المرأة القضاء، والقول إذا كان مخالفا لإجماع علماء الأمة ولم يكن في عصر المجمعين فإنه يكون مردودا؛ لأنه إذا انعقد الإجماع في عصر من العصور على حكم شرعي فلا يجوز لمن جاء بعد هذا العصر أن يخالف الحكم الذي أجمع عليه العلماء.
وعلى هذا فنسبة القول بجواز أن تتولى المرأة القضاء إلى ابن جرير لا تصلح رواية ودراية١.
هذا ما يراه أحد الباحثين الفضلاء، وقد أجيب على ذلك بما يأتي:
أولا: من ناحية أن هذا النقل لم يثبت عن ابن جرير، ولم ينسب إلى كتاب من كتبه، فالجواب أن كتب ابن جرير كثيرة، وفيها الموسوعي الضخم الذي لو نسب إليه لكاد أن يكون كعدم نسبته؛ لأن المراجعة المستوعبة تحتاج إلى عمر طويل، وربما وقع النص في موضوع لا يظن وجوده فيه؛ لأن المناسبة اقتضته، كما يحدث ذلك في كثير من المسائل العلمية في كتب القدامى، ويكفي أن العلماء الذي نقلوا رأى ابن جرير وهم من قممنا الشامخة، كالماوردي٢، وابن رشد٣،
стр. 122
والحافظ بن حجر العسقلاني١، لم ينقلوا هذا الرأي بصيغة التمريض كأن يقولوا مثلا: وروي أن ابن جرير قال بجواز تولية المرأة القضاء، بل وجدناهم نقلوا رأي ابن جرير بصيغة الجزم، وليس هذا شأنهم في نقل الآراء التي تكون في موضع الشك٢.
كما يجوز أن يكون ابن جرير ذكر هذا الرأي في كتاب من كتبه ولم يصل إلينا هذا الكتاب، فكثير من التراث الإسلامي ضاع بفعل عوامل متعددة، فمن المحتمل أن يكون هذا الرأي المنسوب إلى الطبري قاله في كتاب له ضاع مع ما ضاع من التراث العلمي للمسلمين، وخاصة إذا علمنا أن ابن جرير الطبري اختار مذهبا فقهيا له مستقلا في كثير من الموضوعات، وعلل له ودلل عليه، ودونه في كتاب له يسمى "لطيف القول في أحكام الشرائع" وجعل هذا الكتاب مقسما على ثلاثة وثمانين كتابا، وهذا الكتاب ليس بأيدينا الآن، وربما فقد مع ما فقد من التراث الإسلامي، بل غالب الظن أنه فقد، وبفقده يكون مرجع هام جدا من مراجع فقه الإمام الطبري قد خسرناه, وتكون هناك قضايا وأحكام كثيرة لا نتعرف على رأي ابن جرير الطبري فيها إلا بواسطة ما ينقله العلماء عنه في بطون الكتب، أو بواسطة بعض اختيارات الطبري نفسه في تفسيره للقرآن الكريم المسمى بجامع البيان عن تأويل آي القرآن، أو فيما وصلنا من كتابه "تهذيب الآثار"٣
стр. 123
ولنفرض أن ابن جرير الطبري لم تكن له كتب مؤلفة، ونقل عنه علماؤنا الثقات هذا الرأي المشهور عنه، أما كان يكفي هذا النقل عنه؟ أم كان سيرد هذا النقل بحجة أن ابن جرير الطبري ليس له كتاب منسوب إليه؟ إن مسائل كثيرة جدا أكثر من أن تحصى حكيت عن علماء كثيرين, ولم تكن مدونة في كتب لهم، ولم تكن محل اعتراض من هذه الناحية.
إن نقل آراء العلماء يكفي في صحتها أن تكون الثقة متوافرة في الناقل، والذين نقلوا عن الطبري رأيه علماء أجلاء موضع الثقة التامة، ويحسن الظن بهم، وهذا كاف في صحة حكاية هذا الرأي عن الإمام ابن جرير الطبري، هذا بالإضافة إلى أننا لم نجد أحدا من العلماء ينسب إلى ابن جرير قولا بعدم جواز أن تتولى المرأة القضاء، ولا وجد هذا الرأي في كتاب من كتبه, وإلا لنقله العلماء عنه، وهذا يعد قرينة تؤيد نسبة الرأي إليه.
ثانيًا: أما القول بأن نسبة الرأي القائل بجواز أن تتولى المرأة القضاء إلى ابن جرير لا تصلح من الناحية الموضوعية، بحجة أن هذا الرأي يخالف حديث: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، ومخالف لإجماع الأمة، فالجواب أن هذا الكلام لا يقال عند حكاية الآراء، وإنما الآراء يصح حكايتها ما دام ناقلوها موضع الثقة، وعلماؤنا الذين نقلوا عن ابن جرير قوله في قضاء المرأة موضع الثقة قطعا، وإذا كان الماوردي بعد أن نقل رأي ابن جرير بتجويز قضاء المرأة في جميع الأحكام، قال: "ولا اعتبار بقول يرده الإجماع مع قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ يعني في العقل والرأي، فلم يجز أن يقمن على الرجال"١. فإن كلام الماوردي لا يصلح أن يرد نسبة قول إلى قائله، ولس هذا في غالب الظن ما قصد إليه الماوردي، كما هو واضح من عبارته، وموضع رد رأي ابن جرير بحجة الإجماع والآية الكريمة: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ لا يكون عند ذكر الآراء في المسألة المتنازع فيها، وإنما يكون عند الحوار العلمي بذكر حجج الأطراف المتنازعة٢.
стр. 124
تحديد الآراء:
مما سبق يمكن أن نقول إن العلماء مختلفون في الذكورة هل هي شرط في القاضي أم لا، على ثلاثة آراء:
الرأي الأول: ما يراه جمهور العلماء، وفيهم جمهور المالكية١، ومعهم الشافعية٢ والحنابلة٣ وزفر من الحنفية٤، والشيعة الإمامية٥ أن المرأة لا يجوز أن تتولى القضاء، ولو ولاها الحاكم هذا المنصب يكون آثما، وتأثم هي أيضا لرضاها بأمر لا يجوز٦، ولو حكمت في أي قضية من القضايا، سواء أكانت من القضايا التي تصح شهادتها فيها كالأموال، والرضاع أم لا، لا ينفذ قضاؤها، فالذكورة عند الجمهور شرط للجواز وللصحة.
الرأي الثاني: ما يراه الحنفية -غير زفر- أنه لا يجوز تولية المرأة القضاة، لكن لو وليت هذا المنصب -مع إثمها وإثم من ولاها- فحكمت، فإنه ينفذ حكمها في الأمور التي يصح لها أن تشهد فيها، وهي ما عدا مسائل الحدود والقصاص.
стр. 125
فالحنفية يرون كما يرى الجمهور أن قضاء المرأة في الحدود والقصاص لا ينفذ، ولو كان ما قضت به موافقا للحق، أما إذا حكمت في غير الحدود والقصاص فينفذ حكمها، فالذكورة عند الحنفية -غير زفر- شرط جواز لا شرط صحة.
ومما يدل على أن الحنفية يرون عدم جواز تولية المرأة منصب القضاء، بجانب ما سبق أن نقلناه من عباراتهم في كتبهم، أن قاضي القضاة كان في أكثر العصور السابقة حنفيا، وكان من مهام منصبه تولية القضاة في جميع البلاد الإسلامية، ولو كان تولي المرأة القضاء جائزا لا إثم فيه عند الحنفية، لحدث ذلك ولو مرة في العصور السابقة١.
الرأي الثالث: ما يراه محمد بن جرير الطبري، وكذلك يراه الحسن البصري أحد كبار فقهاء التابعين، وابن حزم الظاهري، وابن القاسم من المالكية، أنه يجوز تولية المرأة القضاء، وينفذ قضاؤها في كل ما تصح فيه شهادتها، غير أن هؤلاء مختلفون في الأمور التي تصح شهادة المرأة فيها، فابن جرير وابن حزم يريان أن للمرأة أن تشهد في كل شيء، وأما ابن القاسم فيرى أن شهادتها لا تصلح إلا في القضايا الأموال، وما لا يطلع عليه الرجال غالبا، كالولادة، واستهلال المولود، وعيوب النساء التي تحت الثياب، كالرتق، والقرن٢.
هذا وقد نسب الإمام الباجي أحد كبار فقهاء المالكية في القرن الخامس الهجري٣ إلى محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة أنه قال: يجوز أن
стр. 126
تكون المرأة قاضية على كل حال١. ولم أجد هذا الرأي المنسوب إلى محمد بن الحسن في كتب الحنفية التي اطلعت عليها.
الاستدلال لكل رأي:
الاستدلال للجمهور.
أما الجمهور وهم القائلون بأن الذكورة شرط في جواز تولية القضاء، وفي صحة هذه التولية، فقد احتجوا باستدلالات من القرآن الكريم والسنة الشريفة، وادعوا الإجماع، واستدلوا أيضًا بالقياس وبالمعقول، فكان استدلالهم على الصورة الآتية:
الدليل الأول: الكتاب الكريم.
قال الله ﵎: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا﴾ ٢.
وجه الاستدلال:
ووجه الاستدلال بالآبة الكريمة، أن الآية أفادت حصر القوامة في الرجال،
стр. 127
وذلك لأن قواعد اللغة العربية تقتضي أن المبتدأ المعرف بلام الجنس١ يقصر على الخبر، مثل أن تقول الكرم التقوى، والإمام من قريش٢، والشاعر شوقي وما ماثل هذا، والحصر هنا حصر إضافي أي: بالنسبة إلى النساء، فالمعنى: القوامة للرجال على النساء وليس العكس، وهذا يستلزم أن لا تجوز ولا تصح ولاية المرأة القضاء، وإلا كان للنساء قوامة على الرجال، وهذا يتعارض مع ما أفادته الآية الكريمة.
مناقشة هذا الدليل:
نوقش هذا الدليل بما يأتي:
أولا: أن المراد بالقوامة في الآية الكريمة ليس المراد بها القوامة العامة التي تشمل القضاء وغيره، بل المراد هنا قوامة خاصة، وهي قوامة رب الأسرة عليها، أي: في الولاية الأسرية التي أشار إليها الرسول ﷺ حين قال: "والرجل في أهله راع هو مسئول عن رعيته" فيستأذن ويطاع، ويمتلك حق التأديب.
فالآية الكريمة -إذن- ليست في موضوع النزاع، والذي يدل على أن المراد بالقوامة في الآية هي قوامة رب الأسرة عليها: ثلاثة أمور:
الأمر الأول: سبب نزول الآية، فقد روي أن سعد بن الربيع نشزت امرأته فلطمها، فأتت النبي ﷺ شاكية، فقال لها: "بينكما القصاص"
стр. 128
فأنزل الله : ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ ١. فأمسك ﷺ حتى نزل: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ الآية، فقال ﷺ : "أردت أمرا وأراد الله غيره" ٢. وهذا دليل على أن المراد بالقوامة قوامة الزوج على زوجته بالتأديب.
الأمر الثاني: تركيب الآية وسياقها، فإن فيها إشارة إلى المهر، والنفقات التي يتحملها الأزواج، بقوله تعالى في الآية: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ ، وفيها إشارة إلى ما يجب للزوج على زوجته من طاعة وأمانة، وهو قوله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ وفيها إشارة إلى السلطة المخولة للأزواج على زوجاتهم، وهو قوله تعالى: ﴿وَاللاّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ .
فهذا يدل على أن المراد بالقوامة في الآية قوامة الرجال على زوجاتهم، وليس توليتهم عليهن في الولايات العامة، كرياسة الدولة، وغيرهما من الولايات.
الأمر الثالث: صلاحية المرأة للولايات الخاصة، فالآية تفيد العموم إذن، ومما يبين أن المرأة تصلح للولايات الخاصة أنها تصلح وصية على اليتيم، وتصلح ناظرة مال الوقف؛ فلأنها قادرة على أن تقوم بأمور هذه الولاية جاز إسنادها إليها، فكذلك يجوز إسناد الولايات العامة إليها، ما دام مناط الحكم -وهو القدرة- متحققا، والحكم هو جواز وصحة الإسناد إليها، ولا تأثير لعموم الولاية أو خصوصها بعد أن تتحقق قدرة المرأة على ممارسة الولاية، ولولا أن الإجماع قد قام
стр. 129
على عدم جواز تولي المرأة رياسة الدولة، وما هو بمثابتها كوزارة التفويض، وإمارة الإقليم، وورود النص في رياسة الدولة المانع لتولي المرأة إياها، لجاز أن تولى المرأة هذه الولايات العامة أيضًا، بدون فرق بين ولاية عامة وولاية خاصة١.
ثانيا: لو سلمنا جدلا أن الآية تفيد العموم، فإن الاستدلال بها يكون غير تام التقريب٢؛ لأن الدعوى عدم جواز تولية المرأة القضاء مطلقا، وعدم صحة هذه التولية مطلقا كذلك، سواء كان توليها القضاء على الرجال، أم على النساء، أم على الأحداث، أم على هؤلاء جميعا، والاستدلال بالآية أنتج الدعوى في الشق الأول فقط، أي: ولايتها على الرجال دون النساء والأحداث، وعلماؤنا ينصون على أنه من المستحب أن تفرد النساء بقاض إذا كان طرفا الخصومة منهن٣.
الجواب عن هذه المناقشات:
أولا: أما المناقشة بتخصيص العموم في الآية بسبب النزول، فأجيب عنها بأن التخصيص بسبب النزول لا يسلم إلا على رأي ضعيف، في علم أصول الفقه، وإنما الرأي القوي أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما هو المعتمد عند الأصوليين كما أن حذف متعلق القوامة يؤذن بعمومها.
стр. 130
ثانيا: وأما المناقشة بتخصيص العموم في الآية بما ورد فيها من أحكام تتعلق بولاية الزوج على زوجته، فأجيب عنها بأن ذلك من باب إفراد فرد من أفراد العام فلا يكون مخصصا للعام, ومعنى إفراد فرد من أفراد العام تخصيص بعض العام بالذكر، أو بعبارة أخرى النص على واحد مما تضمنه, وحكم عليه بالحكم الذي حكم به على العام وهذا لا يكون مخصصا للعام، عند جمهور العلماء، مثال ذلك، قول رسول الله ﷺ : "أيما إهاب ١ دبغ فقد طهر" مع قوله ﷺ في شاة ميمونة٢: "ألا استمتعتم بإهابها فإن دباغ الأديب طهور".
والدليل على أن إفراد فرد من أفراد العام، أي: تخصيص البعض بالذكر لا يكون مخصصا للعام، أن الحكم على الواحد لا ينافي الحكم على الكل؛ لأنه لا يوجد منافاة بين بعض الشيء وكله، بل الكل محتاج إلى بعضه، وإذا لم توجد المنافاة لا يوجد التخصيص؛ لأن المخصص لا بد أن يكون منافيا للعام٣.
ثالثا: وأما المناقشة الثالثة فحاصلها يرجع إلى معارضة الدليل بقياس الولايات العامة على الولاية الخاصة، وهذا قياس باطل؛ لأن الولاية الخاصة -كالتصرف في ريع دار موقوفة، أو الإشراف على مال يتيم ورعاية شئونه- يكفي فيها مجرد القدرة، أما الولاية العامة فإنها تحتاج إلى قدرة عالية تتناسب مع كثرة أعباء هذه الولاية وتشعبها، وعمومها، ومن الواضح أن من يستطيع أن يقوم بعمل خاص
стр. 131
قد لا يستطيع أن يقوم بالعمل العام، كالوزارة، والقضاء، وغيرهما.
إذن فمناط١ الحكم في الولاية الخاصة، وهو مجرد القدرة لا يوجد في الولاية العامة التي تحتاج إلى القدرة العالية، لا مجرد القدرة.
هذا إذا سلمنا أن مناط الحكم في تولي الولايات هو القدرة:
وهذا إذا سلمنا أن مناط الحكم في تولي الولايات هو القدرة، ولكننا لا نسلم هذا؛ لأن القدرة وصف مضطرب، ليس له مقاييس أو موازين مضبوطة، والمعهود في الشرع أن يكون مناط الحكم وصفا ظاهرا منضبطا، وإذا نظرنا في الحديث الشريف: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" لنعرف الوصف الظاهر المنضبط الذي جعل مناطا لعدم الفلاح المانع من تولي المرأة الولاية نجد أنه الأنوثة التي يومئ إليها الحديث؛ لأن الأنوثة مظنة الإخلال أو عدم الكمال في القيام بأعباء الولاية.
وعلى هذا فإذا وجدت الأنوثة، فقد وجد المانع من تولي الولايات العامة، ومنها القضاء، ولولا أن الإجماع قد قام على جواز أن تتولى المرأة الولايات الخاصة اكتفاء بمجرد توافر القدرة فيها، لقلنا أيضا بعدم جواز أن تسند الولايات الخاصة إلى المرأة، ولكن الإجماع قام على جواز ذلك.
رابعا: وأما المناقشة بأن التقريب غير تام؛ لأن الدليل أنتج الأخص من الدعوى؛ لأنه أنتج عدم جواز أن تتولى المرأة القضاء بين الرجال فقط، دون النساء، والأحداث فهي غير صحيحة؛ لأن الدليل أنتج مساوي الدعوى، وذلك للمساواة بين الرجال والنساء والأحداث أمام القضاء؛ لأن لا يوجد فارق بين
стр. 132
الرجال وغيرهم في مجال الخصومة والتقاضي، ومؤاخذة القاضي لهم على الأمور التي تحدث منهم.
فإلحاق النساء والصبيان بالرجال إنما هو قياس في معنى الأصل، أو كما يسميه بعض العلماء: قياس جبلي، وإذا كان الدليل قد أنتج مساوي الدعوى كان التقريب تاما١.
الدليل الثاني السنة:
وى البخاري٢ عن أبي بكرة -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله ﷺ أيام الجمل٣، بعد ما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم، قال: لما بلغ رسول الله ﷺ أن أهل فارس ملكوا بنت كسرى، قال: "لن يفلح قوم ولوا ٤ أمرهم امرأة"، وزاد الترمذي٥: فلما قدمت عائشة البصرة، ذكرت قول رسول الله ﷺ فعصمني الله تعالى به.
وجه الدلالة من قول رسول الله ﷺ : "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" أنه ﷺ أخبرنا بعدم فلاح من ولوا عليهم امرأة ولا
стр. 133
شك أن عدم الفلاح ضرر، والضرر يجب اجتنابه لقول الرسول الله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار"، فيجب اجتناب ما يؤدي إليه، وهو تولية المرأة؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب١.
وهذا يساوي تماما من حيث المآل ما لو قلنا: إن هذا اللفظ من رسول الله ﷺ خبر في معنى النهي، فالجملة خبرية لفظا وإنشائية معنى.
ولو صغنا هذا الدليل على هيئة قياس من الشكل الأول نقول: تولي المرأة الولايات العامة يؤدي إلى عدم الفلاح، وعدم الفلاح ضرر، فالنتيجة أن تولي المرأة الولاية العامة ضرر، والضرر ممنوع شرعا، ولا شك أن القضاء من الولايات العامة.
وسواء أكان خبرا محضا بمعنى أن رسول الله ﷺ يخبرنا بعدم الفلاح إذا ولينا أمورنا امرأة، وحينئذ فالواحب علينا أن نبعد بأنفسنا عما يجر إلى عدم الفلاح، أم خبرا لفظا إنشاء معنى، بمعنى أن الجملة خبر من الناحية اللفظية، لكنها من حيث المعنى إنشاء؛ لأنها تنهانا عما يؤدي إلى عدم الفلاح وهو تولية المرأة أمورنا العامة، فإنه عام في جميع الولايات؛ لأن كلمة "أمرهم" صيغة من صيغ العموم، فإنها مفرد
стр. 134
مضاف لمعرفة١، فيشمل جميع أمور الأمة التي تحتاج إلى من يقوم بأمرها، فيكون شاملا للقضاء وسائر الولايات الأخرى، سواء أكانت ولايات عامة، أم ولايات خاصة، إلا أن الإجماع قام على استثناء الولايات الخاصة فجاز إسنادها للمرأة، فتبقى المرأة ممنوعة من الولايات العامة.
والسر في منع المرأة من الولايات العامة نقصان عقلها ودينها، وهي علة منصوصة في السنة الصحيحة٢، وهو شيء من لوازم المرأة لا ينفك عنها؛ لأنه فطري.
стр. 135
فحصيلة هذا الدليل أنه ثبت في السنة نهي عن تولية المرأة الولايات العامة، وهو نهي لوصف لازم، وقد رجح علماء الأصول أن النهي يقتضي البطلان، وعلى هذا لا تجوز ولا تصح ولاية المرأة القضاء١.
مناقشة الدليل:
نوقش هذا الدليل بأنه ليس في محل النزاع أي: ليس في المسألة التي تختلف حولها؛ لأن الحديث وارد في رياسة الدولة، فيكون النهي المستفاد منه قاصرا على الولاية العظمى، فلا يشمل ولاية القضاء٢، ويدل على أن الحديث وارد في الولاية العظمى أمران:
الأول سبب ورود الحديث، فنص الحديث يبين أنه قيل بمناسبة تولية "نوران" بنت كسرى منصب الملك في بلاد الفرس بعد موت أبيها.
وأجيب عن هذا بأن العبرة بعموم اللفظ لا يخصوص السبب كما هو المرجح في علم أصول الفقه.
الثاني: أن كلمة "أمرهم" الواردة في الحديث الشريف يراد بها جميع شئون الأمة، والأمر الذي يعم جميع شئون الأمة هو رياسة الدولة؛ لأنها التي تستمد منها الأمة سائر الولايات، فيكون المنع مقصورا على رياسة الدولة.
وأجيب على هذا بأن كلمة "أمرهم" مفرد مضاف إلى معرفة، والمفرد المضاف إلى معرفة صيغة من صيغ العموم، كما هو الراجح عند علماء الأصول،
стр. 136
وهو مذهب أكثر العلماء، وعلى هذا فكأن الحديث قال: لن يفلح قوم ولوا رياسة الدولة امرأة، ولن يفلح قوم ولوا الوزارة امرأة، ولن يفلح قوم ولوا القضاء امرأة، وهكذا سائر الولايات العامة، كإمارة البلاد، وقيادة الجيش، وما ماثل هذا١.
الدليل الثالث الإجماع:
دعى أصحاب هذا الرأي الإجماع٢ على منع المرأة من تولي القضاء. وقالوا: قبل أن يعرف خلاف في مسألة قضاء المرأة كان الإجماع منعقدا على عدم جواز توليتها هذا المنصب وعدم صحة التولية، فلا يعتد بخلاف من خالف بعد ذلك، قال ﵎: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ٣.
مناقشة هذا الدليل:
نوقش هذا الدليل بما يأتي:
أولا: أن الإجماع لا يمكن تحققه، وعلى فرض أنخ ممكن التحقيق، فلا يمكن لنا أن نعلم بحدوثه؛ لأن من المحتمل أن يكون هناك مخالف لم نعلمه، ومن أين لنا أن ابن جرير الطبري، وابن القاسم، وابن حزم، والحنفية غير مسبوقين بما ذهبوا إليه؟
ما أجيب به عن المناقشة:
أجيب عن هذه المناقشة بأن علماء الأصول قد أثبتوا أن الإجماع ممكن
стр. 137
التحقق، وأنه يمكن الاطلاع عليه، فهذه القضية قد حسمها علم أصول الفقه.
وبعد بذل الجهد في البحث والتحري عن المخالف لرأي الجمهور لم نعثر إلا على قول بالجواز منسوب إلى ابن جرير الطبري، وقد ثبت عدم صحة النقل عن ابن جرير١.
رد على الإجابة:
يمكن أن نرد على هذه الإجابة بأنه نقل ابن عبد السلام من علماء المالكية أن الحسن البصري قال بإجازة ولاية المرأة القضاء مطلقا، وثبت عن علماء موثوق بهم نسبة القول بجواز تولية المرأة القضاء إلى ابن جرير، ومن المستبعد أن يكون الحسن وابن جرير خالفا أمرا مجمعا عليه، وثبت أيضا عن ابن القاسم وابن حزم أنهما قالا برأي ابن جرير الطبري والحسن البصري، فابن جرير الطبري مسبوق هو وابن القاسم، وابن حزم بالحسن البصري الذي نسبه إليه ابن عبد السلام من المالكية القول بجواز أن تتولى المرأة القضاء٢.
كما أنه ثبت النقل عن ابن جرير أنه قال بجواز أن تتولى المرأة القضاء وما أثير حول صحة هذه النسبة إلى ابن جرير لم يثبت, وثبت صحة نسبة رأي ابن جرير إليه.
ثانيا: نوقش الاستدلال بالإجماع أيضا بأنه على التسليم بأن الإجماع حجة شرعية، وأنه يمكن تحققه فإن الإجماع المدعى لم يصح، أي: لم يثبت إجماع على
стр. 138
عدم تولي المرأة الولايات العامة؛ لأنه ثبت أن السيدة عائشة ﵂ قد تولت قيادة الجيش وتزعمت الثورة ضد علي بن أبي طالب، ومعها من خيرة الصحابة أمثال الزبير بن العوام، وابنه عبد الله، وطلحة بن عبيد الله ولم ينكروا عليها.
فهذا دليل على عدم صحة دعوى الإجماع، ويدل في نفس الوقت على جواز تولية المرأة القضاء؛ لأن القضاء أقل خطرا، وأدنى إلى تصون المرأة من قيادة الجيش، وتزعم الثورات١.
ما أجيب به عن هذه المناقشة:
أجيب عن هذه المناقشة بأن السيدة عائشة -رضي الله تعالى عنها- لم تخرج زعيمة لثورة، أو قائدة لجيش.
أما أنها لم تخرج زعيمة لثورة، فيدل عليه أنه لم ينقل أحد من المؤرخين أن عائشة ومن معها نازعوا عليا في الخلافة.
أما أنها لم تكن قائدة لجيش؛ فلأن الثابت من كتب التاريخ أنها خرجت بتأثير جماعة يتزعمهم طلحة والزبير، أرادوا أن يوفقوا بين الناس، ويزيلوا ما بينهم من أسباب الخلاف بما في ذلك أمر قتلة عثمان، ورأوا أن وجود السيدة عائشة معهم، وهي أم المؤمنين، زوج رسول الله ﷺ ، يمكن أن يؤدي إلى انضمام الناس إليهم، وأقنعوها بأن في خروجها إصلاحا بين الناس فخرجت لذلك. يقول ابن العربي المفسر المعروف في كتابه أحكام القرآن: "وأما خروجها إلى حرب الجمل فما خرجت لحرب، ولكن تعلق الناس بها، وشكوا إليها ما صاروا إليه من عظيم الفتنة، وتهارج الناس، ورجوا بركتها في الإصلاح، وطمعوا في الاستحياء منها
стр. 139
إذا وقفت إلى الخلق وظنت هي ذلك، فخرجت مقتدية بالله في قوله: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ ١، وبقوله٢: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ ٣، وكاد الصلح أن يتم بين الفريقين المتنازعين، ولكن الأمور تطورت إلى غير ما يرجون، بفعل دعاة الفتنة من قتلة عثمان -رضي الله تعالى عنه، الذي خافوا أن يدفعوا إلى القتل إذا تم الصلح بين الفريقين.
كان خروج عائشة اجتهادا منها، وقد ثبت رجوعها عن اجتهادها:
على أن خروج السيدة عائشة -رضي الله تعالى عنها- كان اجتهادا منها، وقد ثبت أنها رجعت عن اجتهادها، وخطأت نفسها في ذلك، فلا حجة في فعلها حتى لو فرضنا جدلا أنها كانت قائدة لجيش، روى الطبري بسند صحيح عن أبي يزيد المديني، قال: قال عمار بن ياسر لعائشة لما فرغوا من الجمل: ما أبعد هذا السير من العهد الذي عهد إليكن -يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ ٤، فقالت: أبو اليقظان؟ قال: نعم، قالت: والله إنك -ما علمت- لقوال بالحق، قال: "الحمد لله الذي قضي لي على لسانك"٥.
الدليل الرابع: القياس
الإجماع قام على عدم جواز أن تتولى المرأة رياسة الدولة، استنادا لحديث: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، وطبيعة المرأة تؤيد هذا، فهي بحكم غريزة
стр. 140
الأمومة فيها عاطفية سريعة التأثر، سهلة الانقياد، وبحكم ما يعتريها من الأمور الطبيعية الخاصة بالنساء، من الحيض، والحمل، والولادة على مر الشهور، والأعوام، أضعف من أن تصل إلى الرأي الصائب الذي يحتاج إلى الاجتهاد وإعمال الفكر وتدافع عنه، وتواجه المشاكل بقدم ثابتة وقلب جريء، فيقاس القضاء على رياسة الدولة، بجامع أن كلا منهما ولاية عامة، فتكون ممنوعة من تولي القضاء، كما أنها ممنوعة من تولي رياسة الدولة.
مناقشة هذا الدليل:
نوقش هذا الدليل بأن الأنوثة تصلح علة تمنع المرأة من تولي رياسة الدولة؛ لأن هذا المنصب يحتاج شاغله إلى الحزم والعزم، والإقدام والهيبة، وهي أمور لا تتوافر للمرأة غالبا، بل إننا نجد بعض القادة من الرجال تنهار أعصابهم إذا تعرضوا لموقف صعب من المواقف التي تتعرض لها الدول والشعوب، فكيف إذا تعرضت المرأة لمثل ذلك.
ولكن الأنوثة في جانب القضاء لا تصلح أن تكون علة لمنع المرأة من تولي هذا المنصب، بل الأنوثة وصف طردي لا تأثير له، إذ قد ثبت بالإجماع -ولا أقل من اتفاق الخصوم- أن الأنوثة لا تأثير لها في الولاية الخاصة، كالوصاية على اليتيم، أو الولاية على الوقف فكذلك القضاء؛ لأن مناط الحكم هو القدرة على الولاية دون نظر إلى عموم أو خصوص١.
ما أجيب عن هذه المناقشة:
أجيب عن هذه المناقشة بأمرين:
стр. 141
الأمر الأول: أن الأنوثة مظنة الإخلال، أو عدم قيام المرأة قياما كاملا بأعباء الولاية، والأنوثة موجودة في كل ولاية من الولايات العامة ومنها القضاء, فلا يجوز تولية المرأة أي ولاية من الولايات، ولولا أن الإجماع قد قام على استثناء بعض الولايات فجاز أن تتولى المرأة هذه الولايات التي قام الإجماع على جوازها اكتفاء بالقدرة فيها، لقلنا أيضا بأنه لا يجوز للمرأة تولي أي نوع من الولايات، وتخصيص العلة بدليل هو الراجح عند علماء الأصول١.
الأمر الثاني: أن القول بوجود الفارق بين ولاية القضاء ورياسة الدولة، وهو القدرة في ولاية القضاء دون رياسة الدولة -مع أن كلا منهما ولاية عامة- تحكم محض، والمساواة بين القضاء والوصاية على اليتيم نوع آخر من التحكم الذي لا يستند إلى دليل، وهذا مرفوض في البحث العلمي٢.
الدليل الخامس: ربما كانت المرأة ذات جمال باهر، فتحدث فتنة، وربما كان كلامها فتنة فيحدث الممنوع شرعا، وما أدى إلى الممنوع ممنوع.
الدليل السادس: القضاء أكبر من حال الإمامة في الصلاة، ولما كان لا يجوز للمرأة أن تكون إمامة الرجال في الصلاة، مع جواز إمامة الفاسق، كان منعها من القضاء الذي لا يصح من الفاسق من باب أولى.
الدليل السابع: القاضي يحضر محافل الخصوم والرجال فهو محتاج إلى
стр. 142
مخالطتهم والمرأة مأمورة بالتخدر فهي ليست أهلا للحضور في محافل الرجال١.
الدليل الثامن: القضاء يحتاج إلى كمال الرأي، وتمام العقل والفطنة، والمرأة ناقصة العقل قليلة الرأي، وقد نبه الله على نسيان النساء بقوله ﵎ في مقام الشهادة: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ ٢.
فالنساء - في الغالب- حتى لو كان بعضهن شديد الذكاء وأفضل من كثير من الرجال، هن معرضات للنسيان، وهذا مؤثر لا شك على استخدام الملكة العقلية، ولعل السبب في هذا ما يعتري المرأة من أمور غالب الظن أنها مؤثرة في قوة التذكر وكمال العقل، كالمرض الشهري، والحمل، والولادة، وما يصاحبهما من ثقل وآلام، وحمل لهموم الصغار ليلا ونهارا، وما يغلب في شأنها من قوة العاطفة التي يمكن أن تكون مؤثرا خطر عل كمال قدراتها العقلية حين الالتجاء إلى الملكة العقلية في حل المستعصي من المشكلات، والعويص من القضايا، فالعاطفة وشدتها يمكن أن تشوش على العاقل حتى لو كان حاد الذكاء شديد الفطنة.
الدليل التاسع: لو كانت المرأة تصلح لقضاء لثبت توليتها هذا المنصب في عصر رسول الله ﷺ ، أو عصر الخلفاء الراشدين، ولكن لم ينقل أن رسول الله ﷺ ولاها القضاء، أو ولاية بلد من البلاد،
стр. 143
ولا ولاها أحد من الخلفاء الراشدين ذلك، ولا من بعدهم، ولو جاز ذلك لما خلا منه الزمان غالبا١.
دليل رأي الحنفية:
أما الحنفية وهم القائلون بأن لا يجوز تولية المرأة القضاء، لكن لو وليت وحكمت في بعض القضايا، فإنه -مع إثم من ولاها- لا ينفذ قضاؤها إلا في الأمور التي تصح فيها شهادتها، مثل: مسائل الرضاع، والولادة، والأموال وما ماثل هذا، وهي ما عدا مسائل الحدود والقصاص، فقد استدلوا على عدم جواز توليتها القضاء بالأدلة التي استدل بها جمهور العلماء، وكان مقتضى هذا أن تكون هذه الأدلة أيضا دالة على عدم صحة توليها القضاء، إلا أنهم استدلوا على صحة قضائها في غير مسائل الحدود والقصاص، أي: نفاذ حكمها -مع إثم من ولاها- بأن القضاء يشارك الشهادة في باب الولاية، والمرأة يصح لها أن تشهد في غير الحدود والقصاص، فيصح أن تكون قاضية في غير الحدود والقصاص٢.
مناقشة استدلال الحنفية:
أجيب عن هذا الاستدلال بأمرين:
الأول: أن الولاية في الشهادة تغاير الولاية في القضاء، وهذا يستلزم أن تكون الأهلية في الشهادة مغايرة للأهلية في القضاء.
فمع أن كلا من القضاء والشهادة ولاية إلا أن الولاية في القضاء عامة شاملة، والولاية في الشهادة ليس فيها العموم والشمول بل هي خاصة قاصرة،
стр. 144
وليس كل من يصلح لتولي الأمور الخاصة صالحا لتولي الأمور العامة١.
وأيضا فإن ولاية القضاء تلزم الحق بدون واسطة، وأما ولاية الشهادة فلا تلزم إلا بواسطة حكم القاضي، فالفارق متحقق بين الولايتين، وإذا تحقق الفارق فلا يصح أن تبنى إحداهما على الأخرى٢.
الثاني: أن أدلة جمهور العلماء أفادت نفي جواز أن تتولى المرأة القضاء، وهذا يستتبع نفي الصحة، فإذا كنتم أيها الحنفية ترون كما يرى جمهور العلماء عدم جواز تولي المرأة القضاء فإن هذا يستلزم أن يكون حكمها غير صحيح.
الرد على المناقشة:
أجيب عن الأمر الثاني بأن ما استدل به الجمهور غاية ما يفيد أنه لا يجوز تولية المرأة القضاء والكلام, فيما لو وليت هذا المنصب وأثم موليها بذلك، أو حكمها خصمان، فقضت قضاء يوافق أحكام الشرع أكان ينفذ قضاؤها أم لا ينفذ؟ لم يقم دليل على عدم جواز التنفيذ بعد موافقة ما أنزل الله من الشرع، إلا إذا ثبت شرعا سلب أهليتها، ولا يوجد في الشرع، ما يسلب أهلية المرأة فليس في الشرع إلا نقصان عقلها، ومعلوم أنه لم يصل إلى حد سلب ولايتها بالكلية، يؤيد هذا أنها تصلح شاهدة، وناظرة في الأوقاف ووصية على اليتامى، ونقصان عقلها بالنسبة والإضافة، ثم هو منسوب إلى جنس النساء فيجوز في الفرد خلافه، فالعلماء يصرحون بصدق أن تقول: الرجل خير من المرأة مع أنه يجوز أن تكون بعض أفراد النساء خيرا من بعض أفراد الرجال، ولهذا النقص الغريزي نسب -صلى الله
стр. 145
عليه وسلم- لمن يوليهم عدم الفلاح فكان الحديث متعرضًا للمولين، ولهن بنقص الحال، وهذا حق لكن الكلام فيما لو وليت فقضت بالحق لماذا يبطل ذلك الحق١.
دليل من قال بجواز توليتها القضاء:
استدل لهذا الرأي بما يأتي:
الدليل الأول: الأصل٢ هو أن كل من تكون عنده مقدرة الفصل في قضايا الناس، يكون حكمه جائزا، هذا هو أصل عام، أي: قاعدة كلية، وقد خصص الإجماع هذا الأصل العام، فأجمع العلماء على عدم جواز تولية المرأة رياسة الدولة، لوجود الحديث المفيد هذا الحكم، فيكون ما خصصه الإجماع هو المستثنى من هذا الأصل العام، ويبقى ما عداه على الحكم الأصل، وعلى هذا يصح للمرأة أن تتولى القضاء، ولا تعد أنوثتها مانعا؛ لأنها لا تؤثر في فهمها للحجج، وفصلها في الخصومات٣.
مناقشة هذا الدليل:
أولا: المرأة غير قادرة على أن تفصل في الخصومات على الصورة الكاملة، للنقصان الطبيعي فيها؛ ولأنها تنساق كثيرا وراء العاطفة، ولتعرضها للأمور الطبيعية التي تخص النساء، من حيض، وحمل وولادة، وإرضاع، وهذا مما يؤثر على