← Сияса и кади

Сияса и кади · id 10744

النظام القضائي في الفقه الإسلامي

محمد رأفت عثمان

Полный текст (596 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الأمر الأول: أن الأنوثة مظنة الإخلال، أو عدم قيام المرأة قياما كاملا بأعباء الولاية، والأنوثة موجودة في كل ولاية من الولايات العامة ومنها القضاء, فلا يجوز تولية المرأة أي ولاية من الولايات، ولولا أن الإجماع قد قام على استثناء بعض الولايات فجاز أن تتولى المرأة هذه الولايات التي قام الإجماع على جوازها اكتفاء بالقدرة فيها، لقلنا أيضا بأنه لا يجوز للمرأة تولي أي نوع من الولايات، وتخصيص العلة بدليل هو الراجح عند علماء الأصول١. الأمر الثاني: أن القول بوجود الفارق بين ولاية القضاء ورياسة الدولة، وهو القدرة في ولاية القضاء دون رياسة الدولة -مع أن كلا منهما ولاية عامة- تحكم محض، والمساواة بين القضاء والوصاية على اليتيم نوع آخر من التحكم الذي لا يستند إلى دليل، وهذا مرفوض في البحث العلمي٢. الدليل الخامس: ربما كانت المرأة ذات جمال باهر، فتحدث فتنة، وربما كان كلامها فتنة فيحدث الممنوع شرعا، وما أدى إلى الممنوع ممنوع. الدليل السادس: القضاء أكبر من حال الإمامة في الصلاة، ولما كان لا يجوز للمرأة أن تكون إمامة الرجال في الصلاة، مع جواز إمامة الفاسق، كان منعها من القضاء الذي لا يصح من الفاسق من باب أولى. الدليل السابع: القاضي يحضر محافل الخصوم والرجال فهو محتاج إلى

стр. 142

مخالطتهم والمرأة مأمورة بالتخدر فهي ليست أهلا للحضور في محافل الرجال١. الدليل الثامن: القضاء يحتاج إلى كمال الرأي، وتمام العقل والفطنة، والمرأة ناقصة العقل قليلة الرأي، وقد نبه الله على نسيان النساء بقوله ﵎ في مقام الشهادة: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ ٢. فالنساء - في الغالب- حتى لو كان بعضهن شديد الذكاء وأفضل من كثير من الرجال، هن معرضات للنسيان، وهذا مؤثر لا شك على استخدام الملكة العقلية، ولعل السبب في هذا ما يعتري المرأة من أمور غالب الظن أنها مؤثرة في قوة التذكر وكمال العقل، كالمرض الشهري، والحمل، والولادة، وما يصاحبهما من ثقل وآلام، وحمل لهموم الصغار ليلا ونهارا، وما يغلب في شأنها من قوة العاطفة التي يمكن أن تكون مؤثرا خطر عل كمال قدراتها العقلية حين الالتجاء إلى الملكة العقلية في حل المستعصي من المشكلات، والعويص من القضايا، فالعاطفة وشدتها يمكن أن تشوش على العاقل حتى لو كان حاد الذكاء شديد الفطنة. الدليل التاسع: لو كانت المرأة تصلح لقضاء لثبت توليتها هذا المنصب في عصر رسول الله ﷺ ، أو عصر الخلفاء الراشدين، ولكن لم ينقل أن رسول الله ﷺ ولاها القضاء، أو ولاية بلد من البلاد،

стр. 143

ولا ولاها أحد من الخلفاء الراشدين ذلك، ولا من بعدهم، ولو جاز ذلك لما خلا منه الزمان غالبا١. دليل رأي الحنفية: أما الحنفية وهم القائلون بأن لا يجوز تولية المرأة القضاء، لكن لو وليت وحكمت في بعض القضايا، فإنه -مع إثم من ولاها- لا ينفذ قضاؤها إلا في الأمور التي تصح فيها شهادتها، مثل: مسائل الرضاع، والولادة، والأموال وما ماثل هذا، وهي ما عدا مسائل الحدود والقصاص، فقد استدلوا على عدم جواز توليتها القضاء بالأدلة التي استدل بها جمهور العلماء، وكان مقتضى هذا أن تكون هذه الأدلة أيضا دالة على عدم صحة توليها القضاء، إلا أنهم استدلوا على صحة قضائها في غير مسائل الحدود والقصاص، أي: نفاذ حكمها -مع إثم من ولاها- بأن القضاء يشارك الشهادة في باب الولاية، والمرأة يصح لها أن تشهد في غير الحدود والقصاص، فيصح أن تكون قاضية في غير الحدود والقصاص٢. مناقشة استدلال الحنفية: أجيب عن هذا الاستدلال بأمرين: الأول: أن الولاية في الشهادة تغاير الولاية في القضاء، وهذا يستلزم أن تكون الأهلية في الشهادة مغايرة للأهلية في القضاء. فمع أن كلا من القضاء والشهادة ولاية إلا أن الولاية في القضاء عامة شاملة، والولاية في الشهادة ليس فيها العموم والشمول بل هي خاصة قاصرة،

стр. 144

وليس كل من يصلح لتولي الأمور الخاصة صالحا لتولي الأمور العامة١. وأيضا فإن ولاية القضاء تلزم الحق بدون واسطة، وأما ولاية الشهادة فلا تلزم إلا بواسطة حكم القاضي، فالفارق متحقق بين الولايتين، وإذا تحقق الفارق فلا يصح أن تبنى إحداهما على الأخرى٢. الثاني: أن أدلة جمهور العلماء أفادت نفي جواز أن تتولى المرأة القضاء، وهذا يستتبع نفي الصحة، فإذا كنتم أيها الحنفية ترون كما يرى جمهور العلماء عدم جواز تولي المرأة القضاء فإن هذا يستلزم أن يكون حكمها غير صحيح. الرد على المناقشة: أجيب عن الأمر الثاني بأن ما استدل به الجمهور غاية ما يفيد أنه لا يجوز تولية المرأة القضاء والكلام, فيما لو وليت هذا المنصب وأثم موليها بذلك، أو حكمها خصمان، فقضت قضاء يوافق أحكام الشرع أكان ينفذ قضاؤها أم لا ينفذ؟ لم يقم دليل على عدم جواز التنفيذ بعد موافقة ما أنزل الله من الشرع، إلا إذا ثبت شرعا سلب أهليتها، ولا يوجد في الشرع، ما يسلب أهلية المرأة فليس في الشرع إلا نقصان عقلها، ومعلوم أنه لم يصل إلى حد سلب ولايتها بالكلية، يؤيد هذا أنها تصلح شاهدة، وناظرة في الأوقاف ووصية على اليتامى، ونقصان عقلها بالنسبة والإضافة، ثم هو منسوب إلى جنس النساء فيجوز في الفرد خلافه، فالعلماء يصرحون بصدق أن تقول: الرجل خير من المرأة مع أنه يجوز أن تكون بعض أفراد النساء خيرا من بعض أفراد الرجال، ولهذا النقص الغريزي نسب -صلى الله

стр. 145

عليه وسلم- لمن يوليهم عدم الفلاح فكان الحديث متعرضًا للمولين، ولهن بنقص الحال، وهذا حق لكن الكلام فيما لو وليت فقضت بالحق لماذا يبطل ذلك الحق١. دليل من قال بجواز توليتها القضاء: استدل لهذا الرأي بما يأتي: الدليل الأول: الأصل٢ هو أن كل من تكون عنده مقدرة الفصل في قضايا الناس، يكون حكمه جائزا، هذا هو أصل عام، أي: قاعدة كلية، وقد خصص الإجماع هذا الأصل العام، فأجمع العلماء على عدم جواز تولية المرأة رياسة الدولة، لوجود الحديث المفيد هذا الحكم، فيكون ما خصصه الإجماع هو المستثنى من هذا الأصل العام، ويبقى ما عداه على الحكم الأصل، وعلى هذا يصح للمرأة أن تتولى القضاء، ولا تعد أنوثتها مانعا؛ لأنها لا تؤثر في فهمها للحجج، وفصلها في الخصومات٣. مناقشة هذا الدليل: أولا: المرأة غير قادرة على أن تفصل في الخصومات على الصورة الكاملة، للنقصان الطبيعي فيها؛ ولأنها تنساق كثيرا وراء العاطفة، ولتعرضها للأمور الطبيعية التي تخص النساء، من حيض، وحمل وولادة، وإرضاع، وهذا مما يؤثر على

стр. 146

قدرتها في فهم حجج المتخاصمين، وتكوين الحكم الكامل لديها، وطبيعتها تعرضها للنسيان، وهو ما قد يؤدي إلا أن يفوتها شيء من الأدلة أو وقائع القضية التي تنظرها. ثانيا: هذا القول منقوض برياسة الدولة، إذ إن المرأة قد تكون لها القدرة على أن تقوم بأعباء هذا المنصب، ومع ذلك فإن العلماء مجمعون على أنه لا يجوز لها أن تتولاه١. ويمكن أن يجاب عن هذا بأن القائلين بالجواز استثنوا رياسة الدولة لوجود الإجماع على منعها من توليها، المستند إلى الحديث: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة". وهذا نظير عود الاستثناء في قوله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . فإن الجمهور الذين يرون عود الاستثناء على جميع الجمل السابقة عليه يرون في نفس الوقت عدم سقوط الحد؛ لأن الحد في القذف لا يسقط بالإجماع فكذلك هنا يمكن الرد بأن رياسة الدولة مستثناة من هذه القاعدة التي نقول بها بالإجماع استنادا إلى قول رسول الله ﷺ : "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة". الدليل الثاني: المرأة يجوز لها أن تكون مفتية، فيقاس القضاء على الإفتاء، بجامع أن كلا منهما مظهر للحكم الشرعي فيجوز أن تكون قاضية "المغني ج٩، ص٣٩". مناقشة هذا الدليل: أجيب عن هذا الدليل بأنه قياس مع الفارق والقياس مع الفارق لا يصح، والفارق هنا من ناحيتين:

стр. 147

الناحية الأولى: أن القضاء ولاية، والفتيا ليست كذلك١؛ لأن الفتيا لا إلزام فيها، بخلاف القضاء فإنه ملزم للخصمين. الناحية الثانية: أن المستفتي له أن يأخذ الفتوى وأن يدعها، بخلاف القضاء فإنه حكم ملزم. ما أجيب به عن المناقشة: أجيب عن هذه المناقشة بأن الفتوى أيضا قد تكون ملزمة، وذلك حين لا يكون هنالك إلا واحد يصلح للإفتاء، ولم يستثنوا هذه الحالة من أهلية المرأة للفتوى، مع أنها إذ ذاك ولاية، فالفتيا ولاية في الجملة هنا، أي: ولاية في بعض أجزاء المسألة التي نحن بصددها. الرد على الجواب: رد بعض العلماء بأن الإلزام هنا للضرورة، ومن المعروف أن الضرورة لها أحكام خاصة تخالف أحكام حالة الاختيار، وموضوع الخلاف مفروض في حالة الاختيار، ولهذا لو وجدت حالة الضرورة في قضاء المرأة، بأن ولاها سلطان ذو شوكة "قوة"، فإنه ينفذ قضاؤها، لئلا تتعطل مصالح الناس كما قال العلماء، وبهذا يظهر أن حالة الضرورة في قضاء المرأة هي حالة استثنائية٢. الدليل الثالث: قياس القضاء على الحسبة، وقد روي أن عمر بن الخطاب

стр. 148

رضي الله تعالى عنه ولى امرأة كان تدعى أم الشفاء ولاية الحسبة على السوق١, فيجوز تولية المرأة القضاء قياسا على الحسبة، بجامع أن كلا منهما ولاية عامة، فألأصل المقيس عليه هنا هو الحسبة، والفرع المقيس هو القضاء، والعلة الجامعة فيهما هي أن كلا منهما ولاية عامة, والحكم هو جواز تولي المرأة الحسبة فجاز بناء على هذا القياس توليتها القضاء. وقد استدل بهذا ابن حزم٢. لكن هنا ملاحظة نحب أن نبينها هي أن غير ابن حزم استدل بهذا الأثر عن عمر على أنه استدلال بالقياس، فقاس القضاء على الحسبة، أما ابن حزم فمذهبه الفقهي والأصولي أن

стр. 149

القياس ليس مصدرا من مصادر التشريع، وهو مذهب الظاهرية الذي ينتمي إليه ابن حزم، قال ابن حزم: "ولا يحل الحكم بقياس، ولا بالرأي، ولا بالاستحسان، ولا بقول أحد ممن دون رسول الله ﷺ ، دون أن يوافق قرآنا أو سنة صحيحة؛ لأن كل ذلك حكم بغالب الظن، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ وقال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ وقال رسول الله ﷺ : "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث" ١. ولهذا فإن ابن حزم لم يسق هذا الأثر ليقيس القضاء على الحسبة, وإلا لكان وقع في خطأ هو استدلاله بالقياس مع أن القياس لا يستدل به الظاهرية، وإنما كانت عبارة ابن حزم في كتابه المحلى: "وجائز أن تلي المرأة الحكم وهو قول أبي حنيفة، وقد روي عن عمر بن الخطاب، أنه ولى الشفاء -امرأة من قومه- السوق"٢. وغالب الظن أن ابن حزم يرى أن المرأة التي يروى أن عمر بن الخطاب ولاها السوق، تولت القضاء والفصل في الخصومات التي تحدث بين أهل السوق. فلم يذكر ابن حزم هذا الأثر ليقيس القضاء على عمل المرأة التي روي أن عمر ولاها السوق، وإنما في غالب الظن هو يرى أن هذا العمل هو في حقيقته نوع من القضاء. مناقشة الدليل: أجيب عن هذا الدليل بما يأتي:

стр. 150

أولا: أن فعل عمر ليس حجة؛ لأنه لا حجة لكلام أحد أو فعله سوى رسول الله ﷺ ، كما هو الراجح عند علماء الأصول، ولم يدع أحد من العلماء أنه لم يعرف لفعل عمر مخالف، حتى يكون إجماعا تثبت به الدعوى. وقد علق بعض الباحثين١ على استدلال ابن حزم بهذا الأثر المروي عن عمر قائلا: ومن العجيب أن يستدل ابن حزم بفعل عمر مع أنه ينفي حجية رأي الصحابي، وأعجب من هذا أنه خالف عادته عند الاستدلال بهذا الأثر، فلم يذكر له سندا، أو درجة، وأعجب من العجب أن يستأنس هنا بقول أبي حنيفة مع أنه أوسعه في غير هذا الموضع تشنيعا، وتجريحا. والأعجب من ذلك كله أنه يرى أن المرأة لا تزوج نفسها، ولا غيرها، ثم يرى هنا تقليدها القضاء لتزوج غيرها بمقتضى ولاية القضاء. ونقول من الممكن أن يتولى عقد الزواج في حال المرأة التي لا ولي لها قاض رجل، ولا تتولاه المرأة إذا كانت قاضية، وهذا لا مشقة فيه. ثانيا: سلمنا جدلا أن فعل عمر حجة، لكن هذا الأثر بالذات لم يثبت عنه، ولهذا يقول ابن العربي: "وروي أن عمر قدم امرأة على حسبة السوق، وهذا لم صح، فلا تلتفتوا إليه، إنما هو من دسائس المبتدعة في الأحاديث"٢. الدليل الرابع: أنه ثبت أن الشرع أعطى للمرأة حق الولاية على بيت زوجها، وقيامها على إدارته وتدبيره فيجوز توليتها القضاء قياسا على ولايتها على بيت زوجها، بجامع أن كلا منهما ولاية، روى أحمد، ومسلم عن ابن عمر أن

стр. 151

رسول الله ﷺ قال: "كلكم راع، ومسئول عن رعيته، الإمام راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل في أهله راع وهو مسئول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسئولة عن رعيتها" الحديث. مناقشة الدليل: أجيب عن هذا بأن ولايتها على بيت زوجها ولاية خاصة، أما ولاية القضاء فولاية عامة، فلا يصح القياس هنا. الدليل الخامس: قياس القضاء على الشهادة، وبما أن الشهادة ثابتة للمرأة بنص القرآن الكريم، من قول الله ﵎: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ ١. فيثبت لها ولاية القضاء بطريق القياس. مناقشة الدليل: نوقش هذا الدليل بمثل ما نوقش به الدليل الرابع، أي: إنه لا يصح قياس ولاية القضاء على ولاية الشهادة؛ لأن ولاية القضاء عامة، وولاية الشهادة خاصة. وبعد، فإنه لم يترجح لي رأي من آراء علمائنا في مسألة تولي المرأة منصب القضاء، إلا أنه لا يفوتني أن أقول إنني أرجو ألا أكون بعيدا عن الصواب إذا قلت إنه يصح تولية المرأة القضاء, في القضايا التي يكون طرفا الخصومة فيها من النساء، كالحوادث التي تحدث بينهن في مجالسهن الخاصة؛ لأن القضاء في الحقيقة هو إظهار الحكم الشرعي في قضية من القضايا، ولا أظن أن أحدًا يجادل في أن كلا من الرجل والمرأة يستويان في هذه الناحية، وغاية ما هناك أن القضاء فيه إلزام

стр. 152

بخلاف إظهار الحكم الشرعي من المفتي مثلا، لكن يمكن أن نقول إن الإلزام بعد حكم القاضي إنما جاء من الشرع، لا من القاضي وواسطة التنفيذ هنا هي الحاكم. وإذا قلنا بهذا الرأي فإننا نشترط شرطا هو أن يكون ذلك في غير مسائل القصاص والحدود؛ لأنه قد ثبت أن المرأة بتكوينها النفسي والعاطفي قد تضعف عن نظر قضية قتل، وقد نشرت صحيفة الاتحاد التي تصدر في "أبو ظبي"، يوم الثلاثاء الموافق ٢٣ من فبراير سنة ١٩٨٨، أن قاضية في روما أصيبت بالإغماء عند سماعها تفاصيل جريمة قتل رهيبة حدثت في إيطاليا، قام فيها المجرم بتقطيع أوصال المجني عليه قبل أن يفارق الحياة، ولك أن تتصور أيها القارئ ما يحدث في جلسة محاكمة عندما تصاب القاضية بالإغماء، فعدم تولي المرأة القضاء في قضايا القصاص يصون المرأة من أن تتعرض لموقف يهز وجدانها وعواطفها. وكذلك لا يسمح لها بالقضاء في قضايا الحدود؛ لأنه لا يصح لها عند جمهور العلماء أن تشهد فيها, فلا يصح لها أن تقضي بطريق الأولى، ولا نتصور أن تنظر المرأة قضية جريمة الزنا، ولا يؤدي سماعها لتفصيل وصف الشهود لوقوع الجريمة إلى إيذاء مشاعرها، وجرح أنوثتها، وخدش حيائها.

стр. 153

الشرط السادس من شروط القاضي: العدالة توضيح معنى العدالة عند العلماء ... الشرط السادس من شروط القاضي: العدالة ليس المقصود بالعدالة هنا أن يكون الشخص عادلا في أحكامه, كما قد يتبادر إلى ذهن القارئ الذي ليس له دراية بأساليب الفقهاء، بل لهذه الكلمة معنى آخر يريده العلماء، فعندما يشترط العلماء العدالة في الشخص، فإنهم يقصدون بها استعدادا ذاتيا يمنعه من ارتكاب الجرائم والمخالفات التي نهى الشرع عنها، بل ويقصدون أيضًا أن استعداده الذاتي يمنعه من فعل الأمور التي لم ينه الشرع عنها لكنها لا تليق بأمثاله بحسب عرف الناس في زمانه ومكانه. توضيح معنى العدالة عند العلماء: اختلفت عبارات العلماء في توضيح حقيقة العدالة، فال بعض العلماء من الحنفية، من لم يطعن عليه في بطن ولا فرج فهو عدل، أي: إنه لم يتهم بأكل الحرام كالربا والسرقة، والعصب، وأكل مال اليتيم، وما شابه هذا، ولم يتهم بالزنا، وقال بعض العلماء من الحنفية من لم يعرف عليه جريمة في دينه فهو عدل، وقال بعضهم أيضا من يجتنب الكبائر، وأدى الفرائض، وغلبت حسناته سيئاته فهو عدل١، وعرفها ابن الحاجب بأنها محافظة دينية تحمل على ملازمة التقوى والمروءة، ليس معها بدعة، وبين ابن الحاجب أنها تتحقق باجتناب الكبائر، وترك الإصرار على الصغائر، وبعض الصغائر، وبعض المباح٢. ونقل ابن السبكي٣ عن بعض العلماء قوله: "لا بد عندي في العدالة من وصف آخر لم يتعرضوا إليه، وهو الاعتدال عند انبعاث الأغراض حتى يملك نفسه عن اتباع هواه. فإن المتقي للكبائر والصغائر الملازم لطاعة الله وللمروءة قد يستمر على ذلك ما دام سالما من الهوى، فإذا غلب هواه خرج عن الاعتدال, وانحل عصام التقوى فقال ما يهواه، وإبقاء هذا الوصف هو المقصود من العدل، كما يشير إليه قوله

стр. 154

تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ ٢ فكم من صالح لا شك في صلاحه من عصمته أن لا يحد وفي نفسه أن لا يعصي، فإذا جرت عليه المقادير وغلب هواه قامت نفسه فانبعث منها ما لا يبقى معه صلاح. "فلا بد أن يمتحن الصالح حتى يعرف حاله في الرضا والغضب، وعند الأغراض، فإذا استوى كلامه فهو العدل، وإلا فليس بعدل وإن كان صالحا قبل حصول ما يغيره. فالعدالة هيئة راسخة في النفس تحمل على الصدق في القول في الرضا والغضب، ويعرف ذلك باجتناب الكبائر، وعدم الإصرار على الصغائر وملازمة المروءة والاعتدال، عند انبعاث الأغراض حتى يملك نفسه عن اتباع هواه. "فقد رأيت من لا يقوم على ذنب فيما يعتقد ثم يستر هواه، على عقله أعاذنا الله من ذلك". هذا ما يراه بعض العلماء نقله عنهم ابن السبكي وارتضاه مع زيادة رآها لا بد منها وهي -كما قال: "يشترط مع ذلك أن لا يكون متلبسا -حال الشهادة- بمعصية، وإن كانت صغيرة تغتفر إذا لم يكن متلبسا بها حال الشهادة. قال ابن السبكي: "وهذا لأن المعاصي من حيث هي منافية للعدالة، إلا أننا اغتفرنا الصغائر لقلة الصون عنها، ولا يقبل ذلك عند أداء الشهادة، فلمنصب

стр. 155

الشهادة أهبة تنافي المعاصي عنده. قال ابن السبكي: "وكان هذا للمحافظة على هذا المنصب، فإن من تلبس بالمعصية حال الشهادة كأنه لا مروءة له، وهذا الشرط قاله بعض أصحابنا بدليل". انتهى كلام ابن السبكي أحد كبار علماء الشافعية، وواضح من كلام ابن السبكي وشيخه أنهما يشددان في تحقيق العدالة ليتحقق الاحتياط الكامل في حقوق الناس، لكن هذا التشديد قد لا يكون متيسرا في الواقع؛ لأن ابن السبكي وشيخه يريان أنه لا بد من امتحان الصالح حتى يعرف حاله في الرضا والغضب وعند الأغراض، فإذا استوى كلامه فهو العدل، وإلا فليس بعدل وإن كان صالحا قبل حصول ما يغيره. وكأن معنى هذا أننا كلما احتجنا إلى العدالة في ولاية كالشهادة أو القضاء، أو رياسة الدولة أو غير ذلك يمتحن من نحتاج إلى شهادته، أو قضائه، أو رياسته، ولا نحكم على الناس أنهم عدول إلا إذا عرضناهم لمواقف نختبرهم فيها لنعرف حالهم في الرضا والغضب وعند الأغراض، وأظن أن هذا أمر مبالغ فيه. ثم نسأل: من سيمتحن من؟ هل كل الناس سيتحولون إلى ممتحنين -بصيغة اسم الفاعل- وممتحنين -بصيغة اسم المفعول- أم أن الحكام سيمتحنون المحكومين أم ماذا؟ هذا رأي فيه شدة. وإذا انتقلنا إلى فقيه آخر من فقهاء الشافعية هو الإمام السيوطي نجده ينهج نفس المنهج في التشديد في تحقيق العدالة، فقد ذكر السيوطي تعريفا للعدالة عند بعض العلماء هو: "اجتناب الكبائر والإصرار على الصغائر" أي: واجتناب الإصرار

стр. 156

على الصغائر، وهذا التعريف ضعيف في نظر السيوطي لعدة أمور: أولا: لأن مجرد اجتناب الشخص للكبائر من غير أن تكون عنده ملكة وقوة تردعه عن الوقوع فيما يهواه غير كاف في صدق العدالة. وهذا غير مقبول من السيوطي؛ لأن المطلوب في المتصف بالعدالة أن لا يرتكب كبيرة، وقد وجد منه ذلك فليس لنا بعد هذا أن نبحث هل امتناعه من ارتكاب الكبيرة ناتج عن ملكة عنده، أو ليست عنده هذه الملكة؛ لأن هذا أمر نفسي. ثانيا: مما يضعف هذا التعريف أيضا في نظر السيوطي أن التعبير بالكبائر بلفظ الجمع يوهم أن ارتكاب الكبيرة الواحدة لا يضر وليس كذلك. ويمكن أن نجيب على هذا بأن المتبادر إلى الفهم إذا قيل إن إنسانا يجتنب الكبائر هو أنه لا يفعل أي كبيرة، ولا يفهم من هذا القول أنه يحتمل أنه يفعل كبيرة واحدة. ويلاحظ أن "أل" للجنس ويصدق ذلك بالمفرد. ثالثا: أن الإصرار على الصغائر من جملة الكبائر، فذكره في الحد تكرار، أي: ذكره في تعريفها تكرار، ويمكن أن نجيب بأن الإصرار على الصغائر وإن كان من جملة الكبائر حكما لا حقيقة لكن ذكره في التعريف يعد من زيادة الإيضاح. رابعًا: لأن صغائر الخسة كسرقة لقمة من الخبز وسرقة ليمونة أو برتقالة، وما شابه ذلك، ورذائل المباحات خارج عنه مع اعتباره. وهذا مسلم من السيوطي، وكان يمكن أن يتحاشى هذا الاعتراض بزيادة

стр. 157

تفيد هذا المعنى، فيقال مثلا: اجتناب الكبائر، والإصرار على الصغائر، والمباح الذي يخل بالمروءة، وإذا كان المباح الذي يخل بالمروءة طاعنا في العدالة فتكون الصغيرة الدالة على الخسة من باب أولى. والتعريف الذي يعده السيوطي أحسن تعريف للعدالة هو: "ملكة في النفس تمنع من اقتراف كبيرة، أو صغيرة دالة على الخسة، أو مباح يخل بالمروءة"١. وفي بعض كتب الشيعة الإمامية أن بعض أئمتهم يرى أن العدل يعرف بالستر والعفاف، وكف البطن والفرج واليد واللسان٢، ويمكن الاعتراض على من عرف العدل بأنه من لم يطعن عليه في بطن ولا فرج، وعلى من عرفه كذلك بأنه من يعرف بالستر والعفاف وكف البطن والفرج واليد واللسان، يمكن الاعتراض بأن عدم ارتكاب جريمة كبيرة كالقتل والزنا وشرب الخمر شرط في تحقيق العدالة، والكبائر ليست مختصة بالبطن والفرج واليد واللسان، فهناك جرائم كبيرة تصدر من عضو غير البطن والفرج واليد واللسان، كعقوق الوالدين والفرار من الزحف، فيكون التعريف غير جامع مع أنه يشترط في التعريف أن يكون جامعا مانعا. وإن كان يمكن الدفاع عن مثل هذا التعريف بأن تخصيص البطن والفرج بالذكر أو هما مع اليد واللسان, إنما بقصد به أن أكثر الجرائم الكبيرة تصدر عن هذه الأربعة٣. ويحسن أن ننبه إلى أن العلماء يصرحون بأن الإصرار على الصغيرة هو في حكم الكبيرة من حيث قدحه في العدالة وري عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس وغيرهما ﵃ أنهم قالوا: "لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع

стр. 158

إصرار" قال النووي رحمه الله تعالى: "ومعناه أن الكبيرة تمحى بالاستغفار، والصغيرة تصير كبيرة بالإصرار"١ ا. هـ، ولذلك فإن كلمة "كبيرة" في هذا التعريف تشمل الكبيرة حقيقة، كالقتل والزنا، وشرب الخمر، ونحو ذلك، وتشمل الإصرار على الصغيرة، ولهذا -في ظني- استغنى في هذا التعريف عن ذكر الإصرار على الصغيرة، وإن كان ذكر ذلك في التعريف -في رأيي- سيؤدي إلى زيادة إيضاح معنى العدالة. ومعنى "ملكة في النفس" أي: هيئة راسخة في النفس، أي: فطرة، أو ما يمكن أن نعبر عنه بعبارة أخرى استعداد ذاتي في الشخص، كما نقول: فلان عنده ملكة الرسم أي: عنده استعداد ذاتي يجعله يستطيع أن يرسم، وكما نقول: عنده ملكة الشعر أو ملكة الخطابة وهكذا. معنى الكبيرة: اضطربت أقوال العلماء في تعريف الكبيرة، حتى قال سلطان العلماء العز بن عبد السلام: "لم أقف لأحد من العلماء على ضابط لذلك"٢، يعني أنه لم يجد لها تعريفا عند العلماء سالما من الاعتراض، وقال النووي عن الصغائر والكبائر: "اختلفوا في ضبطها اختلافا كثيرا منتشرا جدا"٣. عرفها الرملي أحد فقهاء الشافعية بأنها "ما فيه وعيد شديد بنص كتاب أو

стр. 159

سنة" ثم قال: "ولا يقدح في ذلك عدهم كبائر ليس فيها ذلك، كالظهار١، وأكل لحم الخنزير"٢. لكن هذا من الرملي لا يسلم؛ لأنه لا بد في التعريف أن يكون جامعا مانعا، وهذا التعريف للكبيرة غير جامع لأفرادها؛ لأن الظهار وأكل الخنزير من الكبائر مع أنه لم يرد فيهما وعيد شديد لا في الكتاب ولا في السنة. وعرفها البعض بأنها: "كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة". أي: تشعر بأن مرتكبها قليل الاكتراث بالدين، وتشعر بأنه غير قوي التدين. واعترض على هذا التعريف بأنه يشمل الصغائر التي تدل على الخسة، كسرقة برتقالة، أو لقمة من الخبز، وما شابه ذلك، مع أن ذلك ليس بكبيرة، وعلى هذا فالتعريف غير مانع، والشرط في التعريف أن يكون جامعا مانعا. وقيل ما يوجب الحد٣. ويعترض على هذا بأن هناك جرائم من الكبائر ولا يجب فيها حد، كأكل أموال اليتامى، وشهادة الزور، وما ماثل هذا، فالتعريف غير جامع، ومن شروط التعريف الصحيح أن يكون جامعا٤.

стр. 160

وقيل في تعريفها: "ما فيه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة"١. وقيل أيضا: "كل ما كان شنيعا بين المسلمين، وفيه هتك حرمة الدين"٢. وقال أبو حامد العزالي٣: "والضابط الشامل المعنوي في ضبط الكبيرة أن كل معصية يقدم المرء عليها من غير استشعار خوف وحذار ندم كالمتهاون بارتكابها والمتجرئ عليها اعتيادا، فما أشعر بهذا الاستخفاف والتهاون فهو كبيرة، وما يحمل على فلتات النفس أو اللسان وفترة مراقبة التقوى، ولا ينفك عن تندم يمتزج به تنغيص التلذذ بالمعصية فهذا لا يمنع العدالة وليس هو بكبيرة". ويرى الإمام أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام٤ في كتاب القواعد أن الضابط في معرفة الفرق بين الصغيرة والكبيرة هو أن يعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر, التي نص الشرع عليها في الكتاب أو السنة، فإذا كانت ناقصة عن أقل مفاسد الكبائر فيكون هذا الذنب صغيرة، وأما إن كانت مفسدته مساوية لأدنى مفاسد الكبائر أو تزيد عليه فيكون هذا الذنب من الكبائر، وذكر أمثلة لهذا، كشتم الله أو رسوله ﷺ ، أو الاستهانة بالرسل أو تكذيب واحد منهم، قال: "فهي من أكبر الكبائر ولم يصرح الشرع بأنه كبيرة، وكذلك لو أمسك امرأة محصنة لمن يزني بها، أو أمسك مسلما لمن يقتله فلا شك أن مفسدة ذلك أعظم من مفسدة أكل مال اليتيم مع كونه من الكبائر، وكذلك لو

стр. 161

دل الكفار على عورات المسلمين, مع علمه أنهم يستأصلون بدلالته ويسبون حرمهم وأطفالهم ويغنمون أموالهم, فإن نسبته إلى هذه المفاسد أعظم من توليه يوم الزحف بغير عذر مع كونه من الكبائر، وكذلك لو كذب على إنسان كذبا يعلم أنه يقتل بسببه، أما إذا كذب عليه كذبا يؤخذ منه بسببه تمرة فليس كذبه من الكبائر، قال: وقد نص الشرع على أن شهادة الزور وأكل مال اليتيم من الكبائر فإن وقعا في مال خطير فهذا ظاهر، وإن وقعا في مال حقير فيجوز أن يجعلا من الكبائر فطما عن هذه المفاسد، كما جعل شرب قطرة من الخمر من الكبائر وإن لم تتحقق المفسدة، ويجوز أن يضبط ذلك بنصاب السرقة، قال: والحكم بغير الحق كبيرة، فإن شاهد الزور متسبب والحاكم مباشر، فإذا جعل السبب كبيرة فالمباشرة أولى. قال: وقد ضبط بعض العلماء الكبائر بأنها كل ذنب قرن به وعيد، أو حد، أو لعن، فعلى هذا كل ذنب علم أن مفسدته كمفسدة ما قرن به الوعيد، أو الحد، أو اللعن، أو أكثر من مفسدته فهو كبيرة، ثم قال: والأولى أن تضبط الكبيرة بما يشعر بتهاون مرتكبها في دينه إشعار أصغر الكبائر المنصوص عليها، والله أعلم. هذه بعض تعريفات علمائنا -رضي الله تعالى عنهم. والكبائر كثيرة، كالقتل والزنا، وشرب الخمر، والسرقة، وعقوق الوالدين، وأكل مال اليتيم، وشهادة الزور، والتعامل بالربا، وشتم الرجل والديه، والنميمة، وعدم الاستبراء من البول، واليمين الغموس واستحلال بيت الله الحرام، وغير ذلك، قال بعض العلماء إن حصر الكبائر لا يمكن استيفاؤه١. وأما الصغيرة فهي كل ما لا ينطبق عليها تعريف الكبيرة من الأمور المحرمة،

стр. 162

وذلك مثل سب الناس بألفاظ لا تعد من قبيل القذ "والقذف هو الرمي بالزنا" ومثل استماع كلام النساء الأجانب على وجه التلذذ به، والمعاكسات التليفونية للنساء، والنظر المحرم إليهن، والكذبة التي لا ضرر فيها ولا حد عليها١، واللعب بالنرد٢، وتعاطي العقود الفاسدة٣. معنى المروءة: يقصد العلماء من صفة المروءة أن يكون الإنسان نائيا بنفسه عن كل ما يمس كرامته، وكرامة الفئة التي ينتمي إليها، ويخدش مكانته في المجتمع، فليزمه أن يكون متمسكا بالمستوى الخلقي اللائق به وبأمثاله، غير مرتكب لفعل يحط من قدره، حتى لو كان هذا الفعل غير محرم في الشرع، ولا مكروها، لكنه غير لائق به في عرف المجتمع، فأستاذ الجامعة مثلا يلزمه أن يتحلى بالصفات التي تليق بأساتذة الجامعة فإذا كان عمل عملا لا يليق بأساتذة الجامعة فإنه لا يكون متصفا بالمروءة, وطالب العلم كذلك يلزمه أن يكون على الصفات التي تليق بطلبة العلم، فإذا فعل شيئًا لا يليق بطلبة العلم فإنه يكون غير متصف بالمروءة وهكذا. وإذا رجعنا إلى المعنى اللغوي للمروءة نجد أنها -كما جاء في المصباح:

стр. 163

آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات"١. وقد عرفت المروءة بعدة تعريفات، منها ما قاله الشيخ زكريا الأنصاري أحد فقهاء الشافعية، في تعريفها بأنها: "التخلف بخلق أمثاله في زمانه ومكانه، وعدم اتهام". وقريب من هذا تعريف بعض فقهاء الشافعية أيضًا وهو أن يسير كسير أشكاله في زمانه ومكانه.. وعرفها الشيخ الشرقاوي من الشافعية أيضًا بأنها: "توقي الأدناس عرفا". وعلل لكون ذلك مرجعه إلى العرف بأن المروءة لا تنضبط، بل تختلف باختلاف الأشخاص، والأحوال والأماكن، بخلاف العدالة، فإنها ملكة راسخة في النفس لا تتغير بعروض أمر من الأمور المنافية لها، فلا تحتاج في ضبطها إلى العرف٢. وقيل أيضًا في تعريفها "أن يصون نفسه من الأدناس وما يشينها بين الناس". وأما ابن قدامة الفقيه الحنبلي المعروف فقد عرف المروءة بأنها "اجتناب الأمور الدنيئة المزرية به"٣. وعرفها الدردير الفقيه المالكي المعروف بأنها "كمال النفس بصونها عما يوجب ذمها عرفا، ولو مباحا في ظاهر الحال".

стр. 164

وقد ذكر علماؤنا -رضي الله تعالى عنهم- أمورا تخل بالمروءة، كالأكل في الأسواق إذا كان من شخص لا يعمل في السوق، وأما أهل السوق الجالسون فيه فلا يخل بمروءتهم الأكل فيه للضرورة، والمراد بالأكل في السوق -كما بين ابن قدامة- أن ينصب مائدة في السوق، ثم يأكل، والناس ينظرون، وليس المراد أكل شيء يسير، أو كان يأكل في دكان وهو مستتر، أو غلبه جوع أو عطش، أو كان صائما فبادر بالإفطار عملا بالسنة؛ لأن من المستحب تعجيل الإفطار، كما أرشدنا إلى ذلك رسول الله ﷺ في قوله: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" رواه البخاري ومسلم١. ومن الأمور التي ذكرها العلماء أيضًا المشي مكشوف الرأس في السوق، أو كشف ما جرت العادة بتغطيته من بدنه، أو ذكر أهله أو زوجته بالأمور السخيفة، ومنها الإكثار من الحكايات المضحكة بين الناس، بشرط أن تكون حكايات كاذبة، أما لو كانت صادقة فلا يخدش ذلك مروءته، وذكروا من ذلك أيضًا الحرفة الدنيئة، إذا كانت لا تليق به؛ لأنها تشعر بالخسة، بخلافها ممن تليق به٢. ولا بد أن يلاحظ أن الصفات التي تسقط المروءة يتدخل في اعتبارها عرف الناس وتقاليدهم في كل عصر، وهو ما يفيده قولهم في تعريف المروءة بأنها: "التخلق بخلق أمثاله في زمانه ومكانه" أو "توقي الأدناس عرفا"، أو "أن يصون نفسه من الأدناس وما يشينها بين الناس" ولذلك وجدنا علماءنا القدامى يذكرون أن الأكل في الأسواق، والمشي مكشوف الرأس مما يخرم المروءة في عصرهم، لكن

стр. 165

عصرنا الذي نعيش فيه الآن يسمح بذلك، ولا يعد هذا قادحا في مروءة الشخص. مما سبق يتبين أن أساس المروءة أو معيارها راجع إلى القواعد التي استقرت في سلوك الأفراد في المجتمع الإسلامي، مراعى فيها تقاليد هذا المجتمع وقيمه السلوكية، أو بعبارة محددة عرفه وعاداته التي لا تخالف أحكام الشرع، وهذه أمور تختلف من عصر إلى عصر، ومن مجتمع إلى مجتمع آخر، وقد يكون العرف والعادات مانعا في مجتمع إسلامي وغير مانع في مجتمع إسلامي آخر، فيكون فعل شيء من الأشياء التي تخالف العرف والعادات في أحد المجتمعات مخلا بالمروءة مع أن هذا الفعل نفسه غير مخل بالمروءة في مجتمع إسلامي آخر. ومما سبق أيضا يتبين أن عدم المروءة يخل بصفة العدالة، وهي شرط مطلوب في القاضي عند كثير من العلماء. لماذا اشترطت المروءة في العدالة: وقد اشترطت المروءة في العدالة عند من يقول باشتراطها؛ لأنه -كما قال العلماء- من تخلق بما لا يليق وإن لم يكن حراما، جره ذلك إلى عدم المحافظة على دينه واتباع الشهوات١. وكأنهم يريدون أن يقولوا إن الإنسان إذا تجرأ على مخالف ما استقر عليه عرف المجتمع من اتباع قواعد في السلوك على أساسها يحترم الإنسان، ويصبح له قيمة اجتماعية، واستهان بذلك، فإن هذا قد يكون طريقا إلى تجرئة على اتباع شهواته ومخالفة أوامر الشرع، فالتجرؤ على الأمور اليسيرة المستقيمة قد يفضي إلى التجرؤ على ما هو أكبر، ومن الملاحظ أن مراعاة نظرة الناس قد تكون أحد الأسباب التي تؤدي إلى أن يبتعد الإنسان عن المحرمات حتى

стр. 166

لا ينظر إليه الناس نظرة الازدراء والتحقير. وأيضًا؛ فلأن الأصل -كما قال العلماء١- أن حفظ المروءة من الحياء ووفور العقل، وطرح ذلك إما لخبل بالعقل، أو قلة حياء أو قلة مبالاة بنفسه، وحينئذ فلا يوثق بقوله في حق غيره، وهو أولى؛ لأن من لا يحافظ على ما يشينه في نفسه فغيره أولى، فإن من لا حياء فيه يصنع ما يشاء. لا يخرج الشخص عن العدالة بفعل صغيرة: والعدالة نقيضها الفسق، والعدل نقيضه الفاسق، وقال العلماء إنه لا يخرج الشخص عن العدالة بفعل صغيرة، لقول الله : ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ قيل: اللمم هو صغار الذنوب؛ ولأن التحرز من الصغائر غير ممكن، لكن بعض العلماء قالوا أيضًا إن الإصرار على الصغيرة يخل بالعدالة، كما سبق أن بينا. المراد بالإصرار على الصغيرة: المراد بالإصرار على الصغيرة -عند بعض العلماء: التكرار، فلو فعلها مرة واحدة لا يكون مصرا، قال العز بن عبد السلام: "إذا تكررت منه الصغيرة تكررا يشعر بقلة مبالاته بدينه إشعار ارتكاب الكبيرة بذلك ردت شهادته، وروايته بذلك"، وقال البعض الآخر: المراد عدم التوبة، حتى لو فعلها مرة من غير توبة كان مصرا، وقيل أيضًا: هو العزم على المعاودة بعد الفعل وقبل التوبة، وقيل الإصرار على الصغيرة يكون بأن لا تغلب طاعاته معاصيه٢. قال الشافعي ﵁: إذا كان الأغلب الطاعة والمروءة قبلت

стр. 167

الشهادة، وإن كان الأغلب المعصية وخلاف المروءة ردت شهادته١. هذا، وقد صرح بعض العلماء بأن الإصرار على الصغيرة لا يصيرها كبيرة حقيقة، وإنما يلحق بها في الحكم٢. ونحن نرى ما يراه الشوكاني وهو أن الإصرار على الصغيرة لا يحولها إلى كبيرة، وإنما الإصرار على الصغيرة صغيرة، كما أن الإصرار على الكبيرة كبيرة٣. وقد قال كثير من العلماء: من غلبت طاعاته معاصيه كان عدلا، وعكسه إذا كانت معاصيه تغلب طاعاته فهو فاسق، والمرا بالمعاصي التي غلبتها الطاعات هنا هي الصغائر. الضابط في الغلبة: يرى بعض العلماء أن الضابط في الغلبة هو العد من جانبي الطاعة والمعصية، من غير نظر لكثرة ثواب في الطاعة وعقاب في المعصية؛ لأن ذلك أمر أخروي، وهذا الضابط قريب من ضبطه بالعرف. وقال العلماء إن كل صغيرة تاب منها فاعلها لا تدخل في العد؛ لأن التوبة الصحيحة تذهب أثرها رأسا٤. بعض العلماء يرى أنه ليس في الذنوب صغيرة: نقل عن جمع من العلماء كعبد الله بن عباس ﵄ والأشعري، وأبي إسحاق الإسفراييني الفقيه الشافعي الإمام في علم الأصول

стр. 168

والفقه، أنه ليس في الذنوب صغيرة، لكن ذلك منهم -كما قال العلماء- لأنهم كرهوا أن يسموا معصية الله تعالى صغيرة، إجلالا لذاته ، فكل مخالفة هي بالنسبة إلى جلال الله تعالى كبيرة، مع اتفاقهم جميعا على أن بعض الذنوب يقدح في العدالة، وبعضها لا يقدح فيها، وإنما الخلاف في التسمية والإطلاق١، وأما جمهور العلماء من السلف والخلف، من جميع الطوائف، فيرون أن الذنوب تنقسم إلى صغيرة وكبيرة٢. وهو مروي أيضًا عن عبد الله بن عباس ﵄، وقال حجة الإسلام الغزالي في كتابه البسيط في المذهب٣: "إنكا الفرق بين الصغيرة والكبيرة لا يليق بالفقه، وقد فهما من مدارك الشرع" وقال الإمام النووي المحدث والفقيه الشافعي المشهور: "ولا شك في كون المخالفة قبيحة جدا بالنسبة إلى جلال الله تعالى، ولكن بعضها أعظم من بعض، وتنقسم باعتبار ذلك إلى ما تكفره الصلوات الخمس، أو صوم رمضان، أو الحج، أو العمرة، أو الوضوء أو صوم عرفة، أو صوم عاشوراء، أو فعل الحسنة، أو غير ذلك مما جاءت به الأحاديث الصحيحة، وإلى ما لا يكفره ذلك، كما ثبت في الصحيح ما لم يغش كبيرة، فمسى الشرع ما تكفره الصلاة ونحوها صغائر، وما لا تكفره كبائر، ولا شك في حسن هذا ولا يخرجها هذا عن كونها قبيحة بالنسبة إلى جلال الله تعالى، فإنها صغيرة بالنسبة إلى ما فوقها، لكونها أقل قبحا، ولكونها متيسرة التكفير، والله أعلم"٤. وأقول ويشير إلى هذا قول الله ﵎: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا﴾ فهذا النص الكريم يشير إلى أن هناك ذنوبا غير الكبائر، وقول الله ﵎: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ .

стр. 169

معنى التقوى: بين العلماء معنى التقوى بأن يطاع الله ولا يعصى، قال عبد الوهاب بن السبكي١ بعد بيان هذا المعنى: "وحقيقتها: التحرز بطاعة الله من عقوبته" قال: "وأصلها اتقاء الشرك، ثم اتقاء المعاصي، ثم اتقاء الشبهات، ثم اتقاء الفضلات". وبين ابن السبكي أن المتقي قد يكون عدلا وقد لا يكون، وعلل لذلك بما نقله عن بعض شيوخه، وهو أن اتقاء المعاصي -كبيرها وصغيرها- هو التقوى، فإن اتقى الكبائر -وكان عدلا- لم يقدح فيه إتيان الصغيرة، ولكنها تقدح في تقواه، فهذا عدل غير متق. وقال: وقد يتقي ولا يكون عدلا إذا لم يكن ذا هيئة راسخة في النفس, تحمل على ملازمة التقوى والمروءة. كما بين العلماء أن العدالة والتقوى قد تتحقق في الصبي مع عدم قبول شهادته؛ وذلك لأن البلوغ شرط في قبول قوله وليس شرطا في عدالته٢.

стр. 170

أكثر العلماء يشترطون العدالة في القاضي: اشترط العدالة في القاضي أكثر العلماء، فأكثر العلماء ومنهم الشافعية والمالكية في المشهور في مذهبهم، والحنفية في رواية، والحنابلة والشيعة الإمامية، والزيدية يرون أنه لا تصح ولاية الفاسق القضاء, ولا ينفذ حكمه حتى لو صادف الحق١. رأي الحنفية في ظاهر المذهب: ويرى الحنفية في ظاهر المذهب عندهم أن العدالة ليست شرطا من شروط جواز التولية، ولكنها شرط من شروط الكمال، أي: الأفضل والأكمل أن يكون القاضي عدلا، ولو قلد الفاسق صح في ظاهر المذهب, وعليه أن يحكم بفتوى غيره، ولكنهم يرون أنه لا ينبغي أن يقلد القضاء؛ لأن القضاء أمانة عظيمة، وهي أمانة الأموال والأبضاع والنفوس، فلا يقوم بوفائها إلا من كان كاملا في الورع والتقوى، إلا أنه مع هذا لو قلد هذا المنصب جاز التقليد في نفسه وصار قاضيا. فإن كان في الرعية عالم تحققت فيه صفة العدالة، فلا يحل شرعا عند الحنفية تولية من ليس كذلك، لكن لو ولي صحت توليته، وتنفذ قضاياه إذا لم يجاوز حد الشرع، كشهادة الفاسق عندهم لا يجوز قبولها، لكن لو قبلت شهادته نفذ الحكم بها مع وقوع القاضي في الإثم لقبولها. هذا هو ظاهر المذهب عند الحنفية -كما قلنا- وقد اختار الطحاوي أحد

стр. 171

كبار فقهائهم أن الفاسق إذا قلد القضاء لا يصبح قاضيا١، وهو ما يتفق ورأي الجمهور. التعليل لرأي الحنفية: علل الحنفية لرأيهم بأن كل من كان أهلا للشهادة كلا أهلا للقضاء وبالعكس، وذلك بناء على قاعدة أن حكم القضاء يستفاد من حكم الشهادة؛ لأن كلا من القضاء والشهادة من باب الولاية، وهي تنفيذ القول على الغير شاء أم أبى٢،فكل ما يشترط في الشهادة يشترط في القضاء؛ لأن ولاية القضاء أعم أو أكمل من ولاية الشهادة أو مترتبة عليها، وكل ما لا يشترط في الشهادة لا يشترط في القضاء. ولما كان الفاسق عندهم أهلا للشهادة فلا تشترط العدالة في القاضي. وقد عللوا لعدم اشتراط العدالة في الشهادة، بأن المسلم إما أن يكون من أهل العصر الذي شهد لهم رسول الله ﷺ بالخيرية، وإما أن يكون من غيرهم، فإن كان من أهل ذلك العصر الذي شهد له الرسول ﷺ بالخيرية فهذا ظاهر، وأما إن كان من غيرهم فنظرا إلى ظاهر حال المسلم،

стр. 172

فظاهر حال المسلم أنه غير مرتكب للجرائم والمخالفات الدينية١.

стр. 173

من أدلة القائلين باشتراط العدالة: أولا: قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ١. وجه الدلالة: وجه الدلالة أن الله أمر بالتبين عند قول الفاسق، ولا يصح أن يكون الحاكم ممن لا يقبل قوله, ويجب التبين عند حكمه، فليس من المقبول أن نبحث في كل حكم أصدره القاضي الفاسق لنتبين مدى الحق فيه. ثانيا: الفاسق لا يجوز أن يكون شاهدا -عند الجمهور- فلا يكون قاضيا من باب أولى. الرأي الراجح: نرى ترجيح الرأي القائل باشتراط العدالة في القاضي، فلا يولى القضاء غير العدل ما دام يوجد غيره ممن تتوفر فيه العدالة, وسائر الشروط الأخرى المشترطة في القاضي. وقياس القضاء على الشهادة في عدم اشتراط العدالة لا نسلمه؛ لأننا لا نسلم أن العدالة لا تشترط في الشاهد، بل هي مشترطة فيه، لقوله ﵎: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ، وقوله : ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ، فقد أمر الله بالتوقف عن نبأ الفاسق، والشهادة نبأ فيجب التوقف عنه. وأيضًا؛ فلأن الفاسق لم يمنعه دينه من ارتكاب محظورات الدين، فلا يؤمن أن يمنعه عن الكذب، فلا تحصل الثقة بخبره٢. وأيضًا فاشتراط العدالة في صحة التصرفات التي تشترط فيها العدالة إنما هو لتحقيق المصلحة للناس، لحصول الضبط بها عن الخيانة، والكذب، والتقصير؛ لأن الفاسق لا يتحقق عنده الوازع الديني فلا يوثق به٣. هذا وقد بيّن العلماء أنه إذا لم يوجد من تتوافر فيه شروط العدالة لكي نوليه القضاء أقيم أصلح الموجودين وأقلهم فجورا، وهو ما يتبع أيضًا في مجال الشهادة؛ لئلا تضيع مصالح الناس؛ ولأن التكليف بالأحكام الشرعية مشروط بالإمكان٤، قال ﵎: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ٥.

стр. 174

الشرط السابع من شروط القاضي السمع: فلا يسمح أن يتولى الأصم الذي لا يسمع شيئًا منصب القضاء؛ وذلك لأنه لا يستطيع أن يفرق بين إقرار من شخص وإنكار. وأما الذي يسمع بالصياح فيرى بعض الشافعية صحة توليته.

стр. 175

الشرط الثامن البصر: بيّن الحنفية أن كلا من القضاء والشهادة يستمد من أمر واحد هو شروط الشهادة من الإسلام والبلوغ والعقل والحرية، وكونه غير أعمى ولا محدودًا في قذف فلا يولى الأعمى القضاء، وقال الإمام الباجي: "وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وقد بلغني ذلك عن مالك"١، واستدل على هذا بأنه لا يعرف المدعي

стр. 176

من المدعى عليه، والمقر من المقر له، والشاهد من المشهود عليه، وقال بعض العلماء إن من يرى أشباح الأشخاص ولا يعرف الصور هو في معنى الأعمى، فلا يصح توليته، لكن إذا كان بحيث لو قربت منه عرفها صح توليته القضاء. ولو كان يبصر نهارا فقط جاز توليته، وأما الذي لا يبصر نهارا ويبصر ليلا فقط، فقال الأذرعي من فقهاء الشافعية: ينبغي منعه. ويرى بعض فقهاء الشافعية أنه يجوز أن يكون القاضي أعمى١، وعلل لهذا الرأي بأن شعيبا ﵊ كان أعمى. ويجاب عن هذا بأن البصر مشروط في الشاهد فمنع فقده ولاية القضاء بالقياس على الشهادة؛ لأن منصب الشهادة دون منصب القضاء، والشاهد يشهد في بعض الأشياء اليسيرة التي يثبت الاحتياج إليه فيها، وربما أحاط بحقيقة علمها، والقاضي ولايته عامة، ويحكم في قضايا الناس عامة، فإذا لم تقبل الشهادة من الأعمى، فيكون القضاء أولى في عدم القبول. وما ذكره أصحاب الرأي القائل بجواز أن يكون القاضي أعمى عن شعيب لا نسلمه، فإنه لم يثبت أنه كان أعمى، بل حتى على فرض أنه كان كذلك فلا يلزم ههنا؛ لأن الناس الذين آمنوا مع شعيب ﵇ كانوا قليلين، وربما لا يحتاجون إلى حكم بينهم، لقلة عددهم وتناصفهم، فلا يكون هذا حجة في مسألتنا٢، وهذا كله على التسليم بأن شرع من قبلنا شرع لنا، لكن هذه مسألة اختلف حولها الأصوليون، فليست محل اتفاق، ويمكن أن يقال: إن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا إلا إذا قام دليل في شريعتنا يلزمنا به.

стр. 177

الشرط التاسع النطق: فلا يصح تولية الأخرس، حتى لو كانت إشارته مفهومة؛ لأنه لا يفهم إشارته جميع الناس. هذا، ويرى الدردير أحد علماء المالكية المشهورين، وكذلك شمس الدسوقي من علمائهم أن السمع والبصر والكلام ليست شرطا في صحة ولاية القاضي ابتداء, ولا في صحة دوامها، بل هي واجب غير شرط في الابتداء والدوام، فيجب أن يكون القاضي سميعا، بصيرا، متكلما، فلا يجوز تولية القاضي ابتداء، ولا استمرار ولايته إلا إذا كان متصفا بهذه الصفات الثلاث. فالأصم، أو الأعمى، أو الأبكم لا يجوز توليته ابتداء، ولا يجوز استمراره في هذا المنصب، مع صحة ما وقع من أحكامه١.

стр. 178

الشرط العاشر الكفاية: ومعنى هذا الشرط أن يكون عنده القدرة على النهوض للقيام بأمر القضاء، بأن تتوفر عنده اليقظة التامة، والقوة التي تعينه على تنفيذ الحق. وعلى هذا فلا يصح تولية المغفل١، ومختل النظر، بسبب كبر السن، أو وجود مرض عنده٢.

стр. 179

الشرط الحادي عشر الاجتهاد: يقصد بهذا الشرط تحقق الكفاءة العلمية الكاملة في القاضي، التي تؤهله لمعرفة الأحكام الشرعية في القضايا التي تعرض عليه، حتى نأمن أن لا يحكم بين الناس على جهل، وهذا الشرط أحد الشروط التي اختلف العلماء حولها على رأيين: الرأي الأول: اشتراط الاجتهاد في القاضي، وهذا ما يراه بعض المالكية والشافعي، وأحمد بن حنبل، وبعض الحنفية، ويراه الشيعة الإمامية١، والشيعة الزيدية٢، فلا يتولى القضاء جاهل بالأحكام الشرعية، ولا مقلد، وهو من حفظ مذهب إمامه، لكنه غير عارف بغوامضه، وقاصرا عن تقرير أدلته، كالذي يتبع المذهب الفقهي للإمام أبي حنيفة, فهو يحفظ أن مذهب إمامه الذي ينتمي إليه يرى أن من حق المرأة البالغة -سواء كانت بكرا أم ثيبا- أن تتولى عقد الزواج لنفسها أو لغيرها بوكالة أو وصاية. ولكن هذا الشخص المنتمي للإمام أبي حنيفة في مذهبه الفقهي لا يعرف الدليل الشرعي الذي استند إليه في هذا الحكم الشرعي. وكذلك يتبع مذهب الإمام مالك فيحفظ أن الإمام مالك يرى أن لمس الرجل للمرأة الأجنبية لا ينقض الوضوء إلا إذا كان بشهوة، وإذا لم يكن اللمس بشهوة فلا ينقض الوضوء٣، ولكن هذا الشخص لا يعرف الدليل الذي استند إليه

стр. 180

الإمام مالك في هذا الحكم. وكالذي يتبع مذهب الإمام الشافعي فيحفظ أن هذا المذهب يرى أن خلوة الزوج بالمرأة التي عقد عليها قبل أن يدخل بها دخولا حقيقيا لا تأخذ حكم الدخول الحقيقي, فلا يجب لها كل المهر المسمى في العقد بل نصفه فقط إذا حصل الطلاق قبل الدخول الحقيقي١، ولكن هذا المنتمي لمذهب الإمام الشافعي لا يعرف الدليل الذي استند إليه الشافعي في هذا الرأي. وكالذي يتبع مذهب الإمام أحمد بن حنبل فيحفظ مما يحفظ في هذا المذهب أنه يجوز للقاضي أن يحكم بشاهد واحد ويمين المدعي٢، لكن هذا الشخص لا يعرف دليل ذلك. وهكذا، فهؤلاء مقلدون يحفظون مذاهب أئمتهم, لكنهم لا يعرفون غوامضها ولا تتوفر عندهم القدرة العلمية على تقرير الأدلة التي تستدل بها هذه المذاهب الفقهية, وهؤلاء لا يجوز توليتهم القضاء عند من يشترطون في القاضي أن يكون مجتهدا. الرأي الثاني: لا يشترط الاجتهاد في القاضي، وبهذا الرأي قال أبو حنيفة، وبعض المالكية٣، كابن العربي، فإنه يرى أن الاجتهاد ليس شرطا بل يشترط عنده
следующие страницы →