← Сияса и кади

Сияса и кади · id 10744

النظام القضائي في الفقه الإسلامي

محمد رأفت عثمان

Полный текст (596 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ثالثًا: ثبت أن أصحاب النبي ﷺ كأبي بكر وعمر، كانوا يأخذون لأنفسهم أرزاقهم من بيت مال المسلمين "الخزانة العامة للدولة" وكذلك من بعدهم من الخلفاء، فعن عروة عن عائشة ﵂ قال: لما استخلف أبو بكر قال: قد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي، وقد شغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، ويحترف للمسلمين فيه". وثبت أن عمر ﵁ أخذ أيضًا وروي عنه قوله: إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة قيم اليتيم، إن استغنيت عنه تركت، وإن افتقرت إليه أكلت بالمعروف. وأخرج الكرابيسي بسند صحيح عن الأحنف قال: كنا بباب عمر -فذكر قصة: وفيها- فقال عمر: "أنا أخبركم بما أستحل: ما أحج عليه وأعتمر، وحلتي الشتاء والقيظ، وقوتي وقوت عيالي كرجل من قريش ليس بأعلاهم ولا بأسفلهم" وكان شريح بن الحارث بن قيس النخعي الذي ولاه عمر قضاء الكوفة، ثم قضى لمن بعث بالكوفة زمنا طويلا، كان يأخذ على القضاء أجرا١. رابعًا: روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أيما عامل استعملنا، وفرضنا له رزقا، فما أصاب بعد رزقه فهو غلول". ثم قال أصحاب هذا الرأي: "وذلك واسع له، ومن تعفف عن ذلك فهو أفضل،

стр. 72

وأعلى منزلة إن شاء الله"١، وقال ابن القاص٢: "وهذا كله إذا كان من مال الله من بيت مال المسلمين، فأما أن يجري له أهل عمله رزقا فلا يجوز له قبوله، وكذلك لو أجراه رجل منهم، أو أجراه السلطان من مال نفسه". والرأي القائل بجواز أخذ الأجر هو ما نختاره، إذ إن القضاء يحتاج إلى انشغال القاضي بأمور الناس، وقد يترتب على هذا أن يترك كثيرا من أمور نفسه لا يتولاها بنفسه، وقد يؤثر ذلك على ما يعتمد عليه في الإنفاق على نفسه وعلى من يعولهم من زوجة، وأولاد، أو غيرهم. وقد روى البخاري بسنده أن عبد الله بن السعدي أخبر أنه قدم على عمر في خلافته، فقال له عمر ألم أحدث أنك تلي من أعمال الناس أعمالا، فإذا أعطيت العمالة٣ كرهتها؟ فقلت: بلى، فقال عمر: ما تريد إلى ذلك؟ قلت: إن لي أفراسا وأعبدا وأنا بخير، وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين، قال عمر: لا تفعل، فإني كنت أردت الذي أردت، فكان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء، فأقول: أعطه أفقر إليه مني، حتى أعطاني مرة مالا فقلت:

стр. 73

أعطه أفقر إليه مني، فقال النبي ﷺ : "خذه فتموله وتصدق به" ١. فما جاءك من هذا المال -وأنت غير مشرف ولا سائل٢. فخذه، وإلا فلا تتبعه نفسك"٣. قال الإمام الطبري: في حديث عمر الدليل الواضح على أن لمن شغل بشيء من أعمال المسلمين أخذ الرزق على عمله ذلك، كالولاة، والقضاة، وجباة الفيء، وعمال الصدقة، وشبههم، لإعطاء رسول الله ﷺ عمر العمالة على عمله"٤. وفي ختام هذه المسألة نحب أن نبين أن بعض العلماء يرى أن أخذ الرزق على القضاء إذا كانت جهة الأخذ من الحلال جائز إجماعا، ومن تركه إنما تركه تورعا، وأما إذا كانت هناك شبهة فالأولى الترك جزما، وقال هذا البعض من العلماء أيضًا, ويحرم إذا كان المال يؤخذ لبيت المال من غير وجهه، واختلف إذا كان الغالب حراما٥.

стр. 74

حق التقاضي مكفول للجميع: تؤكد النصوص الشرعية أن لكل فرد الحق في أن يدعي ليطال بحق يرى أنه يستحقه، ففي بعض المواقف نجد الرسول ﷺ يلبي -بدون أدنى غضاضة- طلب من أراد القصاص منه، فقد روى النسائي عن أبي سعيد الخدري١ قال: بينا رسول الله ﷺ يقسم شيئا إذ أكب رجل، فطعنه رسول الله ﷺ بعرجون كان معه، فصاح الرجل، فقال له رسول الله ﷺ : "تعال فاستقد" قال: بل عفوت يا رسول الله. وفي غزوة بدر الكبرى وقف ﷺ بين الصفوف يعدلها بقضيب في يده فمر برجل يدعى سواد بن غزية حليف بني النجار، وهو خارج من الصف، فضربه بالقضيب في بطنه وقال: استقم يا سواد، فقال: أوجعتني يا رسول الله، وقد بعثت بالحق والعدل أقدني من نفسك "أي: اجعلني أقتص منك"، فكشف رسول الله ﷺ عن بطنه وقال: "استقد يا سواد"، "أي: اقتص مني" فاعتنقه سواد وقبل بطنه، فقال رسول الله ﷺ : "ما حملك على ذلك"؟ , فقال: يا رسول الله قد حضر ما ترى, فأردت أن يكون آخر العهد أن يمس جلدي جلدك، فدعا له بخير٢. ورو ابن كثير أن رسول الله ﷺ خرج على الناس في مرضه الذي توفي فيه، فقال: "أيها الناس، ألا من كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد، ومن كنت أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه، ومن كنت

стр. 75

شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد، ولا يقول قائل: أخاف الشحناء من قبل رسول الله، ألا وإن الشحناء ليست من شأني ولا من خلقي، وإن أحبكم إلي من أخذ حقا إن كان له علي أو حللني، فلقيت الله وليس لأحد عني مظلمة" ١. وقد التزم أصحاب رسول الله ﷺ بهذا المبدأ، فقد ثبت عن أبي بكر ﵁، أنه قال لرجل شكا إليه عاملا "أي: واليا" أنه قطع يده ظلما: لئن كنت صادقا لأقيد بك منه. وثبت عن عمر ﵁ أنه كان يقيد من نفسه، وروى أبو داود قال: خطب عمر فقال: إني لم أبعث عمالي "ولاتي" ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، فمن فُعل به ذلك فليرفعه إلي أقصه منه، فقال عمرو بن العاص: لو أن رجلا أدب بعض رعيته تقصه منه؟ قال أي والذي نفسي بيده أقصه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يقص من نفسه. وروى ابن حزم أن رجلا كان مع أبي موسى الأشعري، وكان ذا صوت ونكاية في العدو، فغنموا فأعطاه أبو موسى الأشعري بعض سهمه، فأبى أن يأخذ إلا جميعا, فضربه عشرين سوطا، وحلق رأسه، فجمع شعره ورحل إلى عمر فدخل عليه، فأخرج شعره فضرب به صدر عمر، وقص قصته، فكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري: إن فلانا قدم علي فأخبرني بكذا وكذا، فإن كنت فعلت ذلك به فعزمت عليك إن كنت فعلت به ذلك في ملأ من الناس، فعزمت عليك لما جلست له في ملأ من الناس حتى يقتص منك. وإن كنت فعلت به ذلك في خلاء

стр. 76

الفصل الأول: شروط الصلاحية للقضاء وعزل القاضي وانعزاله المبحث الأول: شروط الصلاحية للقضاء الشرط الأول: الإسلام ... الفصل الأول: شروط الصلاحية للقضاء، وعزل القاضي وانعزاله المبحث الأول: شروط الصلاحية للقضاء بين علماء المسلمين أنه لا بد من توافر شروط في الشخص حتى يصح توليته القضاء، وبينوا أنه لا يجوز لرئيس الدولة، أو من له حق تولية القضاة أن يولي شخصا هذا المنصب الخطير إلا إذا تحققت فيه هذه الشروط، ويجب عليه أن يجتهد في ذلك لنفسه وللمسلمين، ولا يحابي أحدا، ولا يقصد بالتولية إلا وجه الله ﵎. وكان الحادي للعلماء إلى اشتراط هذه الشروط هو الاحتياط بقدر الإمكان أن تكون الأحكام الصادرة في القضايا أحكاما شرعية صادرة عن ذي أهلية صالحة لإصدار هذه الأحكام. وسنبين هذه الشروط بمشيئة الله تعالى، موضحين الخلاف إن وجدناه في شيء منها، وإليك بيانها. الشرط الأول: الإسلام يشترط في القاضي أن يكون مسلما، فلا يجوز أن يتولى القضاء غير المسلم، وهذا في القضاء بين المسلمين؛ لأن الكافر ليس له أهلية الولاية على المسلم، لقول الله : ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ ١، والقضاء ولاية عامة، والولاية من أعظم السبل، فهذه الآية مع أنها خبر لفظا،

стр. 77

فإنها نهي في المعنى، فهي خبرية لفظا إنشائية معنى، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ، أي: تنهانا عن أن يكون للكفار علينا سبيل، أي: هيمنة، والقاضي له الهيمنة والولاية؛ لأن الولاية هي إنفاذ القول على الغير شاء أم أبى، وأحكام القاضي تنفذ سواء شاء المتخاصمون أم أبوا، فإذا ولينا الكافر القضاء على المسلمين كان له الهيمنة والولاية، وهذا يتنافى مع ما تفيده الآية من النهي عن أن يكون لغير المسلمين سيطرة أو ولاية على المسلمين. واشتراط الإسلام في القاضي إذا تولى القضاء بين المسلمين أمر أجمع عليه العلماء، وأما إذا تولى القضاء بين الكفار بأن ولينا أحد الذميين "مواطنا غير مسلم" هذا المنصب ليقضي بين غير المسلمين من المواطنين، فقد اختلف فيه على رأيين: أحدهما: ما يراه جمهور العلماء وهو أنه يشترط فيه الإسلام كما هو الشرط في القاضي بين المسلمين، وعلى هذا لا يصح تولية القضاء غير المسلم, ولو كان سيقضي بين غير المسلمين. الثاني: لا يشترط الإسلام في القاضي بين غير المسلمين، وهو ما يراه الحنفية. أدلة الجمهور: أولا: استندوا إلى أن المجتمع الإسلامي لا بد أن يكون العلو فيه للمسلمين، قال الله ﵎: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا

стр. 78

الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ١. قالوا فلو قلد الكفار القضاء لجاز تنفيذ أحكامهم التي قضوا بها، وهذا يتنافى مع الصغار، فلا يجوز تقليدهم القضاء. ثانيا: ما روي أن رسول الله ﷺ قال: "الإسلام يعلو ولا يعلى عليه" رواه الدارقطني في سننه، والطبراني في الأوسط، وعلقه البخاري٢. فلو ولي الكافر القضاء في دولة الإسلام -ولو على كفار مثله- لكان له ولاية في دولة الإسلام، مع أن الحديث يفيد أن لا يكون فيها ولاية لغير المسلم. ثالثا: القصد من القضاء فصل الأحكام، وغير المسلم جاهل بالأحكام الشرعية٣. رابعًا: العدالة من شروط القاضي، لذلك فالفاسق ممنوع من تولي القضاء مع أنه أحسن حالا من الكافر، فيكون الكافر ممنوعا من توليه من باب أولى؛ لأن الكافر أفسق الفساق، فالقياس الأولوي يؤدي إلى تحريم تولي الكافر القضاء، ولم يمنع الفاسق من تولي سلطة القضاء إلا لغياب صفة العدالة عن شخصه، ولا شك في أنه أحسن حالا من الكافر، فيكون حرمانه من هذه السلطة أولى لتمكن علة المنع عنده أكثر من الفاسق. أدلة الحنفية:

стр. 79

سنجد فيما يأتي بعض أدلة الحنفية ضعيفًا والبعض قويا، ولكن الرأي يسلم ويكون مقبولا ولو بدليل واحد. استدل الحنفية بما يأتي: أولا: قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ١. فقد أفادت الآية أن للكفار ولاية بعضهم على بعض، فيتناول هذا أن لهم ولاية القضاء بعضهم على بعض. مناقشة هذا الاستدلال: أجيب عن هذا الاستدلال بأن الآية محمولة على الموالاة لا الولاية. ثانيا: قياس القضاء على الشهادة، فلما كان يصح للذمي أن يشهد على ذمي مثله، فإنه يصح للذمي أن يقضي على ذمي كذلك. ثالثًا: أن العرف جرى في البلاد الإسلامية منذ فجر التاريخ الإسلامي على تعيين قضاة من أهل الذمة ليحكموا بينهم. المناقشة: نوقش هذا بأن العرف الجاري بتقليدهم على أهل دينهم, إنما هو مجرد تقليد زعامة ورياسة، وليس تقليد حكم وقضاء، ويدل على ذلك: ١- أنهم لو امتنعوا من التحاكم إلى غير المسلم لا يجبرون على ذلك، وعليهم -إذا شاءوا- أن يتحاكموا إلى قاض من قضاة المسلمين. ٢- أن رئيس الدولة الإسلامية لا يلزم بالحكم الذي قضى به القاضي غير

стр. 80

المسلم، وله إذا شاء أن يعيد النظر في القضية بنفسه أو بواسطة قاض مسلم. أما لزوم حكمه لأهل دينه فما ذلك إلا لأنهم التزموه بتحاكمهم إليه، لا إلزامهم به من جهة تقليد القاضي عليهم أي: إن الإلزام بحكمه ليس ناشئًا عن كونه سلطة قضائية ملزمة١. وقد رجح بعض الباحثين الفضلاء٢ مذهب الحنفية لعدة أمور: الأول: أن العرف الذي استند إليه الحنفية له أصل شرعي، وهو أن عمرو بن العاص، بعدما فتح مصر ولى القضاء قضاة من بين النصارى ليحكموا بين أهل ديانتهم، ولما بلغ ذلك عمر بن الخطاب أقره, ولم يعلم لهما مخالف من الصحابة، وهذا هو أصل القضاء الملي في البلاد المصرية. الثاني: أنه يفهم من كلام فقهاء الحنفية أن القول بجواز تولية غير المسلم القضاء بين أهل ديانته إنما هو نوع من التسامح مع أهل الذمة، فلا ينبغي أن يفهم من هذه التولية أكثر من هذا، فلا يفهم منها أنه يجب على رئيس الدولة الإسلامية أو من له حق تولية القضاة أن يولي غير المسلم؛ لأن من الأصول المقررة أن كل ولاية عامة في بلاد الإسلام، إنما تستند إلى المسلمين لا إلى غيرهم، كما لا يفهم منها أن غير المسلمين مجبرون على أن يتحاكموا إلى القاضي غير المسلم؛ لأن لهم الحق في التحاكم إلى القاضي المسلم. الثالث: أن هذه التولية لا تنفي الصغار عنهم؛ لأن هذه التولية ليست على المسلمين، وإنما عليهم أنفسهم، فالصغار لازم لهم لكفرهم ولأدائهم الجزية، كما أنه ليس في هذه التولية علو على المسلمين؛ لأن العلو لا يتحقق إلا إذا شملت التولية الحكم بين المسلمين، وهذا غير حاصل٣.

стр. 81

الشرط الثاني: البلوغ فلا يصح تولية الصبي القضاء، حتى لو كان مميزا واشتهر بالفطنة والذكاء، وهذا أمر مجمع عليه من العلماء، وقد استندوا إلى ما يأتي: أولا: ما رواه أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: "تعوذوا بالله من رأس السبعين، وإمارة الصبيان"، رواه أحمد١. ووجه الاستدلال أن الرسول ﷺ أمرنا بأن نتعوذ من إمارة الصبيان، ولا يكون التعوذ إلا من شر، فتكون إمارة الصبيان شرا، ونحن ممنوعون من ارتكاب الشر، فتكون توليتهم ممنوعة٢؛ لأن ما يؤدي إلى الممنوع يكون ممنوعًا.

стр. 82

ثانيًا: أن القضاء محتاج إلى الفطنة وكمال الرأي، وتمام العقل، والصبي لا يتوافر فيه هذا، فلا يصح توليته. ثالثًا: إن الصبي ناقص الأهلية، يحتاج إلى تولية غيره عليه، فلا يصح أن يكون له الولاية على غيره. رابعًا: إن تولية رئيس الدولة لشخص أي منصب عام مقيدة بالنظر والمصلحة، ولا تتحقق المصلحة في تولية الصبي منصب القضاء فلا يصح توليته. ولا يشترط أن يبلغ القاضي سنا معينة، بل الشرط هو البلوغ، فإذا كان الشخص بالغا، وتوفرت فيه بقية الشروط الأخرى، فهو صالح لتولي هذا المنصب، حتى لو كان حديث السن، لكن لو رأى رئيس الدولة أو من له حق تولية القضاة اشتراط بلوغ سن معينة للصلاحية لهذا المنصب، فهذا لا شيء فيه؛ لأنه يدخل في باب المصلحة١. ولو قلد القضاء صبي فبلغ، هل يحتاج إلى تقليد جديد، أم لا؟ قال الحنفية ليس له أن يقضي بذلك الأمر الصادر له قبل البلوغ، بل لا بد من تولية جديدة، بخلاف الكافر إذا تولى القضاء ثم أسلم، والعبد إذا تولى القضاء ثم عتق، فإنه يجوز لهما أن يقضيا بتلك الولاية من غير حاجة إلى تجديد، كما لو تحمل العبد الشهادة حال رقه، ثم عتق فإنه يجوز له الشهادة. وبيّن الحنفية أن الفرق بين الكافر والعبد من جهة، والصبي من جهة أخرى، أن كلا من الكافر والعبد له ولاية، لكن به مانع، فإذا أسلم الكافر، أو عتق العبد،

стр. 83

فقد زال المانع، أما الصبي فليس له ولاية أصلًا١. الأشياء التي يحصل بها البلوغ: من حكمة الله ﵎ ورحمته بعباده أنه لا يكلف الإنسان بالتكاليف الشرعية فيعاقبه إذا تركها إلا بحصول البلوغ، يبين هذا ما رواه الأئمة أحمد بن حنبل، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم أن رسول الله ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق". والتكليف بالأحكام الشرعية مرتبط بالبلوغ؛ لأن الأحكام الشرعية تتوجه إلى العاقل، فلا يكلف غير العاقل، ولما كان العقل شيئًا خفيا، فلا بد أن يكون هناك ما يدل على وجوده، فارتبط بالبلوغ؛ لأنه مظنة وجوده، فإذا بلغ الإنسان سواء أكان ذكرا أم أنثى فقد حدث مظنة وجود العقل عنده، فتتوجه إليه كل التكاليف الشرعية من فرائض يجب عليه أداؤها، كالصلاة، والصيام، والحج إن استطاع وغير ذلك من واجبات بينتها أدلة الشريعة، كما يكون محلا للعقوبة فإذا ارتكب ما يستوجب عقوبته استحق هذه العقوبة كسائر المكلفين. وهناك خمسة أشياء تدل على البلوغ، يشترك الذكر والأنثى في ثلاثة أشياء منها، وتختص الأنثى بشيئين: فأما الأشياء الثلاثة التي يشترك فيها الذكر والأنثى فهي خروج المني، ونبات الشعر الخشن حول عضو التذكير، وعضو التأنيث، والسن، وأما الشيآن اللذان

стр. 84

يختصان بالأنثى فهما: الحيض، والحمل. وسنفصل الكلام عن هذه الأشياء الخمسة. وأولها خروج المني، وسواء خرج من الذكر أم من الأنثى في حال اليقظة أم في حال المنام بجماع أو باحتلام أو غير ذلك، فقد حصل به البلوغ وهذا محل إجماع أو بتعبير بعض العلماء: لا نعلم في ذلك اختلافا، ويدل على هذا قول الله ﵎: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ ١. وما رواه الأئمة: أحمد بن حنبل، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، أن رسول الله ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق"، قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن الفرائض والأحكام تجب على المحتلم العاقل". والثاني: من الأشياء الخمسة، وهو ثاني الأشياء المشتركة بين الذكر والأنثى إنبات الشعر الأسود المتجعد في العانة، فهذا عند فريق من العلماء إحدى العلامات الطبيعية للدلالة على حدوث البلوغ، وبين القائلون بأن هذا من علامات البلوغ أنه ليس من علامة البلوغ إنبات مطلق الشعر، بل لا بد من أن يكون الشعر الأسود المتجعد في هذا الموضع، وأما إنبات مطلق الشعر فإنه لا يكون علامة على البلوغ؛ لأن الزغب الضعيف أي: الشعر الصغير اللين، ينبت في الأطفال٢. والقول بأن إنبات الشعر علامة من علامات البلوغ في الذكر والأنثى قال به مالك، وقال به الشافعي في أحد قوليه، وهو ما يراه أحمد بن حنبل، وإسحاق بن

стр. 85

راهويه، وأبو ثور، وغيرهم. ويوجد في الإنبات رأي ثان هو أن يكون بلوغا في حق غير المسلمين، وليس بلوغا في حق المسلمين، وهذا ما يراه الشافعي في القول الآخر له. ورأي ثالث في الإنبات، يراه أبو حنيفة، وهو أنه لا اعتبار به؛ لأنه لا يعدو أن يكون نبات شعر في جسم الإنسان، فأشبه شعر سائر البدن، فلا يثبت بالإنبات حكم، فليس هو ببلوغ ولا دلالة له على البلوغ١. وقد استدل العلماء القائلون بأن إنبات الشعر في هذا الموضع من علامات البلوغ, بما حدث عندما أخل يهود بني قريظة بالعهد الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ ، ورضوا بتحكيم سعد بن معاذ، فكان من حكمه عليهم أن تقتل رجالهم، فكان المسلمون إذا اشتبهوا في الشخص هل بلغ مبلغ الرجال أولا، كشفوا فإذا رأوا إنبات الشعر عومل الشخص معاملة الرجال، فيعاقب بعقوبتهم وهي القتل، فعن عطية القرظي -وكان يهوديا ثم أسلم- قال: "عرضنا على النبي ﷺ يوم قريظة، فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلى سبيله، وكنت ممن لم ينبت فخلى سبيلي" رواه الخمسة: أحمد بن حنبل، والترمذي، والنسائي، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه الترمذي، وصححه أيضا ابن حبان والحاكم وقال: على شرط الصحيحين٢.

стр. 86

واستدل لهذا الرأي أيضًا بما كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى عامله أن لا تأخذ الجزية إلا ممن جرت عليه المواسي. واستدل أيضا له بأن الشعر خارج يلازمه البلوغ غالبا, ويستوي فيه الذكر والأنثى فكان علما على البلوغ كالاحتلام. ومن أدلتهم أيضًا أن الخارج من الجسم ضربان: متصل ومنفصل، فلما كان من المنفصل كالمنى والحيض ما يثبت به البلوغ كذلك المتصل. وسبق أن ذكرنا أن الشافعي ﵁ في أحد قوليه، يرى أن إثبات الشعر من علامات البلوغ في حق غير المسلمين لا في حق المسلمين، ولعله في هذا الرأي ملتزم بظاهر النص الوارد في حادثة تحكيم سعد بن معاذ في بني قريظة، فهذا النص ورد في غير مسلمين، لكن الرد على هذا الرأي بأن ما كان بلوغا في حق غير المسلمين كان بلوغا في حق المسلمين، كالاحتلام والسن، والإنبات أمر جبلي أي: طبيعي يستوي فيه جميع الناس١. هذا، وقد بيّن بعض العلماء أن إنبات شعر اللحية والشارب ليسا بعلامة على البلوغ؛ لأن الإنسان قد يبلغ قبل أن ينبت له شيء من ذلك بزمن طويل٢. والثالث من الأشياء الخمسة وهو ثالث الأشياء المشتركة بين الذكر والأنثى: السن ويرى الأوزاعي، والشافعي وأحمد بن حنبل، وأبو يوسف ومحمد بن الحسن تلميذا أبي حنيفة، أن مضي خمس عشرة سنة من حين الولادة يكون بلوغا،

стр. 87

سواء أكان ذلك في الذكر أم في الأنثى، وهو ما يراه أيضًا بعض فقهاء المالكية، ويراه عمر بن عبد العزيز، وجماعة من أهل المدينة، واختاره ابن العربي، وتجب عقوبات الحدود وفرائض الشرع عند هؤلاء العلماء على من بلغ هذه السن، قال أصبغ بن الفرج أحد فقهاء المالكية القائلين بهذا الرأي: "والذي نقول به إن حد البلوغ الذي تلزم به الفرائض والحدود خمس عشرة سنة، وذلك أحب ما فيه إلي، فأحسنه عندي؛ لأنه الحد الذي يسهم فيه في الجهاد ولمن حضر القتال"١. ويرى داود الظاهري أنه لا اعتبار بالسن في البلوغ، فلا يحكم ببلوغه بالسن ما لم يحتلم ولو بلغ أربعين سنة٢، لقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم" وإثبات البلوغ بغير الاحتلام مخالف للحديث، وهذا أيضًا ما يراه مالك. ويرى أصحاب مالك أن البلوغ في الذكر والأنثى بسبع عشرة سنة، ويوجد رأي آخر عندهم أنه يكون بثماني عشرة سنة، ورأي ثالث بخمس عشرة سنة٣. وروي عن أبي حنيفة عدة روايات إحداها أنه لا يحكم لمن لم يحتلم حتى يبلغ ما لم يبلغه أحد إلا احتلم، وذلك سبع عشرة سنة، فتوقع عليه العقوبات الشرعية المحددة إذا ما ارتكب ما يستوجب توقيعها عليه.

стр. 88

وتوجد رواية أخرى عن أبي حنيفة أنه يرى أن البلوغ يكون بتسع عشرة سنة، وهي الرواية الأشهر، وأنه يرى أن الأنثى تبلغ بسبع عشرة سنة، وروي عنه رواية ثالثة رواها اللؤلئي أن البلوغ بثماني عشرة سنة في حق الغلام. وجمع بعض فقهاء الحنفية بين الرواية التي تقول إن أبا حنيفة يرى أن البلوغ في حق الغلام بثماني عشرة سنة، والرواية التي تقول إنه يرى أن البلوغ في حقه بتسع عشرة سنة بأن المراد أن يدخل في التاسعة عشرة, ويتم له ثماني عشرة سنة، فلا يكون اختلاف بين الروايتين١. وتوجد رواية رابعة أن الغلام والجارية يبلغان بخمس عشرة سنة٢. وقد استدل للرأي القائل بأن البلوغ في الذكر والأنثى بخمس عشرة سنة، بحديث عبد الله بن عمر عندما عرض على النبي ﷺ ليشترك مع جيش المسلمين فيقاتل معهم في معركة أحد، وكانت سنه في هذا الوقت أربع عشرة سنة، فلم يسمح له النبي -صلى الله عله وسلم- بالاشتراك مع الجيش في الحرب، ولما بلغ خمس عشرة سنة، سمح له النبي ﷺ بالاشتراك في الحرب يوم الخندق، روى الجماعة: البخاري، ومسلم، وأحمد بن حنبل، والترمذي والنسائي، وأبو داود، وابن ماجه عن ابن عمر قال: عرضت على النبي ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني. ومعنى الإجازة: الإذن بالخروج للاشتراك في القتال، قال عمر بن عبد العزيز لما بلغه هذا الحديث: إن هذا الفرق بين الصغير والكبير٣.

стр. 89

وقد تعقب بعض العلماء الاستدلال بهذا الحديث بأن هذا الحديث لا دلالة فيه على البلوغ؛ لأنه ﷺ لم يتعرض لسن عبد الله بن عمر، وإن فرض خطور ذلك المعنى ببال عبد الله بن عمر. ورد الشوكاني هذا التعقب بالزيادة التي جاءت في رواية أخرى لهذا الحديث عند البيهقي، وابن حبان في صحيحه، فقد جاءت الرواية عندهما بزيادة "ولم يرني بلغت" بعد قوله: "لم يجزني" وبزيادة: "ورآني بلغت"، بعد قوله: "أجازني"، وهذه الزيادة صححها أيضا ابن خزيمة. والظاهر أن عبد الله بن عمر لا يقول هذا بمجرد الظن من دون أن يصدر من رسول الله ﷺ ما يدل على ذلك١. وعلل أصحاب الرأي القائل بأن البلوغ في الذكر والأنثى بخمس عشرة سنة، تساوي الذكر والأنثى في هذا المقدار من السنين مع أن الحديث في الذكر، عللوا هذا التساوي بأن السن معنى يحصل به البلوغ يشترك فيه الغلام والجارية فاستويا فيه كالإنزال للمني٢. وقد استدل للرأي المنقول عن أبي حنيفة أن الغلام يبلغ بثماني عشرة سنة, والأنثى تبلغ بسبع عشرة سنة بقول الله ﵎: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ ٣. قال فقهاء الحنفية إن الصبي يبلغ أشده

стр. 90

بثماني عشرة سنة، كما قاله عبد الله بن عباس، والقول بالثماني عشرة سنة هو أقل ما قيل في تفسير بلوغ الصبي أشده؛ لأن هناك رأيا ثانيا يقول: اثنتان وعشرون سنة، ورأيا ثالثا يقول: خمس وعشرون سنة، وهو قول عمر ﵁، وإذا كان القول بالثماني عشرة سنة هو أقل ما قيل في تفسير بلوغ الصبي أشده فينبغي الحكم عليه للاحتياط. ولما كان الإناث نشوؤهن وإدراكهن أسرع من الذكور غالبا فإن ذلك دافع إلى الإنقاص في حقهن سنة، وكانت سنة كاملة؛ لأن السنة تشتمل على الفصول الأربعة التي يوافق واحد منها المزاج لا محالة١. وبهذا ينتهي الكلام عن الأشياء الثلاثة التي يشترك فيها الذكر والأنثى، وهي: خروج المني، ونبات الشعر الخشن في العانة، والسن، وأما الشيآن اللذان تختص بهما الأنثى فيهما -كما بينا- الحيض والحمل. والحيض علامة من علامات البلوغ لا نعلم فيه خلافا كما عبر عن ذلك ابن قدامة، وقد روى الترمذي أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" ٢ قال الترمذي: حديث حسن. والحمل أيضًا علامة من علامات البلوغ؛ لأن الله أجرى العادة على أن لا يخلق الولد إلا من لقاء بين حيوان منوي من الرجل وبويضة من المرأة، فمتى حملت فإنه يحكم ببلوغها في الوقت الذي بدأ فيه حملها٣. هذا وإذا قارب الغلام أو الجارية الحلم وأشكل الأمر فيهما، وادعى أي منهما البلوغ فقال هو أو قالت هي: بلغت، فالقول قولهما، وتكون أحكام كل منهما أحكام البالغين؛ لأنه معنى لا يعرف إلا من جهتهما ظاهرا، فإذا أخبرا بذلك قبل قولهما فيه كما يقبل قول المرأة في الحيض، في العدة وبين بعض العلماء أنه يشترط في قبول قولهما في هذه الناحية إذا كان الغلام بلغ اثنتي عشرة سنة وبلغت الأنثى تسع سنين، فإذا كان أحدهما لم يبلغ ذلك فلا يقبل قوله؛ لأن الظاهر يكذبه٤.

стр. 91

الشرط الثالث: من شروط القاضي العقل إذا كان لا يصح تولية الصبي القضاء فالمجنون لا يصح توليته من باب أولى، والعقل أحد الشروط المجمع عليها بين العلماء، لا يتصور الخلاف في ذلك، وقد عرف بعض العلماء العقل بأنه: "غريزة يتأتى بها درك العلوم وليست منها" واختار ابن السبكي أحد كبار فقهاء الشافعية تعريفا له بأنه: "ملكة يتأتى بها درك المعلومات"١. والعلماء مختلفون في محل العقل، فالشافعية يقولون إن محل العقل هو القلب، ويستندون في هذا إلى نصوص من القرآن والسنة، فمن القرآن قول الله

стр. 92

تبارك وتعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ ١. وقوله : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ ٢ وقوله : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ ، ومن السنة يستندون إلى قول رسول الله ﷺ : "ألا وإن في الجسد مضغة" الحديث. وذهب فريق آخر من العلماء إلى أن محل العقل الدماغ وليس القلب، وهو المعروف عن أبي حنيفة -رضي الله عنه٣. هل يكتفى بالعقل الذي يتحقق به التكليف؟ هل يكتفى في شرط العقل أن يوجد عند الشخص العقل الغريزي، أي: العقل التكليفي، الذي يناط به التكليف، أم لا بد أن يتحقق عنده عقل اكتسابي زيادة على العقل التكليفي؟. اشترط الماوردي أحد أشهر علماء الشافعية زيادة العقل الاكتسابي، فلا يكفي عنده العقل الغريزي الذي هو مناط التكليف. قال الماوردي محددا مراده من شرط العقل: "ولا يكتفى فيه بالعقل الذي يتعلق به التكليف من علمه بالمدركات الضرورية حتى يكون صحيح التمييز جيد الفطنة، بعيدا عن السهو والغفلة، يتوصل بذكائه إلى إيضاح ما أشكل وفصل ما أعضل"٤. فالماوردي -كما هو واضح من كلامه- يرى أن مجرد وجود العقل

стр. 93

التكليفي عند الشخص لا يكفي؛ لأنه يمكن أن يكون عنده العقل التكليفي، لكنه مع هذا تحقق فيه صفة الغفلة، فالفطانة١ إذن على رأي الماوردي مطلوبة في القاضي، وهي ضد الغفلة. والغفلة صفة تؤدي إلى أن ينخدع الشخص بتحسين الكلام، ولا يفطن إلى بعض الأمور التي تساعده في الحكم في القضية المطروحة أمامه، فلا بد من جودة العقل، وقوة إدراكه لمعاني الكلام. والمالكية أيضًا يشترطون ما اشترطه الماوردي، وهو شرط الفطانة٢. والبعض منهم يرى أنها من الصفات المستحبة وليست شرطا في صحة التولية، وبعض ثالث منهم أيضا يرى أن مطلق الفطنة المانع من كثرة التغفل شرط في صحة التوليه لهذا المنصب، والفطنة الموجبة للشهرة بها غير النادرة ينبغي أن تكون من الصفات المستحبة في القاضي، ويرى الرملي أحد علماء الشافعية أن اشتراط الماوردي في القاضي زيادة العقل الاكتسابي مخالف لفقهاء الشافعية، أي: إنهم لم يشترطوا ما اشترطه الماوردي من زيادة على العقل التكليفي. ويرى بعض آخر من فقهاء الشافعية أن الذي اشترطه الماوردي لا بد منه، وأن مجرد العقل التكليفي الذي هو التمييز غير كاف في القاضي قطعا، وبين أن الرملي نفسه -وهو الذي لم يرض بما اشترطه الماوردي- اشترط أن يكون ذا يقظة تامة، وهذا مساو لما قاله الماوردي، فما قاله الماوردي ليس فيه زيادة

стр. 94

على هذا١, ونجد أن ابن جماعة الفقيه الشافعي يقول عند كلامه عن شرط العقل في القاضي "ونعني بالعقل صحة التمييز وجودة الفطنة والذكاء"٢. وفي فقه الشيعة الإمامية نجدهم يشترطون في القاضي كمال العقل٣. وجمهور العلماء لا يحددون للفطنة حدا معينا، لكن بعض فقهاء المالكية يرى أنه من المستحب أن لا يكون القاضي زائدا في جودة الذهن والرأي عن عادة الناس، وقد علل لهذا الرأي بأنه يخشى أن يحمله جودة رأيه وفكره على الحكم بين الناس بالفراسة٤، وترك قانون الشريعة من طلب البينة "الشهود" وتجريحها وتعديلها، وطلب اليمين ممن توجهت إليه، وغير ذلك٥. ويجاب عن هذا بأنه على العكس من ذلك، فإن المطلوب أن يكون القاضي زائدا في الفطنة والدهاء عن عامة الناس؛ لأن ذلك يؤدي إلى سرعة الوصول إلى الحق في القضايا المطروحة أمامه، ويؤيد هذا أن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- أسرع في تولية كعب بن سور القضاء عندما ظهرت له زيادة فطنة عنده، فقد

стр. 95

ورى عن الشعبي أن كعب بن سور الأسدي كان جالسا عند عمر بن الخطاب، ﵁، فجاءت امرأة فقال: يا أمير المؤمنين، ما رأيت رجلا قط أفضل من زوجي، والله إنه ليبيت ليله قائما ويظل نهاره صائما، فاستغفر لها وأثنى عليها، ثم قال لها: نعم الزوج زوجك، فجعلت تكرر هذا القول، ويكرر عليها الجواب، فقال له كعب: يا أمير المؤمنين، هذه المرأة تشكو زوجها في مباعدته إياها عن فراشه، فقال له عمر: كما فهمت كلامها فاقض بينهما، قال: فإني أرى كأنها امرأة عليها ثلاث نسوة هي رابعتهن فأقضي له ثلاثة أيام ولياليهن يتعبد فيها، ولها يوم وليلة، ثم قال للزوج: إن لها عليك حقا يا بعل، تصيبها في أربع لمن عدل، فأعطها ذاك ودع عنك العلل، فقال عمر: والله ما رأيك الأول بأعجب إلي من الآخر، اذهب فأنت قاض على أهل البصرة١. أما الخشية من أن يحكم القاضي بالفراسة، ويترك قانون الشريعة فلا محل لها؛ لأن من الشروط التي يجب أن تتحقق في القاضي شرط العدالة، والعدالة تمنع القاضي من أن يترك قانون الشريعة ويحكم بغير هذا القانون٢.

стр. 96

الشرط الرابع: الحرية أي: لا يكون عبدا، وهذا شرط اشترطه جمهور العلماء عندما كان الرق موجودا في عصورهم، وهو من الشروط التي قال بها جمهور العلماء، عدا ابن حزم والزيدية -فيما اطلعنا عليه من مصادر- وذلك لنقص العبد بجميع أقسامه، سواء أكان قنا، أي: خالص العبودية، أم مبعضا، أي: بعضه حر، وبعضه رقيق، كأن اشترك اثنان في ملكية عبد بميراث، أو بشراء أو بغير ذلك من أسباب التملك

стр. 97

المشروعة، ثم أعتق أحدهما نصيبه، أم كان مدبرا، أي: قال له سيده: أنت حر بعد موتي، أم معلقا عتقه على صفة، كأن قال له سيده: إن شفاني الله فأنت حر، فكل هذه الأنواع لا يصح توليتها منصب القضاء، لنقصان العبد، والنفوس البشرية تأنف من الانقياد لم به رق. وأيضًا فلأن الرق -كما قال العلماء- أثر كفر؛ لأنه في الأصل عقوبة وقعت على أسير الحرب من الكفار، لما استكبر عن عبادة الله ﵎، جعله الله عبد عبيده. ويعلل العلماء أيضًا لهذا الشرط بأن العبد مشغول بحقوق سيده فلا يتفرغ لمصالح الأمة١. وقال الإمام الباجي، "ووجه ذلك أن منافع العبد مستحقة لسيده فلا يجوز أن يصرفها للنظر بين المسلمين"٢. وقد دلل ابن حزم لرأيه بعدة أمور: الأمر الأول: أن القضاء هو نوع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعبد كسائر أفراد الأمة مخاطب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الأمر الثاني: أن الله ﵎ أمرنا فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ ٣ والعبد داخل في هذا الأمر، كسائر أفراد الأمة؛ لأن هذه الأوامر تعم كل رجل وامرأة، وحر وعبد، ولا يصح التفريق في الأحكام بين الرجال والنساء، والأحرار والعبيد إلا إذا جاء

стр. 98

نص يفيد هذا التفريق في الحكم. الأمر الثالث: ما روي عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر أنه انتهى إلى الربذة وقد أقيمت الصلاة، فإذا عبد يؤمهم فقيل له هذا أبو ذر فذهب يتأخر، فقال أبو ذر: أوصاني خليلي يعني رسول الله ﷺ أن أسمع وأطيع وإن كان عبدا مجدع الأطراف. قال ابن حزم بعد أن ذكر هذا الأثر: "فهذا معنى جلي على ولاية العبد". الدليل الثالث: ما روي عن سويد بن غفلة قال: قال لي عمر بن الخطاب: أطع الإمام وإن كان عبدا مجدعا، قال ابن حزم: فهذا عمر لا يعرف له من الصحابة مخالف١. واستند الزيدية في رأيهم بجواز كون القاضي عبدا إلى أن العبد يصح شهادته فيصح حكمه كالحر٢. وأما لو كان عبدا ثم أصبح حرا، فجمهور العلماء يرون صلاحيته لتولي منصب القضاء، ويرى سحنون أحد علماء المالكية أن العتيق لا يصلح لتولي القضاء، خوفا من أن تستحق رقبته، فتذهب أحكام الناس باطلا، أي: فترد الأحكام التي حكم بها٣.

стр. 99

الشرط الخامس: الذكورة مدخل ... الشرط الخامس: الذكورة هذا الشرط محل اختلاف بين علمائنا -رضي الله تعالى عنهم- وهو من الشروط التي أخذت حيزا كبيرا من الاختلاف الفقهي قديما وحديثا. فجمهورهم -وفيهم جمهور المالكية وكذلك فيهم الشافعية، والحنابلة، وزفر من الحنفية والشيعة الإمامية١، والشيعة الزيدية٢، والإباضية٣- يرون أنه لا يجوز تولية المرأة القضاء في أي نوع من أنواع القضايا، سواء أكانت في قضايا الأموال أم في قضايا القصاص، والحدود، أم في غير ذلك، ولو وليت المرأة القضاء كان من ولاها آثما، ولا ينفذ حكمها حتى لو كان موافقا للحق، وكان في الأمور التي تقبل فيها شهادتها٤. ونرى أن من المستحسن هنا أن نوضح أن فقهاء الحنفية أيضا مع الجمهور, في القول بعدم جواز أن تتولى المرأة القضاء، لكن بعض الكاتبين في الفقه الإسلامي ينسبون إلى الحنفية أنهم يرون جواز أن تتولى المرأة القضاء في الأمور التي يصح لها

стр. 100

أن تشهد فيها، وهي ما عدا مسائل الحدود، والقصاص١. والواقع أن حقيقة مذهب الحنفية غير ذلك٢؛ لأن الحنفية كما قلنا يقفون مع جمهور العلماء في القول بعدم جواز أن تتولى المرأة القضاء، لكنهم زادوا على

стр. 101

ذلك أن قالوا: إذا وليت المرأة القضاء مع الكراهة١ التحريمية، وأثم من ولاها فحكمت في الأمور التي تصح فيها شهادتها -وهي ما عدا مسائل الحدود والدماء- فإنه ينفذ حكمها إذا وافق كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وأما إذا حكمت في الحدود والقصاص فلا ينفذ قضاؤها، حتى لو كان موافقا لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهذا ما صرح به فقهاء الحنفية

стр. 102

أنفسهم فهو ما قرره الغزي في تنوير الأبصار، قال الغزي: "والمرأة تقضي في غير حد وقود "أي: قصاص" وإن أثم موليها"١، وهو أيضا ما قاله صاحب مجمع الأنهر، قال: "ويجوز قضاء المرأة في جميع الحقوق لكونها من أهل الشهادة، لكن أثم المولي لها للحديث: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" في غير حد وقود، إذ لا يجري فيهما شهادتها وكذا قضاؤها في ظاهر الرواية٢. وأيضا ما قرره الكمال بن الهمام في سياق رده على استدلال الجماهير على عدم نفاذ حكمها لو وليت قال: "والجواب أن غاية ما يفيد منع أن تستقضي وعدم حله، والكلام فيما لو وليت، وأثم المقلد بذلك، أو حكمها خصمان، فقضت قضاء موافقا لدين الله، أكان ينفذ أم لا؟ لم ينتهض الدليل على نفيه بعد موافقته ما أنزل الله، إلا أن يثبت شرعا سلب أهليتها، وليس في الشرع سوى نقصان عقلها٣. ومعلوم أنه لم يصل إلى حد سلب ولايتها بالكلية، ألا ترى أنها تصلح شاهدة٤، وناظرة في الأوقاف ووصية على اليتامى، وذلك النقصان بالنسبة والإضافة، ثم هو منسوب إلى الجنس، فجاز في الفرد خلافه، ألا ترى إلى تصريحهم يصدق قولنا: الرجل خير

стр. 103

من المرأة، مع جواز كون بعض أفراد النساء خيرا من بعض أفراد الرجال، ولذلك النقص الغريزي نسب ﷺ لمن يوليهن عدم الفلاح١، فكان الحديث متعرضا للمولين ولهن بنقص الحال، وهذا حق، لكن الكلام فيما لو وليت فقضت بالحق، لما يبطل ذلك الحق؟ "٢. ولعل السبب في الخطأ الذي يقع فيه بعض الحاكين لمذهب الحنفية من الكاتبين المحدثين أن بعض المصادر القديمة في كتب الحنفية أنفسهم، وفي كتب غيرهم، يفهم من ظاهر عباراتها أن المرأة يجوز توليتها القضاء في غير قضايا الحدود والدماء، فمثلا يقول الكاساني أحد كبار فقهاء الحنفية المشتهرين في كتابه: "بدائع الصنائع"٣: "وأما الذكورة فليست من شرط جواز التقليد في الجملة؛ لأن المرأة من أهل الشهادات في الجملة، إلا أنها لا تقضي بالحدود والقصاص؛ لأنه لا شهادة لها في ذلك، وأهلية القضاء تدور مع أهلية الشهادة". ولعل مراد الكاساني من عبارة: "وأما الذكورة فليست من شرط جواز التقليد في الجملة"، أن الذكورة ليست شرطا في كل ما يتصل بمسألة قضاء المرأة، إذ إنها لا تشترط في صحة حكمها في الأمور التي يجوز لها أن تشهد فيها، وهي عند الحنفية وجمهور العلماء ما عدا القصاص والحدود، فالمرأة إذا حكمت فيما يصح لها أن تشهد فيه كان حكمها صحيحا عند الحنفية، مع إثم من ولاها منصب القضاء. ونظير هذا التعبير في كلام العلماء، وهو تعبير "في الجملة" ما قاله العلماء عند بحث مسألة تصرفات الصبي المميز٤، قال العلماء إن تصرفات الصبي المميز

стр. 104

جائزة في الجملة يريدون بذلك أنها تجوز في بعض الأحيان؛ وذلك لأن تصرفات الصبي المميز تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: أن تكون تصرفات نافعة نفعا محضا للصبي، وهذه جائزة ولو خالف ولي الصبي كالاصطياد، وقبول الهدية، وقبول الوصية؛ لأن ذلك نفع تام للصبي. الثاني: أن تكون تصرفات ضارة ضررا محضا بالصبي، وهذه غير جائزة ولو أجازها الولي، كالطلاق، وأن يهب هو لغيره شيئًا ماليا، أو يتصدق بشيء أو يقرض غيره أو يكفل مدينا لغيره، فهذه التصرفات وأمثالها لا تنفذ ولو أجازها وليه؛ لأنها تصرفات تؤدي إلى إلحاق الضرر المحض بالصبي. الثالث: أن تكون تصرفات مترددة بين النفع والضرر، وهو كل تصرف يحتمل أن يحقق نفعا للصبي ويحتمل في نفس الوقت أن يؤدي إلى خسارته، فهذه تكون صحيحة لكنها متوقفة على إجازة الولي، وذلك كالبيع والشراء، والإجارة، والزواج والمزارعة، والمساقاة، وسائر الشركات وما ماثل ذلك. فإذا قال العلماء إن تصرفات الصبي المميز جائزة في الجملة فإنهم يريدون أنها في بعض الحالات تكون جائزة، فلعل مراد الكاساني -كما قلنا قريبا- من عبارة "وأما الذكورة فليست من شرط جواز التقليد في الجملة"، أن الذكورة ليست شرطا في كل ما يتصل بمسألة قضاء المرأة؛ لأنها لا تشترط في صحة حكمها في الأمور التي يجوز لها أن تشهد فيها. لكن العبارة بهذا الشكل من الكاساني توهم بحسب فهم ظاهرها أن المرأة يجوز توليتها القضاء في غير قضايا الحدود والدماء، وخاصة وأن الكاساني يقول: "فليست من شرط جواز التقليد" ولو قال: فليست من شرط قضاء المرأة في الجملة، لكانت أقرب إلى ما يراه الحنفية، ولنواصل القراءة في كتب الحنفية لنجد أن بعض عباراتهم يوهم ظاهرها جواز تقليد المرأة القضاء في كل شيء, إلا في

стр. 105

الحدود والقصاص. يقول المرغيناني: "ويجور قضاء المرأة في كل شيء إلا في الحدود والقصاص"١. ومع أن المرغيناني عبر بقوله: "ويجوز قضاء المرأة" إلى آخره، ولم يعبر بالقول مثلا: ويجوز تقليد المرأة القضاء، أو يجوز تولية المرأة القضاء، ومع أن تعبيره هذا يتفق في الواقع وما يراه الحنفية من عدم جواز تقليد المرأة القضاء, لكن إذا وليت القضاء فإنه يصح قضاؤها أي: حكمها فيما عدا القصاص والحدود مع إثم من ولاها، نقول: مع أن المرغيناني عبر بهذا فإن عبارته في ظاهرها توهم أن الحنفية يرون جواز توليتها القضاء فيما عدا الحدود والقصاص، ولا شك أن التعبير بالعبارة التي لا توهم أولى من التعبير بالعبارة الموهمة التي تحتاج إلى التدقيق والبحث عن المراد. ويقول الكمال بن الهمام في شرح فتح القدير٢: "وأما الذكورة فليست بشرط إلا للقضاء في الحدود والدماء، فتقضي المرأة في كل شيء إلا فيهما"، والكمال بن الهمام يريد بهذه العبارة أن الذكورة ليست شرطا في صحة الحكم إلا في الحكم في قضايا الحدود والدماء، وليس مراد ابن الهمام أن الذكورة ليست شرطا في تولية القضاء إلا في الحدود والدماء, وقد صرح هو نفسه بهذا المراد عندما كان يناقش استدلال القائلين بعدم نفاذ حكم المرأة لو وليت, ولو في غير الحدود والدماء, فقد قال هناك كما ذكرنا قريبا: "والجواب أن غاية ما يفيد منع أن تستقضى وعدم حله، والكلام فيما لو وليت وأثم المقلد "يعني من ولاها"، بذلك، أو حكمها خصمان فقضت قضاء موافقا لدين الله، أكان ينفذ أم لا؟ لم ينتهض

стр. 106

الدليل على نفيه بعد موافقته ما أنزل الله" إلى آخر ما قاله الكمال١. لكن عبارة ابن الهمام موهمة أن الحنفية يجيزون تولي المرأة القضاء في غير الحدود والقصاص كعبارة المرغيناني، وإن كان ابن الهمام في الحقيقة يريد بالقضاء الحكم وليس التولية. وإذا انتقلنا إلى مصادر أخرى لغير الحنفية، نجد الماوردي مثلا أحد أشهر فقهاء الشافعية، يقول في كتابه: الأحكام السلطانية٢: "وقال أبو حنيفة: يجوز أن تقضي المرأة فيما تصح فيه شهادتها، ولا يجوز أن تقضي فيما لا تصح فيه شهادها". وملاحظتنا على هذه العبارة كملاحظتنا السابقة على عبارة المرغيناني والكمال بن الهمام حتى مع كون الماوردي -بغالب الظن- يريد بقوله: "تقضي" الحكم وليس التولية. ونجد الحافظ ابن حجر العسقلاني يقول في كتابه الموسوعي فتح الباري: "واتفقوا على اشتراط الذكورة في القاضي، إلا عند الحنفية، واستثنوا الحدود، وأطلق ابن جرير"٣. ونفس ملاحظتنا السابقة يمكن أن توجه إلى عبارة ابن حجر، مع زيادة أن الحنفية لم يستثنوا الحدود فقط، بل استثنوا الحدود والقصاص، إلا إذا كان يريد بالحدود ما يشمل القصاص بنوع من التجوز. ونجد ابن رشد -الحفيد- في كتابه: بداية المجتهد يقول: "وكذلك اختلفوا في اشتراط الذكورة، فقال الجمهور: هي شرط في صحة الحكم، وقال

стр. 107

أبو حنيفة: يجوز أن تكون المرأة قاضيا في الأموال"١. ولا تسلم عبارة ابن رشد من الملاحظة التي كررناها على العبارات السابقة إلا إذا كان مراد ابن رشد من قوله: "وهي شرط في صحة الحكم" هي شرط في صحة ما قضت به, وليس المراد التولية فيمكن أن يعتذر عن ابن رشد بأن تعبيره بقوله: هي شرط في صحة الحكم, يعني بالحكم القضاء وليس التولية نفسها، لكن مع هذا فالعبارة موهمة بأن الحنفية يرون جواز التولية للمرأة منصب القضاء في الأموال. ومن الملاحظ أيضًا على ابن رشد أنه أخطأ في حكاية مذهب الحنفية على أنهم يقصرون جواز قضائها على الأموال، مع أنهم يقولون بصحة قضائها مع إثم من ولاها في كل ما عدا الحدود والقصاص، فليس صحة قضائها فيما لو وليت مع الإثم مقصورا على الأموال٢. وأوضح في التصريح بأن أبا حنيفة يرى جواز تولية المرأة منصب القضاء قول الباجي صاحب كتاب المنتقي شرح موطأ الإمام مالك: "وقال أبو حنيفة يجوز أن تلي المرأة القضاء في الأموال دون القصاص"٣. ونجد الصنعاني يقول في كتابه سبل السلام٤: "وذهب الحنفية إلى جواز توليتها الأحكام إلا في الحدود" وهذه العبارة من الصنعاني ظاهرة وواضحة في أن

стр. 108

الذكورة ليست شرطا عند الحنفية في توليتها منصب القضاء، وهذا خطأ؛ لأن الحنفية لا يقولون بجواز توليتها القضاء لا في الحدود ولا في غيرها، ويقول ابن حزم في كتابه "المحلى"١: "وجائز أن تلي المرأة الحكم٢. وهو قول أبي حنيفة" وهذا خطأ أيضًا من ابن حزم في حكاية مذهب أبي حنيفة. فهذه العبارات وأمثالها توهم أن الحنفية يرون جواز تولية المرأة القضاء في الأمور التي يصح لها أن تشهد فيها، لكننا وجدنا الغزي والكمال بن الهمام -كما بينا- يوضحان مذهب الحنفية على الصورة التي بيناها. ويمكن أن يقال إن بعض الحنفية متهمون ببعض التقصير في توضيح مذهبهم، فكان عليهم أن يعبروا في كتبهم بعبارات واضحة في الدلالة على المذهب، لا توهم هذا المعنى الذي توهمه غير الحنفية٣. ومع أنه من الممكن أن يقال إن الغزي وابن الهمام وغيرهما من فقهاء الحنفية الذين بينوا أنه لا يجوز تولية المرأة القضاء مخالفون لمذهب الحنفية وهو -كما نقله بعض العلماء- جواز توليتها في الأمور التي يصح لها أن تشهد فيها، وهي ما عدا القصاص والحدود، وعلى هذا يكون الرأي الذي أبداه ابن الهمام والغزي وصاحب مجمع الأنهر وغيرهم رأيا خاصا بأصحابه, وليس هو المذهب الفقهي للإمام المذهب أو لأئمتهم الكبار الأول، نقول مع أنه من الممكن أن يقال هذا لكن الرد عليه أن من المعهود إذا خالف بعض فقهاء مذهب معين قولا لإمام المذهب أن يذكر قول الإمام, ثم يبين أنه يرى رأيا آخر غير ما يراه الإمام، فلما لم يبين دامادا أفندي صاحب مجمع الأنهر والكمال بن الهمام صاحب شرح فتح القدير والغزي صاحب تنوير الأبصار أن هذا رأي مستقل عن المذهب الفقهي للأئمة السابقين في المذهب الحنفي، غلب على ظننا أن ما بينه هؤلاء هو حقيقة مذهب الحنفية.

стр. 109

مدى توافق رأي الحنفية في قضاء المرأة مع رأيهم في أثر النهي: النواهي التي وردت في نصوص الشريعة في كتاب الله الكريم، أو على لسان رسول الله ﷺ تدل على تحريم الفعل المنهي عنه على رأي جمهور العلماء، إلا إذا وجدت قرينة تدل على صرف النهي عن تحريم الفعل إلى كراهته، وعلى هذا إذا فعل الإنسان ما نهى الشرع عنه يكون آثما، ويستحق العقوبة في الآخرة. وليس الأثر الأخروي لمخالفة النهي هو الأثر الوحيد، وإنما قد يوجد أثر دنيوي أيضًا في الفعل المنهي عنه إذا كان من العبادات أو المعاملات١. فما هو هذا الأثر عند الحنفية؟ وهل رأيهم في أثر النهي في الفعل المنهي عنه يتفق مع رأيهم في تولية المرأة القضاء؟

стр. 110

نرى -كما يرى بعض الباحثين-١ أن مذهب الحنفية في تولية المرأة القضاء لا يتفق مع موقفهم في الأصول من النهي ومقتضاه. ولكي يفهم مذهب الحنفية في هذه المسألة، يحسن أن نبين أن العلماء قسموا الأفعال التي نهى الشرع عنها إلى قسمين: القسم الأول: الشرعيات، ويراد بها ما طلبه الشارع لحكمة كالصلاة والصوم والإجارة. القسم الثاني: الحسيات وهي ما ليست كذلك، كالزنا، والقتل، وشرب الخمر. أما الحسيات فالحنفية والشافعية يتفقون على أن النهي عنها يقتضي الفساد, إذا كان النهي قد أتى مطلقا, أو دل الدليل على أن النهي لذات الشيء المنهي عنه، كالظلم، فإذا استولى أحد -ظلما- على شيء مملوك لغيره فلا تثبت له الملكية بهذا الاستيلاء الظالم، أو دل الدليل على النهي لوصف لازم للشيء المنهي عنه، كالزنا، فإنه لا يثبت به النسب.
следующие страницы →