من المدعى عليه، والمقر من المقر له، والشاهد من المشهود عليه، وقال بعض العلماء إن من يرى أشباح الأشخاص ولا يعرف الصور هو في معنى الأعمى، فلا يصح توليته، لكن إذا كان بحيث لو قربت منه عرفها صح توليته القضاء.
ولو كان يبصر نهارا فقط جاز توليته، وأما الذي لا يبصر نهارا ويبصر ليلا فقط، فقال الأذرعي من فقهاء الشافعية: ينبغي منعه.
ويرى بعض فقهاء الشافعية أنه يجوز أن يكون القاضي أعمى١، وعلل لهذا الرأي بأن شعيبا ﵊ كان أعمى.
ويجاب عن هذا بأن البصر مشروط في الشاهد فمنع فقده ولاية القضاء بالقياس على الشهادة؛ لأن منصب الشهادة دون منصب القضاء، والشاهد يشهد في بعض الأشياء اليسيرة التي يثبت الاحتياج إليه فيها، وربما أحاط بحقيقة علمها، والقاضي ولايته عامة، ويحكم في قضايا الناس عامة، فإذا لم تقبل الشهادة من الأعمى، فيكون القضاء أولى في عدم القبول.
وما ذكره أصحاب الرأي القائل بجواز أن يكون القاضي أعمى عن شعيب لا نسلمه، فإنه لم يثبت أنه كان أعمى، بل حتى على فرض أنه كان كذلك فلا يلزم ههنا؛ لأن الناس الذين آمنوا مع شعيب ﵇ كانوا قليلين، وربما لا يحتاجون إلى حكم بينهم، لقلة عددهم وتناصفهم، فلا يكون هذا حجة في مسألتنا٢، وهذا كله على التسليم بأن شرع من قبلنا شرع لنا، لكن هذه مسألة اختلف حولها الأصوليون، فليست محل اتفاق، ويمكن أن يقال: إن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا إلا إذا قام دليل في شريعتنا يلزمنا به.
стр. 177
الشرط التاسع النطق:
فلا يصح تولية الأخرس، حتى لو كانت إشارته مفهومة؛ لأنه لا يفهم إشارته جميع الناس.
هذا، ويرى الدردير أحد علماء المالكية المشهورين، وكذلك شمس الدسوقي من علمائهم أن السمع والبصر والكلام ليست شرطا في صحة ولاية القاضي ابتداء, ولا في صحة دوامها، بل هي واجب غير شرط في الابتداء والدوام، فيجب أن يكون القاضي سميعا، بصيرا، متكلما، فلا يجوز تولية القاضي ابتداء، ولا استمرار ولايته إلا إذا كان متصفا بهذه الصفات الثلاث.
فالأصم، أو الأعمى، أو الأبكم لا يجوز توليته ابتداء، ولا يجوز استمراره في هذا المنصب، مع صحة ما وقع من أحكامه١.
стр. 178
الشرط العاشر الكفاية:
ومعنى هذا الشرط أن يكون عنده القدرة على النهوض للقيام بأمر القضاء، بأن تتوفر عنده اليقظة التامة، والقوة التي تعينه على تنفيذ الحق.
وعلى هذا فلا يصح تولية المغفل١، ومختل النظر، بسبب كبر السن، أو وجود مرض عنده٢.
стр. 179
الشرط الحادي عشر الاجتهاد:
يقصد بهذا الشرط تحقق الكفاءة العلمية الكاملة في القاضي، التي تؤهله لمعرفة الأحكام الشرعية في القضايا التي تعرض عليه، حتى نأمن أن لا يحكم بين الناس على جهل، وهذا الشرط أحد الشروط التي اختلف العلماء حولها على رأيين:
الرأي الأول: اشتراط الاجتهاد في القاضي، وهذا ما يراه بعض المالكية والشافعي، وأحمد بن حنبل، وبعض الحنفية، ويراه الشيعة الإمامية١، والشيعة الزيدية٢، فلا يتولى القضاء جاهل بالأحكام الشرعية، ولا مقلد، وهو من حفظ مذهب إمامه، لكنه غير عارف بغوامضه، وقاصرا عن تقرير أدلته، كالذي يتبع المذهب الفقهي للإمام أبي حنيفة, فهو يحفظ أن مذهب إمامه الذي ينتمي إليه يرى أن من حق المرأة البالغة -سواء كانت بكرا أم ثيبا- أن تتولى عقد الزواج لنفسها أو لغيرها بوكالة أو وصاية. ولكن هذا الشخص المنتمي للإمام أبي حنيفة في مذهبه الفقهي لا يعرف الدليل الشرعي الذي استند إليه في هذا الحكم الشرعي.
وكذلك يتبع مذهب الإمام مالك فيحفظ أن الإمام مالك يرى أن لمس الرجل للمرأة الأجنبية لا ينقض الوضوء إلا إذا كان بشهوة، وإذا لم يكن اللمس بشهوة فلا ينقض الوضوء٣، ولكن هذا الشخص لا يعرف الدليل الذي استند إليه
стр. 180
الإمام مالك في هذا الحكم.
وكالذي يتبع مذهب الإمام الشافعي فيحفظ أن هذا المذهب يرى أن خلوة الزوج بالمرأة التي عقد عليها قبل أن يدخل بها دخولا حقيقيا لا تأخذ حكم الدخول الحقيقي, فلا يجب لها كل المهر المسمى في العقد بل نصفه فقط إذا حصل الطلاق قبل الدخول الحقيقي١، ولكن هذا المنتمي لمذهب الإمام الشافعي لا يعرف الدليل الذي استند إليه الشافعي في هذا الرأي.
وكالذي يتبع مذهب الإمام أحمد بن حنبل فيحفظ مما يحفظ في هذا المذهب أنه يجوز للقاضي أن يحكم بشاهد واحد ويمين المدعي٢، لكن هذا الشخص لا يعرف دليل ذلك.
وهكذا، فهؤلاء مقلدون يحفظون مذاهب أئمتهم, لكنهم لا يعرفون غوامضها ولا تتوفر عندهم القدرة العلمية على تقرير الأدلة التي تستدل بها هذه المذاهب الفقهية, وهؤلاء لا يجوز توليتهم القضاء عند من يشترطون في القاضي أن يكون مجتهدا.
الرأي الثاني: لا يشترط الاجتهاد في القاضي، وبهذا الرأي قال أبو حنيفة، وبعض المالكية٣، كابن العربي، فإنه يرى أن الاجتهاد ليس شرطا بل يشترط عنده
стр. 181
العلم، وأما الاجتهاد إذا وجد فلا يجوز العدول عن صاحبه قط١. ويرى بعض فقهاء الإباضية أن الاجتهاد ليس شرطا في القاضي فينعقد القضاء لمن لم يبلغ درجة الاجتهاد مع وجود من بلغها بشرط أن يكون ذا علم ونباهة، وفهم بما يتولى أمره٢.
معنى الاجتهاد:
معنى الاجتهاد كما عرفه الأصوليون: "بذل الفقيه وسعه في استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية".
ومعنى بذل الوسع أن يحس من نفسه العجز عن المزيد على ما بذله٣، والتقليد يضاد الاجتهاد، وقد عرف العلماء التقليد بعبارات مختلفة، عرفه بعضهم بأنه قبول رأي الغير بلا دليل ولا حجة، وعرف الجرجاني بأنه عبارة عن اتباع الإنسان غيره فيما يقول أو يفعل معتقدا الأحقية فيه من غير نظر وتأمل في الدليل، فقال الجرجاني: إن هذا المتبع جعل قول الغير أو فعله قلادة في عنقه.
وعرفه ابن السبكي بأنه أخذ القول من غير معرفة دليله٤.
وعرفه تقي الدين الحصني: بأنه قبول قول المستند إلى الاجتهاد، فلو قال
стр. 182
إنسان مثلا: رأيت القطب, فإن الأخذ به يكون قبول خبر لا تقليد؛ لأنه لم يكن هذا القول مستندا إلى الاجتهاد، بل يستند إلى الرؤية١.
هذا ما يتصل بمعنى كل من الاجتهاد، والتقليد، ويرى البعض أن القياس والاجتهاد بمعنى واحد، قال الشيرازي في كتابه "اللمع" في أصول الفقه: ذهب بعض الناس إلى أن القياس هو الاجتهاد, والصحيح أن الاجتهاد أعم من القياس؛ لأن الاجتهاد بذل المجتهد وسعه في طلب الحكم، وذلك يدخل فيه حمل المطلق على المقيد، وترتيب العام على الخاص، وجميع الوجوه التي يطلب منها الحكم، وبعض ذلك ليس بقياس.
وقال القاضي عبد الوهاب من المالكية في كتابه "الملخص" في أصول الفقه: ذهب بعض أهل الأصول إلى أن الاجتهاد هو القياس, وأنهما اسمان بمعنى واحد، وهذا غير صحيح؛ لأن الاجتهاد أعم من القياس ينظم القياس وغيره، ولذلك قالوا: هذا الحكم علمناه قياسا وهذا علمناه اجتهادا، وقال في مواضع أخرى: اعلم أن الاستدلال أعم من القياس؛ لأن كل قياس يتضمن الاستدلال وليس كل دليل قياسا، يبين ذلك أن الاستدلال يصح في الظواهر والاستنباط على غير وجه القياس٢.
ومن المعلوم أن هناك ثلاثة أنواع من الاجتهاد.
أحدها: الاجتهاد المطلق، وهو أم تتوافر في الشخص القدرة على استنباط
стр. 183
الحكم في جميع أبواب الشرع، بأن كان يستطيع أن يفتي في العبادات، والمعاملات من بيع وإجارة، ورهن، وشفعة، وغيرها، ومسائل الأسرة والجنايات وما عدا هذا من أبواب الشرع.
النوع الثاني: اجتهاد المذهب، وهو أن يكون متمكنا من معرفة الأحكام في الوقائع التي لم يرد فيها نص عن إمام مذهبه، بطريق التخريج على النصوص، أو القواعد المنقولة عن هذا الإمام، فاجتهاده لا يخرج عن دائرة إمام مذهبه١.
النوع الثالث: اجتهاد الفتوى، وهو أن يكون متمكنا من ترجيح قول لإمام المذهب على قول آخر، أو الترجيح بين ما قاله الإمام وما قاله تلاميذه، أو غيره من الأئمة.
فالمجتهد المطلق مثل علماء الصحابة وأئمة المذاهب الأربعة المشتهرة، أبي حنيفة، ومالك والشافعي، وأحمد بن حنبل ﵃ جميعا.
ومجتهد المذهب كابن القاسم، وأشهب في المذهب المالكي، والكمال بن الهمام في المذهب الحنفي، والغزالي، والنووي في المذهب الشافعي، ومجتهد الفتوى ككبار المؤلفين من أهل المذاهب٢.
стр. 184
فما هو نوع الاجتهاد المشترط في القاضي عند من يقول به من العلماء من هذه الأنواع الثلاثة؟
أغلب الذين يشترطون الاجتهاد في القاضي يريدون به الاجتهاد المطلق، وقد بين العلماء أنه لا بد من توفر عدة أمور علمية، عند الشخص حتى يصح أن يتحقق عنده الاجتهاد المطلق، وهذه الأمور هي -بعد تحقق عدة شروط بدهية، وهي شرط الإسلام والبلوغ، وشدة الفهم بالطبع- ما يأتي:
أولا: لا بد أن يكون عارفا من القرآن والسنة ما يتعلق بالأحكام، ولا يشترط أن يكون حافظا للآيات الكريمة أو الأحاديث الشريفة عن ظهر قلب، بل يكفي أن يكون عارفا بمواضع أحكام القرآن والسنة، لكي يرجع إليها عند الاحتياج إليها، لكن يجب أن يعرف خاص القرآن وخاص السنة وعامها، ومطلقهما ومقيدهما، ومجملهما ومبينهما، ويعرف الناسخ والمنسوخ، والنص والظاهر، والمحكم١ ويعرف من الستة: المتواتر، والآحاد؛ لأنه لا يتمكن من الترجيح بين
стр. 185
الأدلة عند تعارضها -بحسب الظاهر- إلا بمعرفة ذلك ويعرف الحديث المتصل، والمرسل١، والمنقطع، والمعضل، وغير ذلك من أنواع الحديث الضعيف، ويعرف الصحيح، والحسن، وحال الرواة قوة وضعفا؛ لأنه يتوصل بذلك إلى تقرير الأحكام، فيقدم عند التعارض، في ظاهر النصوص، الخاص على العام، والمقيد على المطلق والمبين على المجمل، والنص على الظاهر، والمحكم على المتشابه، والناسخ والمتصل، والقوي على مقابلها.
ثانيا: أن يكون عارفا بلسان العرب، لغة ونحوا، وصرفا وبلاغة، لأنه لا بد منها في فهم الكتاب والسنة.
ثالثا: أن يعرف أقوال العلماء من الصحابة ومن بعدهم، إجماعا واختلافا، فلا يخالفهم في اجتهادهم إذا أجمعوا على حكم من الأحكام ولا يجب أن يعرف
стр. 186
أقوالهم في كل مسألة، بل في المسألة التي يريد أن يعرف حكمها، ويكفي أن يعرف أن المسألة التي يفتي أو يحكم فيها أن قوله لا يصادم الإجماع في هذه المسألة، إما بكونه يعلم أن قوله يوافق بعض العلماء السابقين، أو أنه يغلب على ظنه أن هذه المسألة من المسائل التي لم يتكلم فيها السابقون بل هي إحدى المسائل التي تولدت في عصره.
رابعًا: أن يكون عارفا بالقياس، وشروطه وأنواعه، فيعرف القياس الجلي، وهو ما يقطع فيه بنفي الفارق بين المقيس والمقيس عليه، أو بعبارة أخرى هو ما كانت علة الفرع أقوى منها في الأصل، كقياس الضرب لأحد الوالدين على التأفيف المحرم بقوله : ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ، ويعرف القياس المساوي، وهو ما يبعد فيه الفارق، أو هو ما كان العلة التي بنى عليها الحكم في الأصل موجودة بقدر ما هي متحققة في الأصل، وذلك كقياس إحراق مال اليتيم على أكله، الذي حرمه الله ﵎ بقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ ، وقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ ، ويعرف القياس الأدنى، وهو ما لا يبعد فيه انتفاء الفارق، أو بعبارة أخرى هو ما كانت العلة في الفرع أضعف وأقل وضوحا مما في الأصل، مع تساوي الاثنين في تحقيق أصل المعنى الذي صار به الوصف علة، مثل قياس التفاح على القمح، في كونه من الأشياء الربوية -عند الشافعية- التي لا يجوز بيع شيء منها بجنسه بزيادة، والعلة المشتركة هنا بين القمح الذي ثبت حكمه من الحديث
стр. 187
الشريف، وبين التفاح أن كلا منهما مطعوم١.
ويجب كذلك أن يعرف طرق استخراج العلل، والاستنباط، وقد بيّن العلماء أنه لا يشترط أن يحصل على النهاية في كل الأمور التي اشترطت في المجتهد المطلق، بل يكفي الدرجة الوسطى في كل ذلك.
واجتماع ذلك كله إنما هو الشرط في المجتهد المطلق الذي يفتي في جميع أبواب الفقه٢.
ويبين القاضي عياض طريقة العمل بالأدلة الشرعية، فيقول: "إن ترتيب
стр. 188
الاجتهاد على ما يوجبه العقل، ويشهد له الشرع، تقديم كتاب الله على ترتيب أدلته في الوضوح، من تقديم نصوصه، ثم ظواهره ثم مفهوماته، ثم كذلك السنة على ترتيب متواترها، ومشهورها، وآحادها، ثم ترتيب نصوصها، وظواهرها، ومفهوماتها، ثم الإجماع عند عدم الكتاب ومتواتر السنة، وعند عدم هذه الأصول كلها القياس عليها والاستنباط منها، إذ كتاب الله مقطوع به، فوجب تقديم ذلك كله، ثم الظواهر، ثم المفهوم، لدخول الاحتمال في معناها، ثم أخبار الآحاد عند عدم الكتاب والمتواتر منها، وهي مقدمة على القياس، لإجماع الصحابة وتركهم نظر أنفسهم متى بلغهم خبر الثقة، وامتثالهم مقتضاه دون خلاف منهم في ذلك، ثم القياس أحرى عند عدم الأصول على ما مضى عليه عمل الصحابة ومن بعدهم من السلف المرضيين ﵃" ا. هـ١.
سؤال:
وهنا يمكن أن يسأل القارئ: هذه الشروط التي بينتموها لا تتحقق جميعها في شخص واحد، فكيف يجوز اشتراطها؟ هذا السؤال أثاره ابن قدامة الفقيه الحنبلي المشهور، وأجاب عنه بما يفيد أنه ليس من شرط المجتهد أن يكون محيطا بكل هذه العلوم إحاطة بجمع أقصاها، أو متبحرا فيها، حتى يكون في النحو كسيبويه، وفي اللغة كالخليل، وإنما يحتاج إلى أن يعرف من ذلك ما يتعلق بالأحكام من الكتاب والسنة، ولسان العرب، لا أن يحيط بجميع الأخبار الواردة في هذا، فقد كان أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب في حال خلافتهما، يسألهما بعض الناس عن الحكم في بعض المسائل، فلا يعرفان ما فيه من حديث رسول الله ﷺ ، فيسألان الناس، فيخبرهما من يعلم بحديث عن رسول الله ﷺ .
стр. 189
فقد سئل أبو بكر عن الميراث الذي تستحقه الجدة؟ فقال لها: مالك في كتاب الله شيء، ولا أعلم لك في سنة رسول الله ﷺ شيئًا، ولكن ارجعي حتى أسأل الناس، ثم قام، فقال: أنشد الله من يعلم قضاء رسول الله ﷺ في الجدة، فقام المغيرة بن شعبة فقال: أشهد أن رسول الله ﷺ أعطاها السدس.
وثبت أن عمر ﵁ استشار الناس في إملاص المرأة "أي: إسقاط جنينها بجناية عليها"، فقال المغيرة بن شعبة: شهدت النبي ﷺ قضى فيه بغرة١: عبد أو أمة، فقال لتأتين بمن يشهد معك، فشهد له محمد بن مسلمة.
ومعنى هذا أنه لا مانع من أن يتوقف المجتهد في بعض المسائل.
وصرح العلماء بأنه لا يشترط في المجتهد أن يعرف المسائل التي فرعها المحتهدون في كتبهم؛ لأن هذه فروع فرعها الفقهاء بعد أن حازوا رتبة الاجتهاد، فلا تكون شرطا له.
وصرح ابن قدامة بأنه ليس من شرط الاجتهاد في مسألة أن يكون مجتهدا في كل المسائل، بل من عرف أدلة مسألة وما يتعلق بها تثبت له صفة الاجتهاد وإن كان جاهلا بغيرها، وذلك كما إذا كان يعرف الفرائض وأصولها فليس من شرط
стр. 190
اجتهاده فيها أن يكون عارفا بالبيوع، أو الحدود، أو غيرهما من مجالات الفقه الإسلامي. وقد ثبت أنه ما من إمام من الأئمة المجتهدين إلا وتوقف في بعض المسائل، وقال بعض العلماء: من يجيب في كل مسألة فهو مجنون، وإذا ترك العالم كلمة "لا أدري" أصيبت مقاتله.
وحكى أن الإمام مالكا ﵁، وهو أحد الأئمة الأربعة المشتهرين سئل عن أربعين مسألة، فقال في ست وثلاثين منها: لا أدري، ولم يخرج بذلك عن كونه أحد المجتهدين الكبار.
وإنما المعتبر أصول هذه الأمور, وهو مجموع مدون في فروع الفقه وأصوله، فمن عرف ذلك، ورزق فهمه كان مجتهدا له الفتيا، وولاية القضاء١. وبين العلماء أن الاجتهاد المطلق أصبح سهلا بعد أن دونت العلوم، قال ابن الصباغ: "إن هذا سهل في هذا الزمان "يقصد زمانه" فإن العلوم دونت وجمعت".
وما صرح به ابن قدامة يصح أن يسمى بتجزؤ الاجتهاد، ومعنى تجزؤ الاجتهاد أن تكون عنده القدرة على الاجتهاد في فن من فنون الفقه دون الفن الآخر منه٢ كما لو كانت عنده قدرة الاجتهاد في فقه الأسرة فقط، أو فقه العبادات فقط، أو فقه المعاملات وهكذا.
وبعض فقهاء الشافعية أيضا صرح بجواز تجزؤ الاجتهاد، قال محمد
стр. 191
الشربيني الخطيب "ويجوز تبعيض الاجتهاد بأن يكون العالم مجتهدا في باب دون باب، فيكفيه علم ما يتعلق بالباب الذي يجتهد فيه"١. والواقع أن العلماء مختلفون في هذه القضية، ففريق من العلماء يرى أن الاجتهاد يتبعض أي: يتجزأ، وعزاه الصفي الهندي٢ إلى الأكثرين من علماء الأمة، قال الشوكاني٣: "قال ابن دقيق العيد وهو المختار؛ لأنه قد يمكن العناية بباب من الأبواب الفقهية حتى تحصل المعرفة بمآخذ أحكامه، وإذا حصلت المعرفة بالمآخذ أمكن الاجتهاد" ا. هـ.
ومن أدلة هذا الرأي أنه لو لم يكن من المآثر تجزؤ الاجتهاد للزم أن يكون المجتهد عالما بجميع المسائل، واللازم منتف؛ لأن الواقع يبين أن كثيرا من علماء الأمة المجتهدين سئلوا في مسائل فلم يجيبوا بالحكم فيها، وكثيرا منهم سئل في مسائل فأجاب عن بعضها فقط، ولم يجب عن البعض الآخر، ولم يغير هذا من وصفهم ومكانتهم بأنهم مجتهدون بلا خلاف.
وفريق آخر يرى أن الاجتهاد لا يتجزأ، ويستندون إلى أن من لا يستطيع الاجتهاد في بعض المسائل لا يستطيع الاجتهاد في البعض الآخر؛ لأن أكثر علوم الاجتهاد يتعلق بعضها ببعض, وكلها متناظمة متسقة بعضها مع البعض الآخر, وخاصة ما كان من علوم الاجتهاد مرجعه إلى ثبوت ملكة الاستنباط للأحكام
стр. 192
الشرعية، فإن هذه الملكة إذا تمت حصلت القدرة للشخص على الاجتهاد في جميع المسائل، وإن نقصت هذه الملكة فإن الشخص لا يقتدر على الاجتهاد في أي مسألة، ولا تتحقق له الثقة في نفسه لتقصيره، ولا تتحقق ثقة الناس فيه لذلك.
ويظهر من كلام الشوكاني في هذه القضية أنه يرى عدم تجزؤ الاجتهاد، وقد حكى هذين الرأيين اللذين ذكرناهما، وما يستند إليه كلاهما، ثم بين أنه إذا ادعى البعض أنه قد اجتهد في مسألة دون مسألة فهذه الدعوى يتبين بطلانها بأن يبحث معه من هو مجتهد اجتهادا مطلقا فإن هذا المجتهد المطلق سيورد على من يدعي الاجتهاد في مسألة دون مسألة من المسالك والمآخذ ما لا يستطيع تعقله١.
ونرى الأخذ بالرأي القائل بجواز تجزؤ الاجتهاد؛ لأن المطلوب شرعا أن يكون الشخص ملما بكل ما يتصل بالمسألة التي يبحثها من أدلة شرعية، وهذا من الممكن ومتيسر لكثير من العلماء السابقين ومتيسر أيضا لبعض المعاصرين.
والسؤال الذي يمكن أن يثار هنا هو ما هي مكانة علماء الفقه الإسلامي المعاصرين, وما هو موقعهم بالنسبة إلى أنواع الاجتهاد الثلاثة، هل فيهم من يصح أن يكون مجتهدا اجتهادا مطلقا، أو مجتهدا اجتهاد مذهب، أو اجتهاد فتوي؟
إذا قلنا بصحة القول بأنه يمكن تجزئة الاجتهاد كما بين العلامة ابن قدامة وغيره, بمعنى أنه يصح أن يكون الشخص مجتهدا في مسألة من المسائل الفقهية، كالطلاق الثلاث في كلمة واحدة، أو قضاء المرأة، أو باب من أبواب الفقه كالعبادات أو المعاملات، أو فقه الأسرة، أو غير ذلك، وليس بلازم أن يكون عالما بغير ذلك من المسائل أو الأبواب الأخرى في الفقه. إذا قلنا بهذا الرأي -وهو
стр. 193
صحيح- فإنه يمكن أن تنطبق صفة الاجتهاد الجزئي على العديد من علماء الفقه الإسلامي المعاصرين, وإن كانوا قلة بالنسبة إلى باقي العلماء.
وكذلك يمكن أن يكون بين الفقهاء المعاصرين من هو مجتهد اجتهاد مذهب، ومن هو مجتهد اجتهاد فتوي.
لكن الاجتهاد المطلق غير المجزأ، وهو الذي يكون العالم عنده الملكة العلمية التي تؤهله لأن يستنبط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية في كل أبواب الشرع، وليس متخصصا في مسألة معينة، أو باب معين من أبواب الفقه كعلماء الصحابة، وأئمة المذاهب الفقهية الأربعة المشتهرة، فلا أعلم أن أحدا من علماء الفقه الإسلامي المعاصرين في مصر وغيرها من البلاد العربية أو الإسلامية أو غيرها يصح أن تنطبق عليه هذه الصفة.
والكثيرون من علماء الأمة الإسلامية الآن ليسوا مجتهدين، لا اجتهادا مطلقا ولا اجتهاد مذهب، ولا اجتهاد فتوي، وإنما الصفة العلمية التي يصح أن يتصفوا بها هي أنهم علماء مخبرون عن فتوى، أو نقلة فتوى؛ لأنهم ينقلون فتاوي المجتهدين السابقين في شتى الموضوعات، ولم يتدخلوا باجتهاد في استنباط الحكم الشرعي، فهم فقط يحكون الفتوى عن غيرهم من الأئمة المجتهدين، وليس لهم حق الفتوى؛ لأن الفتوى حق المجتهد بأنواعه الثلاثة، قال الفقهاء المتقدمون: إنه لا يفتي من ليس من أهل الاجتهاد إلا أن يخبر بما سمع، فلم يجعل ذلك من باب الفتوى، وإنما هو إخبار عن فتوى صاحب المقالة عند الضرورة لعدم المجتهد الذي تجوز له الفتوى١.
وسئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام عن فتوى المقلد فأجاب بأنه حامل فقه
стр. 194
ليس بمفت ولا فقيه، بل هو كمن ينقل فتوى عن إمام من الأئمة، لا يشترط فيه إلا العدالة وفهم ما ينقله "كتاب الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض للسيوطي، ص٢٣".
إذا لم يوجد مجتهد:
الذين يشترطون الاجتهاد في القاضي صرحوا بأنه لم يوجد المجتهد، فإنه يجوز تولية المقلد للضرورة، حتى لا تتعطل مصالح الناس، والمقلد هو من حفظ مذهب إمامه، لكنه غير عارف بغوامضه، وقاصر عن تقرير أدلته، كما سبق بيانه.
ويسمون المقلد الذي تولى القضاء لعدم وجود المجتهد: قاضي الضرورة، وقال البعض من العلماء إنه يلزم قاضي الضرورة أن يبين مستنده إذا سئل عنه في كل الأحكام التي يصدرها، ولا يقبل قوله: حكمت بكذا من غير أن يبين مستنده في هذا الحكم، ولعل هذا من العلماء إنما كان لضعف ولايته.
والمراد بمستنده في الحكم ما استند إليه من بينة، أو نكول عن اليمين أو نحو ذلك١.
وبين بعض العلماء من القائلين باشتراط الاجتهاد أنه إذا لم يوجد المجتهد المطلق يولى أفضل المقلدين، وهو مجتهد الفتوى ومجتهد المذهب.
هكذا يرى بعض العلماء، ويرى بعض آخر أنه لا يشترط الأفضل، بل يصح تولية من هو دون الأفضل مع وجوده ما دام عالما.
стр. 195
بل صرح بعضهم بأنه يصح تولية غير العالم حيث شاور العلماء١.
هذا، وإذا كان القاضي غير مجتهد فالواجب عليه أن يشاور العلماء، فإذا كانت آراؤهم مختلفة في هذه المسألة التي يستشيرهم فيها قضى بقول أعلمهم, وقيل يلزمه أن يقضي بقول أكثرهم، ويرى ابن فرحون أن الرأي القائل بأنه يقضي بقول أعلم العلماء هو الأصح، وقيل: إن للقاضي أن يحكم بقول من شاء من العلماء إذا رأى الصواب بذلك، ولم يقصد الهوى.
وللقاضي غير المجتهد الاكتفاء بمشورة واحد من العلماء، فإن فعل ذلك فالأفضل أن يشاور أعلمهم٢.
دليل القائلين باشتراط الاجتهاد:
استدل القائلون باشتراط الاجتهاد بما يأتي:
أولا: قول الله ﵎: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
وجه الاستدلال بهذه الآية الكريمة أن الله ﵎ أعلم أن النبي ﷺ إذا بين للناس ما أنزل إليهم يتفكروا ويعتبروا، فإذا لم يكن عندهم تبيين النبي ﷺ لما أنزله الله ﵎ من القرآن الكريم لم يحدث لهم التفكر في أحكامه.
ثانيا: قول الله ﵎: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ .
стр. 196
وجه الاستدلال بهذا النص الكريم أن من لم تتوفر فيه صفة الاجتهاد فإنه لا يرى شيئًا١.
ثالثا: ما رواه البخاري ومسلم عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا حكم الحاكم ٢ ثم أصاب فله أجران، فإذا حكم واجتهد ثم أخطأ٣ فله أجر" ٤.
أدلة القائلين بعدم اشتراط الاجتهاد:
يستدل لهذا الرأي بما يأتي:
أولا: أن الغرض من القاضي أن يفصل في الخصومات، وأن يوصل الحقوق إلى من يستحقها، فإذا أمكنه ذلك بعلم غيره، بأن يرجع إلى فتوى غيره من العلماء جاز قضاؤه٥، كما يحكم بقول المقومين في الأمور التي تحتاج إلى تقويم الخبراء٦، فإن من المسلم به أن القاضي يستعين في القضايا التي تحتاج إلى رأي الخبراء والمختصين برأي هؤلاء، ويحكم بناء على ما أبدوه من رأي, ومثل هذا حكمه في القضايا مستيقنا بعلم غيره من العلماء المجتهدين، فكما جاز له أن يحكم
стр. 197
بالرجوع إلى رأي الخبراء جاز له أن يحكم بعد الرجوع إلى علم غيره من المجتهدين.
مناقشة هذا الدليل:
نوقش هذا الدليل بأن الغرض من نصب القاضي, وتقليده ليس القضاء على أي وجه كان، وإنما القضاء على وجه الكمال، وهذا لا يتحقق إلا إذا توفرت في القاضي صفة الاجتهاد١.
ثانيا: ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده، عن علي بن أبي طالب، ﵁، قال: أنفذني رسول الله ﷺ إلى اليمن وأنا حديث السن فقلت: تنفذني إلى قوم يكون بينهم أحداث ولا علم لي بالقضاء؟ فقال: "إن الله تعالى سيهدي لسانك، ويثبت قلبك"، فما شككت في قضاء بين اثنين بعد ذلك. فهذا يدل على أن الاجتهاد ليس شرطا في جواز تولية القاضي؛ لأن عليا حينئذ لم يكن من أهل الاجتهاد٢، بدليل أن عليا نفسه صرح بما يفيد أنه ليس مجتهدا وهو قوله: "ولا علم لي بالقضاء", وما دام علي ليس له علم بالقضاء فلا يكون مجتهدا؛ لأنه ليس من المتصور أن يكون الإنسان مجتهدا ولا يعلم القضاء، فهذا يفيد أن الاجتهاد ليس شرطا في القاضي.
مناقشة هذا الدليل:
نوقش هذا الدليل بأن النبي ﷺ دعا لعلي بأن يثبت الله قلبه، ويهدي لسانه، فإن كان بدعاء رسول الله ﷺ رزقه الله أهلية الاجتهاد فلا إشكال، وإلا فقد حصل له المقصود من الاجتهاد وهو العلم والسداد،
стр. 198
فعلي ﵁ كان يحكم وقد تحققت فيه الصفة العلمية التي تؤهله لذلك، وهذا لا يثبت في غير علي -رضي الله تعالى عنه١.
هذا، وقد صرح القائلون باشتراط الاجتهاد في القاضي بأنه إذا فقد شرط الاجتهاد فولى رئيس الدولة مقلدا منصب القضاء، فإن أحكام هذا القاضي تنفذ للضرورة لئلا تتعطل مصالح الناس.
وهذا أيضًا فيما لو ولى رئيس الدولة أي شخص آخر، غير أهل لمنصب القاضي، كالفاسق، والصبي، والمرأة، فإن قضاءهم ينفذ للضرورة٢.
وأرى ونحن في مجال الكلام عن الاجتهاد أن أنقل عبارة للصنعاني يوضح فيها أن الاجتهاد أمر غير متعذر، وكان كلام الصنعاني في سياق الرد على من يقول بأن الاجتهاد يكاد أن يكون معدوما بالكلية، وإذا كان الاجتهاد متعذرا فمن شرط القاضي أن يكون مقلدا مجتهدا في مذهب إمامه، ومن شرطه أن يتحقق أصول إمامه، وأدلته، وينزل أحكامه عليها فيما لم يجده منصوصا من مذهب إمامه.
هذا ما قاله بعض العلماء ولم يرتض الصنعاني هذا الكلام ورد عليه بقوة قائلا: "ولا يخفى ما في هذا الكلام من البطلان وإن تطابق عليه الأعيان، وقد بينا بطلان دعوى تعذر الاجتهاد في رسالتنا المسماة بإرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد٣ بما لا يمكن دفعه، وما أرى هذه الدعوى التي تطابقت عليها الأنظار إلا من كفران
стр. 199
نعمة الله عليهم، فإنهم -أعني المدعين لهذه الدعوى والمقررين لها- مجتهدون يعرف أحدهم من الأدلة ما يمكنه بها الاستنباط مما لم يكن قد عرفه عتاب بن أسيد قاضي رسول الله ﷺ في اليمن، ولا معاذ بن جبل قاضيه فيها وعامله عليها، ولا شريح قاضي عمر وعلي ﵁ على الكوفة".
ثم يقول الصنعاني: "فهلا جعل هذا المقلد إمامه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ عوضا عن إمامه، وتتبع نصوص الكتاب والسنة عوضا عن تتبع نصوص إمامه، والعبارات كلها ألفاظ دالة على معان، فهلا استبدل بألفاظ إمامه ومعانيها ألفاظ الشارع ومعانيها ونزل الأحكام عليها, إذا لم يجد نصا شرعيا عوضا عن تنزيلها على مذهب إمامه فيما لم يجده منصوصا؟ تالله لقد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، من معرفة الكتاب والسنة إلى معرفة كلام الشيوخ والأصحاب وتفهم مرامهم، والتفتيش عن كلامهم، ومن المعلوم يقينا أن كلام الله تعالى وكلام رسوله الله ﷺ أقرب إلى الأفهام وأدنى إلى إصابة المرام، فإنه أبلغ الكلام بالإجماع، وأعذبه في الأفواه والأسماع، وأقربه إلى الفهم والانتفاع، ولا ينكر هذا إلا جلمود الطباع، ومن لا حظ له في النفع والانتفاع، والأفهام التي فهم بها الصحابة الكلام الإلهي والخطاب النبوي هي كأفهامنا، وأحلامهم كأحلامنا، إذ لو كانت الأفهام متفاوته تفاوتا يسقط معه فهم العبارات الإلهية والأحاديث النبوية لما كنا مكلفين، ولا مأمورين، ولا منهيين، لا اجتهادا ولا تقليدا.
أما الأول فلاستحالته؛ وأما الثاني فلأنا لا نقلد حتى نعلم أنه يجوز لنا التقليد، ولا نعلم ذلك إلا بعد فهم الدليل من الكتاب والسنة على جوازه، لتصريحهم بأنه لا يجوز التقليد في جواز التقليد، فهذا الفهم الذي فهمنا به هذا الدليل نفهم به غيره من الأدلة من كثير وقليل، على أنه قد شهد المصطفى ﷺ بأنه يأتي من بعده من هو أفقه١ ممن في عصره وأوعى لكلامه، حيث قال: "فرب مبلغ أفقه من سامع" وفي لفظ "أوعى له من سامع".
انتهى هذا الكلام الجيد للصنعاني، ولا يخفى على القارئ أن الصنعاني يقصد الحث على الاجتهاد لمن عندهم القدرة العلمية التي تؤهلهم لفهم نصوص الكتاب والسنة، حسب القواعد الواجب مراعاتها في استنباط الأحكام، ولا يظن أن الصنعاني قصد أن من حق كل أحد أن يجتهد في استنباط الأحكام، ولو لم يكن مؤهلا التأهيل العلمي لذلك.
وبعد، فمن الأفضل في العصر الذي نعيش فيه أن يوجد تقنين شرعي موحد، لعدم توفر شرط الاجتهاد في القضاء الآن؛ ولأن النظم المعاصرة تلزم القاضي أن يحكم بالنصوص القانونية، ولا يحق له أن يخرج عنها.
стр. 200
الشرط الثاني عشر: عند بعض العلماء .
ألا يكون دفع رشوة لتوليه القضاء:
اشترط المالكية لصحة تولية القاضي الذي لا يتعين عليه القضاء: ألا يكون قد دفع رشوة ليحصل على هذا المنصب، فإن كان ممن لا يجب عليه تولي القضاء ودفع رشوة لكي يحصل على هذا المنصب فلا تنعقد عندهم ولايته، وقضاؤه مردود، حتى لو وافق الحق، وتوفرت فيه شروط القضاء، هكذا صرح علماء المالكية١
وأما إذا كان يجب عليه تولي القضاء، فقد اختلف المالكية فيه، هل يجوز له أن يبذل مالا ليتقلد منصب القضاء أم لا، على رأيين في الفقه المالكي: أحدهما الجواز؛ لأنه إنما بذلك المال ليحصل على أمر واجب، والآخر بعدم جواز ذلك.
وكذلك يرى الشافعية أنه إذا تعين للقضاء واحد لا يصلح له غيره لزمه طلبه. حتى لو توصل إلى ذلك بدفع مال فاضل عن قوته، وقوت من تلزمه نفقته؛ لأن القضاء يترتب عليه مصلحة عامة للمسلمين، فوجب بذلك المال للقيام بهذه المصلحة٢
ومال بعض الشافعية إلى أنه يجب عليه طلب القضاء, وإن كان يظن عدم إجابته طلبه، أخذا من قول العلماء: يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وإن علم الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر عدم الامتثال له.
стр. 201
الشرط الثالث عشر: عند بعض العلماء
أن لا يكون ميا لا يكتب:
يرى بعض العلماء أنه يشترط في القاضي أن يكون كاتبا. وهذا أحد الشروط المختلف فيها، فيرى بعض العلماء اشتراطه، فلا يصح أن يولى القضاء الأمي الذي لا يكتب وإن كان عالما عدلا، ويرى البعض الآخر أنه يصح أن يكون القاضي أميا لا يكتب.
دليل الرأي المجوز:
أما الرأي القائل بجواز أن يكون القاضي أميا، فقد علل ذلك بأنه مع كونه أميا فهو من أهل الاجتهاد والعدالة، وفقد الكتابة لا يؤثر فيه.
стр. 202
وأيضًا فإن النبي ﷺ كان لا يكتب، وهو إمام الأئمة، وحاكم الحكام.
دليل الرأي المانع:
وأما الرأي القائل بعدم صحة تولية الأمي القضاء، فقد علل ذلك بأنه يحتاج إلى أن تقرأ عليه المحاضر والسجلات، ويقف على ما يكتب كاتبه، فإذا لم يكن كاتبا فربما غير عليه القارئ أو الكاتب.
وقد أجاب أصحاب هذا الرأي على قياس القاضي على النبي ﷺ ، بأن القياس لا يصح، لوجود الفارق بينهما، فإن عدم كون النبي ﷺ كاتبا من معجزاته ﷺ ، لكي يثبت أن القرآن العظيم الذي تحدى به الإنس والجن هو من عند الله ﵎، وهو ﷺ معصوم ولا يتحقق لغيره هذه الصفة.
وأيضًا فإن أصحابه -رضي الله تعالى عنهم- كانوا يتصفون بالعدالة والخيانة منهم مأمونة في الكتابة له، بل حتى لو فرضنا أنه كان يمكن لأحدهم أن يخون, فإن الله ﵎ يعلم رسول الله ﷺ بذلك١.
هل يشترط أن يكون القاضي واحدا؟
صرح بعض العلماء بأنه يجب أن يكون القاضي واحدا، بمعنى أن لا يتولى القضاء قاضيان فأكثر على وجه الاشتراك، بحيث لا يكون من حق أحدهما أن ينفرد بالنظر في قضية ولا قبول بينة، ولا أن ينفرد بإنفاذ حكم، وعبر أحد العلماء عن هذا الحكم بقوله: لا يجوز أن يكون الحاكم نصف حاكم.
стр. 203
فعلى هذا لا يجتمع اثنان بحيث يكونان جميعا حاكما في قضية واحدة، وأما أن يتعدد القضاة في البلد الواحد بحيث ينفرد كل واحد منهم بالنظر في القضايا التي ترفع إليه، فذلك أمر جائز لا شيء فيه.
وقد استدل لهذا بأن المذاهب الفقهية مختلفة، والأغراض متباينة، ولا يصح أن يتفق رجلان في كل شيء حتى لا يرى أحدهما خلاف ما يراه الآخر، وإذا أشرك بين القاضيين فإن ذلك يكون داعيا إلى أن يختلفا في القضية التي ينظرانها، ويوقف نفوذهما كتعدد رئيس الدولة في القطر الواحد. وبين أصحاب هذا الرأي أنه لا يعترض على هذا الرأي بتعدد الحكم عند حدوث الشقاق بين الزوجين١، وبتعدد الحكم في جزاء قتل الصيد في الحرم؛ لأن الحكمين في الشقاق الحادث بين الزوجين, أو الحكمين في تقدير جزاء قتل الصيد في الحرم, إنما يحكمان في قضية واحدة وليس لهما ولاية القضاء، فإن اتفق حكمهما نفذ حكمهما وإن اختلفا لم ينفذ حكمهما, وأسند الحكم إلى غيرهما فلا يحدث من ذلك أي ضرر، وهذا يتنافى مع الولاية والقضاء ولاية؛ لأن من تولى القضاء لا يمكن الاستبدال به عند الخلاف في الرأي؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن تتوقف الأحكام ويمتنع تنفيذها٢.
ونرى أنه لا مانع من تعدد القاضي في نظر قضية واحدة، ولربما كان التعدد أدعى إلى الحيطة في الحكم، وعند الاختلاف يرجح الحكم الذي قال به الأكثر, ويحتاط في ذلك بأن يكون عدد القضاة عددا وتريا، بأن يكونوا ثلاثة، أو خمسة مثلا، والقوانين الوضعية راعت هذا الاحتياط في تشكيل المحكمة المختصة بنظر
-
стр. 204
الدعوى، فمع أن القانون ينص على أن تشكل المحكمة الجزئية من قاض واحد من قضاة المحكمة الابتدائية التابعة لها المحكمة الجزئية، فإنه نص على أن تشكل محكمة الجنح والمخالفات المستأنفة من ثلاثة قضاة من المحكمة الابتدائية، وأن تشكل محكمة الجنايات من ثلاثة من مستشاري محكمة الاستئناف، وأن تشكل محكمة النقض من خمسة من مستشاريها، كما جاء في المواد رقم٣، ٤، ٧، ٩، ١١، من قانون السلطة القضائية والمادة رقم ٣٦٦ من قانون الإجراءات الجنائية، فإذا صدر الحكم من إحدى هذه المحاكم دون أن يتحقق العدد المنصوص عليه قانونًا كان الحكم باطلا١.
هل يشترط علم من له سلطة تعيين القضاة بتحقق الشروط في الشخص:
بعد أن بينا فيما سبق الشروط التي قال بها العلماء من القاضي حتى تصح توليته، نحب أن نبين هنا هل يكتفى بمجرد ظن من له سلطة تولية القضاة أن هذه الشروط موجودة فيمن سيوليه، أم لا بد أن يعلم تحقق هذه الشروط ولا يكتفى بمجرد الظن؟
أجاب عن هذا السؤال بعض الفقهاء بأن المدار في هذه الشروط على ما في نفس الأمر، لا على ما في ظن المكلف، وذلك بأن يكون عالما بوجود هذه الشروط في هذا الشخص الذي سيوليه القضاء، أو يعتمد على شهادة عدلين عارفين بوجود هذه الشروط في هذا الشخص، ويندب له اختباره حتى يزداد بصيرة، لكن لو
стр. 205
ولى رئيس الدولة، أو من له سلطة تولية القضاة شخصًا لا يعلم فيه هذه الشروط، ثم بعد التولية تبين أنها موجودة في هذا الشخص الذي ولاه القضاء فإن توليته تصح١.
ومعنى هذا أنه نظرا لسمو هذا المنصب وخطورته، فإنه يجب على رئيس الدولة أو من له سلطة تولية القضاة أن يتحرى عن الأشخاص الذين يمكن توليتهم هذا المنصب, ولا يكتفي بمجرد الظن، بل لا بد من التأكد التام من توفر الشروط فيه، إما بعلمه هو شخصيا بوجود الشروط في الشخص، أو أن يشهد عدلان بوجود هذه الشروط فيه.
صفات مستحبة في القاضي:
بيّن علماؤنا ﵃ أن هناك أمورا من المستحب أن تكون موجودة فيمن يتولى القضاء، بجانب الشروط التي لا بد من توافرها فيه، ومن هذه الأمور:
أولا: أن يكون حليما.
ثانيا: أن يكون عالما بلغات المتقاضين أمامه، ولا يحتاج إلى مترجم.
ثالثا: أن يكون جامعا للعفاف، بعيدا عن الطمع.
رابعا: أن يكون لينا في الكلام.
خامسا: أن يكون ذا سكينة ووقار.
سادسا: أن لا يكون جبارا متكبرا؛ لأن ذلك يمنع الخصم من أن يستوفي حجته.
стр. 206
سابعا: أن لا يكون ضعيفا مهينا؛ لأنه إذا كان بهذه الصفة تجرأ الخصمان أمامه بالشتائم وذكر السخف، بل ربما تجرآ عليه توقحا واستخفافا، فيستحب أن يكون شديدا من غير عنف، لينا من غير ضعف١.
وبعد، فنحب في ختام الكلام عن شروط القاضي أن نذكر ما قاله أبو علي الكرابيسي صاحب الشافعي في كتاب "آداب القضاء" له٢، وهو بيان لمتى يستحق الشخص أن يكون قاضيا، قال الكرابيسي: "لا أعلم بين العلماء ممن سلف خلافا أن أحق الناس أن يقضي بين المسلمين من بان فضله وصدقه، وعلمه، وورعه، قارئا لكتاب الله، عالما بأكثر أحكامه، عالما بسنن رسول الله ﷺ حافظا لأكثرها، وكذا أقوال الصحابة، عالما بالوفاق والخلاف، وأقوال فقهاء التابعين، يعرف الصحيح من السقيم، يتبع في النوازل الكتاب، فإن لم يجد فالسنن، فإن لم يجد عمل بما اتفق عليه الصحابة, فإن اختلفوا فما وجده أشبه بالقرآن, ثم بالسنة, ثم بفتوى أكابر الصحابة
عمل به، ويكون كثير المذاكرة مع أهل العلم، والمشاورة لهم، مع فضل وورع، ويكون حافظا للسانه، وبطنه وفرجه، فهما بكلام الخصوم، ثم لا بد أن يكون عاقلا مائلا عن الهوى"، ثم قال الكرابيسي: "وهذا وإن كنا نعلم أنه ليس على وجه الأرض أحد يجمع هذه الصفات، ولكن يجب أن يطلب من أهل كل زمان أكملهم وأفضلهم".
стр. 207
المبحث الثاني: عزل القاضي وانعزاله
مدخل
...
المبحث الثاني: عزل القاضي وانعزاله
إذا فقد القاضي أحد الشروط المطلوب تحققها فيه فإنه يصبح من الطبيعي ألا يكون أهلا للاستمرار في منصبه، وكان يكفي أن نتكلم بإجمال في هذه المسألة، لكننا نرى أن الكلام في هذا الموضوع يحتاج إلى شيء من التفصيل، لوجود آراء في بعض الأمور، هل تؤدي إلى انعزاله تلقائيا عن منصبه، فلا تنفذ أحكامه اللاحقة، أم لا تؤدي إلى انعزاله، ولا بد من صدور أمر ممن له سلطة تولية القضاء وعزلهم بعزله؟
وإليك بيانا للأمور التي تؤدي إلى انعزاله عن منصبه، مع ذكر الخلاف إن وجدناه في شيء منها.
الأمر الأول: الردة عن الإسلام، والعياذ بالله.
الأمر الثاني: زوال العقل، وقد قسم بعض العلماء زوال العقل إلى قسمين:
١- ما يرجى زواله، كالإغماء.
٢- ما لا يرجى زواله، كالجنون والخبل.
وكلا الأمرين أي: الجنون والخبل, يوجب انعزال القاضي حتى لو قل الزمن١.
الأمر الثالث: المرض الذي لا يرجى زواله، بشرط أن يكون عاجرا عن الحكم بين الناس مع وجود هذا المرض٢ كإصابته بمرض يؤثر على القدرة على التفكير السليم.
الأمر الرابع: العمى، وكذلك لو ضعف بصره حتى صار كالأعمى، لكن لو عمي بعد ثبوت قضية عنده، ولم يبق إلا أن يقول: حكمت بكذا، ولم يكن محتاجا مع هذا إلى الإشارة فإن حكمه ينفذ في هذه القضية.
الأمر الخامس: ذهاب السمع.
الأمر السادس: إذا أصابته الغفلة، أو نحوها فأذهبت أهلية اجتهاده، وذلك عند العلماء القائلين باشتراط الاجتهاد المطلق في القاضي، أو الاجتهاد المقيد.
وكذا إن لم يكن مجتهدا وصحت ولايته على الرأي القائل بعدم اشتراط الاجتهاد فأصيب بالغفلة، أو النسيان، مما أدى إلى إذهاب صفة الضبط عنده.
الأمر السابع: زوال العدالة، بأن ارتكب أي جريمة تؤدي إلى إسقاط صفة العدالة، وتوجب وصفه بالفسق، كما لو شرب خمرا، أو سرق، أو أخذ رشوة، وهكذا.
стр. 208
ما يراه العلماء فيما إذا كانت صفة العدالة تتوافر في القاضي ثم ارتكب ما يخل بالعدالة، وتوجيه كل رأي:
وكذا إن لم يكن مجتهدا وصحت ولايته على الرأي القائل بعدم اشتراط الاجتهاد فأصيب بالغفلة، أو النسيان، مما أدى إلى إذهاب صفة الضبط عنده.
الأمر السابع: زوال العدالة، بأن ارتكب أي جريمة تؤدي إلى إسقاط صفة العدالة، وتوجب وصفه بالفسق، كما لو شرب خمرا، أو سرق، أو أخذ رشوة، وهكذا.
وكذا لو كان الذي تولى القضاء فاسقا إلا أن من ولاه لم يكن يعلم بفسقه، ثم زاد فسقه، فإنه ينعزل، ولا ينفذ حكمه١.
ومن الواضح أن هذا عند القائلين بأن الفاسق لا يصح توليته القضاء.
стр. 209
هذا، ويحسن أن نبين هنا آراء العلماء في القاضي إذا كانت تتوافر فيه صفة العدالة، ثم ارتكب أمرا من الأمور التي تخل بالعدالة، وتوجب اتصافه بالفسق، كأخذ الرشوة وغيرها، من أسباب الفسق، كالزنا، وشرب الخمر، هل ينعزل بنفس الفسق، أو لا ينعزل حتى يعزله رئيس الدولة، أو نائبه.
آراء العلماء:
اختلف العلماء في هذه المسألة على رأيين:
الرأي الأول: يرى بعض الحنفية أنه إن كان القاضي عدلا، ثم فسق بعد توليته القضاء فإنه لا ينعزل، لكنه يستحق العزل، أي: يجب على رئيس الدولة أو نائبه عزله.
معنى أنه لا ينعزل:
ومعنى أنه لا ينعزل أي: بمجرد فسقه لا ينعزل تلقائيا، بل لا بد من عزل رئيس الدولة أو نائبه له، وهذا يقتضي أن أحكامه تكون نافذة فيما ارتشى فيه وفي غيره من القضايا، ما لم يعزله رئيس الدولة أو نائبه١.
والقول بعدم الانعزال بالفسق حتى يعزله رئيس الدولة هو أيضًا أحد قولين في فقه المالكية، وأشار المازري إلى ترجيح القول بعدم الانعزال، وهو ما يراه أصبغ من المالكية أيضًا٢.
الرأي الثاني: يرى الإمام الشافعي أن القاضي إذا فسق ينعزل، وهو قول
стр. 210
في الفقه المالكي، كما أشرنا قبلا، وهذا أيضًا ما تراه فرقة المعتزلة١.
ومع أن الحنفية يرون -في ظاهر المذهب عندهم- أن العدالة ليست شرطا من شروط جواز التولية، فإن بعضهم يرى أنه إذا ولى رئيس الدولة أو من له سلطة تولية القضاة عدلا، ثم فسق، فإنه ينعزل بهذا الفسق٢.
توجيه الرأي الأول:
استند الرأي الأول القائل بعدم انعزال القاضي إذا ارتكب ما يخل بعدالته، إلى أن العدالة ليست شرطا عندهم في أهلية القضاء، كما سبق بيانه عند الكلام عن شروط القاضي، لكن على رئيس الدولة أو من له سلطة تولية القضاة ألا يولي القضاء إلا من يتصف بالعدالة، فإذا ولي غيره صحت التولية، مثل شهادة الفاسق عندهم لا يحل قبولها، لكن لو قبلت شهادة الفاسق نفذ الحكم بها.
توجيه الرأي الثاني:
وأما الرأي الثاني فأصحابه مختلفون في الاستدلال على ما يرونه، وممن قال به -كما أسلفنا- الشافعي، والمعتزلة، وبعض فقهاء الحنفية، ولكل منهم اتجاه في الاستدلال.
أما الشافعي فيرى أن العدالة شرط أهلية القضاء، وقد زالت صفة العدالة من
стр. 211
القاضي بالفسق، فتبطل الأهلية.
وأما المعتزلة فمن أصول مذهبهم أن الفسق يخرج صاحبه عن الإيمان، أي: إن المؤمن إذا زنى، أو سرق، أو شرب خمرا، أو ارتكب أي جريمة تؤدي إلى اتصافه بالفسق، فإن ذلك يؤدي إلى خروجه من الإيمان، وإن كان المعتزلة، يقولون مع خروج مرتكب الكبيرة من الإيمان فإنه لا يدخل في الكفر، وإنما هو في منزلة بين المنزلتين في الدنيا، ومخلد في النار يوم القيامة إذا لم يتب عما ارتكب من جرائم.
وهذا أصل عندهم من الأصول التي بنوا عليها مذهبهم، وعلى هذا فإذا فسق القاضي فإنه يخرج من الإيمان عندهم، فتبطل أهلية القضاء عنده١؛ لأنه ليس من المقبول أن يكون بفسقه قد خرج من الإيمان ومع ذلك يبقى في منصب القضاء.
وأما البعض من فقهاء الحنفية الذين يرون أنه إذا ولي القضاء في حال عدالته، ثم فسق، فإنه ينعزل، فقد عللوا لرأيهم هذا بأن عدالته في معنى المشروطة في توليه منصبه؛ لأن من له سلطة تولية القضاة حينما ولاه وهو عدل فقد اعتمد عدالته، فكان توليه منصب القضاء مقيدا بوجود العدالة فيه، فصار كأنه علق بقاءه في منصب القضاء بحال عدالته، فيزول توليه هذا المنصب بزوال العدالة٢.
стр. 212
عزل رئيس الدولة للقضاة:
يرى فقهاء الشافعية أن لرئيس الدولة الحق في أن يعزل القاضي الذي يوجد غيره صالحا للقضاء، إذا ظهر منه خلل لا يقتضي انعزاله، كما لو كثرت شكاوى الناس منه، أو ظن أنه ضعيف، أو زالت هيبته في القلوب، وعللوا ذلك، بأن فيه احتياطا.
وكذلك قال الشافعية إنه يحق لرئيس الدولة أن يعزل القاضي إذا لم يظهر منه خلل، لكن هناك من هو أفضل منه؛ لأن في هذا رعاية للأصلح للمسلمين.
وصرحوا بأن هذا من حق رئيس الدولة، وليس واجبا عليه، وكذلك إذا كان هناك مثله في الصفات، أو دونه، لكن في عزله مصلحة كتسكين فتنة، فإنه يحق لرئيس الدولة عزله أيضا عندهم، لما فيه من المصلحة للمسلمين.
وفي فقه الشيعة الإمامية أنه لو رأى الإمام أو النائب عزله لوجه من وجوه المصالح أو لوجود من هو أتم منه نظرا، فإنه جائز مراعاة للمصلحة.
وأما إذ لم يكن هناك مصلحة في عزله فيوجد اتجاهان في الفقه الإسلامي:
أحدهما: لا يجوز لرئيس الدولة أن يعزله، وهذا ما يراه الشافعية، وبعض المالكية، وبعض الحنابلة١.
وقد استند هذا الاتجاه إلى ما يأتي:
أولا: إذا عزله من غير مصلحة فإن ذلك يعد عبثا، وتصرفات رئيس الدولة
стр. 213
يجب أن تصان عن العبث.
ثانيا: رئيس الدولة إنما ولاه القضاء لمصلحة المسلمين، فلا يملك أن يعزله مع سداد حاله، كولي المرأة إذا عقد عليها عقد الزواج لم يكن من حقه أن يفسخ هذا العقد.
ثالثا: القاضي في الحقيقة وكيل عن الأمة، وإذا تعلق بالوكالة حق الغير -وهو هنا حق المسلمين- فلا يجوز عزل الوكيل.
الاتجاه الثاني: يجوز لرئيس الدولة أن يعزله، وممن قال بهذا الرأي الحنفية، وقد صح عن أبي حنيفة، أنه قال: لا يترك القاضي على القضاء إلا حولا؛ لأنه إذا اشتغل بالقضاء ينسى العلم، فيعزله السلطان، بعد الحول، ويستبدل به غيره، حتى يشتغل بالدرس١.
وكذلك يرى بعض الحنابلة أن لرئيس الدولة عزل القاضي بغير سبب، يبرر ذلك وقد استند هذا الاتجاه إلى ما يأتي:
أولا: القياس على الولاة على البلاد، فلما كان لرئيس الدولة أن يعزل ولاته الذين ولاهم على البلاد فكذلك يكون له أن يعزل قضاته، قياسا عليهم من باب أولى؛ لأن الإمارة أعلى من القضاء.
مناقشة هذا الاستدلال:
يمكن أن يجاب عن استدلالهم بالقياس بأن هذا القياس لا يصح، لوجود
стр. 214
الفارق وهو مانع من صحة القياس؛ لأن الإمارة ليست أعلى من القضاء، بل العكس هو الصحيح، ولذلك قال العلماء: "إن خطة القضاء أعظم الخطط قدرا"، والقاضي ليس وكيلا لرئيس الدولة، وإنما هو يعمل بولاية المسلمين، وفي حقوقهم.
ثانيا: سوابق تاريخية حدثت من بعض الخلفاء الراشدين، في عزل القضاة، فقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه قال: لأعزلن أبا مريم، وأولين رجلًا إذا رآه الفاجر فرقه "أي: خافه" فعزله عن قضاء البصرة، وولى مكانه كعب بن سوار.
وولى علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه، أبا الأسود ثم عزله، فقال له: لم عزلتني، وما خنت ولا جنيت؟ فقال: إني رأيتك يعلو كلامك على الخصمين.
مناقشة هذا الاستدلال:
يجاب عن هذا بأن العزل كان لحاجة تدعو إلى ذلك١، وليس العزل بغير حاجة وإلا كان عبثا.
الرأي الراجح:
أن عزل القاضي لا يكون إلا لمصلحة؛ لأن الحاكم -كما يصرح العلماء- إنما يولي القضاة نيابة عن المسلمين، وهذا يؤكد أن القاضي لا يصح عزله إلا بسبب يبرر هذا العزل.
إذا كان القاضي متعينا:
إذا كان القاضي متعينا بأن لم يكن هناك من يصلح لتولي القضاء غيره، فإنه
стр. 215
ليس من حق رئيس الدول أو غيره أن يعزله، ولو قام بعزله لم ينعزل.
لا ينعزل القاضي حتى يبلغه خبر عزله:
بيّن العلماء أن القاضي لو عزله رئيس الدولة في الحالات التي يصح له فيها أن يعزله، لا ينعزل إلا بعد أن يبلغه خبر عزله، فلا ينعزل بمجرد عزل الحاكم له؛ لأنه لو كان ينعزل بمجرد عزل الحاكم له لترتب على ذلك في بعض الحالات أضرار عظيمة؛ لأنه ستكون تصرفاته منقوضة وفاسدة في القضايا التي ينظرها بعد عزل الحاكم له, وقبل أن يبلغه خبر هذا العزل.
متى يحصل بلوغ خبر العزل للقاضي المعزول؟
يحصل بلوغ خبر العزل إلى القاضي بشاهدين يشهدان أن الحاكم عزله، وأيضًا تغني استفاضة الأخبار بذلك.
وكذلك إذا كتب من له سلطة تولية القضاة إلى القاضي قائلا: إذا قرأت كتابي فأنت معزول، فقرأه، فقد انعزل بعد القراءة، لتحقق الصفة التي علق عليها العزل.
ولا يشترط أن يقرأ القاضي الكتاب بالتلفظ، بل ينعزل أيضا إذا طالعه وفهم ما فيه, وإن لم يتلفظ به كما هي العادة في قراءة المكتوبات.
وينعزل كذلك لو قرأه غيره عليه على الرأي الأصح عند الشافعية؛ لأن القصد من الكتاب إعلامه بالعزل، وليس القصد أن يقرأه بنفسه سواء أكان قارئا أم أميا١.