← Сияса и кади

Сияса и кади · id 10744

النظام القضائي في الفقه الإسلامي

محمد رأفت عثمان

Полный текст (596 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

القاضي بالفسق، فتبطل الأهلية. وأما المعتزلة فمن أصول مذهبهم أن الفسق يخرج صاحبه عن الإيمان، أي: إن المؤمن إذا زنى، أو سرق، أو شرب خمرا، أو ارتكب أي جريمة تؤدي إلى اتصافه بالفسق، فإن ذلك يؤدي إلى خروجه من الإيمان، وإن كان المعتزلة، يقولون مع خروج مرتكب الكبيرة من الإيمان فإنه لا يدخل في الكفر، وإنما هو في منزلة بين المنزلتين في الدنيا، ومخلد في النار يوم القيامة إذا لم يتب عما ارتكب من جرائم. وهذا أصل عندهم من الأصول التي بنوا عليها مذهبهم، وعلى هذا فإذا فسق القاضي فإنه يخرج من الإيمان عندهم، فتبطل أهلية القضاء عنده١؛ لأنه ليس من المقبول أن يكون بفسقه قد خرج من الإيمان ومع ذلك يبقى في منصب القضاء. وأما البعض من فقهاء الحنفية الذين يرون أنه إذا ولي القضاء في حال عدالته، ثم فسق، فإنه ينعزل، فقد عللوا لرأيهم هذا بأن عدالته في معنى المشروطة في توليه منصبه؛ لأن من له سلطة تولية القضاة حينما ولاه وهو عدل فقد اعتمد عدالته، فكان توليه منصب القضاء مقيدا بوجود العدالة فيه، فصار كأنه علق بقاءه في منصب القضاء بحال عدالته، فيزول توليه هذا المنصب بزوال العدالة٢.

стр. 212

عزل رئيس الدولة للقضاة: يرى فقهاء الشافعية أن لرئيس الدولة الحق في أن يعزل القاضي الذي يوجد غيره صالحا للقضاء، إذا ظهر منه خلل لا يقتضي انعزاله، كما لو كثرت شكاوى الناس منه، أو ظن أنه ضعيف، أو زالت هيبته في القلوب، وعللوا ذلك، بأن فيه احتياطا. وكذلك قال الشافعية إنه يحق لرئيس الدولة أن يعزل القاضي إذا لم يظهر منه خلل، لكن هناك من هو أفضل منه؛ لأن في هذا رعاية للأصلح للمسلمين. وصرحوا بأن هذا من حق رئيس الدولة، وليس واجبا عليه، وكذلك إذا كان هناك مثله في الصفات، أو دونه، لكن في عزله مصلحة كتسكين فتنة، فإنه يحق لرئيس الدولة عزله أيضا عندهم، لما فيه من المصلحة للمسلمين. وفي فقه الشيعة الإمامية أنه لو رأى الإمام أو النائب عزله لوجه من وجوه المصالح أو لوجود من هو أتم منه نظرا، فإنه جائز مراعاة للمصلحة. وأما إذ لم يكن هناك مصلحة في عزله فيوجد اتجاهان في الفقه الإسلامي: أحدهما: لا يجوز لرئيس الدولة أن يعزله، وهذا ما يراه الشافعية، وبعض المالكية، وبعض الحنابلة١. وقد استند هذا الاتجاه إلى ما يأتي: أولا: إذا عزله من غير مصلحة فإن ذلك يعد عبثا، وتصرفات رئيس الدولة

стр. 213

يجب أن تصان عن العبث. ثانيا: رئيس الدولة إنما ولاه القضاء لمصلحة المسلمين، فلا يملك أن يعزله مع سداد حاله، كولي المرأة إذا عقد عليها عقد الزواج لم يكن من حقه أن يفسخ هذا العقد. ثالثا: القاضي في الحقيقة وكيل عن الأمة، وإذا تعلق بالوكالة حق الغير -وهو هنا حق المسلمين- فلا يجوز عزل الوكيل. الاتجاه الثاني: يجوز لرئيس الدولة أن يعزله، وممن قال بهذا الرأي الحنفية، وقد صح عن أبي حنيفة، أنه قال: لا يترك القاضي على القضاء إلا حولا؛ لأنه إذا اشتغل بالقضاء ينسى العلم، فيعزله السلطان، بعد الحول، ويستبدل به غيره، حتى يشتغل بالدرس١. وكذلك يرى بعض الحنابلة أن لرئيس الدولة عزل القاضي بغير سبب، يبرر ذلك وقد استند هذا الاتجاه إلى ما يأتي: أولا: القياس على الولاة على البلاد، فلما كان لرئيس الدولة أن يعزل ولاته الذين ولاهم على البلاد فكذلك يكون له أن يعزل قضاته، قياسا عليهم من باب أولى؛ لأن الإمارة أعلى من القضاء. مناقشة هذا الاستدلال: يمكن أن يجاب عن استدلالهم بالقياس بأن هذا القياس لا يصح، لوجود

стр. 214

الفارق وهو مانع من صحة القياس؛ لأن الإمارة ليست أعلى من القضاء، بل العكس هو الصحيح، ولذلك قال العلماء: "إن خطة القضاء أعظم الخطط قدرا"، والقاضي ليس وكيلا لرئيس الدولة، وإنما هو يعمل بولاية المسلمين، وفي حقوقهم. ثانيا: سوابق تاريخية حدثت من بعض الخلفاء الراشدين، في عزل القضاة، فقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه قال: لأعزلن أبا مريم، وأولين رجلًا إذا رآه الفاجر فرقه "أي: خافه" فعزله عن قضاء البصرة، وولى مكانه كعب بن سوار. وولى علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه، أبا الأسود ثم عزله، فقال له: لم عزلتني، وما خنت ولا جنيت؟ فقال: إني رأيتك يعلو كلامك على الخصمين. مناقشة هذا الاستدلال: يجاب عن هذا بأن العزل كان لحاجة تدعو إلى ذلك١، وليس العزل بغير حاجة وإلا كان عبثا. الرأي الراجح: أن عزل القاضي لا يكون إلا لمصلحة؛ لأن الحاكم -كما يصرح العلماء- إنما يولي القضاة نيابة عن المسلمين، وهذا يؤكد أن القاضي لا يصح عزله إلا بسبب يبرر هذا العزل. إذا كان القاضي متعينا: إذا كان القاضي متعينا بأن لم يكن هناك من يصلح لتولي القضاء غيره، فإنه

стр. 215

ليس من حق رئيس الدول أو غيره أن يعزله، ولو قام بعزله لم ينعزل. لا ينعزل القاضي حتى يبلغه خبر عزله: بيّن العلماء أن القاضي لو عزله رئيس الدولة في الحالات التي يصح له فيها أن يعزله، لا ينعزل إلا بعد أن يبلغه خبر عزله، فلا ينعزل بمجرد عزل الحاكم له؛ لأنه لو كان ينعزل بمجرد عزل الحاكم له لترتب على ذلك في بعض الحالات أضرار عظيمة؛ لأنه ستكون تصرفاته منقوضة وفاسدة في القضايا التي ينظرها بعد عزل الحاكم له, وقبل أن يبلغه خبر هذا العزل. متى يحصل بلوغ خبر العزل للقاضي المعزول؟ يحصل بلوغ خبر العزل إلى القاضي بشاهدين يشهدان أن الحاكم عزله، وأيضًا تغني استفاضة الأخبار بذلك. وكذلك إذا كتب من له سلطة تولية القضاة إلى القاضي قائلا: إذا قرأت كتابي فأنت معزول، فقرأه، فقد انعزل بعد القراءة، لتحقق الصفة التي علق عليها العزل. ولا يشترط أن يقرأ القاضي الكتاب بالتلفظ، بل ينعزل أيضا إذا طالعه وفهم ما فيه, وإن لم يتلفظ به كما هي العادة في قراءة المكتوبات. وينعزل كذلك لو قرأه غيره عليه على الرأي الأصح عند الشافعية؛ لأن القصد من الكتاب إعلامه بالعزل، وليس القصد أن يقرأه بنفسه سواء أكان قارئا أم أميا١.

стр. 216

لا ينعزل القاضي بموت رئيس الدولة، أو انعزاله: لا يؤدي موت رئيس الدولة، أو انعزاله إلى انعزال القاضي، لعدة أمور: الأمر الأول: أن الخلفاء الراشدين ﵃ ولوا قضاة في زمنهم فلم ينعزلوا بموتهم. الأمر الثاني: أنه لو انعزل القضاة بموت رئيس الدولة لأدى هذا إلى تعطيل القضاء في الأمور التي تحتاج إلى حكم القاضي فيها، حتى يولي رئيس الدولة الجديد قضاة آخرين، وهذا قد يكون ضررا عظيما، ونحن ممنوعون شرعا من إحداث الضرر. الأمر الثالث: أن القاضي لا يعمل بولاية رئيس الدولة وفي حقه، بل يعمل بولاية المسلمين وفي حقوقهم، ورئيس الدولة بمنزلة النائب عنهم؛ لأنه يولي القضاة نيابة عن المسلمين. وإذا كان رئيس الدولة نائبا عن المسلمين فإن فعله يكون بمنزلة فعل عامة المسلمين، ولا شك أن ولايتهم بعد موت الرئيس باقية، فيبقى القاضي في منصبه١. عزل القاضي نفسه: إذا عزل القاضي نفسه اختيارا، ولا يوجد عنده عذر يبرر عزله نفسه، وليس به عجز يمنعه من القيام بأعباء هذا المنصب، فإن هذا من حقه، لكن يرى بعض العلماء منعه من ذلك إذا كان قد تعلق لأحد حق بقضائه، وكان انعزله

стр. 217

بسبب الضرر لمن التزم بينه وبين خصمه١. لكن ينبغي هنا أن نقول أيضا: إذا كان عزل القاضي نفسه بغير عذر سيؤدي إلى خلو هذا المنصب ممن توفر فيه شروط القاضي؛ لأنه لا يوجد شخص آخر تتوفر فيه هذه الشروط، فإنه في هذه الحال لا يصح عزله لنفسه، حتى يظهر من تتوفر فيه الشروط المطلوبة، بل إنه يحرم عليه عزل نفسه -من غير عذر- إذا كان يعلم أنه لا يوجد غيره واحد تتوافر فيه الشروط, فإنه يجب عليه القبول ولا يجوز له أن يرفضه.

стр. 218

الفصل الثاني: الدعوى ونظام الفصل فيها بيان معنى الدعوى، والفرق بينها وبين الإقرار والشهادة مدخل ... الدعوى ونظام الفصل فيها: معنى الدعوى، والفرق بينها وبين الإقرار، والشهادة: الدعوى: معناها الدعوى في اللغة: الطلب، ومنه قوله ﵎: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ ، وجمع الدعوى دعاوى بفتح الواو وكسرها، وفي الشرع: إخبار عن ثبوت حق على غيره، عند حاكم، أو محكم، أو سيد، أو ذي شوكة، أي: ذي قوة غالبة على غيره. وسواء أكان ثبوت الحكم له أم لموكله؛ لأن الدعوى يصح فيها التوكيل، ولا بد أن يكون الغير منكرا للحق المدعى، أو مقرا به لكنه ممتنع، وأما إذا لم يكن كذلك فلا فائدة في الدعوى، ولهذا عرفها بعض العلماء بأنها: "مطالبة بحق لازم، حال، عند قاض، على منكر، أو مقر ممتنع بشروط". وقد اشترط بعض العلماء -كما هو مبين في التعريف الأول- أن تكون الدعوى إخبارا عند حاكم، أو محكم، أو سيد كالادعاء على عبد عند سيده، وهذا أيام وجود الرق، لكن الآن -بحسب ما نعلم- لا يوجد رقيق، أو تكون إخبارا عند ذي شوكة، أي: شخص له قوة تمكنه من إيصال الحقوق إلى أربابها بعد أن يحكم بها، وهو في ناحية انقطع غوث الحاكم عنها كالأماكن البعيدة في الصحراء الشاسعة أو في الغابات المترامية الأطراف، ولم يرجع الناس إلا إليه فإذا لم تكن الدعوى عند واحد من هؤلاء فلا تسمى دعوى عند البعض من العلماء. وسميت الدعوى بهذا الاسم؛ لأن المدعي يدعو صاحبه إلى مجلس الحكم

стр. 219

ليخرج من دعواه١. الفرق بين الدعوى والإقرار والشهادة: الفرق بين الدعوى، والإقرار، والشهادة، أن الدعوى إخبار بحق له على غيره، والإقرار إخبار بحق لغيره عليه، والشهادة إخبار بحق لغيره على غيره. أركان الدعوى: الركن هو ما لا بد منه وكان جزءا من حقيقة الشيء، فالركوع مثلا لا بد منه في الصلاة، وهو جزء من حقيقتها، ولهذا يسمى ركنا من أركان الصلاة، وأما إذا كان الشيء لا بد منه لكنه ليس جزءا من الحقيقة، بل خارجا عنها، فيسميه العلماء شرطا، كالوضوء لا بد منه لصحة الصلاة، لكنه ليس جزءا من حقيقة الصلاة بل هو خارج عنها، ولهذا فهو شرط من شروط صحة الصلاة وليس ركنا من أركانها. وأركان الدعوى أي: الأمور التي لا بد منها وداخلة في حقيقتها هي: ١- القول الطالب للحق، المقبول، بأن يكون ملزما بشيء على الخصم، وغير ذلك لا يسمى دعوى. ٢- إضافة الحق لنفسه، أو لمن ناب عنه. أهل الدعوى: يرى الحنفية أن أهل الدعوى هو العاقل المميز، ولو صبيا، إذا كان مأذونا له في الخصومة، وأما إذا لم يكن مأذونا له في الخصومة فلا يكون من أهل الدعوى.

стр. 220

وأما الشافعية فيرون أنه لا بد أن يكون المدعي بالغا عاقلا، وأما المدعى عليه فتصح الدعوى عليه ولو كان صبيان أو مجنونا ما دام مع المدعي بينة, ويحلف المدعي أيضا مع البينة، وإلا فلا تسمع الدعوى على المعتمد في فقه الشافعية١. طرفا الخصومة في الدعوى: طرفا الخصومة في الدعوى هما: المدعي، والمدعى عليه، ولا بد من تعريف كل منهما؛ لأن القاضي سيطالب المدعي بالبينة "الشهود"٢. فإذا أقام البينة حكم له القاضي، وإذا لم يقم البينة طلب اليمين من المدعى عليه. والأصل في هذا أحاديث عن رسول الله ﷺ ، كما في سنن البيهقي من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر". وقد صرح الحافظ ابن حجر بأن إسناد هذا الحديث عند البيهقي إسناد

стр. 221

صحيح١، لكن الأصيلي زعم أن قوله: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" إدراج في الحديث٢. وروى ابن حبان عن ابن عمر نحو هذا الحديث، وروى الترمذي نحوه أيضًا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وهو في صحيحي البخاري ومسلم من حديث ابن عباس أيضا بلفظ: "ولكن اليمين على المدعى عليه" ٣. وقد بين العلماء أن الحكمة في كون البينة على المدعي واليمين على من أنكر، أن جانب المدعي ضعيف؛ لأن دعواه تخالف الأصل؛ لأن الأصل براءة الذمة، فكلف الحجة القوية، وهي البينة، لبعدها عن التهمة، وجانب المنكر "المدعى عليه" قوي، لموافقته للأصل، وهو براءة الذمة, فاكتفى منه بالحجة الضعيفة -وهي اليمين- لقربها من التهمة، فجعلت الحجة القوية في الجانب الضعيف، والضعيفة في الجانب القوي، ليحصل التعادل بينهما٤. فلا بد -إذن- من تحديد معنى كل من المدعي، والمدعى عليه.

стр. 222

معنى المدعي والمدعى عليه: اختلفت عبارات العلماء في تعريف المدعي، والمدعى عليه، فبعضهم عرف المدعي بأنه: "من خالف قوله الظاهر" والمدعى عليه بأنه "من وافق قوله الظاهر"، وقيل: المدعي هو: "من لا يجبر على الخصومة إذا تركها"، والمدعى عليه" من إذا ترك الخصومة يجبر عليها". وقيل المدعي "من لا يستحق إلا بحجة" والمدعى عليه "من يستحق بقوله من غير حجة". وقال محمد بن الحسن: المدعى عليه هو المنكر، ويدل لهذا ما ورد من قول النبي ﷺ : "واليمين على من أنكر"، وروى "اليمين على المدعى عليه"، ولكن كما قال علماء الحنفية الشأن في معرفة المنكر والترجيح بين المدعي والمدعى عليه بالفقه يعني إذا تعارضت الجهتان: أي: جهة الادعاء، الصورة وجهة الإنكار المعنوي فالترجيح يكون بالمعنى؛ لأن الاعتبار للمعاني دون الصور. وضربوا مثلا لذلك بالمودع -بفتح الدال- إذا قال: رددت الوديعة فهو من حيث الصورة يدعي رد الوديعة، فهو مدع صورة، لكن من حيث المعنى ينكر ضمان الوديعة، فهو من ناحية المعنى مدعى عليه. ولهذا قال الحنفية: إن القول قول المودع -بفتح الدال- مع يمينه؛ لأنه من حيث المعنى منكر لضمان الوديعة، فيأخذ حكم المدعى عليه، ولا اعتبار بكونه مدعيا من حيث الصورة، فهو من حيث الصورة يدعي رد الوديعة، فلا اعتبار بذلك، لكن لو أقام المودع -بفتح الدال- بينة قبلت بينته؛ لأن البينة تقبل لدفع اليمين كما قال الحنفية، ولهذا قالوا في مسألة اختلاف الزوجين في قدر المهر فادعت المرأة الزيادة فإذا أقامت بينة، قبلت، وإن أقام الزوج بينة، تقبل أيضًا؛ قالوا: لأن البينة تقبل لدفع اليمين١. هذه بعض أقوال علمائنا ﵃ في معنى المدعي والمدعى عليه، وقيل غير ذلك٢.

стр. 223

حكم الدعوى: حكم الدعوى هو وجوب الجواب على الخصم وهو المدعى عليه بلا أو نعم، فإذا أقر بما يدعيه المدعي ثبت المدعى به، وإن أنكر قال القاضي للمدعي، ألك بينة؟ "شهود"، فإن قال: لا، قال القاضي -استحبابا: لك يمينه، ولو سكت المدعى عليه فإن سكوته يعد إنكارا للدعوى فتسمع البينة عليه، إلا إذا كان أخرس١. الدعوى إما صحيحة أو فاسدة: الدعوى إما أن تكون صحيحة أو فاسدة، فالصحيحة هي ما يتعلق بها أحكامها، من إحضار الخصم، والمطالبة بالجواب، ووجوب الجواب، واليمين إذا أنكر ولا برهان، والإثبات بالبينة، ولزوم إحضار المدعى به إن كان نقليا لا يتعسر نقله. وأما الدعوى الفاسدة فهي بخلاف ذلك، وفسادها يكون بفقد أحد الشروط التي اشترطها العلماء لصحة الدعوى، وإليك بيانا لهذه الشروط.

стр. 224

شروط صحة الحكم في الدعوى الشرط الأول: عند بعض العلماء حضور الخصم المدعي عليه آراء العلماء في القضاء على الغائب ... شروط صحة الحكم في الدعوى: يشترط لصحة الحكم في الدعوى عدة شروط: الشرط الأول: عند بعض العلماء - حضور الخصم المدعى عليه يرى فريق من العلماء أنه يشترط لصحة الحكم في الدعوى حضور الخصم المدعى عليه، والخصم المدعى عليه إما أن يكون أصيلا أي: هو بذاته، أو وكيلا عن الأصيل، أو وصيا، أو وليا، أو وارثا، أو من بينه وبين الغائب اتصال في المدعى به، كما لو كفل شخص شخصا آخر في دين، فالخصم هنا هو المدين المكفول عنه، وقد ناب عنه الكفيل لما بينهما من الاتصال في الدين المدعى به عليه بحكم الكفالة. فلا يصح القضاء على الغائب عند فريق من العلماء، فإذا ادعى شخص حقا على شخص آخر غائب في بلد آخر بعيد وطلب من الحاكم سماع البينة والحكم بها عليه، فلا يصح القضاء على هذا الغائب، وهذه مسألة مختلف فيها بين العلماء، وإليك بيانا لما يراه العلماء فيه. آراء العلماء في القضاء على الغائب: اختلف العلماء في القضاء على الغائب على رأيين: الرأي الأول: أنه لا يصح القضاء بشيء على الغائب، وهذا ما يراه أبو حنيفة، وابن الماجشون من المالكية، ونقل عن أحمد بن حنبل، وابن أبي ليلى، والثوري هذا الرأي أيضًا. الرأي الثاني: يصح القضاء على الغائب في حقوق الآدميين، ولا يقضى

стр. 225

عليه في حدود الله تعالى، وهو ما يراه الشافعي، والظاهرية وجمهور العلماء١. وقبل أن نبين أدلة كل فريق نحب أن نبين عدة صور اتفق عليها أبو حنيفة والشافعي فقد اتفقا على أنه: أ- لو ادعى رجل على وارث مالا، كان له على أبيه وللميت ورثة غائبون وأقام المدعي بينة على دعواه، فإنه يحكم القاضي بالبينة على الحاضر والغائب وعلى الميت. ب- لو ثبت عند القاضي على شخص أنه مفقود، ولهذا الشخص مال مودع عند رجل، فإن القاضي يحكم للزوجة والأولاد بنفقتهم، ويصح أيضًا أن يباع عقاره لذلك. ج- لو لحق المرتد بدار الحرب٢ فجاءت زوجته تطلب الحكم بالتفريق بينهما، فإنه يحكم القاضي لها بالبينونة إذا أقامت بذلك بينة. د- لو كان الشخص غائبًا عن المجلس لكنه حاضر في البلد لا يجوز القضاء عليه؛ لأنه يمكن للقاضي أن يحضره٣. هذه بعض صور متفق على حكمها في الفقه الحنفي والشافعي، وننتقل بعد ذلك إلى بيان أدلة الفريقين:

стр. 226

أدلة القائلين بجواز الحكم على الغائب: أولا: عموم الأدلة كقول الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ، ولم يفصل النص الكريم بين الحاضر وغيره، وقوله : ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ ، فلم يخصص الله ﵎ حاضرا من غائب. ثانيا: صح عن رسول الله ﷺ أنه حكم على الغائب، كما حدث في حادثة العرنيين الذين قتلوا الرعاء، وسملوا أعينهم، وفروا، فأرسل إليهم القائف يتبعهم وهم غيب، حتى أدركوا، واقتص منهم. ثالثا: ثبت أن رسول الله ﷺ قال لأولياء عبد الله بن سهل ﵁ الذي وجد مقتولا في خيبر١ وادعوا أن أهل خيبر قتلوه، قال لهم الرسول ﷺ : "يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته" ٢. رابعا: صح عن عمر، وعثمان ﵄ القضاء على الغائب، ولا مخالف لهما من الصحابة. خامسا: القياس، فإن الدعوى تسمع على الميت والصغير، مع أنهما أعجز عن الدفع من الغائب، فيقاس الغائب عليهما. سادسا: المدعي له بينة مسموعة عادلة فجاز الحكم بها, كما لو كان الخصم

стр. 227

حاضرا١. خامسا: ما روته عائشة زوج رسول الله ﷺ ورضي الله عنها، قالت: دخلت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان على رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من ماله بغير علمه، فهل علي في ذلك من جناح؟ فقال رسول الله ﷺ : "خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك" ٢. فقد بيّن رسول الله ﷺ أن لها أن تأخذ من مال أبي سفيان، وهذا قضاء عليه في غيابه. الإجابة عن حديث هند: أجاب القائلون بعدم جواز الحكم على الغائب عن الاستدلال بحديث هند، بأن هذا الحديث لا يدل لمخالفيهم؛ لأن ما قاله الرسول ﷺ لهند لم يكن قضاء، وإنما كان فتوى، أو إعانة لها على أخذ ماله، قالوا: لأن هندا لم تدع الزوجية، ولم تقم البينة٣. ومع أن الإمام النووي -رضي الله تعالى عنه- من فقهاء الشافعية فإنه لا يوافق على الاستدلال بحديث هند على صحة القضاء على الغائب؛ لأن قضية هند كانت بمكة، وكان زوجها أبو سفيان حاضرا بها لا غائبا عنها، وشرط القضاء على الغائب أن يكون غائبا عن البلد، أو مستترا لا يقدر عليه، أو متعززا، وهذا الشرط غير متحقق في هذه القضية؛ لأن أبا سفيان موجود فالحكم عليه ليس غيابيا، فلا يكون هذا من رسول الله ﷺ قضاء على الغائب، وإنما هو إفتاء منه ﷺ -٤ أي: إن هندا جاءت طالبة للفتوى وليست طالبة لأن يقضي لها رسول الله ﷺ على زوجها أبي سفيان.

стр. 228

أدلة المانعين للحكم على الغائب: استدل المانعون للحكم على الغائب بالأدلة الآتية: أولا: قول الله ﵎: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ . فالآية الكريمة ذمتهم لإعراضهم إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم، وهذا يدل على أنه يجب عليهم أن يحضروا للحكم، ولو نفذ الحكم مع الغيبة، لم يجب الحضور ولم يستحقوا الذم، فدل هذا على عدم جواز الحكم على الغائب١. مناقشة الاستدلال: ويمكن أن يناقش هذا الاستدلال بأنه لا منافاة بين ذمهم على عدم الحضور؛ لأنه واجب عليهم عدم الغيبة، فيمكن أن يجتمع الأمران: الذم على عدم الحضور ونفوذ الحكم مع الغيبة. ثانيا: ما روي أن رسول الله ﷺ قال لعلي بن أبي طالب ﵁: "لا تقض لأحد الخصمين حتى تسمع كلام الآخر، فإنك إذا

стр. 229

سمعت كلام الآخر علمت كيف تقضي" رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي بمعناه، وقال فيه الترمذي، هذا حديث حسن صحيح. فسماع كلام الآخر مستلزم لحضوره. مناقشة الاستدلال بالحديث: أجاب المخالفون عن الاستدلال بهذا الحديث بأنا نقول به إذا تقاضى إليه رجلان لم يجز الحكم قبل سماع كلام كل منهما، وهذا يقتضي أن يكونا حاضرين، ويفارق الحاضر الغائب، فإن البينة لا تسمع على حاضر إلا بحضرته، والغائب بخلافه. قال ابن حزم بعد فرض أن هذا الحديث وما يفيد معناه صحيح: "لو صحت الأخبار لما كان لهم بها متعلق أصلا؛ لأنه ليس فيها أن لا يقضي على غائب، بل فيها أن لا يقضي على حاضر بدعوى خصمه، دون سماع حجته، وهذا شيء لا نخالفهم فيه، ولا يجوز أن يقضي على حاضر ولا غائب بقول خصمه، لكن بالذي أمر الله تعالى به من البينة العدلة فقط"١. ثالثا: ما روي عن عمرو بن عثمان بن عفان، قال: أتى عمر بن الخطاب رجل قد فقئت عينه، فقال له عمر: تحضر خضمك، فقال له: يا أمير المؤمنين أما بك من الغضب إلا ما أرى؟ فقال له عمر: فلعلك قد فقأت عيني خصمك معا، فحضر خصمه قد فقئت عيناه معا، فقال عمر: إذا سمعت حجة الآخر بان القضاء. قال المستدلون بهذا: ولا يعلم لعمر بن الخطاب في ذلك مخالف من

стр. 230

الصحابة١، وقد أجاب ابن حزم على هذا بعدة أمور: أولا: لا يصح هذا عن عمر؛ لأن هذا مروي من طريق محمد الغفاري عن ابن أبي ذئب الجهني، وهما مجهولان، وجهالة الراوي ترد الحديث، قال ابن حزم: "لا يدرى من هما في خلق الله تعالى". ثانيا: هذا الأثر مروي عن عمرو بن عثمان بن عفان عن عمر بن الخطاب؛ وهذا كذب لأن عمرو بن عثمان بن عفان لم يولد إلا ليلة موت عمر. ثالثا: على فرض صحة ما نقل عن عمر فليس فيه إلا أنه يقضي على غائب بدعوى خصمه، وهذا حق لا ينكر. رابعا: أن النقل الصحيح عن عمر، وعثمان أنهما قضيا على الغائب إذا صح الحق، ولم يصح عن أحد من الصحابة خلاف ذلك٢. رابعا: القضاء إنما هو لقطع المنازعة، ولا توجد منازعة هنا لعدم الإنكار. خامسا: القضاء على الغائب قضاء لأحد الخصمين وحده، فلا يجوز، كما لو كان الآخر في البلد. سادسا: يجوز أن يكون للغائب ما يبطل البينة، ويقدح فيها فلم يجز الحكم عليه.

стр. 231

مناقشة هذه الاستدلالات: أجيب عن هذه الاستدلالات بأن أبا حنيفة ناقض الأصل الذي يقول به، فقال إذا جاءت امرأة فادعت أن لها زوجا غائبا، وله مال في يد رجل، وتحتاج إلى النفقة، فاعترف لها بذلك، فإن الحاكم يقضي عليه بالنفقة. ونرى الأخذ بالرأي القائل بصحة القضاء على الغائب بعد محاولات إحضاره، ما دامت البينة موجودة، لكي لا تضيع حقوق الناس، والعصر الذي نعيش فيه شاهد على حالات كثيرة يستولي فيها بعض الناس على أموال الآخرين لاستثمارها -ظاهرا- في تجارة أو غيرها، ثم يهرب، فهل تضيع حقوق الناس بحجة عدم القضاء على الغائب, أم ينظر القاضي في القضية ويطلب البينة، فإذا قامت البينة حكم القاضي بمقتضاها، وسنجد -كما سنبين- أن بعض فقهاء الحنفية يرى القضاء على الغائب مخالفا بهذا رأي إمامه أبي حنيفة -رضي الله تعالى عنه. وقد دافع ابن حزم الظاهري بعباراته الهجومية المألوفة منه عن الرأي القائل بصحة القضاء على الغائب، قال: "وما ندري في الضلال أعظم من مثل حاكم شهد عنده العدول بأن فلانا الغائب قتل زيدا عمدا، أو خطأ، أو أنه غصب هذه الحرة، أو تملكها، أو أنه طلق امرأته ثلاثا، أو أنه غصب هذه الأمة "الجارية" من هذا، أو تملك مسجدا، أو مقبرة، فلا يلتفت إلى كل ذلك، وتبقى في ملكه الحرة، والفرج الحرام، والمال الحرام، ألا إن هذا هو الضلال المبين، والجور المتيقن، والفسق المتين، والتعاون على الإثم والعدوان"١.

стр. 232

اضطراب فقهاء الحنفية في مسائل الحكم على الغائب: مع أنه صح النقل عن أبي حنفية -رضي الله تعالى عنه- أنه كان يرى أنه لا يقضي على الغائب بشيء، فإن فقهاء الحنفية قد اضطربت آراؤهم وبيانهم في مسائل الحكم للغائب وعليه، ولم ينقل عنهم أصل قوي ظاهر تبنى عليه الفروع بلا اضطراب ولا إشكال, كما قرر ذلك صاحب كتاب جامع الفصولين، وهو من كبار فقهاء الحنفية، واستظهر أن القاضي عليه أن يتأمل في الوقائع التي تعرض عليه، ويحتاط للحقوق حتى لا تضيع، ويلاحظ الحرج الذي يمكن أن يحدث للمتخاصمين، ويقدر الضرورات، فيقضي بحسبها جوازا وفسادا وذكر مثالين لهذا: المثال الأول: لو طلق الزوج زوجته عند العدول، ثم غاب الزوج عن البلد، ولا يعرف مكانه، أو كان مكانه معروفا، ولكن القاضي لا يستطيع إحضاره، ولا تستطيع الزوجة أن تسافر إليه هي أو وكيلها لبعده الشاسع، أو لأي مانع آخر. المثال الثاني: لو غاب المدين وله نقد في البلد. ويرى صاحب جامع الفصولين أنه في مثل هذين المثالين لو أقام الخصم البرهان الغائب، بحيث اطمأن قلب القاضي, وغلب على ظنه أنه حق لا تزوير فيه ولا حيلة، فينبغي للقاضي أن يحكم على الغائب أو له، وكذلك ينبغي للمفتي أن يفتي بجواز ذلك، دفعا للحرج عن الناس والضرورات، وصيانة للحقوق عن الضياع، خاصة وأن مسألة القضاء على الغائب من المسائل الظنية الاجتهادية، وذهب إلى جواز الحكم على الغائب الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد،

стр. 233

وفيه روايتان عن فقهاء الحنفية ثم قال: "والأحوط أن ينصب عن الغائب وكيل يعرف أنه يراعي جانب الغائب، ولا يفرط في حقه"١. الغائب عند المالكية: بيّن فقهاء المالكية أن الغائب إما أن يكون قريب الغيبة، كما لو كانت المسافة بيننا وبينه تستغرق يومين أو ثلاثة "بوسائل المواصلات البدائية أي: بالحيوانات" وإما أن يكون بعيدا جدا، كالبعد بين تونس والمدينة المنورة. فإذا كان قريب الغيبة فحكمه حكم الحاضر في سماع الدعوى عليه والبينة، ثم يرسل إليه القاضي يخبره إما أن يقدم إلى مقر القاضي, أو يوكل عنه وكيلا في الدعوى، فإذا لم يقدم ولا وكل عنه وكيلا حكم عليه القاضي. وأما إن كان بعيد الغيبة جدا فالقاضي يقضي عليه بعد سماع الشهود وتزكيتهم بيمين القضاء من المدعي أن حقه ثابت على المدعى عليه، وأنه ما برأه به، ولا وكل الغائب شخصا يقضي هذا الحق عنه، ولا أحاله على أحد في جميع هذا الحق ولا بعضه. وبين المالكية أن يمين القضاء واجبة لا يتم حكم القاضي إلا بها، كما هو المذهب عندهم٢.

стр. 234

الغائب عند الشافعية: الغائب الذي يحكم عليه عند الشافعية نوعان: النوع الأول: من كانت المسافة بين القاضي وبينه فوق مسافة العدوى، ويحددون مسافة العدوى بأنها المسافة التي لو خرج مبكرا١ لبلد القضاء لرجع إليها في يومه٢ بعد فراغ زمن المخاصمة المعتدلة من دعوى، وجواب، وإقامة بينة حاضرة، وتعديلها، قالوا: والعبرة بسير الأثقال؛ لأنه منضبط٣. وقيل أن يكون بينه وبين القاضي مسافة القصر، وهي ثمانون كيلو مترا تقريبا، كالمسافة بين مكة وجدة، عندما كانت كذلك قبل أن تزحف المساكن من المدينتين، لكن المسافة الآن قد قلت عن ثمانين كيلو مترا بين جدة ومكة. النوع الثاني: الحاضر في البلد لكنه توارى، أو تعزز، وعجز القاضي عن إحضاره، فهذا أيضًا يعد غائبا ويحكم القاضي عليه، لتعذر الوصول إليه، وإلا لاتخذ الناس ذلك ذريعة إلى إبطال الحقوق. وأما غير هذين فلا تسمع الحجة ولا يحكم عليه إلا بحضوره، كما هو مبين في فقه الشافعية٤. وأكثر أهل العلم يرون أن الحاضر في البلد أو قريب منه إذا لم يمتنع من الحضور لا يقضي عليه قبل أن يحضر أمام القاضي؛ لأنه يمكن سؤاله، فلا يجوز الحكم عليه قبل سؤاله كالحاضر الذي يحضر مجلس القاضي، ولا يصح القياس على الغائب البعيد؛ لأن البعيد لا يتيسر سؤاله. أما لو امتنع المدعى عليه من الحضور، أو توارى فيجوز القضاء عليه؛ لأنه تعذر حضوره وسؤاله أمام القاضي، فجاز القضاء عليه كالغائب البعيد، بل هذا أولى؛ لأن الغائب البعيد معذور، وهذا لا عذر له٥.

стр. 235

شروط القضاء على الغائب عند القائلين به: الشرط الأول, تعسر إحضار المدعى عليه. الشرط الثاني: أن يكون المدعى به حقا لآدمي، فإن كان حقا خالصا لله ﵎ فلا يصح القضاء به على الغائب، كحد شرب الخمر، والزنا؛ وذلك لأن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة، بخلاف حقوق الآدميين، فإن قامت بينة على غائب بسرقة مال حكم القاضي بالمال دون عقوبة السرقة, وهي قطع اليد؛ لأن العقوبة هنا هي حق من حقوق الله ﵎، وأما المال فهو حق

стр. 236

الإنسان١. ويرى الشافعية جواز القضاء على الغائب في حد القذف؛ لأن حد القذف فيه حقان: حق لله ﵎، وحق للعبد، لكن حق العبد أغلب عند الشافعية, ولهذا جاز القضاء فيه على الغائب٢. الشرط الثالث: أن يصرح المدعي بالدعوى، ويعين المدعى به من ناحية القدر، والجنس. الشرط الرابع: أن يقيم المدعي البينة، وهل يقوم القاضي باستحلاف المدعي مع بينته أم لا؟ للعلماء في هذا رأيان: أحدهما: أنه لا يستحلف المدعي مع بينته، وهذا منقول عن أحمد في أشهر روايتين عنه. وقد استند هذا الرأي إلى ما يأتي: أولا: ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه". ثانيا: البينة التي أقامها المدعي بينة عادلة، وما دامت بينة عادلة لا تجب اليمين معها، ما لو كانت اليمين على الحاضر. الرأي الثاني: يستحلف المدعي مع بينته، وهذا ما يراه الشافعي، ورواية ثانية عن أحمد، ويراه المالكية كما سبق أن بينا.

стр. 237

وقد استند هذا الرأي إلى ما يأتي: أولا: يجوز أن يكون المدعي قد استوفى ما قامت به البينة، أو ملكه العين التي قامت بها البينة، ولو كان المدعى عليه حاضرا فادعى ذلك لوجبت اليمين، فإذا تعذر ذلك فيه لغيابه وجب أن يقوم القاضي مقامه في الأمور التي يمكن أن يدعيها الغائب. ثانيا: القاضي مأمور بالاحتياط في حق الغائب؛ لأنه لا يعبر عن نفسه، واستحلاف المدعي من الاحتياط١. لا يحلف المدعي على حاضر إذا أقام البينة: العلماء الذين يرون استحلاف المدعي على الغائب مع وجود البينة، إنما قالوا ذلك احتياطا للغائب؛ لأنه يجوز أن يكون قد حدث بعد ثبوته بالبينة إبراء من هذا الحق، أو قضاء، أو حوالة، وأما إذا كانت الدعوى على حاضر, وأقام المدعي البينة فليس للقاضي تحليف المدعي مع البينة، حتى لو ارتاب القاضي، وما على القاضي عند الارتياب إلا أن يحتاط في البحث عن حال الشهود. نصب "مسخر" يقوم مقام الغائب: يرى بعض العلماء أنه في حالة نظر الدعوى على غائب يستحب للقاضي أن ينصب مسخرا، أي: شخصا يقوم مقام المدعى عليه الغائب، ينكر ما يدعي المدعي نيابة عن الغائب بأن يقول للمدعي: ليس لك عليه ما تدعيه، وذلك لكي تكون الحجة التي يقيمها المدعي على إنكار منكر، ويرى هذا البعض من العلماء أن هذا من المسخر وإن كان كذبا -والكذب حرام- إلا أنه جاز هنا لأنه من المصلحة، والكذب قد يجوز للمصلحة، وخصوصا وأن الأصل براءة ذمة الغائب مما يدعيه عليه خصمه٢. ونصب المسخر -كما قال أحد أساتذتنا٣- إغراق في الحرص على الشكليات يشبه المهزلة، وإلا فما الذي يمنع من سماع البينة، حتى على تقدير أن الغائب في الواقع مقر ونحن لا نعلم، وتكون حجة ضرورة -لمكان الغيبة والجهالة- واقعة موقع الاستثناء من الأصل العام الذي يقرر أن البينة لا تقام على مقر، وأليس هذا أفضل ألف مرة من ذلك السخف الذي لا معنى له "نصب المسخر"؟

стр. 238

الشرط الثاني من شروط صحة الحكم في الدعوى: أن لا يسبق من المدعي ما يناقض دعواه: اشترط العلماء هذا الشرط؛ لأن يستحيل الجمع في الصدق بين سابق كلامه ولاحقه، كما لو ادعى شخص ملكية دار بعد إقراره أنه استأجرها؛ لأن استئجارها إقرار بالملك للمؤجر، فيكون بدعواه متناقضا، والتناقض يمنع صحة الدعوى. وقد استثنى بعض العلماء من هذا بعض المسائل: منها ما لو كذب القاضي المدعي فيما سبق منه، فتصح الدعوى حينئذ؛ لأن الكلام بهذا التكذيب -الذي حدث من القاضي- صار غير معول عليه، فلم يوجد التناقض. ومنها ما لو أقر بالرضاع، فقال عن امرأة معينة: هذه رضيعتي، ثم اعترف بالخطأ في إقراره، فله أن يتزوج بها بعد ذلك. ومنها ما لو صدق الورثة امرأة على أنها زوجة لمورثهم ودفعوا الميراث إليها، ثم دعواهم استرجاع الميراث منها بحكم الطلاق البائن الذي كان قد حصل من مورثهم حال صحته، ووفاته بعد هذا الطلاق، فتسمع دعواهم، لقيام العذر في ذلك لهم، حيث استصحبوا الحال في الزوجية، فصدقوا المرأة فيها، وخفيت عليهم البينونة؛ لأنها من الأمور التي ينفرد بها الزوج، ولذلك كان التناقض عفوا.

стр. 239

الشرط الثالث من شروط صحة الحكم في الدعوى: أن يكون المدعى به مما يحتمل الثبوت: يشترط لصحة الدعوى أن يكون المدعى به قابلا للثبوت، بأن لا يكون مستحيلا في الحس، أو في العقل، أو في العادة؛ لأن الدعوى تكون في حال المستحيل المادي ظاهرة الكذب مع احتمال الصدق احتمالا بعيدا، وفي حال المستحيل الحسي والعقلي متيقنة الكذب، فلا تحتمل الصدق بأي حال من الأحوال. مثال المستحيل العقلي ادعاؤه أن شخصًا ابنه، مع أنه لا يولد مثله لمثله، كأن كان المدعي في الأربعين من عمره، والمدعى بنوته في الخامسة والثلاثين من عمره. ومثال الدعوى بالمستحيل الحسي ادعاؤه مثل الجبل ذهبا أو فضة. ومثل بعض العلماء للدعوى بالمستحيل العادي بدعوى من هو معروف بالفقر والحاجة -وهو يأخذ الزكاة من الأغنياء- على آخر أنه أقرضه من مال نفسه مائة ألف دينار ذهبا، نقدا، دفعة واحدة، وأنه استهلكها في شئون نفسه بعد أن استقرضها وقبضها، ويطالبه برد بدلها فيرى بعض العلماء أن مثل هذه الدعوى لا يلتفت إليها القاضي، ولا يسأل المدعى عليه عن جوابها١. وأرى أن مثل هذه الدعوى لا مانع من سماعها؛ لأنه في بعض الأحيان تدل ظواهر الأمور على خلاف الحقيقة والواقع، فربما كان هذا الذي ظاهره الفقر والاحتياج غنيا في واقع الأمر، فما المانع من سماع دعواه والتحقيق فيها، ومطالبته بالبينة.

стр. 240

الشرط الرابع عند بعض الحنفية: اشتمال الدعوى على المطالبة: مطالبة المدعى عليه بالمدعى به شرط من شروط صحة الدعوى عند أرباب المتون والشروح من فقهاء الحنفية، وأما أصحاب الفتاوى من فقهائهم فجعلوا اشتراط هذا الشرط قولا ضعيفا، والصحيح -كما قرر ذلك بعض الحنفية- ما في الفتاوى وهو عدم اشتراط المطالبة أصلا.

стр. 241

الشرط الخامس من شروط صحة الحكم في الدعوى: أن يكون المدعى به معلوما: لا بد من أن يكون المدعى به معلوما لكي تكون الدعوى صحيحة، بأن يفصل المدعي ما يدعيه، فيقول في دعوى القتل مثلا: قتله عمدا، أو شبه عمد، أو خطأ، وقتله وحده، أو اشترك مع غيره، فإذا أطلق ما يدعيه كقوله: هذا قتل ابني، استحب للقاضي استفصاله فيما ذكره. وإذا كان المدعى به شيئًا من الحبوب كالقمح أو غيره، فتكون الدعوى معلومة ببيان الجنس، كالقمح أو الشعير، وبيان القدر، والنوع، والصفة. وهذا إذا لم يكن المدعى به حاضرا، وإلا فتكفي الإشارة إليه. وهذا أيضا إذا كانت الدعوى دعوى عين، وأما دعوى الدين فلا يشترط فيها شيء من ذلك، بل المطلوب فيها أن يذكر المدعي ما يحصل به معلومية المدعى به ولو ببعض الأمور التي ذكرناها.

стр. 242

الشرط السادس، الشرط السابع، الشرطب الثامن: كونها ملزمة: أن تكون في مجلس القضاء: أن تكون بلسان المدعي أو وكيله الشرط السادس: كونها ملزمة يشترط لصحة الدعوى أن تكون ملزمة بشيء على الخصم، وإلا كانت عبثا، كما لو ادعى شخص التوكيل على موكله الحاضر، فهذه الدعوى لا يسمعها القاضي؛ لأن الوكالة عقد غير لازم، فبإمكان الموكل عزل وكيله. الشرط السابع: أن تكون في مجلس القضاء: فإذا كانت الدعوى في غير مجلس القضاء فلا تكون صحيحة، فلا يلزم المدعى عليه بالجواب، كما لا تسمع الشهادة إلا بين يدي القاضي. الشرط الثامن: أن تكون بلسان المدعي أو وكيله يرى أبو حنيفة ﵁ لا بد أن تكون الدعوى بلسان المدعي، إذا لم يكن به عذر، إلا إذا رضي المدعى عليه لسان غيره. وأما أبو يوسف، ومحمد صاحبا أبي حنيفة، فيريان أنه لا يشترط ذلك، حتى لو وكل المدعي رجلا بالخصومة من غير عذر، ولم يرض به المدعى عليه تصح الدعوى، فيلزم المدعى عليه الجواب، وتسمع البينة. ونرى رجحان هذا الرأي، وسنعاود الكلام -إن شاء الله تعالى- بعد ذلك عن الوكالة في الدعوى. هذا، وقد بيّن العلماء أن المدعي إذا كان عاجزًا عن الدعوى عن ظهر قلبه، فإنه يصح له أن يكتب دعواه في صحيفة، ويدعي منها، فتسمع دعواه.

стр. 243

الشرط التاسع، الشرط العاشر، الشرط الحادي عشر: الشرط الثاني عشر: أن لا تكون بنذر لمخلوق: تعيين المدعي عليه: أن لا يكون المدعي أو المدعي عليه حربيا أن تكون الدعوى محققة الشرط التاسع: أن لا تكون بنذر لمخلوق: بيّن بعض العلماء أنه يشترط لصحة الدعوى عدم كونها بنذر لمخلوق؛ لأن النذر لا يكون إلا لله ، فلا تسمع الدعوى بالنذر للمخلوق، ولا يقضى به١. الشرط العاشر: تعيين المدعى عليه: لا بد في صحة الدعوى من تعيين المدعى عليه. الشرط الحادي عشر: أن لا يكون المدعي أو المدعى عليه حربيا: يرى بعض فقهاء الشافعية أنه يشترط لصحة الدعوى أن يكون كل من المدعي والمدعى عليه غير حربي، لا أمان له، فلا تصح الدعوى من الحربي الذي لم يعط الأمان من المسلمين, ولا تصح كذلك الدعوى عليه. أما إذا كان الحربي له أمان من المسلمين، كأن عقدنا معه هدنة، أو أعطيناه أمانا مخصوصا فتسمع الدعوى منه وعليه. الشرط الثاني عشر: تكليف المدعي يشترط عند بعض الفقهاء في صحة الدعوى التكليف في المدعي، أي: إن

стр. 244

يكون بالغا عاقلا، وعلى هذا فلا تصح الدعوى من الصبي والمجنون. هكذا قرر فقهاء الشافعية١، وأما المالكية فلا يشترطون البلوغ في المدعي فإذا ادعى غير البالغ, وأقام شاهدا واحدا قبلت منه الدعوى٢، وأما الحنفية فيرون أن الصبي إذا كان مميزا مأذونا له في المخاصمة٣ فإنه يصح أن يكون مدعيا. حكم المدعى عليه من حيث اشتراط التكليف: هذا بالنسبة للمدعي، وما المدعى عليه فعند الحنفية أيضًا يشترط فيه التكليف٤، فلا تصح الدعوى عندهم على الصبي والمجنون, ويرى الشافعية أنه لا تسمع الدعوى على الصبي والمجنون إلا في الإتلاف، فإذا أتلف الصبي أو المجنون شيئًا فإن الدعوى تصح عليه مع البينة واليمين، كالدعوى على الغائب والميت.

стр. 245

الشرط الثالث عشر: أن تكون الدعوى محققة بيّن العلماء أنه لا بد أن تكون الدعوى محققة، فلو قال: أظن أن لي عليه ألفا لا تسمع الدعوى، لتعذر الحكم بالمجهول، لكن صرح العلماء بأن الظن الغالب ينزل منزلة التحقيق١.

стр. 246

حكم الوكالة في الدعوى: تجوز بعوض وبغير عوض اختلاف العلماء فيما لو اتفقا على أجرة إذا كسب القضية ... حكم الوكالة في الدعوى: تجوز بعوض وبغير عوض: بيّن العلماء أنه يجوز التوكيل في الخصومة سواء أكان الموكل رجلا أم امرأة، وللموكل أن يعزل الوكيل إن ظهر منه غش في خصومته، وميل مع المخاصم له، وكما تجوز الوكالة بغير عوض، تجوز أيضًا بعوض، فلو كانت بعوض فهي عقد لازم، ولا يصح لواحد منهما التخلي، ويشترط أن يكون بعوض معلوم، وإلى أجل معلوم، وفي عمل معروف. اختلاف العلماء فيما لو اتفقا على أجرة إذا كسب القضية: واختلف العلماء فيما لو اتفقا على أن له عوضا معلوما إذا أدرك حقه، وإذا لم يحكم القاضي به فليس له شيء؟ ومن يرى جواز هذا الاتفاق يشبهه بالاتفاق مع الطبيب على البرء من المرض، فإن برئ فله كذلك ,وإلا فلا شيء له. وروي عن مالك ﵁ كراهة الجعل على الخصومة بشرط أن لا يأخذ إلا بإدراك الحق؛ لأنها على الشر والمجادلة؛ ولأنها قد تطول ولا ينجز غرض الجاعل فيذهب عمل من قام بالخصومة مجانا. ويروى عنه رواية أخرى بالجواز؛ لأن الضرورة قد تلجئ الناس إلى ذلك١.

стр. 247

الوكالة عن المتهم بدعوى الباطل لا تجوز: وصرح العلماء بأن الوكالة عن المتهم بدعوى الباطل لا تجوز، ولا يجوز شرعا المجادلة عنه. فالوكالة في الخصومة -وهي التي يقوم بها المحامون١ في عصرنا- مشروطة بأن يعمل الوكيل أو يغلب على ظنه أن موكله ليس على باطل، وإلا فلا يجوز له أن يكون وكيلا عنه٢؛ لأن أكل الناس بالباطل -سواء أكان مباشرة أم بالوكيل- لا يجوز شرعا، وليضع المحامون أمامهم الحديث الذي روته السيدة أم سلمة ﵂ زوج رسول الله ﷺ قالت: جاء رجلان يختصمان إلى رسول الله ﷺ في مواريث قد درست ليس بينهما بينة، فقال رسول الله ﷺ : "إنكم تختصمون إلى رسول الله، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له من النار، يأتي بها إسطاما في عنقه يوم القيامة" ٣.

стр. 248

هل يسقط الحق بتقادم الزمان ؟ قرر السرخسي أحد كبار فقهاء الحنفية في كتابه "المبسوط" أن الرجل إذا ترك الدعوى ثلاثا وثلاثين سنة، ولم يكن هناك مانع يمنعه من الدعوى كالغيبة ونحوها، ثم ادعى بعد ذلك لا تسمع دعواه. التعليل لذلك: وعلل لذلك بأن ترك الدعوى كل هذه المدة من غير عذر مع التمكن من إقامتها يدل على عدم الحق في الظاهر، لكن في بعض كتب الحنفية الأخرى، كالأشباه لابن نجيم، أن الحق لا يسقط بتقادم الزمان، ويوضح بعض علمائهم أن عدم سماع الدعوى بعد المدة المذكورة، إنما هو للنهي عنه من السلطان، فيكون القاضي معزولا عن سماعها إلا بأمر، فإذا أمر بسماعها بعد هذه المدة تسمع، وقال إن سبب النهي إرادة قطع الحيل والتزوير. رأي بعض الحنفية ومحاولة التوفيق بين ما قاله السرخسي وبين مبدأ عدم سقوط الحق بالتقادم: لكن بعض الحنفية لم يشترط في حصة الدعوى عدم مضي هذه المدة، وصرح هذا البعض من الحنفية بأن من القضاء الباطل القضاء بسقوط الحق بمضي سنين، وحاولوا أن يوفقوا بين ما قاله السرخسي وبين مبدأ عدم سقوط الحق بالتقادم، فقالوا إن ما في المبسوط لا يخالف هذا المبدأ، فإنه ليس فيه قضاء بالسقوط، وإنما فيه عدم سماع الدعوى١. لكنني أرى أنه سواء أقلنا مع السرخسي بعدم سماع الدعوى إذا تركها صاحبها ثلاثا وثلاثين سنة، أم قلنا بسقوط الحق بمضي هذه السنين أو أقل أو أزيد، فالنتيجة واحدة على كلا القولين وهي سقو الحق؛ لأنه إذا قلنا بعدم سماع الدعوى؛ لأن الحاكم قد أمر بذلك، فإن القضاة يكونون ممنوعين بأمر الحاكم من

стр. 249

سماع الدعوى التي تركها صاحبها سنين معينة، وهذا يؤدي إلى أن المدعي صاحب الحق لن يجد قاضيا يدعي أمامه، فتكون النتيجة لهذا سقوط الحق بالتقادم. ولهذا فإننا نرى أن المالكية كانوا أكثر وضوحا -كما سنعلم قريبا- عندما قرر بعضهم سقوط الحق بمضي سنين معينة، وليس عدم سماع الدعوى فقط. وكذلك وجدنا عند الشافعية أن بعضهم -كالإمام الرملي- أفتى أن الحق إذا مضى عليه خمس عشرة سنة، لا تسمع به الدعوى لمنع ولي الأمر القضاة من ذلك، فلم يجد صاحبه قاضيا يدعيه عنده١. ما يراه المالكية: ونجد المالكية مختلفين، فبعضهم يرى أن الديون الثابتة في الذمة يسقطها مضي عشرين عاما مع حضور رب الدين، وتمكنه من الطلب به، ولا يوجد مانع يمنعه منه، وبعضهم يرى أن الديون تسقط بمضي ثلاثين عاما، إذا كان صاحب الدين أيضا حاضرا، ومتمكنا من الطلب بها، وهذا ما يراه مالك ﵁، ويرى بعضهم عدم سقوطها أصلا، وهذا هو الذي اختاره ابن رشد في البيان، فقد قال: "إذا تقرر الدين في الذمة، وثبت فيها لا يبطل وإن طالب الزمان، وكان ربه حاضرا ساكتا قادرا على الطلب به، لعموم خبر "لا يبطل حق امرئ مسلم وإن قدم"٢.

стр. 250

ما نراه: وأقول: هذا هو الحق الذي يجب أن يصار إليه، وما على القاضي إلا أن يطلب الحجة. من صاحب الحق، فإذا تمكن المدعي من إثبات حقه بوسائل الإثبات المشروعة, كان على القاضي أن يقضي له بحقه، سواء مضت مدة طويلة أم لا، وليس من حق رئيس الدولة أو ولي الأمر أن يمنع القضاة من سماع الدعوى؛ لأن هذا يؤدي إلى أن يأكل الناس أموال غيرهم بالباطل. وأكل أموال الناس بالباطل لا يجوز حتى ولو حكم به الحاكم، يؤيد ذلك قول رسول الله ﷺ : $"إنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قطعت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار" متفق عليه١. لا يصح الأخذ بقرينة وترك الأخذ بالبينة: ومما يدل على عدم سقوط الحق بتقادم الزمان ما روي أن رسول الله -صلى الله عليه سلم- قال: $"لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه" والمدعي قد يكون صاحب حق في الواقع فإذا لم تسمع دعواه، ولو طال الزمان، لكان المدعى عليه آكلا لمال امرئ مسلم بغير طيب من نفسه. لا يجوز إغفال مصلحة المدعي: ومن الضعف أن نأخذ بقرينة ترجح جانب المدعى عليه وتترك الأخذ بالبينة, التي قد تكون في جانب المدعي، فإن القائلين بعدم سماع الدعوى بعد مضي سنين حدودها، قد عللوا لرأيهم هذا بأن ترك الدعوى كل هذه المدة من غير عذر مع التمكن من إقامتها، يدل على أن المدعي ليس له الحق في الظاهر، أي: إن سكوته هذه المدة قرينة على عدم ثبوت حقه ظاهرا، ونقول إن القرينة هنا أضعف من البينة، وإذا كان أصحاب الرأي القائل بعدم سماع الدعوى بمضي سنين معينة، قد راعوا مصلحة المدعى عليه، فقد أغفلوا في الوقت نفسه مصلحة المدعي، الذي قد يكون معه من وسائل الإثبات ما يستطيع بها أن يبين بجلاء حقه المدعى به. أقصى ما يمكن نسبته إلى المدعي هو الإهمال: إن أقصى ما يمكن نسبته إلى المدعي هو الإهمال والتفريط في طلب حقه طوال السنين الماضية، وهل الإهمال والتفريط جريمة كبيرة تستوجب أن يحرم الإنسان من حق يستطيع أن يقيم عليه البينة؟ هل الإهمال والتفريط يستوجب أن يمنع الإنسان حتى من المطالبة بحقه؟
следующие страницы →