حكم الوكالة في الدعوى: تجوز بعوض وبغير عوض
اختلاف العلماء فيما لو اتفقا على أجرة إذا كسب القضية
...
حكم الوكالة في الدعوى: تجوز بعوض وبغير عوض:
بيّن العلماء أنه يجوز التوكيل في الخصومة سواء أكان الموكل رجلا أم امرأة، وللموكل أن يعزل الوكيل إن ظهر منه غش في خصومته، وميل مع المخاصم له، وكما تجوز الوكالة بغير عوض، تجوز أيضًا بعوض، فلو كانت بعوض فهي عقد لازم، ولا يصح لواحد منهما التخلي، ويشترط أن يكون بعوض معلوم، وإلى أجل معلوم، وفي عمل معروف.
اختلاف العلماء فيما لو اتفقا على أجرة إذا كسب القضية:
واختلف العلماء فيما لو اتفقا على أن له عوضا معلوما إذا أدرك حقه، وإذا لم يحكم القاضي به فليس له شيء؟ ومن يرى جواز هذا الاتفاق يشبهه بالاتفاق مع الطبيب على البرء من المرض، فإن برئ فله كذلك ,وإلا فلا شيء له.
وروي عن مالك ﵁ كراهة الجعل على الخصومة بشرط أن لا يأخذ إلا بإدراك الحق؛ لأنها على الشر والمجادلة؛ ولأنها قد تطول ولا ينجز غرض الجاعل فيذهب عمل من قام بالخصومة مجانا.
ويروى عنه رواية أخرى بالجواز؛ لأن الضرورة قد تلجئ الناس إلى ذلك١.
стр. 247
الوكالة عن المتهم بدعوى الباطل لا تجوز:
وصرح العلماء بأن الوكالة عن المتهم بدعوى الباطل لا تجوز، ولا يجوز شرعا المجادلة عنه.
فالوكالة في الخصومة -وهي التي يقوم بها المحامون١ في عصرنا- مشروطة بأن يعمل الوكيل أو يغلب على ظنه أن موكله ليس على باطل، وإلا فلا يجوز له أن يكون وكيلا عنه٢؛ لأن أكل الناس بالباطل -سواء أكان مباشرة أم بالوكيل- لا يجوز شرعا، وليضع المحامون أمامهم الحديث الذي روته السيدة أم سلمة ﵂ زوج رسول الله ﷺ قالت: جاء رجلان يختصمان إلى رسول الله ﷺ في مواريث قد درست ليس بينهما بينة، فقال رسول الله ﷺ : "إنكم تختصمون إلى رسول الله، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له من النار، يأتي بها إسطاما في عنقه يوم القيامة" ٣.
стр. 248
هل يسقط الحق بتقادم الزمان ؟
قرر السرخسي أحد كبار فقهاء الحنفية في كتابه "المبسوط" أن الرجل إذا ترك الدعوى ثلاثا وثلاثين سنة، ولم يكن هناك مانع يمنعه من الدعوى كالغيبة ونحوها، ثم ادعى بعد ذلك لا تسمع دعواه.
التعليل لذلك:
وعلل لذلك بأن ترك الدعوى كل هذه المدة من غير عذر مع التمكن من إقامتها يدل على عدم الحق في الظاهر، لكن في بعض كتب الحنفية الأخرى، كالأشباه لابن نجيم، أن الحق لا يسقط بتقادم الزمان، ويوضح بعض علمائهم أن عدم سماع الدعوى بعد المدة المذكورة، إنما هو للنهي عنه من السلطان، فيكون القاضي معزولا عن سماعها إلا بأمر، فإذا أمر بسماعها بعد هذه المدة تسمع، وقال إن سبب النهي إرادة قطع الحيل والتزوير.
رأي بعض الحنفية ومحاولة التوفيق بين ما قاله السرخسي وبين مبدأ عدم سقوط الحق بالتقادم:
لكن بعض الحنفية لم يشترط في حصة الدعوى عدم مضي هذه المدة، وصرح هذا البعض من الحنفية بأن من القضاء الباطل القضاء بسقوط الحق بمضي سنين، وحاولوا أن يوفقوا بين ما قاله السرخسي وبين مبدأ عدم سقوط الحق بالتقادم، فقالوا إن ما في المبسوط لا يخالف هذا المبدأ، فإنه ليس فيه قضاء بالسقوط، وإنما فيه عدم سماع الدعوى١.
لكنني أرى أنه سواء أقلنا مع السرخسي بعدم سماع الدعوى إذا تركها صاحبها ثلاثا وثلاثين سنة، أم قلنا بسقوط الحق بمضي هذه السنين أو أقل أو أزيد، فالنتيجة واحدة على كلا القولين وهي سقو الحق؛ لأنه إذا قلنا بعدم سماع الدعوى؛ لأن الحاكم قد أمر بذلك، فإن القضاة يكونون ممنوعين بأمر الحاكم من
стр. 249
سماع الدعوى التي تركها صاحبها سنين معينة، وهذا يؤدي إلى أن المدعي صاحب الحق لن يجد قاضيا يدعي أمامه، فتكون النتيجة لهذا سقوط الحق بالتقادم.
ولهذا فإننا نرى أن المالكية كانوا أكثر وضوحا -كما سنعلم قريبا- عندما قرر بعضهم سقوط الحق بمضي سنين معينة، وليس عدم سماع الدعوى فقط.
وكذلك وجدنا عند الشافعية أن بعضهم -كالإمام الرملي- أفتى أن الحق إذا مضى عليه خمس عشرة سنة، لا تسمع به الدعوى لمنع ولي الأمر القضاة من ذلك، فلم يجد صاحبه قاضيا يدعيه عنده١.
ما يراه المالكية:
ونجد المالكية مختلفين، فبعضهم يرى أن الديون الثابتة في الذمة يسقطها مضي عشرين عاما مع حضور رب الدين، وتمكنه من الطلب به، ولا يوجد مانع يمنعه منه، وبعضهم يرى أن الديون تسقط بمضي ثلاثين عاما، إذا كان صاحب الدين أيضا حاضرا، ومتمكنا من الطلب بها، وهذا ما يراه مالك ﵁، ويرى بعضهم عدم سقوطها أصلا، وهذا هو الذي اختاره ابن رشد في البيان، فقد قال: "إذا تقرر الدين في الذمة، وثبت فيها لا يبطل وإن طالب الزمان، وكان ربه حاضرا ساكتا قادرا على الطلب به، لعموم خبر "لا يبطل حق امرئ مسلم وإن قدم"٢.
стр. 250
ما نراه:
وأقول: هذا هو الحق الذي يجب أن يصار إليه، وما على القاضي إلا أن يطلب الحجة.
من صاحب الحق، فإذا تمكن المدعي من إثبات حقه بوسائل الإثبات المشروعة, كان على القاضي أن يقضي له بحقه، سواء مضت مدة طويلة أم لا، وليس من حق رئيس الدولة أو ولي الأمر أن يمنع القضاة من سماع الدعوى؛ لأن هذا يؤدي إلى أن يأكل الناس أموال غيرهم بالباطل. وأكل أموال الناس بالباطل لا يجوز حتى ولو حكم به الحاكم، يؤيد ذلك قول رسول الله ﷺ : $"إنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قطعت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار" متفق عليه١.
لا يصح الأخذ بقرينة وترك الأخذ بالبينة:
ومما يدل على عدم سقوط الحق بتقادم الزمان ما روي أن رسول الله -صلى الله عليه سلم- قال: $"لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه" والمدعي قد يكون صاحب حق في الواقع فإذا لم تسمع دعواه، ولو طال الزمان، لكان المدعى عليه آكلا لمال امرئ مسلم بغير طيب من نفسه.
لا يجوز إغفال مصلحة المدعي:
ومن الضعف أن نأخذ بقرينة ترجح جانب المدعى عليه وتترك الأخذ بالبينة, التي قد تكون في جانب المدعي، فإن القائلين بعدم سماع الدعوى بعد مضي سنين حدودها، قد عللوا لرأيهم هذا بأن ترك الدعوى كل هذه المدة من غير عذر مع التمكن من إقامتها، يدل على أن المدعي ليس له الحق في الظاهر، أي: إن سكوته هذه المدة قرينة على عدم ثبوت حقه ظاهرا، ونقول إن القرينة هنا أضعف من البينة، وإذا كان أصحاب الرأي القائل بعدم سماع الدعوى بمضي سنين معينة، قد راعوا مصلحة المدعى عليه، فقد أغفلوا في الوقت نفسه مصلحة المدعي، الذي قد يكون معه من وسائل الإثبات ما يستطيع بها أن يبين بجلاء حقه المدعى به.
أقصى ما يمكن نسبته إلى المدعي هو الإهمال:
إن أقصى ما يمكن نسبته إلى المدعي هو الإهمال والتفريط في طلب حقه طوال السنين الماضية، وهل الإهمال والتفريط جريمة كبيرة تستوجب أن يحرم الإنسان من حق يستطيع أن يقيم عليه البينة؟ هل الإهمال والتفريط يستوجب أن يمنع الإنسان حتى من المطالبة بحقه؟
стр. 251
نظام الفصل في الدعوى
خطاب عمر لأبي موسى الأشعري
...
نظام الفصل في الدعوى:
تمهيد:
نحب قبل بيان نظام الفصل في الدعوى أن نذكر كتاب عمر ﵁ إلى أبي موسى الأشعري، ففيه آداب جليلة للقضاة، وبيان لصفة الحكم وكيفية الاجتهاد واستنباط القياس، كتب عمر يقول:
خطاب عمر لأبي موسى الأشعري:
"أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فعليك بالعقل والفهم وكثرة الذكر، فافهم إذا أدلى إليك الرجل الحجة، فاقض إذا فهمت، وامض إذا قضيت، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، آس بين الناس في وجهك ومجلسك، وقضائك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك، البينة على المدعي، واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل
стр. 252
حراما، أو حرم حلالا، ومن ادعى حقا غائبا أو بينة فاضرب له أمدا ينتهي إليه، فإن جاء ببينة أعطيته حقه وإلا استحللت عليه القضية، فإن ذلك أبلغ للعذر وأجلى للعمى، ولا يمنعك قضاء قضيت فيه اليوم فرجعت فيه عقلك، وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك مما ليس في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ثم اعرف الأشباه والأمثال، وقس الأمور عند ذلك، واعمد إلى أقربها إلى الله تعالى، وأشبهها بالحق، المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد، أو مجربا عليه شهادة زور، أو ظنينا في ولاء، أو نسب، أو قرابة، فإن الله تعالى تولى منكم السرائر، وادرأ بالبينات والأيمان، وإياك والغضب، والقلق، والضجر، والتأذي بالناس عند الخصومة، والتنكر عند الخصومات، فإن القضاء عند مواطن الحق يوجب الله تعالى به الأجر، ويحسن به الذكر، فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله تعالى ما بينه وبين الناس، ومن تخلق للناس بما ليس في قلبه شانه الله تعالى، فإن الله تعالى لا يقبل من العباد إلا ما كان خالصا فما ظنك بثواب من الله في عاجل زرقة وخزائن رحمته، والسلام" ا. هـ١.
بعد ذلك نقول: إذا صحت الدعوى بتوفر الشروط المطلوب فيها، فإن على القاضي أن يسأل الخصم "المدعى عليه" عنها، كأن يقول: خصمك ادعى عليك كذا وكذا، فماذا تقول؟ فإذا أقر المدعى عليه حكم القاضي عليه بإقراره، وإن أنكر، سأل القاضي المدعي البينة في دعواه، فإن أقامها يحكم القاضي على خصمه، وإذا لم يقم البينة قام القاضي بتحليف الخصم "المدعى عليه" إن طلب المدعي تحليفه؛ لأنه حقه، فإن رسول الله ﷺ روي عنه أنه قال
стр. 253
للمدعي: "ألك بينة"؟ فقال: لا فقال: "فلك يمينه"، فقال: يحلف ولا يبالي، فقال ﷺ : "ليس لك إلا هذا، شاهداك أو يمينه".
دليل على أن اليمين حق للمدعي لا للقاضي:
فهذا يدل -كما قال العلماء- على أن اليمين حق للمدعي لا للقاضي، لأن الرسول ﷺ أضاف اليمين إلى المدعي بلام التمليك.
ولا يصح للقاضي أن يحلف المدعى عليه إلا بعد أن يطلب المدعي تحليفه؛ لأنه حق له فلا يستوفيه بدون إذنه، فلو حلفه القاضي قبل طلب المدعي فلا يعتد باليمين؛ لأنها يمين قبل وقتها، وللمدعي الحق في أن يطالب بإعادتها؛ لأن اليمين الأول لم تكن يمينه.
اليمين توجه إلى كل من ادعي عليه حق:
جمهور العلماء من سلف الأمة وخلفها، ومنهم الشافعي ﵃ جميعا، يرون أن اليمين تتوجه على كل من ادعى عليه حق، سواء أكان بينه وبين المدعي اختلاط أم لا.
ويرى مالك وجمهور أصحابه، والفقهاء السبعة١، فقهاء المدينة أن اليمين
стр. 254
لا تتوجه إلا على الشخص الذي ثبت أن بينه وبين المدعي خلطة، لئلا يبتذل السفهاء أهل الفضل، بتحليفهم مرارا في اليوم الواحد، فاشترطت الخلطة حتى تدفع هذه المفسدة.
وقال المؤيدون لهذا الرأي أيضًا: قد ثبت وتقرر أن الإقدام على اليمين يصعب على كثير من الناس، سيما على أهل الدين، وذوي المراتب والأقدار، وهذا أمر معتاد بين الناس على مر الأعصار، لا يمكن جحده، وكذلك روي عن جماعة من الصحابة أنهم افتدوا من أيمانهم، منهم عثمان وابن مسعود، وغيرهما، وإنما فعلوا ذلك لمروءتهم، ولئلا يبقى للظلمة إليهم إذا حلفوا -ممن يعادي الحالف، ويحب الطعن عليه- طريق إلى ذلك.
وبعض فقهاء المالكية يرى أنه لا تشترط الخلطة في تحليف المدعى عليه، وأن القول باشتراط الخلطة قول ضعيف، وجرى العمل في المذهب المالكي على الرأي القائل بعدم اشتراط الخلطة١.
وعلى القول الذي يذهب إلى اشتراط ثبوت الخلطة، هل يشترط تعدد العدول في إثباتها؟ هنا أيضا رأيان عند من يرى ثبوت الخلطة: أحدهما أنه تثبت الخلطة بعدل واحد، ولو كان امرأة، لكن بعض فقهاء المالكية بيّن أن هذا الرأي ضعيف٢.
ومع أن المالكية -كما بينا- مختلفون في اشتراط ثبوت الخلطة، في تحليف
стр. 255
المدعى عليه فإنهم متفقون على أن هناك ثمان مسائل تتوجه فيها اليمين, وإن لم يثبت خلطة.
الأولى: الصانع إذا ادعي عليه بما له فيه صنعة، فتتوجه عليه اليمين ولو لم تثبت خلطة بينهما، وعللوا لهذا بأنه لما نصب نفسه للناس فإن هذا التنصيب في معنى الخلطة، وكذلك يعطى نفس الحكم التاجر ينصب نفسه للبيع والشراء.
الثانية: المتهم بين الناس يدعى عليه بسرقة أو غصب، فتتوجه عليه اليمين ولو لم تثبت خلطة. وهذا في الشخص محل الاتهام بين الناس، وأما الشخص مجهول الحال فيه رأيان عند المالكية.
الثالثة: الضيف إذا ادعى، أو يدعى عليه.
الرابعة: الدعوى في شيء معين، كثوب بعينة.
الخامسة: الوديعة على أهلها، بأن يكون المدعي ممن يملك تلك الوديعة والمدعى عليه ممن يودع عنده مثلها، والحال يقتضي الإيداع كالسفر والغربة.
السادسة: المسافر إذا ادعى على رفقته.
السابعة: المريض إذا ادعى في مرض موته على غيره بدين مثلا.
الثامنة: البائع إذا ادعى على شخص حاضرا المزايدة أنه اشترى سلعته بكذا وهذا الشخص الحاضر ينكر الشراء١.
معنى الخلطة:
اختلف العلماء في تفسير الخلطة، فيرى البعض أن معناها أن يكون معروفا معاملته ومداينته، وقيل: تكفي الشبهة، وقيل أن يليق بالمدعي أن يدعي بمثل هذه
стр. 256
الدعوى على مثل المدعى عليه، وقيل أن يليق بالمدعي أن يعامل المدعى عليه بمثل هذه الدعوى.
والواقع أن جمهور العلماء لهم دليل قوي واضح هو القاعدة التي بينها حديث رسول الله ﷺ : "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر" وغير هذا من الأحاديث التي تدور حول هذا المعنى.
وأما الرأي الذي يشترط الخلطة فلا يستند إلى أصل من كتاب أو أو سنة، أو إجماع، ومصلحة المدعي أقوى من دفع مفسدة المدعى عليه بابتذال الأراذل للأكابر وتحليفهم، فقدمت الأولى على الثانية لقوتها.
ويمكن أن نقول: إنه إذا ثبت أن المدعي يريد ابتذال الأكابر وتحليفهم فإنه يعاقبه القاضي، ويبقى الأصل العام وهو: البينة على المدعي واليمين على من أنكر.
نكول المدعى عليه:
النكول في اللغة مصدر للفعل "نكل" ومعناه: نكص، أي: رجع عن شيء قاله، أو عدو قاومه، أو شهادة أراد أداءها، أو يمين وجبت عليه.
والنكول نوعان، حقيقي، وهو أن يقول: لا أحلف، وحكمي وهو أن يمتنع عن اليمين.
والامتناع عن اليمين يعد نكولا حكما إذا عرف أنه ليس في لسانه آفة تمنعه
стр. 257
عن اليمين، أو في أذنه ما يمنع سماع كلام القاضي.
وقد بيّن العلماء أنه بامتناعه عن اليمين مرة يعد ناكلا، لكن من المستحب للقاضي أن يعرض اليمين عليه ثلاث مرات، ويشترط في النكول أن يكون مجلس القاضي١.
بعد هذا نقول: إذا نكل المدعى عليه عن اليمين -في قضايا الأموال- بعد أن طلبها القاضي منه فما الحكم؟
اختلف العلماء في هذا على الصورة الآتية:
الرأي الأول: إذا لم يحلف المدعى عليه حكم القاضي عليه بنفس النكول, ولا ترد اليمين على المدعي، وذلك في قضايا الأموال.
وهذا الرأي ما اختاره فقهاء الحنابلة، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.
الرأي الثاني: إذا نكل المدعى عليه لا يقضي القاضي عليه بالنكول، بل ترد اليمين على المدعي، فإن حلف المدعي قضى له القاضي، فيستحق المدعى به بيمينه، لا بنكول خصمه، وإن لم يحلف المدعي صرفهما القاضي.
وهذا مذهب الشافعي، ومالك، وصوبه أحمد، وبه قال الأوزاعي، وشريح وابن سيرين، وهو مروي عن ابن عمر، وعلي، والمقداد بن الأسود وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ﵃.
الرأي الثالث: لا يقضي بالنكول، ولا بالرد، ولكن يحبس المدعى عليه حتى يجيب إما بإقرار، أو إنكار يحلف معه.
وهذا قول في مذهب أحمد، وأحد رأيين لفقهاء الشافعية، وقول ابن أبي ليلى.
стр. 258
أدلة الأراء
مدخل
...
أدلة الآراء:
أدلة الرأي الأول:
استدل للرأي الأول القائل بأنه إذا نكل المدعى عليه حكم القاضي بنفس النكول، بالأدلة الآتية:
أولا: ما رواه أبو عبيد بسنده عن سالم بن عبد الله أن أباه -عبد الله بن عمر- باع عبدا له بثمانمائة درهم بالبراءة، "أي: من العيوب" ثم إن صاحب العبد خاصم فيه ابن عمر إلى عثمان بن عفان، فقال عثمان لابن عمر: احلف بالله لقد بعته وما به داء تعلمه، فأبى ابن عمر أن يحلف، فرد عليه العبد".
ثانيا: قول النبي ﷺ : "اليمين على المدعى عليه" فاليمين محصورة في جانب المدعى عليه، فلم تشرع لغيره.
أدلة الرأي الثاني:
أما الرأي الثاني القائل بأنه لا يقضي بالنكول بل ترد اليمين على المدعي، فإن حلف قضى له، وإلا صرفهما، فقد استدل له بما يأتي:
أولا: ما رواه الدارقطني من حديث نافع عن ابن عمر "أن رسول الله ﷺ رد اليمين على طالب الحق".
ثانيا: ما روي أن المقداد اقترض عن عثمان مالا، فقال عثمان: هو سبعة
стр. 259
آلاف، وقال المقداد: هو أربعة آلاف، فقال المقداد لعثمان: احلف أنه سبعة آلاف، فقال له عمر: أنصفك، فأبى أن يحلف فقال عمر: خذ ما أعطاك.
ثالثا: ما رواه البيهقي عن علي قال: "اليمين مع الشاهد، فإن لم تكن له بينة فاليمين على المدعى عليه، إذا كان قد خالطه، فإن نكل حلف المدعي".
رابعًا: ما روي عن سالم بن غيلان التجيبي، أن رسول الله -صلى اله عليه وسلم- قال: "من كانت له طلبة عند أحد، فعليه البينة، والمطلوب أولى باليمين، فإن نكل حلف الطالب وأخذ".
لكن أجيب عن هذا الحديث بأنه مرسل١.
خامسا: أن الشارع شرع اليمين مع الشاهد الواحد، فقد روى مسلم في صحيحه، من حديث عمرو بن دينار، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ قضى بشاهد ويمين" قال عمرو: في الأموال.
стр. 260
فلم يكتف في جانب المدعي بالشاهد الواحد بل أتى باليمين تقوية لشاهده، وإذا كان شاهد المدعي قد قوي باليمين فإن نكول المدعى عليه أضعف من شاهد المدعي, فهو أولى بأن يقوى بيمين الطالب؛ لأن النكول ليس بينة من المدعى عليه، ولا إقرارا، وهو حجة ضعيفة، فلم يقو على الاستقلال بالحكم، فإذا حلف معها المدعي قوي حانبه، فاجتمع النكول من المدعى عليه واليمين من المدعي، فقاما مقام الشاهدين، أو الشاهد، أو الشاهد واليمين.
قالوا: ولهذا لم يحكم على المرأة في اللعان بمجرد نكولها دون يمين الزوج، فإذا حلف الزوج، ونكلت عن اليمين، حكم عليها: إما بالحبس حتى تقر بالزنا أو تلاعن كما يقول أحمد وأبو حنيفة، وإما بالحد كما يقول مالك والشافعي.
دليل الرأي الثالث:
وأما الرأي الثالث القائل بأنه لا يقضي بالنكول ولا بالرد، ولكن يحبس المدعى عليه حتى يجيب بإقرار أو إنكار يحلف معه، فقد احتج له بأن المدعى عليه قد وجب عليه أحد الأمرين: إما الإقرار، وإما الإنكار، فإذا امتنع من أداء الواجب عليه عوقب بالحبس ونحوه حتى يؤديه، قالوا: وكل من عليه حق فامتنع عن أدائه فهذا سبيله.
وأما الآخرون فقد فرقوا بين الموضعين وقالوا: لو ترك المدعي ونكوله لأدى هذا إلى أن تضيع حقوق؛ لأن المدعى عليه من الممكن أن يصبر على الحبس، فإذا نكل عن اليمين ضعف جانب المرأة الأصلية فيه وقوي جانب المدعي فقوي باليمين١.
إذا نكل المدعي أيضا:
بيَّنّا فيما سبق أن بعض العلماء يرى أنه إذا نكل المدعى عليه أن اليمين ترد على المدعي، فإن حلف قضى القاضي له، والسؤال الآن ما هو الحكم -على هذا الرأي- لو نكل المدعي أيضا عن اليمين؟ أجاب أصحاب هذا الرأي بأنه لو نكل المدعي أيضًا صرفهما القاضي٢.
стр. 261
يكفي في اليمين الحلف بالله، أو صفة من صفاته:
إذا اقتصر القاضي على الإحلاف بالله تعالى كان هذا كافيا، قال ﷺ : "من كان حالفا فليحلف بالله أو ليذر" وكذلك لو كان اليمين بصفة من صفاته كقول الحالف: وعزة الله، وعظمة الله، كان هذا كافيا.
وشدد بعض فقهاء الشافعية فقال: بأنه لا بد من أن يغلظ اليمين بذكر أوصاف الله ، كأن يقول مثلا: والله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
وقالوا في التعليل لهذا: ليخرج بها من عادة الناس في معهود أيمانهم مما يكثرونه في كلامهم من لغو اليمين، لكن يرى البعض الآخر أن التغليظ مستحب وليس بلازم.
وفي الفقه الحنفي نجد بعض فقهائه يبينون أن اليمين يكفي فيها الحلف بالله تعالى، وللقاضي أن يغلظ اليمين إن شاء؛ لأن أحوال الناس شتى، فمنهم من يمتنع عن اليمين بالتغليظ، ويتجاسر عند عدمه، فيغلظ له اليمين لعله يمتنع بذلك.
وقيل: لا تغلظ اليمين على الذي عرف بالصلاح، وتغلظ على غيره، وقيل: تغلظ على الخطير من المال دون الحقير١.
стр. 262
تغليظ الحلف بالمكان والزمان:
العلماء مختلفون في تغليظ الحلف بالمكان والزمان هل يجوز للحاكم أم لا؟ على أربعة آراء:
الرأي الأول: ما يراه جمهور العلماء، وهو وجوب التغليظ في الزمان والمكان، وعندهم أن التغليظ على الحالف إذا كان في المدينة أن يكون الحلف على المنبر، وإذا كان الحالف في مكة فالتغليظ عليه أن يحلف بين الركن والمقام، وأما في غير مكة والمدينة فالتغليظ يكون فيها المسجد الجامع.
هذا ما يختص بالتغليظ بالمكان عند الجمهور، وأما التغليظ في الزمان فكأنهم يقولون ينظر إلى الأوقات الفاضلة، مثل: بعد العصر، وليلة الجمعة، ويومها وما ماثل هذا.
الرأي الثاني: لا تغليظ في الزمان ولا في المكان، وهذا ما يراه الحنفية والحنابلة، والهادوية من فقهاء الزيدية، قال أصحاب هذا الرأي: ولا يجب على الحالف أن يجيب الحاكم إلى ذلك.
стр. 263
الرأي الثالث: تغليظ الحلف بالمكان والزمان مستحب وليس واجبا، وهو ما يراه بعض العلماء.
الرأي الرابع: أن هذا متروك للحاكم واجتهاده، فإذا رأى أن التغليظ بالزمان أو المكان حسن ألزم الشخص به، وإلا تركه.
ما استدل به الجمهور:
استدل الجمهور بما يأتي:
أولا: ما رواه جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من حلف على منبري هذا بيمين آثمة تبوأ مقعده من النار" رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي وصححه ابن حبان.
ثانيا: ما روي أن عمر، وعثمان، وابن عباس، وغيرهم من السلف فعلوا ذلك.
ثالثا: استدلوا للتغليظ بالزمن بقوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ﴾ قال المفسرون: هي صلاة العصر.
ما استدل به الحنفية ومن معهم:
استدل الحنفية ومن وافقهم بإطلاق أحاديث: "اليمين على المدعى عليه"
стр. 264
وبقوله ﷺ : "شاهداك أو يمينه" ١.
هذا، ولم أطلع على دليل للرأيين الثالث والرابع.
الكافر يحلف أيضا:
بيّن العلماء أن الكافر يحلف أيضًا وهذا يدل على عظم اليمين، وعظم الجرم عند الحديث فيها، يقول الصنعاني أحد كبار علماء الحديث والفقه عن اليمين: "يعظم شأنها، فإنها إشهاد لله سبحانه أن الحقيقة كما يقول، ولو كان الأمر على خلاف الدعوى لكان مفتريا على الله أنه يعلم صدقه، فلما كانت بهذه المنزلة العظيمة هابها المؤمن بإيمانه وعظمة شأن الله عنده أن يحلف كاذبا، وهابها الفاجر لما يراه من تعجيل عقوبة الله لمن حلف يمينا فاجرة"٢ ا. هـ.
فليحذر المسلمون الذين يتجرءون على الحنث بالأيمان أن يصيبهم غضب الله تعالى، والأصل في هذا ما روي أن رسول الله ﷺ ، حلّف ابن صوريا، اليهودي على حكم الزنا في التوراة، فقال له ﷺ : "أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى".
تغليظ اليمين على غير المسلمين:
وتغليظ اليمين على اليهودي -كما قال العلماء- أن يحلفه القاضي بالله الذي أنزل التوراة على موسى ونجاه من الغرق، وتغليظها على النصراني بأن يحلفه بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، وتغليظها على المجوسي والوثني بأن يحلفه بالله الذي خلقه وصوره.
стр. 265
هل يحلف القاضي من لا يعتقد بوجود الله تعالى:
بيّن العلماء أن القاضي يحلّف الدهري أيضا, وهو من لا يعتقد خالقا ولا معبودا، كالشيوعيين، فيحلفه بالله الخالق الرازق، وأجابوا على سؤال يمكن أن يثار هنا، وهو أن الدهري لا ينزجر باليمين فلما فائدة تحليفه؟ قالوا: إن في تحليفه فائدتين:
إحداهما: إجراء حكم المسلمين عليهم، فالله ﵎ يقول: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ .
الثانية: أن يزداد بهذا اليمين إثما، ويدركه شؤمها، فربما يتعجل بها انتقام الله عز وجل١، وقد روي أن رسول الله ﷺ قال: "يمين الغموس تدع الديار بلاقع" ٢. وهو حديث رواه أبو حنيفة من حديث أبي هريرة، ولفظه "تذر" بدل "تدع"، وأخرجه أبو داود، والبيهقي وقالا عنه: إنه مشهور بالإرسال، ورواه عبد الرزاق مرسلان ومعضلا٣.
стр. 266
تعتبر في اليمين نية القاضي:
قال العلماء إن نية القاضي المستحلف للخصم هي التي تعتبر، سواء أكان الخصم موافقا للقاضي في مذهبه أم لا، لحديث: "اليمين على نية المستحلف". وفي رواية أخرى أن رسول الله ﷺ قال: "يمينك على ما يصدقك به صاحبك"، فهذا دليل على أن اليمين على نية الذي يقوم بالتحليف ولا ينفع فيها نية الحالف إذا كان ينوي بها نية أخرى تخالف ما أظهره١. رواه الإمام مسلم٢.
والمعنى في هذا أنه لو كانت نية الحلف هي المعتبرة لأدى ذلك إلى بطلان فائدة الأيمان وضاعت الحقوق؛ لأن كل واحد يحلف على ما يقصده هو لا ما يقصده القاضي، فلو ادعى مثلا حنفي على شافعي شفعة الجوار -والقاضي يعتقد أن للجار حق الشفعة كما هو مذهب الحنفية- فليس للمدعى عليه أن يحلف على أنه غير مستحق لها عملا باعتقاده هو؛ لأنه شافعي، والشافعية يرون أن الشفعة للشريك فقط لا للجار، بل يجب عليه اتباع القاضي.
وعلى هذا فلو ورى الحالف في يمينه بأن قصد خلاف ظاهر اللفظ عند تحليفه، كقوله والله لا يستحق علي دينارا ولا درهما ولا أقل من ذلك ولا أكثر، وكان يقصد دينارا ودرهما لدولة أخرى غير الدولة التي تعاملا بدنانيرها أو دراهمها، أو تأول بأن اعتقد الحالف خلاف نية القاضي كحنفي حلف شافعيا على شفعة الجوار، فحلف الشافعي أنه لا يستحقها عليه، فإن ذلك لا يدفع إثم اليمين الفاجرة؛ لأن اليمين إنما شرعت لكي يهاب الخصم الإقدام عليها خوفا من الله ﵎، فلو صح تأويله لأدى ذلك إلى بطلان هذه الفائدة؛ لأن كل شيء
стр. 267
قابل للتأويل في اللغة.
وبيّن العلماء أن إثم الحالف إذا فعل هذا مقيد بأمرين:
الأمر الأول: أن يكون الحلف بالله تعالى، فإن كان القاضي قد حلفه بالطلاق أو العتاق، لحلف وورى نفعته التورية، وإن كانت حراما؛ لأنه يبطل بها حق المستحق، لأن القاضي ليس له حق التحليف بالطلاق والعتاق كما يرى ذلك النووي من فقهاء الشافعية المشهورين والمحدثين.
الأمر الثاني: أن لا يكون خصمه ظالما في نفس الأمر، ومثل العلماء لهذا بما لو كان عنده وديعة لإنسان، فأراد ظالم أخذ هذه الوديعة منه، فأنكر أن عنده وديعة، فإن اكتفى الظالم بيمينه قال العلماء فليحلف ولا إثم عليه١.
لا يستحلف القاضي أحدا بالطلاق:
قال الماوردي أحد كبار فقهاء الشافعية وغيره إنه لا يجوز للقاضي أن يحلف أحدا بطلاق، أو عتق، أو نذر، وقال الشافعي ﵁: متى بلغ الإمام "رئيس الدولة" أن قاضيا يستحلف الناس بطلاق، أو عتق، أو نذر عزله عن الحكم؛ لأنه جاهل، وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحدا من أهل العلم يرى الاستحلاف بذلك٢.
فوائد اليمين:
لليمين عدة فوائد، منها:
стр. 268
١- تخويف المدعى عليه سوء عاقبة الحلف الكاذب، فيحمله ذلك على الإقرار بالحق.
٢- القضاء عليه إذا نكل عنها.
٣- انقطاع الخصومة والمطالبة في الحال، وتخليص كل من الخصمين من ملازمة الآخر.
اليمين لا تسقط الحق:
ولكن اليمين لا تسقط الحق، ولا تبرئ الذمة، لا باطنا ولا ظاهرا، أي: لا بينه وبين الله ﵎، ولا أمام القضاء لما رواه أبو داود، والنسائي، والحاكم عن ابن عباس "أن النبي ﷺ أمر رجلا بعد ما حلف بالخروج من حق صاحبه" كأنه ﷺ علم كذبه، فلو أقام المدعي بينة بعد حلف المدعى عليه سمعت وقضى القاضي بها لقوله ﷺ : "البينة العادلة أحق من اليمين الفاجرة" رواه البخاري.
٤- إثبات الحق بها إذا ردت على المدعي، أو أقام شاهدا واحدا كما يرى ذلك بعض العلماء.
٥- تعجيل عقوبة الكاذب المنكر لما عليه من الحق في الدنيا، فإن اليمين الغموس تدع الديار بلاقع١، فيشتفي المظلوم بذلك عوض ما ظلمه بإضاعة حقه٢.
стр. 269
ما يصح الاستحلاف فيه وما لا يصح:
تنقسم الحقوق إلى قسمين:
القسم الأول: حقوق الله تعالى.
القسم الثاني: حقوق الآدميين.
وتنقسم حقوق الله تعالى إلى قسمين:
أحدهما: الحدود، أي: العقوبات المقدرة حقا لله تعالى، وهذا القسم تشرع فيه اليمين، قال ابن قدامة، لا نعلم في هذا خلافا؛ لأن المطلوب في الحدود الستر، والتعريض لمن أقر بها لكي يرجع عن إقراره، كما عرض رسول الله ﷺ لماعز عندما جاءه واعترف بالزنا، فيكون عدم الاستحلاف فيها أولى.
أي: إنه إذا كان من الجائز صحة رجوع المقر عن إقراره في الحدود، فيكون أولى عدم استحلاف من لم يقم عله بينة ولم يحصل منه إقرار.
القسم الثاني: الحقوق المالية، كدعوى الزكاة على رب المال، وأن الحول قد تم وكمل النصاب، ففي هذه اختلف العلماء، فيرى أحمد بن حنبل أن القول قول رب المال من غير يمين، ولا يستحلف الناس على صدقاتهم؛ لأنها حق الله فأشبهت الحدود؛ ولأن ذلك عبادة فلا يستحلف عليها كالصلاة.
ويرى الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد استحلاف رب المال؛ لأنها دعوى مسموعة أشبه بحق الآدمي، وبما أن حقوق الآدميين يجري فيها الاستحلاف فكذلك الزكاة.
إذا تضمنت الدعوى في الحدود حقا لآدمي:
وبين العلماء أن الدعوى في الحدود إذا تضمنت حقا للآدمي، كما لو ادعي عليه سرقة ماله ليضمن السارق أن يأخذ منه ما سرقه، أو ادعي عليه الزنا بجاريته ليأخذ منه مهرها، فإن الدعوى تسمع ويستحلف المدعى عليه لحق الآدمي دون حق الله تعالى.
فإذا ادعي على شخص سرقة مال ولا توجد بينة، فإن القاضي يوجه اليمين إلى المتهم بالسرقة فإذا لم يحلف ثبت عليه المال المسروق صيانة لحق الإنسان، ولم يثبت حد السرقة؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، وهي أيضًا مبنية على الستر.
وكذلك لو ادعي على شخص أنه زنا بجارية ولا توجد بينة، فإن القاضي يطالبه باليمين، فإذا امتنع من اليمين ألزمه القاضي بمهر الجارية، ولم يثبت حد الزنا لدرء الحدود بالشبهات؛ ولأنها مبنية على الستر كما بينا.
стр. 270
أقسام حقوق الآدميين:
وتنقسم حدود الآدمي أيضًا إلى قسمين:
أحدهما: ما هو مال، أو المقصود منه المال، وهذا القسم تشرع فيه اليمين باتفاق العلماء، فإذا لم يكن مع المدعي بينة حلف المدعى عليه وبرئ، لعموم قول النبي ﷺ : "ولكن اليمين على المدعى عليه" وقد ثبت هذا في قصة الحضرمي والكندي اللذين اختلفا في الأرض.
القسم الثاني: ما ليس بمال ولا المقصود منه المال، وهو كل ما لا يثبت إلا بشاهدين رجلين، كالقصاص، وحد القذف، والزواج، والطلاق، والرجعة،
стр. 271
والعتق، والنسب، والاستيلاد١، والولاء٢، والرق، وهذا القسم مختلف فيه على رأيين:
الرأي الأول: يرى مالك أن المدعى عليه في هذا القسم من الحقوق لا يستحلف، ولا تعرض عليه اليمين، وهذا ما يراه أحمد أيضًا في روايتين عنه، قال أحمد: لم أسمع من مضى جوزوا الأيمان إلا في الأموال والعروض خاصة، ونحوه قاله أبو حنيفة، فقد نقل عنه قوله: لا يستحلف في النكاح وما يتعلق به من دعوى الرجعة، والفيئة في الإيلاء، ولا في الرق وما يتعلق به من الاستيلاد، والولاء، والنسب.
وقد علل لهذا الرأي بما يأتي:
أولا: هذه الأشياء لا يدخلها البدل، واليمين إنما تكون فيما يدخله البدل، فإن المدعى عليه مخير بين أن يحلف أو يُسَلِّم.
ثانيا: هذه الأشياء لا تثبت إلا بشاهدين رجلين، فلا تصح فيها اليمين كالحدود.
الرأي الثاني: يرى الشافعي، وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة أنه يستحلف في كل حق لآدمي، وهذا أيضًا رأي مخرج في فقه الحنابلة، وتوجد
стр. 272
رواية أحمد أنه يستحلف في الطلاق، والقصاص، والقذف.
وقد استند هذا الرأي إلى ما يأتي:
أولا: ما روي أن رسول الله ﷺ قال: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه" متفق عليه١.
وهذا عام في كل مدعى عليه، وهو ظاهر في دعوى الدماء لذكرها في الدعوى.
ثانيا: هذه دعوى صحيحة في حق لآدمي، فصح أن يحلف فيها المدعى عليه كدعوى المال٢.
يستحب للقاضي أن يأمر الخصمين بالصلح:
قال العلماء إذا اتضح الحكم للقاضي بين الخصمين فالمستحب أن يأمرهما بالصلح؛ لأن ذلك يقلل ما في نفسيهما من العداوة، فإذا لم يرضيا بالصلح لزمه أن يحكم بينهما٣.
стр. 273
الفصل الثالث: وسائل الإثبات
مدخل
...
الفصل الثالث: وسائل الإثبات
وسائل الإثبات متعددة:
وسائل الإثبات متعددة, بعضها متفق عليه بين العلماء، وبعضها مختلف فيه، وسنتكلم -إن شاء الله تعالى- عن هذه الوسائل، مبينين آراء العلماء في الوسائل المختلف فيها، وما تستند إليه هذه الآراء. ونرجح ما نراه مستحقا للترجيح إن ظهر لنا وجه للترجيح.
هل وسائل الإثبات محصورة في عدد معين؟
وقبل أن نتكلم عن هذه الوسائل نحب أن نبين أن بعض العلماء يحصر طرق القضاء، أي: الأدلة المثبتة للدعوى أو الحجج الشرعية، في عدد معين وهم جمهور العلماء، والبعض الآخر -كابن القيم- يرى أن أدلة إثبات الدعوى ليست محصورة في عدد معين.
ومع أن الجمهور يرون أن أدلة إثبات الدعوى محصورة فإنهم مختلفون في العدد الذي تنحصر فيه هذه الأدلة، فبعضهم حصرها في سبع، وهي البينة والإقرار واليمين، والنكول عن اليمين، والقسامة، وعلم القاضي، والقرينة القاطعة، وأدرجوا فيها القيافة, ومنهم من حصرها في ست، وهي البينة، والإقرار، واليمين والنكول عن اليمين، والقسامة، وعلم القاضي، ولا يرى هذا البعض أن القرينة القاطعة تعد وسيلة من وسائل الإثبات، نظرا لما فيها من احتمال عدم الدلالة.
ومن العلماء من حصرها في ثلاث، وهي البينة، واليمين، والنكول عن اليمين، ولم يعدوا الإقرار في الأدلة المثبتة للدعوى، ملاحظين أن الإقرار موجب للحق نفسه، وليس طريقا للحكم؛ لأن الحكم فصل الخصومة، ولا توجد خصومة
стр. 274
مع وجود الإقرار، وكذلك لم يعدوا القسامة طريقا بين طرق القضاء أي: دليلا مثبتا للدعوى، لأنها تدخل في اليمين؛ لأن القسامة ما هي إلا أيمان كما سيتبين بعد ذلك فيما سيأتي عند الكلام عنها، ولم يعدوا كذلك علم القاضي ترجيحا لسمعته، ونفيا للتهمة عنه، التي يمكن أن تلحق به إذا حكم في إحدى القضايا بعلمه، وكذلك لم يعدوا القرائن لما فيها من احتمال عدم الدلالة.
ومن العلماء من عدها خمسة عشر ومنهم من عدها سبعة عشر.
أصحاب الرأي المقابل للجمهور:
وأما أصحاب الرأي المقابل لرأي الجمهور فمن أشهرهم ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، فهؤلاء لا يرون انحصار طرق القضاء في عدد معين، فكل أمر يترجح عند القاضي أنه دليل على إثبات الحق يعد طريقا من طرق الحكم وعليه أن يحكم به. يقول ابن القيم: "إذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان فثم وجه الله ودينه، فأي طريق استخرج به العدل والقسط فهو من الدين وليس مخالفا له"١ وإليك بيانا للوسائل التي نراها مثبتة للحقوق.
стр. 275
الوسيلة الأولى: الإقرار
معنى الإقرار
الفر ق بين الإقرار والشهادة والدعوى
...
الوسيلة الأولى: الإقرار
الإقرار أقوى وسائل الإثبات:
الإقرار من أقوى وسائل الإثبات وأشدها، وهو أقوى من البينة "الشهود" كما قرر العلماء؛ لأن القضاء يستند في البينة إلى ظن، وإذا كان القضاء يستند إلى الظن فأن يستند إلى العلم من باب أولى؛ لأن الحكم بالإقرار مقطوع به، والحكم بالبينة مظنون.
وأيضًا فإن الإقرار خبر صادق، أو صدقه راجح على كذبه؛ لأنه تهمة الكذب منتفية عن المقر١. ولا غرو أن يقال: الإقرار أو الاعتراف سيد الأدلة، ولهذا قدمته على ما عداه.
معنى الإقرار:
الإقرار في الأصل مصدر للفعل "أقر"، ومعناه في اللغة: الإثبات، وأما معناه في الشرع فهو: "إخبار الشخص يحق عليه".
الإقرار له ثلاثة معان:
ويسمى اعترافا أيضًا في اللغة، والشرع، وعلى هذا فيمكن أن يقال إن الإقرار له ثلاثة معان.
١- لغوي فقط وهو الإثبات.
٢- شرعي فقط وهو إخبار الشخص بحق عليه.
٣- شرعي ولغوي وهو الاعتراف٢.
الفرق بين الإقرار والشهادة والدعوى:
والفرق بين الإقرار والشهادة والدعوى -كما بينا ذلك عند الكلام عن الدعوى- أن الإقرار إخبار بحق على المقر، والشهادة إخبار بحق للغير على الغير،
стр. 276
والدعوى إخبار بحق له على غيره.
الحال في الأمور العامة:
وهذا كله في الأمور الخاصة، وأما الأمور العامة، أي: التي تقتضي أمرا عاما لكل أحد، فيرى بعض العلماء أنه إما أن يكون الإخبار فيها عن محسوس أو عن أمر شرعي.
فإن كان الإخبار فيها، عن محسوس، كإخبار الصحابي -مثلا- أن النبي ﷺ قال: "إنما الأعمال بالنيات"، فإن هذا يسمى رواية.
وأما إن كان الإخبار فيها عن أمر شرعي فإما أن يكون فيه إلزام أم لا، فإن كان إخبارا عن أمر شرعي، وفيه إلزام فهذا يسمى حكما أو قضاء، وإن كان إخبارا عن أمر شرعي، وليس فيه إلزام فهذا يسمى فتوى.
وعلى هذا تكون الأقسام ستة:
١- إقرار.
٢- شهادة.
٣- دعوى.
٤- رواية.
٥- حكم، أو قضاء.
٦- فتوى١.
ويرى عبد الوهاب بن السبكي أن الخبر إذا اقتضى شرعا عاما فإن كان عن حكم شرعي فهو الفتيا، وإن كان عن أمر محسوس، فإن كان مما لا يتخاصم فيه الناس، ويترافعون إلى الحكام فهو الرواية، مثل: "ركعتان قبل الصبح خير من الدنيا وما فيها" فإن الناس لا يترافعون إلى الحكام في مثل هذا بل يستفتون العلماء فيه، وإن كان مما يترافع الناس فيه فيحتمل رأيين والأرجح أنه شهادة١.
стр. 277
أدلة اعتبار الإقرار:
قامت الأدلة من الكتاب والسنة، وإجماع العلماء على اعتبار الإقرار وسيلة من وسائل إثبات الحقوق وغيرها.
فمن القرآن الكريم قول الله ﵎: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ ، فقد أمره الله بالإملال، فلو لم يقبل إقراره لما كان للإملال معنى، وقوله ﵎: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ .
ومعنى ﴿قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ مواظبين على العدل مجدين في إقامته، ومعنى ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ ، أي: تقيمون شهادتكم لوجه الله ﵎ ولو على أنفسكم، بأن تقروا عليها.
ومن السنة، أخبار، كخبر الصحيحين أن رجلا من الأعراب أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أنشدك١ الله إلا قضيت لي بكتاب الله،
стр. 278
فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه١: نعم فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي، فقال رسول الله ﷺ : "قل"، قال: إن ابني كان عسيفا٢ عند هذا فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم، فأخبروني أن على ابن جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليد والغنم رد ٣، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد ٤ يا أنيس ٥ إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها"، فغدا عليها، فاعترفت، فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت٦.
وقد أجمع العلماء على أن الإقرار وسيلة من وسائل الإثبات.
стр. 279
أركان الإقرار، وشروط المقر
...
أركان الإقرار:
للإقرار أربعة أركان:
١- مقر.
١- مقر له.
٣- مقر به.
٤- صيغة.
شروط المقر:
اشترط العلماء في المقر ثلاثة شروط:
الشرط الأول: البلوغ، فلا يصح إقرار الصبي ولو كان مراهقا أي: قارب البلوغ؛ لأن أقوال الصبي وأفعاله لاغية، إلا في العبادة من الصبي المميز، كالصلاة والحج فإنها صحيحة.
ولا يؤخذ الصبي بعد بلوغه بشيء أقر به حال صباه إلا إذا أقرب به ثانيا بعد بلوغه. وصرح العلماء بأن الصبي لا يصح إقراره حتى لو أذن له وليه في الإقرار.
ويرى فقهاء الحنفية أن الصبي إذا أذن له وليه في التجارة صح إقراره بالمال، وعللوا هذا بأنه من ضرورات التجارة؛ لأنه لو لم يصح إقراره لا يعامله أحد.
وقالوا إنه يدخل في الإذن كل ما كان طريقه التجارة، كالدين، والوديعة، والعارية، والمضاربة، والغصب، فيصح إقراره بها، فيلحق الصبي المأذون له بالتجارة بالبالغ في هذه الأمور؛ لأن الإذن يدل على عقله، فلو لم يكن عاقلا لما أذن له وليه، بخلاف ما ليس من باب التجارة، كالمهر، والجناية، والكفالة، فلا يصح إقراره بها؛ لأن التجارة مبادلة المال بالمال، والمهر مبادلة مال بغير مال، والجناية ليست بمبادلة شيء، والكفالة تبرع ابتداء فلا تدخل تحت الإذن١.
الشرط الثاني: من شروط الإقرار: العقل، فلا يصح الإقرار من المجنون، والمغمى عليه، والذي زال عقله بعذر، كشرب دواء لم يكن يعلم أنه مسكر، أو أكره على شرب الخمر.
стр. 280
إقرار السكران المتعدي بسكره:
واختلف العلماء في إقرار السكران الذي تعدي بسكره على رأيين:
الرأي الأول: يرى جمهور فقهاء الشافعية أنه يصح الإقرار منه، حتى لو كان السكر طافحًا عليه بحيث يسقط كالمغمى عليه، مع أنه عندهم غير مكلف في هذه الحالة، فالإقرار منه صحيح عندهم كبقية تصرفاته له وعليه.
وقد عللوا رأيه هذا بالتغليظ عليه؛ لأنه ارتكب معصية بإزالة عقلة، فجعل كأنه لم يزل١.
الرأي الثاني: يرى فريق آخر من العلماء أنه لا يصح الإقرار من السكران، وهذا الرأي يراه الإمام أحمد بن حنبل في قوله الأخير، بعد أن كان يفتي بنفوذ طلاقه، ويراه من الحنفية الطحاوي، والكرخي، وحكي عن أبي يوسف، وزفر، ويراه من الشافعية المزني، وابن سريح، وجماعة ممن اتبعهما، واختاره الجويني، ويرى ابن قيم الجوزية أن الصحيح أنه لا عبرة بأقوال السكران، من طلاق، ولا عتاق، ولا بيع، ولا هبة، ولا وقف، ولا إسلام، ولا ردة، ولا إقرار، وقد استدل لهذا الرأي بعدة أدلة منها:
أولا: قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ .
стр. 281
ثانيا: أمر النبي ﷺ باستنكاه١ ماعز لما أقر بالزنا بين يديه.
ثالثا: فتوى عثمان، وابن عباس بأن السكران لا يقع طلاقه، ولم يخالفهما أحد من الصحابة.
رابعا: القياس على من زال عقله بدواء، أو بنج، أو مسكر بعذر.
خامسا: السكران لا قصد له، فهو أولى بعدم المؤاخذة ممن جرى اللفظ على لسانه من غير قصد له٢.
الشرط الثالث من شروط الإقرار: الاختيار، فلا يصح إقرار المكره بما أكره عليه، قال ﵎: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ فقد جعل الله الإكراه مسقطا لحكم الكفر، فيكون ما عداه أولى.
لكن لو أقر المكره بغير ما أكره عليه فإقراره صحيح؛ لأنه حينئذ غير مكره.
صورة إقرار المكره:
صورة إقرار المكره أن يسأله القاضي أو الحاكم عن المدعى به فيجيب بالنفي، فيضرب ليقر، فإذا أقر حينئذ فإن إقراره غير صحيح.
وأما لو سئل المدعى عليه عن المدعى به فسكت ولم يجب بشيء لا إثباتا ولا نفيا، أي: لم يقل: نعم عندي، ولا ليس عندي، فضرب بأمر القاضي ليصدق في
стр. 282
القضية ويأتي بأحد الشيئين: أي: عندي، أو ليس عندي، فمتى أجاب بشيء ولو نفيا لم يتعرض له, فإن بعض فقهاء الشافعية يرى أنه لو أقر حينئذ صح إقراره، وعلل لهذا الرأي بأنه حينئذ ليس مكرها؛ لأن المكره من أكره على شيء واحد، وهذا إنما ضرب لكي يصدق، أي: يقول الصدق، بأن يقول: نعم عندي أو يقول: ليس عندي، والصدق ليس منحصرا في الإقرار.
لكن مع هذا فإن صاحب هذا الرأي يرى كراهة إلزامه بالإقرار الذي حدث منه, حتى يراجع ويقر ثانيا.
وواضح للقارئ أن فرض المسألة أن المضروب لو أجاب ولو بنفي ما ادعي به عليه ترك وشأنه، وهذا هو فرض المسألة، لكن من المستبعد أن يكون ما يحدث هو هذه الصورة، وإنما الذي يحدث عادة هو أنه يضرب المتهم ليقر بالحق، ويريد من يضربونه بذلك أن يقر بما ادعاه خصمه عليه، قال الأذرعي أحد فقهاء الشافعية: الصواب فيما لو ضرب ليقر بالحق ويراد بذلك الإقرار بما ادعاه خصمه أنه إكراه، سواء أقر في حال ضربه أو بعده، وعلم أنه لو لم يقر لضرب ثانيا.
وقد صرح بعض الفقهاء بأن الضرب في الصورتين السابقتين حرام، أي: سواء أكان قد ضرب ليصدق في القضية فمتى أجاب بشيء ولو نفيا لم يتعرض له، أم كان قد ضرب ليقر بما ادعاه خصمه عليه، فيحرم ضربه في الصورتين خلافا لم توهم من الفقهاء أنه حلال إذا ضرب ليصدق في القضية، وصرح بعض العلماء بأن الضرب حرام حتى لو كان ضربا خفيفًا١.
لو ادعى بعد الإقرار أنه كان مكرها:
لو أقر المدعى عليه لكنه ادعى بعد الإقرار أنه كان مكرها ساعة الإقرار، فإما أن يكون هناك قرينة دالة على صدقه في دعواه الإكراه أم لا، فإن كان هناك قرينة تدل على صدقه كما لو كان قد حبس قبل الإقرار، فإنه يصدق بيمينه، فإذا حلف على ما ادعاه من الإكراه سقط الإقرار، وأما إذا لم تكن هناك قرينة تدل على صدقه فلا اعتبار بادعائه الإكراه في إقراره.
لو تعارض الشهود في إكراهه واختياره:
لو شهد شهود أنه أكره في إقراره، وشهد آخرون أنه كان مختارا فيه، قدمت شهادة من يشهد بالإكراه؛ لأن الذي يشهد بالإكراه معه زيادة علم.
стр. 283
ما يراه ابن تيمية وابن القيم في ضرب المتهم أو حبسه حتى يقر:
يفصل ابن تيمية -ويوافقه تلميذه ابن القيم١- فيبين أن الدعاوي قسمان؛ لأنها إما أن تكون دعوى تهمة أو دعوى غير تهمة، ودعوى التهمة هي دعوى الجناية والأفعال المحرمة التي توجب عقوبة فاعلها، مثل دعوى القتل وقطع الطريق، والسرقة، والقذف، والعدوان على الناس بالضرب، وبغير ذلك من العدوان الذي يتعذر إقامة البينة عليه في غالب الأوقات في العادة.
ودعوى غير التهمة هي أن يدعي دعوى عقد، كعقد بيع، أو رهن، أو ضمان، أو يدعي دعوى لا يكون فيها سبب فعل محرم، مثل دين ثابت في الذمة، كثمن بيع، أو قرض، أو مهر، أو دية قتل خطأ، أو غير ذلك، فدعوى غير التهمة
стр. 284
-إذن- تشمل نوعين هما: دعوى العقد، ودعوى فعل غير محرم.
فإذا كانت الدعوى غير تهمة بنوعيها اللذين بيناهما: وهما دعوى العقد, ودعوى فعل غير محرم، فإن الحكم في ذلك هو أنه إذا أقام المدعي الحجة الشرعية ثبتت الدعوى على المدعى عليه، وإلا فالقول قول المدعى عليه مع يمينه إذا لم يأت المدعي بحجة شرعية وهي البينة.
وقد ثبت أن النبي ﷺ طلب البينة من المدعي واليمين من المدعى عليه في حكومات معينة ليست من جنس دعاوى التهم، روى البخاري ومسلم عن الأشعث بن قيس أنه قال: كانت بيني وبين رجل حكومة في بئر، فاختصمنا إلى النبي ﷺ فقال: "شاهداك أو يمينه" فقلت: إذن يحلف، ولا يبالي١، فقال: "من حلف على يمين صير يقطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان"، وفي رواية فقال: "بينتك أنها بئرك وإلا فيمينه".
وروى مسلم والترمذي عن وائل بن حجر قال: جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة، إلى النبي ﷺ ، فقال الحضرمي: يا رسول الله إن هذا قد غلبني على أرض كانت لأبي، فقال الكندي: هي أرضي وبيدي أزرعها لس له فيها حق، فقال رسول الله ﷺ للحضرمي: "ألك بينة"؟ , قال: لا، قال: "فلك يمينه"، فقال يا رسول الله: الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه، فليس يتورع من شيء، فقال: "ليس لك منه إلا ذلك".
وأما دعاوي التهم فينقسم المدعى عليه بالنسبة إليها إلى ثلاثة أقسام: لأن المتهم إما أن يكون بريئًا ليس من أهل تلك التهمة، كما لو كان رجلا صالحا مشهورا
стр. 285
مشهودا له بالاستقامة، أو يكون فاجرا من أهل تلك التهمة، أو يكون مجهول الحال لا يعرف الحاكم حاله.
إن كان بريئًا ليس من أهل تلك التهمة:
فإن كان المتهم بريئا ليس من أهل تلك التهمة فباتفاق العلماء لا يجوز عقوبته لا بضرب ولا بحبس، ولا بغيرهما.
فإذا وجد في يد رجل مشهود له بالعدالة مال مسروق، وقال هذا الرجل العدل: ابتعته من السوق، لا أدري من باعه، فلا عقوبة على هذا العدل باتفاق العلماء، ثم قال فقهاء المالكية وغيرهم: يحلف المستحق أنه ملكه ما خرج عن ملكه ويأخذه، وقرر هؤلاء أنه لا تطلب اليمين من هذا العدل.
ولكن هل يعاقب الذي اتهم هذا الرجل المشهود له بالعدالة والاستقامة أم لا؟
يرى مالك وبعض فقهاء مذهبه أنه لا أدب على المدعي إلا إذا ثبت أنه قصد أذيته، وعيبه، وشتمه فيؤدب، وأما إذا كان ذلك طلبا لحقه فلا يؤدب، وقال بعض آخر من فقهاء مذهبه يؤدب سواء قصد أذيته أو لم يقصد، وقد صرح ابن فرحون أن هذا الرأي هو الصحيح عنده، وعلل ذلك بأنه يؤدي إلى صيانة البرآء من تسلط أهل الشر والعدوان على أعراض البرآء، والرأي المقابل للصحيح هو أن المتهم لا عقوبة عليه١.