ثانيا: أمر النبي ﷺ باستنكاه١ ماعز لما أقر بالزنا بين يديه.
ثالثا: فتوى عثمان، وابن عباس بأن السكران لا يقع طلاقه، ولم يخالفهما أحد من الصحابة.
رابعا: القياس على من زال عقله بدواء، أو بنج، أو مسكر بعذر.
خامسا: السكران لا قصد له، فهو أولى بعدم المؤاخذة ممن جرى اللفظ على لسانه من غير قصد له٢.
الشرط الثالث من شروط الإقرار: الاختيار، فلا يصح إقرار المكره بما أكره عليه، قال ﵎: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ فقد جعل الله الإكراه مسقطا لحكم الكفر، فيكون ما عداه أولى.
لكن لو أقر المكره بغير ما أكره عليه فإقراره صحيح؛ لأنه حينئذ غير مكره.
صورة إقرار المكره:
صورة إقرار المكره أن يسأله القاضي أو الحاكم عن المدعى به فيجيب بالنفي، فيضرب ليقر، فإذا أقر حينئذ فإن إقراره غير صحيح.
وأما لو سئل المدعى عليه عن المدعى به فسكت ولم يجب بشيء لا إثباتا ولا نفيا، أي: لم يقل: نعم عندي، ولا ليس عندي، فضرب بأمر القاضي ليصدق في
стр. 282
القضية ويأتي بأحد الشيئين: أي: عندي، أو ليس عندي، فمتى أجاب بشيء ولو نفيا لم يتعرض له, فإن بعض فقهاء الشافعية يرى أنه لو أقر حينئذ صح إقراره، وعلل لهذا الرأي بأنه حينئذ ليس مكرها؛ لأن المكره من أكره على شيء واحد، وهذا إنما ضرب لكي يصدق، أي: يقول الصدق، بأن يقول: نعم عندي أو يقول: ليس عندي، والصدق ليس منحصرا في الإقرار.
لكن مع هذا فإن صاحب هذا الرأي يرى كراهة إلزامه بالإقرار الذي حدث منه, حتى يراجع ويقر ثانيا.
وواضح للقارئ أن فرض المسألة أن المضروب لو أجاب ولو بنفي ما ادعي به عليه ترك وشأنه، وهذا هو فرض المسألة، لكن من المستبعد أن يكون ما يحدث هو هذه الصورة، وإنما الذي يحدث عادة هو أنه يضرب المتهم ليقر بالحق، ويريد من يضربونه بذلك أن يقر بما ادعاه خصمه عليه، قال الأذرعي أحد فقهاء الشافعية: الصواب فيما لو ضرب ليقر بالحق ويراد بذلك الإقرار بما ادعاه خصمه أنه إكراه، سواء أقر في حال ضربه أو بعده، وعلم أنه لو لم يقر لضرب ثانيا.
وقد صرح بعض الفقهاء بأن الضرب في الصورتين السابقتين حرام، أي: سواء أكان قد ضرب ليصدق في القضية فمتى أجاب بشيء ولو نفيا لم يتعرض له، أم كان قد ضرب ليقر بما ادعاه خصمه عليه، فيحرم ضربه في الصورتين خلافا لم توهم من الفقهاء أنه حلال إذا ضرب ليصدق في القضية، وصرح بعض العلماء بأن الضرب حرام حتى لو كان ضربا خفيفًا١.
لو ادعى بعد الإقرار أنه كان مكرها:
لو أقر المدعى عليه لكنه ادعى بعد الإقرار أنه كان مكرها ساعة الإقرار، فإما أن يكون هناك قرينة دالة على صدقه في دعواه الإكراه أم لا، فإن كان هناك قرينة تدل على صدقه كما لو كان قد حبس قبل الإقرار، فإنه يصدق بيمينه، فإذا حلف على ما ادعاه من الإكراه سقط الإقرار، وأما إذا لم تكن هناك قرينة تدل على صدقه فلا اعتبار بادعائه الإكراه في إقراره.
لو تعارض الشهود في إكراهه واختياره:
لو شهد شهود أنه أكره في إقراره، وشهد آخرون أنه كان مختارا فيه، قدمت شهادة من يشهد بالإكراه؛ لأن الذي يشهد بالإكراه معه زيادة علم.
стр. 283
ما يراه ابن تيمية وابن القيم في ضرب المتهم أو حبسه حتى يقر:
يفصل ابن تيمية -ويوافقه تلميذه ابن القيم١- فيبين أن الدعاوي قسمان؛ لأنها إما أن تكون دعوى تهمة أو دعوى غير تهمة، ودعوى التهمة هي دعوى الجناية والأفعال المحرمة التي توجب عقوبة فاعلها، مثل دعوى القتل وقطع الطريق، والسرقة، والقذف، والعدوان على الناس بالضرب، وبغير ذلك من العدوان الذي يتعذر إقامة البينة عليه في غالب الأوقات في العادة.
ودعوى غير التهمة هي أن يدعي دعوى عقد، كعقد بيع، أو رهن، أو ضمان، أو يدعي دعوى لا يكون فيها سبب فعل محرم، مثل دين ثابت في الذمة، كثمن بيع، أو قرض، أو مهر، أو دية قتل خطأ، أو غير ذلك، فدعوى غير التهمة
стр. 284
-إذن- تشمل نوعين هما: دعوى العقد، ودعوى فعل غير محرم.
فإذا كانت الدعوى غير تهمة بنوعيها اللذين بيناهما: وهما دعوى العقد, ودعوى فعل غير محرم، فإن الحكم في ذلك هو أنه إذا أقام المدعي الحجة الشرعية ثبتت الدعوى على المدعى عليه، وإلا فالقول قول المدعى عليه مع يمينه إذا لم يأت المدعي بحجة شرعية وهي البينة.
وقد ثبت أن النبي ﷺ طلب البينة من المدعي واليمين من المدعى عليه في حكومات معينة ليست من جنس دعاوى التهم، روى البخاري ومسلم عن الأشعث بن قيس أنه قال: كانت بيني وبين رجل حكومة في بئر، فاختصمنا إلى النبي ﷺ فقال: "شاهداك أو يمينه" فقلت: إذن يحلف، ولا يبالي١، فقال: "من حلف على يمين صير يقطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان"، وفي رواية فقال: "بينتك أنها بئرك وإلا فيمينه".
وروى مسلم والترمذي عن وائل بن حجر قال: جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة، إلى النبي ﷺ ، فقال الحضرمي: يا رسول الله إن هذا قد غلبني على أرض كانت لأبي، فقال الكندي: هي أرضي وبيدي أزرعها لس له فيها حق، فقال رسول الله ﷺ للحضرمي: "ألك بينة"؟ , قال: لا، قال: "فلك يمينه"، فقال يا رسول الله: الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه، فليس يتورع من شيء، فقال: "ليس لك منه إلا ذلك".
وأما دعاوي التهم فينقسم المدعى عليه بالنسبة إليها إلى ثلاثة أقسام: لأن المتهم إما أن يكون بريئًا ليس من أهل تلك التهمة، كما لو كان رجلا صالحا مشهورا
стр. 285
مشهودا له بالاستقامة، أو يكون فاجرا من أهل تلك التهمة، أو يكون مجهول الحال لا يعرف الحاكم حاله.
إن كان بريئًا ليس من أهل تلك التهمة:
فإن كان المتهم بريئا ليس من أهل تلك التهمة فباتفاق العلماء لا يجوز عقوبته لا بضرب ولا بحبس، ولا بغيرهما.
فإذا وجد في يد رجل مشهود له بالعدالة مال مسروق، وقال هذا الرجل العدل: ابتعته من السوق، لا أدري من باعه، فلا عقوبة على هذا العدل باتفاق العلماء، ثم قال فقهاء المالكية وغيرهم: يحلف المستحق أنه ملكه ما خرج عن ملكه ويأخذه، وقرر هؤلاء أنه لا تطلب اليمين من هذا العدل.
ولكن هل يعاقب الذي اتهم هذا الرجل المشهود له بالعدالة والاستقامة أم لا؟
يرى مالك وبعض فقهاء مذهبه أنه لا أدب على المدعي إلا إذا ثبت أنه قصد أذيته، وعيبه، وشتمه فيؤدب، وأما إذا كان ذلك طلبا لحقه فلا يؤدب، وقال بعض آخر من فقهاء مذهبه يؤدب سواء قصد أذيته أو لم يقصد، وقد صرح ابن فرحون أن هذا الرأي هو الصحيح عنده، وعلل ذلك بأنه يؤدي إلى صيانة البرآء من تسلط أهل الشر والعدوان على أعراض البرآء، والرأي المقابل للصحيح هو أن المتهم لا عقوبة عليه١.
стр. 286
ويرى الطرابلسي -أحد فقهاء الحنفية- أن المتهم له بذلك يعاقب لنفس العلة، وهي صيانة لسلطة أهل الشر والعدوان على أعراض البرآء الصلحاء، ونقل عن أبي حنيفة فيمن قال لغيره يا فاسق يا لص: "فإن كان من أهل الصلاح ولا يعرف بذلك فعلى القاذف التعزير؛ لأن الشين يلحقه إن كان بهذه الصفة وإن كان يعرف به لم يعزر"١.
المتهم المجهول الحال:
وأما إذا كان المتهم مجهول الحال لا يعرف ببر أو فجور، فهذا يحبس حتى ينكشف حاله، ويتبين للحاكم أمره عند عامة علماء الإسلام، وذلك لما رواه أبو داود في سننه، والترمذي، والنسائي، وغيرهم، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، "أن النبي ﷺ حبس رجلا في تهمة" قال الترمذي: حسن، وزاد هو والنسائي: "ثم خلى عنه".
وروي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ حبس في تهمة يوما وليلة استظهارا وطلبا لإظهار الحق بالاعتراف٢.
والأصول المتفق عليها بين الأئمة توافق ذلك، فإنهم متفقون على أن الحاكم يجب عليه أن يحضر المدعى عليه -الذي يجب عليه الحضور- إذا طلب المدعي إحضاره إلى مجلس القضاء حتى يفصل بينهما، ويحضره من مسافة العدوي -وهي ما لا يمكن الذهاب إليه والعود في نفس اليوم- كما يقول بعض فقهاء الشافعية والحنابلة ورواية عن أحمد، وعند بعضهم يحضره من مسافة القصر -وهي مسيرة
стр. 287
يومين بالدواب- كما هو الرواية الأخرى عن الإمام أحمد، وهي كالمسافة بين مكة وجدة.
ثم إن الحاكم قد يكون مشغولا عن تعجيل الفصل في القضية، وقد تكون عنده قضايا سابقة عن هذه القضية، فيكون المدعى عليه محبوسا معوقا من حين أن طلبه القاضي إلى أن يفصل بينه وبين خصمه، وهذا نوع من الحبس بدون تهمة، فيجوز الحبس في التهمة من باب أولى؛ لأن الحبس الشرعي ليس هو الحبس في مكان ضيق، وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه، سواء أكان في بيت أم في مسجد، أم كان بملازمة الخصم أو وكيل الخصم له١ ولهذا سماه الرسول ﷺ أسيرا. يروي أبو داود وابن ماجه عن الهرماس ابن حبيب، عن أبيه، قال: أتيت النبي ﷺ بغريم لي، فقال لي: "الزمه" ثم قال: "يا أخا بني تميم ما تريد أن تفعل بأسيرك "؟ وفي رواية ابن ماجه: ثم مر بي آخر النهار، فقال: "ما فعل أسيرك يا أخا بني تميم".
وهذا هو الحبس الذي كان على عهد رسول الله ﷺ ، ومضى عهد الرسول ﷺ وعهد أبي بكر ﵁، ولم يكن هناك مكان خاص معد لسجن من يحكم عليه بالحبس، ولكن لما انتشرت الرعية أيام عمر بن الخطاب ﵁ اشترى دارا بمكة وجعلها سجنا،
стр. 288
وحبس فيها من حكم عليه بالحبس.
واختلف العلماء في مقدار الحبس في التهمة هل هو مقدر بمدة معينة؟ أم أن ذلك متروك لاجتهاد الحاكم.
المتهم المعروف بالفجور:
وأما إذا كان المتهم معروفا بالفجور مثل المتهم بالسرقة إذا كان معروفا بها قبل ذلك، والمتهم بقطع الطريق إذا كان معروفا به، والمتهم بالقتل، أو كان أحد هؤلاء معروفا بما يقتضي ذلك، فهذا يجوز حبسه؛ لأنه إذا جاز حبس مجهول الحال فإن حبس هذا يكون أولى: قال ابن تيمية: "وما علمت أحدا من أئمة المسلمين يقول: إن المدعى عليه في جميع هذه الدعاوي يحلف ويرسل بلا حبس ولا غيره، فليس هذا -على إطلاقه- مذهبا لأحد من الأئمة الأربعة، ولا غيرهم من الأئمة، ومن زعم أن هذا -على إطلاقه وعمومه- هو الشرع فقد غلط غلطا فاحشا مخالفا لنصوص رسول الله ﷺ , ولإجماع الأئمة، وبمثل هذا الغلط الفاحش تجرأ الولاة على مخالفة الشرع، وتوهموا أن الشرع لا يقوم بسياسة العالم ومصلحة الأمة".
هذا النوع من المتهمين يسوغ ضربه:
وهذا النوع من المتهمين يسوغ ضربه، يشهد لهذا ما روي أن النبي ﷺ أمر الزبير بتعذيب المتهم الذي غيب ماله حتى أقر به، في قصة ابن أبي الحقيق رأس يهود خيبر١، فقد روى البخاري عن ابن عمر قال: "أتى رسول الله ﷺ أهل خيبر، فقاتلهم حتى ألجأهم إلى قصرهم، وغلبهم
стр. 289
على الأرض والزرع والنخل، فصالحوه على أن يجلوا منها، ولهم ما حملت ركابهم، ولرسول الله -صلى لله عليه وسلم- الصفراء، والبيضاء، والحلقة١، وهي السلاح، ويخرجون منها، واشترط عليهم أن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم، ولا عهد، فغيبوا مَسْكا٢ فيه مال وحلى لحيي بن أخطب كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير، فقال رسول الله ﷺ لعم حيي واسمه سعية٣: "ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير "؟ , فقال: أذهبته النفقات والحروب، فقال: "العهد قريب والمال أكثر من ذلك" وقد كان حيي قد قتل قبل ذلك، فدفع رسول الله ﷺ سعية إلى الزبير، فمسه بعذاب، فقال: قد رأيت حييا يطوف في خربة ههنا، فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة، فقتل النبي ﷺ ابني أبي الحقيق، وأحدهما زوج صفية بن حيي بن أخطب، وسبى رسول الله ﷺ نساءهم وذراريهم، وقسم أموالهم بالنكث الذي نكثوا٤.
هذا ما يراه ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ومن وافقهما٥، ونرى بعض الشافعية٦ يبين أن الإكراه في الإقرار الذي لا يصح الإقرار به هو أن يضرب ليقر، أما لو ضرب ليصدق في القضية فأقر في حالة ضربه أو بعد حدوث الضرب فإنه يلزمه ما أقر به، وعلل ذلك بأنه ليس مكرها في إقراره، إذ المكره من أكره على شيء واحد، وهذا الشخص إنما ضرب ليصدق في القضية، والصدق ليس منحصرا
стр. 290
في الإقرار، لكن مع هذا فإن صاحب هذا الرأي يرى أن من المكروه إلزامه بهذا الإقرار الذي أقر به حالة الضرب أو بعده، حتى يراجع ويقر مرة ثانية.
ويرى بعض آخر من الشافعية، وهو الإمام الأذرعي أن الإقرار لا يصح بعد الضرب؛ لأنه إكراه، ومن شروط صحة الإقرار عدم الإكراه، قال الأذرعي: "الولاة في هذا الزمان يأتيهم من يتهم بسرقة، أو قتل، أو نحوهما، فيضرهما، فيضربونه ليقر بالحق، ويراد بذلك الإقرار بما ادعاه خصمه، والصواب أن هذا إكراه، سواء أقر في حال ضربه أم بعده، وعلم أنه إن لم يقر بذلك لضرب ثانيا" انتهى كلام الأذرعي١.
وفي فقه المالكية نجد التصريح بحبس المتهم المعروف بالفجور وضربه قال ابن حبيب: قال ابن الماجشون: "من شهدت عليه بينة أنه سارق معروف بالسرقة متهم بها، وقد سجن فيها غير مرة إلا أنهم حين شهدوا عليه لم يجدوا معه سرقة، فقال: لا قطع عليه بهذه الشهادة ولكن عليه الحبس الطويل"٢.
ونقل ابن فرحون أيضًا عن بعض كتب المالكية أنه "يضرب السارق حتى يخرج الأعيان التي سرقها"٣.
وفي فقه الحنفية نجد الطرابلسي أيضًا يقسم المدعى عليه بالنسبة إلى دعاوي التهم إلى ثلاثة أقسام كما قسمها ابن تيمية، وابن القيم، وابن فرحون المالكي، مع ملاحظة أن الطرابلسي وابن فرحون من الواضح أنهما متأثران بتقسيم ابن تيمية
стр. 291
وابن القيم، وأيدا هذا التقسيم بنقول من فقههم أي: فقه الحنفية وفقه المالكية، يقول الطرابلسي عند كلامه عن المتهم المعروف بالفجور١: "إذا رفع للقاضي رجل يعرف بالسرقة والدعارة فادعى عليه بذلك رجل فحبسه لاختبار ذلك، فأقر في السجن بما ادعي عليه من ذلك فذلك يلزمه، وهذا الحبس خارج عن الإكراه، قال في شرح التجريد في مثله: وإن خوفه بضرب سوط، أو حبس يوم حتى يقر فليس هذا بإكراه، قال محمد: وليس في هذا وقت، ولكن ما يجيء منه الاغتمام البين؛ لأن الناس متفاوتون في ذلك، فرب إنسان يغتم بحبس يوم، والآخر لا يغتم، لتفاوتهم في الشرف والدناءة، فيفوض ذلك إلى رأي كل قاض وزمانه، فينظر إن رأى أن ذلك الإكراه فوت عليه رضاه أبطله وإلا فلا".
واختلف العلماء فيما إذا أقر المتهم المعروف بالفجور حال الضرب أو الحبس، فبعضهم يرى أنه يؤخذ بهذا الإقرار إذا ظهر صدقه، مثل أن يخرج الشيء المسروق بعينه، ولو رجع عن ذلك الإقرار بعد الضرب لا يقبل منه الرجوع بل يؤخذ به، والبعض من العلماء يرى أنه لا بد من إقرار آخر بعد الضرب وإذا رجع عن الإقرار لم يؤخذ به٢.
وبعد، فيحسن أن نوضح هنا أن الطرابلسي الفقيه الحنفي يرى أن حبس المتهم أو ضربه ليقر إنما هو في قضايا الأموال، وأما لو أكرهه القاضي أو غيره على الإقرار بجريمة تستحق حدا، أو قصاصا فلا يجوز إقراره٣.
ويرى بعض العلماء أن الضرب حرام سواء ضرب ليقر أو ليصدق٤.
стр. 292
الشرط الرابع من شروط المقر: الرشد إن كان الإقرار بحق لآدمي.
إذا كان الإقرار يتعلق بحق لآدمي، كالإقرار بالمال، أو بالزواج اشترط في المقر أيضًا بجانب الشروط الثلاثة السابقة شرط رابع هو الرشد، والمراد بالرشد كون الشخص مطلق التصرف، فلا يصح إقرار السفيه بدين، أو إتلاف مال، أو نحو ذلك كما قال العلماء١، قال بعض العلماء: لا يلزمه الإقرار ظاهرا ولا باطنا، أي: لا فيما بينه وبين الناس ولا فيما بينه وبين الله، وقال البعض الآخر: يلزم السفيه الإقرار بدين أو إتلاف مال أو نحو ذلك باطنا أي: فيما بينه وبين الله فيغرمه للمقر له بعد فك الحجر عنه.
وصرح العلماء بأن السفيه إذا أقر بغير المال، كالطلاق والظهار، ونحوهما، فإن إقراره يكون صحيحا، ويصح إقرار السفيه في الجنايات، والحدود.
الشرط الخامس عند بعض العلماء: أن يكون المقر غير متهم في إقراره:
اشترط المالكية أن يكون المقر غير متهم في إقراره، وعلى هذا لو أقر المريض مرض الموت لمن يتهم بمودته كابنه البار به، أو زوجته التي يميل إليها فلا يصح الإقرار عند المالكية، سواء أكان المتهم بمودته وارثًا أم غير وارث، إلا إذا أجاز الورثة هذا الإقرار فيصح.
وأما إقراره لغير متهم عليه فيصح عندهم حتى لو كان بأزيد من ثلث ما يملك٢.
стр. 293
ما يراه الحنفية:
ويرى الحنفية أن إقرار المريض لوارثه باطل إلا إذا صدقه بقية الورثة، واستندوا في هذا إلى رواية عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا وصية لوارث ولا إقرار بدين" وأيضًا فإنه تعلق به حق جميع الورثة، فإذا أقر المورث لبعض ورثته فإنه يكون قد أبطل حق الباقين، وفيه إيقاع العداوة بينهم؛ لأن فيه إيثارا لبعض الورثة على البعض الآخر، وذلك ينشئ العداوة والبغضاء، قالوا: وقضية يوسف وإخوته أكبر شاهد١.
ما يراه الشافعية:
وأما الشافعية -على الرأي الراجح عندهم- فيرون أنه يصح إقراره في مرضه لوارثه كإقراره للأجنبي؛ لأن الظاهر أنه محق في إقراره؛ لأنه انتهى إلى حالة يصدق فيها الكاذب، ويتوب فيها الفاجر.
ويوجد قول للشافعي -رضي الله تعالى عنه- بعدم صحة الإقرار للوارث؛ لأنه متهم بحرمان بعض الورثة٢.
ما يراه الحنابلة:
يرى الحنابلة عدم صحة إقرار المريض مرض الموت بالمال لأحد الورثة٣.
ويحسن هنا أن ننبه إلى أن الخلاف بين العلماء هو في صحة الإقرار وعدمها، وأما التحريم والإثم فلا شك فيه إذا كان المقر قد قصد بإقراره أن يحرم بعض الورثة فلا يوجد خلاف بين العلماء في هذا، وقال العلماء: لا يحل للمقر له أن يأخذ المقر به في هذه الصورة٤.
هذا، وفي ختام الكلام عن شروط المقر يحسن أن نبين أن العلماء لم يشترطوا في المقر صفة العدالة كما هو الشرط في الشاهد عند جمهور العلماء -كما سنعرف فيما بعد إن شاء الله تعالى- وذلك لأن طبع الإنسان يزعه عن أن يقر على نفسه بما يقتضي قتلا، أو قطعا، أو تغريم مال، فلهذا قبل الإقرار من البر والفاجر، اكتفاء بالوازع الطبيعي٥.
стр. 294
شروط المقر له:
يشترط في المقر له الشروط الآتية:
أولا: أن يكون أهلا لاستحقاق المقر به، فلو أقر شخص لدابة فلا يصح الإقرار؛ لأنها ليست أهلا لذلك، وأما لو قال: علي بسبب هذه الدابة لفلان كذا فإن الإقرار يصح، حملا على أنه استأجرها، أو استعملها تعديا، أو جنى عليها.
ويصح الإقرار لحمل امرأة؛ لأنه أهل للاستحقاق.
ثانيا: عدم تكذيبه للمقر، كأن يقول للمقر: ليس لي عليك شيء، فلو كذبه في إقراره له بمال، فإن هذا المال يترك في يد المقر؛ لأن يده تشعر بالملك بحسب الظاهر، وسقط الإقرار.
ثالثا: أن يكون المقر له معينا تعيينا يتوقع معه طلب، وعلى هذا لو قال شخص: علي مال لرجل من أهل البلد لم يصح الإقرار، وأما لو قال: علي مال لأحد هؤلاء الثلاثة فيصبح.
رابعا: أن لا يكذبه الشرع في إقراره، كما لو أعتق عبدا ثم أقر له هو أو غيره عقب عتقه بدين أو عين لم يصح الإقرار؛ لأن أهلية الاستحقاق لم تثبت له إلا في الحال، إلا إذا كان هذا المقر له حربيا له ملك فاسترقه المسلمون في الحرب.
стр. 295
شرط المقر به
...
شروط المقرب به:
يشترط في المقر به الشروط الآتية:
أولا: انتفاء ملكه في حال الإقرار، وعلى هذا لو قال: داري لفلان، فلا يعد هذا إقرارا بل كلام لغو؛ لأن إضافة الدار إليه تقتضي ثبوت الملك له فيكون هذا منافيا للإقرار لغيره؛ لأن حقيقة الإقرار إخبار بحق سابق عليه، ويكون كلامه حينئذ محمولا على الوعد بالهبة، قال البغوي أحد فقهاء الشافعية: "فإن أراد به الإقرار قبل منه".
ثانيا: أن يكون المقر به بيد المقر ولو في المآل، فلو أقر بحرية عبده بيد غيره، ثم اشتراه، فإن القاضي يحكم بالحرية، فترفع يده عنه مؤاخذة بإقراره السابق، ويفسر شراؤه لهذا العبد بأنه افتداء له من جهته، لاعترافه بحريته التي تمنع شراءه.
ثالثا: أن يكون المقر به مما يجب تسليمه إلى المقر له، فلو أقر أنه غصب حفنة من تراب أو حبة من قمح أو أي شيء من هذا القبيل لا يصح؛ لأن المقر به لا يلزمه تسليمه إلى المقر له.
стр. 296
هل يشتطر أن يكون المقر به معلوما
...
هل يشترط أن يكون المقر به معلوما:
بيّن العلماء أنه لا يشترط في المقر به أن يكون معلوما، بل يجوز الإقرار ويلزمه سواء أكان المقر به معلوما أم مجهولا.
وقد عللوا عدم منع جهالة المقر به لصحة الإقرار بأن الحق المجهول قد يلزم الشخص، كما لو أتلف مالا لشخص آخر لا يدري قيمته، أو يجرح جراحة لا يعلم أرشها "تعويضها" أو كان قد تبقى عليه بقية حساب لا يحيط به علمه، والإقرار ما هو إلا إخبار عن ثبوت الحق فيصح بالمجهول، ويطلب القاضي منه أن يبين ذلك المجهول ليتمكن من استيفائه، فإن لم يبين أجبره القاضي على البيان.
هذا، وقد سبق أن بينا في شروط المقر له أنه يشترط أن يكون المقر له معينا، فلو كان المقر له مجهولا لا يصح الإقرار؛ لأن المجهول لا يصلح أن يكون مستحقا لشيء١.
شروط صيغة الإقرار:
يشترط في الصيغة أن تكون لفظا يشعر بالتزام بحق، سواء أكان اللفظ صريحا أم كتابة.
وبين الشافعية أن الكتابة مع النية في معنى اللفظ، سواء صدرت من ناطق أو أخرس، وسواء كان للأخرس إشارة مفهمة أو لا، فهي -أي: الكتاب- عند الشافعية كناية مطلقا, وإن انضم إليها قرائن لا تصيرها صريحا٢، وفي معنى اللفظ
стр. 297
إشارة الأخرس المفهمة.
هذا، ونحب أن نبين أن المشهور عن الشافعي ﵁ عدم الاعتماد على الخط المجرد، وهو أيضا مذهب مالك، لإمكان التزوير في الخطوط، وروى الخصاف عن أبي حنيفة "إذا وجد القاضي في ديوانه شيئا لا يحفظ، كإقرار الرجل بحق من الحقوق، وهو لا يذكر ذلك ولا يحفظه، فإنه لا يحكم به، ولا ينفذه حتى يذكره، أو تقوم عليه بينة، وقال أبو يوسف ومحمد ما وجده القاضي في ديوانه من شهادة شهود عنده لرجل على رجل بحق، أو إقرار رجل لرجل بحق، والقاضي لا يحفظ ذلك ولا يذكره، فإنه ينفذ ذلك ويقضي به إذا كان تحت خاتمه محفوظًا، إذ ليس كل ما في ديوان القاضي يحفظ".
ويرى بعض الباحثين صحة الإقرار بالكتابة؛ لأن الذين يمنعون الاحتجاج بالكتابة وحدها إنما قالوا بذلك خشية أن يحدث التزوير فيها والمحاكاة١.
ونحن نرى صحة هذا الرأي، وخاصة بعد أن أصبح للخطوط خبراء يميزون خط الشخص عن غيره، وبعد ما ثبت أن الخطوط لا تتطابق وبإمكان الخبير أن يعرف التزوير إذا حدث في الخطوط، ويمكن أن يتقوى هذا الرأي بما يأتي:
أولا: ما روي أن رسول الله ﷺ قال: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصى فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده" ووجه الدلالة أنه لو لم يكن من الجائز أن تعتمد على الخط لما كان لكتابة الوصية فائدة.
ثانيا: ما ثبت أن رسول الله ﷺ أرسل كتبا إلى الملوك وغيرهم، وكان يرسل المكتوب مع رسول مختوما، ويأمره بأن يدفعه إلى المكتوب إليه.
ثالثا: ما رواه كثير من العلماء من أنه يصح اعتماد راوي الحديث على الخط, وجواز التحدث بهذا المكتوب، ولو لم يعتمد على ذلك لضاع كثير من الأحاديث والأحكام الفقهية التي تناقلها المحدثون والفقهاء بطريق الكتابة.
والمطلوب التحقق بأية وسيلة أن هذا المكتوب هو خط شخص معين، والعبرة كما يقول الإمام أحمد بن حنبل أن يكون خطه معروفا مشهورا، فإن القصد حصول العلم بنسبة الكتابة إليه٢.
стр. 298
الرجوع عن الإقرار:
المقر به نوعان:
النوع الأول: حق الله الخالص١، وهو ما يسقط بالشبهة من الحدود، كحد السرقة، وحد الزنا، وشرب الخمر.
النوع الثاني: حق الآدمي٢، سواء أكان مالا كثمن أرض بيعت، أو بدل قرض، أو كان عقوبة كحد القذف، أي: اتهامه من شخص بجريمة الزنا من غير
стр. 299
بينة١، والقصاص، وحد القذف حق لآدمي على الرأي القائل بأنه مع ملاحظة أن فيه حقا لله وحقا للإنسان، فإن حق الإنسان غالب.
فأما حقوق الآدميين فقد اتفق العلماء على أنه لا يصح الرجوع عن الإقرار بها؛ لأنها حقوق تثبت للمقر له، فلا يملك المقر إسقاطها بغير رضاه، وبين بعض العلماء أن حق الله المالي٢، كالزكاة، والكفارة لا يصح الرجوع فيه عن الإقرار به لما فيه من شائبة حق الآدمي٣.
وأما حقوق الله الخالصة، وهي ما يسقط بالشبهة من الحدود كحد الزنا، وحد السرقة، فقد اختلف العلماء فيه على رأيين:
стр. 300
أحدهما: أنه يصح الرجوع عن الإقرار بها، فلو أقر إنسان بجريمة الزنا ثم رجع عن إقراره فإنه يقبل منه، سواء كان الرجوع قبل صدور الحكم عليه بالحد، أو بعده، وسواء أكان رجوعه قبل تنفيذ الحكم أم في أثنائه.
وهذا الرأي يراه الحنفية، والشافعية، والإمام أحمد، وهو مروي عن الإمام مالك في قول له.
ويحصل الرجوع عن الإقرار بالزنا، بقوله: كذبت، أو رجعت عما أقررت به، أو ما زنيت، أو كنت فاخذت، أو نحو ذلك.
الرأي الثاني: أنه لا يقبل منه الرجوع عن الإقرار بعد كماله كغيره من الإقرارات فإنه لا يصح الرجوع فيها.
وهذا يراه ابن أبي ليلى، وأبو ثور، ورواية عن مالك، وقول للشافعي.
ما استند إليه الرأي الأول:
استند الرأي القائل بصحة الرجوع عن الإقرار بحقوق الله ﵎، إلى ما يأتي:
أولا: ما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: "جاء ماعز الأسلمي إلى رسول الله ﷺ فقال: إنه قد زنى، فأعرض عنه، ثم جاءه من شقه الآخر فقال: يا رسول الله، إنه قد زنى، فأعرض عنه، ثم جاءه من شقه
стр. 301
الآخر فقال: يا رسول الله، إنه قد زنى، فأمر به في الرابعة فأخرج إلى الحرة١، فرجم بالحجارة، فلما وجد مس الحجارة فر، يشتد، حتى مر برجل معه لحي٢ جمل فضربه به، وضربه الناس حتى مات، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ أنه فر حين وجد مس الحجارة ومس الموت، فقال رسول الله ﷺ : "هلا تركتموه"، رواه أحمد، وابن ماجه، والترمذي وقال: إنه حديث حسن.
وفي رواية رواها أبو داود: فقال ﷺ : "هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب الله عليه" ٣.
قال ابن عبد البر: هذا أوضح دليل على أنه يقبل رجوعه٤.
ثانيا: ثبت أن رسول الله ﷺ عرض لماعز -عندما جاءه معترفا بالزنا- بالرجوع بقوله: "لعلك قبلت، أو غمزت، أو نظرت" فلو لم يسقط به الحد لما كان له معنى٥.
ثالثا: الرجوع عن الإقرار مثل الإقرار الأول، كل منهما خبر يحتمل الصدق والكذب، وهو نفسه مصدر لخبرين، ولا يوجد مرجح يرجح الأخذ
стр. 302
بالإقرار على الأخذ بالرجوع، وتلك شبهة والحدود تدرأ بالشبهات كما هي القاعدة الشرعية المقررة.
ما استند إليه الرأي الثاني:
وأما الرأي القائل بأنه لا يقبل الرجوع عن الإقرار بحقوق الله ﵎، فقد استند إلى ما يأتي:
أولا: أن ماعزا بعد أن أحس بألم الحجارة وألم الموت، فر من الناس، ومع ذلك قتلوه، فلو كان الرجوع عن الإقرار في الحدود مقبولا لألزم النبي ﷺ من قتلوه بدية القتل الخطأ١.
مناقشة هذا الاستدلال:
نوقش هذا الاستدلال بأن النبي ﷺ لم يلزمهم بالدية؛ لأن هروب ماعز عند تنفيذ الحد لا يدل صراحة على الرجوع عن الإقرار، لاحتمال أن يكون الهروب من ألم الضرب.
وعلى فرض أنه يدل صراحة على الرجوع عن الإقرار, فإنه لم ينقل أن أولياء ماعز طالبوا بالدية حتى يقضى لهم بها.
ثانيا: قياس الإقرار بالحدود على الإقرار بالحقوق الأخرى، ولما كان الإقرار بالحقوق غير الحدود لا يصح الرجوع فيه، فكذلك الإقرار بالحدود لا يصح الرجوع فيه.
стр. 303
مناقشة هذا الاستدلال:
نوقش هذا الاستدلال بأن هذا قياس مع الفارق، والقياس مع الفارق لا يصح، والفارق بين الأمرين أن الحدود تدرأ بالشبهات، والحقوق الأخرى لا تدرأ بالشبهات١.
هذا، وقد انتصر الشوكاني للرأي القائل بعدم قبول الرجوع عن الإقرار بعد كماله فقال٢: هذا الرجوع ليس بشبهة تدرأ بها حدود الله، ولا يصح الاستدلال على سقوط الحد بالرجوع عن الإقرار بما أخرجه أحمد، وابن ماجه، والترمذي وحسنه، ورجال إسناده ثقات عن أبي هريرة: "أن ماعزا لما وجد مس الحجارة فر يشتد، فأخبروا بذلك رسول الله ﵌، فقال: "هلا تركتموه" لأنه لا يدل على أنه قد سقط عنه الحد بذلك، بل على أنه إذا ترك ورجع إلى رسول الله ﷺ قد يأتي بشبهة مقبولة.
وهكذا لا يصح الاستدلال بحديث جابر عند أبي داود، والنسائي "أن ماعزا صرخ بهم فقال: يا قومي ردوني إلى رسول الله ﷺ فإن قومي قتلوني وغروني من نفسي، وأخبروني أن رسول الله ﵌ قال: "فهلا تركتموه وجئتموني به"، فإن رسول الله ﷺ إنما أراد رجوعه إليه للاستثبات إذا جاء بشبهة مقبولة.
على أنه قد روي في بعض طرق الحديث عند مسلم، والنسائي وأبي داود
стр. 304
-واللفظ له- من حديث أبي سعيد قال: "لما أمر رسول الله ﷺ برجم ماعز بن مالك خرجنا به إلى البقيع، فوالله ما أوسقناه ولا حفرنا له، ولكنه قام لنا، قال أبو كامل وهو الجحدري: فرميناه بالعظام، والمدر، والخزف، فاشتد واشتددنا خلفه حتى أتى عرض الحرة فانتصب لنا، فرميناه بجلاميد الحرة حتى سكت" فدل هذا على أنه إنما فر إلى المحل الذي توجد فيه الحجارة التي تسرع في القتل.
"وهكذا لا يصح الاستدلال بما أخرجه أبو داود عن بريدة قال: "كنا أصحاب رسول الله ﷺ نتحدث أن الغامدية وماعز بن مالك لو رجعا بعد اعترافهما، أو قال: لو لم يرجعا بعد اعترافهما لم يطلبهما، فإنه رجمهما بعد الرابعة".
ثم قال الشوكاني بعد ذلك: وعلى كل حال ليس التحدث الواقع بينهم مما تقوم به الحجة؛ لأنه مجرد حدس، وبهذا تعرف أنه لا دليل على أن الرجوع عن الإقرار يسقط به الحد، وقد حصل المقتضى بالإقرار فلا يسقطه إلا بدليل يدل على سقوطه دلالة بينة ظاهرة".
انتهى كلام الشوكاني في الدفاع عن رأيه، لكننا نسأل: وماذا نقول في الرواية التي رواها أبو داود١ التي بينت أن رسول الله ﷺ قال: "هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب الله عليه" ألا تدل هذه الرواية للرأي الآخر؟ وأليس هذا -كما يقول ابن عبد البر- أوضح دليل على أنه يقبل رجوعه٢.
стр. 305
هروب المقر أثناء تنفيذ الحد:
كما اختلف العلماء في الرجوع عن الإقرار في الحدود هل يقبل أم لا؟ اختلفوا في هروب المقر أثناء تنفيذ الحد عليه، هل يعد رجوعا عن الإقرار أم لا؟ على رأيين:
أحدهما: ما يراه الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وهو أن هروبه يعد رجوعا عن الإقرار١؛ لأن رسول الله ﷺ قال بعد أن ذكر له أنهم قتلوا ماعزا على الرغم من هروبه: "هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه" ٢.
الرأي الثاني: يراه فقهاء الشافعية في الأصح عندهم، وهو أن هروبه لا يسقط الحد عنه، وعللوا هذا بأنه قد صرح بالإقرار ولم يصرح بالرجوع، لكن مع هذا يرى فقهاء الشافعية أنه يجب الكف عنه في الحال، فلا يستمر تنفيذ الحد عليه، ولا يتبع، فإن رجع عن الإقرار قبل منه هذا الرجوع وإن لم يرجع عن إقراره نفذ الحد٣.
الرأي الراجح:
نرى -كما يرى بعض الباحثين٤- رجحان رأي الشافعية في الأصح عندهم؛ لأن الإنسان بطبيعته التي طبعه الله عليها يتأمل من العقوبات البدنية، كأي
стр. 306
حيوان آخر، فإذا اشتد به الألم فإنه عادة يحاول أن يوقف هذا الألم، ولو بالهروب من سبب الألم، وعلى هذا فالأولى أن لا يعتبر الهروب رجوعا عن الإقرار؛ لكن لأن القاعدة الشرعية أن الحدود تدرأ بالشبهات، وهروب المقر يصلح أن يكون شبهة تدرأ الحد عنه فإنه يجب أن يوقف التنفيذ في الحال، ولا يتبع، حتى نعلم منه أنه رجع عن إقراره فنتركه، وإلا تم تنفيذ الحد.
هذا، وقد بيّن بعض العلماء من الذاهبين إلى صحة الرجوع عن الإقرار بحقوق الله الخالصة أنه يسن للمقر بالزنا أن يرجع عن هذا الإقررا، بل صرحوا بأنه يسن له عدم الإقرار من أول الأمر، سترا على نفسه، ويجب عليه أن يتوب بينه وبين الله ﵎، لقول رسول الله ﷺ : "من أتى من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر الله تعالى، فإن من أبدى لنا صفحته أقمنا عليه الحد"، وصرحوا أيضًا بأنه يسن للشهود ترك الشهادة في جريمة الزنا، وكذلك يسن للقاضي، وغيره أن يعرض للمقر بالزنا بالرجوع، بأن يقول للمقر: لعلك قبلت، أو فاخذت، أو باشرت في غير الفرج، وما ماثل هذا؛ لأنه ﷺ عرض لماعز -عندما اعترف بالزنا- بالرجوع، حيث قال له: "لعلك قبلت، لعلك لمست، لعلك فاخذت، أبك جنون"؟.
وقال العلماء أيضا إن من المستحب التعريض للمقر بالسرقة بالرجوع، فيقول القاضي للمقر بالسرقة مثلا: لعلك أخذت المسروق من غير حرزه، أو أنك ظننته مالك، لكن قال العلماء: لا يقول القاضي له: ارجع عن إقرارك، لئلا يكون آمرا له بالكذب على احتمال أنه صادق في إقراره.
стр. 307
حكم الرجوع في حد القذف:
وقد بين العلماء أن هذا بالنسبة للحدود التي تعد حقوقا خالصة لله ، أما حد القذف فلأنه فيه حقا لله وحقا للإنسان -على اختلاف بين العلماء في أي الحقين هو الغالب١- فلا يجوز للقاضي ولا غيره أن يعرض فيه للمقر بالرجوع؛ لأنه يؤدي إلى ضياع حق الإنسان الذي طعن في شرفه وعرضه، وهو محتاج إلى دفع هذا العار الذي حاول أن يلصقه به المقر.
الرجوع عن الإقرار في السرقة يصح في حق العقوبة:
وقال بعض العلماء إن الرجوع عن الإقرار في السرقة يصح في حق العقوبة وهي قطع اليد، لا في حق المال؛ لأن حد السرقة حق خالص لله ، فيصح الرجوع عنه، فأما المال فحق الإنسان فلا يصح الرجوع فيه.
وأما حد القذف فلا يصح الرجوع عن الإقرار فيه؛ لأن فيه حقا للإنسان فيكون المقر متهما في الرجوع فلا يصح كالرجوع عن الإقرار في سائر الحقوق الخالصة للإنسان.
الرجوع عن الإقرار بالقصاص:
وكذلك الرجوع عن الإقرار بالقصاص لا يصح؛ لأن القصاص حق خالص للإنسان فلا يحتمل الرجوع٢.
стр. 308
الفرق في الرجوع بين حق الله وحق الإنسان:
والفرق بين حقوق الله وحقوق الإنسان، أن حق الله ﵎ مبني على المسامحة، أي: على المساهلة، وهو أيضًا مبني على الدرء والستر كلما أمكن ذلك، ولهذا يسقط بالشبهة، وأما حق الإنسان فمبني على المشاحة، أي: على المخاصمة والمجادلة١.
стр. 309
الوسيلة الثانية من وسائل الإثبات: البينة
مدخل
...
الوسيلة الثانية من وسائل الإثبات: البينة
البينة حجة شرعية ووسيلة من وسائل الإثبات بإجماع العلماء، لكن العلماء مختلفون في المراد بها، فهي عند جمهور العلماء مرادفة١ للشهود، أما عند ابن تيمية وابن القيم فلا تختص بالشهود، بل هي أعم من هذا، شاملة لكل ما يبين الحق ويوضحه، قال ابن القيم: "فالبينة اسم لكل ما يبين الحق ويظهره، ومن خصها بالشاهدين أو الأربعة، أو الشاهد لم يوف مسماها حقه، ولم تأت البينة قط في القرآن مرادا بها الحجة، والدليل، والبرهان، مفردة، ومجموعة، وكذلك قول النبي ﷺ : "البينة على المدعي" المراد به أن عليه ما يصحح دعواه ليحكم له، والشاهدان من البينة، ولا ريب أن غيرهما من أنواع البينة قد يكون أقوى منهما، كدلالة الحال على صدق المدعي فإنها أقوى من دلالة إخبار الشاهد٢.
لماذا خص الجمهور البينة بالشهود:
ومع أن جمهور العلماء يرون أن البينة مرادفة للشهود فإنني لم أجد -كما لم يجد بعض الباحثين من قبلي ممن كتبوا في هذا الموضوع٣- تعليلا لتخصيص البينة بالشهود.
ولعل الذي حدا جمهور العلماء على أن يخصوا البينة بالشهود أن البينة قد وردت في النصوص الشرعية في أكثر من موضع مرادا بها الشهود وحدهم، من
стр. 310
ذلك ما أخرجه البخاري وأبو داود، والترمذي عن ابن عباس ﵄ "أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء، فقال له النبي ﷺ : "البينة أو حد في ظهرك".
ومن المعلوم أن القرآن الكريم نص قبل هذه الحادثة على أن البينة التي تثبت بها جريمة الزنا هي أربعة شهود، وهو قول الله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ١.
ومن ذلك أن النبي ﷺ اختصم إليه الأشعث بن قيس مع آخر في بئر، فقال له النبي ﷺ : "بينتك أو يمينه" وفي رواية أخرى في نفس الواقعة أن الرسول ﷺ قال له: "شاهداك أو يمينه"، وهذا يعد تفسيرا للفظ البينة الوارد في الرواية الأولى٢. ولو لم يكن معنى
стр. 311
البينة هو الشاهدين في هذه القصة لما عبر راوي الحديث بلفظ "شاهداك أو يمينه".
ولعل الجمهور أيضا لاحظوا أن القرآن الكريم اعتبر الشهادة أساسا للإثبات في مواضع مختلفة، ففي البيع يقول الله : ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُم﴾ ١ وفي الطلاق والرجعة يقول : ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ ٢ وفي الديون يقول : ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ ٣ وفي الوصية في السفر يقول ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ ٤.
وأما ابن تيمية وابن القيم ومن وافقهما فيرون أن البينة إذا وردت في لسان الشرع فإنما المراد بها الحجة والدليل، ولم تأت مرادا بها الشهود وحدهم، فإذا حملناها على الشهود فقط, فإن هذا يكون تخصيصا بلا دليل يدل على التخصيص، ويلزم من ذلك أن نكون قد حملنا كلام الشارع على غير المراد، وهذا لا يجوز.
قال ابن القيم٥: "فإنها "يعني البينة" في كتاب الله اسم لكل ما يبين الحق كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ وقال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ وقال: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ وقال: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ وهذا كثير لم يختص لفظ البينة بالشاهدين ولا استعمل في الكتاب فيهما البتة".
стр. 312
هذا، ومع أن جمهور العلماء يرون أن البينة مرادفة للشهود, فإنهم لا يقصدون أن وسائل الإثبات منحصرة في الشهادة، بل إن مرادهم أن البينة إذا أطلقت لا تنصرف إلا إلى الشهادة، مع وجود وسائل أخرى للإثبات تكلموا عنها كالإقرار، وعلم القاضي، وغيرهما، إلا أن هذه الوسائل لا تسمى عندهم بينة، وإنما يسمونها بأسمائها١.
والشهادة إحدى وسائل الإثبات في النظام القضائي الإسلامي بالإجماع، وهي في اللغة الإخبار بصحة الشيء عن مشاهدة وعيان، لا عن تخمين وحسبان بحق على آخر، ولهذا قال بعض العلماء إنها مشتقة من المشاهدة التي تنبئ عن المعاينة، وبعض آخر يرى أنها مشتقة من الشهود بمعنى الحضور، روي أن رسول الله ﷺ قال: "الغنيمة لمن شهد الوقعة" أي: حضرها، ويقال: فلان شهد الحرب، أو شهد قضية كذا أي: حضرها.
وقد سمى الشهود بينة لحصول البيان بقولهم، وارتفاع الإشكال بشهادتهم، فالشهود يتبين بهم الحق أي: يظهر الحق بشهادتهم، ومن المعلوم أن تبين الحق إنما يكون بعد أداء الشهود لشهادتهم، فهم قبل أداء الشهادة شهود، وبعد أدائها بينة، ولكن أيضًا يسمون شهودا بعد الأداء باعتبار ما كان، ويسمونه بينة قبل الأداء باعتبار ما يئول إليه٢.
стр. 313
تعريف الشهادة عند الفقهاء
مدخل
...
تعريف الشهادة عند الفقهاء:
عرفها بعض فقهاء الشافعية بأنها: "إخبار بحق للغير على الغير بلفظ أشهد" وعرفها بعض آخر بأنها: "إخبار عن شيء بلفظ خاص".
ويرى القليوبي أحد فقهاء الشافعية أن التعريف الثاني أولى؛ لأنه يشمل مثل الشهادة برؤية الهلال، فليس فيها إخبار بحق للغير على الغير، قال القليوبي: ولعل اختيار الأول لأجل قولهم: والإقرار إخبار بحق لغيره عليه، وعكسه الدعوى.
ويمكن أن نقول إن التعريف الأول يصح أن يكون جامعا للشهادة برؤية الهلال؛ لأن الذي يشهد برؤية هلال رمضان يشهد بأن الصوم وجب على العباد، وهي شهادة بحق الله على البشر أن يصوموا رمضان، فهي أيضًا شهادة بحق للغير على الغير.
وعرفها بعض فقهاء الحنفية بأنها: "إخبار بتصديق مشروطا فيه مجلس القضاء ولفظة الشهادة"١.
أدلة مشروعية الشهادة:
الشهادة: حجة مظهرة للحق مشروعة بنصوص القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، وإجماع علماء الأمة الإسلامية.
فمن القرآن الكريم قول الله : ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ ٢. وقوله : ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ٣.
ومن السنة إخبار كخبر الصحيحين: "ليس لك إلا شاهداك أو يمينه" وما رواه البيهقي وغيره أن رسول الله ﷺ قال: "البينة على المدعي"، وأما خبر: "أكرموا الشهود فإن الله تعالى يستخرج بهم الحقوق ويدفع بهم الظلم" فضعيف كما قاله البيهقي، وقال الذهبي في الميزان: إنه حديث منكر.
وقد أجمعت الأمة على أن الشهادة حجة مشروعة٤.
стр. 314
حكم الشهادة:
يجب على القاضي أن يحكم بموجبها إذا كانت مستوفية لشروطها؛ لأنها إذا كانت مستوفية لشروطها مظهرة للحق، والقاضي مأمور بالقضاء بالحق، قال ﵎: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ ١.
أداء الشهادة:
أداء الشهادة فرض كفاية على من علمها، فإن تعينت عليه لزمه القيام بها، وإن قام بها اثنان غيره سقط عنه أداؤها إذا قبلها القاضي، فإن كان قد تحملها جماعة فأداؤها واجب على الكل، فإذا امتنعوا أثموا جميعا كسائر فروض الكفايات.
стр. 315
ودليل وجوبها قول الحق ﵎: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ ١، فقد نهى الله ﵎ عن الإباء عند الدعاء للشهادة، وهذا أمر بالحضور عند الدعاء، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ﴾ ٢، وهذا وعيد من الله ، واستحقاق الوعيد بترك الواجب. وقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ وفي الآية الأخرى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ .
ولأن الشهادة أماة فيلزمه أداؤها عند طلبها قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ .
ومعنى أن الشهادة فرض على الكفاية، أنه إذا أدى الشهادة البعض من الناس سقط الفرض عن الباقين؛ لأنه إذا أبى جميع الناس أن يؤدوا الشهادة أدى هذا إلى إضاعة الحقوق، وإذا أجاب الناس كلهم إليها أدى هذا إلى تضييع الأعمال، فصارت لهذا فرضا على الكفاية٣. فإذا عجز عن أدائها أو كان سيلحقه ضرر في بدنه، أو ماله، أو أهله، أو عرضه فقد أفتى بعض العلماء بأنها لا تجب عليه٤، لقول الله : ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ ٥.
стр. 316
يجب أداؤها عند الطلب:
يجب أداء الشهادة إذا طلبها المدعي لأنها حقه، فتتوقف على طلبه كسائر الحقوق، وإذا كان صاحب الحق لا يعلم بها، وخاف الشاهد فوت الحق على صاحبه، فيرى فريق من العلماء أن أداء الشهادة حينئذ مندوب وليس واجبا، وقال فريق آخر يجب عليه أن يشهد بلا طلب من صاحب الحق.
أما الذين يرون أن الأداء للشهادة حينئذ مندوب وليس فرضا، فقد استدلوا لرأيهم بقول الله ﵎: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ فإن الله ﵎ فرض أداء الشهادة إذا دعي الشهداء إلى الأداء، فإذا لم يدع الشاهد إلى الأداء كان الأداء ندبا لما روي أن رسول الله ﷺ قال: "خير الشهود الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها".
وأما أصحاب الرأي القائل بالوجوب -وهو الصحيح- فيستندون إلى ما ثبت عن الرسول ﷺ من قوله: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" فقد تعين أن ينصره بأداء الشهادة التي هي عنده، إحياء لحقه الذي يكاد أن يضيع عليه١. وهذا في حقوق الناس.
أما في حقوق الله ﵎ -وهي كل ما ليس للمكلف إسقاطه٢- فيجب أداء الشهادة فيها بلا طلب من أحد، وقد استثنى العلماء من حقوق الله الحدود، فبينوا أن الشاهد في الحدود مخير بين الستر والإظهار؛ لأن إقامة الحدود حسبة، والستر على المسلم حسبة، والستر أفضل، لقول الرسول -صلى الله
стр. 317
عليه وسلم- للذي شهد عنده: "لو سترته بثوبك لكان خيرا لك" وقوله ﷺ : "من ستر على مسلم ستر الله عليه في الدنيا والآخرة" وقد صح أن النبي ﷺ عرض لماعز بالرجوع عن الإقرار بالزنا، وسأله عن حاله سترا عليه، وكفى به ﵊ قدوة لنا. والنصوص القرآنية التي أمرت بأداء الشهادة محمولة على الشهادة في حقول الإنسان، بدليل السياق في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ وقول سبحانه: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ فإن هذه النصوص الكريمة جاءت في سياق الكلام عن الديون بين العباد، وقال العلماء: إن الستر والكتمان إنما يحرم لخوف فوت حق المدعي المحتاج إلى إحياء حقه من الأموال وذلك في حق العباد، وأما الحدود فهي حقوق لله ﵎ وهو موصوف بالغنى والكرم, وليس فيه فوت حقه فلهذا جاز للشاهد أن يختار جانب الستر في الحدود١.
لكن العلماء قالوا في السرقة: يجب على الشاهد أن يشهد بالمال فيقول: فلان أخذ المال، لكي يحفظ حق المسروق منه، ولا يقول: فلان سرق، لكي يصون يد السارق عن القطع، وبهذا يكون قد جمع بين الستر والإظهار٢.
ويعجبني هنا تقسيم بعض العلماء -كسليمان الباجي، وابن فرحون من كبار فقهاء المالكية المشهورين- لحقوق الله ﵎ بالنسبة لأداء الشهادة، فقد قسمها هذا البعض إلى قسمين:
أحدهما: قسم لا يستدام فيه التحريم.
стр. 318
والثاني: قسم يستدام فيه التحريم.
فأما القسم الذي لا يستدام فيه التحريم مثل الزنا، وشرب الخمر، وما أشبه ذلك فلا يضر الشاهد تركه لأداء الشهادة، والتعليل لهذا الحكم أنه بهذا العمل قد ستر على مرتكب الفعل، والستر في مثل ذلك جائز، بل مستحب، لقول رسول الله ﷺ لهزال في قضية ماعز الذي اعترف للرسول ﷺ بالزنا: "هلا سترته بردائك"، وإن كان ابن رشد قد أشار إلى أن هذا الحكم في حق من يندر منه مثل هذه الأفعال، وأما الإنسان الذي يكثر منه وقوع مثل هذه الأفعال وعمل أنه مشتهر ولا ينفك عنه فينبغي أن يشهد عليه, وأن يبلغ الحاكم بما ارتكبه من جريمة.
وأما القسم الذي يستدام فيه التحريم، وذلك كالطلاق، والخلع والرضاع، والعتق، والعفو عن القصاص، وتملك المساجد، والقناطر والطرق، وما أشبه ذلك فإنه يلزمه أن يخبر بشهادته وأن يبلغ الحاكم بما علمه.
وصرح بعض المالكية بأنه إذا لم يؤد الشهادة في هذا النوع من حقوق الله ﵎، فإن ذلك يعد تجريحا له، فلا يصلح للشهادة بعد ذلك؛ لأن سكوته عن ذلك بعدم أدائه للشهادة جرحة في حقه إلا إذا ثبت أنه كان له عذر في عدم القيام بأداء الشهادة١.
وبان مما سبق أن الستر على المسلم في حقوق الله أفضل، لحث رسول الله ﷺ على ذلك.
стр. 319
وبين العلماء أن الستر مندوب وليس واجبا، فلو رفعه إلى الحاكم كان متعاطيا لأمر من الأمور الجائزة فلا يكون مرتكبا لإثم والدليل على ذلك أن الرسول ﷺ لم يوجه لوما إلى هزال في قصة ماعز، ولا أبان له أنه ارتكب إثما، بل حرضه على أنه كان ينبغي له أن يستره.
قال الصنعاني: بعد أن بين ذلك١: "فإن علم أنه تاب وأقلع حرم عليه ذكر ما وقع فيه ووجب عليه ستره، وهو في حق من لا يعرف بالفساد والتمادي في الطغيان، وأما من عرف بذلك فإنه لا يستحب الستر عليه، بل يرفع أمره إلى من له الولاية إذا لم يخف من ذلك مفسدة؛ وذلك لأن الستر عليه يغريه على الفساد ويجرئه على أذية العباد، ويجرئ غيره من أهل الشر والعناد، وهذا بعد انقضاء فعل المعصية، فأما إذا رآه وهو فيها فالواجب المبادرة لإنكارها والمنع منها مع القدرة على ذلك، ولا يحل تأخيره؛ لأنه من باب إنكار المنكر لا يحل تركه مع الإمكان".
وقال الصنعاني بعد ذلك: "وأما إذا رآه يسرق مال زيد فهل يجب عليه إخبار زيد بذلك أو ستر السارق؟ " وأجاب عن هذا السؤال بقوله: "الظاهر أنه يجب عليه إخبار زيد وإلا كان معينا للسارق بالكتم منه على الإثم، والله تعالى يقول: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ .
ولما بيّن العلماء أن الستر مندوب، بينوا أن الشهادة تكون خلاف الأولى، قال الكمال بن الهمام: "وإذا كان الستر مندوبا إليه ينبغي أن تكون الشهادة به خلاف الأولى التي مرجعها إلى كراهة التنزيه؛ لأنها في رتبة الندب في جانب الفعل وكراهة التنزيه في جانب الترك" ثم قال الكمال بن الهمام: "وهذا يجب أن
стр. 320
يكون بالنسبة إلى من لم يعتد الزنا ولم يتهتك به، أما إذا وصل الحال إلى إشاعته والتهتك به، بل بعضهم ربما افتخر به فيجب كون الشهادة به أولى من تركها؛ لأن مطلوب الشارع إخلاء الأرض من المعاصي والفواحش بالخطابات المفيدة لذلك, وذلك يتحقق بالتوبة من الفاعلين والزجر لهم، فإذا ظهر حال الشره في الزنا مثلا، والشرب، وعدم المبالاة به، وإشاعته، فإخلاء الأرض المطلوب حينئذ بالتوبة، احتمال يقابله ظهور عدمها ممن اتصف بذلك، فيجب تحقيق السبب الآخر للإخلاء وهو الحدود, بخلاف من زنى مرة أو مرارا متسترا متخوفا متندما عليه، فإنه محل استحباب ستر الشاهد"١.
وإذا كان الستر جائزا في حقوق الله بالنسبة إلى الشهود فهو جائز أيضا بالنسبة إلى مرتكب فاحشة كالزنا والخمر. كما بين الغزالي، فقد قسم العزالي الكذب إلى واجب ومباح ومحرم. وقال: "إن كل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعا فالكذب فيه حرام، وإن أمكن التوصل إليه بالكذب وحده فمباح إن أنتج تحصيل ذلك المقصود. وواجب إن وجب تحصيل ذلك. وهو إذا كان فيه عصمة من يجب إنقاذه، وكذا إذا خشي على الوديعة من ظالم وجب الإنكار والحلف، وكذا إذا كان لا يتم مقصود حرب أو إصلاح ذات البين أو استمالة قلب المجني عليه إلا بالكذب فهو مباح، ثم قال: وكذا إذا وقعت منه فاحشة كالزنا وشرب الخمر وسأله السلطان فله أن يكذب ويقول: ما فعلت، ثم قال: "وينبغي أن تقابل مفسدة الكذب بالمفسدة المترتبة على الصدق، فإن كانت مفسدة الصدق أشد فله الكذب، وإن كانت بالعكس أو شك فيها حرم الكذب، وإن تعلق بنفسه استحب أن لا يكذب، وإن تعلق بغيره لم تحسن المسامحة بحق