يجب أداؤها عند الطلب:
يجب أداء الشهادة إذا طلبها المدعي لأنها حقه، فتتوقف على طلبه كسائر الحقوق، وإذا كان صاحب الحق لا يعلم بها، وخاف الشاهد فوت الحق على صاحبه، فيرى فريق من العلماء أن أداء الشهادة حينئذ مندوب وليس واجبا، وقال فريق آخر يجب عليه أن يشهد بلا طلب من صاحب الحق.
أما الذين يرون أن الأداء للشهادة حينئذ مندوب وليس فرضا، فقد استدلوا لرأيهم بقول الله ﵎: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ فإن الله ﵎ فرض أداء الشهادة إذا دعي الشهداء إلى الأداء، فإذا لم يدع الشاهد إلى الأداء كان الأداء ندبا لما روي أن رسول الله ﷺ قال: "خير الشهود الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها".
وأما أصحاب الرأي القائل بالوجوب -وهو الصحيح- فيستندون إلى ما ثبت عن الرسول ﷺ من قوله: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" فقد تعين أن ينصره بأداء الشهادة التي هي عنده، إحياء لحقه الذي يكاد أن يضيع عليه١. وهذا في حقوق الناس.
أما في حقوق الله ﵎ -وهي كل ما ليس للمكلف إسقاطه٢- فيجب أداء الشهادة فيها بلا طلب من أحد، وقد استثنى العلماء من حقوق الله الحدود، فبينوا أن الشاهد في الحدود مخير بين الستر والإظهار؛ لأن إقامة الحدود حسبة، والستر على المسلم حسبة، والستر أفضل، لقول الرسول -صلى الله
стр. 317
عليه وسلم- للذي شهد عنده: "لو سترته بثوبك لكان خيرا لك" وقوله ﷺ : "من ستر على مسلم ستر الله عليه في الدنيا والآخرة" وقد صح أن النبي ﷺ عرض لماعز بالرجوع عن الإقرار بالزنا، وسأله عن حاله سترا عليه، وكفى به ﵊ قدوة لنا. والنصوص القرآنية التي أمرت بأداء الشهادة محمولة على الشهادة في حقول الإنسان، بدليل السياق في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ وقول سبحانه: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ فإن هذه النصوص الكريمة جاءت في سياق الكلام عن الديون بين العباد، وقال العلماء: إن الستر والكتمان إنما يحرم لخوف فوت حق المدعي المحتاج إلى إحياء حقه من الأموال وذلك في حق العباد، وأما الحدود فهي حقوق لله ﵎ وهو موصوف بالغنى والكرم, وليس فيه فوت حقه فلهذا جاز للشاهد أن يختار جانب الستر في الحدود١.
لكن العلماء قالوا في السرقة: يجب على الشاهد أن يشهد بالمال فيقول: فلان أخذ المال، لكي يحفظ حق المسروق منه، ولا يقول: فلان سرق، لكي يصون يد السارق عن القطع، وبهذا يكون قد جمع بين الستر والإظهار٢.
ويعجبني هنا تقسيم بعض العلماء -كسليمان الباجي، وابن فرحون من كبار فقهاء المالكية المشهورين- لحقوق الله ﵎ بالنسبة لأداء الشهادة، فقد قسمها هذا البعض إلى قسمين:
أحدهما: قسم لا يستدام فيه التحريم.
стр. 318
والثاني: قسم يستدام فيه التحريم.
فأما القسم الذي لا يستدام فيه التحريم مثل الزنا، وشرب الخمر، وما أشبه ذلك فلا يضر الشاهد تركه لأداء الشهادة، والتعليل لهذا الحكم أنه بهذا العمل قد ستر على مرتكب الفعل، والستر في مثل ذلك جائز، بل مستحب، لقول رسول الله ﷺ لهزال في قضية ماعز الذي اعترف للرسول ﷺ بالزنا: "هلا سترته بردائك"، وإن كان ابن رشد قد أشار إلى أن هذا الحكم في حق من يندر منه مثل هذه الأفعال، وأما الإنسان الذي يكثر منه وقوع مثل هذه الأفعال وعمل أنه مشتهر ولا ينفك عنه فينبغي أن يشهد عليه, وأن يبلغ الحاكم بما ارتكبه من جريمة.
وأما القسم الذي يستدام فيه التحريم، وذلك كالطلاق، والخلع والرضاع، والعتق، والعفو عن القصاص، وتملك المساجد، والقناطر والطرق، وما أشبه ذلك فإنه يلزمه أن يخبر بشهادته وأن يبلغ الحاكم بما علمه.
وصرح بعض المالكية بأنه إذا لم يؤد الشهادة في هذا النوع من حقوق الله ﵎، فإن ذلك يعد تجريحا له، فلا يصلح للشهادة بعد ذلك؛ لأن سكوته عن ذلك بعدم أدائه للشهادة جرحة في حقه إلا إذا ثبت أنه كان له عذر في عدم القيام بأداء الشهادة١.
وبان مما سبق أن الستر على المسلم في حقوق الله أفضل، لحث رسول الله ﷺ على ذلك.
стр. 319
وبين العلماء أن الستر مندوب وليس واجبا، فلو رفعه إلى الحاكم كان متعاطيا لأمر من الأمور الجائزة فلا يكون مرتكبا لإثم والدليل على ذلك أن الرسول ﷺ لم يوجه لوما إلى هزال في قصة ماعز، ولا أبان له أنه ارتكب إثما، بل حرضه على أنه كان ينبغي له أن يستره.
قال الصنعاني: بعد أن بين ذلك١: "فإن علم أنه تاب وأقلع حرم عليه ذكر ما وقع فيه ووجب عليه ستره، وهو في حق من لا يعرف بالفساد والتمادي في الطغيان، وأما من عرف بذلك فإنه لا يستحب الستر عليه، بل يرفع أمره إلى من له الولاية إذا لم يخف من ذلك مفسدة؛ وذلك لأن الستر عليه يغريه على الفساد ويجرئه على أذية العباد، ويجرئ غيره من أهل الشر والعناد، وهذا بعد انقضاء فعل المعصية، فأما إذا رآه وهو فيها فالواجب المبادرة لإنكارها والمنع منها مع القدرة على ذلك، ولا يحل تأخيره؛ لأنه من باب إنكار المنكر لا يحل تركه مع الإمكان".
وقال الصنعاني بعد ذلك: "وأما إذا رآه يسرق مال زيد فهل يجب عليه إخبار زيد بذلك أو ستر السارق؟ " وأجاب عن هذا السؤال بقوله: "الظاهر أنه يجب عليه إخبار زيد وإلا كان معينا للسارق بالكتم منه على الإثم، والله تعالى يقول: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ .
ولما بيّن العلماء أن الستر مندوب، بينوا أن الشهادة تكون خلاف الأولى، قال الكمال بن الهمام: "وإذا كان الستر مندوبا إليه ينبغي أن تكون الشهادة به خلاف الأولى التي مرجعها إلى كراهة التنزيه؛ لأنها في رتبة الندب في جانب الفعل وكراهة التنزيه في جانب الترك" ثم قال الكمال بن الهمام: "وهذا يجب أن
стр. 320
يكون بالنسبة إلى من لم يعتد الزنا ولم يتهتك به، أما إذا وصل الحال إلى إشاعته والتهتك به، بل بعضهم ربما افتخر به فيجب كون الشهادة به أولى من تركها؛ لأن مطلوب الشارع إخلاء الأرض من المعاصي والفواحش بالخطابات المفيدة لذلك, وذلك يتحقق بالتوبة من الفاعلين والزجر لهم، فإذا ظهر حال الشره في الزنا مثلا، والشرب، وعدم المبالاة به، وإشاعته، فإخلاء الأرض المطلوب حينئذ بالتوبة، احتمال يقابله ظهور عدمها ممن اتصف بذلك، فيجب تحقيق السبب الآخر للإخلاء وهو الحدود, بخلاف من زنى مرة أو مرارا متسترا متخوفا متندما عليه، فإنه محل استحباب ستر الشاهد"١.
وإذا كان الستر جائزا في حقوق الله بالنسبة إلى الشهود فهو جائز أيضا بالنسبة إلى مرتكب فاحشة كالزنا والخمر. كما بين الغزالي، فقد قسم العزالي الكذب إلى واجب ومباح ومحرم. وقال: "إن كل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعا فالكذب فيه حرام، وإن أمكن التوصل إليه بالكذب وحده فمباح إن أنتج تحصيل ذلك المقصود. وواجب إن وجب تحصيل ذلك. وهو إذا كان فيه عصمة من يجب إنقاذه، وكذا إذا خشي على الوديعة من ظالم وجب الإنكار والحلف، وكذا إذا كان لا يتم مقصود حرب أو إصلاح ذات البين أو استمالة قلب المجني عليه إلا بالكذب فهو مباح، ثم قال: وكذا إذا وقعت منه فاحشة كالزنا وشرب الخمر وسأله السلطان فله أن يكذب ويقول: ما فعلت، ثم قال: "وينبغي أن تقابل مفسدة الكذب بالمفسدة المترتبة على الصدق، فإن كانت مفسدة الصدق أشد فله الكذب، وإن كانت بالعكس أو شك فيها حرم الكذب، وإن تعلق بنفسه استحب أن لا يكذب، وإن تعلق بغيره لم تحسن المسامحة بحق
стр. 321
الغير، والحزم تركه حيث أبيح"١.
لا يجوز الشهادة إلا بما علمه الإنسان:
قال العلماء إنه لا تجوز الشهادة إلا بما يعلمه الإنسان، لقول الله ﵎: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٢، وقوله ﵎: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ ٣.
ويذكر بعض العلماء في هذا المقام حديثا مرويا عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما، أخرجه ابن عدي بإسناد ضعيف، أن النبي ﷺ قال لرجل: "ترى الشمس؟ ", قال: نعم، قال: "على مثلها فاشهد أو دع"، لكن ابن حجر العسقلاني أحد كبار علماء الحديث ضعف هذا الحديث، مع تصحيح الحاكم له، فقرر أن الحاكم أخطأ في تصحيح هذا الحديث؛ لأن في إسناده محمد بن سليمان بن مشمول، وقد ضعفه النسائي، وقال البيهقي: لم يرو من وجه يعتمد عليه٤.
مدرك العلم الذي تقع به الشهادة:
مدرك العلم الذي تقع به الشهادة اثنان:
١- الرؤية.
стр. 322
٢- السماع.
وما عدا ذلك من مدارك العلم، كالشم والذوق، واللمس، لا حاجة إليها في الشهادة في الأغلب.
فأما ما يقع بالرؤية فالأفعال، مثل الغصب، والإتلاف، والزنا، وشرب الخمر، وسائر الأفعال، وكذلك الصفات المرئية، كالعيوب في البيع ونحوها، فهذا لا تتحمل الشهادة فيه إلا بالرؤية؛ لأن الشهادة عليه ممكنة قطعا، فلا يرجع إلى غير ذلك.
وأما السماع فنوعان:
أحدهما: السماع من المشهود عليه، مثل العقود كالبيع، والإجارة، والرهن، وغير ذلك من الأقوال، فلا بد من سماع كلام المتعاقدين، ولكن هل لا بد من رؤية المتعاقدين أم يكفي سماع صوتيهما من غير رؤية:
يرى بعض العلماء أنه لا تجوز الشهادة إلا إذا شاهد الشاهد المشهود عليه، وهذا ما يراه أبو حنيفة، والشافعي؛ لأن الأصوات تتشابه، فلا يجوز أن يشهد عليها من غير رؤية، كالشهادة على الخط.
ويرى فريق آخر من العلماء أنه لا يشترط رؤية المتعاقدين إذا عرفهما الشاهد وتيقن كلامهما، وهذا ما يراه ابن عباس، والزهري، وربيعة، والليث بن سعد، وشريح، وعطاء، وابن أبي ليلى، ومالك، والحنابلة؛ لأن الشاهد عرف المشهود عليه يقينا فجازت شهادته عليه كما لو كان رآه، وجواز اشتباه الأصوات كجواز اشتباه الصور، وإنما تجوز الشهادة لمن عرف المشهود عليه يقينا، وقد يحصل العلم
стр. 323
بالسماع يقينا، وقد ثبت أن الشرع اعتبره، فإنه من الجائز رواية الحديث الشريف من غير رؤية، ولهذا قبلت رواية الأعمى للحديث، ورواية الذين رووا الحديث عن أزواج رسول الله ﷺ من غير محارمهن، فإنهم رووا عنهن الحديث من غير رؤية لهن؛ لأن مخاطبة الرجال الأجانب لزوجات الرسول ﷺ لا تجوز إلا من وراء حجاب، قال ﵎: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ١.
النوع الثاني من السماع: ما يعلمه بالاستفاضة:
وقد اتفق العلماء على صحة الشهادة بالاستفاضة في النسب، والولادة قال ابن المنذر: أما النسب فلا أعلم أحدا من أهل العلم منع منه، ولو منع ذلك لاستحالت معرفة الشهادة به، إذ لا سبيل إلى معرفته قطعا بغيره، ولا يمكن المشاهدة فيه، ولو اعتبرت المشاهدة لما عرف أحد أباه ولا أمه ولا أحدا من أقاربه.
واختلف الفقهاء فيما تجوز الشهادة عليه بالاستفاضة غير النسب والولادة، فيرى الحنابلة وبعض فقهاء الشافعية أن الشهادة بالاستفاضة تجوز على تسعة أشياء: الزوجية، والملك المطلق، أي: الذي لم يبين له سبب من عقد أو غيره، والوقف ومصرفه، والموت، والعتق، والولاء٢، والولاية، والعزل؛ لأن هذه الأشياء تتعذر الشهادة عليها في الغالب بمشاهدتها أو مشاهدة أسبابها، فجازت الشهادة عليها بالاستفاضة كالنسب.
стр. 324
ويرى بعض آخر من فقهاء الشافعية أنه لا تجوز الشهادة بالاستفاضة في الوقف، والولاء، والعتق، والزوجية؛ لأن الشهادة ممكنة فيها بالقطع، فإنها شهادة بعقد، فتكون كالشهادة على سائر العقود, ويرى أبو حنيفة أن الشهادة بالاستفاضة لا تقبل إلا في الزواج، والموت، ولا تقبل في الملك المطلق؛ لأنها شهادة بمال فهي أشبه بالدين.
وقد رد ابن قدامة على بعض فقهاء الشافعية الذي يرى عدم جواز الشهادة بالاستفاضة في الوقف، والولاء، والعتق، والزوجية، بأن الشهادة هنا ليست بالعقود، وإنما الشاهد يشهد بالوقف الحاصل بالعقد، فهو بمنزلة الملك، وكذلك يشهد بالزوجية دون العقد، وكذلك الحرية، والولاء، وهذه جميعها لا يمكن القطع بها كما لا يمكن القطع بالملك١.
بم تحصل الاستفاضة؟
يرى الهادوية إحدى فرق الزيدية أن الاستفاضة شهرة في المحلة تثمر ظنا أو علما٢. وعند بعض فقهاء الحنابلة أن الاستفاضة تحصل بكثرة الإخبار بالأمر الذي يشهد عليه، ويسمعه من عدد كثير يحصل به العلم، وعن بعض آخر من فقهاء الحنابلة, وهو قول المتأخرين من فقهاء الشافعية أنه يكفي أن يسمع الشاهد من اثنين عدلين ويسكن قلبه إلى خبرهما؛ لأن الحقوق تثبت بقول اثنين، وقد رجح ابن قدامة أن الاستفاضة تحصل بكثرة الإخبار بالأمر الذي يشهد عليه ويسمعه من عدد كثير يحصل به العلم، معللا هذا بأنه هو الذي يقتضيه لفظ الاستفاضة، فإنها مأخوذة من فيض الماء لكثرته٣.
стр. 325
هل يشترط لفظ الشهادة عند الأداء:
اشترط الحنفية في كتبهم١، وكذا الشافعية٢، والحنابلة٣ أن تؤدي الشهادة بلفظ أشهد، ونقل ابن القيم٤ الفقيه الحنبلي المشهور أن مذهب مالك ﵀، وأبي حنيفة وظاهر كلام أحمد بن حنبل، أنه لا يشترط في صحة الشهادة لفظ أشهد، بل متى قال الشاهد: رأيت كذا، أو سمعت ونحو ذلك، كانت شهادة منه.
وصرح المالكية بأنه لا يشترط في أداء الشهادة صيغة معينة، فتصح بكل ما يدل على حصول علم الشاهد بالأمر الذي يشهد به، كقوله رأيت كذا، أو سمعت كذا٥.
وكذلك يرى ابن تيمية أنه لا يشترط لفظ الشهادة حتى تصح، فكل من أخبر بشيء فقد شهد به وإن لم يتلفظ بلفظ أشهد، قال ابن تيمية: اشتراط لفظ الشهادة لا أصل له في كتاب الله، ولا سنة رسوله، ولا قول أحد من الصحابة،
стр. 326
ولا يتوقف إطلاق لفظ الشهادة لغة على ذلك١.
وفي كتب الحنفية نجد تعليلا لاشتراط لفظ الشهادة بأن الأمر بالشهادة في النصوص القرآنية والحديثية جاء بلفظ الشهادة، قال الله ﵎: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ وذكروا هنا أيضا حديثا ضعفه بعض علماء الحديث وهو حديث: "إذا رأيت مثل الشمس فاشهد".
وحاصل هذا أن النصوص وردت بلفظ الشهادة، وهنا يمكن أن يثار اعتراض على هذا الاستدلال بأن غاية ما هناك أن النصوص وردت بلفظ الشهادة, وذلك لا يوجب على الشاهد لفظ الشهادة، كما قال تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ، وكما جاء في السنة في تكبير افتتاح الصلاة قوله ﷺ : "تحريمها التكبير"، ومع ذلك فإن أبا حنيفة لم يشترط في تكبيرة الإحرام لفظ التكبير٢ فمن أين لزم في الشهادة؟.
وقد أجاب الكمال بن الهمام عن هذا الاعتراض, بأنه يوجد فرق معنوي، هو أن لفظة الشهادة أقوى في إفادة تأكيد متعلقها من غيرها من الألفاظ كأعلم وأتيقن، لما فيها من اقتضاء معنى المشاهدة والمعاينة التي مرجعها الحس؛ ولأنها من
стр. 327
ألفاظ الحلف، فالامتناع عن الكذب بهذا اللفظ أظهر بخلاف التكبير فإنه للتعظيم، وليس لفظ أكبر أبلغ من لفظ أجل، أو لفظ أعظم، فكانت الألفاظ سواء، فلم يثبت خصوصية توجب تعيين لفظ أكبر١.
وأما ابن قدامة، الفقيه الحنبلي الشهير، فقد علل لاشتراط لفظ الشهادة بأمرين:
الأمر الأول: أن الشهادة مصدر شهد يشهد شهادة، فلا بد من الإتيان بفعلها المشتق منها.
الأمر الثاني: أن لفظة الشهادة فيها معنى لا يحصل في غيرها من اللفظات، بدليل أنها تستعمل في اليمين فيقال: أشهد بالله، ولهذا تستعمل في اللعان ولا يحصل ذلك من غيرها من الألفاظ٢.
ونرى أن الرأي القائل بعدم اشتراط لفظ أشهد أولى بالترجيح، ونقول مع ابن القيم: "ليس في كتاب الله تعالى، ولا سنة رسول الله ﷺ موضع واحد يدل على اشتراط لفظ الشهادة، ولا ورد ذلك من أحد من الصحابة، ولا ورد في القياس والاستنباط ما يقتضي ذلك، بل الأدلة المتظاهرة من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، ولغة العرب تنفي ذلك، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ﴾ الآية، ومعلوم أنه ليس المراد التلفظ بلفظ أشهد في هذا المحل، بل مجرد الإخبار بتحريمه، وقال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ ، ولا يتوقف صحة ذلك على أن يقول سبحانه: أشهد، وكذلك قوله تعالى: ﴿شَهِدَ
стр. 328
اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ أي: أخبر به وتكلم به عن علم، وقال تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ والمقر على نفسه لا يقول أشهد، وسمى ذلك شهادة، ولا يفتقر صحة الإسلام إلى أن يقول الداخل في الإسلام أشهد أن لا إله إلا الله، بل لو قال: لا إله إلا الله، محمد رسول الله كفى، وقال تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ، حُنَفَاءَ﴾ ، وقال ﵊: "عدلت شهادة الزور الإشراك بالله" وقال ﵊: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، ألا وقول الزور" فسمى قول الزور شهادة، وقال ابن عباس: "شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس" ومعلوم أن عمر بن الخطاب لم يقل لابن عباس: أشهد عندك، ولكن أخبره، فسمى ذلك شهادة، فاشتراط لفظ الشهادة لا أصل له في الكتاب ولا في السنة، ولا في عمل السلف الصالح" ا. هـ.
ويرى ابن فرحون أن مما يؤيد ما نقله ابن قيم الجوزية عن مذهب المالكية وهو عدم اشتراط لفظ الشهادة، ما ذكره ابن بطال، في المقنع عن أصبغ قال: لقد حضرت ابن وهب ومن معه من الفقهاء عند القاضي العمري، فكان كاتب القاضي يقرأ على القاضي شهادة الشاهد بمحضر الشاهد، ثم يقول للشاهد: هذه شهادتك، فإذا قال نعم، قبل ذلك منه. فقول الشاهد نعم ليس هو إنشاء للشهادة،
стр. 329
وقد اكتفى به من الشاهد١.
شروط الشاهد:
شروط الشاهد إما أن تكون شروطا في تحمله الشهادة أي: ساعة مشاهدة الحدث، أو تكون شروطا في أدائها، فأما شروط التحمل فثلاثة شروط:
الشرط الأول: أن يكون عاقلا وقت التحمل، فلا يحصل التحمل من المجنون والصبي الذي لا يعقل؛ لأن تحمل الشهادة ما هو إلا فهم للحادثة وضبطها، وهذا لا يحصل إلا بوجود آلة الفهم والضبط، وهي العقل.
الشرط الثاني: يرى الحنفية اشتراط البصر وقت التحمل فلا يصح تحمل الشهادة من الأعمى، ويرى الشافعي أن البصر ليس شرطا لصحة التحمل، ولا لصحة الأداء.
التعليل لرأي الحنفية:
أما الحنفية فقد عللوا لرأيهم بأن الشرط في الشهادة هو سماع الشاهد من الخصم؛ لأن الشهادة تقع له، ولا يعرف الشاهد كونه خصما إلا بالرؤية؛ لأن النغمات يشبه بعضها بعضا.
التعليل لرأي الشافعي:
وأما التعليل لرأي الشافعي فهو أن الحاجة إلى البصر عند التحمل لحصول العلم بالمشهود به، وذلك يحصل بالسماع، وللأعمى سماع صحيح، فيصح تحمله الشهادة، ويقدر على الأداء بعد التحمل٢، وسنعود إن شاء الله تعالى إلى الكلام
стр. 330
عن شهادة الأعمى بتفصيل عند الكلام عن شروط الأداء.
الشرط الثالث من شروط التحمل: أن يكون التحمل بمعاينة المشهود به بنفسه لا بغيره إلا في أشياء مخصوصة يصح التحمل فيها بالتسامع من الناس، مثل الزواج، والنسب, والموت، فله تحمل الشهادة في هذه الأشياء بالتسامع من الناس وإن لم يعاين بنفسه؛ لأن مبنى هذه الأشياء على الاشتهار فقامت الشهرة فيها مقام المعاينة، فالزوج مثلا من شأنه أن يعلمه الكثير من الناس كبيرهم وصغيرهم، وكذلك النسب، والموت، فتشيع أخبار أمثال ما ذكرنا بخلاف الحال في عقد بيع مثلا، فقد لا يعلمه إلا طرفا العقد والشاهدان، ولا يتسامع به الناس، وكذلك الأمر في قرض أو رهن وأشباه ذلك، من الأمور التي ليست مما يتسامع به الناس عادة، فلا بد فيها من معاينة المشهود بنفسه.
لا يشترط في التحمل الإسلام والحرية والعدالة:
ولا يشترط في التحمل الإسلام والحرية والعدالة، وإنما هي شروط في الأداء كما سنبين بعد ذلك, فلو كان وقت التحمل كافرا، أو عبدا، أو فاسقا، ثم بلغ الصبي، وعتق العبد، وأسلم الكافر، وتاب الفاسق، فأدوا الشهادة عند القاضي فإن شهادتهم تقبل١.
شروط الأداء:
الشرط الأول: الإسلام في الشهادة على المسلمين، قال ﵎: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ٢، والكافر ليس عدلا، وليس منا، وأيضًا فإن الكافر أفسق الفساق، ويكذب على الله تعالى، فلا يؤمن الكذب منه على خلقه، وهنا نحب أن نتكلم عن مسألتين: شهادة غير المسلمين بعضهم على بعض، وشهادتهم على المسلمين في الوصية في السفر.
стр. 331
شهادة غير المسلمين بعضهم على بعض:
يحسن هنا قبل حكاية آراء العلماء في هذه المسألة أن نبين أن كل من لا يدين بدين الإسلام يعد كافرا، سواء أكان يدين بدين سماوي سابق للإسلام كاليهودية أو النصرانية، أو لا يدين بدين سماوي بل بدين من الأديان التي اخترعها البشر كالهندوسية، والبوذية وغيرهما أو لا يدين بأي دين، لا سماوي ولا غيره كالشيوعيين ومن لا يعتقدون في أي دين. قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ، وقد سمى الله ﵎ الكتابيين والمشركين كفارا في قوله : ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ . وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ .
وإذا ما وضح هذا نقول: للعلماء في هذه المسألة ثلاثة آراء:
الرأي الأول: لا تجوز شهادة غير المسلمين بعضهم على بعض ولو كانوا أتباع ملة واحدة، كشهادة النصراني على النصراني، واليهودي على اليهودي، وهذا الرأي يراه الشافعي ﵁، وهو الرواية القوية عن أحمد.
الرأي الثاني: تجوز شهادة بعضهم على بعض، ولو كانوا أتباع ملل مختلفة،
стр. 332
ونقل هذا الرأي عن نافع مولى ابن عمر، والشعبي، والزهري، في إحدى روايتين، ويراه شريح، وأبو حنيفة وأصحابه، وعمر بن عبد العزيز.
الرأي الثالث: لا تجوز شهادتهم على بعضهم إلا إذا كانوا أتباع ملة واحدة، فلا تجوز شهادة النصراني على اليهودي ولا العكس، وهو رواية أخرى عن الزهري، وروي هذا الرأي عن الحسن البصري، وعطاء، وغيرهم.
أدلة القائلين بشهادتهم ولو اختلفت مللهم:
أولا: قول الله ﵎: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ ١. فأخبر الله أن منهم الأمين على هذا القدر الكبير من المال، مع غير ملته فيؤديه له، ولا يخون هذه الأمانة، ولا ريب أن يكون مثل هذا أمينا على قرابته وذوي ديانته أولى.
ثانيا: قول الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ٢، فأثبت لهم الولاية على بعضهم بعضا، والولاية أعلى رتبة من الشهادة، وغاية الشهادة أن نشبهها بالولاية.
ثالثا: إذا كان للكافر حق تزويج ابنتيه وأخته، وله الولاية على مال أولاده، فقبول شهادته عليهم أولى وأحرى.
رابعا: ثبت أن رسول الله ﷺ حكم بشهادتهم في الحدود، عندما جاءه اليهود برجل وامرأة زنيا، فأقام الحد عليهما بقول اليهود، ولم
стр. 333
يسأل اليهودي واليهودية ولا طلب اعترافهما وإقرارهما، قالوا: وهذا ظاهر في سياق القصة بجميع طرقها، ولا يوجد في أي طريق منها ألبتة أنه رجمهما بإقرارهما، مع أننا نجد أنه لما أقر ماعز بن مالك والغامدية اتفقت جميع طرق الحديثين على ذكر الإقرار.
خامسا: أجاز الله ﵎، شهادة الكفار على المسلمين في السفر في الوصية للحاجة، ومعلوم أن حاجة الكفار إلى قبول شهادة بعضهم على بعض أعظم بكثير من حاجة المسلمين إلى قبول شهادتهم عليهم، فإن الكفار يتعاملون فيما بينهم بأنواع المعاملات من المداينات، وعقود المعاوضات، وغيرها، وتقع بينهم الجنايات، وعدوان بعضهم على بعض، لا يحضرهم في الغالب مسلم، ويتحاكمون إلينا، فلو لم تقبل شهادة بعضهم على بعض لأدى ذلك إلى تظالمهم، وضياع حقوقهم، وفي ذلك فساد كبير، فأين الحاجة إلى قبول شهادتهم في السفر على المسلمين من الحاجة إلى قبول شهادة بعضهم على بعض في السفر والحضر؟.
سادسا: الكافر قد يكون عدلا في دينه بين قومه، صادق اللهجة عندهم. فلا يمنعه كفره من قبول شهادته عليهم إذا ارتضوه، قالوا: وقد رأينا كثيرا من الكفار يصدق في حديثه، ويؤدي أمانته، بحيث يشار إليه في ذلك، ويشتهر به بين قومه وبين المسلمين، بحيث يسكن القلب إلى صدقه، وقبول خبره وشهادته ما لا يسكن إلى كثير من المنتسبين إلى الإسلام.
سابعا: أباح الله ﵎ معاملتهم وأكل طعامهم، والزواج بنسائهم، وذلك يستلزم الرجوع إلى أخبارهم قطعا.
стр. 334
فإذا جاز لنا أن نعتمد على خبرهم فيما يتعلق بنا في الأعيان التي تحل وتحرم, فلأن نرجع إلى أخبارهم بالنسبة لما يتعلق بهم من ذلك أولى.
فإن قيل: هذا للحاجة الداعية إلى ذلك، قلنا: وذلك أشد حاجة.
ثامنا: أمر الله ﵎ بالحكم بينهم إما إيجابا وإما تخييرا، والحكم إما أن يكون بالإقرار، وإما أن يكون بالبينة، ومن المعلوم أنهم مع إقرار المدعى عليه لا يرفعون إلينا قضاياهم، ولا يحتاجون إلى الحكم غالبا، وإنما يحتاجون إلى الحكم عند التجاحد وإقامة البينة، وهم في الغالب لا تحضرهم البينة من المسلمين، ومن المعلوم أن الحكم بينهم مقصوده العدل، وإيصال كل ذي حق منهم إلى حقه، فإذا غلب على الظن صدق مدعيهم بمن يحضره من الشهود الذين ترتضونهم ولا سيما إذا كثروا فالحكم بشهادتهم أقوى من الحكم بمجرد نكول المدعى عليه أو اليمين.
الاستدلال للرأي القائل بعدم قبول شهادة الكافر على الكافر ولو اتحدت الملة:
يمكن أن يعتمد رأيهم على الأدلة الآتية:
أولا: قول الله ﵎: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وقوله ﵎: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ وقوله ﵎: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ .
ووجه الدلالة أن الكافر ليس عدلا، ولا نرتضيه، وليس من رجالنا فلا يصح أن يكون شاهدا.
стр. 335
مناقشة هذا الاستدلال:
أجاب المخالفون بأن هذا إنما هو في الحكم بين المسلمين، فإن السياق كله في ذلك، فإن الله ﵎ قال: ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ ١، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ٢، وكذلك قال ﵎ في آية المداينة وهي قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ ثم قال : ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ٣، فلا يوجد في شيء من هذه النصوص الكريمة تعرض لحكم أهل الكتاب ألبتة.
ثانيا: قال الله ﵎: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ٤، وكيف تقبل شهادة إنسان على إنسان يبغضه ويكن له العداوة؟
مناقشة هذا الاستدلال:
أجاب المخالفون بأن هذا إما أن يراد به: العداوة التي بين اليهود والنصارى، أو يراد به: العداوة التي بين فرقهم وإن كانوا ملة واحدة، وهذا لا يمنع قبول شهادة بعضهم على بعض؛ لأنها عداوة دينية فهي كالعداوة التي بين فرق الأمة
стр. 336
الإسلامية، وتفرقهم شيعا، وإذاقة بعضهم بأس بعض، وليست عداوة شخصية بين الأفراد لأمر من الأمور الدنيوية، والعداوة بين فرق الأمة الإسلامية لم تمنع قبول شهادة بعضهم على بعض١.
ثالثا: احتج الشافعي -رضي الله تعالى عنه- بأن من كذب على الله فهو أولى أن يكذب على مثله من إخوانه وأقاربه، أي: كأن الشافعي ﵁ يرى أن من تجرأ على الكذب على الخالق فأنكر نبوة رسول من رسله فإن تجرؤه على الخلق يكون أولى.
مناقشة هذا الاستدلال:
أجاب المخالفون بأن جميع أهل البدع قد كذبوا على الله ورسوله، والخوارج من أصدق الناس لهجة ومع ذلك فقد كذبوا على الله ورسوله، وكذلك القدرية والمعتزلة، وهم يظنون أنهم صادقون غير كاذبين، فهم متدينون بهذا الكذب، ويظنون أنه من أصدق الصدق.
رابعا: قبول شهادتهم فيه إكرام لهم، ورفع منزلتهم وقدرهم ورذيلة الكفر تنفي ذلك.
стр. 337
مناقشة هذا الاستدلال:
أجاب المخالفون بأن رذيلة الكفر لم تمنع قبول قولهم على المسلمين للحاجة، بنص القرآن الكريم، قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ وكذلك لم تمنع رذيلة للكفر ولاية بعضهم على بعض، وعرافة بعضهم على بعض، وكون بعضهم حاكما وقاضيا عليهم، فلا تمنع رذيلة الكفر أن يكون بعضهم شاهدا على بعض.
وليس في هذا تكريم لهم، ولا رفع لأقدارهم، وإنما هو دفع لشرهم بعضهم عن بعض، وإيصال أهل الحقوق منهم إلى حقوقهم بقول من يرتضونه، وهذا من تمام مصالحهم التي لا غنى لهم عنها.
ومما يوضح ذلك، أنهم إذا رضوا بأن نحكم بينهم، ورضوا بقبول قول بعضهم على بعض، فألزمناهم بما رضوا به، لم يكن ذلك مخالفا لحكم الله ورسوله، فإنه لا بد أن يكون الشاهد بينهم ممن يثقون به، فلو كان معروفا بالكذب وشهادة الزور لم نقبله ولم نلزمهم بشهادته١.
أدلة القائلين بشهادتهم إذا اتحدت الملة:
أولا: ما رواه الدارقطني، وابن عدي من حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تجوز شهادة ملة على ملة إلا ملة محمد، فإنها
стр. 338
تجوز على غيرهم".
مناقشة هذا الاستدلال:
أجيب عن هذا بأن علماء الحديث قد ضعفوا هذا الحديث، بأن أحد رواته ضعيف وهو عمر بن راشد، ورواه عبد الرزاق بمعناه مرسلا، والمرسل ضعيف عند جمهور المحدثين، ورواه البيهقي وضعفه١.
ثانيا: أهل الملة الواحدة بعضهم يلي على بعض، ولا عداوة بينهم ولا بغضاء فجازت الشهادة فيما بينهم، أما الكفار مختلفو الملل فبينهم من العداوة والبغضاء ما يقطع الولاية ويمنع قبول الشهادة، قال ﵎: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ ، وقال : ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ، وإن كان هذا شأنهم فلا تقبل شهادتهم على بعض.
مناقشة هذا الاستدلال:
أجيب عن هذا الاستدلال بأن العداوة التي بين الملل المختلفة من الكفار إنما هي عداوة دينية، والعداوة الدينية ليست مانعا من قبول الشهادة، كالعداوة التي بين فرق الأمة الإسلامية٢. وإنما الذي يمنع من الشهادة هو العداوة الشخصية.
الرأي الراجح:
يغلب على الظن ترجيح الرأي القائل بقبول شهادة الكافر على الكافر، ولو اختلفت الملة، لأمرين:
أحدهما: كثرة الأدلة التي استدل بها لهذا الرأي، وسلامته من الاعتراض.
الثاني: الإجابات القوية التي أجيب بها على أدلة المخالفين، وفي النهاية نسأل أصحاب الرأي القائل بعدم قبول شهادة غير المسلمين فيما بينهم إذا تحاكموا إلينا ولم يكن معهم شهود من المسلمين، ألا يحكم القاضي بينهم؟ أم يجيز المانعون هذه الصورة للضرورة، كما أجاز مالك ﵁ شهادة الطبيب الكافر على المسلم للضرورة٣.
стр. 339
شهادة غير المسلمين على المسلمين في الوصية حال السفر:
إذا كان المسلم في سفر فمرض، وأراد أن يوصي مثلا برد الوديعة إلى صاحبها، ولا يوجد شاهد مسلم، كأن كان قد سافر إلى إحدى البلاد الأوروبية، للتعليم أو للتجارة، أو للعلاج، أو للسياحة، وليس معه إلا النصارى أو اليهود ممن يعرفهم، فأشهد على الوصية اثنين من هؤلاء النصارى أو اليهود، فهل تقبل شهادتهما على المسلم أم لا؟
للعلماء في هذه المسألة رأيان:
أحدهما: قبول شهادة غير المسلمين على المسلمين في السفر، وهذا الرأي يراه أبو موسى الأشعري، وحكي عن ابن عباس، ويراه شريح، وسعيد بن المسيب، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، والظاهرية وغيرهم.
الرأي الثاني: لا تقبل شهادة غير المسلمين على المسلمين في السفر، روي
стр. 340
هذا الرأي عن الحسن البصري، والزهري، وزيد بن أسلم، ويراه مالك، والشافعي١.
دليل الرأي الأول:
استدل أصحاب الرأي الأول بقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ﴾ ٢.
ووجه الدلالة واضح من الآية، فإن الله ﵎ بين أن الشهادة في الحال التي نتكلم فيها تكون من اثنين ذوي عدل من المؤمنين، أو شهادة آخرين من غير المؤمنين.
مناقشة هذا الاستدلال:
أجيب عن الاستدلال بالآية الكريمة بعدة إجابات؛ لأن المخالفين لهذا الرأي مختلفون في تخريج الآية على ثلاثة طرق:
الإجابة الأولى: أن المراد بقوله ﵎: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ، أي: من غير قبيلتكم، وقد روي هذا عن الحسن البصري، وروي عن الزهري أيضًا.
стр. 341
الرد على الإجابة:
رد المخالفون بأن هذا القول لا يخفى بطلانه وفساده، فإنه ليس في أول الآية خطاب لقبيلة دون قبيلة، بل هو خطاب عام لجميع المؤمنين، فالنص الكريم في أول الآية هو قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ، فلا يكون غير المؤمنين إلا من الكفار، هذا مما لا شك فيه، والذي قال: من غير قبيلتكم زلة عالم، غفل عن تدبر الآية، فلم يخاطب الله ﵎ بهذا النص الكريم قبيلة معينة حتى يكون قوله ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أيتها القبيلة.
الإجابة الثانية: أن الآية منسوخة، وهذا مروي عن زيد بن أسلم وغيره.
الرد على هذه الإجابة:
رد المخالفون بأن دعوى النسخ باطلة؛ لأنه يتضمن أن حكم الآية باطل، لا يحل العمل به، وأنه ليس من الدين، وهذا لا يقبل إلا إذا اعتمد على حجة صحيحة لا معارض لها، ولا يمكن لأحد قط أن يأتي بنص صحيح صريح متأخر عن هذه الآية, مخالف لها لا يمكن الجمع بينه وبينها، فإن وجد إلى ذلك سبيلا صح النسخ، وإلا فليس معه إلا مجرد الدعوى الباطلة.
ثم قد قالت أعلم نساء الصحابة بالقرآن أنه لا منسوخ في المائدة، فقد صح عن السيدة عائشة ﵂، فيما يرويه جبير بن نفير أنها قالت: هل تقرأ سورة المائدة؟ فقلت: نعم، قالت: فإنها آخر سورة أنزلت, فما وجدتم فيها من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه١.
стр. 342
ولو كان يجوز أن تقبل دعوى النسخ بلا حجة أو برهان لكان كل من احتج عليه بنص يقول: هو منسوخ.
الإجابة الثالثة: أن المراد بالشهادة في الآية: أيمان الوصي بالله تعالى للورثة، وليس المراد بها الشهادة المعروفة.
الرد على هذه الإجابة:
رد المخالفون بأن هذا القول باطل من عدة وجوه، وذكر ابن القيم ثلاثة عشر وجها، نذكر لك معظمها:
أحدها: أن الله قال: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ ولم يقل: أيمان بينكم، والمتعارف من كلمة الشهادة في القرآن والسنة إنما هو الشهادة المعروفة، فالحمل على غيرها خروج باللفظ عن ظاهره لغير دليل، أي: إن الأصل هو أن يكون الكلام على ظاهره؛ لأن القرآن الكريم خوطب به الناس جميعا، بحيث إن البدوي العادي يفهم المراد من القرآن بدون أن يكون وصل إلى درجة من العلم، فإذا أريد باللفظ غير الظاهر فلا بد أن تكون هناك قرينة تصرفه عن معناه الظاهر ولا قرينة هنا.
الوجه الثاني: أنه سبحانه قال: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ واليمين لا يشترط فيها ذلك، فإن الكافر يصح أن يحلف أمام القاضي.
الوجه الثالث: أنه تعالى قيد ذلك بالضرب في الأرض "أي: السفر" فقال سبحانه: ﴿أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ وليس ذلك شرطا في اليمين.
стр. 343
الوجه الرابع: أنه تعالى قال في الآية: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ﴾ وهذا لا يقال في اليمين في هذه الأفعال، بل هو نظير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ﴾ .
الوجه الخامس: أنه تعالى قال في الآيتين التاليتين للآية: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآَخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ، ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ .
فالله ﵎ قال: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ ولم يقل أن يأتوا بالأيمان.
الوجه السادس: أنه ﵎ قال في الآية الثالثة: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ فجعل الأيمان قسيما للشهادة، وهذا صريح في أنها غير الشهادة.
الوجه السابع: أن الشاهدين يحلفان بالله ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ ولو كان المراد بها اليمين لكان المعنى: يحلفان بالله لا نكتم اليمين، وهذا لا معنى له قطعا، فإن اليمين لا تكتم، فكيف يقال لشخص: احلف أنك لا تكتم حلفك؟.
الوجه الثامن: أن الله ﵎ قال: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ ومن المعلوم أنه لا يصح أن يكون المعنى: أيمان بينكم إذا حضر أحدكم الموت؛ لأن الموصي إنما يحتاج للشاهدين لا إلى اليمين.
стр. 344
الوجه التاسع: أن حكم رسول الله ﷺ ,الذي حكم به وحكم به الصحابة بعده- هو تفسير للآية قطعا، وما عداه باطل، فوجب أن يرغب عنه.
اعتراض وجواب:
إذا كان يمكن الاعتراض بأن الله ﵎ سمى أيمان اللعان١ شهادة في قوله : ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ وقوله : ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ ، فالجواب عنه -كما بين ابن القيم- أن الله ﵎ سمى أيمان الزوج شهادة؛ لأنها قائمة مقام البينة المطلوبة في إثبات جريمة الزنا، ولذلك يجب رجم الزوجة إذا امتنعت عن الأيمان، وسمى أيمانها شهادة؛ لأنها في مقابلة شهادة الزوج.
وأيضًا فإن هذه اليمين خصت من بين الأيمان بلفظ الشهادة بالله تأكيدا لشأنها، وتعظيما لخطرها٢.
стр. 345
دليل الرأي الثاني: القائل بمنع شهادة غير المسلمين على المسلمين في الوصية في السفر:
أدلة أصحاب هذا الرأي لا تخرج عما استدلوا به على منع شهادة غير المسلمين بعضهم على بعض، وهي المسألة السابقة عن المسألة التي نتكلم فيها الآن، وقد سبق مناقشة ما استدلوا به، ويزاد هنا في الاستدلال على منع شهادة غير المسلمين على المسلمين في الوصية في السفر أن الشهادة من باب الولاية، والكافر ليس له ولاية على المسلم؛ لقول الله : ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ ، فالله نهانا عن أن يكون للكفار علينا سبيل.
الجواب عن هذا الدليل:
أجيب عن هذا بأن هذا النص الكريم غير متصل بسبيل الشهادة والقضاء، وإنما هو سبيل العزة والقهر والغلب١.
الرأي الرجح:
نرى أن الرأي القائل بصحة شهادة غير المسلم على المسلم في الوصية في السفر أولى بالقبول، لسلامة الاستدلال بالآية الكريمة التي اعتمد عليها أصحاب هذا الرأي, ولضعف ما استدل به المخالفون، وبهذا نكون انتهينا من الكلام عن الشرط الأول من شروط أداء الشهادة، وهو شرط الإسلام، ونواصل الكلام الآن عن بقية شروط أداء الشهادة.
الشرط الثاني من شروط أداء الشهادة: الحرية، وهذا الشرط قال به الفقهاء عندما كان الرق موجودا في عصورهم، لكن هذا الشرط عند القائلين به أصبح
стр. 346
شرطا علميا لا حقيقة له في الواقع الذي نعيشه، فلا تقبل شهادة العبد عند مالك وأبي حنيفة، والشافعي؛ لأن أداء الشهادة فيه معنى الولاية، والعبد ليس أهلا للولاية.
ويرى أحمد بن حنبل، والظاهرية، وبعض فقهاء الشافعية أنه لا تشترط الحرية في الشاهد، فتجوز شهادة العبد، لعموم آيات الشهادة وهو داخل فيها، قال ﵎: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ والعبد من رجالنا، وقال : ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وهو عدل، والعبد ما دام عدلا تقبل روايته وفتياه، وأخباره الدينية، فتقبل شهادته.
ولما رواه عقبة بن الحارث قال: تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء "أي: جارية"، فقالت: قد أرضعتكما، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "وكيف وقد زعمت ذلك"؟ , رواه البخاري ومسلم.
وأيضًا فإن الأصل إنما هو اشتراط العدالة، والعبودية ليس لها تأثير في الرد إلا أن يثبت ذلك من كتاب أو سنة، أو إجماع١.
ونرى رجحان هذا الرأي؛ لأن الشهادة وإن كان فيها شبه بالولاية، لكنها ليست كالولاية من كل الوجوه، وعموم الأدلة يفيد قبول الشهادة من العبد والجارية.
الشرط الثالث من شروط أداء الشهادة: التكليف:
فلا تقبل شهادة المجنون بإجماع العلماء، وكذلك لا تقبل شهادة المعتوه وهو المختل العقل دون الجنون٢.
وما دام شرط التكليف لا بد منه في الأداء فلا تقبل شهادة الصبي، لقول الله : ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُم﴾ ، والصبي ليس من رجالنا؛ ولأنه غير مقبول القول في حق نفسه، ففي حق غيره أولى؛ ولأنه غير كامل العقل٣. فلا تقبل شهادته ولو لصبي مثله أو على صبي كما يقول جمهور العلماء.
стр. 347
الخلاف في شهادة الصبيان على بعض في الجراحات التي تحدث بينهم
مدخل
...
الخلاف في شهادة الصبيان على بعض في الجراحات التي تحدث بينهم:
اختلف العلماء في شهادة الصبيان بعضهم على بعض, في القتل والجراحات التي تحدث بينهم، كما لو كان الصبيان تلاميذ في مدرسة ابتدائية، وحدث بينهم شجار ونزاع أدى إلى قتل أحدهم أو جرحه، بعيدا عن أعين المشرفين على المدرسة، فلم يكن بينهم أحد البالغين حتى يشهد بما رآه، فيرى جمهور الفقهاء عدم قبول شهادتهم؛ لأن من شروط الشهادة العدالة، ومن شرط العدالة: البلوغ.
ويرى الإمام مالك قبول شهادة الصبيان فيما يقع بينهم من القتل والجراحات ما لم يتفرقوا، ولا تقبل شهادتهم في الأموال، فالأموال إذن متفق عليها بين العلماء في عدم قبول شهادة الصبيان فيها، وإنما الخلاف بين مالك والجمهور في القتل
стр. 348
والجراحات التي تحدث بينهم.
وكذلك يرى ما يراه مالك ابن أبي ليلى، وبعض التابعين، وفي كتب الإمامية ما يفيد قبول شهادة الصبيان في القتل, وأنه تقبل شهادتهم بينهم ما لم يتفرقوا أو يرجعوا إلى أهلهم.
ولم يستند رأي الإمام مالك إلا على ما روي عن ابن الزبير، قال الشافعي: فإذا احتج محتج بهذا قيل له: إن ابن عباس قد ردها، والقرآن يدل على بطلانها١.
وظاهر من قول الشافعي ﵁ أنه إذا كان قد روي عن ابن الزبير ما يفيد رأي مالك فإنه قد روي عن صاحبي آخر ما يرد شهادة الصبيان، ويشير الشافعي بقوله: والقرآن يدل على بطلانها إلى قوله ﵎: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ فالصبيان ليسوا من رجالنا.
اشترط المالكية في قبول شهادة الصبيان عدة شروط:
اشترط المالكية في كتبهم عدة شروط لقبول شهادة الصبيان بعضهم على بعض في القتل والجراحات، وإليك بيانا لهذه الشروط:
١- حرية الشاهد، فلا يصح شهادة الصبي إذا كان عبدا.
٢- الإسلام.
стр. 349
٣- التمييز؛ لأن غير المميز لا يضبط ما يقول، واشترط بعض فقهائهم أن يكون ابن عشر سنين؛ لأن الذي سنه أقل من عشر سنين لا يثبت على كلام.
٤- الذكورة، فلا تجوز شهادة الأنثى، حتى لو تعددت الإناث وكثرن، ولو كان معهن ذكر.
٥- التعدد، بأن يكون عدد الشهود اثنين فأكثر.
٦- أن لا يكون الشاهد عدوا للمشهود عليه، وصرح المالكية بأن العداوة هنا مانعة من صحة الشهادة سواء كانت العداوة بين الصبيان أنفسهم، أو بين آبائهم.
٧- أن لا يكون الشاهد قريبا للمشهود له ولو بعدت القرابة.
٨- أن لا يحدث اختلاف بين الصبيان فإن اختلفوا بأن قال بعضهم: قتله فلان، وقال غيره: بل فلان، لم تقبل شهادتهم.
٩- أن لا يكون قد تفرقوا، فإن كانوا تفرقوا لم تقبل شهادتهم، وعلل المالكية هذا بأن التفرق مظنة التعليم، أي: يعلمهم غيرهم من الكبار ماذا يقولون، إلا إذا شهد رجال عدول على ما نطق به الصبيان قبل تفرقهم ثم تفرقوا، ففي هذه الحال تقبل شهادتهم.
١٠- أن لا يكون قد حضر بينهم شخص بالغ وقت القتل أو الجرح، فإن حضر بالغ وقت القتل، أو حضر بعده، بحيث أمكن تعليمهم لم تقبل شهادتهم، سواء أكان البالغ ذكرا أم أنثى، حرا أم عبدا، مسلما أم كافرا، واحدا أم متعددا.
ويرى بعض فقهاء المالكية أن حضور البالغ غير العدل ممن لا تقبل شهادته كالكافر، والفاسق، والعبد مع الصبيان وقت وقوع القتل أو الجرح لا يمنع
стр. 350
شهادة الصبيان.
١١- أن لا تكون شهادة الصبيان بأن كبيرا قتل الصغير، أو بأن صغيرا قتل كبيرا، فإن شهدوا بأن كبيرا هو الذي قتل الصغير، أو أن صغيرا قتل الكبير لم تقبل شهادتهم، فلا بد من شهادة بعضهم لبعض على بعض.
١٢- أن لا يكون الشاهد منهم مشهورا بالكذب.
١٣- أن يكون الشاهد من جملة الصبيان المجتمعين، فإن كان صبيا مر عليهم لا تقبل شهادته.
إذا رجع الصبيان عن شهادتهم:
صرح المالكية بأنه لا يقدح في شهادة الصبيان إذا تحققت الشروط المذكورة رجوعهم عن شهادتهم قبل الحكم أو بعده، ولا تجريحهم من غيرهم أو من بعضهم لبعض، إلا التجريح بالكذب في المجرب به.
وبقي أن نقول: إن المالكية بينوا أنهم إذا قالوا بجواز شهادة الصبيان في القتل فإن غير واحد من فقهائهم قال إنه لا تقبل في القتل حتى يشهد العدول على رؤية البدن مقتولا، وعلى هذا فلو شهدوا بأن ابن فلان قتل ابن فلان، ورماه في البحر لم تقبل شهادتهم١.
الشرط الرابع من شروط الشهادة: العدالة
الأئمة الأربعة أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، متفقون على وجوب العدالة في الشاهد؛ لأن الفاسق إذا لم ينزجر عن غير الكذب من محظورات دينه فقد لا يتزجر عنه أيضًا، فكان متهما بالكذب٢. لكن الخلاف في أمرين:
أحدهما: هل يجب السؤال عن عدالة الشاهد من عدمها أم يكتفى بعدالته الظاهرة؟
والثاني: إذا قضى القاضي بشهادة الفاسق، هل يصح هذا القضاء أم لا؟
الشافعي وغيره يرون أنه لا يصح القضاء بشهادة الفاسق، فلا تقبل الشهادة من الفاسق، لقول الله ﵎: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ٣، وقوله : ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ٤. وقوله : ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ ٥، والفاسق ليس بمرضي؛ ولأن القاضي يحكم بقول الشاهد وينفذه في حق الغير، فيجب أن يكون قوله مؤديا إلى أن يغلب على ظن القاضي صدق الشاهد، ولا يكون ذلك إلا بالعدالة٦.
وقد سبق بيان معنى العدالة عند الكلام عن شروط القاضي.
стр. 351
معنى العدل باطنا وظاهرا:
إذا ثبتت عدالة شخص عند الحاكم سمي عدلا باطنا، وأما من لم تثبت عدالته عند الحاكم لكن ظاهره أنه يتصف بها فيسمى عدلا ظاهرا، فالعدالة الظاهرة تعرف بالمخالطة، والعدالة الباطنة تثبت بالتزكية عند الحاكم١. والعلماء يسمون
стр. 352
الذي يشهد أمام القاضي بعدالة الشهود أو ضدها مزكيا، وعندما يتكلم العلماء عن التزكية يبينون أن التزكية تفتقر إلى أن يكون المزكي عارفا من حال الشاهد ما يثبت عدالته، في ظاهر حاله وباطنه، فنرى بعضهم يصرح بأن المزكي يزكي الشاهد عند القاضي, إذا كان للمزكي معرفة بباطن الشاهد كمعرفته لظاهره، وصرح البعض بأن هذا يكون صحبه الصحبة الطويلة، وعامله بالأخذ والعطاء في الحضر والسفر.
كما بيّن العلماء أن الهفوات الصغيرة من الشخص لا تؤثر في تزكيته، قال بعض علماء المالكية: إنه لا يؤثر في ذلك أن يقارف بعض الذنوب كالأمر الخفيف من الزلة والفلتة، فمثل هذا لا يمنع كونه عدلا.
ونقل البعض عن الإمام مالك قوله: من الناس من لا تذكر عيوبهم يكون عيبه خفيفا، والأمر كله حسن، ولا يعصم أحد من أهل الصلاح١.
ويجب على القاضي عند الشافعي وغيره كأحمد، وأبي يوسف ومحمد، أن لا يقبل الشهادة إلا من الشخص الذي ثبتت عدالته، فإذا عرف عدالته قبل شهادته، وإذا عرف فسق الشاهد رد شهادته، ولا يحتاج إلى بحث عنه، كالشخص الذي انتشر خبر فسقه بين الناس.
وإذا لم يعرف القاضي عدالة الشاهد ولا فسقه سأل عنه، أي: سأل الناس الذين يعرفونه عن أحواله؛ لأن معرفة العدالة شرط في قبول الشهادة بجميع الحقوق، وهذا ما يراه الشافعي، ويراه أحمد في رواية عنه.
стр. 353
وعن أحمد رواية أخرى تقول بصحة الحكم بشهادة من عرف إسلامه عملا بظاهر الحال، إلا أن يقول الخصم: هو فاسق، وكذلك يرى أبو حنيفة أنه يقتصر الحاكم على ظاهر العدالة في المسلم، ولا يسأل عن حال الشهود حتى يطعن الخصم، إلا في الحدود والقصاص فإنه يسأل عن حال الشهود؛ لأنه يحتاط فيها ويحتال لإسقاطها، فيشترط الاستقصاء فيها؛ ولأنها تدرأ بالشبهات، ويرى مالك أن من كان مشهورا بالعدالة لا يسأل القاضي عنه، ومن عرف أنه غير عدل لا تقبل شهادته، وإنما يسأل القاضي عن الشاهد إذا شك في عدالته، وقد بين الحنفية أن الفتوى في مذهبهم على رأي أبي يوسف ومحمد في هذه المسألة.
وقد استدل لمن يكتفي بالعدالة الظاهرة بما يأتي:
أولا: الظاهر من المسلمين العدالة، ولهذا قال عمر ﵁: "المسلمون عدول بعضهم على بعض" في كتابه الذي كتبه لأبي موسى الأشعري.
ثانيا: روي أن أعرابيا جاء إلى النبي ﷺ فشهد برؤية الهلال فقال له النبي ﷺ : "أتشهد أن لا إله إلا الله" فقال: نعم، فقال: "أتشهد أني رسول الله"؟ قال: نعم، فصام، وأمر الناس بالصيام.
ووجه الدلالة واضح وهو أن رسول الله ﷺ أخذ بشهادة الأعرابي بمجرد ثبوت أنه مسلم ولم يسأل عن عدالته.
стр. 354
ثالثا: العدالة أمر خفي سببها الخوف من الله ، ودليل ذلك الإسلام، فإذا وجد فليكتف به إلا إذا قام الدليل على خلافه.
الاستدلال للرأي القائل بوجوب السؤال عن الشاهد:
استدل لهذا الرأي بأن العدالة شرط في الشاهد فوجب العلم بها كشرط الإسلام، فإن شرط الإسلام لا يكتفى فيه بظاهر الحال, وإنما لا بد أن نسأل عنه، ويؤيد هذا الحديث الذي ذكرناه قريبا، وهو أن رسول الله ﷺ سأل الرجل عن إسلامه عندما جاء يشهد برؤية الهلال، فقال له ﵊: "أتشهد أن لا إله إلا الله"، فقال الرجل: نعم. فقال: "أتشهد أني رسول الله"؟ قال: نعم. فصام، وأمر الناس بالصيام.
وأجاب أصحاب هذا الرأي عن الاستدلال للرأي الآخر بحديث الأعرابي، بأن هذا الأعرابي المسلم كان من أصحاب رسول الله ﷺ وأصحاب رسول الله -صلى الله عليه سلم، ثبتت عدالتهم بثناء الله ﵎ عليهم، قال الله ﵎: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ١. وقال ﵎: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ
стр. 355
بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
وأيضًا فإن من ترك دينه الذي كان عليه في زمن رسول الله ﷺ إيثارا لدين الإسلام وصحبة رسول الله ﷺ ثبتت عدالته.
وأما قول عمر فيمكن أن يجاب عنه بأن المراد به أن الظاهر هو عدالة المسلمين, ولا يمنع ذلك وجوب البحث ومعرفة حقيقة العدالة، فقد روي عن عمر ﵁ أنه أتى بشاهدين، فقال لهما: لست أعرفكما، ولا يضركما إن لم أعرفكما، جيئا بمن يعرفكما، فأتيأ برجل، فقال له عمر: تعرفهما؟ فقال: نعم، فقال عمر: صحبتهما في السفر الذي تبين فيه جواهر الناس؟ قال: لا، قال عاملتهما في الدنانير والدراهم التي تقطع فيها الرحم؟ قال: لا، قال: كنت جارا لهما تعرف صباحهما ومساءهما؟ قال: لا، قال: يابن أخي لست تعرفهما، جيئا بمن يعرفكما.
وهذا من عمر بحيث يدل على أنه لا يكتفي بدونه٢.
معنى المزكي:
والعلماء -كما بينا سابقا- يسمون الذي يشهد بعدلة الشهود، أو ضدها مزكيا، ويرى بعض العلماء أن من المستحسن أن يتخذ القاضي مزكيا، أي: معدلا