معنى العدل باطنا وظاهرا:
إذا ثبتت عدالة شخص عند الحاكم سمي عدلا باطنا، وأما من لم تثبت عدالته عند الحاكم لكن ظاهره أنه يتصف بها فيسمى عدلا ظاهرا، فالعدالة الظاهرة تعرف بالمخالطة، والعدالة الباطنة تثبت بالتزكية عند الحاكم١. والعلماء يسمون
стр. 352
الذي يشهد أمام القاضي بعدالة الشهود أو ضدها مزكيا، وعندما يتكلم العلماء عن التزكية يبينون أن التزكية تفتقر إلى أن يكون المزكي عارفا من حال الشاهد ما يثبت عدالته، في ظاهر حاله وباطنه، فنرى بعضهم يصرح بأن المزكي يزكي الشاهد عند القاضي, إذا كان للمزكي معرفة بباطن الشاهد كمعرفته لظاهره، وصرح البعض بأن هذا يكون صحبه الصحبة الطويلة، وعامله بالأخذ والعطاء في الحضر والسفر.
كما بيّن العلماء أن الهفوات الصغيرة من الشخص لا تؤثر في تزكيته، قال بعض علماء المالكية: إنه لا يؤثر في ذلك أن يقارف بعض الذنوب كالأمر الخفيف من الزلة والفلتة، فمثل هذا لا يمنع كونه عدلا.
ونقل البعض عن الإمام مالك قوله: من الناس من لا تذكر عيوبهم يكون عيبه خفيفا، والأمر كله حسن، ولا يعصم أحد من أهل الصلاح١.
ويجب على القاضي عند الشافعي وغيره كأحمد، وأبي يوسف ومحمد، أن لا يقبل الشهادة إلا من الشخص الذي ثبتت عدالته، فإذا عرف عدالته قبل شهادته، وإذا عرف فسق الشاهد رد شهادته، ولا يحتاج إلى بحث عنه، كالشخص الذي انتشر خبر فسقه بين الناس.
وإذا لم يعرف القاضي عدالة الشاهد ولا فسقه سأل عنه، أي: سأل الناس الذين يعرفونه عن أحواله؛ لأن معرفة العدالة شرط في قبول الشهادة بجميع الحقوق، وهذا ما يراه الشافعي، ويراه أحمد في رواية عنه.
стр. 353
وعن أحمد رواية أخرى تقول بصحة الحكم بشهادة من عرف إسلامه عملا بظاهر الحال، إلا أن يقول الخصم: هو فاسق، وكذلك يرى أبو حنيفة أنه يقتصر الحاكم على ظاهر العدالة في المسلم، ولا يسأل عن حال الشهود حتى يطعن الخصم، إلا في الحدود والقصاص فإنه يسأل عن حال الشهود؛ لأنه يحتاط فيها ويحتال لإسقاطها، فيشترط الاستقصاء فيها؛ ولأنها تدرأ بالشبهات، ويرى مالك أن من كان مشهورا بالعدالة لا يسأل القاضي عنه، ومن عرف أنه غير عدل لا تقبل شهادته، وإنما يسأل القاضي عن الشاهد إذا شك في عدالته، وقد بين الحنفية أن الفتوى في مذهبهم على رأي أبي يوسف ومحمد في هذه المسألة.
وقد استدل لمن يكتفي بالعدالة الظاهرة بما يأتي:
أولا: الظاهر من المسلمين العدالة، ولهذا قال عمر ﵁: "المسلمون عدول بعضهم على بعض" في كتابه الذي كتبه لأبي موسى الأشعري.
ثانيا: روي أن أعرابيا جاء إلى النبي ﷺ فشهد برؤية الهلال فقال له النبي ﷺ : "أتشهد أن لا إله إلا الله" فقال: نعم، فقال: "أتشهد أني رسول الله"؟ قال: نعم، فصام، وأمر الناس بالصيام.
ووجه الدلالة واضح وهو أن رسول الله ﷺ أخذ بشهادة الأعرابي بمجرد ثبوت أنه مسلم ولم يسأل عن عدالته.
стр. 354
ثالثا: العدالة أمر خفي سببها الخوف من الله ، ودليل ذلك الإسلام، فإذا وجد فليكتف به إلا إذا قام الدليل على خلافه.
الاستدلال للرأي القائل بوجوب السؤال عن الشاهد:
استدل لهذا الرأي بأن العدالة شرط في الشاهد فوجب العلم بها كشرط الإسلام، فإن شرط الإسلام لا يكتفى فيه بظاهر الحال, وإنما لا بد أن نسأل عنه، ويؤيد هذا الحديث الذي ذكرناه قريبا، وهو أن رسول الله ﷺ سأل الرجل عن إسلامه عندما جاء يشهد برؤية الهلال، فقال له ﵊: "أتشهد أن لا إله إلا الله"، فقال الرجل: نعم. فقال: "أتشهد أني رسول الله"؟ قال: نعم. فصام، وأمر الناس بالصيام.
وأجاب أصحاب هذا الرأي عن الاستدلال للرأي الآخر بحديث الأعرابي، بأن هذا الأعرابي المسلم كان من أصحاب رسول الله ﷺ وأصحاب رسول الله -صلى الله عليه سلم، ثبتت عدالتهم بثناء الله ﵎ عليهم، قال الله ﵎: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ١. وقال ﵎: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ
стр. 355
بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
وأيضًا فإن من ترك دينه الذي كان عليه في زمن رسول الله ﷺ إيثارا لدين الإسلام وصحبة رسول الله ﷺ ثبتت عدالته.
وأما قول عمر فيمكن أن يجاب عنه بأن المراد به أن الظاهر هو عدالة المسلمين, ولا يمنع ذلك وجوب البحث ومعرفة حقيقة العدالة، فقد روي عن عمر ﵁ أنه أتى بشاهدين، فقال لهما: لست أعرفكما، ولا يضركما إن لم أعرفكما، جيئا بمن يعرفكما، فأتيأ برجل، فقال له عمر: تعرفهما؟ فقال: نعم، فقال عمر: صحبتهما في السفر الذي تبين فيه جواهر الناس؟ قال: لا، قال عاملتهما في الدنانير والدراهم التي تقطع فيها الرحم؟ قال: لا، قال: كنت جارا لهما تعرف صباحهما ومساءهما؟ قال: لا، قال: يابن أخي لست تعرفهما، جيئا بمن يعرفكما.
وهذا من عمر بحيث يدل على أنه لا يكتفي بدونه٢.
معنى المزكي:
والعلماء -كما بينا سابقا- يسمون الذي يشهد بعدلة الشهود، أو ضدها مزكيا، ويرى بعض العلماء أن من المستحسن أن يتخذ القاضي مزكيا، أي: معدلا
стр. 356
يشهد بعدالة الشاهد لشدة الحاجة إليه، ليعرف القاضي عن طريقه حال من يجهل حاله من الشهود؛ لأن القاضي لا يتيسر له البحث عنهم١.
شروط المزكي أو المعدل:
يشترط في المزكي الشروط التي تشترط في الشاهد؛ لأن التزكية شهادة بالعدالة، ويشترط فيه أيضًا زيادة على شروط الشاهد أن يكون عارفا بأسباب الجرح والتعديل، ويرى بعض العلماء أنه يجب عليه أن يذكر سبب الجرح، كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وأما سبب التعديل فلا يجب ذكره؛ لأن الأصل العدالة، فلا يقبل الجرح إلا مفسرا، كأن يقول مثلا: أشهد أنه فاسق؛ لأنه زنى، أو سرق، أو نحو ذلك، ولا يصير قاذفا بذكر الزنا حتى لو انفرد بهذا؛ لأنه مسئول فهو في حقه فرض كفاية أو فرض عين، بخلاف شهود الزنا إذا نقصوا عن الأربعة، فإنهم يعدون مرتكبين لجريمة القذف؛ لأن المطلوب منهم الستر.
ويرى بعض آخر أنه لا يجب ذكر سبب الجرح، وسنعود لهذه المسألة قريبا.
تعارض البينة في التجريح والتعديل:
إذا حدث خلاف على شاهد معين، فشهد اثنان بعدالته، وشهد اثنان آخران بعدم عدالته، فإنه يقدم شهود الجرح على شهود التعديل؛ لأن مع شهود الجرح زيادة علم، إلا إذا قال شهود التعديل إنه تاب من سبب الجرح، فيقدم حينئذ شهود التعديل؛ لأن معهم حينئذ زيادة علم على شهود الجرح٢.
стр. 357
وفي هذا المعنى يقول ابن السبكي أحد كبار فقهاء الشافعية: "من الكلمات الدائرة -في الفقه والأصول- أن الجرح مقدم على التعديل، لم يستثن أكثر الأصحاب من هذا إلا إذا قال المعدل: عرفت السبب الذي ذكره الجارح لكنه تاب منه، وحسنت حالته، قالوا: فتقدم بينة التعديل؛ لأن معها زيادة علم. لكنهم وإن لم يصرحوا باستثناء عين هذه الصورة، فقد صرحوا بمأخذ المسألة الذي يدور معه حكم تقديم الجرح على التعديل والتعديل على الجرح، فإنهم قالوا -على اختلاف طبقاتهم- إن الجارح إنما قدم لما عنده من الزيادة على ما خفي على المعدل؛ وذلك لأن المعدل يبني على ما هو الأصل الظاهر من حال المسلم، والجارح اطلع على ما نسخ ذلك الأصل ونقل عنه"١.
هل يقبل الجرح والتعديل من واحد:
العلماء في هذا على رأيين:
الأول: يرى أنه يقبل الجرح والتعديل من واحد، وهو ما يراه أبو حنيفة، ورواية عن أحمد، واختاره بعض فقهاء الحنابلة.
الثاني: يرى أنه لا يقبل الجرح والتعديل إلا من اثنين على الأقل، وهو ما يراه مالك والشافعي، وجمهور فقهاء الحنابلة، ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة وابن المنذر.
وقد استدل للرأي القائل بقبول الجرح والتعديل من واحد بأن الجرح أو التعديل خبر لا يعتبر فيه لفظ الشهادة، فيكون مقبولا من واحد، كما هو الحال في رواية الحديث، فإنها تقبل من الواحد.
وأما الرأي القائل بعدم قبول الجرح والتعديل إلا من اثنين فقد استدل له بأن الجرح أو التعديل إثبات صفة ممن يبني القاضي حكمه على صفته, فاعتبر فيه العدد كالشهادة.
وقد رد أصحاب هذا الرأي على الاستدلال للرأي المقابل بقياس الجرح والتعديل على رواية الحديث, بأن الجرح والتعديل يخالف الرواية، فإنها مبنية على المساهلة, ولذلك قبلت من الواحد، ولم يسلموا بأن الجرح والتعديل لا يحتاج إلى لفظ الشهادة، وقالوا: بل يجب لفظ الشهادة فيهما٢.
стр. 358
هل لا بد من التفسير في الجرح:
اختلف العلماء في هذا على رأيين:
أحدهما: يقبل الجرح المطلق، وهو أن يشهد أنه فاسق أو أنه ليس بعدل, وهذا ما يراه أبو حنيفة، ورواية عن أحمد.
الثاني: لا يسمع الجرح إلا مفسرا، فيقول مثلا: أشهد أني رأيته يشرب الخمر، أو يتعامل بالربا، أو يظلم الناس بأخذ أموالهم أو بضربهم، أو يقول إنه علم ذلك باستفاضته أي: انتشاره في الناس.
وهذا ما يراه الشافعي والحنابلة.
стр. 359
الاستدلال بالرأي الأول:
أولا: التعديل يسمع مطلقا فكذلك الجرح قياسا عليه.
ثانيا: التصريح بالسبب يجعل الجارح فاسقا, ويوجب عليه الحد في بعض الحالات, كما لو شهد عليه بالزنا وليس معه شهود غيره يكملون نصاب شهادة الزنا، فيؤدي هذا إلى جرح الجارح، وإبطال شهادته، ولا يتجرح بها المجروح.
مناقشة الاستدلال:
أجيب عن هذا الاستدلال من قبل المخالفين بعدم التسليم بأن التصريح بالسبب يؤدي إلى جرح الجارح وإيجاب الحد عليه؛ لأنه يمكنه أن يذكر السبب بطريقة التعريض من غير تصريح.
فإن اعترض معترض بأن في بيان السبب هتكا للمجروح، فالجواب أنه لا بد من هتكه للحاجة الداعية إلى ذلك، كما جازت الشهادة عليه لإقامة الحد عليه إذا ارتكب ما يوجب إقامة الحد عليه، بل هنا أولى؛ لأن فيه رفع الظلم عن المشهود عليه، وهو حق آدمي، فكان أولى بالجواز.
وأيضًا فإن هتك عرضه إنما حصل بسببه؛ لأنه تعرض للشهادة مع ارتكابه ما يوجب جرحه، فكان هو الهاتك لنفسه؛ لأن فعله هو الذي أحوج الناس إلى جرحه.
الاستدلال للرأي الثاني:
أما الرأي القائل بأنه لا يسمع الجرح إلا مفسرا، فقد استدل له بما يأتي:
стр. 360
أولا: الناس يختلفون في أسباب الجرح، كما اختلفوا مثلا في شارب النبيذ، وعلى هذا فالواجب أن لا يقبل مجرد الجرح بدون تفسير، لاحتمال أنه يجرحه بشيء لا يراه القاضي جرحا.
ثانيا: الأصل في المسلمين العدالة، والجرح ينقل الشخص عن هذا الأصل، فلا بد من معرفة الشيء الذي أدى إلى نقله عن هذا الأصل، لاحتمال أن الجارح يعتقد نقله عن أصل العدالة بشيء لا يراه القاضي ناقلا عن هذا الأصل١.
هل يقبل الجروح والتعديل من النساء:
للعلماء أيضًا رأيان في هذه المسألة:
أحدهما: يقبل الجرح والتعديل من النساء، وهذا ما يراه أبو حنيفة.
الثاني: لا يقبل الجرح والتعديل منهن، وهو ما يراه الشافعية والحنابلة.
وقد استدل للرأي الأول بأن الجرح والتعديل لا يعتبر فيه لفظ الشهادة فأشبه رواية الحديث، وكما أنه تقبل الرواية من المرأة فكذلك الجرح والتعديل يقبلان منها.
واستدل الرأي الثاني بأن الجرح والتعديل شهادة فيما ليس بمال ولا المقصود منه المال، ويطلع عليه الرجال في غالب الأحوال فأشبه الشهادة في القصاص، وكما أنه لا تقبل شهادة النساء في القصاص، فكذلك هنا.
ولم يسلم أصحاب هذا الرأي بقول أصحاب الرأي الأول أن الجرح والتعديل لا يعتبر فيه لفظ الشهادة، وأوجبوا لفظ الشهادة فيه٢.
стр. 361
لا يقبل جرح الشهود من الخصم، رأي الحنفية في اشتراط عدالة الشاهد
...
لا يقبل جرح الشهود من الخصم:
اتفق الفقهاء على أنه لا يقبل الجرح للشهود من الخصم، فلو قال المشهود عليه: هذان فاسقان، أو عدوان لي، أو آباء للمشهود له، لم يقبل قوله مجردا من البينة؛ لأنه متهم في قوله، ويشهد بما يجر إلى نفسه نفعا، فأشبه الشهادة لنفسه.
ولو كان قول الخصم يقبل من غير بينة لأدى هذا إلى أنه لا يريد أحد أن يبطل شهادة من شهد عليه إلا أبطلها، فتضيع الحقوق وتذهب حكمة شرع البينة.
هذا، وقد بيّن بعض العلماء أن البلد يتعذر فيه العدول، تقبل شهادة بعضهم على بعض؛ لأن الحال حينئذ حال ضرورة، ونفس هذا الحكم إذا تعذرت العدالة في القضاة وسائر الولاة١.
رأي الحنفية في اشتراط عدالة الشاهد:
يرى الحنفية وجوب العدالة في الشاهد، متفقين في هذا مع المذاهب الثلاثة الأخرى، كما سبق أن بينا، لكنهم يرون أنه إذا قضى القاضي بشهادة الفاسق ينفذ حكمه، فالعدالة -إذن- ليست عندهم شرطا في صحة الأداء، فلو قضى القاضي بشهادة الفاسق صح عند الحنفية وكان القاضي آثما.
رأي أبي حنيفة:
ويرى أبو حنيفة جواز الاقتصار على ظاهر عدالة الشاهد المسلم إلا في
стр. 362
الحدود والقصاص، ولا يسأل القاضي عنه إلا إذا طعن فيه الخصم، لقول عمر -رضي الله تعالى عنه: "المسلمون عدول" ولأن العدالة هي الأصل؛ لأن الإنسان يولد غير فاسق، فالعدالة أمر يقيني بحسب الأصل، والفسق أمر طارئ مظنون، فلا يجوز ترك الأصل اليقيني بأمر مظنون.
إجابة المخالفين:
وأجاب المخالفون لرأي أبي حنيفة عن الاستدلال بقول عمر "المسلمون عدول" بأن هذا معارض بما روي عنه أنه أتى بشاهدين فقال لهما: "لست أعرفكما ولا يضركما أني لم أعرفكما، جيئا بمن يعرفكما".
وأما القول بأن العدالة هي الأصل في المسلمين، فقد أجيب عنه بأن الغالب الخروج عنها، وقال البعض: إن العدالة ليست هي الأصل من الإنسان، وإنما الأصل الجهل والظلم، بدليل قول الله ﵎: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ ١ فالفسق والعدالة كل منهما يطرأ على الآخر.
لماذا استثنيت الحدود والقصاص:
وأما استثناء الحدود والقصاص من الاقتصار على ظاهر العدالة في الشاهد عند أبي حنيفة؛ فلأنه كما أن الأصل في الشاهد العدالة فالأصل في المشهود عليه العدالة، والشاهد وصف المشهود عليه بالقتل أو الزنا مثلا، فتقابل الأصلان، فيكون الترجيح بالعدالة الباطنة؛ وأيضًا فلأن الحدود مبناها على الإسقاط، فيسال القاضي عن الشهود احتيالا لدرء الحدود.
стр. 363
ما عليه الفتوى في الفقه الحنفي:
وأما الرأي الذي عليه الفتوى في الفقه الحنفي فهو ما يراه أبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة، وهو أن القاضي لا بد أن يسأل عن الشهود في السر والعلانية في كل الحقوق، سواء أكانت في مجال القصاص والحدود أم في غيرهما، وسواء طعن الخصم في الشهود أم لا؛ لأن الحكم إنما يجب بشهادة العدل فوجب البحث عن العدالة.
ويقول أبو بكر الرازي أحد كبار فقهاء الحنفية: "لا خلاف بينهم في الحقيقة، فإن أبا حنيفة أفتى في زمان كانت العدالة فيه ظاهرة، والنبي ﵊ عدل أهله، وقال: "خير القرون قرني ١، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب"، واكتفى بتعديل النبي ﷺ ، وفي زمانهما "يقصد زمان أبي يوسف ومحمد الذي استمر فترة بعد وفاة أستاذهما" فشا الكذب فاحتاجا إلى السؤال، ولو كان في زمنه ما سألا "أي: لو كانت حياتهما في مدة حياة أستاذهما فقط ما سألا"، ولو كان في زمنهما لسأل، فلهذا قلنا: الفتوى على قولهما"٢.
ونحب أن نبين أن سؤال القاضي عن الشهود في كل الحقوق عند أبي يوسف ومحمد واجب، وليس شرطا لصحة الحكم عندهما، أي: فيأثم القاضي
стр. 364
بتركه ولا يبطل الحكم، فالسؤال واجب ديني فيأثم القاضي بتركه فقط، وأما القضاء فنافذ١.
وبعد، فإننا نرجح الرأي القائل بعدم الاكتفاء بالعدالة الظاهرة، ويؤيد هذا قول الله ﵎: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ والرضا معنى يكون في النفس بما يظهر لها من الأمارات عليه، ويقوم من الدلائل المبينة له كما قال ابن العربي٢.
وهنا يمكن أن يثار سؤال هو إذا فقدت العدالة، وعم الفسق في المجتمع فما الحكم؟
نجد العلماء يختلفون في حكم هذه الحالة، فبعضهم يرى أن القاضي يحكم في هذه الحالة بشهادة الأمثل فالأمثل، أي: يؤخذ بشهادة الأقل فسقا كلما أمكن، للضرورة، وهذا يراه جمع من فقهاء الشافعية منهم الأذرعي، والغزي وبعض فقهاء المالكية، والبعض يرى أنه لا يؤخذ بشهادة الفاسق مطلقا مهما كانت أحوال الناس، وهذا يراه العز بن عبد السلام، والرملي من فقهاء الشافعية؛ لأنه إذا كان في الأخذ بشهادة الأمثل فالأمثل من الفساق مصلحة فإن هذه المصلحة يعارضها المفسدة التي ستلحق المشهود عليه٣.
стр. 365
هل تقبل شهادة الفاسق إذا تاب ؟
اتفق العلماء على أن الفاسق إذا عرفت توبته مما كان سببا في فسقه من أي جريمة تذهب العدالة، كالقتل، والزنا، والسرقة، وأكل الربا، ونحو ذلك، فإنه تقبل شهادته إلا من كان فسقه بسب جريمة القذف، وهي الرمي بالزنا على جهة التعيير أو نفي النسب، لا على جهة الشهادة، فقد اختلف العلماء في القاذف إذا تاب هل تقبل شهادته أما لا؟ ١.
فيرى جمهور العلماء قبول شهادته، ويرى أبو حنيفة عدم قبولها.
وسبب الخلاف بينهم أن الاستثناء الواقع في قول الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢. هل يعود إلى أقرب مذكور إليه، وهو الفسق أو يعود
стр. 366
الاستثناء إلى الجميع إلا ما خصصه الإجماع وهو أن التوبة لا تسقط الحد عنه.
فيرى أبو حنيفة أن الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ يعود فقط إلى أقرب مذكور وهو وصفهم بالفسق فيرتفع الفسق فقط إذا تابوا، ولا يعود الاستثناء إلى غير ذلك.
وأما جمهور العلماء فيرون عود الاستثناء إلى جميع المذكور في الآية الكريمة, إلا ما خصصه الإجماع وهو عدم سقوط الحد بالتوبة١.
وهذه القاعدة التي اختلف الجمهور وأبو حنيفة حولها، وهي إذا تعقب الاستثناء جملا معطوفة هل يعود إلى جميعها كما يرى الجمهور ومنهم مالك والشافعي وأصحابهما، أو يرجع الاستثناء إلى أقرب مذكور كما يرى أبو حنيفة، وجل أصحابه؟، هذه القاعدة أيضا سبب الخلاف بين العلماء فيها سببان:
السبب الأول: هل الجمل المعطوفة لها حكم الجملة الواحدة نظرا للعطف الذي فيها، أو أن لكل جملة من هذه الجمل المعطوفة لها حكمها المستقل، وحرف العطف محسن لا مشرك، وهذا هو الصحيح في عطف الجمل، بدليل أنه يجوز أن تعطف الجمل المختلفة بعضها على بعض كما هو المعروف في علم النحو.
السبب الثاني: هل الاستثناء نشبهه بالشرط في عوده إلى الجمل المتقدمة
стр. 367
عليه، فإنه يعود إلى جميع الجمل عند الفقهاء أو لا نشبهه بالشرط؛ لأن تشبيهه بالشرط، نكون قد قسناه عليه، والقياس في اللغة لا يصح كما هو مقرر في علم أصول الفقه.
ويرى القرطبي أن كلا الأمرين محتمل ولا ترجيح بينهما، ولهذا يتعين الوقف، وبين أن الإشكال يتأيد بأنه قد جاء في القرآن الكريم كلا الأمرين، فآية المحاربة قد عاد الضمير فيها إلى الجميع باتفاق العلماء، وهي قوله ﵎: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
وآية قتل المؤمن خطأ الاستثناء فيها يعود على الأخيرة فقط باتفاق العلماء, وهي قول الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ ٢. وآية القذف التي معنا الآن محتملة للوجهين.
ثم بيّن القرطبي أن علماء المالكية يقولون إن هذا من ناحية النظر الكلي الأصولي, وبين أنه يترجح قول مالك والشافعي من ناحية النظر الفقهي الجزئي، بأن يقال: الاستثناء في آية القذف راجع إلى الفسق، والنهي عن قبول الشهادة جميعا إلا أن يثبت التفريق بين ذلك بحديث يجب التسليم له.
стр. 368
وأيضًا فإن الإجماع قد قام على أن التوبة تمحو الكفر، فيجب أن يكون ما هو أقل من الكفر أولى.
ونقل القرطبي عن أبي عبيد قوله الاستثناء يرجع إلى الجمل السابقة، معللا ذلك بأنه ليس من نسب إنسان إلى الزنا بأعظم جرما من مرتكب الزنا، ثم الزاني إذا تاب قبلت شهادته؛ لأن $"التائب من الذنب كمن لا ذنب له"، وإذا قبل الله التوبة من العبد كان العباد بالقبول أولى، مع أن مثل هذا الاستثناء موجود في مواضع من القرآن، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ ، ولا شك أن هذا الاستثناء إلى الجميع.
ونقل القرطبي أيضا عن الزجاج قوله: وليس القاذف بأشد جرما من الكافر، فحقه إذا تاب وأصلح أن تقبل شهادته، وقال الزجاج: وقوله: ﴿أَبَدًا﴾ أي: ما دام قاذفا، كما يقال: لا تقبل شهادة الكافر أبدا، فإن معناه ما دام كافرا.
ومما يؤيد قبول شهادة التائب من القذف -عند أصحاب هذا الرأي- أنه إن كان الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة عند أقوام الأصوليين، فقول الله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ تعليل لا جملة مستقلة بنفسها، أي: لا تقبلوا شهادتهم لفسقهم، فإذا زال الفسق فلم لا تقبل شهادتهم؟ ١.
وعلى الرأي القائل بقبول شهادة التائب من القذف ففي أي شيء تقبل شهادته؟ اختلف العلماء في هذا أيضًا، فيرى بعض العلماء أن شهادته تقبل في كل شيء إلا في القذف، ويعلل لهذا الرأي أن الصفات التي طبعت عليها الناس
стр. 369
أن من كانت به وصمة أو تورط في أمر من الأمور يحرص على أن يلحق ذلك بغيره من الناس حتى يساووه في هذا الأمر وينفي عنه معرة ذلك، فيتهم أن يشهد على غيره بما وافقه ليساويه.
ويرى بعض آخر من العلماء أن من أقيم عليه الحد في جريمة قذف أو زنا فإن شهادته تقبل في القذف والزنا وغيره، وعلل لهذا الرأي بأنه إذا حكمنا بعدالته فإن هذا ينفي مثل هذه التهمة عنه، فإذا قبلنا شهادته في غير ذلك من الحد وجب أن نقبل شهادته في جريمة القذف١.
الشرط الخامس من شروط أداء الشهادة: النطق
فلا تقبل الشهادة من الأخرس، حتى لو كانت إشارته مفهومة؛ لأن الشهادة يعتبر فيها اليقين، وإنما اكتفي بإشارة الأخرس في أحكامه المختصة به للضرورة، وهذا ما يراه فقهاء الحنفية ومالك وأحمد، وهو قول للشافعي، والأصح من قوله أن شهادته مقبولة إذا كانت إشارته مفهومة٢.
الشرط السادس: كونه يقظانا
فلا تقبل شهادة مغفل لا يضبط الأمور، ولا كثير الغلط والنسيان؛ لأن الثقة لا تحصل بقوله؛ لأنه من المحتمل أن تكون شهادته في الأمور التي غلط فيها وسها؛ ولأنه ربما شهد على غير من استشهد عليه٣.
стр. 370
الشرط السابع: كونه غير متهم بتهمة ترد شهادته:
فلا تقبل شهادة المتهم، لقول الله ﵎: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ ١، والريبة حاصلة في المتهم، ولما روى الحاكم أن النبي ﷺ قال: "لا تجوز شهادة ذي الظنة، ولا ذي الحنة".
ومعنى الظنة -بكسر الظاء وتشديد النون- التهمة٢، ومعنى الحنة -بكسر الحاء وفتح النون بلا تشديد: العداوة.
وقد بيّن العلماء أن أصل رد الشهادة ومبناه التهمة؛ لأنها خبر يحتمل الصدق والكذب، وإنما تحصل الحجة بهذا الخبر بترجيح جانب الصدق فيه على جانب الكذب، وبوجود التهمة أي: الشك والريبة لا يترجح جانب الصدق، كما بيّن العلماء أن التهمة قد تكون لمعنى في الشاهد كما لو كان فاسقا، فإن من لم ينزجر عن غير الكذب من المحرمات فقد لا ينزجر عن الكذب أيضا, فكان متهما بالكذب، وقد تكون التهمة لمعنى في المشهود له من قرابة يتهم بها بإيثار المشهود له على المشهود عليه، وقد تكون لخلل في أداء التمييز كالعجمي المفضي إلى تهمة الغلط في الشهادة٣.
ومعنى التهمة أن يجر بشهادته نفعا إلى نفسه أو إلى من لا تقبل شهادته له، أو يدفع عنها أو عمن ذكر ضررا٤، هذا، وسنتكلم عن حكم شهادة الأب لابنه، والابن لأبيه، وشهادة أحد الزوجين للآخر، وشهادة الأخ لأخيه، وشهادة العدو على عدوه.
стр. 371
شهادة الأب لابنه والعكس، شهادة أحد الزوجين للأخر
...
شهادة الأب لابنه والعكس:
يرى جمهور العلماء رد شهادة الأب لابنه، والابن لأبيه والأم لابنها، وابنها لها؛ لأن المنافع بين الآباء والأولاد متصلة، ولهذا لا يجوز أداء الزكاة إليهم، فتكون شهادة لنفسه من وجه، ولتمكن التهمة.
وخالف شريح، وأبو ثور، وداود بن علي الظاهري، فقالوا: تقبل شهادة الأب لابنه إذا كان الأب عدلا، واستند هؤلاء إلى قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ ١. وما دام الله قد أمرنا أن نؤدي الشهادة ولو كانت على أنفسنا أو على الوالدين والأقربين فإن هذا يقتضي إجزاء المأمور به، ولا يستثنى من هذا إلا ما خصصه إجماع العلماء من شهادة المرء لنفسه، فإنها لا تصح بالإجماع، فيستثنى هذا فقط، ويبقى ما عداه على الإجزاء.
ويمكن أن يعلل لرأيهم أيضًا بأن الشهادة ترد لموضع اتهام الشاهد بالكذب، وهذه التهمة إنما هي في جانب الفاسق، وأما الشخص المتصف بالعدالة فلا توجد هذه التهمة في جانبه؛ لأنه لا تجتمع العدالة مع التهمة.
شهادة أحد الزوجين للآخر:
اختلف العلماء في شهادة أحد الزوجين للآخر، فيرى أبو حنيفة، ومالك والحنابلة عدم صحة هذه الشهادة، وأجازها الشافعي، وأبو ثور، والحسن البصري.
стр. 372
ويرى ابن أبي ليلى، والنخعي قبول شهادة الزوج لزوجه، وعدم قبول شهادتها له.
وقد علل العلماء لعدم قبول شهادة أحد الزوجين للآخر بأن المنافع بينهما متصلة في العادة، فتقع الشهادة لنفسه من وجه، فالشاهد منهما ينتفع بشهادته، لتبسط كل منهما في مال الآخر؛ ولأن يسار الرجل يزيد في نفقة زوجته.
وأما الرأي القائل بقبول شهادة أحد الزوجين للآخر فقد علل له بأن الحاصل بين الزوجين عقد يطرأ, ويزول فلا يمنع قبول الشهادة، كما لو شهد الأجير للمستأجر وعكسه.
ونرى رجحان الرأي القائل بعدم قبول شهادة أحد الزوجين للآخر فالتهمة هنا قوية، وليست درجة العلاقة بين الزوجين كالدرجة التي بين الأجير والمستأجر فهي أقوى وأدوم من جانب الزوجين ومصالحهما مشتركة إذا وجد النفع لأحدهما يعود ولو بطريق غير مباشر إلى الزوج الآخر، ووجود المحبة والميل القلبي الموجود عادة بين الزوجين تهمة تمنع قبول الشهادة، وقد لا يوجد هذا بين الأجير والمستأجر، فالقياس هنا غير سليم.
стр. 373
شهادة الأخ لأخيه:
يرى جمهور العلماء صحة شهادة الأخ لأخيه، وقيدها الإمام مالك بما إذا لم يدفع بذلك عن نفسه عارا، وما لم يكن منقطعا إلى أخيه يناله بره وصلته، وخالف الأوزاعي الجمهور فقال: لا تجوز.
ولعل الميل الغريزي من الأخ لأخيه يمكن أن يكون تهمة ترد شهادة الأخ لأخيه، فمن هذه الناحية نرى أن الأوزاعي قد احتاط في هذا الأمر عندما قال بعدم الجواز، فلعل رأيه أصوب.
стр. 374
شهادة العدو على عدوه:
العدو هو من يبغض المشهود عليه بحيث يتمنى زوال نعمته، ويحزن بسروره ويفرح بمصيبته.
وقد اختلف العلماء أيضًا في قبول شهادة العدو على عدوه، فيرى مالك والشافعي عدم قبولها، وهذا ما اختاره المتأخرون من فقهاء الحنفية١.
ويرى الحنابلة قبولها٢.
وبين العلماء أن العدو هنا هو العدو في الأمور الدنيوية، وأما العداوة في الأمور الدينية فليست قادحة في الشهادة، فتقبل شهادة المسلم على غير المسلم، وشهادة غير المبتدع على المبتدع٣.
الشرط الثامن من شروط أداء الشهادة: الرشد عند بعض الفقهاء:
اشترط الشافعية والمالكية في الشاهد أن يكون رشيدا، وعلى هذا فلا تقبل شهادة المحجور عليه بسفه عندهم٤.
الشرط التاسع: الذكورة في الشهادة بالحدود، والقصاص:
فلا تقبل -عند جمهور العلماء- شهادة المرأة في قضايا الحدود، والقصاص، وخالف ابن حزم الظاهري فأجاز شهادتها في الحدود والقصاص، فهي عنده تصلح شاهدة في كل شيء٥، وكذلك يرى الشوكاني جواز شهادة النساء في القصاص٦. ويرى البعض جواز شهادة النساء في كل شيء مع الرجال إلا الزنا؛ لأنه لا ينبغي أن تنظر النساء إلى جريمة الزنا وقت ارتكابها٧.
وقال عطاء بن أبي رباح: تجوز شهادة النساء مع الرجال في كل شيء، وتجوز على الزنا امرأتان وثلاثة رجال٨. وسنعود إلى هذا الموضوع مرة ثانية إن شاء الله تعالى، عند الكلام عن مراتب الشهادة.
стр. 375
هل يشترط البصر في أداء الشهادة:
وعدنا عند كلامنا عن شروط التحمل في الشهادة أن نعود بالتفصيل إلى الكلام عن شهادة الأعمى، ونحن الآن نفصل الكلام فنقول:
يرى ابن القيم قبول شهادة الأعمى في المسموعات، قال: "دلت الأدلة
стр. 376
المتضافرة -التي تقرب من القطع- على قبول شهادة الأعمى فيما طريقه السمع إذا عرف الصوت١.
وفي الفقه الحنفي نجد رأيا يقول بعدم قبول شهادة الأعمى؛ لأن أداء الشهادة يحتاج إلى التمييز بالإشارة بين المشهود له والمشهود عليه، والأعمى لا يميز إلا بالنغمة، والنغمة قد تشبه النغمة٢.
ويرى المالكية قبول شهادة الأعمى فيما عدا المرئيات مطلقا، من المسموعات والملموسات، والمذوقات، والمشمومات، سواء تحملها قبل العمى أم لا؛ لأنه يضبط الأقوال بسمعه، والملموس، والمذوق، والمشموم يستوي فيه الأعمى وغيره.
قال ابن العربي المفسر المعروف المالكي المذهب -عند تفسير قول الله ﵎: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ٣: "عموم قوله تعالى: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ يقتضي جواز شهادة الأعمى على ما يتحققه ويعلمه، فإن السمع في الأصوات طريق للعلم كالبصر للألوان، فما علمه أداه، كما يطأ زوجته باللمس والشم، ويأكل بالذوق، فلم لا يشهد على طعام اختلف فيه قد ذاقه"٤.
وأما الأفعال المرئية فلا تجوز شهادته فيها عند المالكية مطلقا, كما هو المذهب عندهم, سواء أكان قد علمها قبل العمى أم لا، كما قال بعضهم، ويرى بعض آخر منهم أنه تجوز شهادته بالأفعال إن كان علمها قبل العمى، أو علمها بحس كما في
стр. 377
الزنا١.
ويرى الشافعية عدم قبول شهادة الأعمى إلا في أربعة مواضع:
الأول: الترجمة، فيجوز أن يكون مترجما أمام القاضي؛ لأن الترجمة تفسير، ونقل اللفظ لا يحتاج إلى معاينة وإشارة.
ويشترط الشافعية في ترجمة كلام الخصم أو الشاهد للقاضي أن يقوم بالترجمة اثنان على الأقل، فلا يكفي مترجم واحد.
الثاني: ما يثبت بالاستفاضة، مثل النسب، والموت، والزواج.
الثالث: ما تحمله قبل العمى، إن كان المشهود له، والمشهود عليه معروفي الاسم والنسب، لحصول العلم بالمشهود عليه.
الرابع: في قبضه على المقر إلى أن يشهد عليه عند القاضي بما سمعه منه، من طلاق، أو عتق، أو مال لشخص معروف الاسم والنسب، وما شابه ذلك.
وزاد بعض الشافعية إسماع الأعمى للقاضي كلام الخصم أو الشاهد، فيجوز الإسماع منه٢.
ويرى الحنابلة صحة شهادة الأعمى إذا تيقن الصوت.
ويرى الظاهرية قبول شهادة الأعمى مطلقا في الأقوال والأفعال فيما تحمله قبل العمى، وفيما تحمله بعد العمى٣.
وإذا دخل شخص في الشهادة وهو بصير، ثم أداها وهو أعمى فإن الشافعي يرى جواز ذلك، وأما إذا دخلها وهو أعمى ثم أداها وهو بصير، فلا تجوز عنده، وهذا أيضًا ما يراه ابن أبي ليلى، ويرى أبو حنيفة ومحمد بن الحسن أنه إن دخلها وهو بصير ثم أدها وهو أعمى لم تجز شهادته، وإن دخلها وهو أعمى ثم أداها وهو بصير جازت، وأما أبو يوسف فيرى أنه إن دخلها وهو بصير ثم أداها وهو أعمى جازت، فيوافق الشافعي في ذلك٤.
стр. 378
مراتب الشهادة:
اتفق العلماء على ما يأتي:
أولا: لا تثبت جريمة الزنا بأقل من أربعة شهود عدول ذكور، إلا من خالف جمهور العلماء كابن حزم، فإنه يرى أن المرأة لها حق الشهادة في كل شيء، قال ابن حزم: "ولا يجوز أن يقبل في الزنا أقل من أربعة رجال عدول مسلمين، أو مكان كل رجل امرأتان مسلمتان عدلتان، فيكون ذلك ثلاثة رجال وامرأتين، أو رجلين، وأربع نسوة، أو رجلا واحدا وست نسوة، أو ثمان نسوة فقط، ولا يقبل في سائر الحقوق كلها من الحدود، والدماء، وما فيه القصاص، والنكاح، والطلاق، والرجعة، والأموال، إلا رجلان مسلمان عدلان، أو رجل وامرأتان كذلك، أو أربع
стр. 379
نسوة كذلك"١.
وقد استدل العلماء على اشترط أربعة شهود ذكور في إثبات جريمة الزنا بقول الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ٢، وقوله ﵎: ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ ٣. وقوله ﵎: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ ٤، وما رواه مسلم أن سعد بن عبادة ﵁ قال لرسول الله ﷺ : لو وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال: "نعم".
ثانيا: تثبت الأموال وما كان المقصود منه المال بشاهدين ذكرين عدلين، أو بشاهد عدل ذكر وامرأتين، والمال كالأعيان والديون، وأما ما كان المقصود منه المال فذلك كالبيع، والإجارة، والرهن، والإقرار، والغصب، وقتل الخطأ، وما ماثل هذا.
كل ذلك يثبت بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين، وهذا محل إجماع بين العلماء٥، لقوله ﵎: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ
стр. 380
إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ ١.
فكان هذا النص الكريم على عمومه إلا الأمور التي جاء دليل خاص يخصصها.
ولا يشترط عند اشتراك رجل وامرأتين في الشهادة أن تتقدم شهادة الرجل على المرأتين، فتصح الشهادة سواء تقدمت شهادته على المرأتين أو تأخرت، بل ولا يشترط العجز عن شهادة رجلين، فسواء أكان من المقدور شهادة رجلين أم كان من غير المقدور فإن شهادة المرأتين مع الرجل صحيحة٢.
هذا، وقد بين الله سبب كون شهادة المرأتين تقومان مقام شهادة رجل، وهو أن إحدى المرأتين الشاهدتين قد تنسى فتذكرها المرأة الأخرى، ومعنى هذا أن المرأة بطبيعتها معرضة للنسيان أكثر من الرجل، ولعل ذلك راجع إلى ما يعتريها من أمور طبيعية كالحيض والنفاس، والحمل، مما قد يؤثر على قوة حافظتها، فينسيها بعض الوقائع، فإذا كان امرأتان في الشهادة فإن إحداهما تذكر الأخرى إذا
стр. 381
نسيت، ويرى بعض العلماء المعاصرين أن الإسلام عندما جعل شهادة المرأتين مساوية لشهادة رجل واحد، فإنه بذلك يقدر ظروف المرأة واهتماماتها التي تجعلها -في الغالب- على بعد من تعاملات المجتمع في البيع والشراء والمداينة، أما الأشياء التي تكون على قرب منها وتحيط بها دون سواها من الرجال، فقد أخذ الإسلام بشهادتها دون الرجال، وذلك كأمور الرضاع والولادة، والحيض، والبكارة، والثيوبة١.
واختلف العلماء على الصورة الآتية:
أولا: جمهور العلماء على أنه تثبت جميع الحقوق ما عدا الزنا بشاهدين عدلين ذكرين، ويرى الحسن البصري أنه لا تقبل الشهادة بأقل من أربعة شهداء.
وهذا الرأي ضعيف لقول الله ﵎: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ وقوله ﵎: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ .
ويرى أحمد بن حنبل فيما يختص بمعرفة أهل الخبرة والطب قبول شهادة الخبير أو الطبيب الواحد إذا لم يوجد غيره، وأما إذا أمكن شهادة اثنين فقال فقهاء الحنابلة لا يكتفى بدونهما.
كما يرى أحمد أيضًا -في إحدى روايتين عنه- قبول شهادة الواحد في الترجمة ونحوها.
ويرى مالك، والشافعي، وبعض فقهاء الحنابلة أنه لا بد في الترجمة من
стр. 382
اثنين عدلين.
والاكتفاء بواحد في الترجمة هو قول أبي حنيفة أيضًا١، ويرى محمد بن الحسن أنه لا يجوز أقل من رجلين، أو شاهد وامرأتين٢.
ثانيا: جمهور العلماء على أن الحكم يجب بالشاهدين من غير يمين المدعي، ويرى ابن أبي ليلى أنه لا بد من يمينه.
ثالثا: جمهور العلماء على أنه لا تقبل شهادة النساء في الحدود والقصاص، سواء كان معهن رجل أو كن منفردات، وقد استند هذا الرأي إلى ما روي عن الزهري قال: "مضت السنة من النبي ﷺ ، ومن أبي بكر، وعمر أنه لا تجوز شهادة النساء في الطلاق، ولا في النكاح، ولا في الحدود" فهذا الحديث بيّن أن ثلاثة أشياء لا تقبل فيها شهادة المرأة, وقاسوا القصاص على الثلاثة المذكورة بجامع أن الكل ليس مالا، ولا يقصد منه مال.
ويرى ابن حزم أن شهادة النساء تقبل في الحدود والقصاص، إذا كان النساء أكثر من واحدة، قال ابن حزم: "ولا يجوز أن يقبل في الزنا أقل من أربعة رجال عدول مسلمين، أو مكان كل رجل امرأتان مسلمتان عدلتان، فيكون ذلك ثلاثة رجلا وامرأتين، أو رجلين وأربع نسوة، أو رجلا واحدا وست نسوة، وثمان نسوة فقط، ولا يقبل في سائر الحقوق كلها من الحدود، والدماء، وما فيه القصاص، والنكاح، والطلاق، والرجعة، والأموال إلا رجلان مسلمان عدلان، أو رجل
стр. 383
وامرأتان كذلك، أو أربع نسوة كذلك، ويقبل في كل ذلك حاشا الحدود رجل واحد عدل وامرأتان كذلك مع يمين الطالب"١.
واستند ابن حزم في رأيه إلى ظاهر الآية الكريمة: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ .
وقد بين الشوكاني وغيره أن حديث الزهري الذي استند إليه الجمهور ضعيف، فقد أخرج قول الزهري المذكور ابن أبي شيبة، بإسناد فيه الحجاج بن أرطأة، وهو ضعيف، بجانب أن الحديث مرسل لا تقوم بمثله الحجة٢.
وقال ابن حزم في تضعيفه، لهذا الحديث: "وأما الخبر من قول الزهري: مضت السنة من النبي ﷺ ، ومن أبي بكر، وعمر أنه لا تجوز شهادة النساء في الطلاق، ولا في النكاح، ولا في الحدود فبلية؛ لأنه منقطع من طريق إسماعيل بن عياش، وهو ضعيف عن الحجاج بن أرطأة، وهو هالك"٣، ولهذا فإن الشوكاني يرى أن حديث الزهري لا يصلح مخصصا للعموم المستفاد من القرآن باعتبار ما دخل تحت نصه وهو الطلاق والنكاح، والحدود، فضلا عما لم يدخل تحت نصه، بل ألحق بطريق القياس وهو القصاص.
ومراد الشوكاني من العموم المستفاد من القرآن هو ما يستفاد من قول الله ﵎: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ ٤، ولهذا فلا مانع عند الشوكاني أن يشهد رجل وامرأتان في قضية من قضايا القصاص٥.
стр. 384
رأي المالكية في شهادة النساء بعضهن على بعض في الأعراس ومساكن الطالبات، ونحو ذلك:
اختلف المالكية في شهادة النساء بعضهن على بعض فيما يقع بينهن من الجراح والقتل في المواضع التي لا يحضرها الرجال، كالحمامات العامة الخاصة بهن والأعراس، والمآتم، وما أشبه ذلك١ من صور الحياة التي نعيشها، كمساكن الطالبات، وحمامات السباحة الخاصة بالنساء، ومدارس البنات، ونوادي النساء، فيرى بعض فقهائهم أن شهادتهن لا تجوز؛ لأن الغالب عدم ضرورتهن إلى الاجتماع في ذلك، وصرح بعضهم بأن هذا الرأي هو الصحيح.
ويوجد رأي آخر عندهم بجواز شهادتهن لحاجتهن إلى ذلك، قال أحد المؤيدين لهذا الرأي من المالكية: ولم يزل النساء يجتمعن في الأعراس والمآتم في زمنه ﷺ وهلم جرا، فإذا لم يقبل قول بعضهن على بعض ذهبت دماؤهن هدرا.
وبعضهم يحرر موضع الخلاف في الفقه المالكي بأن هذا إذا كان اجتماعهن
стр. 385
في العرس المباح، الذي لا يختلط فيه الرجال مع النساء ولم يكن هناك منكر ظاهر، أو كان دخولهن الحمام العام بالملابس التي لا تكشف شيئًا مما يجب عليهن ستره، فهذه مسألة الخلاف عند فقهاء المالكية، وأما إذا كن في الحمام العام غير ساترات لما يجب ستره، أو في الأعراس التي يمتزج فيها الرجال والنساء فلا خلاف في المذهب أن شهادة بعضهن على بعض لا تقبل، وكذلك المأتم لا يحل حضوره إذا كان فيه نوح, وما أشبه ذلك مما حرمه الشرع؛ لأن النساء بحضورهن في هذه المواضع تسقط عدالتهن، والله ﵎ اشترط العدالة من الرجال والنساء بقوله : ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ .
رابعا: يرى أبو حنيفة قبول شهادة النساء مع الرجال في أحكام الأبدان، مثل: الزواج، والطلاق، والرجعة، والعتق.
وقد بيّن الحنفية مستند هذا الرأي١، فذكروا أنه روي عن عمر "أن النبي ﷺ أجاز شهادة النساء في النكاح".
وقالوا إن المرأة من أهل الشهادة كما بينت الآية، فتقبل شهادتها لوجود المشاهدة، والحفظ، والأداء كالرجل، وأما زيادة النسيان في المرأة فتجبر بزيادة العدد، وإليه الإشارة بقوله ﵎: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ .
ويرى مالك أن شهادة النساء لا تقبل في حكم من أحكام البدن، وأما حقوق الأبدان المتعلقة بالمال، مثل: الوكالات، والوصية التي لا تتعلق إلا بالمال، فقال
стр. 386
مالك، وابن القاسم، وابن وهب: يقبل فيها شهادة شاهد وامرأتين، وقال أشهب وابن الماجشون: لا يقبل فيها إلا رجلان.
خامسا: حقوق الأبدان التي لا يطلع عليها الرجال غالبا بل نادرا، ويختص النساء بمعرفتها في الغالب. مثل: الولادة، والحيض، والعدة، والبكارة والثيوبة، واستهلال المولود، وعيوب النساء تحت الثياب، كالرتق، والقرن، والرضاع من الثدي وكذا عيوب النساء في الأجزاء التي تعد من عورة المرأة كالبرص وغيره، تقبل فيها شهادة النساء منفردات، أي: ليس معهن رجل.
وقد استدل لشهادة النساء منفردات في هذه الأمور بقول الزهري: "مضت السنة بأن تجوز شهادة النساء في كل شيء لا يليه غيرهن، رواه عبد الرازق عن الزهري بمعناه؛ وأيضًا فلأن الرجال لا يطلعون على ذلك في الغالب، فلو لم تقبل شهادة النساء في هذه الأمور لأدى ذلك إلى تعذر إثباتها١.
ولم يختلف العلماء إلا في الرضاع والاستهلال، فيرى أبو حنيفة عدم قبول شهادتين إلا مع الرجال؛ لأن الرضاع عنده من حقوق الأبدان التي يطلع عليها الرجال والنساء، فكما يطلع عليه النساء يجوز أن يطلع عليه محارم المرأة من الرجال، فلا توجد الضرورة إلى شهادتهن منفردات؛ ولأن الحرمة متى ثبتت ترتب عليها زوال الملك في الزواج، وإبطال الملك لا يثبت إلا بشهادة الرجال.
وكذلك يرى أبو حنيفة أنه لا تقبل شهادتهن منفردات في استهلال المولود؛ لأن ذلك مما يطلع عليه الرجال فإن الاستهلال صوت يكون عقيب الولادة، ويحل للرجال سماع هذا الصوت٢.
стр. 387
هل يشترط العدد في انفراد النساء بالشهادة:
الذين يرون قبول شهادة النساء منفردات في حقوق الأبدان التي لا يطلع عليها الرجال غالبا, مختلفون في العدد المشترط في ذلك منهن. على الصورة الآتية:
الرأي الأول: كل موضع تقبل فيه شهادة النساء منفردات يصح فيه شهادة امرأة واحدة.
وهذا الرأي يراه أحمد، وأبو حنيفة وأصحابه، والثوري، قال ابن القيم: "وصح عن ابن عباس، وروي عن عثمان، وعلي، وابن عمر، والحسن البصري، والزهري، وروي عن ربيعة، ويحيى ين سعيد، وأبي الزناد، والنخعي، وشريح، وطاوس، والشعبي: الحكم في الرضاع بشهادة امرأة واحدة، وأن عثمان ﵁ فرق بشهادتها بين الرجال ونسائهم، وذكر الزهري أن الناس على ذلك, وذكر الشعبي ذلك، عن القضاة جملة، وروي عن ابن عباس: أنها تستحلف مع ذلك"١.
الرأي الثاني: لا تقبل فيه إلا امرأتان، وهو ما يراه الحكم، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، ومالك، والثوري، ورواية أخرى عن أحمد، وهو أيضًا ما يراه الزهري غير أنه استثنى الشهادة في استهلال المولود, فبين أنه يرى قبول شهادة امرأة واحدة يه.
стр. 388
الرأي الثالث: لا يقبل فيما تصح فيه شهادة النساء منفردات إلا ثلاث نسوة لا أقل من ذلك، وهذا ما يراه عثمان البتي.
الرأي الرابع: لا يقبل فيه إلا أربع نسوة، وهو ما يراه عطاء، والشعبي، وقتادة، والشافعي، وأبو ثور.
أدلة الرأي الأول:
الدليل الأول: روى أحمد، والبخاري، وغيرهما عن عقبة بن الحارث، أنه تزوج أم يحيى بن أبي إهاب، فجاءت أمة "جارية" سوداء فقالت: قد أرضعتكما، قال: فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فأعرض عني، قال: فتنحيت فذكرت ذلك له، فقال: "وكيف وقد زعمت أنها أرضعتكما، فنهاه عنها"، وفي رواية دعها عنك.
مناقشة هذا الدليل:
أولا: أجيب عن الحديث بأنه محمول على الاستحباب.
الرد على هذه الإجابة:
رد الشوكاني بأن النهي حقيقة في التحريم -كما هو القاعدة الأصولية- فلا يخرج عن معناه الحقيقي إلا لقرينة صارفة.
ثانيًا: قال البعض إن أمر الرسول ﷺ للرجل كان من باب الاحتياط، وأجيب بأن هذا مخالف للظاهر، ولا سيما بعد أن كرر السؤال أربع مرات كما في بعض الروايات، والنبي ﷺ يقول له في جميعها:
стр. 389
كيف وقد قيل، وفي بعضها: دعها عنك.
ولو كان أمر الرسول ﷺ للرجل من باب الاحتياط لأمره بالطلاق لكن لم يثبت في رواية أنه ﷺ أمره بالطلاق١.
الدليل الثاني: ذكر ابن قدامة حديثا قال إن الفقهاء ذكروه في كتبهم، وهو ما رواه حذيفة أن النبي ﷺ أجاز شهادة القابلة.
الدليل الثالث: ذكره ابن قدامة أيضًا، وهو ما رواه أبو الخطاب عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "يجزئ في الرضاع شهادة امرأة واحدة".
الدليل الرابع: أن المشهود فيه معنى يثبت بقول النساء المنفردات، فلا يشترط فيه العدد، كرواية الأحاديث، وأخبار الديانات.
دليل الرأي القائل بأن لا بد من امرأتين:
استدل لهذا الرأي بما يأتي:
أولا: الرجال أكمل عقلا من النساء، ومع ذلك لا يقبل منهم في الشهادة إلا اثنان.
ثانيا: كما كان عدد الرجال حيث تجوز شهادتهم اثنين، فكذلك عدد النساء حيث تجوز شهادتهن اثنتين٢.
стр. 390
ويمكن أن نجيب على هذا بأن هذا الاستدلال في مقابلة النص فلا يقبل.
دليل الرأي القائل بأن لا بد من ثلاث:
استدل له بأن كل موضع قبل فيه النساء كان العدد ثلاثة كما لو كان معهن رجل. ويمكن أن نجيب عن هذا الاستدلال أيضًا بما أجيب به عن الاستدلال للرأي الذي قبله.
دليل الرأي القائل بأن لا بد من أربع:
استدل لهذا الرأي بأن الله قد جعل عديل الشاهد الواحد امرأتين، واشترط الاثنينية في قوله : ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ ، فلما أجاز الله شهادة النساء هنا أقام امرأتين مقام رجل واحد، فإن مقتضى هذا القياس أن تكون أربع نسوة مقام رجلين١.
مناقشة هذا الاستدلال:
يمكن أن يجاب بأنه كان يمكن التسليم بهذا الاستدلال لو لم يرد في الرضاع ما يخصص هذا العام، فلا شك أن حديث عقبة بن الحارث أخص مطلقًا.