← Сияса и кади

Сияса и кади · id 10744

النظام القضائي في الفقه الإسلامي

محمد رأفت عثمان

Полный текст (596 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

مالك، وابن القاسم، وابن وهب: يقبل فيها شهادة شاهد وامرأتين، وقال أشهب وابن الماجشون: لا يقبل فيها إلا رجلان. خامسا: حقوق الأبدان التي لا يطلع عليها الرجال غالبا بل نادرا، ويختص النساء بمعرفتها في الغالب. مثل: الولادة، والحيض، والعدة، والبكارة والثيوبة، واستهلال المولود، وعيوب النساء تحت الثياب، كالرتق، والقرن، والرضاع من الثدي وكذا عيوب النساء في الأجزاء التي تعد من عورة المرأة كالبرص وغيره، تقبل فيها شهادة النساء منفردات، أي: ليس معهن رجل. وقد استدل لشهادة النساء منفردات في هذه الأمور بقول الزهري: "مضت السنة بأن تجوز شهادة النساء في كل شيء لا يليه غيرهن، رواه عبد الرازق عن الزهري بمعناه؛ وأيضًا فلأن الرجال لا يطلعون على ذلك في الغالب، فلو لم تقبل شهادة النساء في هذه الأمور لأدى ذلك إلى تعذر إثباتها١. ولم يختلف العلماء إلا في الرضاع والاستهلال، فيرى أبو حنيفة عدم قبول شهادتين إلا مع الرجال؛ لأن الرضاع عنده من حقوق الأبدان التي يطلع عليها الرجال والنساء، فكما يطلع عليه النساء يجوز أن يطلع عليه محارم المرأة من الرجال، فلا توجد الضرورة إلى شهادتهن منفردات؛ ولأن الحرمة متى ثبتت ترتب عليها زوال الملك في الزواج، وإبطال الملك لا يثبت إلا بشهادة الرجال. وكذلك يرى أبو حنيفة أنه لا تقبل شهادتهن منفردات في استهلال المولود؛ لأن ذلك مما يطلع عليه الرجال فإن الاستهلال صوت يكون عقيب الولادة، ويحل للرجال سماع هذا الصوت٢.

стр. 387

هل يشترط العدد في انفراد النساء بالشهادة: الذين يرون قبول شهادة النساء منفردات في حقوق الأبدان التي لا يطلع عليها الرجال غالبا, مختلفون في العدد المشترط في ذلك منهن. على الصورة الآتية: الرأي الأول: كل موضع تقبل فيه شهادة النساء منفردات يصح فيه شهادة امرأة واحدة. وهذا الرأي يراه أحمد، وأبو حنيفة وأصحابه، والثوري، قال ابن القيم: "وصح عن ابن عباس، وروي عن عثمان، وعلي، وابن عمر، والحسن البصري، والزهري، وروي عن ربيعة، ويحيى ين سعيد، وأبي الزناد، والنخعي، وشريح، وطاوس، والشعبي: الحكم في الرضاع بشهادة امرأة واحدة، وأن عثمان ﵁ فرق بشهادتها بين الرجال ونسائهم، وذكر الزهري أن الناس على ذلك, وذكر الشعبي ذلك، عن القضاة جملة، وروي عن ابن عباس: أنها تستحلف مع ذلك"١. الرأي الثاني: لا تقبل فيه إلا امرأتان، وهو ما يراه الحكم، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، ومالك، والثوري، ورواية أخرى عن أحمد، وهو أيضًا ما يراه الزهري غير أنه استثنى الشهادة في استهلال المولود, فبين أنه يرى قبول شهادة امرأة واحدة يه.

стр. 388

الرأي الثالث: لا يقبل فيما تصح فيه شهادة النساء منفردات إلا ثلاث نسوة لا أقل من ذلك، وهذا ما يراه عثمان البتي. الرأي الرابع: لا يقبل فيه إلا أربع نسوة، وهو ما يراه عطاء، والشعبي، وقتادة، والشافعي، وأبو ثور. أدلة الرأي الأول: الدليل الأول: روى أحمد، والبخاري، وغيرهما عن عقبة بن الحارث، أنه تزوج أم يحيى بن أبي إهاب، فجاءت أمة "جارية" سوداء فقالت: قد أرضعتكما، قال: فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فأعرض عني، قال: فتنحيت فذكرت ذلك له، فقال: "وكيف وقد زعمت أنها أرضعتكما، فنهاه عنها"، وفي رواية دعها عنك. مناقشة هذا الدليل: أولا: أجيب عن الحديث بأنه محمول على الاستحباب. الرد على هذه الإجابة: رد الشوكاني بأن النهي حقيقة في التحريم -كما هو القاعدة الأصولية- فلا يخرج عن معناه الحقيقي إلا لقرينة صارفة. ثانيًا: قال البعض إن أمر الرسول ﷺ للرجل كان من باب الاحتياط، وأجيب بأن هذا مخالف للظاهر، ولا سيما بعد أن كرر السؤال أربع مرات كما في بعض الروايات، والنبي ﷺ يقول له في جميعها:

стр. 389

كيف وقد قيل، وفي بعضها: دعها عنك. ولو كان أمر الرسول ﷺ للرجل من باب الاحتياط لأمره بالطلاق لكن لم يثبت في رواية أنه ﷺ أمره بالطلاق١. الدليل الثاني: ذكر ابن قدامة حديثا قال إن الفقهاء ذكروه في كتبهم، وهو ما رواه حذيفة أن النبي ﷺ أجاز شهادة القابلة. الدليل الثالث: ذكره ابن قدامة أيضًا، وهو ما رواه أبو الخطاب عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "يجزئ في الرضاع شهادة امرأة واحدة". الدليل الرابع: أن المشهود فيه معنى يثبت بقول النساء المنفردات، فلا يشترط فيه العدد، كرواية الأحاديث، وأخبار الديانات. دليل الرأي القائل بأن لا بد من امرأتين: استدل لهذا الرأي بما يأتي: أولا: الرجال أكمل عقلا من النساء، ومع ذلك لا يقبل منهم في الشهادة إلا اثنان. ثانيا: كما كان عدد الرجال حيث تجوز شهادتهم اثنين، فكذلك عدد النساء حيث تجوز شهادتهن اثنتين٢.

стр. 390

ويمكن أن نجيب على هذا بأن هذا الاستدلال في مقابلة النص فلا يقبل. دليل الرأي القائل بأن لا بد من ثلاث: استدل له بأن كل موضع قبل فيه النساء كان العدد ثلاثة كما لو كان معهن رجل. ويمكن أن نجيب عن هذا الاستدلال أيضًا بما أجيب به عن الاستدلال للرأي الذي قبله. دليل الرأي القائل بأن لا بد من أربع: استدل لهذا الرأي بأن الله قد جعل عديل الشاهد الواحد امرأتين، واشترط الاثنينية في قوله : ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ ، فلما أجاز الله شهادة النساء هنا أقام امرأتين مقام رجل واحد، فإن مقتضى هذا القياس أن تكون أربع نسوة مقام رجلين١. مناقشة هذا الاستدلال: يمكن أن يجاب بأنه كان يمكن التسليم بهذا الاستدلال لو لم يرد في الرضاع ما يخصص هذا العام، فلا شك أن حديث عقبة بن الحارث أخص مطلقًا.

стр. 391

رجوع الشهود عن الشهادة مدخل ... رجوع الشهود عن الشهادة: إذا أدى الشهود شهادتهم، ثم رجعوا عنها فما الحكم؟ نحب في البداية أن نبين أن العلماء قرروا أنه لا يصح الرجوع عن الشهادة إلا في مجلس القاضي؛ لأنه يحتاج فيه إلا حكم القاضي بمقتضى هذا الروجع، فلا بد من مجلس القاضي كما هو الحال في الشهادة فإنها لا بد أن تؤدى أمام القاضي١. هذا، وقد فصل العلماء في هذه المسألة، فالشهود إما أن يكون رجوعهم عن الشهادة قبل الحكم من القاضي، أو يكون الرجوع بعد الحكم. فإن كانوا رجعوا عن الشهادة قبل الحكم امتنع على القاضي الحكم بشهادتهم، وإن أعادوها أيضًا، سواء أكانت شهادتهم في قضية من قضايا العقوبات أم في غيرها. وقد علل لهذا بما يأتي: أولا: لأن القاضي لا يدري هل صدق الشهود في موقفهم الأول أو في موقفهم الثاني، فينتفي الظن بصدقهم، والظن بصدق الشاهد مطلوب. ثانيا: لأن كذب الشهود ثابت بالتأكيد، إما في الشهادة، أو في الرجوع، ولا يجوز الحكم بشهادة الكذاب.

стр. 392

وبين العلماء أنه لو رجع الشهود عن شهادتهم في جريمة الزنا وجب أن يعاقبوا بحد القذف، وإن قالوا غلطنا، لما في هذا من التعبير اللاحق بالمشهود عليه، وكان يلزمهم أن يتثبتوا قبل الإقدام على الشهادة بالزنا. لو كان الرجوع بعد الحكم: لو كان الرجوع بعد الحكم، فإما أن يكون قبل استيفاء المحكوم به، أو يكون بعد استيفائه. فإن رجعوا عن الشهادة بعد الحكم في القضية وقبل الاستيفاء، فإما أن يكون الرجوع قبل استيفاء مال شهدوا به، أو شهدوا بعقد يوجبه ولو كان عقد زواج كما قال فقهاء الشافعية، أو يكون الرجوع قبل استيفاء عقوبة، ولكل من هاتين الصورتين حكمها. فإن كان بعد الحكم وقبل استيفاء مال نفذ الحكم به, واستوفى المال عند فريق من العلماء هم الجمهور؛ لأن القضاء تم. وهذا ليس من الأمور التي تسقط بالشبهة حتى يتأثر برجوع الشهود عن شهادتهم. ويرى سعيد بن المسيب والأوزاعي أن الحكم لا ينفذ؛ لأن الحكم الذي حكم به القاضي كان مبنيا على شهادتيهما، فإذا رجعا فيها زال ما بني عليه حكم القاضي, فيبطل الحكم كما لو تبين أن الشاهدين كافران. وقد أجيب عن هذا بأن بطلان الحكم في حالة تبين أن الشاهدين كافران, كان لعدم توافر شرط صحة الحكم وهو عدالة الشهود، بخلاف الحال هنا، فيجوز

стр. 393

أن يكون الشاهدان متحقق فيهما العدالة والصدق في شهادتهما, وإنما كان الكذب في رجوعهما عن الشهادة. وأما إن كان الرجوع بعد الحكم وقبل استيفاء عقوبة في شهادة بها، سواء أكانت لله ﵎، كحد الزنا، أو كانت لآدمي كحد القذف، فلا تستوفى تلك العقوبة؛ لأنها تسقط بالشبهة، ورجوع الشهود شبهة. إن رجعوا بعد استيفاء المحكوم به: يرى الشافعية أنهم لو رجعوا بعد استيفاء المحكوم به لم ينقض الحكم، لتأكد الأمر بالاستيفاء؛ ولأنه يجوز صدقهم في الشهادة وكذبهم في الرجوع، ويجوز أيضًا عكسه، وليس لأحد الأمرين أولوية على الآخر. وعلى هذا فإن كان المستوفي عقوبة، كأن كان قصاصا في النفس أو في الطرف، أو قتل ردة، أو رجما في جريمة الزنا، أو جلدا ومات المجلود، أو كان قطع سرقة، ثم رجعوا عن الشهادة وقالوا: تعمدنا الشهادة، فإنه يجب عليهم القصاص، أو دية مغلظة في مالهم موزعة على عدد رءوسهم، إن عفى الأولياء عن القصاص إلى الدية؛ لأنهم تسببوا في إهلاكه. وبين الشافعية أنه يجب القصاص على القاضي إن قال: تعمدت الحكم بشهادة الزور، والقول بالقصاص على الشاهدين قال به أيضًا ابن شبرمة، وابن أبي ليلى، والأوزاعي، والحنابلة غير أن الحنابلة قالوا: إذا قال الشهود تعمدنا الشهادة عليه، ولا نعلم أنه يقتل بهذا، وكان الشهود ممن يجوز أن يكون جاهلا بالحكم وجبت الدية في أموالهما مغلظة؛ لأنه شبه عمد، وكذلك يرى الحنفية أنه لا يفسخ الحكم إذا رجع الشهود بعد الحكم، لكنهم قالوا: إذا رجع شهود القصاص ضمنوا الدية ولا قصاص عليهم؛ لأن القصاص عند الحنفية لا يجب في جريمة القتل بالتسبب، بل لا بد في القصاص -عندهم- من القتل مباشرة، ولا يوجد القتل بالمباشرة هنا١.

стр. 394

إن رجع الشهود في الطلاق البائن وما ماثله: إذا شهد شاهدان بطلاق بائن، سواء أكان بعوض "خلعا" أم بثلاث، أم قبل الدخول، وشهدا بالرضاع الذي يثبت تحريم الزواج، أو شهدا باللعان، أو نحو ذلك مما يترتب عليه البينونة كالتفريق بين الزوجين بالعيوب١، وفرق القاضي بين الزوجين بناء على شهادة الشهود, ثم رجع الشاهدان عن شهادتهما فإن الشافعية يرون نفاذ الفراق، وعللوا لهذا بأن قول الشاهدين في الرجوع محتمل للصدق والكذب، فلا يرد الحكم بقول محتمل للصدق والكذب. ويلزم الشهود الراجعون عن الشهادة بمهر المثل للزوج٢، حتى لو كان الفراق قبل الوطء، ويوجد قول آخر للإمام الشافعي بأنه إذا كان القاضي حكم بالفراق قبل الوطء، وجب على الشهود الراجعين نصف مهر المثل؛ لأن نصف

стр. 395

المهر فقط هو الذي فات على الزوج. وأما الرأي الأول -وهو الأقوى عند الشافعية- فقد نظر إلى بدل ما فوته الشهود على الزوج؛ لأن النظر في الإتلاف إلى الشيء الذي أتلف١. إذا رجع الشهود ضمنوا المال: إذا شهد شاهدان بمال، فقضى به القاضي، وأخذه المدعي، ثم رجع الشاهدان في شهادتهما، ضمناه للمشهود عليه، لوجوب التسبب على وجه التعدي وهذا يوجب الضمان. فإن رجع أحد الشاهدين فقط ضمن نصف المال المحكوم به، ولو كان الشهود ثلاثة فرجع واحد منهم فقط فلا شيء عليه؛ لأن شهادة الاثنين الباقيين على شهادتهما يثبت بها جميع الحق، فإن رجع واحد آخر ضمنا نصف المال. وإن كان الشهود رجلا وامرأتين فرجعت واحدة فعليها ربع المال، وإن

стр. 396

رجعت المرأتان ضمنتا نصفه. ولو شهد رجل وعشر نسوة، ثم رجع الجميع عن الشهادة، فيرى أبو حنيفة، أنه يلزم الرجل سدس المال، ويلزم النساء خمسة أسداسه؛ لأن كل امرأتين مقام رجل، فصار الأمر كشهادة ستة من الرجال. وأما أبو يوسف ومحمد بن الحسن فيريان أنه يلزم الرجل نصف المال والنسوة العشر النصف الآخر؛ لأن النساء وإن كثر عددهن في الشهادة فهن مقام رجل احد؛ لأنه لا يثبت بهن إلا نصف الحق. ولو رجع ثمان من النسوة فلا شيء عليهن؛ لأن نصاب الشهادة في الأموال لا زال باقيا بالرجل، والمرأتين الباقيتين على شهادتهما من النسوة العشر. ولو رجع الرجل وثمان نسوة فعلى الرجل نصف المال ولا شيء على الراجعات؛ لأنه بقي منهن من يقوم به نصف الحق. ولو شهد رجلان وامرأة، ثم رجع الجميع فالضمان على الرجلين خاصة؛ لأن الحق ثبت بهما دون المرأة١.

стр. 397

تعارض البينتين من شخصين: إذا ادعى شخصان عينا تحت يد شخص ثالث وهو منكر لها، وأقام كل منهما بينة على أنها ملكه، وكانت كل من البينتين مطلقة التاريخ، أو كانتا متفقتين، أو إحداهما مطلقة والأخرى مؤرخة، سقطت البينتان كما يقول الشافعية، لتناقض موجبيهما، فيكونان في هذه الحال أشبه بالدليلين إذا تعارضا ولا يوجد ما يرجح أحد الدليلين على الآخر. وعلى هذا يصح الأمر كأنه لا يوجد بينة، ويصار إلى التحالف، فيحلف الثالث لكل منهما يمينا، هذا هو الرأي القوي في فقه الشافعية. ويوجد قول ضعيف للشافعي ﵁ أن البينتين لا تسقطان بل تستعملان صيانة لهما عن الإلغاء بقدر الإمكان. فعلى هذا الرأي الأخير يلزم نزع العين ممن هي في يده؛ لاتفاق البينتين على أن هذه العين ليست لواحد معين. لكن ما هو التصرف الذي يفعل على هذا الرأي؟ اختلفت الأقوال التي نقلت عن الشافعي ﵁، ففي قول له تقسم العين بينهما، أي: يكون لكل منهما نصفها، وفي قول آخر يقرع بينهما ويرجح من خرجت له القرعة، وفي قول ثالث توقف العين بينهما حتى يتبين الأمر فيها، أو يصطلحا على شيء. إذا كانت العين في يدهما: إذا كانت العين في يد شخصين, وأقام كل منهما بينة بقيت العين في يدهما كما كانت أولا؛ لأن البينتين لما تعارضتا تساقطتا، فإنه ليس أحد المدعين أولى بالعين من الآخر. إذا كانت العين في يد أحدهما: إذا كانت العين في يد أحدهما، فأقام غيره بينة بملكيته لهذه العين، وأقام هو بينة، قدمت بينة صاحب اليد؛ لأنهما مستويان في إقامة البينة، ولكن بينته ترجحت بكون هذه العين تحت يده، فيقضي له بها، كما لو تعارض حديثان أحدهما يؤيده القياس١.

стр. 398

زيادة العدد في إحدى البينتين أو زيادة العدالة: المذهب عند الشافعية أن البينتين تتساويان حتى لو كانت إحداهما تزيد في العدد عن الأخرى، فإذا كان مع كل من المدعيين شهود، لكن شهود أحدهما أكثر عددا من شهود الآخر، فلا ترجيح للشهود الأكثر، بل قال الشافعية أيضًا لا ترجيح حتى لو زاد وصف شهود أحد المدعيين من الورع أو غيره عن وصف شهود المدعي الآخى، بل البينتان متعارضتان لكمال الحجة من الطرفين. ويوجد قول للشافعي -رضي الله تعالى عنه- أن الشهود الأكثر عددا يرجحون على الشهود الأقل١. وكذلك يرى أبو حنيفة، والحنابلة أنه لا ترجيح بكثرة العدد ولا اشتهار العدالة٢، وأما المالكية فيرون أنه ترجح إحدى البينتين بزيادة العدالة، لكن لا ترجح بزيادة العدد -في المشهور في فقههم- ولو كثر إلا إذا أفادت الكثرة

стр. 399

العلم١. ويرى الأوزاعي أنه عند تعارض البينتين تقسم العين بحسب عدد الشهود فإذا شهد شاهدان لأحدهما، وشهد للآخر أربعة قسمت العين المتنازع عليها أثلاثا. فأما القائلون بالترجيح بكثرة العدد أو اشتهار العدالة فقد علل لرأيهم بما يأتي: أولا: القياس على الرواية في الحديث، فلو تعارض حديثان فأحد الحديثين يرجح بذلك، فكذلك الشهادة؛ لأن كلا منها خبر. ثانيا: أن الشهادة إنما شرعت؛ لأنها تحقق غلبة الظن بالمشهود به، وإذا كثر العدد أو قويت العدالة كان الظن أقوى. وأما الأوزاعي، فقد علل لما يراه بأن الشهادة سببب الاستحقاق فيوزع الحق عليها. وأما القائلون بأنه لا ترجيح بكثرة العدد، ولا اشتهار العدالة فقد علل لرأيهم بأن الشهادة مقدرة بالشرع فلها نصاب معين، فلا تختلف بالزيادة، وأما الرواية فلا ضبط فيها، ولذلك كان العمل فيها بأرجح الظنين فيصح فيها الترجيح بالزيادة٢. لو شهد لأحد المدعيين رجلان وشهد للآخر رجل وامرأتان: لو كان لأحد المدعيين شاهدان رجلان، وللمدعي الآخر رجل وامرأتان في قضايا الأموال فيرى المالكية ترجيح جانب الشاهدين الرجلين٣. والمذهب في الفقه الشافعي أنه لا ترجيح للجانب الذي يشهد له الرجلان لقيام الحجة بكل من البينتين. ويوجد قول للشافعي يرجح الجانب الذي يشهد له الرجلان، وعلل لهذا الرأي بزيادة الوثوق بشهادة الرجلين، ولذلك يثبت بشهادة رجلين أمور لا تثبت برجل وامرأتين. وصرح ابن قدامة أيضًا من فقهاء الحنابلة بأنه لا ترجح شهادة الرجلين على شهادة الرجل والمرأتين في الأموال؛ لأن كل واحد من البينتين حجة في الأموال فإذا اجتمعتا تعارضتا٤.

стр. 400

لو كان لأحد المدعيين شاهدان وللآخر شاهد ويمين: ذكر ابن قدامة رأيين في الفقه الحنبلي على الإطلاق من غير تفصيل بين ما إذا كان لصاحب الشاهد واليمين يد على العين المدعاة، أو لم يكن له يد عليها. أحد الرأيين: لا ترجح شهادة الرجلين على شهادة الشاهد مع يمين الخصم الآخر؛ لأن كل واحدة منهما حجة بمفردها في الأموال، فإذا اجتمعتا تعارضتا. والرأي الثاني: أن الجانب الذي معه الشاهدان يرجح لأمرين: الأول: أن الشاهدين حجة باتفاق العلماء، وأما الشاهد واليمين فمختلف

стр. 401

فيهما هل يصلحان حجة أم لا؟. الثاني: أن اليمين قول لنفس المدعي وأما البينة الكاملة فشهادة أجنبيين فيجب تقديم شهادة الأجنبيين، كوجوب تقديمها على يمين المنكر١. وكذلك إذا انتقلنا إلى فقه المالكية نجد أحمد الدردير لم يفصل أيضًا، بل يقرر على الإطلاق ترجيح جانب الشاهدين على جانب الشاهد واليمين٢. أما في فقه الشافعية، فنجد التفرقة في الحكم بين ما إذا كان لصاحب الشاهد واليمين يد على العين المدعاة، وما إذا لم يكن له يد عليها. فإن لم يكن لصاحب الشاهد واليمين يد على العين المدعاة فإن جانب الشاهدين يرجح على جانب الشاهد واليمين، كما هو القول الأقوى من قولين للشافعي ﵁؛ لأن الشاهدين حجة بإجماع العلماء، وأما القضاء بالشاهد ويمين المدعي فمحل خلاف بينهم. والقول الثاني المنقول عن الشافعي أنهما يتعادلان، فإن كل واحد منهما حجة في قضايا الأموال عند الانفراد. وهذا الحكم -كما بين فقهاء الشافعية- إذا لم يكن لصاحب الشاهد واليمين يد على العين المدعاة، وأما إذا كان له يد عليها فيقدم على المدعي الآخر، كما هو الرأي الأقوى من رأيين لفقهاء الشافعية؛ لأن وضع اليد يقوي جانبه٣.

стр. 402

هذا، وفي ختام كلامنا عن تعارض البينتين نحب أن نذكر ما يراه ابن فرحون أحد فقهاء المالكية المشهورين، فقد بين ثلاثة أمور للترجيح بين البينتين إذا تعارضتا ولم يمكن الجمع بينهما, وإليك بيان هذه الأمور. الأمر الأول: الزيادة في العدالة، وهذا هو المشهور في الفقه المالكي، مع ملاحظة أن الترجيح بالعدالة لا يكون إلا في الأموال خاصة. ويوجد رواية عن مالك ﵁ أنه لا يرجح بها. الأمر الثاني: اشتمال إحدى البينتين على زيادة تاريخ المتقدم، أو سبب ملك، مثل أن تشهد بينة أنه ملك العين المتنازع عليها منذ سنة وتشهد الأخرى للمدعي الآخر أنه ملكها منذ سنتين فترجح السابقة. وأما سبب الملك فمثل أن نذكر إحدى البينتين سبب الملك من نتاج أو زراعة، وتكون شهادة البينة الأخرى مطلقة لا تذكر سوى مجرد الملك، فإنه يرجح التي ذكرت السبب. الأمر الثالث: قوة الحجة فيقدم الشاهدان على الشاهد واليمين، وعلى الشاهد والمرأتين إذا استووا في العدالة١.

стр. 403

الشهادة على الشهادة: بيّن العلماء أنه يجوز الشهادة على الشهادة بإجماع العلماء١، كأن يقول الشاهد الأصلي لشخص آخر: أنا شاهد بأن فلانا أقر عندي أن لفلان كذا من المال. وأشهدك على شهادتي، فيشهد الآخر بهذه الشهادة، فيقول أمام القاضي: أشهد على شهادة فلان بكذا، ويرى الحنفية أنه لا تجوز الشهادة على الشهادة إلا إذا قال الأصل اشهدوا على شهادتي بذلك، أو اشهدوا أن فلانا أقر عندي أن لفلان عليه كذا فاشهدوا على شهادتي، بذلك إذا احتيج إليها، قالوا: لأنها في الحقيقة توكيل وتحميل؛ لأنه لا بد من نقل الشهادة إلى مجلس القاضي، ولما كانت لا بد من نقلها كان لا بد من تحملها والتحميل لا يصح إلا بالأمر٢. الأدلة على قبلوها: أولا: عموم قول الله ﵎: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ . ثانيا: الحاجة قد تدعو إليها؛ لأن الشاهد الأصلي قد يتعذر عليه أداء الشهادة لبعض العوارض كالسفر الطويل أو المرض، أو الفقد. ثالثا: الشهادة وسيلة من وسائل إظهار الحق، كالإقرار، فيصح الشهادة عليها. مجال قبولها: يرى الحنفية قبول الشهادة على الشهادة في كل الحقوق التي لا تسقط بالشبهة، وأما الحق الذي يسقط بالشبهة فلا تصح فيه، ولهذا فهم يرون عدم قبولها فيما يوجب الحد أو القصاص٣.

стр. 404

وهذا أيضا ما يراه أحمد، أما مالك فيرى أنها تقبل في الحدود والقصاص أيضا. ويرى الشافعية قبولها في كل ما ليس عقوبة لله ﵎، كالإقرار والعقود، والفسوخ، والرضاع، والولادة، وعيوب النساء التي تجيز التفريق بين الزوجين بأمر القاضي. وتقبل أيضا عند الشافعية في إثبات عقوبة لآدمي، كالقصاص وحد القذف١، أما العقوبة إذا كانت حقا لله ﵎، كالزنا، وشرب الخمر، فلا تقبل فيها الشهادة على الشهادة، كما هو القول الأقوى من قولين للشافعي ﵁؛ لأن حق الله مبني على التخفيف بخلاف حق الآدمي. أسباب تحمل الشهادة على الشهادة: بين العلماء أن تحمل الشهادة على الشهادة له أسباب ثلاثة: الأول: أن يلتمس الشاهد الأصيل من الشاهد الفرع رعاية الشهادة وحفظها فيقول الأصيل للفرع مثلا: أنا شاهد بأن لفلان على فلان كذا، وأشهدك على شهادتي. السبب الثاني: أن يسمع رجل رجلا آخر يشهد أمام القاضي أو المحكم أن لفلان على فلان كذا من المال، فله أن يشهد على شهادته، وإن لم يلتمس منه الأصل هذه الشهادة. السبب الثالث: أن يسمعه يقول: أشهد أن لفلان على فلان ألفا -مثلا- عن ثمن مبيع، أو قرض، أو غيرهما، فيجوز لمن سمعه أن يشهد على هذه الشهادة

стр. 405

إذا كان قد بيّن سبب الشهادة حتى لو لم يطلب منه الأصل ذلك؛ لأن بيان السبب رافع لاحتمال الوعد والتساهل. هذا ما يراه الشافعية، ويرى الحنفية أنه لو قال: اشهدوا على شهادتي، فسمعها رجل آخر لم يشهد على شهادته، وعللوا ذلك بأن التحمل شرط، ولم يوجد هذا التحمل١ ونرى ضعف هذا الرأي، لأن الشهادة وسيلة من وسائل إثبات الحقوق, وأي وسيلة تثبت الحق تكون جائزة، والشهادة على الشهادة يثبت بها الحق، وسماع الرجل لقوله: اشهدوا على شهادتي نعده تحملا. لو كان الشاهد الأصيل مردود الشهادة: بيّن فقهاء الشافعية أنه لا يصح تحمل الشهادة على شخص مردود الشهادة بفسق أو غير؛ لأنه غير مقبول الشهادة. هل تقبل شهادة المرأة على شهادة غيرها: يرى الحنفية صحة شهادة النساء على شهادة غيرهن، وأما الشافعية فيرون أنه لا تقبل شهادة النساء في هذا النوع من الشهادة، حتى لو كانت الشهادة في ولادة، أو رضاع أو مال. شروط قبول الشهادة على الشهادة: اشترط العلماء لقبول الشهادة على الشهاد عدة شروط: الأول: تعذر أو تعسر الشاهد الأصيل، كأن مرض بمرض يؤدي إلى أن

стр. 406

يلحقه مشقة ظاهرة لو أدى الشهادة، أو كان غائبًا١، أو كانت المرأة مخدرة، كما قال الحنفية، أي: لا تخالط الرجال. الشرط الثاني: أن يسمى الشهود الأصول، حتى يعرف القاضي عدالتهم، ويتمكن الخصم من تجريحهم إن عرف ما يجرحهم٢. هل يجوز أخذ الأجرة على الشهادة: بيّن فقهاء الشافعية أنه لا يجوز أخذ الأجرة لمن تعينت عليه الشهاد٣، وأما من لم تتعين عليه فيحتمل رأيين عندهم. وأما الحنابلة فيرون أن من عنده ما يكفيه ليس له أن يأخذ أجرا على أداء الشهادة، معللين لهذا الرأي بأن أداء الشهادة، أداء فرض، فإن الشهادة مع أنها

стр. 407

فرض كفاية إلا أن فرض الكفاية إذا قام به البعض يقع منهم فرضان, فالإنسان أثناء أدائه لفرض الكفاية إنما يقوم بفرض في وقت الأداء. وإذا لم يكن عند الشاهد ما يكفيه ولم تتعين عليه الشهادة فيجوز عند الحنابلة أن يأخذ الشاهد أجرة على الشهادة، وقد علل هذا الحكم بأن النفقة على عيال الشاهد فرض عين عليه، فلا يشتغل عنه بفرض الكفاية، فإذا أخذ الأجرة جمع بين الأمرين. هذا إذا لم تتعين عليه الشهادة، أما إذا تعينت عليه فيوجد احتمالان عند الحنابلة: أحدهما جواز أخذ الأجرة، والثاني عدم الجواز لئلا يأخذ العوض عن أداء فرض عين١. وقال ابن تيمية: "وللفقهاء في أخذ الجعل على الشهادة أربعة أقوال: هي أربعة أوجه في مذهب أحمد وغيره. أحدها: أنه لا يجوز مطلقا، والثاني: لا يجوز إلا عند الحاجة، والثالث: يجوز إلا أن يتعين عليه، والرابع: يجوز، فإن أخذ أجرا عند التحمل لم يأخذ عند الأداء"٢.

стр. 408

الوسيلة الثالثة من وسائل الإثبات: نكول المدعى عليه عن اليمين: وقد بينا سابقا عند كلامنا عن نظام الفصل فى الدعوى آراء العلماء في النكول، وما استندت إليه آراؤهم، فليرجع إليه القارئ إن أراد.

стр. 409

الويسيلة الرابعة: يمين المدعي مع الشاهد ... الوسيلة الرابعة: يمين المدعي مع الشاهد، قد لا يتيسر للمدعي شاهدان يشهدان له بالحق المدعى، فيكون معه شاهد واحد، وقد يحدث أن يتحقق وجود شاهدين فيموت أحدهما، أو يتعذر حضوره والاتصال به، فهل يصح في مثل هذا أن يحلف المدعي، فيحكم له القاضي بالحق الذي يدعيه بناء على يمينه مع الشاهد الواحد، أم أنه لا يصح الحكم بالشاهد ويمين المدعي؟. العلماء في هذه المسألة على رأيين: أحدهما: ما يراه جمهور العلماء من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم أن القاضي يصح له أن يقضي بشاهد ويمين المدعي. ومن هؤلاء أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وابن حزم الظاهري، والإمامية، والزيدية. الرأي الثاني: ما يراه أبو حنيفة وأصحابه أبو يوسف، ومحمد, وزفر، وزيد بن علي، والشعبي، والحكم، والأوزاعي، والليث بن سعد، وبعض أصحاب مالك، أنه لا يحكم بشاهد ويمين في شيء من الأحكام١.

стр. 410

دليل الرأي الأول: استدل للرأي القائل بصحة القضاء بالشاهد ويمين المدعي بحديث عن عمرو بن دينار، عن عبد الله بن عباس، أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد، رواه أحمد، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه١، والنسائي، وقال: إسناده جيد٢، وفي رواية: قال عمرو، في الأموال. وعن جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد. رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه٣. وعن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، أن النبي ﷺ قضى بشهادة شاهد واحد، ويمين صاحب الحق، وقضى به أمير المؤمنين علي بالعراق، رواه أحمد، والدراقطني٤. أدلة الرأي الثاني: المصادر التي اطلعت عليها تبين الأدلة التي اعتمد عليها الحنفية فيما يرونه في مسألة القضاء بالشاهد ويمين المدعي، لكننا لم نجد أدلة مستقلة للمشاركين لأبي حنيفة في الرأي، كالشعبي، والحكم, والأوزاعي، والليث بن سعد، وغير هؤلاء ممن ذكرناهم مع أبي حنيفة عند حكاية الآراء، كما لم يجد من سبقني في الكتابة

стр. 411

في هذه المسألة من الباحثين المحدثين -فيما أعلم-١ أدلة لغير أبي حنيفة. وعلى هذا سنذكر أدلة الحنفية باعتبارها مستندا لهم ولغيرهم من الذين يشاركونهم الرأي في هذه المسألة، استدل الحنفية لرأيهم القائل بعدم صحة القضاء الشاهد واليمين بالقرآن الكريم، والسنة الشريفة. الدليل الأول من القرآن: قال الله ﵎: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ ٢ وجه الاستدلال بهذه الآية، أن هذه الآية الكريمة جاءت في مقام بيان كيفية الشهادة، واقتصرت على ذكل صورتين فقط للشهادة، فالحاصل أن الله ﵎ اقتصر في مقام البيان على شهادة الرجلين، والرجل والمرأتين، والاقتصار في مقام البيان يفيد الحصر، فكأن الحق ﵎ قال: لا تستشهدوا بغيرهم فإذا قيل بصحة القضاء بالشاهد واليمين فإن هذا يكون منافيا للحصر، ويكون زيادة على القرآن بحديث مروي بطريق الآحاد، والزيادة على القرآن نسخ له، ولا يصح نسخ القرآن بالسنة الآحادية؛ لأن القرآن متواتر فهو قطعي الثبوت، وخبر الآحاد ظني الثبوت، فلا ينسخ المتواتر الذي هو قطعي الثبوت، ولا تقبل الزيادة من الأحاديث إلا إذا كان

стр. 412

الخبر بها متواترا، أو مشهورا على الأقل١. مناقشة الاستدلال: أجيب على هذا الاستدلال بما يأتي: أولا: إننا نسلم بأن الاقتصار في مقام البيان يفيد الحصر، ولكنه يفيده بطريق المفهوم، والمفهوم عند الحنفية من قبيل المسكوت عنه، فلا دلالة فيه على النفي. ولو سلمنا أن المفهوم هنا معمول به كالمنطوق، فإن القاعدة أن المفهوم إذا عارضه منطوق فإنه يقدم المنطوق على المفهوم، وهنا في مسألتنا هذه قد عارض المفهوم منطوق حديث: قضى رسول الله ﷺ باليمين مع الشاهد٢. ثانيا: إن أبا حنيفة وأصحابه يرون أن نكول المدعى عليه -أي: امتناعه من اليمين- يوجب أن يقضي القاضي عليه بنفس النكول، وهذا قسم ثالث ليس له ذكر في الآية الكريمة، وهي قوله ﵎: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ

стр. 413

رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ ، بل وليس له ذكر في القرآن الكريم ليدل عليه١. ثالثا: الحديث لم ينسخ الآية، بل خصص عمومها، وتخصيص القرآن بالسنة جائز، وكذلك الزيادة عليه، كما في قوله ﵎: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ بعد أن ذكر المحرمات من النساء في الزواج، مع أن الزواج بالعمة مع بنت أخيها محرم بالإجماع، وسند الإجماع في ذلك السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ . رابعا: أن الحنفية ردوا الحكم بالشاهد واليمين لكونه زيادة على ما في القرآن، مع أنهم أخذوا بأحاديث كثيرة في أحكام كثيرة، كلها زئدة على ما في القرآن كالوضوء بالنبيذ، ونقض الوضوء بالقيء، ونقضه بالقهقهة في الصلاة، وشهادة المرأة الواحدة في الولادة، ولا قود إلا بالسيف، ولا تقطع الأيدي في الغزو، ولا يرث الكافر المسلم، ولا يؤكل الطافي من السمك، ويحرم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير, ولا يقتل الوالد بالولد، ولا يرث القاتل، وغير ذلك من الأمثلة التي تتضمن الزيادة على عموم الكتاب. الرد على المناقشة: أجاب الحنفية بأن الأحاديث الواردة في هذه المواضع المذكورة أحاديث مشهورة، فوجب العمل بها لشهرتها.

стр. 414

رد المخالفين عليهم: رد المخالفون بأن أحاديث القضاء بالشاهد واليمين رواها عن رسول الله ﷺ أكثر من عشرين صحابيا، وفيها ما هو صحيح، فأي شهرة تزيد على هذه الشهرة؟ ١. الدليل الثاني: السنة وأما ما استند إليه القائلون بعدم صحة القضاء بالشاهد واليمين من السنة، فما رواه ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر" رواه البيهقي، وروى ابن حبان نحوه عن ابن عمر. وروى الترمذي نحوه أيضا عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده٢. واستدلوا أيضًا من السنة بما روي أن رسول الله ﷺ قال لرجل جاء يدعي على آخر دعوى: "شاهداك أو يمينه" ٣. وجه الدلالة أن رسول الله ﷺ في الحديث الأول حصر اليمين في المنكر، أي: المدعى عليه، فلو كان للمدعي يمين أيضًا لما كان الحصر صحيحا.

стр. 415

وأما في الحديث الثاني فقد خير رسول الله ﷺ المدعي بين أمرين لا ثالث لهما، وهما شاهدان للمدعي، أو يمين المدعى عليه، فإذا قيل بأن للمدعي الحق في اليمين مع شاهد فإن هذا ينافي التخيير؛ لأن هذا أمر ثالث لم يذكره الحديث مع أنه ورد في مقام البيان، والاقتصار في مقام البيان يفيد الحصر، لو كان هناك طريق آخر لإثبات الحق، لبينه الرسول ﷺ ، كأن يقول: شاهداك، أو يمينه، أو شاهدك ويمينك، وغير ذلك، ولكن الحديث حصر إثبات الحق بشاهدي المدعي، أو يمين المدعى عليه. فالتخيير كان بين أمرين فقط، فما زاد على ذلك كان منافيا للتخيير فلا يصح. مناقشة هذا الاستدلال: أجيب عن هذا الاستدلال بأن معنى قول الرسول ﷺ : "البينة على المدعي" معنى عام، ويتناول كل أنواع البينة، وهي تصدق بشاهدين، وشاهد ويمين؛ لأن اليمن يسمى في عرف الشرع شهادة، يؤيد هذا قول الله ﵎: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ ، أي: أربعة أيمان يقسمها الذي يتهم زوجته بجريمة الزنا، وليس معه شهود يشهدون على هذه الجريمة. وأيضًا فإن معنى قوله ﷺ : "واليمين على من أنكر" يحمل على ما إذا لم يكن مع المدعي أصل الشهادة، ولا خلاف في هذا. وأما تخيير الرسول ﷺ للمدعي بين الشاهدين، ويمين المدعى عليه، فمحمول كذلك على أن المدعي لم يكن معه أصل الشهادة، فكان التخيير بين أن يأتي بالشهادة التي تصدق بشاهد ويمين، وبين يمين المدعى عليه.

стр. 416

وبهذا يتبين أنه لا تعارض بين حديث القضاء بشاهد ويمين وبين الأحاديث التي يوهم ظاهرها أنها تعارضه. الرأي الراجح: الرأي القائل بصحة القضاء بالشاهد ويمين المدعي في الأموال هو الأولى بالقبول، لثبوت الحديث الذي يفيد هذا، ولضعف استدلال الحنفية ومن معهم؛ ولأن القول بصحة القضاء بالشاهد مع يمين المدعي يتفق مع روح التشريع الإسلامي، إذ إنه في بعض الأحايين يكون للمدعي شاهدان، فيموت أحدهما، أو يكون غائبا لا يتوصل إلى شهادته بسهولة، أو يكون قد طرأ له ما يمنعه من أداء الشهادة كالجنون، فإذا لم يقض القاضي له بالحق المدعى بالشاهد الواحد الباقي مع يمينه فإن هذا يؤدي إلى ضياع الكثير من حقوق الناس، مع وجود الظن بثبوت هذه الحقوق، والشريعة تعتبر الظنون في كثير من الأحايين وشهادة الشاهد الواحد تفيد ظنا ما بثبوت الحق؛ لأن الشاهد متصف بالعدالة، والعدالة مانعة له من الكذب، فإذا تأكدت شهادته بيمين المدعي حصل الظن الغالب بثبوت الحق١. فالأخذ برأي الحنفية -إذن- يؤدي إلى التضييق على الناس في الحصول على الحقوق، وهذا يعد في ذاته ضررا، والشريعة الإسلامية حرمت الإضرار بالنفس أو بالغير، فضلا عما في الأخذ برأي الجمهور من تبسيط إجراءات التقاضي, وإيصال الحقوق إلى أصحابها بأبسط الطرق وأسهلها ما دام ذلك لا يتعارض مع

стр. 417

نص شرعي أو قاعدة عامة أتت بها شريعة الإسلام، ومن الملاحظ أن القوانين الوضعية قد أخذت بهذا الحكم وهو جواز سماع الشاهد وتحليف المدعي اليمين إذا عجز عن تقديم البينة الكاملة. هذا، ومع أن جمهور العلماء -كما بينا- يرون أن الشاهد واليمين وسيلة من وسائل الإثبات، فإنهم مختلفون في مجال القضاء بالشاهد واليمين، ففقهاء المدينة، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، والشافعي، وأحمد يرون أن الشاهد واليمين لا يكون وسيلة من وسائل الإثبات إلا في الأموال، وما يئول إلى الأموال١. ويرى ابن حزم أنهما وسيلة من وسائل الإثبات في كل الحقوق ما عدا الحدود٢. ومن أدلة أصحاب الرأي الأول ما أخرجه الشافعي عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس "أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد، قال عمرو: في الأموال"، وما أخرجه البيهقي عن جعفر بن محمد عن أبيه "أن رسول

стр. 418

الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد، يعني في الأموال"، وفي سنن أبي داود١ أنه قال سلمة في حديثه: قال عمرو في "الحقوق" يريد أن عمرو بن دينار الذي روى هذا الحديث عن ابن عباس، خص الحكم بالشاهد واليمين بالحقوق، قال الخطابي: "وهذا خاص بالأموال دون غيرها، فإن الراوي وقفه عليها، والخاص لا يتعدى به محله، ولا يقاس عليه غيره، واقتضاء العموم منه غير جائز؛ لأنه حكاية فعل والفعل لا عموم له. ا. هـ. قالوا: ولأنه ثبت من القرآن الكريم أنه لا يقبل في الرجعة أقل من شاهدين، قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ على خلاف العلماء في الشهادة على الرجعة، هل هي واجبة أو مستحبة، لكن لو حدثت الشهادة فلا بد فيها من شاهدين، وروي عن رسول الله ﷺ أحاديث تفيد أن الزواج لا يصح إلا بحضور شاهدين. وهذه الأحاديث وإن كان قد قيل إن بعضها ضعيف، أو إن رفعه ضعيف، فإن العلماء قالوا إنها مع ذلك تصلح دليلا على وجوب شاهدين على عقد الزواج؛ لأن بعضها -في رأيهم- يقوي بعضا قالوا: فيقاس على الرجعة والزواج جميع الأمور التي اشترطنا فيها الشاهدين، بجامع أنها ليست مالا ولا يقصد منها المال. وقالوا إن الزواج والطلاق والعتق كل منها حق يتعلق بجميع البدن كالقصاص في القتل، فلا يثبت باليمين مع الشاهد. وأما ابن حزم فيرى أن الأخبار التي جاءت في هذه المسألة -أي: مسألة القضاء بشاهد ويمين- جاءت عامة، ولم يأت شيء من الأخبار يخصص العموم، وأما الحدود فليس لها مطالب إلا الله ، ولذلك فليس من المتصور أن يقضي فيها بالشاهد مع يمين المستحق٢. وفي ختام هذه المسألة نحب أن نبين أن مالكا والشافعي ﵄ اختلفا في جواز الحكم بشهادة امرأتين مع يمين المدعي، فيرى مالك جواز ذلك، فكما جاز عنده الحكم بالشاهد ويمين المدعي، يجوز بدل الشاهد امرأتان مع يمين المدعي، وأما الشافعي فلا يرى جواز ذلك٣.

стр. 419

الوسيلة الخامسة من وسائل الإثبات: يمين المدعي إذا نكل المدعى عليه إذا لم يكن مع المدعي بينة، وطالب القاضي المدعى عليه باليمين فامتنع عن اليمين، فيرى بعض العلماء ومنهم مالك، والشافعي، وأحمد -كما بينا سابقا- رد اليمين على المدعي، فإن حلف قضى القاضي له. وهذه مسألة خلافية ذكرنا آراء العلماء فيها، وأدلتهم عند الكلام عن نظام الفصل في الدعوى، فلا داعي لإعادة الكلام عنها هنا.

стр. 420

الوسيلة السادسة: القسامة تعريف القسامة عند العلماء مدخل ... الوسيلة السادسة: القسامة القسامة بفتح القاف والسين من غير تشديد، ومعناها الأيمان، وكلمة "القسامة" مشتقة من القسم وهو اليمين، كاشتقاق كلمة "الجماعة" من الجمع، وقد حكى إمام الحرمين الجويني أن القسامة عند الفقهاء اسم للأيمان، وعند أهل اللغة اسم للحالفين، وقد صرح بذلك صاحب القاموس، وقال صاحب المصباح المنير: "والقسامة -بالفتح- الأيمان تقسم على أولياء القتيل إذا ادعوا الدم، يقال: قتل فلان بالقسامة إذا اجتمعت جماعة من أولياء القتيل فادعوا على رجل أنه قتل صاحبهم، ومعهم دليل دون البينة، فحلفوا خمسين يمينا أن المدعى عليه قتل صاحبهم، فهؤلاء الذين يقسمون على دعواهم يسمون قسامة أيضًا"١. فإذا حدثت جريمة قتل، ولم يوجد شهود شهدوا هذه الحادثة، وادعى أولياء القتيل على رجل أنه القاتل بناء على أمر أو أمور لم تصل إلى مرتبة البينة كوجود عداوة بين القتيل وبين المدعى عليهم، فهل تسمع دعوى أولياء القتيل أم لا يسمعها القاضي، وتصير الجريمة ضد مجهول؟ هنا نجد في الفقه الإسلامي فريقا من العلماء يرون أن الأيمان في هذه الحال تقوم مقام البينة، وفريقا آخر لا يرى هذا الرأي، والذين يرون أن الأيمان تقوم مقام البينة مختلفون فيمن يتوجه إليهم الأيمان، هل هم أولياء الدم فيقسمون خمسين يمينا أن الذي ادعوا عليه قيامه بجريمة القتل هو القاتل، أم أن الذين يقومون بالحلف هم المدعى عليهم. بهذا الرأي قال فريق من العلماء، وبالرأي الآخر قال فريق ثان منهم. هذا عند القائلين بأن الأيمان في هذه القضية تقوم مقام البينة، ثم هناك في الفقه الإسلامي فريق ثالث يرى أنه لا يستحق بالقسامة إلا دفع الدعوى فقط. تعريف القسامة عند العلماء: عرفها الحنفية وهم من القائلين بأن الأيمان توجه إلى المدعى عليهم بأنها:

стр. 421

"أيمان يقسم بها أهل محلة أو دار، أو موضع خارج من مصر، أو قرية قريب منه، بحيث يسمع الصوت منه، إذا وجد في شيء منها قتيل به أثر لا يعلم من قتله، يقول كل واحد منهم: بالله ما قتلت، ولا علمت له قاتلا"١. وعرفها المالكية وهم من القائلين بأن الأيمان تتوجه إلى أولياء الدم بأنها حلف خمسين يمينا أو جزءًا منها على إثبات الدم٢. وعرفها الشافعية وهم أيضًا من الفريق الذي يرى أن الأيمان توجه إلى أولياء الدم بأنها اسم للأيمان التي تقسم على أولياء الدم٣. وعرفها الحنابلة بأنها "الأيمان المكررة في دعوى القتل"٤. هذا، وجمهور فقهاء الأمصار يرون وجوب الحكم بالقسامة على الجملة، أي: مع اختلافهم في بعض أمور فيها، ومن الجمهور مالك والشافعي وأبو حنيفة، وأحمد بن حنبل، وسفيان الثوري، وداود الظاهري، وأتباع هؤلاء العلماء، وغيرهم من فقهاء الأمصار، ويرى سالم بن عبد الله، وأبو قلابة، وعمر بن عبد العزيز، وابن علية أنه لا يجوز الحكم بالقسامة٥. دليل مشروعيتها عند القائلين بها: ثبتت مشروعية القسامة عند القائلين بها بالسنة الشريفة، فروي عن أبي

стр. 422

سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار، أن النبي ﷺ أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية. رواه أحمد، ومسلم، والنسائي. وعن سهل بن أبي حثمة قال: انطلق عبد الله بن سهل، ومُحيِّصة١ بن مسعود إلى خيبر وهو يومئذ صلح، فتفرقا، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلا، فدفنه، ثم قدم المدينة، فانطلق عبد الرحمن بن سهل، ومحيصة، وحُويِّصة٢ ابنا مسعود إلى النبي ﷺ ، فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال: كبر، كبر٣، وهو أحدث القوم، فتكلما، قال: أتحلفون وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم؟ فقالوا: وكيف نحلف ولم نشهد "أي: لم نشهد الجريمة وقت حدوثها" ولم نر؟ قال: فتبرئكم يهود بخمسين يمينا، فقالوا: كيف نأخذ أيمان قوم كفار؟ فعقله٤ النبي ﷺ من عنده٥، وفي رواية متفق عليها فقال رسول الله ﷺ : "يقسم خمسون منكم على

стр. 423

رجل منهم فيدفع برمته" ١. فقالوا: أمر لم نشهده كيف نحلف؟ قال: "فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم"، قالوا: يا رسول الله، قوم كفار؟. وفي لفظ لأحمد: فقال رسول الله ﷺ : "تسمون قاتلكم، ثم تحلفون عليه خمسين يمينا، ثم نسلمه". وفي رواية متفق عليها: "فقال لهم: تأتون بالبينة على من قتله"، قالوا: ما لنا من بينة، قال: "فيحلفون"، قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكره رسول الله ﷺ أن يبطل دمه، فوداه٢ بمائة من إبل الصدقة٣. فهذه الأحاديث الشريفة دليل على مشروعية القسامة، وإلى هذا ذهب جمهور الصحابة، والتابعين، والعلماء من الحجاز، والكوفة، والشام، ومن هؤلاء مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وسفيان الثوري، وداود، وأصحابهم، وغير ذلك من فقهاء الأمصار. وقد اتفق هؤلاء على مشروعية القسامة في الجملة، لكنهم مختلفون في التفاصيل. فإذا وجد شخص مقتولا في محلة قوم٤، أو بلدة صغيرة لأعدائه، لا يسكنها غيرهم، ولا يعرف قاتله، ولا توجد بينة بقتله، وادعى وليه القتل على أهل

стр. 424

هذا المكان الذي وجد به القتيل، ادعاه عليهم كلهم أو على بعضهم فيرى الشافعية أن يحلف المدعي الوارث على القتل الذي ادعاه خمسين يمينا١، فإذا حلف على أن القتل كان خطأ أو شبه عمد، وجبت دية على العاقلة، وإذا حلف على أن القتل كان عمدا وجبت دية حالة على المقسم عليه، ولا يجب القصاص على القول الجديد للشافعي، وهذا الرأي أيضًا مروي عن الحسن البصري، والشعبي، والنخعي، وعثمان البتي، وغيرهم٢. وقد استند هذا الرأي إلى ما يأتي: أولا: قول النبي ﷺ كما رواه البخاري: "إما أن تدوا صاحبكم أو تأذنوا بحرب" فقد أطلق النبي ﷺ إيجاب الدية، ولم يفصل بين ما إذا كان القتل خطأ أو غيره، ولو كانت الأيمان صالحة للقصاص لذكر القصاص. ثانيا: القسامة حجة ضعيفة، فلا توجب القصاص، احتياطا لأمر الدماء، كالشاهد واليمين. وأما القول القديم للشافعي في بغداد قبل أن ينتقل إلى مصر فهو وجوب القصاص في الدعوى بقتل العمد، وهو أيضًا ما يراه مالك وأصحابه، والليث بن سعد، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية، وأبو ثور، وداود الظاهري. وقد استند هذا الرأي إلى ما رواه البخاري ومسلم أن رسول الله -صلى الله

стр. 425

عليه وسلم قال: "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم"؟ أي: دم قاتل صاحبكم. مناقشة هذا الاستدلال: أجيب عن هذا الاستدلال بأن التقدير: بدل دم صاحبكم، وعبر الرسول ﷺ بالدم عن الدية؛ لأنهم يأخذونها بسبب الدم١. القسامة ليست محل اتفاق بين العلماء: ذهب إلى مشروعية القسامة جمهور الصحابة والتابعين والعلماء، وقد اتفق هؤلاء على مشروعية القسامة في الجملة، لكنهم اختلفوا في التفاصيل. ويرى جماعة من العلماء من سلف الأمة أن القسامة غير ثابتة، فلا حكم ولا عمل بها، وممن روى عنهم هذا الرأي أبو قلابة، وسالم بن عبد الله، وسلمان بن يسار، وإبراهيم بن علية، والبخاري، وعمر بن عبد العزيز في رواية عنه. وعمدة جمهور العلماء ما ثبت عنه ﷺ من حديث حويصة ومحيصة، إلا أنهم مختلفون في ألفاظه. وأما القائلون بأن القسامة غير ثابتة فيعللون هذا الرأي بأنها مخالفة لأصول الشريعة التي أجمع عليها العلماء من وجوه: منها أن البينة على المدعي واليمين على المنكر في أصل الشرع. ومنها أن اليمين لا تجوز إلى على ما علمه الإنسان قطعا بالمشاهدة الحسية أو ما
следующие страницы →