← Сияса и кади

Сияса и кади · id 10744

النظام القضائي في الفقه الإسلامي

محمد رأفت عثمان

Полный текст (596 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

"أيمان يقسم بها أهل محلة أو دار، أو موضع خارج من مصر، أو قرية قريب منه، بحيث يسمع الصوت منه، إذا وجد في شيء منها قتيل به أثر لا يعلم من قتله، يقول كل واحد منهم: بالله ما قتلت، ولا علمت له قاتلا"١. وعرفها المالكية وهم من القائلين بأن الأيمان تتوجه إلى أولياء الدم بأنها حلف خمسين يمينا أو جزءًا منها على إثبات الدم٢. وعرفها الشافعية وهم أيضًا من الفريق الذي يرى أن الأيمان توجه إلى أولياء الدم بأنها اسم للأيمان التي تقسم على أولياء الدم٣. وعرفها الحنابلة بأنها "الأيمان المكررة في دعوى القتل"٤. هذا، وجمهور فقهاء الأمصار يرون وجوب الحكم بالقسامة على الجملة، أي: مع اختلافهم في بعض أمور فيها، ومن الجمهور مالك والشافعي وأبو حنيفة، وأحمد بن حنبل، وسفيان الثوري، وداود الظاهري، وأتباع هؤلاء العلماء، وغيرهم من فقهاء الأمصار، ويرى سالم بن عبد الله، وأبو قلابة، وعمر بن عبد العزيز، وابن علية أنه لا يجوز الحكم بالقسامة٥. دليل مشروعيتها عند القائلين بها: ثبتت مشروعية القسامة عند القائلين بها بالسنة الشريفة، فروي عن أبي

стр. 422

سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار، أن النبي ﷺ أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية. رواه أحمد، ومسلم، والنسائي. وعن سهل بن أبي حثمة قال: انطلق عبد الله بن سهل، ومُحيِّصة١ بن مسعود إلى خيبر وهو يومئذ صلح، فتفرقا، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلا، فدفنه، ثم قدم المدينة، فانطلق عبد الرحمن بن سهل، ومحيصة، وحُويِّصة٢ ابنا مسعود إلى النبي ﷺ ، فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال: كبر، كبر٣، وهو أحدث القوم، فتكلما، قال: أتحلفون وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم؟ فقالوا: وكيف نحلف ولم نشهد "أي: لم نشهد الجريمة وقت حدوثها" ولم نر؟ قال: فتبرئكم يهود بخمسين يمينا، فقالوا: كيف نأخذ أيمان قوم كفار؟ فعقله٤ النبي ﷺ من عنده٥، وفي رواية متفق عليها فقال رسول الله ﷺ : "يقسم خمسون منكم على

стр. 423

رجل منهم فيدفع برمته" ١. فقالوا: أمر لم نشهده كيف نحلف؟ قال: "فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم"، قالوا: يا رسول الله، قوم كفار؟. وفي لفظ لأحمد: فقال رسول الله ﷺ : "تسمون قاتلكم، ثم تحلفون عليه خمسين يمينا، ثم نسلمه". وفي رواية متفق عليها: "فقال لهم: تأتون بالبينة على من قتله"، قالوا: ما لنا من بينة، قال: "فيحلفون"، قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكره رسول الله ﷺ أن يبطل دمه، فوداه٢ بمائة من إبل الصدقة٣. فهذه الأحاديث الشريفة دليل على مشروعية القسامة، وإلى هذا ذهب جمهور الصحابة، والتابعين، والعلماء من الحجاز، والكوفة، والشام، ومن هؤلاء مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وسفيان الثوري، وداود، وأصحابهم، وغير ذلك من فقهاء الأمصار. وقد اتفق هؤلاء على مشروعية القسامة في الجملة، لكنهم مختلفون في التفاصيل. فإذا وجد شخص مقتولا في محلة قوم٤، أو بلدة صغيرة لأعدائه، لا يسكنها غيرهم، ولا يعرف قاتله، ولا توجد بينة بقتله، وادعى وليه القتل على أهل

стр. 424

هذا المكان الذي وجد به القتيل، ادعاه عليهم كلهم أو على بعضهم فيرى الشافعية أن يحلف المدعي الوارث على القتل الذي ادعاه خمسين يمينا١، فإذا حلف على أن القتل كان خطأ أو شبه عمد، وجبت دية على العاقلة، وإذا حلف على أن القتل كان عمدا وجبت دية حالة على المقسم عليه، ولا يجب القصاص على القول الجديد للشافعي، وهذا الرأي أيضًا مروي عن الحسن البصري، والشعبي، والنخعي، وعثمان البتي، وغيرهم٢. وقد استند هذا الرأي إلى ما يأتي: أولا: قول النبي ﷺ كما رواه البخاري: "إما أن تدوا صاحبكم أو تأذنوا بحرب" فقد أطلق النبي ﷺ إيجاب الدية، ولم يفصل بين ما إذا كان القتل خطأ أو غيره، ولو كانت الأيمان صالحة للقصاص لذكر القصاص. ثانيا: القسامة حجة ضعيفة، فلا توجب القصاص، احتياطا لأمر الدماء، كالشاهد واليمين. وأما القول القديم للشافعي في بغداد قبل أن ينتقل إلى مصر فهو وجوب القصاص في الدعوى بقتل العمد، وهو أيضًا ما يراه مالك وأصحابه، والليث بن سعد، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية، وأبو ثور، وداود الظاهري. وقد استند هذا الرأي إلى ما رواه البخاري ومسلم أن رسول الله -صلى الله

стр. 425

عليه وسلم قال: "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم"؟ أي: دم قاتل صاحبكم. مناقشة هذا الاستدلال: أجيب عن هذا الاستدلال بأن التقدير: بدل دم صاحبكم، وعبر الرسول ﷺ بالدم عن الدية؛ لأنهم يأخذونها بسبب الدم١. القسامة ليست محل اتفاق بين العلماء: ذهب إلى مشروعية القسامة جمهور الصحابة والتابعين والعلماء، وقد اتفق هؤلاء على مشروعية القسامة في الجملة، لكنهم اختلفوا في التفاصيل. ويرى جماعة من العلماء من سلف الأمة أن القسامة غير ثابتة، فلا حكم ولا عمل بها، وممن روى عنهم هذا الرأي أبو قلابة، وسالم بن عبد الله، وسلمان بن يسار، وإبراهيم بن علية، والبخاري، وعمر بن عبد العزيز في رواية عنه. وعمدة جمهور العلماء ما ثبت عنه ﷺ من حديث حويصة ومحيصة، إلا أنهم مختلفون في ألفاظه. وأما القائلون بأن القسامة غير ثابتة فيعللون هذا الرأي بأنها مخالفة لأصول الشريعة التي أجمع عليها العلماء من وجوه: منها أن البينة على المدعي واليمين على المنكر في أصل الشرع. ومنها أن اليمين لا تجوز إلى على ما علمه الإنسان قطعا بالمشاهدة الحسية أو ما

стр. 426

يقوم مقامها، فكيف يقسم أولياء الدم وهم لم يشاهدوا القتل، بل قد يكونون في بلد والقتل في بلد آخر. ولهذا روى البخاري١ عن أبي قلابة أن عمر بن عبد العزيز أذن للناس فدخلوا عليه فقالوا: ما تقولون في القسامة؟ قالوا: نقول: إن القسامة القود بها "أي: القصاس بها" حق، قد أقاد بها الخلفاء٢ فقال: ما تقول يا أبا قلابة؟ ... فقلت: يا أمير المؤمنين، عند أشراف العرب ورؤساء الأجناد، أرأيت لو أن خمسين رجلا شهدوا على رجل أنه زنى بدمشق ولم يروه أكنت ترجمه؟ قال: لا، قلت: أفرأيت لو أن خمسين رجلا شهدوا عندك على رجل أنه سرق بحمص ولم يروه أكنت تقطعه؟ قال: لا. وفي بعض الروايات: قلت: فما بالهم إذا شهدوا أنه قتله بأرض كذا وهم عندك أقدت بشهادتهم؟ قال أبو قلابة: فكتب عمر بن عبد العزيز في القسامة: إنهم إن أقاموا شاهدي عدل أن فلانا قتله فأقده، ولا يقتل بشهادة الخمسين الذين أقسموا. وأيضًا فإنه لم يرد في تلك الأحاديث أن رسول الله ﷺ حكم بالقسامة، وإنما كانت القسامة من أحكام الجاهلية، فتلطف لهم الرسول ﷺ ليريهم كيف لا يلزم الحكم بها على أصول الإسلام، ولذلك قال الرسول ﷺ لهم -أي: لولاة الدم وهم الأنصار: "أتحلفون خمسين يمينا"؟ قالوا: كيف نحلف ولم نشاهد، قال: فيحلف لكم اليهود، قالوا كيف نقبل أيمان قوم كفار؟.

стр. 427

فلو كانت السنة أن يحلفوا وإن لم يشاهدوا لقال لهم رسول الله ﷺ : هي السنة. ثم قال أصحاب هذا الرأي: وإذا كانت هذه الآثار غير نص في القضاء بالقسامة, ويتطرق إليها التأويل، فصرفها بالتأويل إلى الأصول الشرعية أولى١. إجابة القائلين بمشروعية القسامة: أجاب القائلون بمشروعية القسامة بأن القسامة أصل من أصول الشريعة مستقل، لورود الدليل بها، فتخصص بها الأدلة العامة، وفيها حفظ للدماء، وزجر للمعتدين، ولا يحل طرح سنة خاصة لأجل سنة عامة، وعدم الحكم في حديث سهل بن أبي حثمة لا يستلزم عدم الحكم مطلقا، فإنه ﷺ قد عرض على المتخاصمين اليمين وقال إما أن تدوا٢ صاحبكم وإما أن تأذنوا بحرب كما في رواية متفق عليها، وهو ﵊ لا يعرض إلا ما كان مشروعا. وأما ادعاء أن الرسول ﷺ قال تلطفا بهم وإنزالا لهم من حكم الجاهلية فادعاء باطل، كيف وفي حديث أبي سلمة أن النبي ﷺ أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية٣.

стр. 428

ما يجب بالقسامة، من يبدأ بالحلف في القسامة ... ما يجب بالقسامة: اختلف العلماء القائلون بالقسامة فيما يجب بها، فيرى مالك، وأحمد أنه يستحق بها القصاص في القتل العمد، والدية في القتل الخطأ. ويحتج لهذا الرأي بما رواه مالك من حديث ابن أبي ليلى عن سهل بن أبي حثمة، وفيه: فقال لهم رسول الله ﷺ : "تحلفون وتستحقون دم صاحبكم". ويرى الشافعي، والثوري، وجماعة من العلماء أنه تستحق بها الدية فقط. وعمدة هذا الرأي هو أن الأيمان يوجد لها تأثير في استحقاق الأموال في الشرع، مثل ما ثبت من الحكم في الأموال باليمين والشاهد، ومثل وجوب المال بنكول المدعى عليه، أو بنكوله ورد اليمين على المدعي عند من يرى من العلماء رد اليمين على المدعي إذا نكل المدعى عليه. ويرى بعض علماء الكوفة أنه لا يستحق بالقسامة إلا دفع الدعوى، اعتمادا على أن الأصل هو أن اليمين إنما تجب على المدعى عليه. ويرى بعض العلماء أنه يحلف المدعى عليه ويغرم الدية، فعلى هذا الرأي إنما يستحق بالقسامة دفع القصاص فقط١. من يبدأ بالحلف في القسامة اختلف العلماء القائلون بالقسامة، أي: الذين قالوا إنه يستوجب بها مال أو دم فيمن يبدأ بالأيمان الخمسين. الرأي الأول: يرى جمهور العلماء ومنهم مالك، والشافعي، وأحمد،

стр. 429

ودواد، أنه يبدأ المدعون فيحلفون خمسين يمينا، ويجب الحق بحلفهم هذه الأيمان الخمسين. واحتج أصحاب هذا الرأي بالحديث المروي عن سهل بن أبي حثمة، وفيه التصريح بالابتداء بيمين المدعي، وهو ثابت من طرق كثيرة صحاح. ويرى فقهاء الكوفة والبصرة، وكثير من أهل المدينة أنه يبدأ المدعى عليهم بالأيمان. وقد استند هذا الرأي إلى رواية تبين الابتداء بيمين المدعى عليهم. وقد أجيب على هذا بما قاله أهل الحديث من أن هذه الرواية وهم من الراوين١. الحكم إذا لم يحلف المدعون: إذا رفض المدعون أن يحلفوا -على الرأي القائل بأن المدعون هم الذين يحلفون- حلف المدعى عليه خمسين يمينا وبرئ ولا شيء عليه، وهذا ما يراه مالك، والليث بن سعد، والشافعي، وأبو ثور، وهذا ظاهر المذهب في الفقه الحنبلي٢. وأما الحنفية -كما سبق بيانه- فيرون أن ولي القتيل لا يحلف, بل الذي يحلف هو المدعى عليهم، فيختار منهم ولي الدم خمسين رجلا، ويحلف كل منهم

стр. 430

بالله ما قتلت ولا علمت له قاتلا، وإذا لم يبلغ الحالفون هذا العدد يكرر عليهم اليمين حتى يبلغ الخمسين؛ لأن اليمين واجب بالنص، فيجب إتمامها ما أمكن، ولا يشترط معرفة الحكمة في هذا العدد الثابت بالنص١. فالقسامة عند جمهور العلماء دليل للمدعي لإثبات تهمة القتل إذا لم توجد وسيلة أخرى من وسائل الإثبات التي تصلح في هذا الأمر، وأما عند الحنفية فهي دليل لنفي التهمة عن المدعى عليهم٢. ويرى الحنفية أن الدعوى إذا كانت قتل عمد تجب الدية بعد الحلف، فإن أبوا أن يحلفوا يحبسون حتى يحلفوا، أو يقروا، فيلزم المقر ما أقر به. وأما إذا كانت الدعوى قتل خطأ فيرون وجوب الدية إذا نكل المدعى عليهم، ولا يحبسون٣. إذا لم يحلف المدعون ولم يرضوا بيمين المدعى عليه: إذا امتنع المدعون من الأيمان، ولم يقبلوا الأيمان من المدعى عليهم دفعت دية القتيل من بيت المال "الخزانة العامة" يدل على هذا أنه لما قتل عبد الله بن سهل بخيبر، وأبى الأنصار أن يحلفوا وقالوا: كيف نقبل أيمان قوم كفار؟ أدى النبي ﷺ ديته من عنده كراهية أن يبطل دمه٤.

стр. 431

هل يحلف النساء والصبيان؟ االصبيان فقد اتفق العلماء على أنهم لا يحلفون، سواء أكانوا من الأولياء أم كانوا من المدعى عليهم؛ لأن الأيمان حجة للحالف، والصبي لا يثبت بقوله حجة، ولو أقر على نفسه لم يقبل فقوله في حق غيره لا يقبل من باب أولى. وأما النساء فإذا كن من أهل القتيل لم يستحلفن، وهذا ما يراه ربيعة، والثوري، والليث بن سعد، والأوزاعي، والحنابلة. ويرى مالك أن النساء تستحلف في قسامة القتل الخطأ دون القتل العمد، ويرى الشافعي أن يحلف كل وارث بالغ، سواء كان رجلا أو امرأة؛ لأنها يمين في دعوى، فتشرع في حق النساء كسائر الأيمان. الاستدلال لعدم استحلاف النساء: استدل لهذا الرأي بما يأتي: أولا: قول النبي ﷺ : "يقسم خمسون رجلا منكم وتستحقون دم صاحبكم". ثانيا: الأيمان هنا حجة يثبت بها قتل العمد، فلا يصح سماعها من النساء، قياسا على الشهادة منهن في القتل١. إن كان في الأولياء صبيان ورجال: إن كان في الأولياء صبيان ورجال بالغون، أو كان فيهم حاضرون وغائبون، فلا تثبت القسامة حتى يبلغ الصبي في قول لبعض فقهاء الحنابلة؛ لأن الحق لا يثبت إلا ببينته الكاملة، والبينة هنا أيمان الأولياء كلهم، والأيمان لا تدخلها النيابة. ويرى بعض الذين قالوا إن القسامة يستحق بها القصاص في القتل العمد، أن القتل إذا كان عمدا لم يقسم الكبير حتى يبلغ الصغير، ولا يقسم الحاضر حتى يقدم الغائب؛ لأن حلف الكبير الحاضر لا يفيد شيئًا في الحال. وأما إذا كان القتل موجبا للمال، كالقتل الخطأ، وشبه العمد٢، حاضر المكلف أن يحلف ويستحق قسطه من الدية. وهذا ما يراه بعض فقهاء الحنابلة، وهو أيضًا مذهب الشافعي، مع ملاحظة أن الشافعي من العلماء القائلين بأن القسامة يستحق بها الدية فقط، كما سبق أن بينا ذلك عند كلامنا عما يجب بالقسامة٣

стр. 432

متى تجب القسامة ؟ بين العلماء أن القسامة لا تجب بمجرد الدعوى من أولياء الدم، بل لا بد من أن تقترن بها شبهة يغلب الظن الحكم بها، وقد اختلفوا في هذه الشبهة المعتبرة الموجبة للقسامة، ولها سبع صور: الأولى: أن يقول المقتول في حياته بعد إصابته: دمي عند فلان، وهو قتلني أو ضربني. فهذا يوجب القسامة عند مالك، والليث بن سعد، ولا يوجبها عند غيرهما من سائر العلماء، فلم ير أحد غير مالك والليث في هذا قسامة.

стр. 433

قال أصحاب مالك محتجين لهذا الرأي إنه لو شرطنا الشهادة وأبطلنا قول المجروح أدى هذا إلى إبطال الدماء غالبا، وقالوا: ولأنها حالة يتحرى فيها المجروح الصدق ويتجنب الكذب والمعاصي، ويتزود بالبر والتقوى، فوجب قبول قوله. الثانية: اللوث١ من غير بينة على معاينة القتل. وبهذا قال مالك، والليث بن سعد، والشافعي، ومن اللوث أن لا يوجد إلا شاهد واحد عدل، وكذلك شهادة جماعة لا تتحقق فيهم صفة العدالة. الثالثة: إذا شهد عدلان بالجرح، فعاش المجروح بعده أياما، ثم مات قبل أن يفيق منه، قال مالك، والليث: هو لوث، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا قسامة هنا، بل يجب القصاص بشهادة العدلين.

стр. 434

الرابعة: وجود المتهم عند المقتول أو قريبا منه، أو يكون آتيا من جهته ومعه آلة القتل، وعليه أثره من لطخ دم وغيره، وليس هناك سبع ولا غيره مما يمكن أن يكون السب في قتله، أو تفرق جماعة عن قتيل، فهذا لوث موجب للقسامة عند مالك والشافعي. الخامسة: أن تقتتل طائفتان فيوجد بينهما قتيل ففيه القسامة عند مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه. وتوجد رواية أخرى عن مالك بأنه لا قسامة، بل الواجب فيه الدية على الطائفة الأخرى، إن كان القتيل من إحدى الطائفتين، أما إن كان من غيرهما فيجب على الطائفتين ديته. السادسة: أن يوجد الميت في زحمة الناس، قال الشافعي: تثبت فيه القسامة وتجب بها الدية، وقال مالك: هو هدر، وقال الثوري، وإسحاق بن راهويه: تجب ديته في بيت المال "الخزانة العامة للدولة". السابعة: أن يوجد قتيل في محلة قوم وقبيلتهم، أو مسجدهم، فقال مالك، والليث، والشافعي، وأحمد، وداود، وغيرهم: لا يثبت بمجرد هذا قسامة، بل القتل هدر؛ لأنه قد يقتل الرجل الرجل ويلقيه في محلة طائفة لينسب إليهم قتله، قال الشافعي: إلا أن يكون في محلة أعدائه، ولم يخالطهم غيرهم، فيكون كالقصة التي جرت بخيبر، فحكم النبي ﷺ بالقسامة لورثة

стр. 435

القتيل، لما كان بين الأنصار واليهود من العداوة، ولم يكن هناك سواهم، وتوجد رواية أخرى عن أحمد بمثل قول الشافعي. وقال أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي: وجود القتيل في المحلة والقرية يوجب القسامة، ولا تثبت القسامة عندهم في شيء من الصور السابقة إلا في هذه الصورة؛ لأنها عندهم هي الصورة التي حكم النبي ﷺ فيها بالقسامة١. أبو حنيفة يشترط وجود أثر بالقتيل: اشترط أبو حنيفة وصاحباه، والثوري وجود أثر بالقتيل حتى يتحقق اللوث. ويرى مالك، والشافعي، والحنابلة وجوب القسامة بنفس وجود القتيل في محلة قوم دون اشتراط الأثر الذي اشترطه أبو حنيفة ومن معه، وهذا الرأي مروي عن عمر وابن مسعود، وقال به الزهري وجماعة من التابعين، وهو أيضا ما يراه ابن حزم٢. وبعد، فإن أحكام القسامة -كما يقول الشوكاني- مضطربة غاية الاضطراب, والأدلة فيها واردة على أنحاء مختلفة، ومذاهب العلماء في تفاصيلها متنوعة إلى أنواع ومتشعبة إلى شعب٣.

стр. 436

الوسيلة السابعة من وسائل الإثبات: القافة . معنى القافة: القافلة جمع قائف، مثل الباعة جمع بائع، والقائف في اللغة: متتبع الآثار، وفي الشرع: من يلحق النسب بغيره عند الاشتباه، بما خصه الله ﵎ به من علم ذلك. فالقائف نستعين به بوصفه وسيلة من وسائل إثبات النسب، فكما يثبت النسب بالإقرار، وبالشهادة، يثبت أيضًا بقول القائف، فإذا وجد شك في بنوة إنسان لإنسان فإنه من المشروع أن يؤخذ برأي بالقائف، وهو الشخص الذي أعطاه الله القدرة على أن يعرف وجوه الشبه بين الابن وأبيه، فمن ألحقه به ألحقناه به، ومن البديهي أن لا نثق في قدرة شخص على هذا إلا بعد اختياره مرات عديدة حتى نتأكد من صلاحيته للقيام بهذه المهمة، وكانت العرب تحكم بالقيافة، وتفخر بها، وتعدها من أشرف علومها، فأقر الإسلام هذه الوسيلة في إثبات النسب. الدليل على مشروعية القضاء بالقافة: يدل على مشروعية إثبات النسب بالقافة ما رواه البخاري، ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: دخل عليّ النبي ﷺ مسرورا

стр. 437

تبرق أسارير وجهه١، فقال: "ألم ترى أن مجززا المدلجي ٢ دخل علي فرأى أسامة وزيدا عليهما قطيفة، قد غطيا بها رءوسهما، وقد بدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض". وكان المنافقون أيام رسول الله ﷺ يطعنون في نسب أسامة بن زيد بن حارثة؛ لأنه كان طويلا، أسود، أقنى الأنف٣، وكان زيد بن حارثة قصيرا بين السواد والبياض، أخنس الأنف٤, وكان طعن المنافقين في نسب أسامة مغيظة لرسول الله ﷺ ؛ لأنه ﵊ كان يحب زيدا وابنه، ولا غرو في ذلك، فقد كان رسول الله ﷺ متبنيا زيدا قبل أن يحرم الله ﵎ التبني في شريعة الإسلام٥. وأسامة هو ابن أم أيمن، وكانت وصيفة لعبد الله والد النبي ﷺ ، وحاضنته عليه الصلاة

стр. 438

والسلام، وكانت حبشية سوداء١. فلما قال مجزز المدلجى ذلك -وهو لا يرى إلا أقدامهما فقط- سر ذلك رسول الله ﷺ . ووجه الاستدلال بالحديث أن رسول الله ﷺ أقر أن يؤخذ بحكم القائف، وإقراره ﷺ ذلك يدل على أن القافة حق، فإن التقرير أحد أنواع السنة٢، وهي المصدر الثاني للتشريع بعد كتاب الله ﵎، قال الشافعي ﵁: "فلو لم يعتبر قوله لمنعه من المجازفة، وهو ﷺ لا يقر على خطأ، ولا يسر إلا بالحق". وحقيقة التقرير أن يرى النبي ﷺ فعلا من فاعل، أو يسمع قولا من قائل، أو يعلم به، وكان ذلك الفعل من الأفعال التي لا يعلم تقدم إنكاره لها، كمضي كافر إلى كنيسة، ولم ينكره. والرسول ﷺ لم ينكر عمل القائف، بل إن استبشاره به أوضح في التقرير، فإنه استبشر بكلام مجزز في إثبات نسب أسامة إلى زيد، فدل ذلك على تقرير كون القيافة طريقا إلى معرفة الأنساب٣.

стр. 439

ونقل عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ أنهم اعتبروا عمل القائف أيضًا، فقد روى مالك عن سليمان بن يسار أن عمر بن الخطاب كان يليط١ أولاد الجاهلية بمن ادعاهم في الإسلام، فأتى رجلان إلى عمر ﵁ كلاهما يدعي ولد امرأة، فدعا قائفا، فنظر إليه القائف، فقال: لقد اشتركا فيه، فضربه عمر بالدرة، ثم دعا المرأة، فقال: أخبريني خبرك، فقالت: كان هذا -لأحد الرجلين- يأتيها في إبل لأهلها فلا يفارقها حتى يظن أنه قد استمر بها حمل، ثم ينصرف عنها، فأهريقت عليه دما، ثم خلف عليها هذا -تعني الرجل الآخر- فلا أدري من أيهما هو؟ فكبر القائف، فقال عمر للغلام: فإلى أيهما شئت فانتسب، فقضاء عمر بمحضر الصحابة بالقيافة من غير إنكار من أحد يكون كالإجماع تقوى به أدلة القيافة، قال العلماء: والعمل بالقيافة مروي عن ابن عباس، وأنس بن مالك، ولا مخالف لهما من الصحابة٢. روى الشافعي أن أنسا شك في مولود له فدعا له قائفا. هذا، وقد ذهب إلى أن القائف حجة في إثبات النسب مالك، والشافعي، وأحمد، وخالف أبو حنيفة وأصحابه، والهادوية إحدى فرق الزيدية، وقالوا: لا اعتبار بقول القائف، لكن هؤلاء محجوجون بما ثبت عن رسول الله ﷺ وبعض صحابته -رضي الله عنهم٣.

стр. 440

حجة المانعين لثبوت النسب بالقافة: احتج القائلون بأن القافة ليست وسيلة من وسائل إثبات النسب بعدة أمور، وستقتصر على ذكر بعضها، اختصارا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنه متى ثبت النص لا يقبل غيره، قال العلماء: لا يقبل التعليل في مقابلة النص١، وإليك بعض ما استدل به المانعون لثبوت النسب بالقافة: أولا: العمل بالقافة تعويل على مجرد الشبه، والشبه قد يقع بين الأجانب الذين لا تربطهم صلة القرابة، وقد ينتفي الشبه بين الأقارب. مناقشة هذا الاستدلال: أجاب المخالفون عن هذا الاستدلال بأن قولكم أن القائف يعتمد الشبه هذا حق، فالشبه يكون بين الولد وأبويه، وأصول الشرع وقواعده والقياس الصحيح تقتضي الشبه في لحوق النسب، والشارع متشوف إلى اتصال الأنساب وعدم انقطاعها، ولهذا اكتفى في ثبوتها بأدنى الأسباب، من شهادة المرأة الواحدة على الولادة، والدعوى المجردة مع الإمكان، وظاهر الفراش، فلا يستبعد أن يكون الشبه الخالي عن سبب مقاوم له كافيا في ثبوته. فإن قيل: إن رسول الله ﷺ ألغى الشبه في لحوق النسب، كما ثبت في الحديث الصحيح أن رجلا قال له عليه الصلاة السلام: إن امرأتي ولدت غلاما أسود، فقال: "هل لك من إبل"؟ , قال: نعم، قال: "فما ألوانها"؟ , قال: حمر، قال: "فهل فيها من أورق"؟ ٢، قال: نعم، إن فيها أورق، قال: "فأنى لها

стр. 441

ذلك"؟ , قال: عسى أن يكون نزعه عرق، قال: "وهذا عسى أن يكون نزعه عرق". فالجواب: أن رسول الله ﷺ لم يعتبر الشبه ههنا لوجود الفراش؛ لأنه توجد زوجية هنا، والفراش أقوى من الشبه، بل في الحديث ما يدل على اعتبار الشبه، فإنه ﷺ أحال على نوع آخر من الشبه، وهو شبه الأصول الأول، وهذا الشبه أولى؛ لأنه تقوى بالفراش. وأما قولهم بأن الشبه قد يقع بين الأجانب، وقد ينتفي بين الأقارب، فالجواب عليه بالتسليم بهذا، لكن الظاهر الأكثر وقوعا خلاف ذلك، وهو الذي أجرى الله ﵎ العادة به، وجواز التخلف عن الدليل والعلامة الظاهرة في النادر لا يخرجه عن أن يكون دليلا عند عدم معارضة ما يقاومه. ألا ترى أن الفراش دليل على النسب والولادة، وأن فلانا هو ابن فلان، ويجوز -بل يقع كثيرا- تخلف دلالته، وتخليق الولد من غير ماء صاحب الفراش، وهو الزوج، ولا يبطل ذلك كون الفراش دليلا. وكذلك أمارات الخرص١، والقسمة، والتقويم وغيرها، قد تتخلف عنها أحكامها ومدلولاتها، ولا يمنع ذلك اعتبارها، وكذلك شهادة الشاهدين.

стр. 442

وغيرهما، وأمثال ذلك كثير١. ثانيا: لو أثر الشبه والقافة في نتاج الإنسان لأثر أيضًا في نتاج الحيوان. مناقشة هذا الاستدلال: أجيب عن هذا بعدة وجوه: الوجه الأول: منع الملازمة، إذ لم يذكروا عليها دليلا سوى مجرد الدعوى، فأين التلازم شرعا وعقلا بين الناس. الوجه الثاني: أن الشارع يتشوف إلى ثبوت الأنساب مهما أمكن، ولا يحكم بانقطاع النسب إلا حيث يتعذر إثباته، ولهذا ثبت بالفراش، وبالدعوى المجردة وبالأسباب التي بمثلها لا يثبت نتاج الحيوان. الوجه الثالث: أن سبب النسب هو الاتصال الجنسي، وهو إنما يقع غالبا في غاية من التستر والتكتم عن العيون وعن اطلاع القريب والبعيد عليه، فلو كلف بأن يأتي بالبينة على سبب النسب لأدى ذلك إلى ضياع أنساب بني آدم، وفسدت أحكام الصلات التي بينهم، ولهذا وجدنا أن النسب يثبت بأيسر شيء، من فراش، ودعوى، وشبه، حتى إن أبا حنيفة، أثبته بمجرد العقد، مع القطع بعدم وصول أحد الزوجين إلى الآخر وخروجه منهما، احتياطا للنسب، ومن المعلوم أن الشبه أولى وأقوى من ذلك بكثير. الوجه الرابع: أن الله ﵎ جعل بين أشخاص الآدميين من الفروق في صورهم, وأصواتهم، وغير ذلك ما يتميز به بعضهم من بعض، ولا يحصل

стр. 443

الاشتباه بينهم بحيث يتساوى الشخصان من كل وجه إلا في بعض الحالات النادرة غاية الندرة، مع أنه أيضًا في هذه الحالات النادرة جدا لا بد من الفرق، وهذا القدر لا يوجد مثله بين أشخاص الحيوان، بل التشابه فيه أكثر، والتماثل أغلب، فلا يكاد الحس يميز بين نتاج حيوان ونتاج حيوان غيره برد كل منهما إلى أمه وأبيه، وإن كان قد يقع ذلك, لكن وقوعه قليل بالنسبة إلى أشخاص الآدميين، فإلحاق أحدهما بالآخر ممتنع. وبعد، فقد كان ما سبق بعضا مما استدل به المانعون للقافة ودورها في إثبات النسب، وما أجيب به من أصحاب الرأي القائل بأنها وسيلة من وسائل إثباته، وواضح صحة رأي الجمهور وبطلان رأي مخالفيهم؛ لأنه إذا كانت السنة قد دلت على ثبوت النسب بهذا الطريق، فلا مجال للرأي، وإنما يكون العمل بما ثبت بالسنة، وعلى هذا فلا اعتبار بما استند إليه المانعون للقافة في النسب. شروط القائف: اشترط العلماء عدة شروط في القائف، حتى تطمئن النفس إلى ما يحكم به، وهذه الشروط هي: أولا: الإسلام، فلا يقبل قول الكافر في هذا الأمر. ثانيا: العدالة، فلا يقبل قول الفاسق؛ لأن القائف حاكم، أو قاسم. ثالثا: أن يكون بصيرا، فلا اعتبار بقول الأعمى، وهذا شرط بدهي، إذ لا يعقل أن يحكم الأعمى بأن هذا ابن هذا بناء على الشبه الموجود بينهما. رابعا: أن يكون ناطقا، فلا اعتبار بإشارة الأخرس حتى لو كانت إشارته مفهومة.

стр. 444

خامسا: انتفاء العداوة عن الذي ينفيه عنه، وانتفاء الولاء عمن يلحقه به. سادسا: أن يكون مجربا -بفتح الراء المشددة- في معرفة النسب، أي: أن يكون قد ثبت من التجارب المتعددة صدقه فيما يقول، ويمكن أن يكون ذلك باختياره في قرابات ثابتة بين ابن وأبيه، وابن وأمه، وأخ وأخيه، كابن يعرض على القائف مع رجال ليس فيهم أبوه عدة مرات, ثم يعرض عليه مع رجال فيهم أبوه, فإن عرفه ثبتت الثقة بقوله, وهكذا في الابن مع أمه بأن يعرض على القائف في نسوة ليس فيهن أمه عدة مرات, ثم يعرض عليه في نسوة فيهن أمه، وكذلك الأمر بالنسبة للأخ مع أخيه، حتى نطمئن إلى أن أحكامه صحيحة، فكما لا يولى الرجل منصب القضاء إلا بعد أن نعرف علمه بالأحكام، فكذلك لا يؤخذ بقول شخص في إثبات النسب إلا إذا ثبت علمه -بطريقة الاختبار- في معرفة النسب، فلا بد أن يغلب على ظننا أن قول هذا الشخص الذي يدعي العلم بالقيافة عن خبرة بمعرفة الأنساب، وليس عن مجرد صدفة واتفاق. سابعا: أن يكون حرا على الراجح من رأيين لفقهاء الشافعية، قياسا على القاضي، والرأي الثاني لا يشترط الحرية في القائف، قياسا على المفتى، فإن الإفتاء كما يجوز من الحر يجوز أيضًا ممن به رق، وهذا الرأي الأخير هو الأرجح. ثامنا: اشتراط فقهاء الشافعية أيضًا -على الرأي الراجح عندهم- أن يكون ذكرا قياسا على القاضي أيضًا, والرأي الثاني عندهم أنه لا يشترط الذكورة في القائف، قياسا على المفتى، فالإفتاء كما يجوز من الرجل يجوز من المرأة فكذلك القيافة.

стр. 445

والرأي الأخير -بحسب ظني- هو الأولى بالقبول؛ لأن المدار في كون الشخص يصلح للنسب أو لا يصلح، هو قدرته على معرفة أن هذا ابن لهذا، أو أن هذا أخوه، وهكذا، فإذا تحققنا من قدرته بالاختبار مرات عديدة، فلا معنى هنا لاشتراط الذكورة، فإذا تحققنا من قدرة امرأة على هذا الأمر فقد تحقق المقصود. تاسعا: اشترط بعض فقهاء الشافعية التعدد في القائف، فلا يكفي على هذا الرأي قبول الواحد، قياسا على القاضي، والقاسم. وأرى أن الراجح عند فقهاء الشافعية هو المستفاد أيضا من قصة القائف مع زيد بن حارثة وأسامة ابنه، فالقائف كان واحدا، وهو مجزز المدلجي، وأقر النبي ﷺ ذلك، وإذا ثبت النص فلا اعتبار بما يخالفه. عاشرا: اشترط البعض أن يكون القائف مدلجيا أي: من بني مدلج، لكن الراجح عدم اشتراط بذلك. وقد استند الرأي القائل باشتراط كونه من بني مدلج إلى أن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- كانوا يرجعون إلى بني مدلج في ذلك دون غيرهم، وقد يخص الله جماعة بنوع من المناصب والفضائل. وأما الرأي الراجح فيعلل له بأن القيافة نوع من العلم، ولا يختص العلم بقوم دون قوم، فمن تعلم هذا العلم عملنا بقوله، وفي سنن البيهقي أن عمر بن الخطاب ﵁ كان قائفا يقوف، مع أن عمر ليس مدلجيا. مما سبق يتبين لنا أن النسب يثبت بقول القائف، فإذا حدث أن شخصين

стр. 446

تداعيا ولدا مجهول النسب، صغيرا، سواء أكان لقيطا أم غير لقيط، عرضناه على القائف، فمن ألحقه به لحقه. وكذلك لو اشترك رجلان في اتصال جنسي بامرأة، فولدت ولدا من الممكن أن يكون من كل منهما، وادعى كل منهما، أو أحدهما أنه ولده ولم يتخلل بين الجماعين حدوث حيضة، فإنه يعرض على القائف، حتى لو كان الولد بالغا عاقلا, فلا يشترط أن يكون صغيرا كما هو الشرط في الصورة الأولى. واشتراك رجلين في الاتصال الجنسي بامرأة له عدة صور: من هذه الصور ما لو حدث الاتصال الجنسي بشبهة، وهو ما يعبر عنه الفقهاء بوطء الشبهة، كأن وجدها كل منهما في فراشه فظنها زوجته، ومنها ما لو اتصل الرجل جنسيا بزوجته ثم طلقها، فاتصل بها آخر جنسيا بشبهة، أو تزوجها زواجا فاسدا لم يستوف أركان عقد الزواج وشروط صحته، ثم اتصل جنسيا بها بعد هذا الزواج الفاسد. هذا وقد بين العلماء أنه لو تخلل بين الاتصال الجنسي من الرجلين حيضة، فالولد يحكم به للرجل الثاني؛ لأن الحيض أمارة ظاهرة من حصول براءة الرحم عن الأول فينقطع تعلقه عنه، وإذا انقطع عن الأول تعين للثاني. إذا أشكل الأمر على القائف: قال بعض فقهاء الشافعية إنه لو تحير القائف فلم يستطع إلحاقه بأحدهما، وقف الأمر حتى يبلغ الطفل موضوع القضية ويعقل، ويختار الانتساب إلى أحد الرجلين بحسب الميل القلبي الذي يجده، ويحبسه القاضي ليختار إن امتنع من

стр. 447

الانتساب، إلا إذا لم يجد ميلا إلى أحدهما فيتوقف الأمر١. ويرى ابن القيم أنه إذا تعذرت القافة أو أشكل الأمر عليها كان المصير إلى القرعة أولى من ضياع نسب الولد، وتركه هملا لا نسب له، وعلل لهذا بأن القرعة هنا أقرب الطرق إلى إثبات النسب، فإنها طريق شرعي، وقد سدت الطرق كلها ما عداها. وإذا كانت صالحة لتعيين الأملاك المطلقة، وتعيين الرقيق من الحر، وتعيين الزوجة من الأجنبية٢. فكيف لا تصلح لتعيين صاحب النسب من غيره؟ ومن المعلوم أن طرق حفظ الأنساب أوسع من طرق حفظ الأموال، والشارع إلى ذلك أعظم تشوفا، فالقرعة شرعت لإخراج المستحق تارة، ولتعيينه تارة، وهنا أحد المتداعيين هو أبوه حقيقة فعملت القرعة في تعيينه، كما عملت في تعيين الزوجة عند اشتباهها بالأجنبية٣.

стр. 448

الوسيلة الثامنة من وسائل الإثبات: القرينة القاطعة عند الجمهور مدخل ... الوسيلة الثامنة من وسائل الإثبات: القرينة القاطعة عند الجمهور تمهيد: إذا وجدنا شخصا سكران، أو وجدناه يتقايأ الخمر فهذه قرينة تفيد الظن الغالب الذي يقرب من اليقين أنه شرب الخمر متعمدا، وإذا وجدت امرأة حامل ليس لها زوج فهذه قرينة تفيد الظن الغالب الذي يقرب من اليقين كذلك أن هذه المرأة زانية، وإذا رأينا إنسانا ممسكا بسكين ملوثة بالدماء وقد خرج من دار مضطربا ممتقع اللون خائفا، فدخلنا الدار فور خروجه فوجدنا قتيلا مضرجا في دمائه, ولا يوجد في الدار غير هذا الرجل الذي خرج، فهذه قرينة تفيد الظن الغالب أيضًا الذي يقرب من اليقين أن هذا الرجل الذي خرج بهذه الحال هو الذي قتل القتيل، وإذا سكتت البكر عند أخذ إذنها في الزواج، فهذا يعد قرينة تفيد رضاها بالزواج، وإذا قبض الموهوب له الهبة مع حضور المالك وسكوته فإن هذا يعد قرينة تفيد الإذن بالقبض، وإذا وجدنا بقعة دم من فصيلة دم القتيل على ملابس المتهم، أو وجدت بصمته على السلاح المستعمل في الجريمة فهذا يعد قرينة تفيد الظن الغالب الذي يقرب من اليقين أن المتهم هو فاعل الجريمة، هذا وقد اتفق العلماء على أنه لا يجوز للقاضي أن يحكم في أية قضية, إلا إذا وجدت الحجة التي يثبت بها الحق، واتفقوا أيضًا على أن الإقرار، والبينة، واليمين، والنكول، حجج شرعية يعتمد عليها القاضي في قضائه ويعول عليها في حكمه١، ولكنهم مختلفون في القرائن القاطعة هل تصلح وسيلة من وسائل الإثبات أم لا، والملاحظ أن فقهاءنا القدامى ﵃ قد تعرضوا في كتبهم لوسائل الإثبات، وأفردوا لكل منها بحثا مستقلا، كالشهادة، والإقرار، والنكول عن اليمين، وغيرها، لكنهم لم يذكروا القرائن صراحة في طرق الإثبات، ولم يخصوها ببحث مستقل، إلا أنهم أخذوا بها في الجملة في مسائل كثيرة من الفقه الإسلامي، ومنها مسائل متفق عليها بين الأئمة الأربعة، ويمكن القول بأن جمهور العلماء يرون أن القرينة القاطعة إحدى وسائل الإثبات في الجملة وإن كان قد حدث خلاف بينهم في بعض الجزئيات، وأما الذين لا يرون أنها وسيلة من وسائل الإثبات فهم عدد قليل من العلماء١. وإليك أولا تعريف القرينة، وأنواعها، ثم تتبع ذلك بذكر آراء العلماء فيها، وأدلتهم، وشروط العمل بها عند القائلين بها، ومجال القضاء بها.

стр. 449

تعريف القرينة: القرينة في اللغة لها معان متعددة، فمن معانيها النفس؛ وتسمى بذلك لأنها تقارن الإنسان وتصاحبه، ومنها الزوجة، فيقال: فلانة قرينة فلان، بمعنى زوجته؛ وهي كذلك لأنها تقارن الزوج وتلازمه طوال مدة الزوجية، وأما في اصطلاح أرباب العربية فهي: أمر يشير إلى المقصود، أو هي ما يدل على الشيء من غير الاستعمال فيه. وهي إما حالية أو مقالية، وبعبارة أخرى إما معنوية أو لفظية، ومثال الحالية ما لو قلت لشخص يتجهز للسفر: في كنف٢ الله ورعايته، فإن العبارة فيها حذف يدل عليه حال المسافر من تجهزه للسفر، وتأهبه له وهو القرينة الحالية، والتقدير: سر في كنف الله ورعايته، ومثال المقابلة، ما لو قلت: رأيت أسدا يخطب في الناس يحثهم على الجهاد، فالمراد من هذا التعبير الرجل الشجاع، والدليل ذكر الخطابة التي لا يمكن أن تكون من الأسد الحقيقي، وهذا قرينة مقالية٣.

стр. 450

هذا ولم أجد كما لم يجد من سبقني في الكلام عن القرينة، من العلماء الأفاضل واطلعت على كتاباتهم فيها، تعريفا لفقهائنا القدامى للقرينة، على الرغم من أنهم ذكروا صورا فقهية كان الحكم فيها مبنيا على القرينة. ويعزو ذلك أحد فقهائنا المحدثين١، إلى وضوح معناها وعدم الخفاء فيها، ولعلهم -كما يبين هذا الفقيه الفاضل- اكتفوا بعطف التفسير والمرادف عن بيانها، إذ كثيرا ما يتبعون القرينة بكلمتي الأمارة والعلامة، وكأنهم بهذا يريدون أن يبينوا أن القرينة هي الإمارة والعلامة. وقد اجتهد الفقهاء المعاصرون في إيجاد تعريف للقرينة، وقد تنوعت تعريفاتهم لها، وإليك بعضا منها. عرفها الشيخ فتح الله زيد بأنها "الأمارة" التي نص عليه الشارع أو استنبطها أئمة الشريعة باجتهادهم٢، أو استنتجها القاضي من الحادثة وظروفها وما يكتنفها من أحوال٣. ويلاحظ على هذا التعريف أنه ورد فيه كلمة "الأمارة" والأمارة تدل على

стр. 451

الشيء على سبيل الظن، فلا تشمل ما تدل عليه على سبيل الشك أو الوهم١، مع أن القرينة قد تكون دلالتها على سبيل الشك، أو الوهم. ومثال القرينة التي تفيد شكا وجود رجل وامرأة أجنبية عنه في مكان مظلم ليلا، خال بعيد عن الناس، ولم ير أحد ما يدل على أنهما ارتكبا جريمة الزنا، ومثال القرينة التي تفيد وهما، ما لو سافر رجل مع من يحبها على طائرة، فمن الوهم احتمال ارتكابهما جريمة الزنا أثناء طيران الطائرة، حتى لو كان السفر ليلا ولمسافة طويلة جدا، ونوم جميع الركاب. فالقرينة -إذن- قد تكون دلالتها في بعض الصور على سبيل الشك أو الوهم، والتعريف المذكور للقرينة قصر معناها على "الأمارة" والأمارة تدل على الشيء على سبيل الظن: لا على سبيل الشك أو الوهم، مع أن القرينة قد تدل على واحد من الأمور الثلاثة: الظن، والشك، والوهم، وعلى هذا فالتعريف غير جامع. والشرط في التعريف أن يكون جامعا مانعا، جامعا لكل أفراد المعرف، مانعا من دخول المعرف فيه، فإذا عرفنا الإنسان مثلا بأنه حيوان يتكلم العربية، فهذا تعريف غير جامع؛ لأن من أفراد الإنسان من لا يتكلم العربية ويتكلم الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرهما، ولهذا فمن التعاريف الصحيحة أن نقول: الإنسان حيوان

стр. 452

ناطق، وإذا قلنا: الإنسان حيوان يأكل الخضروات فهذا تعريف غير مانع؛ لأنه يدخل في التعريف حيوانات أخرى غير الإنسان، فلا يكون التعريف مانعا. فالشرط في التعريف كما بينا أن يكون جامعا مانعا، والتعريف المذكور للقرينة لم يكن جامعا لكل أفرادها. ونفس هذه الملاحظة من الممكن أن توجه إلى ما جاء في المجلة العدلية خاصا بتعريف القرينة، ففي المادة ٧٤١ أن القرينة هي الأمارة البالغة حد اليقين. وعرفها الأستاذ مصطفى الزرقا والدكتور وهبة الزحيلي بأنها: "كل أمارة ظاهرة تقارن شيئًا خفيا فتدل عليه". ويلاحظ على هذا التعريف أن فيه دورا، والدور باطل، بيان الدور أنه من المعلوم أن التعريف يقصد به توضيح حقيقة المعرف، فالمعرف لا يفهم معناه إلا إذا فهم التعريف، فلو كان التعريف أيضًا لا يفهم إلا إذا فهم المعرف حصل الدور، وهذا ما حدث هنا، فإنه ذكر في تعريف القرينة كلمة "تقارن" وكلمة "تقارن" لا تفهم إلا إذا فهمنا كلمة "قرينة" فصار فهم التعريف متوقفا على فهم المعرف، ومعلوم أن فهم المعرف متوقف على فهم التعريف، فيحدث الدور، والدور باطل؛ لأنه يستلزم أن يكون الشيء سابقا لشيء آخر ولاحقا في نفس الوقت، وهذا تناقض. كما يلاحظ على هذا التعريف أيضا نفس الملاحظ التي لوحظت على تعريف الشيخ فتح الله زيد، والتعريف الذي جاء في المجلة العدلية.

стр. 453

وعرفها الدكتور عبد العال عطوة بأنها "ما تدل على أمر خفي مصاحب لها بواسطة نص، أو اجتهاد، أو فهم يفيضه الله تعالى على من يشاء من عباده" ويمكن أن يستخلص من هذا التعريف الأخير -وهو الذي نرتضيه- أن للقرينة ثلاثة أركان، وهي التي سنذكرها فيما يلي، لكن نحب قبل أن نذكر هذه الأركان أن نشير إلى أنه من المستحسن أن تزاد كلمة "من الفقهاء" بعد كلمة "أو اجتهاد". الأول: الأمر الظاهر "الدال". الثاني: الأمر الخفي، الذي دل عليه الأمر الظاهر، وهو المجهول في بادئ الأمر "المدلول". الثالث: الصلة الموجودة بين الأمر الظاهر وبين الأمر الخفي، التي يتوصل بها إلى معرفة الأمر الخفي. وتتضح هذه الصلة وتبين إذا توفرت قوة الذهن، والفطنة، واليقظة، وبما يفيضه الله ﵎ على عباده من المواهب العقلية، وهذا في غير القرائن التي نص الشرع عليها في القرآن أو السنة، أو استنبطها علماء الشريعة باجتهادهم١.

стр. 454

أقسام القرينة من حيث دلالتها: اختلف الفقهاء المعاصرون في أقسام القرينة، فقسمها الدكتور عبد العال عطوة إلى قسمين: أحدهما: ما تكون دلالته قوية بحيث تصل إلى درجة اليقين. القسم الثاني: ما تكون دلالته ضعيفة بحيث تهبط إلى درجة الاحتمال البعيد الذي يعتبر في حكم العدم. مثال للقسم الأول: ومثل للقسم الأول بالمثال الذي ذكره ابن الغرس من علماء الحنفية في كتابه الفواكه البدرية١، وهو خروج إنسان من دار مضطربا خائفا، وملابسه ملوثة بالدماء، ويحمل سكينا كذلك ملوثة بالدماء، فدخل الناس الدار فور خروجه فوجدوا شخصا مذبوحا مضرجا بدمائه، ولم يجدوا في الدار غير هذا الذي خرج بهذه الهيئة، فهذه الأوصاف قرينة قوية تدل على أن هذا الذي خرج هو الذي قتل من بداخل الدار، واحتمال أن يكون قتل نفسه، أو أن شخصا آخر قتله وتسور الجدار وفر هاربا احتمال بعيد لا يلتفت إليه؛ لأنه احتمال غير ناشئ عن دليل. مثال للقسم الثاني: ومثل للقسم الثاني ببكاء الشاكي فإنه ليس دليلا على أن الباكي مظلوم، لاحتمال أن يكون البكاء مصطنعا. ومثاله أيضًا -عنده- وجود رجل وامرأة أجنبية عنه في مكان مظلم ليلا، ولم ير أحد من الشهود حدوث أمر موجب إقامة عقوبة الزنا عليهما، فإن هذا لا

стр. 455

يعد حجة لإقامة الحد عليهما، وإنما يستحقان التعزير١ على وجودهما معا بهذه الصورة، وقد روي عن ابن مسعود أنه قضى في رجل وجد مع امرأة في ملحفة، ولم يقم عليهما الدليل بأكثر من ذلك أن يجلد أربعين جلدة وعرفه للناس٢، وثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه عزر رجلا وجد معه امرأة بعد العتمة في ريبة بضربه دون المائة جلدة٣. وقسمها الدكتور أنور دبور إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: قرائن ذات دلالة قوية، ومثل لها بالمثال المذكور في القسم الأول عند الدكتور عبد العال عطوة. القسم الثاني: قرائن ذات دلالة ضعيفة، وهذا النوع ليس كالنوع الأول يستبعد معه احتمال غيره، وإنما يحتمل غيره احتمالا ليس ببعيد، ويختص بترجيح إحدى اليدين المتنازعين، كما في تنازع الزوجين على متاع البيت، فإنه يقضي للزوج بالأشياء التي تناسب الرجال، ويقضي للزوجة بالأشياء التي تناسبها. ففي مثل هذا يوجد احتمال غير بعيد أن تكون الأشياء المناسبة لأحد الطرفين المتنازعين قد آلت إلى الطرف الآخر بطريق الميراث، أو التجارة، أو الهبة، أو غير ذلك. القسم الثالث: القرائن ذات الدلالة الملغاة: كما لو تعارضت قرينتان

стр. 456

إحداهما أقوى من الأخرى، فحينئذ تكون القرينة المرجوحة منهما ملغاة فلا يلتفت إليها، وأمثلة هذا القسم كثيرة، منها تنازع رب الدار مع خياط يعمل في داره على ملكية مقص أو أداة من أدوات الخياطة، فيحكم بذلك للخياط، ولا يلتفت لوضع اليد هنا؛ لأنه معارض بقرينة أقوى، بخلاف ما لو تنازع الخياط مع رب الدار على ملكية ثوب موجود في الدار فإنه يحكم به لصاحب الدار، لعدم وجود قرينة أقوى من وضع اليد في هذه الحال١. ونرى أن القسم الثالث لا حاجة إليه في التقسيم، ومجال الكلام عنه عند الكلام عن شروط العمل بالقرينة فيذكر هناك أن من شروط العمل بالقرينة أن لا يعارضها قرينة أخرى. تقسيم الدكتور عبد السميع إمام: وقسم الدكتور عبد السميع إمام القرينة إلى أربعة أقسام: القسم الأول: ما يفيد اليقين، كشهود جماعة على موت شخص أو قتله، ثم جاء المشهود عليه حيا، فإن وجوده حيا دليل قاطع على كذب الشهود أو خطئهم يقينا. القسم الثاني: ما يفيد غالب الظن الذي يقرب من اليقين, كوجود امرأة حامل لا زوج لها، ولا سيد لها -إن كانت جارية- لأنه يجوز للسيد أن يطأ جاريته، ووجود شخص سكران أو يتقايأ الخمر، فإن هذه القرينة تفيد الظن الغالب الذي يقرب من اليقين بأن المرأة حملت سفاحا، وأن السكران شرب الخمر متعمدا.

стр. 457

القسم الثالث: ما يفيد مجرد الظن الذي وجد معه ما يقويه لكن يحتمل خلاف ما دلت عليه القرينة، ومثل لهذا القسم بوجود شخص ملابسه ملوثة بدماء القتيل، أو ممسكا بسكين وبجانبه الشخص القتيل، وفي هذا النوع يرى المالكية وجوب أن يطلب مع القرينة ما يقويها، ولهذا قالوا: إن مثل هذا يعتبر لوثا١ "علامة" يقسم معه أولياء القتيل, ويستحقون القصاص من المتهم بالقتل إن كان القتل عمدا، أو الدية إن كان القتل خطأ، وعلى هذا فإن تقوى هذا النوع حتى صار مفيدا لغلبة الظن, وجب على القاضي في رأي المالكية أن يقضي به في الحدود٢ وغيرها إذا عجز المتهم عن إقامة الدليل المنافي له. القسم الرابع: ما يفيد مجرد الظن العادي ولم يوجد معه ما يقويه ولم يوجد أيضًا ما ينافيه إلا مجرد احتمالات قريبة الوقوع في العادة، كوجود شخص يمسك بكأس الخمر فارغة وبها أثر الخمر، أو وجود آخر يركب سيارة وقد وقف بجوار شخص قتيل أو مصاب بجروح، فهذا النوع يفيد ظنا بأن الممسك بكأس الخمر فارغة قد شربها، وأن الواقف بسيارته بجوار الجريح أو القتيل هو الذي جرحه أو قتله، ولكن يحتمل احتمالا ليس ببعيد أن ممسك كأس الخمر لم يشربها، وأن الواقف بسيارته يجوار الجريح أو القتيل لم يجرحه أو يقتله، ويرى الدكتور عبد السميع إمام أن مثل هذا النوع من القرائن لا يقضى به في غيرها، فلو ادعى شخص على آخر سرقة ماله ووجد المال المسروق في بيت المتهم، فلا يحكم عليه بحد السرقة إلا إذا قامت البينة "الشهود" على أنه سرق هذا المال، أو وجدت

стр. 458

قرائن أخرى تقوي هذه القرينة، وأما المال المسروق الذي وجده عنده واتهم بسرقته فإنه يضمنه١. هذه هي اتجاهات الفقهاء المعاصرين الذين اطلعنا على كتاباتهم في تقسيم القرينة، ويمكن لنا أن نقسمها إلى أربعة أقسام: القسم الأول: أن تكون دلالتها قوية بحيث تفيد اليقين، وهو القسم الأول من تقسيم الدكتور عبد السميع إمام، ومثاله نفس المثال المذكور، وهذا النوع -كما قال الدكتور عبد السميع- لا يسوغ لأحد أن يرده، ولا يقضي به، فإنه أقوى من الشهادة والإقرار. ومثال هذا القسم أيضًا سلامة قميص يوسف ﵇ فإنه قرينة قوية تفيد اليقين أنه ﵊ لم يأكله الذئب كما ادعى إخوته. هذا وقد كان رأيي أنه يمكن أيضا أن يمثل لهذا النوع من القرائن بما لو ثبت من تحليل دم الزوجين أن دمهما من فصيلة "A" وثبت من تحليل دم الطفل أن دمه من فصيلة "B" فإن هذا يعد قرينة قوية تفيد اليقين أن الطفل ليس ابنا لهذين الزوجين؛ وذلك لأنه -كما قال العلماء التجريبيون- تتأثر فصيلة دم الطفل بنوع فصيلة دم الأب والأم، وقالوا من المستحيل العادي إذا كانت فصيلة الدم من الزوجين "A" أن تكون فصيلة دم طفل من هذا الزواج "B" وإنما فصيلة الدم التي

стр. 459

من المحتمل أن تكون لهذا الطفل هي "O" أو ١"A"، وكان من رأيي أنه بناء على هذا فيمكن أن يكون تحليل الدم وسيلة يقينية لنفي النسب، كما يرى ذلك بعض الباحثين المعاصرين٢ لكن رأيي تغير في هذه المسألة؛ لأن نظام فصائل الدم الذي يؤكده علماء الوراثة الآن لم يجئ باستقراء وتتبع كامل لكل أفراد البشر في العصور المختلفة، وإنما هو نتيجة استقراء ناقص، ومن المحتمل أن تشذ عما قاله علماء الوراثة حالات متعددة، ولهذا أرى الآن أنه لو شك زوج في زوجته، بناء على أمارات قوية رسخت هذا الشك عنده ثم جاء ولدها بفصيلة دم يستحيل عندهم أن تكون فصيلة محتملة لهذا الولد من هذا الزواج، فإن هذا في رأيي الآن، قرينة لا تفيد اليقين، ولكنها تفيد غلبة الظن فقط، وإذا كان من الجائز للزوج الذي غلب

стр. 460

على ظنه سوء في سلوك زوجته أن يقذفها بالزنا إذا رأى أمارة قوية, كما صرح بذلك بعض فقهائنا القدامى١، فإنه بناء على هذا، إذا جاءت فصيلة دم الولد مخالفة لما هو معروف علميا الآن من الفصائل المحتملة في هذا الزواج كان ذلك مبررا للزوج في جواز إقدامه على اتهام امرأته, التي يغلب على ظنه سوء سلوكها؛ لأمارة أخرى قوية مع هذه الأمارة، بجريمة الزنا ونفي الولد باعتبار أن تحليل الدم قرينة قوية تفيد غلبة الظن ولا تفيد اليقين كما كنت أرى قبل ذلك، مع ملاحظة أنه إذا لم ينف الزوج الولد فالقاعدة الشرعية أن الولد للفراش أي: ينسب للزوج، كما بين ذلك رسول الله ﷺ في الحديث الشريف: "الولد للفراش وللعاهر الحجر". وكل هذا بناء على ما قرره علماء الوراثة والأطباء، فالفتوى مبنية على أن ما قالوه وقرروه حقيقة علمية لا تقبل النقض، فهم المسئولون عن تقرير هذه الحقيقة العلمية، والفقه الإسلامي يتفق مع الحقائق العلمية. لكن لا يكون تحليل الدم وسيلة لإثبات النسب، وهذا بناء على ما أكده الأطباء والمعمليون المعاصرون، فالفتوى تبنى على ما قرروه في ذلك، فهم المسئولون عن هذه النتيجة التي نحكيها عنهم، فإذا كان ما قرروه قد ثبت ثبوتا قطعيا لا يتخلف ولو مرة، فيكون الحكم كما بينا. القسم الثاني: أن تكون دلالة القرينة لا تفيد اليقين لكنها تفيد غالب الظن الذي يقرب من اليقين، ويمكن التمثيل لهذا القسم بظهور الحمل على امرأة ليست مزوجة ولا معتدة، ووجود شخص سكران أو يتقايأ الخمر، فإن مثل هذا -كما سبق تقريره- يفيد ظنا غالبا يقار اليقين أن المرأة حملت من سفاح وأن السكران
следующие страницы →