← Сияса и кади

Сияса и кади · id 10744

النظام القضائي في الفقه الإسلامي

محمد رأفت عثمان

Полный текст (596 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

إحداهما أقوى من الأخرى، فحينئذ تكون القرينة المرجوحة منهما ملغاة فلا يلتفت إليها، وأمثلة هذا القسم كثيرة، منها تنازع رب الدار مع خياط يعمل في داره على ملكية مقص أو أداة من أدوات الخياطة، فيحكم بذلك للخياط، ولا يلتفت لوضع اليد هنا؛ لأنه معارض بقرينة أقوى، بخلاف ما لو تنازع الخياط مع رب الدار على ملكية ثوب موجود في الدار فإنه يحكم به لصاحب الدار، لعدم وجود قرينة أقوى من وضع اليد في هذه الحال١. ونرى أن القسم الثالث لا حاجة إليه في التقسيم، ومجال الكلام عنه عند الكلام عن شروط العمل بالقرينة فيذكر هناك أن من شروط العمل بالقرينة أن لا يعارضها قرينة أخرى. تقسيم الدكتور عبد السميع إمام: وقسم الدكتور عبد السميع إمام القرينة إلى أربعة أقسام: القسم الأول: ما يفيد اليقين، كشهود جماعة على موت شخص أو قتله، ثم جاء المشهود عليه حيا، فإن وجوده حيا دليل قاطع على كذب الشهود أو خطئهم يقينا. القسم الثاني: ما يفيد غالب الظن الذي يقرب من اليقين, كوجود امرأة حامل لا زوج لها، ولا سيد لها -إن كانت جارية- لأنه يجوز للسيد أن يطأ جاريته، ووجود شخص سكران أو يتقايأ الخمر، فإن هذه القرينة تفيد الظن الغالب الذي يقرب من اليقين بأن المرأة حملت سفاحا، وأن السكران شرب الخمر متعمدا.

стр. 457

القسم الثالث: ما يفيد مجرد الظن الذي وجد معه ما يقويه لكن يحتمل خلاف ما دلت عليه القرينة، ومثل لهذا القسم بوجود شخص ملابسه ملوثة بدماء القتيل، أو ممسكا بسكين وبجانبه الشخص القتيل، وفي هذا النوع يرى المالكية وجوب أن يطلب مع القرينة ما يقويها، ولهذا قالوا: إن مثل هذا يعتبر لوثا١ "علامة" يقسم معه أولياء القتيل, ويستحقون القصاص من المتهم بالقتل إن كان القتل عمدا، أو الدية إن كان القتل خطأ، وعلى هذا فإن تقوى هذا النوع حتى صار مفيدا لغلبة الظن, وجب على القاضي في رأي المالكية أن يقضي به في الحدود٢ وغيرها إذا عجز المتهم عن إقامة الدليل المنافي له. القسم الرابع: ما يفيد مجرد الظن العادي ولم يوجد معه ما يقويه ولم يوجد أيضًا ما ينافيه إلا مجرد احتمالات قريبة الوقوع في العادة، كوجود شخص يمسك بكأس الخمر فارغة وبها أثر الخمر، أو وجود آخر يركب سيارة وقد وقف بجوار شخص قتيل أو مصاب بجروح، فهذا النوع يفيد ظنا بأن الممسك بكأس الخمر فارغة قد شربها، وأن الواقف بسيارته بجوار الجريح أو القتيل هو الذي جرحه أو قتله، ولكن يحتمل احتمالا ليس ببعيد أن ممسك كأس الخمر لم يشربها، وأن الواقف بسيارته يجوار الجريح أو القتيل لم يجرحه أو يقتله، ويرى الدكتور عبد السميع إمام أن مثل هذا النوع من القرائن لا يقضى به في غيرها، فلو ادعى شخص على آخر سرقة ماله ووجد المال المسروق في بيت المتهم، فلا يحكم عليه بحد السرقة إلا إذا قامت البينة "الشهود" على أنه سرق هذا المال، أو وجدت

стр. 458

قرائن أخرى تقوي هذه القرينة، وأما المال المسروق الذي وجده عنده واتهم بسرقته فإنه يضمنه١. هذه هي اتجاهات الفقهاء المعاصرين الذين اطلعنا على كتاباتهم في تقسيم القرينة، ويمكن لنا أن نقسمها إلى أربعة أقسام: القسم الأول: أن تكون دلالتها قوية بحيث تفيد اليقين، وهو القسم الأول من تقسيم الدكتور عبد السميع إمام، ومثاله نفس المثال المذكور، وهذا النوع -كما قال الدكتور عبد السميع- لا يسوغ لأحد أن يرده، ولا يقضي به، فإنه أقوى من الشهادة والإقرار. ومثال هذا القسم أيضًا سلامة قميص يوسف ﵇ فإنه قرينة قوية تفيد اليقين أنه ﵊ لم يأكله الذئب كما ادعى إخوته. هذا وقد كان رأيي أنه يمكن أيضا أن يمثل لهذا النوع من القرائن بما لو ثبت من تحليل دم الزوجين أن دمهما من فصيلة "A" وثبت من تحليل دم الطفل أن دمه من فصيلة "B" فإن هذا يعد قرينة قوية تفيد اليقين أن الطفل ليس ابنا لهذين الزوجين؛ وذلك لأنه -كما قال العلماء التجريبيون- تتأثر فصيلة دم الطفل بنوع فصيلة دم الأب والأم، وقالوا من المستحيل العادي إذا كانت فصيلة الدم من الزوجين "A" أن تكون فصيلة دم طفل من هذا الزواج "B" وإنما فصيلة الدم التي

стр. 459

من المحتمل أن تكون لهذا الطفل هي "O" أو ١"A"، وكان من رأيي أنه بناء على هذا فيمكن أن يكون تحليل الدم وسيلة يقينية لنفي النسب، كما يرى ذلك بعض الباحثين المعاصرين٢ لكن رأيي تغير في هذه المسألة؛ لأن نظام فصائل الدم الذي يؤكده علماء الوراثة الآن لم يجئ باستقراء وتتبع كامل لكل أفراد البشر في العصور المختلفة، وإنما هو نتيجة استقراء ناقص، ومن المحتمل أن تشذ عما قاله علماء الوراثة حالات متعددة، ولهذا أرى الآن أنه لو شك زوج في زوجته، بناء على أمارات قوية رسخت هذا الشك عنده ثم جاء ولدها بفصيلة دم يستحيل عندهم أن تكون فصيلة محتملة لهذا الولد من هذا الزواج، فإن هذا في رأيي الآن، قرينة لا تفيد اليقين، ولكنها تفيد غلبة الظن فقط، وإذا كان من الجائز للزوج الذي غلب

стр. 460

على ظنه سوء في سلوك زوجته أن يقذفها بالزنا إذا رأى أمارة قوية, كما صرح بذلك بعض فقهائنا القدامى١، فإنه بناء على هذا، إذا جاءت فصيلة دم الولد مخالفة لما هو معروف علميا الآن من الفصائل المحتملة في هذا الزواج كان ذلك مبررا للزوج في جواز إقدامه على اتهام امرأته, التي يغلب على ظنه سوء سلوكها؛ لأمارة أخرى قوية مع هذه الأمارة، بجريمة الزنا ونفي الولد باعتبار أن تحليل الدم قرينة قوية تفيد غلبة الظن ولا تفيد اليقين كما كنت أرى قبل ذلك، مع ملاحظة أنه إذا لم ينف الزوج الولد فالقاعدة الشرعية أن الولد للفراش أي: ينسب للزوج، كما بين ذلك رسول الله ﷺ في الحديث الشريف: "الولد للفراش وللعاهر الحجر". وكل هذا بناء على ما قرره علماء الوراثة والأطباء، فالفتوى مبنية على أن ما قالوه وقرروه حقيقة علمية لا تقبل النقض، فهم المسئولون عن تقرير هذه الحقيقة العلمية، والفقه الإسلامي يتفق مع الحقائق العلمية. لكن لا يكون تحليل الدم وسيلة لإثبات النسب، وهذا بناء على ما أكده الأطباء والمعمليون المعاصرون، فالفتوى تبنى على ما قرروه في ذلك، فهم المسئولون عن هذه النتيجة التي نحكيها عنهم، فإذا كان ما قرروه قد ثبت ثبوتا قطعيا لا يتخلف ولو مرة، فيكون الحكم كما بينا. القسم الثاني: أن تكون دلالة القرينة لا تفيد اليقين لكنها تفيد غالب الظن الذي يقرب من اليقين، ويمكن التمثيل لهذا القسم بظهور الحمل على امرأة ليست مزوجة ولا معتدة، ووجود شخص سكران أو يتقايأ الخمر، فإن مثل هذا -كما سبق تقريره- يفيد ظنا غالبا يقار اليقين أن المرأة حملت من سفاح وأن السكران

стр. 461

أو الذي يتقايأ الخمر قد شربها متعمدا. وأرى أيضًا أن المثال الذي ذكره الدكتور عبد العال عطوة للقرينة التي تكون دلالتها قوية بحيث تصل إلى درجة اليقين، وأعني به صورة الرجل الذي خرج من دار مضطربا، ملوثة ملابسه بالدماء يحمل سكينا ملوثة أيضا.. إلى آخره، أرى أن هذه الصورة تصلح أن تكون مثالا هنا للقرينة التي تفيد غالب الظن الذي يقرب من اليقين، وليس كما يرى الدكتور عبد العال عطوة وغيره أن دلالة القرينة هنا قوية تصل إلى درجة اليقين. فمن المحتمل أن يكون القتيل قد أراد قتل الذي خرج بهذه الهيئة فأخذ السكين وأصاب نفسه عند الاشتباك بين الاثنين بالقوة الزائدة، فأخذها الخارج وفر هاربا مذعورا من هول الحادث ولم يحس بحمله للسكين. وهذا الاحتمال أثاره صاحب تكملة ابن عابدين مع احتمالات أخر، رآها لا تشجع على القول بوجوب القصاص، على الخارج من الدار بهذه الصفة، قال صاحب تكملة ابن عابدين معقبا على هذه الصورة التي ذكرها ابن الغرس من الحنفية في كتابه الفواكه البدرية: "والحق أن هذا محل تأمل، ولا يظن أن في مثل ذلك يجب عليه القصاص، مع أن الإنسان قد يقتل نفسه، وقد يقتله آخر ويفر، وقد يكون أراد قتل الخارج فأخذ السكين وأصاب نفسه فأخذها الخارج، وفر منه وخرج مذعورا, وقد يكون اتفق دخوله فوجده مقتولا فخاف من ذلك وفر، وقد تكون السكين بيد الداخل فأراد قتل الخارج ولم يتخلص منه إلا بالقتل فصار دفع

стр. 462

الصائل١، فلينظر التحقيق في هذه المسألة" ا. هـ. كما يمكن أيضا التمثيل لهذا القسم بوجود بقعة من دم إنساني، من نفس فصيلة دم القتيل، على ملابس صديق له، كان يوجد معه في وقت مقارب لوقت ارتكاب الجريمة، أو وجود بصمة المتهم على السلاح المستعمل في جريمة القتل. ويرى بعض العلماء المعاصرين أن البصمة تفيد اليقين، فيعتمد عليها أكثر من الاعتماد على الشهود؛ لأن شهادة الشهود تفيد غلبة الظن بما شهدوا به، وأما البصمة فدلالتها يقينية لا تكذب٢. ويمكن أن يقال إن الشهود يحكون ما حدث أمامهم، فغالب الظن -لأنهم عدول- أن ما يشهدون به حدث، أما البصمة فلا تفيد إلا مجرد وجود صاحبها في مكان البصمة، ولا تفيد يقينا بحدوث الواقعة محل التهمة من صاحب البصمة؛ لأن وجوده في مكان الجريمة لا يستلزم أن يكون هو الذي ارتكبها، فقد يكون حضر إلى هذا المكان لأمر آخر غير ارتكاب هذه الجريمة، وقد يكون وجوده في مكان الجريمة قبل وقوعها أو بعد وقوعها. القسم الثالث: أن تكون القرينة تفيد مجرد الظن العادي ولم يوجد معه ما يقويه، كما لم يوجد معه ما ينافيه، إلا مجرد احتمالات قريبة الوقوع في العادة،

стр. 463

وهذا القسم ذكره الدكتور عبد السميع إمام قسما رابعا عند تقسيمه للقرينة، ومثاله وجود شخص يركب سيارة وقد وقف بجوار جريح أو قتيل، فهذا النوع -كما سبق بيانه- يفيد ظنا ما بأن الذي يقف بسيارته بجوار الجريح أو القتيل هو الذي أصابه، ولكن في نفس الوقت يحتمل احتمالا غير بعيد أنه لم يصبه بسيارته. كما يمكن التمثيل لهذا القسم أيضا بما لو وجدت إجابة الطالب في أوراق الامتحان مطابقة تمام المطابقة لما هو مكتوب في الكتاب المقرر دراسته، فهذا يفيد ظنا ما بأن الطالب قد اعتمد على الغش في الامتحان؛ لأن مما جرت به العادة أن لا تكون إجابات الطلاب في الامتحان مطابقة تمام المطابقة لما هو موجود في الكتب، وإنما يختلف تعبير الطلاب كثرة أو قلة عن تعبير الكتاب المقرر، وكلما قويت حافظة الطالب كان تعبيره قريبا مما هو موجود في الكتب، ولكن في نفس الوقت يحتمل احتمالا غير بعيد أن الطالب قد بلغ درجة قوية جدا في ملكة الحفظ، فساعد ذلك على أن تكون إجابته بهذه الصورة. القسم الرابع: أن تكون دلالة القرينة تفيد ظنا ضعيفا، كبكاء الشاكي، ووجود رجل وامرأة غريبة عنه في مكان مظلم وحدهما ليلا، لكن لم يشهد شهود بأنه حدث بينهما ما يوجب إقامة حد الزنا عليهما. وهذا القسم هو القسم الثاني من القسمين اللذين قسم الدكتور عبد العال عطوة القرينة إليهما.

стр. 464

أقسام القرينة عند القانونيين: قسم فقهاء القانون القرينة إلى قسمين: ١- قرينة قضائية. ٢- قرينة قانونية. أما القرينة القضائية فهي منسوبة إلى القضاء، ومعنى ذلك أنها من استنتاج القاضي، وأما القرينة القانونية فهي منسوبة إلى القانون، ومعنى ذلك أنها منصوص عليها في القانون. وقد عرفوا القرينة القضائية بأنها ما يستنبطه القاضي من الأمارات والوقائع للدلالة على أمر مجهول. فالقاضي هو الذي يستنبط القرينة بتفسيره لواقعة معلومة في الدعوى التي تعرض عليه، ويستدل بها على الواقعة التي يراد إقامة الدليل عليها. ومثالها وجود سند الدين في يد المدين، فإن هذا يعد قرينة دالة على أنه قد وفى ما عليه، وقلة الثمن الذي بيع به شيء من الأشياء المنقولة والظروف الأخرى التي تم فيها البيع، يعد قرينة دالة على سوء نية المشتري, وأنه كان يعلم بأن هذا الشيء المبيع ليس ملكا للبائع. وأما القرينة القانونية هي ما يستنبطه واضع القانون من واقعة معلومة يحددها للدلالة على أمر مجهول ينص عليه. مثل القرينة التي نص عليها في المادة ٥٨٧ من التقنين المدني المصري، فقد اعتبر في هذه المادة أن وفاء المستأجر بقسط من الأجرة في عقد الإيجار قرينة دالة على أنه قد وفى الأقساط التي سبقت هذا القسط, حتى يقوم الدليل على عكس

стр. 465

ذلك. وذلك لأن من المألوف بين الناس، ومما تعارفوا عليه أن المؤجر لا يعطي المستأجر ما يفيد سداد القسط اللاحق إلا إذا كان المستأجر قد وفى الأقساط السابقة على هذا القسط. ومثل التصرف القانوني الذي يصدر من شخص في مرض الموت ويكون مقصودا به التبرع، فإن المادة ٩١٦، اعتبرت هذا التصرف تصرفا مضافا إلى ما بعد الموت، وتسري عليه أحكام الوصية، أيا كانت التسمية التي أعطيت لهذا التصرف، كأن كان هذا التصرف تحت اسم البيع مثلا. فالقرينة القانونية ليست من استنباط القاضي كما هو الحال في القرينة القضائية، بل هي من عمل القانون، وليس للقاضي سلطة فيها١. هذا، ويمكن القول بأن ما يسميه فقهاء القانون بالقرينة القانونية يقابله في الفقه الإسلامي القرينة التي نص الشارع عليها، مثل سكوت المرأة البكر إذا استأذنها وليها في تزويجها فإن هذا السكوت يعد قرينة تفيد حصول الإذن منها في تزويجها، لقوله ﷺ : "لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن"، قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنها، قال: "أن تسكت". ووجود الفراش فإنه يعد قرينة تثبت نسب الولد من صاحبه، لقول الرسول ﷺ : "الولد للفراش".

стр. 466

آراء الفقهاء في حجية القرائن مدخل ... آراء الفقهاء في حجية القرائن: اختلف الفقهاء في القرينة هل تعد وسيلة من وسائل الإثبات أم لا، على رأيين: الرأي الأول: القرينة وسيلة إثبات، وهذا ما يراه جمهور الفقهاء، غير أنهم مختلفون في بعض الصور هل تصلح أن تكون وسيلة إثبات أم لا. وممن قال بحجية القرينة بعض الحنفية كالزيلعي، وابن الغرس، والطرابلسي، وبعض المالكية كعبد المنعم بن الفرس، وابن فرحون، والمازري، وبعض الشافعية كالعز بن عبد السلام، وابن أبي الدم، وبعض فقهاء الحنابلة كابن القيم١. الرأي الثالث: القرينة لا تصلح وسيلة من وسائل الإثبات، قال بهذا الرأي بعض الحنفية كالخير الرملي في الفتاوى الخيرية، والجصاص، وصاحب تكملة رد

стр. 467

المحتار وبعض المالكية كالقرافي١. الاستدلال لكل رأي: أدلة الجمهور: أولا: قول الله ﵎ في سورة يوسف٢: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ . وجه الاستدلال أن أخوة يوسف أرادوا أن يجعلوا الدم علامة على صدقهم في ادعائهم أن يوسف أكله الذئب، لكن والدهم يعقوب ﵊ استدل على كذبهم بعلامة تعارض ذلك، وهي سلامة قميص يوسف من التخريق، إذ لا يمكن افتراس الذئب ليوسف وهو لابس قميصه ويسلم القميص فلا يتخرق. ثانيا: قول الله ﵎: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ، فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ٣.

стр. 468

وجه الاستدلال بهذه الآية الكريمة أنها أفادت الحكم بالأمارات؛ لأنه توصل بقد القميص إلى معرفة الصادق منهما من الكاذب، وما هذا إلا عمل بالأمارات وجعلها سببا للحكم، وهذا دليل على أنه يجوز أن يعمل بالقرينة ويعتمد عليها في الأحكام١. قال ابن القيم: ذكر الله شهادة الشاهد ولم ينكرها، بل لم يعبه، بل حكاها مقرا لها. وقد يعترض على الاستدلال بهذه الآية الكريمة بأن هذا في شريعة أخرى غير شريعتنا فلا يلزمنا، وقد أجيب عن هذا بأن كل ما أنزل الله علينا فإنما أنزله لفائدة فيه ومنفعة، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ ٢ فآية يوسف صلاة الله عليه وسلامه مقتدى بها معمول عليها، وقد اتفق العلماء على أن شرع من قبلنا يكون شرعا لنا إذا كان قد سيق بطريق يفيد استحسانه وعدم إنكاره، فهو في هذه الحالة يصبح من باب التقريرات, والآية التي معنا من هذا القبيل٣. هذا، وقد اختلفت الروايات في الشاهد الذي قال: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ، فروي أنه طفل تكلم في المهد، قال السهيلي: وهو الصحيح للحديث الوارد فيه عن النبي ﷺ ، وقال غيره: إنه رجل حكيم ذو عقل

стр. 469

كان الوزير يستشيره في أموره، وكان من أهل المرأة، قيل: إنه ابن عمها، قال السدي: وهذا القول الثاني هو الصحيح، وروي عن ابن عباس أنه كان رجلا من خاصة الملك. قال القرطبي: إذا تنزلنا على أن يكون الشاهد طفلا صغيرا فلا يكون فيه دلالة على العمل بالأمارات ... وإذا كان رجلا فيصح أن يكون حجة بالعلامة في اللقطة وكثير من المواضع" ا. هـ١. وقد عقب ابن فرحون على ما قاله القرطبي قائلا: وفيما قاله القرطبي نظر؛ لأنه وإن كان طفلا فالحجة قائمة منه بإذن الله تعالى، أرشدنا على لسانه إلى التفطن والتيقظ، والنظر إلى الأمارات والعلامات التي يعلم بها صدق المحق وبطلان قول المبطل، ويكون ذلك أبلغ من الحجة من قول الكبير؛ لأن قول الكبير اجتهاد ورأي منه، ونطق الصغير من قبل الله تعالى. ا. هـ.٢. ثالثا: قول الله ﵎: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ ٣. وجه الدلالة: أن الرضا معنى يكون في النفس وهذا في الشهادة يكون نتيجة لما يظهر من أمارات, ويقوم من دلائل تبين صدق الشاهد أمام الحاكم. قال ابن العربي: "قال علماؤنا: هذا دليل على جواز الاجتهاد والاستدلال بالأمارات

стр. 470

والعلامات على ما خفي من المعاني والأحكام١. رابعا: ثبت من السنة الشريفة الحكم بما يظهر من قرائن الأحوال والأمارات. من ذلك أنه ﷺ حكم اللوث٢ في القسامة، وجوز للمدعين أن يحلفوا خمسين يمينا، ويستحقوا دم القتيل في حديث حويصة ومحيصة، واللوث دليل على القتل. قال بعض فقهاء المالكية: واللوث في الحديث المذكور هو ما ذكر فيه من العداوة بينهم، وأنه قتل في بلدهم، وليس فيها غير اليهود، وقال المازري من فقهائهم أيضًا: إن القرائن تقوم مقام الشاهد، فقد يكون قد قام من القرائن ما دل على أن اليهود قتلوه، ولكن جهلوا عين القاتل، ومثل هذا لا يبعد إثباته لوثا، فلذلك جرى حكم القسامة فيه. ومن السنة أيضا ما ورد في الحديث الصحيح في قضية الأسرى من قريظة، لما حكم فيهم سعد بأن تقتل المقاتلة وتسبى الذرية، فكان بعضهم يدعي عدم البلوغ، فكان الصحابة يكشفون عن مؤتزرهم فيعلمون بذلك البالغ من غيره، وهذا من الحكم بالأمارات. ومنها حكم رسول الله ﷺ ، وخلفائه من بعده بالقافة، وجعلها دليلا على ثبوت النسب، وليس فيها إلا مجرد الأمارات والعلامات. ومنها قوله ﷺ : "الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر في

стр. 471

نفسها، وإذنها صمتها" فجعل الرسول ﷺ سكوتها قرينة على رضاها، وتجوز الشهادة عليها بأنها رضيت بناء على هذا السكوت، وهذا من أقوى الأدلة على الحكم بالقرائن١. ومنها أن النبي ﷺ أمر الزبير أن يقرر عم حيي بن أخطب بالعذاب على إخراج المال الذي غيبه وادعى نفاده، فقال له ﷺ : "العهد قريب والمال أكثر من ذلك" قال ابن القيم: فهاتان قرينتان في غاية القوة: كثرة المال، وقصر المدة التي ينفق كله فيها٢. ومنها ما وقع في غزوة بدر لابني عفراء لما تداعيا قتل أبي جهل، فقال لهما رسول الله ﷺ : "هل مسحتما سيفيكما؟ فقالا: لا، فقال: أرياني سيفكما، فلما نظر إليهما قال: هذا قتله، وقضى له بسلبه" فاعتمد الرسول ﷺ على الأثر الموجود في السيف، ومعنى السلب: الأشياء التي تكون مع القتيل، من السلاح، أو الآلات، أو الثياب، أو النقود، أو الخيل، وغير ذلك. أدلة القائلين بعدم الحكم بالقرائن: استدل القائلون بأن القرائن لا تصلح أن تكون وسيلة للإثبات بعدة أدلة، نذكر منها ما يأتي: أولا: ما رواه ابن ماجه عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمت فلانة،

стр. 472

فقد ظهر منها الريبة في منطقها وهيئتها ومن يدخل عليها" ١. وجه الدلالة من هذا الحديث أن القرائن لو كانت وسيلة للإثبات لأقام النبي ﷺ عقوبة الزنا على هذه المرأة، التي ظهرت قرائن من جانبها عند رسول الله ﷺ تفيد وقوع الزنا منها، لكن الرسول ﵊ لم يقم عقوبة الزنا عليها مع وجود القرائن، فدل هذا على عدم الحكم بالقرائن. مناقشة هذا الدليل: أجيب عن هذا الدليل بأن الرسول ﷺ لم يقم عقوبة الزنا على المرأة لضعف القرائن والأمارات التي ظهرت منها، فهي ليست قوية الدلالة كالحمل مثلا حتى يحكم عليها بحد الزنا، وضعف القرائن يدرأ الحدود؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات كما هو القاعدة الشرعية الثابتة٢. ثانيا: القرائن ليست مطردة في دلالتها وغير منضبطة؛ لأنها تختلف قوة وضعفا، فلا تصلح لبناء الحكم عليها، على أن القرائن قد تبدو قوية ثم يعتريها الضعف٣. مناقشة هذا الدليل: أجيب عن هذا الدليل بأن القائلين بأن القرائن وسيلة من وسائل الإثبات اشترطوا أن تكون القرائن قوية لا يشك في قوتها ولا يمترى في دلالتها، ومن

стр. 473

السهل على الحكام وغيرهم أن يصلوا إليها، ويقفوا عليها، ومن هذا النوع قرائن تبلغ درجة من القوة بحيث تفوق في دلالتها دلالة الشهادة وغيرها من طرق الإثبات الأخرى، وذلك كما لو ادعي على رجل أنه ارتكب جريمة الزنا، فبان أنه مجبوب، أو ادعي على امرأة أنها ارتكبت جريمة الزنا فتبين أنها بكر. أما القول بأن القرائن قد تبدو قوية ثم يعتريها الضعف فالجواب أن ما يعتري القرائن من احتمال الضعف قد يعتري غيرها من وسائل الإثبات، فقد يقر إنسان بالسرقة ثم نتبين بعد ذلك أن إقراره لم يكن اختيارا، وإنما كان تحت تأثير التعذيب ولم يكن سارقا في الواقع، أو يكون الإقرار قد حدث بدون إكراه لكنه كان لسبب آخر دفعه إلى هذا الإقرار الكاذب، وقد يبدو للقاضي أن الشهود صادقون في شهادتهم، ثم يتبين بعد ذلك أنهم شهود زور. فإذا كانت وسائل الإثبات يتوجه إليه هذا الضعف المحتمل, ولا يكون ذلك قادحا في صلاحيتها للإثبات فكذلك القرائن، ولا معنى لتوجيه هذا للقرائن بخصوصها. وأيضًا فإن العبرة في هذا حين القضاء، فإذا ظهر وقت القضاء إفادة وسيلة من وسائل الإثبات الغرض المقصود وجب على القاضي أن يقضي بها، وليس مطلوبا من القاضي أن ينظر إلى ما يمكن أن يطرأ في المستقبل، والقرائن وسيلة مثل سائر الوسائل في هذا المعنى١. ثالثا: أن القرآن والسنة قد ذما اتباع الظن، والقضاء بالقرائن ليس قائما إلا

стр. 474

على الظن، قال الله ﵎: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ ١، وقال ﵎: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ٢، وقال : ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ ٣، وروى مسلم، وأبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث" ٤. ويمكن صياغة الدليل على شكل قياس من الشكل الأول فنقول: القرينة

стр. 475

تفيد الظن، والظن مذموم شرعا، فالنتيجة أن القرينة مذمومة شرعا، وما دامت مذمومة لا يصح أن تكون وسيلة إثبات. مناقشة هذا الدليل: أجيب عن هذا بأن الظن الذي لا يعد دليلا -وهو الظن الذي نهت عنه النصوص الشرعية- هو الظن في العقائد؛ لأن العقيدة لا تثبت بالظن باتفاق العلماء، يقول سلطان العلماء العز بن عبد السلام: "إنما ذم الله العمل بالظن من كل موضع يشترط فيه العلم أو الاعتقاد الجازم، كمعرفة الإله ومعرفة صفاته"١ أو الظن السيئ الذي يقوم الشخص بتحقيقه، أو هو الشك الذي يعرض للمرء فيحققه ويحكم به مثل أن يظن بإنسان أنه زنى، أو سرق، أو قطع الطريق أو قتل نفسا، أو أخذ مالا، أو ثلب عرضا فأراد أن يؤاخذه بذلك من غير حجة شرعية يستند إليها ظنه، وأراد أن يشهد عليه بذلك على ظنه المذكور، فهذا ممنوع في الشرع، أما في غير ذلك فالإجماع على العمل بالظن، فإن تكاليف الشرع فيما عدا العقائد مبنية على الظن٢.

стр. 476

الرأي الراجح: من الاستدلالات لكل فريق من الفريقين، والمناقشات التي وردت على الأدلة، يمكن بغالب الظن القول بأن رأي جمهور العلماء هو الأولى بالترجيح، لسلامة الأدلة التي اعتمد عليها هذا الرأي، ولضعف ما استند إليه القائلون بعدم حجية القرائن. ومن الغريب أن الفقهاء الذين ذهبوا إلى عدم الأخذ بالقرينة، وجدناهم قد عملوا بالقرينة وخالفوا مذهبهم في منع العمل بها، فقد أوجبوا على القاضي أن يقضي بنكول المدعى عليه عن اليمين، مع أن القضاء بالنكول عن اليمين ليس إلا رجوعا إلى القرينة الظاهرة عندهم التي دلت على كذب الناكل عن اليمين، وقدموا العمل بهذه القرينة على أصل براءة الذمة. بل إن بعضهم ذهب إلى أبعد من هذا، فبنى أحكاما مختلفة على قرائن أخرى، فالخير الرملي أحد فقهاء الحنفية المانعين للعمل بالقرائن، والذي أنكر على ابن الغرس ذكره للقرينة بين وسائل الإثبات قائلا: "لا شك أن ما زاده ابن الغرس غريب خارج عن الجادة، فلا ينبغي التعويل عليه" هذا الفقيه المانع للأخذ بالقرائن سئل عن مسألة فبنى الحكم فيها على القرينة. فقد جاء في "الفتاوى الخيرية" سئل: رجل تلقى بيتا عن والده، وتصرف فيه ما كان يتصرف أبوه من غير منازع ولا مدافع مدة تنيف على الخمسين سنة، وبرز جماعة يدعون أن البيت لجدهم الأعلى، فهل تقبل دعواهم مع اطلاعهم على التصرف المذكور، واطلاع آبائهم، وعدم قيام مانع يمنعهم من الدعوى؟ ". أجاب: لا تسمع هذه الدعوى، فقد جاء في فتاوى الولوالجي رجل تصرف زمانا في أرض، ورجل آخر رأى الأرض والتصرف، ولم يدع ومات على ذلك، لم تسمع بعد ذلك دعوى ولده، وتترك للمتصرف؛ لأن شاهد الحال لهم، هذا مع ما في سماعها من فتح باب التزوير والتلبيس. فهنا نجد الخير الرملي يمنع سماع الدعوى في هذه المسألة التي سئل عنها مستندا إلى فتوى الولوالجي بعدم السماع بناء على القرينة١. وإذا رجحنا رأي الجمهور فهو بالشروط التي بينها العلماء، وسنتكلم عنها فيما سيأتي عقب هذا، وفي غير الحدود والقصاص كما سيبين رجحان القائلين بذلك، وأما في القصاص، والحدود فسنبين رأينا فيهما فيما سيأتي بمشيئة الله تعالى.

стр. 477

ما يشترط للعمل بالقرينة: يشترط العلماء القائلون بأن القرينة وسيلة من وسائل الإثبات شرطين في العمل بها: الشرط الأول: أن تكون القرينة قطعية في دلالتها، ويريد العلماء أن تكون قوية الدلالة بحيث تقارب اليقين؛ وذلك لأن العلم القطعي يستعمله العلماء في معنيين: أحدهما: العلم الذي لا يوجد معه احتمال نقيضه أصلا، كالعلم الذي نستفيده من النصوص المحكمة، والمتواترة١. المعنى الثاني: العلم الذي يوجد معه احتمال نقيضه

стр. 478

احتمالا غير ناشئ عن دليل، مثل العلم المستفاد من الظاهر والنص١،

стр. 479

والخير المشهور١، والأول يسميه العلماء علم اليقين، والثاني يسمى علم الطمأنينة، ويريد العلماء بالقطع في القرينة القطع بالمعنى الثاني؛ لأن القطع على المعنى الأول

стр. 480

لا يتحقق في باب القرائن، فالقطع في القرينة عند العلماء شامل للظن الغالب؛ لأن وسائل الإثبات مهما كانت قوتها فإن دلالتها لا تخلو من ظن. مثال للقرينة القاطعة في دلالتها: ومثال القرينة القاطعة في دلالتها ظهور حمل امرأة ليست مزوجة ولا معتدة، وظهور السكر من شخص، أو وجد يتقايأ الخمر، ومثل ابن الغرس من الحنفية في كتابه الفواكه البدرية بالمثال الذي تكرر ذكره، والذي نقله العلماء عنه، وهو خروج رجل من دار مضطربا خائفا يحمل في يده سكينا ملوثة بالدماء، وملابسه كذلك ملوثة بالدماء، فدخل الناس فور خروجه في الدار رجلا مذبوحا مضرجا في دمائه. وذكر الدكتور عبد العال عطوة، مثالا لذلك أيضًا قول النبي ﷺ لعم حيي بن أخطب عندما ادعى نفاد المال: $"العهد قريب والمال أكثر من ذلك"، فكثرة المال، وقصر الفترة الزمنية التي من المحتمل أن لا يكون المال قد أنفق فيها كله، هما قرينتان في غاية القوة على أن المال الذي ادعى نفاده عم حيي بن أخطب لا زال موجودا، ولذلك أمر الرسول ﷺ الزبير بن العوام أن يمسه بعذاب، وكان نتيجة ذلك أن أرشد إلى المال وأخرجه من مخبئه. الشرط الثاني: أن لا يعارض القرينة قرينة أخرى، أو دليل آخر، فإن عارضها شيء من هذا فلا تصلح أن تكون وسيلة للإثبات. ومثال هذا قرينة الدم على قميص يوسف، الذي جاء به أخوته يدعون أن الذئب قد أكله، وأن هذا أثر دمه على قميصه، فإن هذا يعد بحسب الظاهر قرينة قوية على قتل الذئب ليوسف، ولكن لما وجد أبوه يعقوب ﵊ قميصه سليمان لم يتخرق استدل بهذا على كذب أخوة يوسف، فإنه لو كان حقا ما يقولون لمزق الذئب قميصه، فهذا دليل على أن يوسف لم يقتله الذئب. ومثاله أيضا ما لو وجد سند الدين عند المدين، فهذا يعد قرينة على أن المدين سدد الدين الذي كان عليه، لكن لو أقام الدائن البينة على أن المدين قد أخذ السند منه غصبا، أو سرقه، فإن هذه القرينة أصبحت دلالتها كاذبة؛ لأنه وجد دليل يعارضها ولهذا لا يحكم القاضي ببراءة ذمة المدين١.

стр. 481

مجال القضاء بالقرائن: هل القرائن عند من يقول بها تصلح أن تكون وسيلة إثبات في الحدود والقصاص أيضا بجانب كونها عندهم وسيلة من وسائل الإثبات في غير ذلك من العقود المالية وغيرها، فلو وجدت امرأة حامل ليس لها زوج هل يقام عليها حد الزنا، أم لا؟ وإذا وجد شخص تفوح من فمه رائحة الخمر، أو وجد يتقايؤها هل يقام عليه حد شرب الخمر؟ وإذا وجد المال المسروق في بيت المتهم بالسرقة هل يقام عليه حد السرقة؟ وهل إذا وجدت قرينة على القتل العمد كبقعة دم من فصيلة دم القتيل على ملابس المتهم هل يجب القصاص من هذا المتهم؟ وقد ذكرنا سابقا أن العلماء والأطباء يؤكدون أن فصيلة دم الطفل تتأثر بنوع فصيلة دم الأب والأم، وعلى هذا لو ثبت معمليا -مثلا- أن دم كل من الزوج

стр. 482

والزوجة من فصيلة "أ" ودم الطفل من فصيلة "ب" فالأطباء يقطعون بعدم ثبوت نسب هذا الطفل من هذا الزوج، لكن هل يعد هذا وسيلة إثبات لجريمة الزنا على الزوجة، فيحكم عليها بحد الزنا بناء على هذا الفحص، وإذا ثبت معمليا من فحص دم المتهم بشرب الخمر، أنه تناولها، فهل يحق للقاضي بناء على نتيجة الفحص أن يحكم عليه بعقوبة الشرب؟ وإذا وجدت بصمات المتهم بالسرقة على بعض الأشياء في المحل المسروق، أو وجدت الأشياء المسروقة بحوزته وأنكر سرقتها فهل يجوز الحكم بقطع يده بناء على هذه القرينة، وإذا ثبت بالتسجيل الصوتي أن المتهم قد طعن المدعي في عرضه، فرماه بجريمة الزنا، فهل يكون هذا التسجيل الصوتي وسيلة إثبات لجريمة القذف يحق للقاضي بناء عليها أن يحكم على صاحب الصوت بحد القذف إن لم يستطع أن يقيم البينة على اتهامه١، وبعبارة عامة هل يجوز العمل بلا قرائن في جرائم الحدود والقصاص؟ هذا موضع خلاف بين العلماء وسنحكي خلافهم أولا في القرينة في الحدود، ثم نتبع ذلك بالكلام عن خلافهم في القرينة في القصاص:

стр. 483

آراء الفقهاء في العمل بالقرينة في الحدود: ١ اختلف الفقهاء في هذا على رأيين: الرأي الأول: يرى المالكية اعتبار القرائن في الحدود٢، ويوافقهم على هذا الرأي ابن القيم الفقيه الحنبلي المشهور٣ وروى الحنابلة رواية عن أحمد تقول بوجوب الحد بوجود رائحة الخمر من فم شخص، ومع أنهم ذكروا رواية عن أحمد تقول إنه لا يحد بالسكر أو بتقايؤ الخمر، لاحتمال أن يكون مكرها، أو لم يعلم أنها تسكر، إلا أن ابن قدامة قال: "ورواية أبي طالب عنه "أي: عن أحمد" في الحد بالرائحة تدل على وجوب الحد ههنا بطريق الأولى". لأن ذلك لا يكون إلا بعد شربها، فأشبه ما لو قامت البينة عليه بشربها٤. الرأي الثاني: يرى الحنفية، والشافعية، والحنابلة عدم اعتبار القرائن وسائل إثبات في الحدود٤.

стр. 484

أدلة القائلين بالاعتماد على القرائن في الحدود: استدل القائلون بأن القرينة وسيلة إثبات في الحدود بأدلة نذكر منها: أولا: ما روي عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب: كان فيما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد الرجم في كتاب الله تعالى، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى، والرجم في كتاب الله حق١ على من زنا إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف. رواه الجماعة إلا النسائي٢. مناقشة هذا الدليل: أجيب عن هذا الدليل بأن هذا قول عمر، وأقوال الصحابة مختلف فيها هل تصلح أن تكون حجة أم لا، فلا يؤخذ بقول عمر في إثبات مثل هذا الأمر العظيم الذي يفضي إلى هلاك النفوس، وكون عمر قال هذا بمجمع من الصحابة ولم ينكر عليه أحد لا يستلزم أن يكون إجماعا؛ لأن الإنكار في المسائل المجتهد فيها -التي تختلف فيها الآراء- غير لازم للمخالف، ولا سيما إذا كان القائل بذلك عمر، وهو بمنزلة من المهابة في صدور الصحابة وغيرهم٣. ثانيا: ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: يا أيها الناس،

стр. 485

إن الزنا زناءان: زنا سر، وزنا علانية، فزنا السر أن يشهد الشهود فيكون الشهود أول من يرمي، وزنا العلانية أن يظهر الحبل أو الاعتراف فيكون الإمام "أي: رئيس الدولة" أول من يرمي١. فهذا القول من علي ﵁ يدل على أنه كان يعد ظهور الحمل دليلا على حدوث جريمة الزنا، وبين أن ذلك موجوب لإقامة الحد، وأن الحاكم أول من يرمي الزانية التي ظهر حملها، وإذا كان حد الزنا قد ثبت بالقرينة، وهي هنا الحمل، فيقاس على حد الزنا سائر الحدود فتثبت هي الأخرى بالقرينة. مناقشة هذا الدليل: أجيب عن هذا الاستدلال بما أجيب به عن الاستدلال بالأثر المروي عن عمر، وهو أن هذا قول صحابي، وقول الصحابي اختلف العلماء في الاحتجاج به، وإذا قيل إن عليا قال هذا بجمع من الصحابة ولم ينكر عليه أحد، فالجواب أيضًا كما سبق في الإجابة عن الاستدلال بالأثر المروي عن عمر أن الإنكار في المسائل الاجتهادية المختلف فيها لا يلزم المخالف. اختلفت الرواية عن الصحابة في هذا الشأن: وهذا بالإضافة إلى أنه قد اختلفت الرواية عن الصحابة في هذا الشأن، فقد روي أن امرأة رفعت إلى عمر بن الخطاب ليس لها زوج، وقد حملت، فسألها عمر، فقالت: إني امرأة ثقيلة الرأس، وقع علي رجل وأنا نائمة، فما استيقظت حتى فرغ، فدرأ عمر عنها الحد.

стр. 486

وروى البراء بن صبرة عن عمر، أنه أتي بامرأة حامل فادعت أنها أكرهت، فقال: خلوا سبيلها. وروي عن علي وابن عباس أنهما قالا: إذا كان في الحد لعل وعسى فهو معطل، وروى الدارقطني بإسناده، عن عبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وعقبة بن عامر أنهم قالوا: إذا اشتبه عليك الحد فادرأ ما استطعت١. ويضاف إلى ما ذكر أيضًا أن إثبات الحدود بالقياس ليس محل اتفاق بين العلماء. ثالثا: ما روي عن علقمة بن وائل الكندي عن أبيه، أن امرأة خرجت على عهد رسول الله ﷺ تريد الصلاة، فتلقاها رجل، فتجللها٢ فقضى حاجته منها، فصاحت، فانطلق ومر عليها رجل فقالت إن ذاك الرجل فعل بي كذا وكذا، ومرت بعصابة "أي: جماعة" من المهاجرين فقالت: إن ذاك الرجل فعل بي كذا وكذا، فانطلقوا، فأخذوا الرجل الذي ظنت أنه وقع عليها، وأتوها به فقالت: نعم هو هذا، فأتوا به رسول الله ﷺ ، فلما أمر به ليرجم قام صاحبها الذي وقع عليها فقال: يا سول الله أنا صاحبها، فقال لها: "اذهبي فقد غفر الله لك"، وقال للرجل قولا حسنا، وقال للرجل الذي وقع عليها "ارجموه"، وقال: "لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم" ٣.

стр. 487

وجه الاستدلال بهذا الحديث أن رسول الله ﷺ أمر برجم الذي أغاث المرأة بدون شهادة على الزنا أو الإقرار به، وإنما بناء على القرينة الظاهرة، وهي أنهم أدركوه يشتد هربا كما جاء في بعض الروايات أن القوم أخبروا أنهم أدركوه وهو يشتد، ففي سنن النسائي من حديث سماك، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، أن امرأة وقع عليها في سواد الصبح وهي تعمد إلى المسجد بمكروه على نفسها، فاستغاثت برجل مر عليها، وفر صاحبها، ثم مر عليها ذوو عدد فاستغاثت بهم، فأدركوا الرجل الذي كانت استغاثت به فأخذوه، وسبقهم الآخر، فجاءوا به يقودونه إليها، فقال: أنا الذي أغثتك. وقد ذهب الآخر، قال: فأتوا به النبي ﷺ ، فأخبرته أنه الذي وقع عليها، وأخبر القوم أنهم أدركوه يشتد، فقال: إنما كنت أغثتها على صاحبها فأدركني هؤلاء فأخذوني، فقالت: كذب، هو الذي وقع علي، فقال النبي ﷺ : "انطلقوا به فارجموه" فقام رجل من الناس، فقال: لا ترجموه وارجموني، فأنا الذي فعلت بها الفعل، فاعترف، فاجتمع ثلاثة عند رسول الله ﷺ ، الذي وقع عليها، والذي أغاثها والمرأة، فقال: "أما أنت فقد غفر لك"، وقال للذي أغاثها قولا حسنا، فقال عمر: ارجم الذي اعترف بالزنا، فأبى رسول الله ﷺ فقال: "لأنه قد تاب إلى الله" ١. فالرسول ﷺ أمر برجم الذي أغاث المرأة بدون شهادة تثبت زنا الرجل بالمرأة، أو حدوث إقرار منه، وإنما بناء على القرينة الظاهرة، وهي

стр. 488

أن جماعة الرجال أخبروا أنهم أدركوه يشتد، وقول المرأة المعتدى عليها أنه هو هذا الذي فعل بها، وهذا يدل على أن القرينة يعتمد عليها في إثبات جريمة الزنا وإقامة الحد، ويقاس على ذلك سائر الحدود. مناقشة هذا الدليل: أجيب عن هذا الحديث بأنه مضطرب في متنه، فبعض الروايات صرحت بأنه امتنع عن رجم الذي اعترف بالزنا لتوبته، وبعضها صريحة في رجمه، وهذا يورث ضعفا في الحديث فلا يجوز الاستدلال به. رد القائلين بالقرائن في الحدود: رد القائلون بأن القرائن وسيلة إثبات في الحدود على هذه الإجابة بأن الاضطراب الواقع في الحديث ليس في الأمر برجم الذي أغاثها, وإنما هو في رجم الذي ارتكب جريمة الزنا معها، ومحط استدلالنا إنما هو في رجم الذي أغاثها بناء على القرينة التي هي شواهد الحال من القبض على المغيث وهو يجري، وإصرار المرأة على أنه هو الذي وقع عليها، وهذا القدر قد اتفقت عليه رواية الترمذي وغيره، وبهذا يثبت عدم الاضطراب فيها فتكون صالحة للاستدلال بها. رد الجمهور: رد المؤيدون لرأي الجمهور بأن الخلاف في متن الحديث أورث شبهة الضعف فلا يصح أن يستدل بحديث مختلف في متنه١.

стр. 489

رابعا: ما رواه حصين بن المنذر قال: "شهدت عثمان بن عفان أتى بالوليد قد صلى الصبح ركعتين، ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان أحدهما حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيؤها، فقال عثمان: إنه لم يتقيأها حتى شربها، فقال: يا علي قم فاجلده، فقال علي: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن: ول حارها من تولى قارها١، فكأنه وجد عليه، فقال: يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده، وعلي يعد حتى بلغ أربعين فقال: أمسك، ثم قال: جلد النبي ﷺ أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي" رواه مسلم٢. وجه الاستدلال بهذا الحديث أن تقايؤ الخمر قرينة على شربها، وقد أمر عثمان بجلد الوليد بناء على شهادة واحد بأنه شربها، وشهادة آخر أنه رآه يتقايؤها، وبين أن التقايؤ يدل على الشرب، وقد وقع ذلك بجمع من الصحابة ولم ينكر عليه أحد، فدل هذا على أن القرينة يؤخذ بها في إثبات حد الخمر. مناقشة هذا الدليل: أجيب عن هذا بأن التقايؤ لا يكفي في ثبوت حد الشرب، لإمكان أن يكون المتقيئ لها مكرها على شربها، أو شربها وهو لا يعلم أنها خمر، أو نحو ذلك٣. ويمكن أيضًا أن يقال إن القرينة هنا قوت الشاهد فجاز الحكم بها، كما جاز

стр. 490

الحكم بالشاهد واليمين. خامسا: ما رواه السائب بن يزيد "أن عمر خرج عليهم فقال: إني وجدت من فلان ريح شراب، فزعم أنه شرب الطلاء١، وإني سائل عما شرب، فإن كان مسكرا جلدته، فجلده عمر الحد تاما، رواه النسائي والدارقطني٢. وجه الاستدلال أن ريح الخمر قرينة على شربها، وقد حكم عمر بجلد من وجد منه ريح الشراب، فدل ذلك على أن القرينة وسيلة من وسائل إثبات حد الشرب. مناقشة هذا الدليل: نوقش هذا بأنه يمكن أن يقال أن عمر جلده؛ لأنه اعترف بأنه شرب الطلاء، وليس لوجود الرائحة٣. سادسا: ما رواه علقمة قال: كنت بحمص، فقرأ ابن مسعود سورة يوسف، فقال رجل: ما هكذا أنزلت، فقال عبد الله: والله لقرأتها على رسول الله ﷺ ، فقال: "أحسنت" فبينما هو يكلمه إذ وجد منه ريح الخمر، فقال: أتشرب الخمر وتكذب بالكتاب؟ فضربه الحد. متفق عليه٤.

стр. 491

وجه الاستدلال بهذا الأثر أن ريح الخمر قرينة على شربها، وقد أقام عبد الله بن مسعود حد الشرب على من وجد منه ريحها، فدل ذلك على أن القرينة وسيلة من وسائل إثبات الحدود. مناقشة هذا الدليل: نوقش هذا الاستدلال بأنه يمكن أن يقال إن القرينة هنا وصلت إلى درجة من القوة بحيث يقطع معها بنفي الاحتمال، وهي هذيان الرجل وتخليطه حيث كذب بكتاب الله . أدلة القائلين بعدم العمل بالقرائن في الحدود: أولا: ما رواه ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمت فلانة، فقد ظهر منها الريبة في منطقها، وهيئتها، ومن يدخل عليها" ١. وجه الدلالة من هذا الحديث أن القرينة لو كانت وسيلة تثبت الحد لأقام الرسول ﷺ حد الزنا على هذه المرأة التي ظهر من حالها قرائن تفيد وقوع الزنا منها، لكنه -صلى الله عله وسلم- لم يفعل هذا، ويقاس على ذلك كل حد لعدم الفارق بين حد الزنا وسائر الحدود. مناقشة هذا الدليل: أجيب عن هذا الدليل -كما سبق- بأن الرسول ﷺ لم يقم حد الزنا على هذه المرأة لضعف القرائن التي ظهرت من حالها، فهي ليست قرائن قوية في دلالتها كوجود الحمل مثلا لكي يحكم عليها بحد الزنا، وضعف

стр. 492

القرائن يدرأ الحد؛ لأن القاعدة الشرعية أن الحدود تدرأ بالشبهات١. ثانيا: ما رواه ابن عباس قال: شرب رجل فسكر، فلقي يميل في الفج٢، فانطلق به إلى النبي ﷺ ، فلما حاذى بدار العباس انفلت فدخل على العباس فالتزمه، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فضحك وقال: "أفعلها؟ ولم يأمر فيه بشيء". رواه أحمد وأبو داود٣. وجه الاستدلال بهذا الحديث أن السكر قرينة تدل على شرب الخمر، ومع وجود هذه القرينة فإن الرسول ﷺ لم يأمر بجلد السكران فدل هذا على عدم العمل بالقرينة في حد الشرب، ومثله سائر الحدود. مناقشة هذا الدليل: أجيب عن هذا بأن رسول الله ﷺ لم يقم حد الشرب على هذا الرجل؛ لأنه لم يحدث منه إقرار أمامه، ولا شهد عليه أحد بأنه رآه يشرب الخمر؛ ولأنه تشفع بالعباس عم رسول الله ﷺ قبل أن يصل أمره إلى الحاكم وهو الرسول ﷺ . ثالثا: ما روي عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن

стр. 493

الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة" رواه الترمذي١ والحديث وإن كان فيه مقال إلا أنه روي من طرق أخرى تعضده موقوفا ومرفوعا، فيكون صالحا للاحتجاج به على أن الحدود تدرأ بالشبهات المحتملة لا بمطلق الشبهة، بالإضافة إلى أن العلماء تلقوه بالقبول، وهذا يعتبر تصحيحا له. ووجه الاستدلال أن الرسول ﷺ ، كما في هذا الحديث أمر بدرء الحدود بالشبهات المحتملة، والقرائن مبنية على الشبهة، فدل هذا على عدم اعتبار القرائن في الحدود٢. رابعا: إقامة الحد إضرار بمن لا يجوز الإضرار به، وهو قبيح من الناحية العقلية والشرعية، فلا يحوز منه إلا ما أجازه الشارع كالحدود والقصاص وما أشبه ذلك بعد حصول اليقين؛ لأن مجرد الحدس، والتهمة، والشك، مظنة للخطأ والغلط، وما كان كذلك فلا يستباح به تأليم المسلم وإضراره بلا خلاف٣. ومما سبق يغلب على الظن عدم العمل بالقرائن في الحدود، ومن أقوى الأدلة على ذلك أن القرينة مبنية على الشبهة والحدود تدرأ بالشبهات.

стр. 494

آراء الفقهاء في العمل بالقرينة في القصاص: إذا وجدت آثار دماء على ملابس المتهم في جريمة القتل، وظهر من التحليل المعملي أن هذا الدم من فصيلة دم القتيل، أو وجدت بصمة المتهم على السلاح المستعمل في جريمة القتل، أو تعرف الكلب البوليسي على المتهم فأخرجه من وسط مجموعة من الناس بعد شم أثر من آثار القتيل، أو ثبت بالتسجيل الصوتي أن المتهم قد اعترف بقتل المجني عليه، فهل يجيز هذا للقاضي أن يحكم بالقصاص على المتهم بناء على أي قرينة من هذه القرائن وما شابهها؟ يرى بعض الفقهاء أنه يؤخذ بالقرائن -إذا كانت قوية الدلالة بحيث تقارب اليقين- في إثبات جريمة القتل بدون احتياج إلى القسامة١، وأما إذا كانت القرائن ضعيفة فإنه يعمل بالقسامة. ويرى آخرون عدم جواز العمل بالقرائن في إثبات جرائم القتل, ولو كانت القرائن قوية الدلالة بحيث تقارب اليقين، بل يلجأ إلى القسامة وموجبها في صورة معينة٢. وممن يرى أن القرائن تصلح وسيلة من وسائل إثبات القصاص ابن الغرس من الحنفية٣, وابن فرحون من المالكية٤، وابن القيم الفقيه الحنبلي

стр. 495

المشهور١. ونقل الحنفية عن أبي حنيفة ﵁ أنه يرى أن النكول عن اليمين قرينة يؤخذ بها في دعوى القصاص في الأطراف، فيقضي القاضي بالقصاص في العمد في الأطراف عند نكول المدعى عليه عن اليمين، ويقضي بالدية في الخطأ، وأما صاحباه أبو يوسف ومحمد فيريان أنه في حالة النكول لا يقضي بالقصاص في النفس والطرف جميعا، ولكن يقضي بالأرش "التعويض" والدية، سواء أكانت الدعوى في القصاص في النفس أم في الأطراف٢. ويرى جمهور العلماء أن القرائن ليست وسيلة إثبات في القصاص ولو كانت قوية الدلالة وقاربت اليقين، والواجب حينئذ هو القسامة وموجبها في صورة معينة٣. أدلة القائلين بإثبات القصاص بالقرينة: أولا: استدل هؤلاء بالأدلة التي استدلوا بها على أن القرينة وسيلة من وسائل الإثبات، وقالوا في توجيه الاستدلال بها أن هذه الأدلة عامة في جميع الحقوق فتشمل الحدود والقصاص.
следующие страницы →