وجه الاستدلال بهذا الأثر أن ريح الخمر قرينة على شربها، وقد أقام عبد الله بن مسعود حد الشرب على من وجد منه ريحها، فدل ذلك على أن القرينة وسيلة من وسائل إثبات الحدود.
مناقشة هذا الدليل:
نوقش هذا الاستدلال بأنه يمكن أن يقال إن القرينة هنا وصلت إلى درجة من القوة بحيث يقطع معها بنفي الاحتمال، وهي هذيان الرجل وتخليطه حيث كذب بكتاب الله .
أدلة القائلين بعدم العمل بالقرائن في الحدود:
أولا: ما رواه ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمت فلانة، فقد ظهر منها الريبة في منطقها، وهيئتها، ومن يدخل عليها" ١.
وجه الدلالة من هذا الحديث أن القرينة لو كانت وسيلة تثبت الحد لأقام الرسول ﷺ حد الزنا على هذه المرأة التي ظهر من حالها قرائن تفيد وقوع الزنا منها، لكنه -صلى الله عله وسلم- لم يفعل هذا، ويقاس على ذلك كل حد لعدم الفارق بين حد الزنا وسائر الحدود.
مناقشة هذا الدليل:
أجيب عن هذا الدليل -كما سبق- بأن الرسول ﷺ لم يقم حد الزنا على هذه المرأة لضعف القرائن التي ظهرت من حالها، فهي ليست قرائن قوية في دلالتها كوجود الحمل مثلا لكي يحكم عليها بحد الزنا، وضعف
стр. 492
القرائن يدرأ الحد؛ لأن القاعدة الشرعية أن الحدود تدرأ بالشبهات١.
ثانيا: ما رواه ابن عباس قال: شرب رجل فسكر، فلقي يميل في الفج٢، فانطلق به إلى النبي ﷺ ، فلما حاذى بدار العباس انفلت فدخل على العباس فالتزمه، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فضحك وقال: "أفعلها؟ ولم يأمر فيه بشيء". رواه أحمد وأبو داود٣.
وجه الاستدلال بهذا الحديث أن السكر قرينة تدل على شرب الخمر، ومع وجود هذه القرينة فإن الرسول ﷺ لم يأمر بجلد السكران فدل هذا على عدم العمل بالقرينة في حد الشرب، ومثله سائر الحدود.
مناقشة هذا الدليل:
أجيب عن هذا بأن رسول الله ﷺ لم يقم حد الشرب على هذا الرجل؛ لأنه لم يحدث منه إقرار أمامه، ولا شهد عليه أحد بأنه رآه يشرب الخمر؛ ولأنه تشفع بالعباس عم رسول الله ﷺ قبل أن يصل أمره إلى الحاكم وهو الرسول ﷺ .
ثالثا: ما روي عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن
стр. 493
الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة" رواه الترمذي١ والحديث وإن كان فيه مقال إلا أنه روي من طرق أخرى تعضده موقوفا ومرفوعا، فيكون صالحا للاحتجاج به على أن الحدود تدرأ بالشبهات المحتملة لا بمطلق الشبهة، بالإضافة إلى أن العلماء تلقوه بالقبول، وهذا يعتبر تصحيحا له.
ووجه الاستدلال أن الرسول ﷺ ، كما في هذا الحديث أمر بدرء الحدود بالشبهات المحتملة، والقرائن مبنية على الشبهة، فدل هذا على عدم اعتبار القرائن في الحدود٢.
رابعا: إقامة الحد إضرار بمن لا يجوز الإضرار به، وهو قبيح من الناحية العقلية والشرعية، فلا يحوز منه إلا ما أجازه الشارع كالحدود والقصاص وما أشبه ذلك بعد حصول اليقين؛ لأن مجرد الحدس، والتهمة، والشك، مظنة للخطأ والغلط، وما كان كذلك فلا يستباح به تأليم المسلم وإضراره بلا خلاف٣.
ومما سبق يغلب على الظن عدم العمل بالقرائن في الحدود، ومن أقوى الأدلة على ذلك أن القرينة مبنية على الشبهة والحدود تدرأ بالشبهات.
стр. 494
آراء الفقهاء في العمل بالقرينة في القصاص:
إذا وجدت آثار دماء على ملابس المتهم في جريمة القتل، وظهر من التحليل المعملي أن هذا الدم من فصيلة دم القتيل، أو وجدت بصمة المتهم على السلاح المستعمل في جريمة القتل، أو تعرف الكلب البوليسي على المتهم فأخرجه من وسط مجموعة من الناس بعد شم أثر من آثار القتيل، أو ثبت بالتسجيل الصوتي أن المتهم قد اعترف بقتل المجني عليه، فهل يجيز هذا للقاضي أن يحكم بالقصاص على المتهم بناء على أي قرينة من هذه القرائن وما شابهها؟
يرى بعض الفقهاء أنه يؤخذ بالقرائن -إذا كانت قوية الدلالة بحيث تقارب اليقين- في إثبات جريمة القتل بدون احتياج إلى القسامة١، وأما إذا كانت القرائن ضعيفة فإنه يعمل بالقسامة.
ويرى آخرون عدم جواز العمل بالقرائن في إثبات جرائم القتل, ولو كانت القرائن قوية الدلالة بحيث تقارب اليقين، بل يلجأ إلى القسامة وموجبها في صورة معينة٢.
وممن يرى أن القرائن تصلح وسيلة من وسائل إثبات القصاص ابن الغرس من الحنفية٣, وابن فرحون من المالكية٤، وابن القيم الفقيه الحنبلي
стр. 495
المشهور١.
ونقل الحنفية عن أبي حنيفة ﵁ أنه يرى أن النكول عن اليمين قرينة يؤخذ بها في دعوى القصاص في الأطراف، فيقضي القاضي بالقصاص في العمد في الأطراف عند نكول المدعى عليه عن اليمين، ويقضي بالدية في الخطأ، وأما صاحباه أبو يوسف ومحمد فيريان أنه في حالة النكول لا يقضي بالقصاص في النفس والطرف جميعا، ولكن يقضي بالأرش "التعويض" والدية، سواء أكانت الدعوى في القصاص في النفس أم في الأطراف٢.
ويرى جمهور العلماء أن القرائن ليست وسيلة إثبات في القصاص ولو كانت قوية الدلالة وقاربت اليقين، والواجب حينئذ هو القسامة وموجبها في صورة معينة٣.
أدلة القائلين بإثبات القصاص بالقرينة:
أولا: استدل هؤلاء بالأدلة التي استدلوا بها على أن القرينة وسيلة من وسائل الإثبات، وقالوا في توجيه الاستدلال بها أن هذه الأدلة عامة في جميع الحقوق فتشمل الحدود والقصاص.
стр. 496
مناقشة ما استدلوا به: أجيب عن هذا بما يلي:
١- لا يوجد في هذه الأدلة التي استدللتم بها على العمل بالقرائن ما يدل على أنها عامة حتى تشمل القصاص.
٢- القرائن في قضايا الدماء يكتنفها من الغموض والاحتمالات ما لا يكتنف غيرها، فالقرينة القوية في دلالتها قد تفيد القتل، لكنها لا تفيدنا ما إذا كان القتل عمدا أو شبه عمد، أو خطأ، مع أن هذه الأنواع الثلاثة مختلفة في أحكامها، بل لو سلمنا أنها تفيدنا أن القتل كان عمدا فإنها لا تفيدنا هل كان القتل دفاعا عن النفس، أو العرض، أو المال، أو كان غيلة وظلما، إلى غير ذلك من الاحتمالات، وعلى هذا فلا تصلح أن تكون وسيلة إثبات في القصاص؛ لأنه كالحدود يدرأ بالشبهات.
ثانيا: النكول عن اليمين في جرائم الاعتداء على الأطراف دليل على أن الناكل إما مقر بالجريمة، أو باذل، أي: سمحت نفسه وأباح جسمه للعقوبة، وإلا لحلف قياما بالواجب عليه ودفعا للضرر عن نفسه.
مناقشة هذا الدليل:
أجيب عن هذا الدليل بأن القضاء بالنكول في مسائل الدماء قضاء بقرينة ضعيفة؛ لأنه كما يحتمل أن يكون المدعى عليه قد امتنع عن اليمين احترازا عن اليمين الكاذبة، يحتمل أن يكون امتناعه تورعا عن اليمين الصادقة، ويحتمل أيضًا أن يكون بسبب الاشتباه، والقضاء بالقرينة وبخاصة الضعيفة لا يجوز في مسائل الدماء؛ لأنه يجب الاحتياط فيها أكثر من غيرها١.
стр. 497
أدلة المانعين لإثبات القصاص بالقرينة:
أولا: ما روي عن سهل بن أبي حثمة قال: انطلق عبد الله بن سهل، ومحيصة بن مسعود إلى خيبر وهو يومئذ صلح، فتفرقا، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشخط في دمه قتيلا، فدفنه، ثم قدم المدينة، فانطلق عبد الرحمن بن سهل، ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي ﷺ فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال الرسول ﷺ : "كبر، كبر" ١، وهو أحدث القوم، فتكلما، قال: "أتحلفون وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم"؟ , فقالوا: وكيف نحلف ولم نشهد٢، ولم نر؟ قال: "فتبرئكم يهود بخمسين يمينا"، فقالوا: كيف نأخذ أيمان قوم كفار؟ فعقله٣ النبي ﷺ من عنده٤.
وفي رواية متفق عليها: فقال لهم: "تأتون بالبينة على من قتله"؟ , قالوا: ما لنا من بينة، قال: فيحلفون، قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكره رسول الله ﷺ أن يبطل دمه، فوداه٥ بمائة من إبل الصدقة٦.
وجه الاستدلال بهذا الحديث أنه دل على أن دعوى القتل لا تثبت إلا بشاهدين أو بالقسامة إذا لم يوجد الشاهدان، وهذا ينفي أن القرينة وسيلة إثبات فيها.
стр. 498
مناقشة هذا الدليل:
أجيب عن هذا الدليل بأن الحديث لا يوجد فيه دليل على الاقتصار على الشاهدين في إثبات دعاوى القتل، وعلى هذا فلا يكون الحديث دالا على عدم اعتبار القرينة وسيلة من وسائل الإثبات.
ثانيا: الاحتياط في الدماء مثل الاحتياط في الحدود بل أكثر منها وأولى، ولما كانت القرائن في الدماء في كثير من الحالات يكتنفها الغموض والإبهام، فإن هذا يعد شبهة يجب أن تكون دارئة للقصاص؛ لأنه يدرأ بالشبهات كما تدرأ بها الحدود١.
الرأي الراجح:
يغلب على الظن أن ما يراه الجمهور -وهو عدم القضاء بالقرينة في القصاص- هو الرأي الراجح، وأقوى ما يسند هذا الرأي هو أن القرينة في كثير من الحالات يكتنفها الغموض والإبهام، وهذا شبهة والقصاص يدرأ بالشبهات، وهذا دليل قوي، وأما ما استند إليه القائلون بأن القرينة تصلح أن تكون وسيلة إثبات في القصاص، فقد ضعف من قبل المخالفين، ولكن ينبغي أن نذكر ما قاله بعض العلماء المعاصرين, وهو أنه إذا كانت القرينة قاطعة بحيث لا تكون محتملة لأدنى شك، فإنها تكون وسيلة إثبات في جرائم القتل كما لو وجدت بصمات المتهم على السكين التي تمت بها جريمة القتل لكن بشرط، وهو إذا لم يستطع المتهم أن يضعف من دلالة هذه القرينة فيورث شبهة تنقذه من عقوبة القصاص، لكن هذا الرأي محل نظر.
стр. 499
عمل فقهاء المذاهب الأربعة بالحكم بالقرائن:
يجب أن نذكر في ختام الكلام عن القرينة وآراء العلماء فيها من حيث كونها وسيلة إثبات أم لا، أن الفقهاء من المذاهب الفقهية الأربعة عملوا بالقرائن في مسائل كثيرة، وإليك بعضا من هذه المسائل:
المسألة الأولى: يرى الفقهاء جميعا جواز اتصال الرجل جنسيا بالمرأة التي أهديت إليه ليلة الزفاف, إذا كان لا يعرفها وإن لم يشهد عنده عدلان من الرجال أن هذه فلانة بنت فلان التي عقد عليها، وإن لم يستنطق النساء أن هذه زوجته، وذلك اعتمادا على القرينة الظاهرة المنزلة منزلة الشهادة، وممن بيّن ذلك الشافعية في كتبهم، فنجد الرملي أحد فقهاء الشافعية يبين في مجال الكلام عن شروط الشاهد أنه يشترط فيه الإبصار فلا تقبل شهادة الأعمى لا على فعل كالزنا، والغصب والرضاع والولادة والإتلاف، ولا على قول كالعقود والفسوخ لانسداد طريق المعرفة مع اشتباه الأصوات وإمكان التصنع فيها، ثم يبين جواز وطء الأعمى لزوجته اعتمادًا على قرينة. فيقول: "وإنما جاز له وطء زوجته اعتمادا على صوتها لكونه أخف، ولذا نص الشافعي على حل وطئها اعتمادا على لمس علامة يعرفها فيها، وإن لم يسمع صوتها، وعلى أن من زفت له زوجته أن يعتمد قول امرأة: هذ زوجتك، ويطؤها. بل ظاهر كلامهم جواز اعتماده على قرينة قوية أنها زوجته وإن لم يخبره أحد بذلك"١.
الثانية: جواز الاعتماد على قول الصبيان المرسل معهم بالهدايا، وأنها مرسلة إليهم، فتقبل أقوالهم ويجوز أكل الطعام المرسل به.
стр. 500
الثالثة: جواز أخذ ما يسقط من الإنسان إذا لم يعرف صاحبه مما لا يتبعه الإنسان، كالفلس، والثمرة ونحو ذلك.
الرابعة: جواز أخذ ما يبقى في البساتين والمزارع من الثمار والحب بعد انتقال أهله عنه، وتخليته، وتسييبه.
الخامسة: جواز أخذ ما يسقط من الحب عند الحصاد مما لا يعتني صاحب الزرع بلقطه.
السادسة: يجوز للضيف أن يقدم على الأكل إذا قدم له صاحب المنزل الطعام, وإن لم يأذن له باللفظ، إذا علم أن صاحب الطعام قدمه له خاصة، وليس هناك غائب ينتظر حضوره، اعتبارا بدلالة الحال الجارية مجرى القطع.
السابعة: القضاء بالنكول "الامتناع عن اليمين"، واعتباره في الأحكام، وليس إلا رجوعا إلى مجرد القرينة الظاهرة، فقدمت على أصل براءة الذمة١.
الثامنة: إذا تنازع الزوجان في متاع البيت، ولا توجد بينة فجمهور الفقهاء يرون أن للرجل ما يعرف للرجال وللمرأة ما يعرف للنساء٢.
التاسعة: جواز شهادة الشاهد على القتل الموجب للقصاص أنه قتله عمدا عدوانا، والعمدية صفة تقوم بالقلب، فجاز للشاهد أن يشهد بها اكتفاء بالقرينة
стр. 501
الظاهرة١.
العاشرة: إقرار المريض لوارث أو صديق ملاطف لا يقبل عند المالكية لقيام قرينة التهمة في قصده نفع الوارث، أو إيصال ذلك لبعض الورثة على يد صديقه.
الحادية عشرة: إذا ادعت الزوجة أن زوجها لم يكن ينفق عليها فيما مضى من الزمان وهما في بيت واحد، فلا يقبل قولها عند مالك، وأحمد؛ لأن وجودهما في بيت واحد قرينة دالة على كذبها.
الثانية عشرة: انعقاد التبايع بالمعاطاة من غير لفظ، اكتفاء بالقرائن والأمارات الدالة على الرضا، قال بهذا المالكية والحنابلة وقال به أيضًا الحنفية، وإن خالف القدوري من علمائهم فذكر أن التعاطي يجوز في الأشياء الخسيسة كالرغيف، والبيضة، ولا يجوز في الأشياء النفيسة، قال صاحب البدائع معقبا على ما ذكره القدوري: ورواية الجواز في الأصل مطلق عن هذا التفصيل وهي الصحيحة٢. وخالفهم الشافعي ﵁ في ذلك، لكن جماعة من الشافعية منهم النووي، والبغوي، والمتولي اختاروا صحة البيع بالمعاطاة في كل ما يعده الناس بيعا، ويرى ابن سريج والروياني من فقهاء الشافعية جواز البيع بالمعاطاة في الأشياء غير النفيسة، وهي التي جرت عادة الناس فيها بالمعاطاة، كشراء رغيف، أو حزمة بقل ونحوهما٣.
стр. 502
الثالثة عشرة: يرى الحنابلة وبعض المالكية أنه يجوز للرجل أن يلاعن امرأته، فيشهد عليها بالزنا توكيدا لشهادته باليمين، إذا رأى رجل يعرف بالفجور يدخل إليها, ويخرج من عندها نظرا إلى الأمارات والقرائن الظاهرة١.
ثم أما بعد، فإنه إذا كانت القرينة تصلح أن تكون وسيلة إثبات لحكم معين في بعض الأمور، فإن الفراسة لا تصلح أن تكون أساسًا للحكم، وجمهور العلماء على منع القضاء بالفراسة؛ لأن القضاء لا بد أن يعتمد على الأدلة الظاهرة الواضحة، والحكم بالفراسة ما هو إلا اعتماد على فكرة وجدت في نفس الإنسان، وقد تكون هذه الفكرة صحيحة، وقد تكون خطأ؛ لأنها لم تبن إلا على الظن والتخمين، والظن كما أنه قد يصيب في بعض الأحيان فإنه كثيرا ما يخطئ، فيؤدي ذلك إلى القضاء بالظلم٢.
قال ابن العربي: "الفراسة لا يترتب عليها حكم"، وقال: "إن مدارك الأحكام معلومة شرعا مدركة قطعا، وليس الفراسة منها".
وقال ابن فرحون: الحكم بالفراسة مثل الحكم بالظن والحزر، والتخمين، وذلك فسق وجور من الحاكم، والظن يخطئ ويصيب٣.
стр. 503
الوسيلة التاسعة من وسائل الإثبات: القرعة
يبين العلماء أن القرعة من طرق الأحكام، قال بذلك الأئمة الأربعة, ويؤيد هذا الرأي أن الله ﵎ أخبر بها عن أنبيائه، مقررا لحكمها، غير ذام لها، وفعلها رسول الله ﷺ ، وأصحابه من بعده، قال : ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ١، قال قتادة: كانت مريم ابنة إمامهم وسيدهم، فتشاح عليها بنو إسرائيل، فاقترعوا عليها بسهامهم، أيهم يكفلها، فقرع زكريا وكان زوج أختها، فضمها إليه.
وقال ﵎: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ، فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ ٢، أي: فقارع فكان من المغلوبين، أي: وقعت القرعة عليه.
فهذا هو شرع من قبلنا، وشرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يوجد في شريعتنا ما يلغيه٣.
وإذا انتقلنا إلى السنة وجدنا فيها ما يؤكد ذلك أيضًا، ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لو يعلم
стр. 504
الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا".
وفي الصحيحين عن عائشة -رضي الله تعالى عنها: أن النبي ﷺ كان إذا أراد سفرا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه".
وفي الصحيحين عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أم سلمة قالت: أتى رسول الله ﷺ رجلان يختصمان في مواريث لهما، لم تكن لهما إلا دعواهما، فقال: "إنما أنا بشر, وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن ١ بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا، فإنما أقطع له قطعة من النار" ورواه أبو داود في السنن، وفيه: فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما حقي لك، فقال لهما النبي ﷺ : "أما ٢ إذ فعلتما ما فعلتما، فاقتسما وتوخيا الحق ٣، ثم استهما ٤، ثم تحالا".
فالسنة إذن قد جاءت بالقرعة، كما جاء بها القرآن الكريم، وفعلها أصحاب رسول الله ﷺ ، قال البخاري في صحيحه: "ويذكر أن قوما
стр. 505
اختلفوا في الأذان، فأقرع بينهم سعد"١.
حجة المبطلين للقرعة:
خالف البعض فلم يعدوا القرعة طريقا من طرق الأحكام، وقلوا إن القرعة قمار وميسر، وقد حرمه الله في سورة المائدة وهي من أواخر القرآن نزولا، وإنما كانت مشروعة قبل ذلك.
مناقشة هذا الدليل:
نجيب عن هذا بأن الله ورسوله شرعا القرعة، فأخبر الله عن أنبيائه مقررا لحكمها غير ذام لها، وفعلها رسول الله ﷺ وأصحابه عن بعده، وقد صانهم الله عن القمار بكل طريق، فلم يبح الله لعباده القمار قط، ولا جاء به نبي أصلا٢.
موضع القرعة:
قال العلماء: متى تعينت المصلحة أو الحق في جهة فلا يجوز الإقراع بينه وبين غيره؛ لأن القرعة حينئذ ضياع ذلك الحق المعين والمصلحة المتعينة، ومتى تساوت الحقوق والمصالح فهذا هو موضع القرعة عند التنازع دفعا للضغائن والأحقاد، والرضا بما جرت به الأقدار٣.
стр. 506
الوسيلة العاشرة: فضاء القاضي بعلمه أو بخلاف علمه
...
الوسيلة العاشرة: قضاء القاضي بعلمه أو بخلاف علمه
هنا مسألتان: قضاء القاضي بخلاف علمه، وقضاء القاضي بعلمه، فأما المسألة الأولى وهي قضاؤه بخلاف علمه، كما لو شهد شاهدان بزوجية بين اثنين, وهو يعلم أن بينهما محرمية برضاع مثلا, أو طلاقا بائنا، فقد نقل الإمام النووي إجماع العلماء على عدم جواز قضاء القاضي بخلاف علمه، فلا يقضي بالبينة "الشهود" في ذلك؛ لأنه لو قضى بها لكان قاطعا ببطلان حكمه بها حينئذ، والحكم بالباطل حرام، وإن كان بعض فقهاء الشافعية قد اعترض على النووي في دعواه الإجماع برأي لبعض الفقهاء من الشافعية حكاه الماوردي بأنه يحكم القاضي بالشهادة المخالفة علمه١.
وعلى هذا فالجمهور من فقهاء الشافعية -وليس كلهم- يرون عدم جواز قضاء القاضي بخلاف علمه، وخالف في هذا صاحب الرأي الذي حكاه الماوردي، ويرى الشافعية أنه كما لا يحكم بخلاف علمه في هذه الحال لا يحكم أيضًا بعلمه لمعارضة البينة "الشهود" له، مع عدالتها في الظاهر، بل يجب على القاضي أن يتوقف عن الحكم حتى يظهر فسق الشهود، فيحكم بعلمه أو نحو ذلك كرفع الدعوى إلى قاض آخر غيره٢.
وأما المسألة الثانية، وهي قضاؤه بعلمه٣ فسنفصل الكلام عنها بعض التفصيل فنقول:
стр. 507
اختلف علماؤنا -رضي الله تعالى عنهم- في قضاء القاضي بعلمه على عدة آراء نذكر ثلاثة منها:
أحدها: لا يجوز للقاضي أن يقضي بعلمه لا في الحدود ولا في غيرها، لا فيما علمه قبل توليته القضاء ولا بعده، وهذا ما يراه شريح، والشعبي، ومالك وأكثر أصحابه، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد، وهو قول للشافعي يعد غير قوي عند الشافعية، وهذا الرأي أيضًا ظاهر المذهب في فقه الحنابلة.
هذا، وقد نسب ابن قدامة -الفقيه الحنبلي المعروف- إلى محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة القول بأن القاضي لا يحكم بعلمه١، لكننا نجد الحنفية يصرحون في كتبهم بأن محمد بن الحسن يقول بأن القاضي له أن يحكم بعلمه في حقوق العباد، بل في الوقت الذي نرى فيه فقهاء الحنفية يحكون عن أبي حنيفة -رضي الله تعالى عنه- أنه يشترط لقضاء القاضي بعلمه في حقوق العباد أن يكون ذلك في زمن ولايته، ومحلها، نراهم ينقلون عن صاحبيه أبي يوسف ومحمد بن الحسن أنهما يريان صحة قضاء القاضي بعلمه قبل ولايته، وفي غير محلها٢، والحنفية أدرى بآراء أئمتهم.
والرأي الثاني: يجوز للقاضي أن يقضي بعلمه، وهو ما يراه أبو ثور، وأبو يوسف والقول الراجح عند الشافعية للشافعي قال الربيع المرادي: كان الشافعي يرى القضاء بالعلم ولا يبوح به مخافة قضاة السوء، وقد حرر أصحاب الشافعي المذهب بأن القولين للشافعي في غير الحدود، وأما في الحدود فلا يجوز القضاء
стр. 508
بعلم القاضي بأسبابها قولا واحدا١، ويرى أحمد أيضًا في رواية ثانية عنه صحة قضاء القاضي بعلمه.
وقد اشترط فقهاء الشافعية أن يكون القاضي مجتهدا لكي يصح قضاؤه بعلمه، لا أن يكون قاضي ضرورة كما هو موجود الآن، ويبنوا أنه من المستحب أن يكون ظاهر التقوى والورع، واشترطوا أن يصرح القاضي بما استند إليه حتى ينفذ حكمه، فيقول: علمت أن له عليك ما ادعاه، وقضيت أو حكمت عليك بعلمي، واشترطوا أيضا أن يكون القضاء في غير عقوبة الله تعالى، وأن لا تقوم بينة "شهود" بخلافه، وإلا فلو قامت بينة بخلاف علمه، توقف عن الحكم كما سبق أن بينا، فلو شهد عنده شاهدان بزواج امرأة وهو يعلم بينونتها من زوجها فلا يحكم بالبينة, ولا يحكم كذلك بعلمه، بل يتوقف، فالشروط -إذن- عند الشافعية لقضاء القاضي بعلمه أربعة:
١- أن يكون القاضي مجتهدا فلو كان قاضي ضرورة امتنع عليه القضاء بعلمه، فلو قال: قضيت بحجة شرعية أوجبت الحكم بذلك، وطلب منه بيان مستنده لزمه أن يبين ما استند إليه، فإن امتنع قاضي الضرورة من ذلك فلا يعمل بقضائه٢.
٢- أن يكون القضاء في غير عقوبة الله تعالى.
٣- أن لا تقوم بينة بخلاف علمه.
стр. 509
٤- أن يصرح بمستنده، فيقول علمت أن له عليك ما ادعاه وقضيت أو حكمت عليك بعلمي.
الرأي الثالث: ما يراه أبو حنيفة، وهو أن ما كان من حقوق الله لا يحكم فيه بعلمه، كحد الزنا، وحد الخمر، وحد السرقة، وأما حقوق الآدميين كالدية وضمان المسروق، والزواج والطلاق وما يتعلق بهما، والبيع والهبة، ونحو ذلك، مما علمه قبيل ولايته، أو في غير محل ولايته لا يقضي به، وما علمه في زمن ولايته ومحلها قضى به١.
أدلة الرأي المانع لقضاء القاضي بعلمه:
أولا: ما روي عن أم سلمة أن النبي ﷺ قال: "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ٢ فأقضي بنحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار" ٣.
فدل هذا الحديث الشريف على أنه ﷺ ، إنما يقضي بما يسمع لا بما يعلم.
مناقشة هذا الدليل:
стр. 510
أجيب عن هذا بأن التنصيص على السماع، لا ينفي كون غيره طريقا للحكم، بل يمكن أن يقال إن هذا الحديث أظهر في الاحتجاج للقائلين بجواز قضاء القاضي بعلمه, فإن العلم أقوى من السماع؛ لأنه يمكن بطلان ما سمعه الإنسان ولا يمكن بطلان ما يعلمه١.
ثانيا: ما روته عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن النبي ﷺ بعث أبا جهم بن حذيفة مصدقا٢، فلاحاه رجل في صدقته، فضربه أبو جهم فشجه٣، فأتوا النبي ﷺ فقالوا: القود٤ يا رسول الله، فقال: "لكم كذا وكذا"، فلم يرضوا، فقال: "لكم كذا وكذا"، فرضوا، فقال: "إني خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم"، قالوا: نعم، فخطب فقال: "إن هؤلاء الذين أتوني يريدون القود فعرضت عليهم كذا وكذا فرضوا، أفرضيتم؟ قالوا: لا"، فهم المهاجرون بهم، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يكفوا عنهم، فكفوا، ثم دعاهم فزادهم، فقال: "أفرضيتم"؟ , قالوا: نعم، قال: "إني خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم"، قالوا: نعم، فخطب فقال: "أرضيتم"؟ , فقالوا: نعم. رواه الخمسة إلا الترمذي٥.
مناقشة هذا الدليل:
أجيب عن الاستدلال بهذا الحديث بأن ليس فيه إلا مجرد وقوع الإخبار من
стр. 511
الرسول ﷺ بما حصل به الرضا من المطالبين بالقصاص، وإن كان المانعون للقضاء بعلم القاضي قد احتجوا بعدم قضاء الرسول ﷺ على هؤلاء المطالبين بالقصاص بما رضوا به في المرة الأولى، فلم يكن هناك مطالب له بالحكم عليهم١.
ثالثا: ما روي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: لو رأيت حدا٢ على رجل لم أحد حتى تقوم البينة.
رابعا: قول الرسول ﷺ في قضية الحضرمي والكندي: "شاهداك أو يمينه" وفي لفظ: "ولس لك إلا ذلك" ٣.
مناقشة هذا الدليل:
أجيب عن هذا بأن التنصيص على ما ذكر لا ينفي ما عداه.
وأما قول الرسول ﷺ : $"وليس لك إلا ذلك" فلم يقله النبي ﷺ وقد علم بالمحق منهما من المبطل حتى يصح الاستدلال به على عدم قضاء القاضي بعلمه، بل المراد أنه ليس للمدعي تجاه المنكر إلا اليمين وإن كان فاجرا، إذا لم يكن للمدعي برهان٤.
خامسا: ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "لولا أن
стр. 512
يقول الناس زاد عمر آية في كتاب الله لكتبت آية الرجم".
فقول عمر: "لولا أن يقول الناس" إلى آخره إشارة إلى أن ذلك من قطع الذرائع، لئلا يجد حكام السوء السبيل إلى أن يدعوا العلم لمن أحبوا له الحكم بشيء١.
مناقشة هذا الدليل:
يمكن أن نجيب بأن مثل هذا لا يصح التسليم بروايته عن عمر، فمعنى هذا أن عمر كان يرى أن القرآن ينقصه آية يجب أن تكتب فيه، إلا أن تخوفه من كلام الناس واتهامه بأنه زاد آية في كتاب الله منعه من ذلك، وهذا كلام خطير جدا لا يصح التسليم بثبوته عن عمر أو غيره من صحابة رسول الله ﷺ ورضي عنهم، فنحن نؤمن والمسلمون جميعا يجب عليهم أن يؤمنوا بأنه لا يوجد في القرآن آية ناقصة؛ لأن الله ﵎ قد تكفل بحفظه، فقال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ فلو كان عمر يجد آية لكتبها، من غير تردد ولم يأبه لكلام الناس؛ لأن كلام الله لا يتوقف في إثباته على رضا أحد أو عدم رضاه.
ولعل مما يشير إلى ضعف هذا الأثر أن رواية البخاري عقوبة رجم الزاني المحصن عن عمر لم يرد فيها أن عمر امتنع عن كتابة آية الرجم خشية أن يقول الناس، زاد عمر آية في كتاب الله. فقد روى البخاري في باب الاعتراف بالزنا،
стр. 513
قال: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان١ عن الزهري عن عبيد الله٢، عن ابن عباس ﵄، قال: قال عمر: لقد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن، إذا قامت البينة، أو كان الحمل، أو الاعتراف٣.
أدلة الرأي القائل بصحة قضاء القاضي بعلمه:
أولا: حديث هند زوج أبي سفيان، لما قالت لرسول الله ﷺ : إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي، قال لها ﷺ : "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف".
ووجه الاستدلال أن رسول الله ﷺ قضى لها ولولدها من غير بينة ولا إقرار، لعلمه بصدقها.
مناقشة هذا الدليل:
أجيب عن هذا بأن الحديث لا يدل على جواز قضاء القاضي بعلمه؛ لأنه فتيا وليس حكما، وكلام المفتي يتنزل على تقدير صحة المستفتي، فيكون المعنى: إن صح كلام هند كان لها أن تأخذ من مال زوجها وولدها بالمعروف، والذي يدل على أن الحديث فتيا أن الرسول ﷺ قال ذلك في حق أبي سفيان
стр. 514
من غير حضوره، ولو كان حكما عليه، لاستدعاه ولم يحكم عليه في غيابه١.
ثانيا: ما رواه ابن عبد البر في كتابه أن عروة ومجاهدا رويا أن رجلا من بني مخزوم استعدى٢ عمر بن الخطاب على أبي سفيان بن حرب أنه ظلمه حدا في موضع كذا وكذا، وقال عمر: "إني لأعلم الناس بذلك، وربما لعبت أنا وأنت فيه ونحن غلمان، فائتني بأبي سفيان، فأتاه به، فقال له عمر: يا أبا سفيان انهض بنا إلى موضع كذا وكذا، فنهضوا، ونظر عمر وقال: يا أبا سفيان خذ هذا الحجر من هنا فضعه ههنا، فقال: والله لا أفعل، فقال: والله لتفعلن، فقال: والله لا أفعل، فعلاه بالدرة٣، وقال: خذه، لا أم لك فضعه هنا، فإنك -ما علمت- قديم الظلم، فأخذ أبو سفيان الحجر ووضعه حيث قال عمر، ثم إن عمر استقبل القبلة فقال: اللهم لك الحمد حيث لم تمتني حتى غلبت أبا سفيان على رأيه، وأذللته لي بالإسلام، فاستقبل القبلة أبو سفيان، وقال: اللهم لك الحمد إذ لم تمتني حتى جعلت في قلبي من الإسلام ما أذل به لعمر.
فهذا الأثر يبين أن عمر قد حكم بعلمه.
مناقشة هذا الدليل:
أجيب عن هذا بأن ما روي عن عمر كان إنكارا منه لمنكر رآه، ولم يكن حكما، يدل على ذلك أنه لم توجد من الطرفين دعوى وإنكار بشروطهما.
стр. 515
ثم لو فرضنا أن ذلك كان حكما من عمر فإنه يعارضه ما روي عن عمر أنه تداعى عنده رجلان، فقال له أحدهما: أنت شاهدي فقال: إن شئتما شهدت ولم أحكم، أو أحكم ولا أشهد١.
ثالثا: القاضي يحكم بالشاهدين؛ لأنهما يعطيانه ظنا غالبا بصحة ما شهدا به، فيكون ما تحققه القاضي وقطع به أولى بالحكم٢.
مناقشة هذا الدليل:
أجيب عن هذا بأن القضاء بالشاهدين لا يؤدى إلى تهمة بخلاف قضاء القاضي بعلمه فإنه يوجد تهمة، إذ لا يؤمن على التقي أن تتطرق إليه التهمة، فمن المحتمل أن يكون هذا وسيلة إلى أن توجه القاضي أهواؤه، فيحكم على من يشاء من غير بينة، ولا غيرها من الحجج٣.
رابعا: القاضي يحكم بعلمه في تعديل الشهود وجرحهم، فكذلك يحكم بعلمه في ثبوت الحق، قياسا عليه.
مناقشة هذا الدليل:
أجيب عن هذا بأن الجرح والتعديل يحكم القاضي فيه بعلمه باتفاق العلماء؛ لأنه لو لم يحكم فيه بعلمه لأدى هذا إلى التسلسل، والتسلسل باطل، وبيان التسلسل أن القاضي يحتاج إلى معرفة عدالة المزكيين وجرحهما، فإذا لم يعمل
стр. 516
بعلمه احتاج كل واحد منهما إلى مزكيين، ثم كل واحد من المزكيين الأخيرين، يحتاج أيضًا إلى مزكيين، وهكذا يحدث التسلسل وأما مسألتنا فبخلاف ذلك١.
التعليل لرأي أبى حنيفة:
أما جواز قضائه بما علمه من حقوق الآدميين في زمن ولايته ومحلها؛ فلأن علمه كشهادة الشاهدين بل هو أولى؛ لأن اليقين حاصل بما علمه بالمعاينة والسماع، والحاصل بالشهادة ليس إلا غلبة الظن.
وأما عدم جواز قضائه بما علمه قبل ولايته، أو في غير محله ولايته فلأنه قبل ولايته، وفي غير محل ولايته شاهد لا حاكم، وشهادة الفرد لا تقبل، وصار كما لو كان قد علم ذلك بالبينة العادلة ثم ولي القضاء فإنه لا يعمل بها.
وأما حقوق الله فلا يقضي فيها بعلمه؛ لأنه خصم فيها، فالحاكم نائب عن الله ﵎ في تنفيذ حقوقه عز وجل٢.
دليل من استثنى الحدود:
استدل من استثنى الحدود -كالزنا والسرقة، وقطع الطريق, وشرب الخمر- من القضاء بعلم القاضي بما يأتي:
أولا: ما رواه أحمد وأبو داود عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: جاء هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين خلفوا، فجاء من أرضه عشاء، فوجد عند أهله رجلا....، فذكر حديث تلا عنهما إلى أن قال: ففرق النبي -صلى الله عليه
стр. 517
وسلم- بينهما، وقال: "إن جاءت به أصيهب ١، أريسح ٢، حمش الساقين ٣، فهو هلال، وإن جاءت به أورق ٤، جعدا ٥، جماليا ٦، خدلج الساقين ٧، سابغ الأليتين ٨، فهو للذي رميت به"، فجاءت به أورق جعدا، جماليا، خدلج الساقين سابغ الأليتين، فقال سول الله ﷺ : "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن" ٩.
فظاهر هذا الحديث أن الرسول ﷺ قد علم وقوع الزنا من المرأة ولم يحكم بعلمه.
مناقشة هذا الدليل:
أجاب الشوكاني عن هذا الاستدلال بقوله: ويمكن أن يجاب عن الحديث بأن النبي ﷺ إنما لم يعمل بعلمه لكونه قد حصل التلاعن، وهو
стр. 518
أحد الأسباب الشرعية الموجبة للحكم بعدم الرجم، والنزاع إنما هو في الحكم بالعلم من دون أن يتقدم سبب شرعي ينافيه١.
ثانيا: استدل أيضًا من قال باستثناء الحدود من القضاء بعلم القاضي بأن الحدود تدرأ بالشبهات كما هو القاعدة الشرعية، ويندب سترها٢.
رأي الشوكاني وهو ما نختاره:
وقال الشوكاني بعد أن ذكر آراء العلماء في مسألة قضاء القاضي بعلمه وجملة من أدلتهم: "والحق الذي لا ينبغي العدول عنه أن يقال: إن كانت الأمور التي جعلها الشارع أسبابا للحكم كالبينة، واليمين، ونحوها، أمورا تعبدنا الله بها لا يسوغ لنا الحكم إلا بها، وإن حصل لنا ما هو أقوى منها بيقين، فالواجب علينا الوقوف عندها والتقيد بها، وعدم العمل بغيرها في القضاء كائنا ما كان، وإن كانت أسبابا يتوصل الحاكم بها إلى معرفة المحق من المبطل، والمصيب من المخطئ، غير مقصودة لذاتها بل لأمر آخر وهو حصول ما يحصل للحاكم بها من علم أو ظن، وأنها أقل ما يحصل له ذلك في الواقع، فكان الذكر لها لكونها طرائق لتحصيل ما هو المعتبر، فلا شك ولا ريب أنه يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه؛ لأن شهادة الشاهدين والشهود لا تبلغ إلى مرتبة العلم الحاصل عن المشاهدة، أو ما يجري مجراها، فإن الحاكم بعلمه غير الحاكم الذي يستند إلى شاهدين أو يمين، ولهذا يقول المصطفى ﷺ : "فمن قضيت له بشيء من مال أخيه فلا يأخذه، إنما أقطع له قطعة من نار".
стр. 519
فإذا صار الحكم مع تجويز كون الحكم صوابا وتجويز كونه خطأ فكيف لا يجوز مع القطع بأنه صواب لاستناده إلى العلم واليقين.
ولا يخفى رجحان هذا وقوته؛ لأن الحاكم به قد حكم بالعدل والقسط والحق كما أمر الله تعالى.
ثم بين الشوكاني أن مما يؤيد هذا حديث الحضرمي والكندي فقد جاء رجل من حضرموت ورجل من كنده إلى النبي ﷺ فقال الحضرمي: يا رسول الله إن هذا قد غلبني على أرض كانت لأبي، قال الكندي هي أرضي في يدي أزرعها ليس له فيها حق، فقال النبي ﷺ للحضرمي "ألك بينة".... الحديث.
قال الشوكاني: فإن البينة في الأصل ما به يتبين الأمر ويتضح، ولا يرد على هذا أنه يستلزم قبول شهادة الواحد والحكم بها؛ لأنا نقول: إذا كان القضاء بأحد الأسباب المشروعة فيجب التوقف فيه على ما ورد، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ، وقال ﷺ : "شاهداك"، وإنما النزاع إذا جاء بسبب آخر من غير جنسها هو أولى بالقبول منها كعلم الحاكم" ا. هـ١.
فالشوكاني يؤيد الرأي القائل بجواز أن يقضي القاضي بعلمه, ونرى ما يراه الشوكاني غير أنه احتياطا في هذه المسألة لا بد من أن يكون القاضي عدلا، حتى يصح له أن يحكم بعلمه، وأما لو فقدت العدالة فيمن يصلح لتولي القضاء، فولي
стр. 520
أفضل من توفرت فيه بقية الشروط فلا يصح لهذا أن يحكم بعلمه؛ لأنه غير مأمون أن يدعي علما بحدوث جرائم من أشخاص يريد أن يؤذيهم، فيدعي مثلا على رجل أنه شاهده يطلق زوجته طلاقا ثالثا ونحو هذا، وقد صرح بعض العلماء بهذا, قال الأذرعي أحد فقهاء الشافعية: "وإذا أنفذنا أحكام القاضي الفاسق للضرورة فينبغي أن لا ينفذ قضاؤه بعلمه بلا خلاف، إذ لا ضرورة إلى تنفيذ هذه الجزئية النادرة مع فسقه الظاهر، وعدم قبول شهادته بذلك قطعا"١.
وبعد، فبهذا تكون قد انتهينا من الكلام عن وسائل الإثبات، ونحب قبل أن ننتقل إلى مسألة أخرى، أن نبين أن المجتمعات التي لم تعرف الإسلام كانت إلى ما قبل القرن الثالث عشر الميلادي تتبع وسائل في الإثبات أقرب إلى الفوضى ولعب الأطفال، فقد كان المطلوب من المدعى عليه أن يحمل حديدا محميا، أو يغمس ذراعه في زيت أو ماء مغلي، أو يلقى في حفرة فيها مجموعة من الثعابين، فإن كان برئيًا فإن العناية الإلهية ستنقذه ولا يصاب بأي أذى، وأما لو أصيب بأذى فإن اتهامه يكون مقطوعا به، كما أنه كان من الأدلة المتعارف عليها أن يحضر كل خصم ديكا، فتتقاتل الديكة، وينظر إلى الديك الغالب على أنه دليل على صدق دعوى صاحبه.
وفي القانون الروماني كان حسن الصوت دليلا على ثبوت الحق لصاحبه، وفي اليابان كان الشخص ينتحر أمام باب خصمه بشق بطن نفسه إذا لم يستطع التوصل إلى دليل يؤيد جانبه، ومعنى ذلك إثبات الحق واستنزال غضب الآلهة على خصمه.
стр. 521
كانت هذه الوسائل تتبع في الفصل في الخصومات في الوقت الذي كانت أنوار الشريعة الإسلامية قد سطعت منذ خمسة قرون على البلاد الإسلامية، وأرسيت مبادئ العدل والحق والمساواة أمام القانون١.
هذا وسننتقل الآن إلى الكلام عن مسألة قوية الصلة بالدعوى, وهي هل يجوز في بعض الحالات استيفاء الحق بدون قضاء؟ سنبين فيما يأتي آراء العلماء، وما يستند إليه آراؤهم, ونرجح بمشيئة الله تعالى ما نراه أولى بالترجيح.
استيفاء الحق بدون قضاء:
قبل أن نبين آراء علمائنا -رضي الله تعالى عنهم- في هذه المسألة التي تعرف في الفقه الإسلامي بمسألة الظفر، نحب أن نوضح أن العلماء قد اتفقوا على أنه إذا كان من عليه الحق مقرا به باذلا له فلا يجوز لصاحب الحق أن يأخذ من ماله إلا المقدار الذي يعطيه، فإن أخذ من ماله شيئًا بغير إذنه لزمه أن يرده إليه حتى لو كان قدر حقه؛ لأنه لا يجوز أن يملك عينا من أعيان ماله من غير رضا منه لغير ضرورة, وإن كانت من جنس حقه؛ لأن الإنسان قد يكون له غرض في العين.
وكذلك اتفق العلماء على أنه إذا كان من عليه الحق مانعا له لوجود أمر يبيح له المنع، كالتأجيل في الدين، والإعسار، لم يجز لصاحب الحق أن يأخذ شيئًا من ماله، فإن أخذ شيئًا لزمه أن يرده إن كان لا يزال باقيا، فإن كان قد تلف لزمه أن يرد له عوضه.
стр. 522
وإذا كان من عليه الحق قد منعه بغير حق، وكان الدائن قادرا على استخلاص حقه عن طريق الحاكم أو القاضي، فإنه لا يجوز له الأخذ أيضًا مستقلا عن الحاكم أو القاضي أو من يقوم مقامهما؛ وذلك لأن في إمكانه أن يستوفي حقه بمن يقوم مقامه من حاكم أو غيره فكان كما لو كان قادرا على استيفائه عن طريق وكيله.
واختلف العلماء فيما إذا كان من له الحق لا يقدر على استيفاء حقه، لكون من عليه الحق جاحدا له، ولا توجد بينة مع صاحب الحق أو لكونه لا يجيبه إلى الحاكمة، ولا يستطيع إجباره على ذلك، أو نحو هذا، هل لصاحب الحق أن يأخذ قدر حقه بدون رفع للقاضي وبدون علم من كان الحق تحت يده؟ أو ليس له ذلك؟ وإليك الآراء والأدلة:
الرأي الأول: ليس لصاحب الحق أخذ قدر حقه، وهذا هو المشهور في المذهب الحنبلي، وإحدى روايتين عن مالك.
الرأي الثاني: لصاحب الحق -إن لم يقدر على استخلاص حقه بعينه- أن يأخذ قدر حقه من جنسه أو من غير جنسه، وهذا ما يراه الشافعي ورأي متخرج في الفقه الحنبلي مأخوذ من قول أحمد في المرتهن: يجوز له أن يركب ويحلب بقدر ما ينفق على المرهون المركوب كالحصان أو المحلوب كالبقرة، والمرأة تأخذ مئونتها، وبائع السلعة يأخذها من مال المفلس بغير رضا.
الرأي الثالث: إن لم يكن لغيره عليه دين فله أن يأخذ حقه، وإن كان عليه دين لم يجز، وهذا هو المشهور من مذهب مالك.
стр. 523
الرأي الرابع: أن من كان له دين على آخر، وامتنع المدين عن الوفاء بالدين فللدائن أن يأخذ مقدار دينه من مال المدين لكن بشرط أن يكون هذا المال من جنس حقه وبنفس صفته، وهذا ما يراه فقهاء الحنفية١.
أدلة الآراء:
دليل المجيزين: حديث هند زوج أبي سفيان حين جاءت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي، فقال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"، رواه البخاري ومسلم.
ووجه الدلالة من الحديث أنه إذا جاز للزوجة أن تأخذ من مال زوجها ما يكفيها بغير إذنه جاز للرجل الذي له الحق على الرجل أن يأخذ حقه.
وقد علل للمشهور من مذهب مالك, وهو أنه إن كان لغيره عليه دين لم يجز، بأن الدائنين يتحاصان في مال من عليه الدين إذا أفلس.
وعلل لرأي الحنفية بأنه إذا لم يكن المال من جنس حقه وبنفس صفته فإنه حينئذ يكون اعتياضا، ولا تجوز المعاوضة إلا بالرضا من المتعاوضين، لقول الله ﵎: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ .
مناقشة الاستدلال بحديث هند:
أجاب الحنابلة عن الاستدلال بحديث هند بعدة إجابات:
стр. 524
١- أجاب الإمام أحمد بأن حقها واجب عليه في كل وقت، وهذا إشارة من الإمام أحمد إلى وجود الفرق بين النفقة والدين، فإن النفقة تحتاج في كل يوم -تجب فيه- إلى محاكمة ومخاصمةو وفي هذا مشقة واضحة، بخلاف الدين.
٢- فرق ابن قدامة بين النفقة والدين بفرقين.
أحدهما: أن للمرأة من التبسط في مال زوجها بحكم العادة ما له تأثير في إباحة أخذ الحق بالمعروف، بخلاف الأجنبي.
الفرق الثاني: أن النفقة إنما هي لإحياء النفس، وهذا مما لا يصبر عنه، ولا سبيل إلى تركه، فجاز أخذ ما تندفع به هذه الحاجة بخلاف الدين.
٣- فرق بعض الحنابلة بين النفقة والدين بفرق آخر، وهو أن قيام الزوجية كقيام البينة، فكأن الحق صار معلوما بعلم قيام مقتضيه١.
ويمكن الرد على الإجابة الأولى بأن فرض المسألة هو إذا لم يستطع صاحب الحق أن يستوفي حقه بطريق القضاء, أو غيره من طرق استيفاء الحقوق كالتحكيم، فهو لا يستطيع أن يحصل على حقه لا بغير مشقة ولا بمشقة، فهو أولى بالحصول عليه من الزوجة التي تستطيع أن تحصل على حقها بطريق القضاء ولو بمشقة.
ويمكن الرد على الفرق الأول من الفرقين اللذين فرق بهما ابن قدامة بين النفقة والدين بأننا لا نظن أن ما للمرأة من التبسط في مال زوجها يبيح لها أن تأخذ من ماله لنفقتها ما يزيد عن المعروف، فتساوت في هذا مع صاحب الحق في أنه أيضًا لا يباح له أن يأخذ ما يزيد عن حقه.
стр. 525
وعلى الفرق الثاني بأنه قد لا يجد الدائن ما ينفقه على نفسه ومن يعوله إلا حقه الذي ظفر به، وقد تكون هذه حال نادرة لكنها قابلة للحدوث، فهل يباح له الظفر بحقه حينئذ أم لا؟
وأما الرد على الإجابة الثالثة فيمكن أن يقال إنه إذا كان قيام الزوجية كقيام البينة، فإن صاحب الحق يعتمد على أقوى من البينة، وهو ثبوت حقه بينه وبين الله تعالى.
أدلة المانعين:
الدليل الأول: ما روي أن رسول الله ﷺ قال: "أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
وجه الاستدلال أنه متى أخذ منه قدر حقه من ماله بغير علمه فقد خانه، فيدخل في عموم الخبر١.
مناقشة الاستدلال بالحديث:
أولا: لم يثبت هذا الحديث، فقد قال فيه الشافعي: هذا حديث ليس بثابت، واستنكره أبو حاتم الرازي٢.
ثانيا: على فرض ثبوت هذا الحديث فإنه لا يدل للمانعين؛ لأن أخذ الحق من مال من ينكره ولا يرضى بأدائه ليس خيانة، وإنما الخيانة أخذ مال الغير ظلما
стр. 526
وعدوانا، ومعنى الحديث: لا تخن من خانك بأن تقابله بخيانة مثل خيانته، وهذا لم يخنه؛ لأنه أخذ حق نفسه، والأول يغتصب حق غيره١.
الدليل الثاني: ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه "، وهذا لم يأخذ مال غيره بطيب من نفسه فيكون حراما٢.
مناقشة هذا الدليل:
يمكن أن يجاب عن الاستدلال بهذا الحديث بأن الحديث ليس على إطلاقه، بدليل أنه يجوز للشفيع أخذ المشفوع فيه بالثمن جبرا عن المشتري ويجوز انتزاع مال الظالم لتوفية مظالمه، وانتزاع مال المدين المماطل لتسديد ديونه، والحنابلة أنفسهم أجازوا أن ينتفع المرتهن بالركوب كالحصان والمحلوب كالبقرة بغير إذن الراهن نظير نفقته وبقدرها، فكذلك هنا يجوز أخذ الحق جبرا عن المنكر له ما دام صاحب الحق لا يستطيع أن يصل إلى حقه بغير هذا من قضاء أو تحكيم أو غيرهما.
الدليل الثالث: أن الآخذ إما أن يأخذ من جنس حقه أو لا، فإن أخذ من غير جنس حقه، فإن هذا يكون معاوضة بغير تراض وهي لا تجوز، وإن أخذ من جنس حقه فليس له تعيين الحق بغير رضا صاحبه؛ لأن التعيين إليه، ألا ترى أنه لا يجوز أن يقول اقضني حقي من هذا الكيس دون غيره؟
стр. 527
مناقشة هذا الدليل:
من الممكن أن يجاب عن هذا بأنه إن أخذ من جنس حقه وإن كان معاوضة بغير تراض صح له ذلك؛ لأن من عليه الحق ممتنع أصلا من أداء الحق، فيكون أشبه بأخذ بدل المغصوب وإن كان من غير جنسه، إذا هلك عند الغاصب؛ لأن الممتنع من أداء الحق كالغاصب، وإلا فيمكن أن يقال: أخذ بدل المغصوب لا يجوز؛ لأنه معاوضة بغير تراض، ومثل هذا لا يصح قوله.
وأما القول بأنه ليس للدائن تعيين الحق بغير رضا صاحبه فهذا يسلم إذا كان من عليه الحق مستعدا لأدء الحق، وأما إذا كان ممتنعا فكيف يتحقق منه التعيين والتعيين إنما هو فرع الاعتراف بالحق والاستعداد لأدائه، والمثال المذكور وهو عدم جواز اقضني حقي من هذا الكيس دون هذا الكيس إنما يصح التمثيل به لو كان المدين معترفا بالحق مستعدا لأدائه، لكن لو امتنع عن أداء هذا الحق فلا وجه للتمثيل بهذا المثال.
الرأي الراجح:
الرأي الراجح الذي نراه أولى بالترجيح هو الرأي القائل بالجواز بالشروط الآتية التي قال بها المالكية والشافعية.
شروط الجواز:
بين علماء المالكية والشافعية عدة شروط لا بد من توفرها حتى يجوز لصاحب الحق أخذه من الجاحد له، وإليك هذه الشروط:
الشرط الأول: أن يأمن وقوع فتنة، من ضرب، أو جرح، أو حبس، وما
стр. 528
شابه ذلك، فإن أدى أخذه للفتنة والشحناء فلا يجوز ذلك.
الشرط الثاني: أن يأمن حدوث رذيلة تنسب إليه، فقد يضبط ويتهم بالسرقة، أو الغصب، فإذا أمن حدوث ذلك فقد تحقق هذا الشرط.
الشرط الثالث: أن يكون الحق في غير عقوبة، وأما إذا كان الحق عقوبة فلا يصلح له أن يستوفيها بنفسه، بل لا بد أن يلجأ إلى الحاكم، فليس له أن يضرب من ضربه، ولا يجرح من جرحه، ولا يسب من سبه، وهكذا١.
الشرط الرابع: إذا كان الحق دينا فيشترط أن يكون الدين حالا والمدين ممتنع من الأداء, أما لو كان غير ممتنع من الأداء فله أن يطالبه بالدين، ولا يحل له أن يأخذ شيئًا من ممتلكات المدين؛ لأن المدين مخير في دفع ما عليه من أي مال يشاء, فليس للمستحق إسقاط حقه من ذلك إجبارا.
وعلى هذا فإن أخذه لم تثبت ملكيته له، ولزمه أن يرده إلى صاحبه، فإن تلف عنده ضمنه، فإذا تساوى الحقان جاء التقاص.
الشرط الخامس: اشترط فقهاء الشافعية في الحق إذا كان دينا أن يكون دينا لآدمي، أما دين الله تعالى كالزكاة، والكفارة إذا امتنع المالك من أدائها وظفر الفقير أو غيره من المستحقين للزكاة أو الكفارة بجنسها من ماله فليس له حق الأخذ٢.
стр. 529
إن كان الحق منفعة:
بين فقهاء الشافعية أن المنفعة كالعين إذا كانت واردة على عين، فله أن يستوفيها من هذه العين بنفسه إن توفرت الشروط المطلوبة في الاستيفاء بدون القضاء، وأما إن كانت المنفعة واردة على ذمة فهي كالدين، فإن قدر على تخليصها بأخذ شيء من ماله فله ذلك بشروطه.
المأخوذ إما أن يكون من جنس حقه أو لا:
المأخوذ إذا كان من جنس حقه كما لو كان غصب منه قمحا فوجد قمحا للغاصب فأخذ منه مقدار المغصوب فإنه يتملكه بدلا عن حقه.
وأما إن كان المأخوذ من غير جنس حقه فإنه يبيعه بنفسه مستقلا؛ لأن الحاجة تدعو إلى ذلك، وله أن يوكل شخصا آخر في بيعه.
هذا هو الرأي القوي في فقه الشافعية، ويوجد رأي آخر يقول بوجوب رفعه إلى قاض لبيعه فلا يبيع هو بنفسه مستقلا؛ لأنه لا يصح أن يتصرف في مال غيره لنفسه.
هذا الخلاف بين فقهاء الشافعية في صورة ما إذا لم يطلع القاضي على الحال، وأما لو كان القاضي مطلعا عليه فلا يصح له أن يبيعه باتفاق فقهاء الشافعية.
المأخوذ مضمون عليه:
بين فقهاء الشافعية أن المأخوذ مضمون على الأخذ على الرأي الراجح من
стр. 530
رأيين لفقهاء الشافعية.
وعلى هذا يكون ضامنا له إذا تلف قبل تملكه وبيعه، بالأكثر من قيمته من حين أخذه إلى حين تلفه، قياسا على الغاصب؛ لأنه أخذه بغير إذن المالك لنفسه.
والرأي الثاني لفقهاء الشافعية أنه لا يضمنه إلا إذا فرط في المحافظة عليه من التلف، وعلل لهذا الرأي بأنه أخذ ما يتوثق من حقه، وليتوصل إليه كالمرتهن إذا أخذ المرهون، وما دام الشارع قد أذن له في الأخذ فإن إذن الشارع يقوم مقام إذن المالك.
وعلى الرأي الأول يحسن أن يبادر إلى بيع ما أخذه بحسب الإمكان، فإن قصر في ذلك فنقصت قيمته ضمن النقصان ولو انخفضت القيمة وارتفعت وتلف فالقيمة مضمونة عليه بالأكثر.
وبين الشافعية أن هذا الخلاف فيما لو تلف قبل أن يتمكن من البيع، وأما إذا تمكن من البيع لكنه لم يفعل فإنه يضمن باتفاق الآراء عندهم.
وقال الشافعية أيضًا أن محل الخلاف بينهم فيما لو كان المأخوذ من غير جنس الحق، أما لو كان المأخوذ من جنس حقه فإنه يضمنه ضمان يد بلا خلاف عندهم أيضا، لحصول ملكه بالأخذ عن حقه.
ومعنى كونه مضمونا عليه قبل بيعه أنه لو حصل في الشيء المأخوذ