← Сияса и кади

Сияса и кади · id 10744

النظام القضائي في الفقه الإسلامي

محمد رأفت عثمان

Полный текст (596 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وعدوانا، ومعنى الحديث: لا تخن من خانك بأن تقابله بخيانة مثل خيانته، وهذا لم يخنه؛ لأنه أخذ حق نفسه، والأول يغتصب حق غيره١. الدليل الثاني: ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه "، وهذا لم يأخذ مال غيره بطيب من نفسه فيكون حراما٢. مناقشة هذا الدليل: يمكن أن يجاب عن الاستدلال بهذا الحديث بأن الحديث ليس على إطلاقه، بدليل أنه يجوز للشفيع أخذ المشفوع فيه بالثمن جبرا عن المشتري ويجوز انتزاع مال الظالم لتوفية مظالمه، وانتزاع مال المدين المماطل لتسديد ديونه، والحنابلة أنفسهم أجازوا أن ينتفع المرتهن بالركوب كالحصان والمحلوب كالبقرة بغير إذن الراهن نظير نفقته وبقدرها، فكذلك هنا يجوز أخذ الحق جبرا عن المنكر له ما دام صاحب الحق لا يستطيع أن يصل إلى حقه بغير هذا من قضاء أو تحكيم أو غيرهما. الدليل الثالث: أن الآخذ إما أن يأخذ من جنس حقه أو لا، فإن أخذ من غير جنس حقه، فإن هذا يكون معاوضة بغير تراض وهي لا تجوز، وإن أخذ من جنس حقه فليس له تعيين الحق بغير رضا صاحبه؛ لأن التعيين إليه، ألا ترى أنه لا يجوز أن يقول اقضني حقي من هذا الكيس دون غيره؟

стр. 527

مناقشة هذا الدليل: من الممكن أن يجاب عن هذا بأنه إن أخذ من جنس حقه وإن كان معاوضة بغير تراض صح له ذلك؛ لأن من عليه الحق ممتنع أصلا من أداء الحق، فيكون أشبه بأخذ بدل المغصوب وإن كان من غير جنسه، إذا هلك عند الغاصب؛ لأن الممتنع من أداء الحق كالغاصب، وإلا فيمكن أن يقال: أخذ بدل المغصوب لا يجوز؛ لأنه معاوضة بغير تراض، ومثل هذا لا يصح قوله. وأما القول بأنه ليس للدائن تعيين الحق بغير رضا صاحبه فهذا يسلم إذا كان من عليه الحق مستعدا لأدء الحق، وأما إذا كان ممتنعا فكيف يتحقق منه التعيين والتعيين إنما هو فرع الاعتراف بالحق والاستعداد لأدائه، والمثال المذكور وهو عدم جواز اقضني حقي من هذا الكيس دون هذا الكيس إنما يصح التمثيل به لو كان المدين معترفا بالحق مستعدا لأدائه، لكن لو امتنع عن أداء هذا الحق فلا وجه للتمثيل بهذا المثال. الرأي الراجح: الرأي الراجح الذي نراه أولى بالترجيح هو الرأي القائل بالجواز بالشروط الآتية التي قال بها المالكية والشافعية. شروط الجواز: بين علماء المالكية والشافعية عدة شروط لا بد من توفرها حتى يجوز لصاحب الحق أخذه من الجاحد له، وإليك هذه الشروط: الشرط الأول: أن يأمن وقوع فتنة، من ضرب، أو جرح، أو حبس، وما

стр. 528

شابه ذلك، فإن أدى أخذه للفتنة والشحناء فلا يجوز ذلك. الشرط الثاني: أن يأمن حدوث رذيلة تنسب إليه، فقد يضبط ويتهم بالسرقة، أو الغصب، فإذا أمن حدوث ذلك فقد تحقق هذا الشرط. الشرط الثالث: أن يكون الحق في غير عقوبة، وأما إذا كان الحق عقوبة فلا يصلح له أن يستوفيها بنفسه، بل لا بد أن يلجأ إلى الحاكم، فليس له أن يضرب من ضربه، ولا يجرح من جرحه، ولا يسب من سبه، وهكذا١. الشرط الرابع: إذا كان الحق دينا فيشترط أن يكون الدين حالا والمدين ممتنع من الأداء, أما لو كان غير ممتنع من الأداء فله أن يطالبه بالدين، ولا يحل له أن يأخذ شيئًا من ممتلكات المدين؛ لأن المدين مخير في دفع ما عليه من أي مال يشاء, فليس للمستحق إسقاط حقه من ذلك إجبارا. وعلى هذا فإن أخذه لم تثبت ملكيته له، ولزمه أن يرده إلى صاحبه، فإن تلف عنده ضمنه، فإذا تساوى الحقان جاء التقاص. الشرط الخامس: اشترط فقهاء الشافعية في الحق إذا كان دينا أن يكون دينا لآدمي، أما دين الله تعالى كالزكاة، والكفارة إذا امتنع المالك من أدائها وظفر الفقير أو غيره من المستحقين للزكاة أو الكفارة بجنسها من ماله فليس له حق الأخذ٢.

стр. 529

إن كان الحق منفعة: بين فقهاء الشافعية أن المنفعة كالعين إذا كانت واردة على عين، فله أن يستوفيها من هذه العين بنفسه إن توفرت الشروط المطلوبة في الاستيفاء بدون القضاء، وأما إن كانت المنفعة واردة على ذمة فهي كالدين، فإن قدر على تخليصها بأخذ شيء من ماله فله ذلك بشروطه. المأخوذ إما أن يكون من جنس حقه أو لا: المأخوذ إذا كان من جنس حقه كما لو كان غصب منه قمحا فوجد قمحا للغاصب فأخذ منه مقدار المغصوب فإنه يتملكه بدلا عن حقه. وأما إن كان المأخوذ من غير جنس حقه فإنه يبيعه بنفسه مستقلا؛ لأن الحاجة تدعو إلى ذلك، وله أن يوكل شخصا آخر في بيعه. هذا هو الرأي القوي في فقه الشافعية، ويوجد رأي آخر يقول بوجوب رفعه إلى قاض لبيعه فلا يبيع هو بنفسه مستقلا؛ لأنه لا يصح أن يتصرف في مال غيره لنفسه. هذا الخلاف بين فقهاء الشافعية في صورة ما إذا لم يطلع القاضي على الحال، وأما لو كان القاضي مطلعا عليه فلا يصح له أن يبيعه باتفاق فقهاء الشافعية. المأخوذ مضمون عليه: بين فقهاء الشافعية أن المأخوذ مضمون على الأخذ على الرأي الراجح من

стр. 530

رأيين لفقهاء الشافعية. وعلى هذا يكون ضامنا له إذا تلف قبل تملكه وبيعه، بالأكثر من قيمته من حين أخذه إلى حين تلفه، قياسا على الغاصب؛ لأنه أخذه بغير إذن المالك لنفسه. والرأي الثاني لفقهاء الشافعية أنه لا يضمنه إلا إذا فرط في المحافظة عليه من التلف، وعلل لهذا الرأي بأنه أخذ ما يتوثق من حقه، وليتوصل إليه كالمرتهن إذا أخذ المرهون، وما دام الشارع قد أذن له في الأخذ فإن إذن الشارع يقوم مقام إذن المالك. وعلى الرأي الأول يحسن أن يبادر إلى بيع ما أخذه بحسب الإمكان، فإن قصر في ذلك فنقصت قيمته ضمن النقصان ولو انخفضت القيمة وارتفعت وتلف فالقيمة مضمونة عليه بالأكثر. وبين الشافعية أن هذا الخلاف فيما لو تلف قبل أن يتمكن من البيع، وأما إذا تمكن من البيع لكنه لم يفعل فإنه يضمن باتفاق الآراء عندهم. وقال الشافعية أيضًا أن محل الخلاف بينهم فيما لو كان المأخوذ من غير جنس الحق، أما لو كان المأخوذ من جنس حقه فإنه يضمنه ضمان يد بلا خلاف عندهم أيضا، لحصول ملكه بالأخذ عن حقه. ومعنى كونه مضمونا عليه قبل بيعه أنه لو حصل في الشيء المأخوذ

стр. 531

زيادة قبل البيع، كما لو ولدت البقرة مثلا كانت هذه الزيادة داخلة في ملك المأخوذ منه. لا يأخذ المستحق فوق حقه إن أمكنه الاقتصار: بين العلماء أنه لا يجوز للمستحق أن يأخذ فوق حقه إذا كان يمكنه الاقتصار على قدر حقه؛ لأن المقصود هو الحصول على الحق، وقد حصل هذا المقصود، فإن أخذ زيادة عن حقه كان ضامنا للمقدار الزائد؛ لأنه تعدى بأخذ هذا المقدار الزائد. أما إذا لم يمكنه أن يقتصر على قدر حقه، بأن كان لم يتمكن إلا من الظفر بمتاع تزيد قيمته على حقه، فله أن يأخذه، وبين الشافعية أنه لا يكون ضامنا للزيادة؛ لأنه لو لم يأخذها لحقه الضرر. ثم إن كان يتعذر عليه أن يبيع قدر حقه فقد كان من حقه أن يبيع الجميع، ويأخذ من الثمن مقدار حقه، ويجب عليه أن يرد ما زاد عن مقدار حقه، فيرد الزيادة على غريمه بصورة الهبة ونحوها. وأما إن كان لا يتعذر عليه أن يبيع قدر حقه فإنه يجب عليه أن يبيع منه هذا القدر، ووجب عليه أن يرد إلى غريمه ما زاد عن ذلك. يرى الشافعية جواز أخذ مال غريم الغريم: إذا كان لخالد مثلا دين على أحمد، ولأحمد على عمر مثله، فإن الشافعية

стр. 532

أجازوا أن يأخذ خالد من مال عمر ما يستحقه على أحمد, واشترطوا لذلك عدة شروط: الأول: أن لا يكون مستطيعا للظفر بمال الغريم. الثاني: أن يكون غريم الغريم هو أيضًا جاحدا للحق، أو ممتنعا أيضًا كالغريم. الثالث: أن يحيط الآخذ غريمه علما بأنه أخذ حقه من مال غريمه، حتى إذا طالبه الغريم بعد ذلك كان هو الظالم. الرابع: أن يعلم غريم الغريم، فيعلمه فيما بينه وبينه١. وبهذا نكون قد انتهينا من مباحث الفصل الثالث, وننتقل الآن إلى الفصل الرابع الذي خصصناه للكلام عن أصول في القضاء الإسلامي.

стр. 533

الفصل الرابع: أصول في القضاء الأصل الأول: العدل بين الخصمين ... الفصل الرابع: أصول في القضاء سنتكلم بمشيئة الله تعالى في هذا الفصل عن عدة أمور تعد أصولا في القضاء، بعضها متفق عليه بين العلماء، وبعضها مختلف فيه، وسنبين الاختلاف إن وجدناه في شيء من هذه الأصول، مدللين لأراء علمائنا -رضي الله تعالى عنهم- مرجحين بمشيئة الله تعالى ما نراه مستحقا للترجيح. وإليك الكلام عن هذه الأصول: الأصل الأول: العدل بين الخصمين القاضي مأمور بالعدل والإنصاف بين المتحاكمين، فيسوي بينهما في الإذن بالدخول عليه معا، ولا يدخل أحدهما قبل الآخر ويرى بعض العلماء أن التسوية بينهما مستحبة في دخولهما عليه، وإقباله عليهما، واستماعه منهما، ويرى ابن أبي الدم الفقيه الشافعي أن ذلك واجب عليه، ويرى كراهية القيام لهما جميعا، قال: فإنه قد يكون أحدهما شريفا، والآخر وضيعا، فإذا قام لهما علم الوضيع أن قيامه للشريف، وكذلك يعلمه الشريف فيزداد تيها ويزداد الوضيع كسرا، وترك القيام لهما أقرب إلى العدل، وأنفى للتهم١. وقال ابن قدامة الفقيه الحنبلي المعروف: على القاضي العدل بين الخصمين في كل شيء، من المجلس والخطاب واللحظ واللفظ والدخول عليه، والالتفات إليهما، والاستماع منهما، وهذا قول شريح، وأبي حنيفة، والشافعي، ولا أعلم فيه مخالفا٢. وصرح بعض العلماء بوجوب التسوية بين الخصمين في القيام والجلوس، والكلام، والاستماع، والنظر لهما حتى لو كان أحدهما مسلما شريفا والآخر كافرا، لكن بعضا آخر من العلماء يرى جواز رفع المسلم على الذمي٣.

стр. 534

الأصل الثاني: البينة على المدعي واليمن على من انكر، الأصل الثالث: حكم القاضي لا يجرم حلالا ولا يحل حراما ... الأصل الثاني: البينة على المدعي واليمين على من أنكر وهذا الأصل تكلمنا عنه سابقا بما فيه الكفاية، عند الكلام عن نظام الفصل في الدعوى، ولا حاجة تدعونا إلى إعادة ما قلناه هنا, فليرجع إليه هناك. الأصل الثالث: حكم القاضي لا يحرم حلالا ولا يحل حراما هل القضاء إظهار لحكم الله ﵎، أو هو إثبات لحكم المدعى به وإنشاء له، أو بعبارة أخرى: إذا حكم القاضي في قضية من القضايا بشيء للمدعي فهل يصبح هذا الشيء الذي قضى به حلال للشخص الذي حكم له القاضي، بصرف النظر عما إذا كان الشخص يستحق ما قضى به القاضي في الواقع ونفس الأمر أم لا؟ أم لا بد لكي يكون الشيء الذي قضى به القاضي حلالا أن يكون في الواقع مستحقا له فيما بينه وبين الله ﵎؟ هذه مسألة من المسائل التي اختلف العلماء فيها، وقبل أن نبين ما يراه علماؤنا ﵃، نحب في البداية أن نوضح الأمور التي يقضي فيها القاضي، لكي يكون ذلك مدخلا لذكر آراء العلماء وأدلتهم في هذه المسألة.

стр. 535

الأمور التي يقضي القاضي فيها متنوعة وكثيرة نذكر منها هنا: ١- العقود، كالزواج والبيع والإجارة والرهن وغير ذلك من العقود. ٢- الفسوخ، والمراد بها كل ما يرفع حكم العقد، وهذا شامل للطلاق. ٣- الأملاك المرسلة: أي: المطلقة عن إثبات سبب الملك، كأن ادعى ملكا مطلقا في دار، أو في أرض، أو في طعام، من غير تعيين بشراء أو إرث. ٤- الأملاك غير المرسلة: أي: التي ذكر لها سبب معين، كالزواج والبيع والإجارة. والشهادة -كما سبق بيانه- إحدى وسائل الإثبات التي يحكم القاضي بمقتضاها، ولا بد من توفر شروط في الشهود لكي تصح الشهادة، وقد تكلمنا عن هذه الشروط وذكرنا آراء العلماء في بعض الشروط المختلف فيها، عند كلامنا عن البينة بوصفها إحدى وسائل الإثبات. فإذا ظهر أن الشهود لم تتحقق فيهم الشروط المطلوبة شرعا كأن تبين أنهم كفار في الشهادة على المسلمين في غير الوصية في السفر، فإنه -بإجماع العلماء- لا ينفذ حكم القاضي لا ظاهرا ولا باطنا، ومعنى باطنا أي: فيما بيننا وبين الله ﵎. وأما إذا لم يظهر ما يمنع من قبول شهادة الشهود، ولكنهم كانوا في الواقع شهود زور، وطرفا القضية يعلمان أنهما شهود زور، ولا يعلم القاضي أنهما شهود زور فحكم بمقتضى شهادتهم بناء على ظنه عدالتهم، فهل حكم القاضي حينئذ ينفذ ظاهرا وباطنا؟ أم أنه لا ينفذ إلا ظاهرا فقط، وعلى طرفي القضية أن يتبعا ما

стр. 536

هو في الحقيقة وواقع الأمر حسب علمهما؟. هذه مسألة اختلف حولها العلماء كما ذكرنا، وقد اتفقوا على أن حكم القاضي لا ينفذ باطنا إذا كان الشهود شهود زور فيما يلي: ١- الأملاك المرسلة، والدين الذي لم يبين سببه، فلا ينفذ الحكم إلا ظاهرا فقط بإجماع العلماء؛ لأن لا بد لثبوت الملك من سبب، وأسباب الملك كثيرة، ولا يمكن القاضي تعيين شيء منها إلا بالحجة المثبتة لذلك، فلم يكن القاضي مكلفا بالقضاء بالملك، وإنما هو ملكف بأنه يقصر يد المدعى عليه عن الشيء المدعى، وذلك نافذ منه ظاهرا، فأما أن ينفذ باطنا بمنزلة إنشاء جديد، فليس للقاضي القدرة عليه بلا سبب شرعي, وعلى هذا لا يحل للمقضي له أن يستمتع بالجارية التي حكم له القاضي بملكيتها ولا يحل له أن يأكل مما حكم به القاضي له، ولا أن ينتفع به انتفاع المالك، كأن يلبسه إذا كان المقضي به من الملبوسات أو غير ذلك من أنواع الانتفاع التي هي حق لمالك الشيء. وفي نفس الوقت يحل للمقضي عليه أن يأكل من هذا الشيء أو يلبسه إذا كان مما يلبس، أو ينتفع به انتفاع المالك، لكن يفعل ذلك سرا، وإلا فسقه الناس. ومثل الأملاك المرسلة الإرث. ٢- إذا كانت شهادة الزور في الأملاك بسبب، وذكر السبب وكان سببا لا يمكن إنشاؤه كالإرث، فلا ينفذ القضاء باطنا أيضًا باتفاق العلماء. واختلف العلماء في المحكوم فيه إذا كان من الأمور التي للقاضي مدخل فيها

стр. 537

كالعقود والفسوخ، كالزواج والطلاق على رأيين. أحدهما ما يراه أبو حنيفة، وهو أن حكم القاضي إثبات الحكم المدعي وإنشاء له، فيجوز أن ينفذ فيها ظاهرا وباطنا، وربما عبر بعض الحنفية عن هذا بأن قضاء القاضي يغير الحكم عند الله. الثاني: ما يراه جمهور العلماء، وهو أن لا ينفذ القضاء بشهادة شهود الزور باطنا، فحكم الحاكم -قاضيا أو غيره- لا يزيل الشيء عن صفته، فلا يحل حراما ولا يحرم حلالا، وربما عبروا عن هذا بأن قضاء القاضي لا يغير الأحكام الشرعية عن حقائقها الموضوعة عند الله تعالى، وبأن القضاء ينبني على الحجة، فإن كانت حجة حقيقية ظاهرا، وباطنا، نفذ الحكم ظاهرا وباطنا، وإن كانت حجة في الظاهر فقط لم ينفذ إلا في الظاهر فقط. ومن الجمهور مالك والأوزاعي، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وداود الظاهري، وغير هؤلاء، ووافق الجمهور في هذا الرأي من الحنفية أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وزفر١. فلو شهد شاهدان زورا بزواج رجل بامرأة وهي تنكر، فحكم القاضي بصحة هذا الزواج بشهادة هذين الشاهدين عملا بظاهر عدالتهما إذا كان القاضي لا يرى وجوب البحث عن العدالة في الشاهد بأن كان قاضيا حنفيا، أو كان قاضيا

стр. 538

يرى وجوب البحث عن عدالة الشهود، كالمالكي والشافعي، لكن عجزت المرأة عن تجريح الشاهدين، فإن أبا حنيفة -رضي الله تعالى عنه- يرى أنه يحل للرجل الذي حكم له القاضي بصحة الزواج أن يستمتع بالمرأة استمتاع الزوج بزوجته. ويرى جمهور العلماء عدم جواز استمتاع المحكوم له بهذه المرأة؛ لأنها ليست زوجته في الواقع فيما بينه وبين الله، وعليها أن تمتنع منه وتهرب ما أمكنها، فلا يحل لها أن تمكن من نفسها، وعليها أن تدفعه كما يدفع الصائل على البضع١، وقال العلماء عليها أن تصده عن نفسها حتى لو قتلته جاز لها ذلك. وكذلك لو أن رجلين تعمدا الشهادة زورا على رجل أنه طلق امرأة ثلاثا، والزوج منكر لذلك، فقبل القاضي شهادتيهما ظانا عدالتهما، ففرق بين الزوجين، جاز عند أبي حنيفة لأحد الشاهدين زواجها بعد انقضاء عدتها وهو يعلم بتعمده الكذب. وجمهور العلماء يحرمون عليه ذلك, لكن بعض فقهاء الحنفية صرح بأن الفتوى في الفقه الحنفي في هذه المسألة كما يقول أبو يوسف، ومحمد، وزفر، وجمهور العلماء، لا كما يقول أبو حنيفة، نظرا لظهور أدلة الجمهور بالنسبة لدليل أبي حنيفة، على الرغم من مبالغة السرخسي أحد أشهر علماء الحنفية في كتابه

стр. 539

"المبسوط" ومبالغة غيره من علمائهم في توجيه رأي أبي حنيفة١. ما يشترط لنفاذ القضاء ظاهرا وباطنا عند أبي حنيفة: يشترط شرطان لنفاذ القضاء ظاهرا وباطنا عند أبي حنيفة في الدعاوى التي يرى أنه ينفذ ظاهرا وباطنا فيها: الشرط الأول: أن يكون المحل قابلا للحكم الذي قضى به القاضي، فلو لم يكن المحل قابلا للحكم فلا ينفذ الحكم باطنا باتفاق العلماء، وذلك كما لو ادعى رجل على امرأة أنه تزوجها، وشهد له شاهدان زورا بذلك، فحكم القاضي بالزوجية مع أنه يعلم أن هذه المرأة محرمة على هذا الرجل، بسبب من أسباب التحريم، ككونها زوجة لغيره، أو معتدة للغير، أو مرتدة عن الإسلام والعياذ بالله تعالى، أو أخته من الرضاع، فإن هذا الحكم لا يجوز تنفيذه باطنا؛ لأن المحل غير قابل لإنشاء العقد عليه. الشرط الثاني: عدم علم القاضي بأن الشهود شهود زور، فلو كان القاضي يعلم أن هؤلاء الشهود شهود زور، فإن الحكم لا يجوز تنفيذه أصلا، لا في الظاهر ولا في الباطن، وذلك لعدم تحقيق شرط صحة القضاء، وهو الشهادة الصادقة في غالب الظن عند القاضي. ومثل الحكم بشهادة الزور ما لو حكم القاضي أيضًا بنكول المدعى عليه عن اليمين.

стр. 540

هذاه وقد اختلفت الرواية عن أبي حنيفة في قضاء القاضي في الهبة، والصدقة، وبيع الشيء بغبن فاحش, ففي رواية عنه أن قضاء القاضي لا ينفذ باطنا؛ لأن القاضي إنما يصير منشئا فيما له ولاية الإنشاء، وليس له ولاية إنشاء التبرعات في ملك الغير، أو البيع بغبن فاحش؛ لأن هذا يعد تبرعا١. الاستدلال للآراء: الاستدلال لرأي الجمهور. استدل لرأي الجمهور بقول النبي ﷺ : "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون أحلن بحجته من بعض، فأقضي بنحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار". متفق عليه. وفي رواية: فبكى الرجلان، وقال كل منهما: حقي لك، فقال لهما النبي ﷺ : "أما إذ فعلتما فاقتسما، وتوخيا الحق، ثم استهما، ثم تحللا" ٢. وهذا يدخل فيه ما إذا ادعى أنه اشترى منه شيئًا فحكم له القاضي به٣.

стр. 541

الاستدلال لرأي أبي حنيفة: استدل لرأي أبي حنيفة بالأدلة الآتية: الدليل الأول: ما جاء عن علي بن أبي طالب ﵁: أن رجلا خطب امرأة فأبت، فادعى أنه تزوجها، وأقام شاهدين بين يدي علي بن أبي طالب فقضى له بذلك، فقالت المرأة: إنهما شهدا بالزور، فزوجني أنت منه، فقد رضيت، فقال علي: شاهداك زوجاك، وأمضى النكاح". وجه الدلالة: أنه لو لم ينعقد العقد بين الرجل وهذه المرأة بقضاء علي لما امتنع علي من العقد عند طلبها ورغبة الرجل فيها، وقد كان في ذلك تحصينها من الزنا، وكان ذلك منه قضاء بشهادة الزور١. مناقشة هذا الدليل: أجيب عن الاستدلال بهذا الأثر بأنه لم يثبت عن علي ﵁ ذلك، بل لو صح ما نقل عن علي فلا حجة فيه؛ لأن عليا أضاف التزويج إلى الشاهدين لا إلى حكمه، ولم يجبها إلى ما طلبته من تزويجها به؛ لأن في ذلك طعنا على الشهود، وهذا لا يقبل إلا بالبينة٢. الدليل الثاني: التفريق بين المتلاعنين، فقد ثبت أن رسول الله ﷺ فرق بين المتلاعنين، مع احتمال أن يكون الرجل قد صدق فيما رماها به من الزنا، وكذلك يحتمل أن يكون الرجل كاذبا في اتهامها بالزنا وهي الصادقة في

стр. 542

نفى هذه الجريمة عن نفسها، فإن كان هو الكاذب فلم تحرم عليه إلا بحكم الحاكم، وكذلك لو كانت هي الكاذبة فلم تحرم عليه أيضا إلا بحكمه؛ لأن زناها لا يوجب فرقتها على قول أكثر الفقهاء، والحكم بالتفريق ينفذ ظاهرا وباطنا؛ لأنه يحرم على الزوج أن يجامع زوجته التي لاعن منها، ويحرم عليها كذلك أن تمكنه من نفسها، ويحل لها أن تتزوج غيره وتمكن هذا الغير من نفسها، وهذا هو معنى النفاذ في الباطن، مع أن الباطن في هذه الحال مخالف للظاهر، فهذا دليل على أن حكم القاضي ينفذ ظاهرا وباطنا، وإن كانا في الواقع مختلفين. مناقشة هذا الدليل: أجيب عن هذا بأمرين: الأول: أن الفرقة في اللعان تقع عقوبة للعلم بأن أحدهما كاذب، وأما حكم القاضي في غير هذه الحال فلا يقع عقوبة، فلا يصح القياس على اللعان، لوجود الفارق بينهما١. الأمر الثاني: أن القاضي يفرق بين المتلاعنين؛ لأنه يعلم أن أحدهما كاذب قطعا، فهو ينشئ التفريق بينهما قاصدا متعمدا، وأما ما نحن فيه فليس كذلك؛ لأن القاضي لا يعلم أن الشهود شهود زور على الطلاق، أو الزواج، ولا تتوجه إرادته إلى الإنشاء، وإنما يحكم بناء على غالب ظنه أن البينة التي شهدت أمامه بينة عادلة تظهر الحق٢.

стр. 543

الدليل الثالث: أن القاضي قد قضى بحجة شرعية في أمر من الأمور التي له ولاية الإنشاء فيها، فجعل الإنشاء تحرزا عن الحرام والحديث الذي استدل به الجمهور وهو حديث: "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي" صريح في المال، وليس النزاع في الأموال، بل الأموال متفق على أن حكم القاضي فيها بناء على شهادة زور لا ينفذ باطنا؛ لأن القاضي لا يملك دفع مال شخص إلى شخص آخر، لكنه يملك إنشاء العقود، والفسوخ، فإنه يملك بيع جارية شخص لشخص آخر، حال الخوف من موتها للحفظ وحال غيبة سيدها، ويملك إنشاء الزواج على الصغيرة التي لا يوجد لها ولي، ويملك الفرقة بين الزوجين إذا ثبت أن الزوج به عيب العنة١، فيجعل قضاء القاضي إنشاء احترازا عن الحرام. مناقشة هذا الدليل: أجيب عن هذا بأن شرط صحة الحكم وجود الحجة وإصابة المحل، وإذا كانت البينة في نفس الأمر شهود زور لم تحصل الحجة؛ لأن حجة الحكم هي البينة العادلة، فإن الشهادة إظهار الحق وحقيقة الحكم إنفاذ ذلك، وإذا كان الشهود كذبة لم تكن شهادتهم حقا. الدليل الرابع: لو لم نقل بنفاذ الحكم باطنا فلو حكم القاضي بالطلاق لبقيت المرأة حلالا للزوج الأول باطنا وللثاني ظاهرا، فلو ابتلي الثاني بمثل ما ابتلي الأول حلت للثالث ظاهرا وهكذا، فتحل لجمع متعدد في زمن واحد، ولا يخفى فحش هذا بخلاف ما إذا قلنا بنفاذ الحكم باطنا فإنها لا تحل إلا لواحد.

стр. 544

مناقشة هذا الدليل: أجيب عن هذا بأن الجمهور إنما قالوا في هذا: تحرم على الثاني إذا علم أن الحكم ترتب على شهادة الزور، فإذا اعتمد الحكم وتعمد الدخول بالمرأة فقد ارتكب محرما، كما لو كان الحكم في الأموال، فأكل هذا المال الذي حكم له به، ولو ابتلي الثاني بمثل هذا الابتلاء كان حكم الثالث كذلك، والفحش إنما لزم من الإقدام على تعاطي المحرم، فكان كما لو زنوا في الظاهر واحدا بعد واحد١. الرأي الراجح: من الواضح أن ما ذهب إليه الجمهور هو الرأي الصحيح في هذه المسألة لعدة أمور: أولا: لقوة الاستدلال للجمهور بالحديث الصحيح. ثانيا: لأن ما استدل به لأبي حنيفة ﵁ لم يصمد للطعون الموجهة إليه، ويكفي في البرهنة على أن ما يقول به جمهور العلماء هو الرأي الصحيح أن الفتوى في المذهب الحنفي في هذه القضية على خلاف ما يراه أبو حنيفة، وأن أصحابه الثلاثة أبو يوسف ومحمد بن الحسن، وزفر، لا يرون ما يراه إمام المذهب، وإنما يتفق رأيهم مع جمهور العلماء. ثالثا: لا فرق في الحلال والحرام بين مال واستمتاع بامرأة أجنبية، فإذا كان حكم القاضي بشهادة الزور في الأموال لا يحلها، فكذلك يجب أن يكون الحكم في الأبضاع، قال الشافعي ﵁: "إنه لا فرق بين دعوى حل الزوجة لمن أقام بتزويجها شاهدي زور، وهو يعلم كذبهما، وبين من ادعى على حر أنه ملكه وأقام بذلك شاهدي زور، وهو يعلم حريته، فإذا حكم له الحاكم بأنه

стр. 545

ملكه لم يحل له أن يسترقه بالإجماع". رابعا: القول بأن حكم الحاكم يحل ظاهرا وباطنا بجانب مخالفته للحديث الصحيح فإنه يخالف أمرين قطعيين: أحدهما: الإجماع السابق على عصر أبي حنيفة، فلم ينقل عن أحد من العلماء قبله -سواء أكان من الصحابة أم من التابعين- أنه يرى ما يراه أبو حنيفة. ثانيهما: القاعدة التي أجمع عليها العلماء ووافقهم أبو حنيفة ومن يرى رأيه من الحنفية وهي "أن الإبضاع أولى بالاحتياط من الأموال". وبعد، فنستعير من ابن حزم عبارته في كتابه "المحلى" بعد أن ذكر الحديث الذي استدل به جمهور العلماء، فنقول: "فإذا كان حكمه ﵊ وقضائه لا يحل لأحد منا ما كان عليه حراما، فكيف القول في قضاء أحد بعده؟ "١. ولا داعي لذكر بقية عبارة ابن حزم، فقد يفهم منها الإساءة إلى من يقول برأي أبي حنيفة، رضي الله تعالى عن جميع علمائنا. ويقول القرطبي: "شنعوا على من قال ذلك قديما وحديثا لمخالفة الحديث الصحيح؛ ولأن فيه صيانة المال وابتذال الفروج، وهي أحق أن يحتاط لها وتصان"٢.

стр. 546

بقي أن نقول إن علماءنا -رضي الله تعالى عنهم- بينوا أن قضاء القاضي ينفذ ظاهرا وباطنا قطعا في الأمور التي اتفق عليها العلماء, وأما في الأمور التي اختلف العلماء فيها، كالشفعة مثلا، فإن الحنفية يرون أنها تكون للشريك، وللجار، والجمهور يرون أنها لا تكون للشريك، وكميراث ذوي الأرحام فإن المالكية وجمهور فقهاء الشافعية لا يورثونهم والحنفية، والحنابلة، وبعض فقهاء الشافعية يقولون بتوريثهم، نقول وأما في الأمور التي اختلف العلماء فيها فهناك رأيان أصحهما عند بعض العلماء أن حكم القاضي فيها ينفذ ظاهرا وباطنا حتى لو كان الحكم لمن لا يعتقد صحة هذا الحكم. قال أصحاب هذا الرأي: حتى تتفق الكلمة ويتم الانتفاع، وعلى هذا لو حكم قاض حنفي المذهب لشافعي بشفعة الجوار، أو بالإرث بسبب أنه من ذوي الأرحام، حل للشافعي -كما قال بعض العلماء- الأخذ بهذا الحكم، وليس للقاضي منعه من الأخذ بذلك، ولا من الدعوى به إذا أرادها، اعتبارا بعقيدة القاضي؛ ولأن هذا الأمر من الأمور المجتهد فيها، والاجتهاد إنما يكون -هنا- من القاضي لا من غيره١.

стр. 547

الأصل الرابع: لا يقضي القاضي وهو غضبان عن أبي بكر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان"، رواه الجماعة. هذا الحديث الشريف يبين أصلا هاما في أصول القضاء الإسلامي، وسبب النهي -كما قال علماؤنا, رضي الله تعالى عنهم- أن الحكم في حال استيلاء الغضب على الحاكم قد يتجاوز بالحاكم إلى غير الحق، فمنع من ذلك، وقالوا أيضا: النهي عن الحكم حال الغضب لما يحصل بسببه من التغير الذي يختل به النظر, فلا يحصل استيفاء الحكم على الوجه المطلوب شرعا. وإذا كان النهي عن الحكم في حال الغضب قد ورد عن رسول الله ﷺ فإن الفقهاء ﵃ عدوه بهذا المعنى إلى كل ما يحصل به تغير الفكر، كالجوع، والعطش المفرطين، والوجع المزعج، ومدافعة أحد الأخبثين، وغلبة النعاس وشدة الخوف أو الحزن أو الهم أو السرور، وسائر الأمور التي يتعلق بها القلب تعلقا يشغله عن استيفاء النظر، الذي يتوصل به إلى إصابة الحق في الغالب وهو قياس مظنة، على مظنة كما قال ابن دقيق العيد١، أي: استنباط معنى دل عليه النص، فإنه لما نهى عن الحكم حال الغضب فهم منه أن الحكم لا يكون إلا في حال استقامة الفكر، فكان علة النهي المعنى المشترك وهو تغير الفكر واختلاله، والوصف بالغضب يسمى علة، بمعنى أنه مشتمل عليه، فألحق به ما في معناه كالجائع والعطشان٢. وبعبارة أخرى فإن اقترن النهي بالغضب يشير إلى أن العلة في هذا النهي هي الغضب الذي يكون مظنة لتشويش الفكر، ولما كان التشويش معنى مناسبا لهذا الحكم, ومنضبطا فقد جعله العلماء علة بالإجماع، ولهذا قال العلماء بتحريم قضاء القاضي في كل حال يحصل له فيها تشويش الفكر بأي سبب من الأسباب، قياسا على القضاء في حال الغضب الذي ورد فيه النهي من رسول الله -صلى الله عليه

стр. 548

وسلم١، ومثل هذا يسميه علماء الأصول دلالة النص على أن الوصف علة بطريق الإيماء أي: بطريق التلميح. وهنا يمكن أن يثار سؤال هو لماذا اقتصر رسول الله ﷺ على ذكر الغضب؟ وقد أجاب العلماء بقولهم: وكأن الحكمة في الاقتصار على ذكر الغضب لاستيلائه على النفس، وصعوبة مقاومته، بخلاف غيره. هذا وقد رأى بعض العلماء أنه يكره أن يقضي القاضي في حال الغضب, سواء أكان الغضب لنفسه أم لله تعالى؛ لأن المحذور تشويش الفكر وهو لا يختلف بذلك، ويرى البعض الآخر أن القضاء مكروه حال الغضب لنفسه, وأما إذا كان الغضب لله تعالى فلا يكون القضاء مكروها في هذه الحال، كما بين بعض العلماء أن الكراهة تنتفي إذا دعت الحاجة إلى الحكم في الحال٢. لو خالف القاضي فحكم في حال الغضب: تبين أن رسول الله ﷺ نهى الحاكم عن أن يحكم في حال الغضب، والسؤال الآن، ماذا لو خالف القاضي النهي فحكم في حال غضبه؟ اختلف العلماء فيما لو قضى القاضي في حال الغضب على الوجه الآتي: الرأي الأول: ما يراه جمهور العلماء، وهو صحة القضاء حال الغضب إن صادف الحق. وقد استند هذا الرأي إلى ما رواه عبد الله بن الزبير عن أبيه، أن رجلا من

стр. 549

الأنصار خاصم الزبير عند رسول الله ﷺ في شراج الحرة١، التي يسقوا بها النخل، فقال الأنصاري: سرح٢ الماء يمر، فأبى عليه، فاختصما عند رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ للزبير: "اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك"، فغضب الأنصاري، ثم قال: يا رسول الله، أن كان ابن عمتك٣. فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال الزبير: "اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر" ,٤ فقال الزبير: والله إني لا أحسب أن هذه الآية نزلت إلا في ذلك: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ . وجه الاستدلال بالحديث: أن رسول الله ﷺ قضى للزبير بعد أن أغضبه خصمه. وكأن الجمهور جعلوا ذلك قرينة صرفت النهي الموجود في حديث: "لا يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان" من التحريم إلى الكراهة، لكن يمكن أن يجاب عن هذا بما قاله الشوكاني: "ولا يخفى أنه لا يصح إلحاق غيره ﷺ به في مثل ذلك؛ لأنه معصوم عن الحكم بالباطل في رضائه وغضبه

стр. 550

بخلاف غيره فلا عصمة تمنعه عن الخطأ. الرأي الثاني: ما يراه بعض الحنابلة، وهو أنه لا ينفذ الحكم في حال الغضب، واستدلوا بالنهي من رسول الله ﷺ عن القضاء في حال الغضب والنهي يقتضي الفساد. وقد أجيب عن هذا بأن النهي الذي يفيد فساد المنهي عنه هو ما كان لذات المنهي عنه١، أو لجزئه٢ أو لوصفه الملازم له٣، لا المفارق كما هنا وكما في النهي عن البيع حال النداء للجمعة، وهذه قاعدة مقررة في الأصول. الرأي الثالث: التفصيل بين ما إذا كان الغضب قد طرأ على القاضي بعد أن استبان له الحكم في القضية المعروضة عليه، فلا يؤثر الغضب في صحة الحكم؛ لأن الحق قد استبان قبل الغضب فلا يؤثر الغضب فيه، وبين ما إذا كان الغضب قد حصل للقاضي قبل أن يستبين له الحكم في القضية فيؤثر في صحة الحكم٤.

стр. 551

الأصل الخامس: لا يقبل القاضي هدية ممن له خصومة في الحال الرشوة هي أخذ المال لإبطال حق، أو تحقيق باطل والرشوة من الأمور المحرمة؛ لأنها من قبيل أكل أموال الناس بالباطل، وقد نهى الله ﵎ عن أكل أموال الناس بالباطل، وهي صفة اليهود، وقال رسول الله ﷺ : "لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم"، رواه أحمد والترمذي وصححه. وأما الهدية، فقد صرح العلماء بأن الأولى سد بابها، ثم إن كان للمهدي خصومة في الحال حرم على القاضي أن يقبل هديته كما بينا سابقا حتى لو كان له عادة بالهدية لصداقة، أو قرابة. وبين العلماء أن القاضي يجب عليه أن لا يقبل هدية من لم تكن له عادة قبل تولي القاضي منصبه، حتى لو لم تكن له خصومة، استنادا إلى قول رسول الله ﷺ : "هدايا العمال غلول" وفي رواية "سحت"، رواه الإمام أحمد ﵁. وأما إن كان المهدي لا خصومة له، وله عادة بالهدية وأهدى قدر عادته, ومثل ما كان يهديه فقال العلماء: يجوز للقاضي حينئذ قبولها. فإن أهدى أكثر من المعتاد أو أرفع مما كان يهديه، كأن كان يهدي المأكولات فأهدى الثياب، لم يجز للقاضي قبول هديته١. وبين بعض العلماء أن حكم الهدية بالمنافع المقابلة بالمال عادة كسكنى بيت

стр. 552

مثلا، تأخذ حجم الهدية بالأعيان، بخلاف غيرها كاستعارة كتاب من كتب العلم كما بين البعض أيضًا أن أكل القاضي حال كونه ضيفا عند بعض من يخضعون لولايته يأخذ حكم الهدية له وتأخذ حكم الهدية له، وبين بعضهم أيضا أنه يجوز للقاضي أن يأخذ الهدايا من رئيس الدولة إذا كانت الهدية من مال الرئيس بشرط أن يكون ذلك معتادا لمثله، وأن لا تؤثر الهدية في تغيير قلب القاضي عن التصميم عن الحق، وصرح بعض العلماء بأنه لا يلتحق بالقاضي في الأحكام الخاصة بالهدية وقيودها المفتي والواعظ، ومعلم القرآن والعلم؛ وذلك لأنهم ليس لهم أهلية الإلزام بخلاف القاضي فحكمه ملزم، قال الرملي أحد كبار فقهاء الشافعية: "والأولى في حقهم "يعني المفتي ومن ذكر معه" إن كانت الهدية لأجل ما يحصل منهم من الإفتاء والوعظ، والتعليم عدم القبول، ليكون عملهم خالصا لله تعالى، وإن أهدي إليهم تحببا وتوددا لعلمهم وصلاحهم فالأولى القبول، وأما إذا أخذ المفتي الهدية ليرخص في الفتوى فإن كان بوجه باطل فهو رجل فاجر يبدل أحكام الله تعالى ويشتري بها ثمنا قليلا، وإن كان بوجه صحيح فهو مكروه كراهة شديدة"١. والأولى كما صرح العلماء أن من جاز له قبول الهدية من القضاة أن يثيب عليها أي: يعطي بدلها للمهدي، أو يردها لمالكها، أو يضعها في بيت المال "الخزانة العامة للدولة" وسد باب القبول مطلقا كما صرح العلماء أيضًا أولى حسما للباب٢. وفي نهاية الكلام عن الرشوة والهدية نحب أن نبين أن بعض العلماء يرى أن دفع المال لإبطال الظلم جائز للدافع حرام على الآخذ٣.

стр. 553

الأصل السادس: لا يقضي القاضي لنفسه ولمن لا تقبل شهادته له صرح العلماء بأن لا يجوز للقاضي أن يحكم لنفسه، كما لا يجوز أن يشهد لنفسه، وحكم الحاكم لنفسه من خصائص رسول الله ﷺ لأنه معصوم من الهوى والغرض، وبين العلماء أنه يجوز للقاضي أن يعزر من أساء الأدب عليه فيما يتعلق بأحكامه التي حكم بها، كأن يقول له: حكمت بالجور، وما ماثل هذا. وإذا عرضت حكومة لوالديه، أو لأحد أولاده، أو من لا يقبل شهادته له ففيه رأيان: أحدهما: لا يجوز له أن يحكم فيها بنفسه، وإن حكم لم ينفذ حكمه، وهذا ما يراه أبو حنيفة والشافعي والمالكية وبعض فقهاء الحنابلة؛ لأنه لا تقبل شهادته له فلم ينفذ حكمه، كما لا ينفذ الحكم لنفسه. الرأي الثاني: ينفذ حكمه، وهو رأي بعض فقهاء الحنابلة، وأبى يوسف صاحب أبي حنيفة، وابن المنذر، والمزني، وأبي ثور لأنه حكم لغيره أشبه الحكم للأجانب١، قال الشيرازي: "وهذا خطأ؛ لأنه متهم في الحكم كما يتهم في الحكم نفسه"٢. لو كانت الخصومة بين والديه أو ولديه، أو والده وولده: للعلماء رأيان في هذه المسألة: أحدهما: لا يجوز له الحكم بينهما، وهو ما يراه بعض فقهاء الحنابلة، وأحد رأيين محتملين في فقه الشافعية، وقد علل لهذا الرأي، بأنه لا تقبل شهادته لأحدهما على الآخر فلم يجز الحكم بينهما قياسا على الشهادة. الرأي الثاني: يجوز له الحكم بينهما وهو كما يراه بعض فقهاء الشافعية وبعض فقهاء الحنابلة، وقد علل لهذا الرأي بأن الخصمين عنده سواء فارتفعت تهمة الميل إلى أحدهما فأشبها الأجنبيين٣.

стр. 554

الأصل السابع: الحكم بالاجتهاد الثاني للقاضي إذا تغير اجتهاد القاضي قبل أن يحكم في القضية فإنه يجب عليه أن يحكم بما تغير اجتهاده إليه، ولا يجوز له أن يحكم باجتهاده الأول؛ لأنه إذا حكم باجتهاده الأول فقد حكم بما يعتقد أو يغلب على ظنه أنه باطل. وقال العلماء: إنه إذا تغير اجتهاده من غير أن يخالف نصا، ولا إجماعا أو خالف اجتهاده اجتهاد من كان قبله في هذا المنصب لم ينقضه لمخالفته، وقد استدل العلماء على هذا بأن الصحابة ﵃ أجمعوا على هذا، فقد نقل عن أبي بكر ﵁ أنه حكم في مسائل باجتهاده، وخالفه عمر ﵁، ولم ينقض أحكامه، وعلي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- خالف عمر في اجتهاده، فلم ينقض أحكامه١. وروي أن عمر بن الخطاب لقي رجلا له خصومة فقال له: ما صنعت؟ قال الرجل: قضى علي وزيد بكذا، قال عمر: لو كنت أنا لقضيت بكذا، فقال الرجل: وما يمنعك والأمر إليك؟ "يعني أنه رئيس الدولة" قال: لو كنت أردك إلى كتاب الله أو إلى سنة نبيه لفعلت، ولكن أردك إلى رأي والرأي مشترك، ولم ينقض عمر ما قضى به علي وزيد.

стр. 555

الأصل الثامن: جواز الطعن في الأحكام في بعض الأحوال تمهيد: هنا أمر يحسن التنبيه عليه هو أنه يجب أن يتوفر الاحترام الكامل للأحكام التي تصدر عن القاضي، سواء من طرفي الخصومة: المدعي والمدعى عليه، أو غيرهما، فهذا يؤدي إلى أن يحصل الاستقرار والثبات في المراكز القانونية التي صدرت بشأنها الأحكام. لكن الأحكام التي يصدرها القضاة هي أحكام صادرة عن بشر، والبشر ليسوا بمعصومين من الخطأ إلا من عصم الله صاحب العزة والجلال من الرسل والأنبياء، ولهذا فاحتمال الخطأ في الأحكام القضائية وارد، ولا بد من أن يكون هناك علاج وتصحيح للأخطاء التي يمكن أن تقع في الأحكام القضائية، ولكي يحدث التوفيق -في القوانين الوضعية- بين إرادة الاستقرار والثبات في المراكز القانونية التي صدرت بشأنها الأحكام, وبين إرادة تصحيح الأخطأ التي يمكن أن تحدث من القضاة, أجاز القانون الوضعي للخصوم أن يطلبوا من القضاء إعادة النظر في القضية محل الحكم، باتباع وسيلة من الوسائل التي نظمها القانون، وهذه

стр. 556

الوسائل تسمى في الاصطلاح القانوني: طرق الطعن في الأحكام١. وقد قسم القانونيون هذه الطرق إلى قسمين: طرق طعن عادية، وطرق طعن غير عادية أو استثنائية، وأطلق على طرق الطعن العادية هذا الوصف؛ لأنه لا يشترط في جواز ممارستها أسباب معينة، بخلاف طرق الطعن غير العادية فقد اشترط القانون أسبابا محددة لها. فأما طرق الطعن العادية فهي: المعارضة، والاستئناف، وأما الطرق غير العادية فهي: التماس إعادة النظر، والطعن بالنقض، وإليك توضيح معنى كل طريق من هذه الطرق. المعارضة: طريق طعن عادي في الأحكام التي صدرت في غيبة المحكوم عليه, يرفع إلى نفس المحكمة التي صدر عنها الحكم المطعون فيه لا إلى محكمة أعلى, ولهذا فإن المعارضة لا تعد درجة ثانية من درجات التقاضي٢. وقد أصبحت المعارضة غير جائزة في المسائل المدنية والتجارية. الاستئناف: طريق طعن عادي به يطرح الخصم الذي صدر الحكم كليا أو جزئيا لغير صالحه القضية كلها، أو جزءا منها أمام محكمة أعلى من المحكمة التي صدر عنها الحكم٣،

стр. 557

التماس إعادة النظر: طريق طعن غير عادي يرفع إلى المحكمة التي أصدرت الحكم الملتمس فيه، ويجوز أن ينظر من نفس القضاة الذين أصدروا الحكم موضوع الالتماس، ولهذا لا يعد التماس إعادة النظر درجة من درجات التقاضي. ولأن هذا الطريق من طرق الطعن طريق غير عادي فإنه لا يجوز إلا لأسباب معينة وردت في القانون على سبيل الحصر. ومن هذه الأسباب ما إذا حدث غش من الخصم "المطعون ضده" من شأنه أن يؤثر في الحكم. ومنها ما إذا حال الخصم دون تقديم أوراق قاطعة في الدعوى بشرط أن يحصل عليها الملتمس بعد صدور الحكم. ومنها حصول الملتمس على إقرار بأن الورقة، أو الأوراق التي بني الحكم عليها مزورة، ومنها ما إذا قضى بعدم صدور الحكم بتزوير هذه الأوراق. ومنها إذا قضى بعد صدور الحكم بأن الشهادة التي بنى عليها مزورة. الطعن بالنقض: طريق غير عادي من طرق الطعن في الأحكام فلا يجوز إلا بالنسبة إلى أحكام معينة وفي أحوال خاصة في غير نصابها الانتهائي. وقد نص القانون على أسباب معينة هي التي تجيز الطعن بالنقض، منها في القانون المصري إذا كان الحكم الذي يطعن فيه قد صدر مخالفا للقانون، أو كان نتيجة خطأ في تطبيقه أو في تأويله١. الحال في الفقه الإسلامي: ما سبق كان بيانا لطرق الطعن في الأحكام في القانون الوضعي فإذا انتقلنا

стр. 558

إلى الفقه الإسلامي نجد أن العدل المطلق هدف من أهداف القضاء في الإسلام، ويقتضي هذا أن يبحث القاضي عن الحق، فأينما وجده قضى به، وإذا أخطأ القاضي في حكمه فخالف نصا شرعيا من الكتاب الكريم، صريح الدلالة أو السنة الشريفة صريحة الدلالة كذلك أو إجماعا من العلماء على حكم معين فلا بد من نقض هذا الحكم، أي: إبطاله، وقد عبر فقهاؤنا القدامى بنقض الحكم ويريدون به إبطاله واعتباره كأنه لم يكن في صورة معينة، سنتكلم عنها فيما سيأتي قريبا، إن شاء الله تعالى، فليس المراد بالنقض في الفقه الإسلامي بالنقض عند القانونيين وهو أنه أحد طرق الطعن غير العادية، يقصد به تقويم الاعوجاج القانوني في الحكم المطعون فيه، وتوحيد فهم القضاة للقانون١. ونقض هذا الحكم أو طلب نقضه حق لكل من يعلم به، بل واجب عليه، سواء في هذا القاضي الذي أصدره ثم تبين له مصادمته للنصوص الشرعية، أو أحد أطراف الخصومة، بل لأي إنسان آخر ليس له صلة بالقضية أن يطلب نقض هذا الحكم، استنادا إلى سلطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي السلطة التي خولها الله ﵎ لكل فرد من أفراد المسلمين ليتحقق بذلك الرقابة التي تحقق الإصلاح. هذا، وسنختار التعبير عن هذه العملية باستئناف الأحكام دون التعبير بأي طريق آخر من طرق الطعن المعروف في القانون الوضعي، والتي أعطينا القارئ فكرة سريعة عنها. الدليل على جواز الاستئناف في الأحكام: أقوى ما يدل على جواز الاستئناف في الأحكام القضائية حديث رسول الله

стр. 559

- ﷺ : "البينة على المدعي" فهذا الحديث الشريف يفيد حكما عاما لكل الأحوال، فليس مقصورا على حال معينة، بل ينتظم عامة الأحوال دون فصل بين ما قبل الحكم وما بعده١. وقد حاول بعض العلماء الاستدلال لجواز الاستئناف لكن أدلتهم كان بعضها غير واضح الدلالة، وبعضها حديثا غير ثابت، وبعضها قولا لصحابي، ومعروف أن قول الصحابي إن كان حجة عند بعض العلماء فليس حجة عند البعض الآخر. فأما الدليل غير واضح الدلالة على جواز الاستئناف, فهو ما جاء في صحيحي البخاري ومسلم أن رجلا من الأعراب أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله، فقال الخصم الآخر -وهو أفقه منه: نعم فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي، فقال رسول الله ﷺ : "قل"، قال: إن ابني كان عسيفا٢ عند هذا فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، "أي: جارية صغيرة" فسألت أهل العلم، فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك مائة جلدة وتغريب عام، واغد يا أنيس ٣ إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها"، فغدا عليها، فاعترفت، فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت٤.

стр. 560

فقد استدل البعض بهذا الحديث على جواز الاسئناف١, ولا نرى صحة الاستدلال بهذا الحديث على الاستئناف؛ لأنه لم يصدر حكم من قاض في هذه القضية قبل أن ترفع إلى رسول الله ﷺ ، وإنما يبين الحديث أن الرجل أخبره بعض الناس أن على ابنه الرجم، فافتدى منه بمائة شاة وجارية، فسأل أهل العلم فأخبروه أن على ابنه جلد مائة وتغريب عام، فأهل العلم الذين أخبروه إنما أفتوه بهذا الحكم, ولم يكونوا قضاة أصدروا حكما قضائيا حتى يصح الاستدلال بالحديث. وأما الحديث الذي لم يثبت٢ فهو ما رواه الإمام أحمد وغيره، عن حنش بن المعتمر، عن علي بن أبي طالب قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فانتهينا إلى قوم قد بنوا زبية للأسد٣، فبينما هم كذلك يتدافعون، إذ سقط رجل فتعلق بآخر، ثم تعلق الرجل بآخر، حتى صاروا فيها أربعة، فجرحهم الأسد، فانتدب له رجل بحربة فقتله، وماتوا من جراحهم كلهم، فقام أولياء الأول إلى أولياء الآخر، فأخرجوا السلاح ليقتتلوا فأتاهم علي ﵁ على تفيئة ذلك "أي: على أثر ذلك" فقال: تريدون أن تقاتلوا ورسول الله ﷺ حي؟ إني أقضي بينكم قضاء، إن رضيتهم به فهو القضاء، وإلا حجز بعضكم عن بعض، حتى تأتوا النبي ﷺ ، فيكون هو الذي يقضي بينكم، فمن عدا بعد ذلك فلا حق له، اجمعوا من قبائل الذين حفروا البئر ربع الدية، وثلث

стр. 561

الدية ونصف الدية، والدية كاملة، فللأول ربع الدية؛ لأنه هلك١ من فوقه ثلاثة وللثاني ثلث الدية وللثالث نصف الدية، وللرابع الدية كاملة، فأبوا أن يرضوا، فأتوا النبي ﷺ وهو عند مقام إبراهيم٢ فقصوا عليه القصة، فقال: "أنا أقضي بينكم"، واحتبى٣، فقال رجل من القوم: إن عليا قضى فينا، فقصوا عليه القصة، فأجازه رسول الله -صلى الله عليه وسلم٤، وزاد في بعض ألفاظه: "وجعل الدية على قبائل الذين ازدحموا". الحديث ضعيف؛ لأن حنشا راوي الحديث اختلف العلماء في توثيقه٥، ويكفي هذا في رد الحديث، لكن بعض الباحثين يرى أنه يضاف إلى عدم ثبوت الحديث أن عليا لم يحكم بينهم بصفته قاضيا؛ لأن القاضي لا يخير الخصوم والحديث يبين أن عليا خيرهم، وأيضا فإن الخصوم لم يترافعوا إلى علي، وإنما هو الذي جاءهم عقب الحادثة ليقوم بالصلح بينهم، أي: إنه عرض نفسه ليكون حكما بينهم فقبلوا تحكيمه على شرط أنهم إذا لم يرضوا بما يحكم به فلا يلزمهم، فلم يكن في هذه الحادثة حكم قاض حتى يمكن أن يقال إنه وجد الاستئناف٦.

стр. 562

ونرى أن حكم علي في هذه الحادثة -لو ثبت الحديث- يمكن أن يكون حكم قاض؛ لأن عليا كان أرسله الرسول ﷺ إلى اليمن قاضيا، كما هو معروف، وكونه هو الذي أتاهم عقب الحادثة لا يغير الأمر من قاض إلى محكم؛ لأن البيئة كانت بيئة ساذجة لا تعقيد فيها، والبساطة من علي تجيز له -وهو القاضي- أن يذهب إلى الخصوم، وخاصة إذا كان الأمر خطيرا جدا، فقد كادت القبائل أن يسيل بعضها دم بعض. وكونه خيرهم أن يرضوا بما يحكم به أو ينتظروا -بعد حكمه- حى يعرضوا الأمر على رسول الله ﷺ إذا لم يرضوا بما حكم، فهذا أيضًا مقبول من قاض في مجتمع بسيط لم يوجد فيه تعقيد الإجراءات. فليست المشكلة في هذه الأمور، وإنما المشكلة أن الحديث لم يثبت، ولو ثبت الحديث لكان من وجهة نظرنا دالا على الاستئناف. وأما قول الصحابي ففي مصنف عبد الرزاق١ "أتى ابن مسعود برجل وجد مع امرأة في لحاف، ولم تقم البينة على غير ذلك فضربه عبد الله أربعين٢، وأقامه للناس، فغضب قومه من هذا وانطلقوا إلى عمر ﵁، فقالوا: فضح منا رجلا، فقال عمر: بلغني أنك ضربت رجلا من قريش، قال عبد الله: أجل وقص عليه القصة، فقال له عمر: أرأيت ذلك؟ قال: نعم، قال عمر: نعم ما رأيت، فعند ذلك قال الشاكون، جئنا نستعديه عليه، فاستفتاه".

стр. 563

وقول الصحابي -حتى لو كان من اثنين- لا يعد حجة كما قال الشافعي في الجديد من مذهبه، واختاره جمع من متأخري الحنفية، والشافعية، والمالكية وأكثر المتكلمين. هذا، ويمكن القول بأن فقهاءنا القدامى تعرضوا لبحث موضوع استئناف الأحكام، لكن ليس بهذا العنوان، وإنما سموه بالدفع١ وما قالوه في دفع الدعوى بعد الحكم من القاضي ينطبق على الاستئناف؛ لأنه ليس إلا نظر في الدعوى مرة ثانية، غير أن الفقهاء القدامى لا يشترطون تغيير القاضي الذي سينظر في الدعوى مرة أخرى كما هو الحال في الاستئناف بوصفه طريقا من طرق الطعن في الأحكام في القوانين الوضعية٢. ومن يرجع إلى كتب الحنفية يجد فيها ما يفيد هذا، فقد بين بعضهم أنه كما يصح الدفع عند القاضي الأول يصح عند قاض آخر، وكما يصح قبل الإشهاد يصح

стр. 564

بعده، وقال ابن نجيم في أشباهه١ بعد أن قرر هذا: وهو المختار إلا في ثلاث مسائل. الأولى: إذا قال لي دفع، ولم يبين وجهه لا يلتفت إليه. الثانية: لو بين لكن قال: بينتي غائبة عن البلد، لم يقبل. الثالثة: لو بين دفعا فاسدا. وفي الفقه المالكي نجد اختلافا بين فقهائه فيما لو أتى المحكوم عليه ببينة لم يعلم بها، وطلب فسخ الحكم عنه، على ثلاثة آراء: الأول: أنه تسمع البينة، فإن شهدت بما يوجب الفسخ فسخ الحكم عنه، وهذا ما يراه ابن القاسم. الثاني: لا تسمع البينة، وهذا ما يراه سحنون. الثالث: إن قام بالبينة عند ذلك القاضي الحاكم نقضه، وإن قام عند غيره لم ينقضه، وهذا ما يراه ابن المواز٢. وإذا انتقلنا إلى فقه الشافعية نجد أنهم تكلموا عمن أخذ منه مال بناء على شهادة الشهود، ثم ادعاه، فقالوا: تسمع دعواه وترجح بينته بملكه على بينة خصمه؛ لأن له يدا سابقة على المال.

стр. 565

واختلف فقهاء الشافعية فيما لو حكم القاضي بإزالة يد شخص عن عين من الأعيان التي تحت يده، بناء على بينة أقامها شخص آخر فحكم له القاضي بهذه البينة، مستندا إلى ما قبل إزالة يده مع استدامته إلى وقت الدعوى، واعتذر عن ذلك بغيبة شهوده -مثلا- فيرى النووي أن على القاضي أن يسمع بينته وتقدم على بينة من حكم له القاضي بها؛ لأن صاحب اليد قد أزيلت يده لعدم الحجة، فإذا ظهرت الحجة حكم بها، بخلاف ما إذا لم تستند بينته إلى ذلك، أو لم يعتذر بما ذكر ونحوه فلا تقدم بينته. ويرى القاضي حسين من فقهاء الشافعية أنه لا تسمع البينة، فلا ينقض القضاء، ونقل الهروي عن القاضي حسين أنه قال: أشكلت علي هذه المسألة نيفا وعشرين سنة لما فيها من نقض الاجتهاد بالاجتهاد وتردد فيها جوابي، ثم استقر على أنه لا ينقض١. ومع احترامنا الكامل لكلا الرأيين في الفقه الشافعي، مع ميلنا إلى ما يراه الإمام النووي من ترجيحه جانب اليد الذي لم يكن معه بينة وقت نظر الدعوى، ثم تيسر له بعد ذلك أن يثبت حقه بالبينة، نقول مع احترامنا لكلا الرأيين فإننا نستفيد من هذا الخلاف أن مبدأ الاستئناف يقول بعض الفقهاء به من الشافعية؛ لأن الاستئناف ما هو إلا نظر للدعوى مرة ثانية، وهذا ما حدث هنا في المسألة التي حكينا خلاف فقهاء الشافعية فيها. وخلاصة ما تقدم أن استئناف الأحكام قال به فقهاؤها القدامى، بل عبر بعضهم بكلمة الاستئناف، قال ابن القاص: "اتفق الجميع على أنه ليس للقاضي أن
следующие страницы →