رمزي: إذن أنا سأكون طالبًا في هذا المعهد، فاللغة العبرية تابعة له.
"ويطول الحديث ويعرِّف خلاله مائير اليهودي رمزي العربي على أقسام الجامعة ودراستها, إلى أن يقول رمزي".
رمزي: الحقيقة يا أخ مائير إنها كانت مناسبة سعيدة للقائك والتعرف عليك.. أظن أن الوقت قد جاء, فلنعد إلى الدور.
أعتقد أن هذا مكاني.. شكرًا يا....
راحيل: راحيل اسمي.
مائير: إلى اللقاء يا رمزي, وآمل أن أراك غدًا.. وعلى كل حال فتفضَّل إلى غرفتي, فأنا في منازل الطلاب.
رمزي: شكرًا.. شكرًا جزيلًا, سآتي إن شاء الله.
أرى أننا سنبقى بالدور هنا نصف ساعة على الأقل.
راحيل: لقد تعبت قدماي, فأنا واقفة هنا منذ أكثر من ساعة.
رمزي: إذا أردت الاستراحة فأذهبي واجلسي هناك على الكرسي.
"ثم ينتقل الحديث بين راحيل "الفتاة اليهودية ورمزي" يقول في نهايته:
رمزي: شكرًا يا راحيل على المعلومات القيمة التي استقيتها منك.
راحيل: لا شكر على واجب.
رمزي: إلى اللقاء في الدرس.
راحيل: إلى اللقاء.
رمزي: "يلتفت إلى زميل عربي" الحقيقة يا محمد أني أشعر بالارتياح, وأني جدّ معجب بالجو هنا في الجامعة.. فتصور أنى في اليوم الأول هنا اكتسبت صديقين مائير وراحيل، ومنهما استفدت الكثير.
стр. 107
الأرض السليبة تحت النفوذ الشيوعي
مدخل
...
٣- الأرض السليبة تحت النفوذ الشيوعي:
تقدمة:
مساحة العالم العربي ربع مساحة العالم، والمساحة التي يسيطر عليها الشيوعيون خُمْس مساحة العالم الإسلامي، وعدد المسلمين الواقعين تحت الاستعمار الشيوعي يمثلون خُمْس المسلمين١.
وذلك يدعونا إلى رفع الصوت بالنذير للغافلين، والنائمين، واللاهين من أمتنا الإسلامية. إن ميراث محمد ﵊ يحتله الكفر البواح الفاجر!
وإن أعراض المسلمات وحرمات المسلمين تعبث بها أيدي الملاحدة الشيوعيين, وإن الفتنة التي يتعرَّض لها هؤلاء وأولئك من الكفر الحاكم أشد من القتل, وأكبر من القتل!
ونكتفي بإذن الله بالإشارة إلى حال المسلمين في الاتحاد السوفييتي, ثم في الصين, ثم في بعض بلاد أخرى تحكمها الشيوعية.
стр. 108
أولًا: المسلمون في الاتحاد السوفيتي
الأرض الإسلامية -ميراث محمد ﵊ أضعاف أرض روسيا, فأقاليم الإسلام في الاتحاد السوفيتي تشمل:
١- الأورال.
٢- استرخان.
٣- سيبيريا.
٤- القرم "وهي أغنى المناطق بالحاصلات الزراعية".
٥- القوقاز "وهي أغنى المناطق بالبترول وبعض المعادن".
٦- التركستان بلاد ما وراء النهر "منها إماما السنة: البخاري ومسلم، والمفسران: الزمخشري والنسفي، وأئمة البلاغة وإعجاز القرآن: عبد القاهر الجرجاني, وسعد الدين التفتازاني, ويوسف السكاكي, ومنها الفارابي وابن سينا، ومن علماء الرياضة والفلك خالد والبلخي, ومن علماء الهندسة: بنو موسى. ومنها البيروني، والماتوريدي الخوارزمي، والسرخسي والجوهري، وغيرهم.
ومن الثروات المعدنية:
٢٥٠ منجمًا للذهب، ١٦ للفضة، ٤٦ الحديد، ٣٢ للرصاص، ٣٤٤ للبترول، ٧٠ للفحم، ١٣ للكبريت، ٦٣ للصوديوم, عدا الأورانيوم والفرام والزئبق والنحاس والقصدير والبلاتين.
وهذه الأقاليم تمثّل الشمال الشرقي من العالم الإسلامي.
وهي تمثّل من حيث المساحة تسعة أعشار مساحة الاتحاد السوفيتي "كانت ٤٠٠ ألف كيلو متر, فصارت بعد ضم البلاد الإسلامية ١٤ مليون كيلو متر".
- بعد الثورة البلشفية أصدر مجلس قوميسيري الشعب البلشفي نداءً موجهًا إلى شعوب روسيا من المسلمين, كان من بين من وقعه لينين وستالين جاء فيه "مؤرخًا ٧ ديسمبر ١٩١٧": إن إمبراطورية السلب والعنف الرأسمالية توشك أن تنهار, والأرض التي تستند عليها أقدام اللصوص الاستعماريين تشتعل نارًا..
стр. 109
وفي وجه هذه الأحداث الجسام نتجه بأنظارنا إليكم أنتم يا مسلمي روسيا والشرق، أنتم يا من تشقون وتكدحون, وعلى الرغم من ذلك تحرمون من كل حق أنتم له أهل..
أيها المسلمون في روسيا.. أيها التتر على شواطئ الفولجا وفي القرم.. أيها الكرغيز والسارتيون في سيبيريا والتركستان.
أيها التتر والأتراك في القوقاز.. أيها الجبليون في اتحاد القوقاز..
أنتم يا من انتهكت حرمات مساجدكم، وقبوركم, واعتدي على عقائدكم وعاداتكم، وداس القياصرة والطغاة الروس على مقدساتكم:
سنكون حرية عقائدكم وعاداتكم، وحرية نظمكم القومية, ومنظماتكم الثقافية مكفولة لكم منذ اليوم.. لا يطغى عليها ولا يعتدي عليها معتد..
هبوا إذن فابنوا حياتكم القومية كيف شئتم، فأنتم أحرار, لا يحول بينكم وبين ما تشتهون حائل.. إلى أن قال البيان:
أيها الرفاق.. أيها الإخوان..
لنتقدم سويًّا في عزم وصلابة نحو مسلم عادل ديمقراطي.
إن رايتنا تحمل معها الحرية للشعوب المظلومة في أرجاء العالم..
أيها المسلمون في روسيا..
أيها المسلمون في الشرق..
إننا ونحن نسير في الطريق الذي يؤدي بالعالم إلى بعث جديدٍ نتطلَّع إليكم؛ لنلتمس عندكم العطف والعون..
استجابت البلاد الإسلامية وأعلنت استقلالها "عن الحكم الروسي القديم".
فهل تركها الحكم الذي يحمل الحرية للشعوب المظلومة في أرجاء العالم؟
في إبريل سنة ١٩١٧, أي: بعد أربعة شهور من البيان السابق, أصدر لينين أمرًا بالزحف على البلاد الإسلامية, وسارت الجيوش الروسية بالدبابات والطائرات والمدافع تدمر وتحصد ما في طريقها, وفي نهاية العام تَمَّ لها الاستيلاء على جمهورية "إيديل أورال"وشمال القوقاز، وحكومة خوقند، وتأخَّر استيلاؤها على شبه جزيرة القرم لعنف المقاومة فيها.
стр. 110
وفي سنة ٩١٩! تَمَّ الاستيلاء على جمهورية الأش ازود.
وفي إبريل سنة ١٩٢٠ انتهت القرم، واستأنف الهجوم على جمهورية أذربيجان, واستطاعت إخضاعها.
وفي نهاية سنة ١٩٢٠ استولت على جمهورية خيوة بعد أن ظلَّت تدافع دفاع المستميت.
وفي سنة ١٩٢١ استأنف الهجوم على جمهورية بخارى, ودار فيها قتال مرير, ودافع أحفاد الإمام البخاري ﵁ عن ميراث محمد ﵊, لكنهم وحدهم لم يستطيعوا الوقوف في وجه الزحف الأحمر الثقيل, فهزمت جيوشهم المنظَّمة، لكنهم ظلوا يحاربون حرب عصابات مدة عشر سنوات دون أن يتلقوا أي معونة من العالم الإسلامي, ونشرت جريدة أزفسيتا في عددها الصادر ١٥ يولية سنة ١٩٢٢ تقريرًا للرفيق كالينين عن مجاعة القرم "نتيجة نقل الروس ما في الجزيرة من قوات ليضطروهم للتسليم".
بلغ عدد الذين أصابتهم محنة الجوع في شهر يناير ٣٠٢.٠٠٠, مات منها ١٤.٤١٣, ارتفع عددهم في شهر مارس إلى ٣٧٩.٠٠٠, مات منهم ١٩.٩٠٢, بلغ في إبريل ٣٧٧.٠٠٠, مات منهم ١.٢٧٥٤, وفي يونية ٣٩٢.٠٧٢, "ولم يذكر كم مات في هذا الشهر".
وقد كان سكان القرم في سنة ١٩١٧: ٥ ملايين.
فأصبحوا في سنة ١٩٤٠ ٤٠٠ ألف فقط, أقل من عُشْرِ السكان.
وكانت المساجد ١٥٥٨ مسجدًا لم يبق منها إلّا العشرات.
لجأت الثورة الشيوعية بعد أن استتبَّ لها الأمر إلى نفي شعوبٍ بأكملها ليحلَّ محلها الروس, وفي بيان لوكيل الجامع الأزهر ورئيس جماعة الكفاح الإسلامي أُرْسِل إلى الأمم المتحدة, قدَّم بعض المهاجرين من الحكم البلشفي الغاشم بعض الحقائق نذكر منها:
стр. 111
أ- في التركستان وحدها قتل الشيوعيون سنة ١٩٣٤ مائة ألف مسلم, ونفوا ثلاثمائة ألف مسلم, ومات ثلاثة ملايين جوعًا نتيجة استيلاء
الروس على محاصيلهم, وإعطائهم الصليبيين ليحلوا محلهم. وفيما بين سنة ١٩٣٧-١٩٣٩ ألقت القبض على ٥٠٠ ألف مسلم, أعدمت منهم فريقًا ونفت الباقي.
وقتلوا من علماء الدين: الشيخ برهان البخاري قاضي القضاة, والشيخ خان مروان مفتي بخارى، والشيخ عبد المطلب داملا، والشيخ محسوم متولي، والشيخ عبد الأحد دار خان، والشيخ الحاج ملا يعقوب، والشيخ ملا عبد الكريم، ومولانا ثابت رئيس الوزراء، وشريف حاج قائد مقاطعة ألما أتا، وعطمان
أوراز قائد مقاطعة كاشغر، ويونس بك وزير الدولة, والحاج أبو محسن وزير التجارة، وطاهر بك رئيس مجلس النواب, وعبد الله داملا وزير الأشغال.
وفي سنة ١٩٤٩ هرب ٢٠٠ ألفًا شخص, منهم ١٢٠٠ لقوا حتفهم في الطريق, وفي ١٩٥٠ هرب ٢٠٠٠٠ مسلم, وقتلت روسيا منهم سبعة آلاف.
ب- في القرم قتلوا:
سنة ١٩٢١ مائة ألف مسلم جوعًا, سنة ١٩٢٨ قتلوا ولي إبراهيم رئيس الجمهورية مع وزرائه. سنة ١٩٣٠ قتلوا محمد قوباشي رئيس الجمهورية وجميع وزرائه. سنة ١٩٣٧ قتلوا إلياس طرخان رئيس الجمهورية وجميع وزرائه بعد استدعائهم إلى موسكو أثناء محاكمة المارشال تحاتشنفسكي.
نصوص في دستور الاتحاد السوفيتي:
في دستور سنة ١٩١٨ نصَّ على أنَّ حرية الدعاية واللادينية مكفولة للجميع.
عدّل في سنة ١٩١٩ إلى حرية إقامة الشعائر الدينية وحرية الدعاية اللادينية مكفولتان لجميع المواطنين.
стр. 112
في دستور سنة ١٩٣٦ "م. ١٢٤": لكي يستمع المواطنون بحرية الضمير تفصل الكنيسة في الاتحاد السوفيتي عن الدولة, والمدرسة عن الكنيسة, ويكفل لجميع المواطنين حرية الدعوة ضد الدين.
وفي المادة ١٢٢ من القانون الجنائي السوفيتي تحريم تلقين الأطفال الأحداث العقائد الدينية في مدارس الحكومة, أو المدارس الخاصة, أو المعاهد التعليمية المختلفة.
وواضح من هذه النصوص:
١- التفرقة الظالمة بين حرية التدين وحرية الإلحاد؛ فالأولى قاصرة على مباشرة الشعائر الدينية "إن صدقوا فيها", والثانية ممتدة إلى حرية الدعوة والدعاية ضد الدين.
٢- تنتهي حرية التديُّن إلى مجرد شعائر بغير مضمون, ولا تطبيق إذا وعينا النص الجنائي الذي يحرم تلقين الأطفال العقائد الدينية في مدارس الحكومة أو المدارس الخاصة أو المعاهد التعليمية المختلفة, فمن أين يأتي لهم التديُّن الذي يسمح الدستور "المحترم" بممارسة شعائره.
وعن كتاب صدر في موسكو سنة ١٩٦٧, وأعيد طبعه عام ١٩٧٤م.
انظر الملحق رقم "٢" عن بعض وسائل نشر الإلحاد ومحاربة الدين في الاتحاد السوفيتي.
стр. 113
ملحق رقم "٢":
عن وسائل نشر الإلحاد ومحاربة الدين:
عن معهد الإلحاد العلمي بأكاديمية العلوم الاجتماعية للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي١, يشير إلى بعض وسائل نشر الإلحاد ومحاربة الدين.
نقتطف منها جزءًا؛ لنرى أيّ حرب توجَّه ضد الدين, رغم الدعاية الكاذبة بتعايش الشيوعية مع الدين,
ولنرى أن وسائل الإلحاد هي وسائل للتبشير القديمة تعيد نفسها مرة أخرى, وإن حاولت أن تتجنَّب أخطاء التبشير, واقتربت من وسائل التغيير الاجتماعي, يقول كتاب نشر الإلحاد الصادر في روسيا:
والآن من ذا الذي يعتبر أهلًا للقيام بنشر الإلحاد بين معتنقي الإسلام؟
ذلكم سؤال هام وخطير.. إذا كان الداعية الملحد الذي سيحاور المسلم لا تربطه بالإسلام أي رابطة مشتركة من الناحية القومية, ففي إمكان المؤمن أن يفترض أنه إنما ينقد الإسلام خاصة ولا يتعرض لدينه هو بشيء, لذلك كان من السهل على الداعية الذي ينتهي والمؤمن إلى قومية واحدة أن يجري معه حوارًا، وخاصة إذا بدأ الحوار بينهما باللغة القومية المشتركة، وإن كان هذا لا يعني أن علاقة المسلم تنتهي إلى قومية أخرى قائمة بالضرورة على عدم الثقة..
وأيًّا كانت قومية الدعاية فلا بُدَّ له من معرفةٍ جيدة بالدين والعادات والتقاليد التي يتمسَّك بها المؤمن، فخلال العمل بين المسلمين تعد مراعاة
стр. 114
السن والجنس عند المؤمنين على جانب كبير من الأهمية، ومن ثَمَّ كان الحديث إلى كبار السن أيسر بالنسبة لداعية متقدِّم في السن، والغالبية العظمى من المسلمات يرفضن الحوار مع الأجنبي, أمَّا مع المرأة التي تقوم بالدعاية فإنهن أفضل سلوكًا إلى حد كبير.
أضف إلى ذلك أن نموذج المرأة النشيطة يؤثر تأثيرًا قويًّاعلى كثير من النساء, فالمؤمنات يتجهن إلى محاكاة الصديقة الأكثر ثقافة, أو ذات الشخصية الأكثر استقلالًا.
ويعين الداعية إلى الإلحاد في عمله الرأي العام الإلحادي الذي هو مدعو لِأَنْ يقوم بتشكيله, ومن المعروف على سبيل المثال أن كبار السن يكتسبون نفوذًا غير عادي بين المسلمين, وهذه الخاصية يستغلها كذلك الداعية حين يلجأ إلى مساعدة الشيوعيين المتقدمين في السن, والذين يكونون موضع الإجلال في المنطقة؛ إذ يصغى الناس في العادة إلى كلماتهم باهتمام خاص, وباستعداد لتنفيذ أي رجاء يصدر منهم. وتمارس لجان الكبار التي تؤسس في مناطق السكنى والمؤسسات تأثيرًا قوميًّا في تكوين رأي عام إلحادي.
ففي كولخوز "مير" في منطقة إشخاباد "عشق آباد" امتنع والد طالبة بالصف العاشر اسمها جولينا عطاييف عن إرسالها إلى المدرسة, وحاول إرغامها على الزواج, وتكلم أعضاء لجنة الكبار عن الكوخوز مع والدي الفتاة أكثر من مرة, وتوصلوا إلى إعادة الطالبة إلى المدرسة. وفي كولخوز "كيناس" يقوم أعضاء لجنة الكبار بعمل كبير؛ إذ يزورون البيوت التي يقيم فيها المؤمنون, وقد توصل هؤلاء الأعضاء الذين اضطلعوا بمسئولية دفن الموتى إلى أن جعلوا تأثير الشيوخ الرسميين وغير الرسميين يتضاءل في هذه العلمية إلى حدٍّ كبير, وفي نشر الإلحاد بين المسلمين في دار الإلحاد العلمي بموسكو, يعمل الشيوعيون المتقدمون في السن مثل م. ش. شاجي أحمدوف وس. خ اسماعيلوف وج. م. اختيافوف، وكثير غيرهم، وهم يزورون مساكن المؤمنين ويحادثونهم ويسدون إليهم النصيحة.
ويساعد الدعاة مساعدة كبيرة في صراعهم ضد التأثير الديني ارتداد
стр. 115
إنسان ذي شهرة في قضايا الدين يصلح مثالًا بالنسبة لبعض المؤمنين. وقد حقق الملحد قادر برزنيسوف من كولوخو زكيسيل بولدوزاخ. جمهورية تركمانيا نجاحًا كبيرًا في نشاطه الإلحادي عندما دعا جماعة من أكثر المؤمنين تعصبًا ثم ارتدوا عن الدين ليخطبوا أمام غيرهم من المؤمنين, وصار الذين ارتدوا عن الإسلام في هذا الكولوخو عونًا للداعية يمارسون نشر الإلحاد بين أفراد المؤمنين.
ويكسب العاملون في ميدان الطب نفوذًا كبيرًا بين المسلمين, وفي نقط العلاج الطبي يستقبل الأطباء مرضاهم للعلاج الصحي والاجتماعي، وهكذا يقدِّم الأطباء المساعدة الطبية, ثم يدور الحديث حول موضوعات العلوم الطبيعية, وقد حققت نقط العلاج الطبي هذه فوائد جمة لقضية تربية السكان تربية إلحادية في مدن أوزبكستان وقراها. ولذا، فإن الطبيب ومساعده من أجود المرشَّحين لممارسة الإلحاد بين أفراد المسلمين.
ويختص المعلمون في المدارس بدور كبير في الدعاية إلى الإلحاد, فالبداية الأولى للتعرّف إلى الطفل تجعل في إمكان المعلم تحديد التأثير الديني للعائلة.
ومهمته الأولى حينئذ هي إقناع الآباء بالامتناع عن تربية الأولاد تربية دينية, ويمكنه في الوقت نفسه أن يؤثر تأثيرًا إلحاديًّا كبيرًا على الآباء أنفسهم بإقامة اتصال مباشر بينه وبين أسرة التلميذ.
كثير من المعلمين لا يقصرون دورهم على تنشئة تلاميذهم؛ بحيث يشبّون غير متدينين, بل إنهم يربون فيهم رسوخ العقيدة في الإلحاد, والقدرة على مساعدة المؤمنين على التحرر من أغلال الدين. وقد نشرت صحيفة الكوسمولي الأوزبكستاني واقعة طريفة عن رجل عميق الإيمان, اسمه غلام أكا, أحْضرَ إلى طشقند ماءً مقدَّسًا من بخارى, وكم حاول أقاربه أن يقنعوه بأن هذا الماء لا يحوي أي شيء مقدَّس, فلم يقتنع العجوز, غير أنَّ ابنته كانت تلميذة في الصف العاشر وضعت نقطة من الماء المقدَّس تحت الميكروسكوب, ودعت أباها أن يحدق النظر، فقال الرجل في دهشة: ما هذه الديدان؟ إن نقطة الماء أكبر بمئات المرات، يا إلهي, لم أكن أتصور على الإطلاق أن في الماء
стр. 116
المقدس يمكن أن يوجد مثل هذا العدد من الميكروبات, إنها معدية.. ميكروبات, ألقي هذا الماء يا ابنتي على الأرض في الحال.. هذه تجربة بسيطة قامت بها تلميذة أدَّت النتيجة المرجوَّة, ولم تفلح في تحقيقها محاولات الإقناع والشروح المسهبة.
وتؤدي اللجان النسائية دورًا كبيرًا في ممارسة نشر الإلحاد بين الأفراد من النساء المؤمنات, وقد أثّرت تأثيرًا طيبًا في كثير من مناطق سمرقند, حين نظمت اللجان النسائية في نهار رمضان حفلات الشاي للنساء الصائمات في الشقق والنوادي، ولم يكن المؤمنات يرفضن الإفطار في مثل هذه الأحوال, وبذلك كن يخطون الخطوة الأولى في سبيل الانعتاق من الدين.
ومن الأمور التي لها أهمية في نشر الإلحاد بين النساء, تكوين رأي عام ضد الحجاب, وضد تزويج صغار السن من البنات، وضد المعاملة المهينة للمرأة، ففي كولخوزالاتو في جمهورية كيرغيزيا يتحدث الملحدون إلى الرجال أمام الزوار الأخرين قبل بداية أي اجتماع أو عرض سينمائي, يقولون لهم على سبيل المثال: ياحسن قل للناس: لماذا أتيت إلى الحفل بدون زوجتك, وأنت يا موزا أيضًا بيِّن للناس لم فعلت ذلك؟ وهنا كان بعض الرجال يصمتون, ولكن كثيرًا منهم كانوا يخرجون ثم يعودون ومعهم زوجاتهم, وهكذا استطاع الملحدون أن يجعلوا كل الرجال يحضرون إلى أماكن الاجتماعات العامَّة ومعهم زوجاتهم.
وربّما كان عميق الإيمان من المسلمين أكثر عزوفًا عن حضور الأمسيات والمحاضرات والمحادثات الإلحادية من أتباع أيّ نظام ديني آخر, ذلك أن القرآن يستنكر تناول الدين بالنقد. لذلك كانت المناقشات المضادة للدين, والكلمات العامَّة عنه لا تجدي نفعًا، ذلك أنَّ أي طعن على الإسلام يعتبر إهانة صارخة لإنسان رضع من لبن أمه التصورات الدينية التي يشاركه إياها آبائه وأجداده..
وفي مثل هذه الأحوال نجد مثل هذا الإنسان إمَّا أن ينغلق على نفسه, وإما أن يعبئ كل إرادته وعقله من أجل المقاومة, ولكنه لن يميل إلى قبول حديث عن الإلحاد, فليس سهلًا على الإنسان عن العقيدة التي نشأ عليها..
стр. 117
لهذا كله لا يمس الدعاية المجريون الدين مسًّا مباشرًا في محادثاتهم أثناء ممارستهم نشر الإلحاد بين أفراد المؤمنين, ولكنهم بعد أن يمهدوا بإثارة فضول المؤمن يتحوَّلون إلى نقد الدين. وها هو ذا مثال نسوقه للمعلمة ب. وليفا, من كولخوز "أكتوبر" في ضواحي سمرقند.. ففي المنزل عندما تجري هذه المعلمة محادثات مع المتدينات حين يفدن عليها كل مساء لشرب الشاي والاسترواح, وذلك دون أن يشعر أيًّا من المشتركات في الحديث أنها دعوة لكي تنبذ دينها, ويدور الحوار في يسر وبلا تكلف عن أحداث العالم وأنباء الكولخوز, لكن ربة المنزل هي التي تحدد لون الحديث, ثم توجه الكلام تدريجيًّا ودون أن تلحظ الأخريات إلى الموضوع المقصود, فتطرح الأسئلة ثم تتولى هي بنفسها الإجابة, وحينما يستولي موضوع الحديث على ألباب المؤمنات؛ حينئذ فقط تبدأ في الكلام بحرارة وإقناعٍ عن ضرر الرواسب الدينية.
وهذه قصة يرويها ملحد من موسكو يسمَّى ل. ح. جوميروف، تمكَّن من إخراج العاملة رحيمة بارنجلوفا من دينها، يقول الملحد: "أخذت بصفتي ملحدًا أزور شقة العاملة المتدينة رحيمة, وكنت أحادثها طويلًا وأقرأ الكتب جهرًا.. وكانت رحيمة تصمت في أكثر الحالات, ولكنها كانت تصغي إلي باهتمام, وكان واضحًا أن هذه القصص تجذب اهتمامها.. من العسير أن تتصور الأمر, لقد سمعت مني لأول مرة عن الأبطال من النساء السوفيت, وعرفت لأول مرة أسماء المشتغلات بالعلم من السوفيت.. وتكلمنا معها عن غزو السوفيت للفضاء.
وقد أزعجها كثيرًا هذا الموضوع وأذهلها على وجه الخصوص أنَّ رجال الفضاء لم يخافوا الله, بل ربما خافهم الله ما دام لم يحل بينهم وبين أن يصعدوا إلى مثل هذا الارتفاع.. وكان على ل. ح جوميروف أن يحادثها طويلًا إلى أن خلعت رحيمة ربقة الدين من عنقها نهائيًّا.
ومن الأيسر على الداعية إلى الإلحاد أن يحقِّق النجاح عندما يكون الرأي العام بين المجموع مكيفًا على نحوٍ لا يفخر فيه الناس بتعليق آيات القرآن في منازلهم, بل يكون مدعاة للخجل أن يعلقوا الآيات, أو أن يقسموا المنزل
стр. 118
نصفين: نصف للرجال ونصف للنساء, أو أن يرفضوا الغذاء في نهار رمضان، أو أن يقوموا بختان أولادهم.. إلخ.
والملحد نفسه يشكل الرأي العام إلى حد كبير, يقص علينا أ، ب. أفكسينتوف, وهو أحد الملحدين في شمال القوقاز, أن "عليمه جاجير زونفا شيزوخوفا" وهي من المشاركات في النشاط الاجتماعي كانت أول من امتنع عن إقامة المراسم الدينية في زواج ابنتها, وقد وجدت لها في الحال أتباعًا, ويدلنا هذا على أن تلك المراسم قد فات أوانها منذ زمن بعيد, وما أسرع ما انتشرت الأنباء في المنطقة عن زيجات جديدة تتمّ بمشاركة الأوساط الاجتماعية وبدون مراسم دينية، وهكذا انتهت مثل هذه الزيجات الدينية في أركينخالكي وغيرها من المناطق.
ولا بُدَّ في العمل على نشر الإلحاد بين المؤمنين المسلمين من أن يستغلّ في براعة اللهفة إلى المعرفة، ذلك أن الإسلام إذ يقوم على أساس القرآن, إنما يضيق اهتمامات معتنقيه ويحددها لكي يثبت الجهل, ولا بُدَّ أن نضع الإسلام من ناحية, والعلم والحضارة من ناحية أخرى؛ كطرفي نقيض؛ إذ أن العلم والحضارة وحدهما هما الكفيلان بحقٍّ بتلبية رغبات السوفيت في المعرفة.
وليس في قبيل المصادفة تلك النتائج الإيجابية التي حققتها أحاديث الملحد قادر بير تييسوف, وهو من كولخوز كيزيل يولدوز في جمهورية تركمانيا مع المتدينين. لقد استطاع أن يستخدم إنجازات العلم في تفنيد التصورات الدينية. أمَّا الملحد "رحمن خوجا ميرديف" وهو مدير الكولخوز, واسمه رسول جمعاييف يقول في حوار معه: "لا قدر الله علينا بنزول البرد, وهكذا تبين مدير المدرسة أنَّ المتحدث إليه رجل مؤمن. إدراك هذا ولكنه لم يعر الأمر اهتمامًا وأجرى الحديث معه لا عن الله, بل عن ظواهر الطبيعة وعن ماهية المطر والبرد, وكان يتكلم بطريقة مشوقة جذبت انتباه عامل المزرعة, فأخذ هذا يرجو أن يزوره ضيفًا, وشرع الملحد يزور عائلة جمعاييف، وكان يبرهن للعائلة باستعمال أمثلة من الحياة بسيطة سهلة الفهم
стр. 119
على عدم وجود قوة ما فوق الطبيعة تمنح الإنسان خيرات الحياة, وأن الإنسان نفسه هو خالق سعادته, وهكذا قطع "رسول" علائقه بالدين, وقد أجرى ب. خوجا ميرديف أحاديث مع أحد المشايخ واسمه "تور", كانا يتقابلان عشرات المرات, وفي هذه اللقاءات كان يحدثه عن سفن الفضاء, كما كان يحدثه عن المجتمع الشيوعي, ثم إن الملحد أطلعه على الجوهر الطبقي للإسلام, وفي مصلحة من كانت عقيدة القضاء والقدر.. وهنا أعلن الشيخ "تور" في اجتماع عام لعمَّال الكولخوز أنه لا يريد بعد الآن أن يعيش هذه الحياة الطفيلية, وأنه بالرغم من كبر سنِّه يود أن يعمل في الكولخوز.
وهكذا تعمل الماركسية ضد الدين في روسيا وفي خارج روسيا, وإن زعمت غير ذلك.
стр. 120
ثانيًا: المسلمون في الصين
كانوا يسكنون التركستان الشرقية, ومساحتها عشرة أمثال مساحة سوريا "أكثر من مليون ونصف كم٢", وكانت اللغة العربية هي السائدة فيها أيام الفتح الإسلامي, ثم سادتها الفارسية, ثم التركية, والآن تفرض عليهم اللغة الصينية.
ويمثل المسلمون فيها الآن أكثر من ٧٥% من سكانها.
ويمثلون في الصين كلها أكثر من ٧٥ مليونًا, يتوزعون بعد ذلك في المناطق الساحلية, خاصَّة المراكز الكبرى مثل: كلتتون وشانغهاي ومدن شانتونج١.
وفي حديث لرئيس وزراء الصين الشيوعية لأحد وزراء العرب عام ١٣٨٥هـ أنَّ في الصين عشرات الملايين من المسلمين، وبرغم جهلهم بالإسلام فإنهم أقرب إليكم منا".
ولنعرف حال المسلمين هناك:
ونأخذ منها مثلًا واحدًا, ما نشرته صحيفة "تمد بات باد" في هونج كونج, في عددها الصادر في ١١ أكتوبر سنة ١٩٦٦م, وهو منشور موجَّه إلى الحرس الأحمر, جاء فيه: "يا رجال الحرس الأحمر" لا يمكن أن ندع عدوًا من أعدائنا يهرب, وعلينا من الآن فصاعدًا أن نهاجم أكثر الأعداء تخفيًّا -المسلمين- الذين يقومون بنشاط ضد الحزب وضد الصينية تحت قناع الدين المزعوم..
من الآن فصاعدًا لن يسمح لكم بأن تضعوا قناعكم الديني على وجوهكم, سنطردكم وندمركم..
ومن الآن فصاعدًا لن يسمح لكم بأن تأكلوا لحم الأبقار؛ لأن الأبقار تخدم الشعب, يجب أن تاكلوا لحم الخنازير..
ولا يمكنكم من الآن فصاعدًا أن تضيعوا وقتكم في الصلاة..
стр. 121
يجب ألّا تتكلموا اللغة العربية التي هي ضد اللغة الصنيية.
ولن يسمح لكم بأن تقرأوا ما يسمَّى بالكتاب المقدَّس "القرآن".
اسمعوا أيها المسملون.
- دمروا جوامعكم - حلوا المنظمات الإسلامية - احرقوا القرآن.
- الغوا الحظر الذي وضعتموه على الزواج المشترك.
- كفّوا عن الصلاة.
- ادرسوا أفكار ماو.
- إذا لم تندمجوا سنطردكم وندمركم, يجب أن تسكنوا جحور الجرذان وندمرها معكم.
- فلتحيا الثورة الثقافية الكبرى.
- فليحيا طويلًا طويلًا الرئيس ماو١.
هذا ما بلغنا, ونحسب أن ما لم يبلغنا أعظم, ولنا أن نتصور بعد ذلك حياة أخوتنا المسلمين هناك، تحت جحيم الحكم الشيوعي الكافر.
стр. 122
ثالثًا: المسلمون في بلاد شيوعية أخرى
مثل: بلغاريا، ألبانيا، اليمن الجنوبية، الصومال، أفغانستان.
ففي كل هذه البلاد حكم شيوعي، يكتم أنفاس المسلمين، ويستذلهم, ويحاول سلب ما بقي لديهم من مقومات الدين والعفة والشرف.
ونكتفي بالإشارة إلى بلغاريا, ثم ألبانيا. انظر الملحق رقم ٣, ٤.
стр. 123
ملحق رقم "٣": المسلمون في بلغاريا
أولًا: بلغاريا
جاء في بيان موجَّه من هؤلاء المسلمين إلى أخوتهم في العالم الإسلامي، وأشار إليه خطاب اتحاد الطلبة المسلمين في شرق أوربا إلى كلٍّ من وزير الخارجية السعودي، وإلى الرئيس العام لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة بالمملكة العربية السعودية سنة ١٩٣٦ ١.
نحن المسلمين البلغار نتقدَّم بالشكر لكل من عمل على نشر قضيتنا للرأي العام, سواء كان ذلك بالإذاعة أم بالصحف، وقد كان لذلك أثر عميق في نفوسنا، ونودّ أن نوضِّح حقائق أخرى عن تلك القضية.
بعد أن شعر المسئولون البلغار بنشر القضية خارج القطر, أذاع راديو صوفيا بيانًا باللغة العربية رادًّا فيه بأنَّ المسلمين في بلغاريا بكل حرية ومساواة مع الآخرين.
لا شكَّ أنَّ هذا الرد غير صحيح, وبعيد كل البعد عن الحقيقة, كما سنوضح ذلك، ونلفت نظر العالم بأجمعه بأنَّ الدستور البغاري يذكر في المادة "٣٣":
البند "ب" لكل مواطن بلغاري الحق في أن يعتنق أي دين يرتضيه.
البند "و" لكل مواطن بلغاري يحمل اسمًا غير بلغاريٍّ الحقَّ في رفع قضايا جنائية في حالة تعرضه للأذى أو الإهانة لمجرَّد حمله لهذا الاسم.
وبالرغم من ذلك, فإن الحكومة البلغارية مصمِّمة في تنفيذ مخطَّط التنصير الماركسي ضد المسلمين.
فقط طلب من جميع المعلمين المسلمين أن يغيِّروا أسماءهم الإسلامية, أو أن يُطْرَدوا من أعمالهم, وألا يسمح لهم بممارسة أي عمل في أيّ جهاز من أجهزة
стр. 124
الدولة الرسمية, ورفض ١٦٥ معلمًا مسلمًا أن يغيروا أسماءهم, ولذلك طردوا من وظائفهم, ومنعوا من حق العمل في بلغاريا موطنهم ومسقط رأسهم.
وعند بدء العام الدراسي ١٩٧١- ١٩٧٢ طُلِبَ من جميع تلاميذ المدارس المسلمين أن يغيروا أسماءهم الإسلامية كشرط استمرارهم كتلاميذ, وإلا يطردوا من المدارس، ورفضوا جميعهم, وطردوا من المدارس.
صدرت أوامر في المؤسسات الحكومة لجميع المسئولين الإداريين أن يقوموا بإجراءات حازمة لتغير أسماء المسملين العاملين في المؤسسات، وكوّنت جماعات بوليسية مسلَّحة من قِبَل وزارة الداخلية لمراقبة تنفيذ هذه الأوامر ومتابعتها حتى النهاية.
تَمَّ القبض على مجموعات كبيرة من المسلمين, ووضعوا في معسكرات أُعِدَّت خصيصًا لهذا الغرض, وساموهم أمرَّ أنواع العذاب, ومن عاد منهم فبرجل مسكورة, أو يد أو أضلع مكسورات.
تَمَّ حصار بعض القرى, وقاموا بانتهاك حرمات المنازل بعد أن حطَّموا الأبواب والنوافذ، واقتحموها عنوة, وقذفوا بأصحابها في الخارج، وقد لقي عدد كبير من النساء والأطفال حتفهم, وكذلك الشيوخ, من جرَّاء الرصاص الذي أصلاهم به رجال الأمن الذين من واجبهم حفظ المواطنين، وقد تعرَّض الكثير من النساء والأطفال لنهش الكلاب البوليسية, وقد عارض كل المسملين تلك الأوامر حتى الفتيات منهم, مما أدَّى إلى إرسالهن إلى السجون، ولإخفاء تلك الجرائم تَمَّ القبض على بعض المسلمين واتهموهم زورًا وبهتانًا بارتكاب جرائم قتل المسملين, وحكم عليهم بالإعدام, ونُفِّذَ فيهم حكم الإعدام.
في يوم ١٠ مايو ١٩٧٢ تحرَّك حوالي ٥.٠٠٠ مسلم من منطقة بازرجيك, ومنطقة بارقويفقراء, وسمولن قراد, في مظاهرة احتجاجٍ متَّجهين إلى صوفيا "العاصمة", وكان ذلك في جوف الليل؛ لكي لا يعلم بهم البوليس, وقد ضَمَّ الموكب كل فئات المسلمين من الذين أعمارهم من ١٥ إلى ٧٥ عامًا, وكان تحرك الموكب تحت ظروف قاسية وسط الأمطار الغزيرة والوحل, وعلى بعد
стр. 125
أميال قليلة من صوفيا, وبالتحديد في محطة أسكار, علمت بهم السلطات, وأرسلت لهم قوة ضخمة من الجيش والبوليس, وحاصروهم بالدبابات والعربات المصفَّحة, ونقلوهم إلى مدينة بيلو؛ حيث وضعوا في السجون حتى الآن.
وفي ١٢ مايو ١٩٧٢ حوصرت قرية إيلانسكو برجال البوليس تصحبهم الكلاب البوليسية, فتصدَّى لهم المسلمون بشجاعة وبسالة, وقتلوا أحد رجال البوليس, وكإجراء انتقامي تَمَّ القبض على ٣١ مسلمًا وقُدِّمُوا إلى محاكمات عسكرية أصدرت أحكامها بالإعدام على ثلاثة من المسلمين, وبالسجن على عدد آخر.
في يوم ١٣ مايو ١٩٧٢حوصرت باكردوا؛ حيث يشكل المسلمون نسبة ٨٠% من عدد السكان, واقتحم الجيش منازل المسلمين عنوة, واقتادو المسلمين مكبلين بالسلاسل, واقتيدوا إلى مراكز الشرطة؛ حيث طلب منهم أن يوقِّعوا على طلبٍ بتغيير أسمائهم تحت جوٍّ من الإرهاب والضرب, والتهديد بالسجن, والطرد من العمل, وفي هذه الظروف القاسية تمكَّن الشهيد أمين محمد وفتسرنكوف من الهرب, ولكن قوات الجيش طاردته وأطقلت عليه الرصاص فاستشهد, وهو أب لطفلين في ٣٢ عامًا من عمره.
أوقفت جميع المعاشات عن العجزة الذين تقاعدوا عن العمل, وأغلقوا أبواب العمل أمام كل الذين رفضوا تغيير أسمائهم, وحرموهم حقَّ العلاج وهم الذين أفنوا شبابهم في خدمة بلغاريا.
حدث في مدينة مدان أن وضعت امرأة مسلمة في أحد المستشفيات الحكومية, وطلب منها رسميًّا أن تختار لطفلها اسمًا غير إسلامي, فرفضت أن تستجيب لطلبهم, فأخبروها أنَّ هذا أمر حكومي, ولا بُدَّ أن تنفذه, فعند ذلك رمت طفلها بين أيديهم وتركته لهم.
في كثير من مناطق المسلمين حطَّموا المساجد, وكانوا في الماضي قد منعوا الشباب من دخول المساجد, والآن قد منعوا الشيوخ, وكانوا ينتظرون موت أئمة المساجد فيقفوها بحجة أن إمام المسجد قد توفي.
стр. 126
إلى غير ذلك من الحوادث الشنيعة في المسلمين وإذلالهم.
ويختتم البيان بما يلي:
إننا نناشد إخواننا المسلمين والعرب أن يمدوا لنا يد العون, وأن لا يكتفوا فقط بالاحتجاج؛ إذ أن هذا الأمر يحدث على سمع العالم ومرآه, إننا نطالب وقف هذه الحملة ضدنا دون ذنب ارتكبناه, ونطلب من الدول العربية التي لها علاقات اقتصادية مع بلغاريا أن تتدخَّل في الأمر, وكذلك مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية, ونرجو أن يرفع هذا الأمر للأمم المتحدة ولجنة حقوق الإنسان؛ إذ أننا لا نستطيع الاتصال بهم.
ونسأل الله أن يشدّ من أزرنا.
وموعدنا الصبح, أليس الصبح بقريب.
توقيع
المسلمون البلغار
стр. 127
ملحق رقم "٤" عن المسلمين في ألبانيا:
وننقل هنا عن اتحاد الطلبة المسلمين في شرق أوربا:
إذا كانت هنالك معانٍ كثيرة ومختلفة توصف بها حالة شعب من الشعوب؛ لكي تترجم معاني التضحية والصبر ومعاناة الاضطهاد, وتحمل كل ذلك بنوع كبير من التحدي لكل شيء، وإنَّ شعب ألبانيا المسلم الجدير بأن تطلق عليه تلك المعاني والصفات.
وهنا نبدأ بنظرة سريعة مختصرة لتاريخ ألبانيا القريب, وذلك إلى ما قبل خمسين عامًا كانت ألبانيا في حوالي العشرينات من هذا القرن تحكم بواسطة أحمد زوقو؛ حيث كان ملكًا عليها، وكان الشعب في ذلك الوقت يمارس طقوسه الدينية بحرية, سواء المسلمين أو المسيحيين، وفي هذا التاريخ بدأت عواصف الشر تهبُّ من بعد؛ حيث وقعت ألبانيا تحت الحكم الإيطالي في عهد "فكتور أمناولي", وانتدب "دوتشه موسيليني" ليحكم ألبانيا, أما الملك أحمد زوقو فقد نُقِلَ إلى إيطاليا.
ثم بدأت الحرب العالمية الثانية, وكانت ألبانيا مثل جارتها يوغسلاوفيا ترزح تحت السيطرة الألمانية، ولأسباب الحرب مع الألمان فقد اندمجت كلٌّ من يوغوسلافيا وألبانيا تحت قيادة واحدة برئاسة "تيتو", وكان من ضمن القادة البارزين في حرب العصابات كل من "أنور خوجه" و"محمد شيخو" الألبانيين اللذين هما الآن يسيطران على الحكم في ألبانيا.
استمر الاتحاد الائتلافي بين يوغسلافيا وألبانيا من عام ١٩٤٤ إلى ١٩٤٨، حيث ظهرت سياسة تيتو المعتدلة مع الشيوعيين، والتي لم ترق للقادة الألبانيين, فانفصلوا عن يوغسلافيا, وتبنَّوا الحكم الشيوعي الماركسي المتطرف.
стр. 128
تلك نظرة سريعة، الهدف منها الوصول إلى معرفة الوسائل التي أوصلت الحكم إلى ما هو عليه الآن.
ألبانيا يبلغ تعداد سكانها المليونين، نسبة المسلمين فيها من ٨٠ إلى ٩٠%, وباقي السكان مسيحيون، ويتركَّز السكان المسلمون في وسط ألبانيا، ورغم أن المسلمين نسبتهم كبيرة, إلّا أنهم يلاقون أشد المصاعب والاضطهاد من عنت الحكم الشيوعي.
حيث قام الحكام الحاقدون بهدم المساجد ومنع المسلمين من أداء شعائر دينهم، كما أنَّ مواليدهم الجدد لا يتم تسجيلهم وإعطاؤهم الجنسية إلّا بأسماء غير إسلامية, وكذلك الموتى لا يتركونهم لأهليهم ليمارسوا عليهم الشعائر الإسلامية من غسل وكفن وصلاة, كذا لا يدعونهم يدفنوهم في مقابرهم الخاصة, بل يجبرونهم على دفنهم في المقابر العامَّة مع الشيوعيين، أمَّا عند الزواج فيستحيل ذكر الديانة, ويتم العقد تحت اسم مواطن ألباني فقط، وأمَّا بالنسبة للمناهج الدراسية فهي حقلهم الخصب في زرع الإلحاد في نفوس الأطفال الصغار منذ نعومة أظفارهم, إلى أن يستوي عودهم, ذلك بمختلف الوسائل التعليمية، والإعلامية.. وقد حدَّثنا أحد أولئك الذين اشتغلوا بمهنة التدريس؛ حيث يقول بأن الوزارة أمرت المدرسين بأن يهتمّوا بغرس فكرة عدم وجود الله في عقول الأطفال, وقد حدث مرَّة أن سأل طالب عن الله: هل هو موجود؟ فأجاب الأستاذ, نعم. إن الله موجود، وبسبب هذه الإجابة قضى الأستاذ ستة أشهر في السجن، ثُمَّ طُرِدَ من مهنة التدريس بتهمة أنَّه يعلم الأطفال أشياء تضر بمستقبلهم، ويذكر الأستاذ بأنَّ الإجابة المتعارف عليها عن الله ورسوله هي أن الله والعياذ بالله هو "أنور خوجة" ربهم ومالك نعمتهم، وأنَّ "محمد شيخو" رسوله والمتصرف بأمره.
هذا جزء بسيط, وقطرة من بحر عميق مما يلاقيه المسلمون في ألبانيا المسلمة.
стр. 129
خاتمة:
وبعد الحديث عن الأرض السليبة في:
الأندلس, وفلسطين.
والأراضي الخاضعة للنفوذ الشيوعي..
نجد أن الأعداء الثلاثة: الصليبية والصهيونية والشيوعية, قد أنشبت أظافرها في رقاب العالم الإسلامي، واحتلت ترابه، وطردت أهله, ومارست معهم حروب الإبادة، ومن بقي يعيش تحت سلطانهم عيش الذليل الكسير!
والأراضي السليبة الآن تمثّل أكثر من ربع مساحة العالم الإسلامي، والعالم الإسلامي لا يزال يغط في نومه الذي غطَّ فيه منذ قرنين أو يزيد ... !
واستلاب الأرض لا يوقظه..
وحمامات الدم لا تستثيره..
وانتهاك الحرمات والمقدَّسات لا تحركه..
وأدعياء الوطنية والقومية يتاجرون بالشعارات، ودعاة الصلح والاستكانة يتربَّعون على كراسي الحكم, ويتصدَّرون مواقع الزعامة", والشعوب لاهثة وراء لقمة العيش، أو لاهية في الترف الداعر!
والذين اغتصبوا والذين ساعدوا على الاغتصاب مطمئنون إلى مستقبلهم فوق أرض الإسلام، فوق جماجم الشهداء ودماء الضحايا وزفرات المستضعفين!
وإلى الله وحده المشتكي..
وفي كتائب الإسلام التي نراها حينًا بعين الخيال, وحينًا بعين الواقع، فيها وحدها، بعد الله الأمل!
стр. 130
الفصل الثاني: أوطان تجاهد
أفغانستان المجاهدة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١- أفغانستان المجاهدة:
موقع وخطورة:
تقع أفغانستان في شرق آسيا، ولها حدود مع إيران وباكستان، وأراضي المسلمين في الصين, وأراضي المسلمين في الاتحاد السوفيتي, في موقع جبلياستراتيجي, ومساحتها ٦٥٠ ألف كيلو متر مربع, وحدودها مع الاتحاد السوفيتي بامتداد أكثر من ألف كيلو, وتعداد السكان يصل إلى حوالي ثمانية عشر مليون, ونسبة المسلمين منهم ٩٩%.
وإذا كانت جريدة "إزفيسيتا" الروسية قد قالت سنة ١٩٤٧ غداة إنشاء جمهورية باكستان الإسلامية "إن القضاء على هذه الدولة التي أنشئت على العقيدة الإسلامية واجب من واجبات الحزب الشيوعي الروسي؛ لأنها تشكِّل خطرًا على الجمهوريات الإسلامية بالاتحاد السوفيتي", الأمر الذي نُفِّذَ بعد ذلك بالتعاون مع الهند لتقسيم باكستان إلى باكستان وبنجلاديش؛ لإضعاف هذه الدولة الإسلامية التي تشكِّل خطرًا على حدود روسيا.
- فإن وجود دولة أفغانستان كذلك على حدود روسيا, وبالمتاخمة لأقاليم المسلمين هناك, يشكل نفس الخطورة، وتتصوّر معه نفس التصرف لتحقيق نفس الغاية.. قد يختلف الأسلوب أو الوسيلة, ولكن تبقى الغاية.. دفع الخطر الإسلامي عن حدود روسيا في أقاليمها الإسلامية التي خضعت بالحديد والنار للحكم الشيوعي الكافر.
لمحة عن تاريخ قديم:
- كانت الديانة البوذية تسود أفغانستان قبل الإسلام, حتى إنهم نحتوا
стр. 131
تمثالًا لبوذا في جبلٍ بارتفاع خمسين مترًا، ولا يزال التمثال حتى الآن في مدينة بامبسان, وكانت اللغة السائدة هي اللغة السنسكريتية.
وكانت الديانة البوذية تقوم على "الكاوما", أي: قانون الجزاء الذي يفترض الجزاء في الدنيا, وينكر الآخرة وجزاءها، كما تقوم على تناسخ الأرواح حتى يتحقَّق الجزاء في الدنيا بانتقال الروح الخبيثة إلى نفس شريرة، والعكس، كما تقوم كذلك على تحبيذ البطالة والكسل, وتفضيل مد اليد للتسول والاستجداء على كل سبيل آخر.
- وكان فتح فارس على عهد عمر بن الخطاب فتحًا مبينًا امتدَّ إلى أراضي أفغانستان, ووصل إلى كابل "العاصمة" على عهد عثمان ﵁، ثم حدثت ردة بعد ذلك, عاد بعدها الشعب الأفغاني إلى الإسلام في أواخر القرن الأول الهجري؛ ليبقي منذ ذلك اليوم على إسلامه مستمسكًا ومضحيًا..
ومن أفغانستان امتدَّ الفتح إلى الهند، كما امتدَّ إلى بخارى وما جاورها، إلى الصين حتى جدار الصين العظيم.
وانتشرت مع الفتح الإسلامي اللغة العربية، وفي أواخر الدولة الغزنوية عادت اللغة الفارسية إلى الانتشار "وهي تزيد على العربية أربعة حروف", ثم انتشرت اللغة الأفغانية "وهي تزيد على الفارسية ستة حروف", وكلتاهما يكتبان بحروف عربية.
- وظهر في أفغانستان علماء أجلاء في جميع المجالات..
فالأمام أبو حنيفة ﵁ من كابل "العاصمة", واٌلإمام أحمد بن حنبل ﵁ من مرو "شمال أفغانستان", وكذلك الفخر الرازي، والبيروني، والفارابي، وابن سينا، والفردوسي مؤلف الشاهناما، وهي ملحمة تاريخية تحكي تاريخ فارس.. إلخ.
أفغانستان في التاريخ الحديث:
- عرف الشعب الأفغاني بشدة التمسك بدينه, كما عُرِفَ ببسالته في لجهاد، وبرفضه لكل أنواع الاستعمار والاحتلال.
стр. 132
وهو الذي ثار على ملكه وخلعه "هو أمان الله" حين حاول إدخال السفور إلى أفغانستان، بظهور زوجته سافرة خالعة عنها الزي الشرعي الإسلامي.
- وقد حاول الإنجليز احتلال أفغانستان واستعمارها بعد استيلائهم على الهند، فكانت محاولاتهم:
في ١٨٣٨-١٨٤٨م, ١٨٧٨-١٨٨١م, ١٩١٩-١٩٢١م.
وفي كل مرة كان يباد الجيش الإنجليزي بكامله، بعد أن يهب الشعب الأفغاني للقتال تحت راية الإسلام.
- كما حاولت أفغانستان أن تمد نفوذها الإسلامي في بلاد ما وراء النهر "بخارى وطشقند وسمرقند وتركستان وأزبكستان وأذربيجان", لكن كان القضاء قد حم.. وفي عهد أمان الله ملك أفغانستان حاولت الشيوعية أن تتسلَّلَ إلى صفوف الشعب الأفغاني, بما حاول لينين أن يعقد من صداقة بينه وبين أمان الله, وتنبَّه الشعب الأفغاني، وكان هذا هو ميلاد الحركات الإسلامية التي تعاظم شأنها فيما بعد مع تعاظم الأحداث.
الشيوعية في أفغانستان:
- وفي عهد شاه محمود خان تولَّى رئاسة الوزراء داود خان سنة ١٩٥٢, الذي وضع نواة الأحزاب الشيوعية في عهده, فظهر حزب "حلق" وحزب "برجم" الشيوعيان التابعان لموسكو.
وبدأ داود خان ينفِّذ المخطط الروسي في إبعاد الخطر الإسلامي عن حدود روسيا، بدأ به في داخل أفغانستان بتنشيط التيار الشيوعي، ثم بتمكين الاتحاد السوفيتي من السيطرة على التجارة الخارجية "٦٥% من القروض تلقتها من الاتحاد السوفيتي", ودخلوا قطاع التعليم والتربية والتخطيط وغير ذلك..
ثم راح ينفذ المخطط خارج أفغانستان في الدول الإسلامية المجاورة.
стр. 133
ونترك الحديث لأحد أعضاء المخابرات الروسية k. G. B. في كتابه "مذكرات نيوفسكي" "ص ١١١، ١١٧".
"اتصلت وعدد من العاملين بالجهاز "k. g. b." والجهاز الآخر "g. r. u" بداود خان عندما كان رئيسًا للوزراء، واتفقنا على طريقة بثَّ الفوضى في باكستان, وتسميم خزانات ومصب مياه الشرب فيها, وتفجير القنابل, وتدمير المنشأت وغيرها من الأعمال، وتَمَّت حينذاك الموافقة على تسليح الجيش الأفغاني، وتدريبه في الاتحاد السوفيتي استعدادًا للهجوم على باكستان ... ".
وقد بلغ الأمر حدَّ عقد معاهدة سرية مع الروس لإعطائهم قاعدة جوية بمنطقة شيندند التي تشرف على الحدود الإيرانية والباكستانية.
- وفي الوقت نفسه راح يهاجم الدين وعلماءه، ويفرض السفور, ويأمر بالاختلاط في الجامعة, وينشئ المدارس المختلطة بين الشباب من الجنسين.
ثم أُعْفِيَ من منصبه بعد أن افتضح أمره، وطفح كيله، ومع ذلك لم يستح أن يسيِّر المظاهرات من أنصاره تنادي بعودة "السفاح الخائن" إلى منصبه..!
الانقلاب الشيوعي الأول:
في ١٧ إبريل سنة ١٩٧٣ انقضَّ الرجل الخسيس على ابن عمه فخلعه من الملك, وشاركه في الانقلاب الحزبان الشيوعيان برجم، وخلق، وساعدته القوى الأجنبية الشيوعية..
- وبدأ بمحاربة النشاط الإسلامي ومحاولة شله، فأوقف مركز البحوث الإسلامي بالجامعة، ومنع نشر المجلات والصحف الإسلامية مثل: مجلة شرعيات، وخفض عدد الحجاج من سبعة عشر ألف إلى أربعة آلاف، فلما تذمَّر الناس زادهم ألفًا، وأصدرت وزارة العدل عنده تعليمات تؤكّد أن الكشف عن مساوئ الشيوعية والمساس بزعمائها جريمة يعاقب عليها.
стр. 134
- وراح ينفِّذ أهداف روسيا التي كشف عنها الإسلاميون في أفغانستان وهي:
١- القضاء على موجات الزحف الإسلامي بإشاعة الإلحاد وتطبيق العلمانية.
٢- الوصول إلى المياه الدافئة.
٣- سبق أمريكا في السطرة على قارة إفريقيا وأوربا.
٤- منع الصين من أن تصبح قوة كبرى.
٥- تطويق الجزيرة العربية من الشمال والجنوب للسيطرة على آبار النفط.
- ومن دراسة خُطَبِه, وبالأخص خطابه في عيد الثورة عام ١٩٧٥, يبين أن ثورته مبنية على:
١- القضاء على الرجعية "شعار يخفي القضاء على الإسلام".
٢- إحياء الحضارة القديمة "أي: الوثنية والمجوسية".
٣- الاهتمام بالفن وتنمية الفنون الشعبية "لإشاعة الإباحية".
٤- إنشاء مذهب جديد باسم الإيدلوجية القديمة "للقضاء على أيدلوجية الإسلام وعقيدته".
٥- تطبيق الاشتراكية "لاستبعاد تطبيق الإسلام".
- وفي سبيل تحقيق هذه الغايات ارتكب الانقلاب الشيوعي الأول:
أ- الإرهاب والبطش:
وما حدث لحبيب الرحمن مدرس بكلية الشريعة وأسرته، وعطا محمد الطالب بكلية العلوم وأسرته، والدكتور محمد عمر، وغلام محمد نيازي, وغيرهم من أبناء الجمعية الإسلامية, أو "جمعيات إسلامي أفغانستان", وقد ترتَّب على ذلك هجرة حوالي مليونين من البلاد إلى الجبال أو الدول المجاورة, وقيل: إن عدد السجناء السياسيين بلغ ثلاثين ألفًا, كل ذلك دليل على ما اتَّسم به العهد من طغيان.
ب- استعان الثوريون بالفتيات والفتيان الفرنسيين للتبشير, ولنشر
стр. 135
الإباحية والفجور, وكان مما يقدم هؤلاء كهدايا شكل الصليب مصنوعًا من الذهب؛ ليعلقه الشاب في عنقه, أو يربطه على معصمه.
ج- الاستعانة بالخبراء الأجانب من الروس, حتى بلغ عددهم أربعة آلاف, وبعضهم أعضاء في الـKGB.
الانقلاب الشيوعي الثاني:
كان الفساد الذي دبَّ في الجهاز الإداري, والانهيار الذي أصاب الاقتصاد الأفغاني, والكبت السياسي الذي بلغ ذروته في ظل انقلاب محمد داود, وأخيرًا الخلاف الذي دبَّ بينه وبين الحزبين الشيوعيين الرئيسيين "خلق وبرجم", كان كل ذلك دافعًا لتدبير الانقلاب الثاني؛ لتعلن الشيوعية عن وجهها الكالح مستغلة معاناة الجماهير.
وسبق ذلك اتحاد الحزبين الشيوعيين تحت زعامة نور محمد تراقي.
وفي ليلة الانقلاب اتصل بعض ضباطهم بمحمد داود, وأخبروه يقيام مظاهرة في الغد, واستاذنوه لخروج بعض الدبابات لحماية القصر فأذن.
واتجهت الدبابات إلى القصر لتجعل فواهاتها موجهة للخارج, حتى إذا جاء الموعد المحدد "الثانية عشرة وأربع دقائق" تحوَّلت المدافع تجاه القصر لتدكَّ بنيانه على رءوس من فيه, وليشهد يوم ٢٧ إبريل ١٩٧٨ نجيعًا من الدماء ضجَّت له أرض أفغانستان..
فقد روي أنَّ من قُتِلَ من الرجال والنساء والولدان بلغ ثمانين ألفًا في مقدمتهم الكثير من المجاهدين، والعلماء، وأعضاء الجماعات الإسلامية المجاهدة منذ عهد محمد داود.
الانقلاب الشيوعي الثالث:
كان ذلك في ١٦ سبتمبر ١٩٧٩, حين أطاح رئيس الوزراء حفيظ الله أمين برئيس الدولة "محمد نور تراقي" وحاول أن يخطب ودَّ المجاهدين ليوقفوا القتال، لكن المجاهدين استمروا في جهادهم, وقائد هذا الانقلاب درس
стр. 136
في الولايات المتحدة الأمريكية, وحصل منها على الليسانس "عام ١٩٥٧", الدكتواره "١٩٦٢" , وتزعم منظَّمة يسارية للطلبة الأفغان في أمريكا، وشارك بعد ذلك في تأسيس حزب خلق الماركسي, الذي كان يتزعمه محمد نور تراقي.
الانقلاب الشيوعي الرابع:
وفي يوم ٢٧ ديسمبر ١٩٧٩, وبعد أقلّ من ثلاثة شهور ونصف وقع الانقلاب الشيوعي الرابع, وبدعم عسكري سافر من الاتحاد السوفيتي, أكَّدته بعد أيام أنباء صرَّحت بها المصادر الرسمية في الولايات المتحدة، ولم تكذّبها مصارد الاتحاد السوفيتي, هذه الأنباء تفيد نصب جسر جوي بين الاتحاد السوفيتي وكابول عاصمة أفغانستان، وتَمَّ نقل جنود ومعدات سوفيتية عبر أكثر من مائة وخمسين طلعة جوية لطائرات الأنتينوف الضخمة, وتكامل للاتحاد السوفيتي من الجنود والضباط والخبراء قرابة عشرة آلاف، وتحت درع المدافع الكافرة تَمَّ إقصاء حفيظ الله أمين؛ ليحلَّ محله أحد عملاء روسيا, وزعيم حزب "برجم الشيوعي", ونائب رئيس الوزراء, ورئيس مجلس الثورة في انقلاب محمد نور تراقي.
وكان المذكور "بايراك كارمل" قد أقصي وعُيِّنَ سفيرا في تشيكوسلوفاكيا يوليو عام ١٩٧٨, عقب الخلاف الذي دبَّ بين الحزبين الشيوعيين "خلق وبرجم", والذي أدَّى إلى انفصام التحالف غير المقدَّس عام ١٩٧٧, بعد أن كان قد تَمَّ عام ١٩٦٥ اتحاد الحزبين, وتسمَّيَا باسم حزب الشعب الديمقراطي, وعزل بايراك بعد ثلاثة شهور تقريبًا, ولكنه ظل مختفيًا في أوربا الشرقية حتى استقدمه الروس ليتزعَّم الانقلاب الأخير, وكان نفي بايراك كارمل بتأثير من حفيظ الله أمين إبَّان حكم تراقي، وما إن تَمَّ انقلاب كارمل تحت حراب السوفييت, حتى عقدت لحفيظ الله أمين محاكمة قضت بإعدامه, ونفِّذَ فيه حكم الإعدام في اليوم التالي ليوم الانقلاب, وتزايدت محاكمة قوات روسيا حتى جاوزت مائة ألف جندي توزَّعوا على أرض أفغانستان في المناطق التي كانت تحتلُّها جنود الجيش الأفغاني الرسمي.
стр. 137
وأعلن المجاهدون استمرارهم في جهاد الكفر الحاكم في كابول, مدعمًا من الكفر الحاكم في موسكو.
ماذا تعني هذه الانقلابات:
١- تعني أولًا: اهتزاز قاعدة الحكم الشيوعي في كابول؛ إذ لو لم تكن كذلك لما لجأ الاتحاد السوفيتي إلى تغيير محمد نور تراقي عام ٧٩, ثم إلى تغيير حفيظ الله أمين في نفس العام, ولكن بعد ثلاثة أشهر.
ولو لم تكن قاعدة الحكم مهزوزةً لما لجأ الاتحاد السوفيتي إلى المغامرة الثالثة في تاريخه الحديث "بعد مغامرة بولندا عام ١٩٥٦, وتشيكوسلوفاكيا عام ١٩٦٨"، بنقل جنوده خارج أراضيه للدفاع عن نظام شيوعي.
٢- تعني: أن الاتحاد السوفيتي قد استيأس من إمكان قيام حكم شيوعي وطني مثل الكثير من البلاد الشيوعية، وذلك راجع بلا شكٍّ إلى صلابة العقيدة الإسلامية، وإلى تصميم الشعب الأفغاني المسلم على الجهاد..
٣- تعني: إمكان التغيير القريب لنفس القيادة الجديدة إذا لم يتحقَّق لها النجاح السريع الذي يصبو إليه الاتحاد السوفيتي.
الشعب المسلم يجاهد الشيوعية الفاجرة:
- ولم بجد الشعب المسلم منطقًا مع الشيوعية غير حمل السلاح، وما تفهم الشيوعية منطقًا دون ذلك، واعتصم الشعب المسلم بالجبال "حوالي١٠٠ ألف مجاهد حتى الآن" تقوده قيادات إسلامية مختلفة؛ لسحق الغزاة الشيوعيين, ويحلو للنظام الحاكم أن يطلق على المجاهدين اسم "الإخوان المسلمين" ١ إشارة إلى ارتباطهم بمجاهدي مصر المعروفين في المنهج والغاية، وإثارةً للتافهين من الحكام ضد هذه الجماعة في بلادهم..
стр. 138
ويحمل المجاهدون الراية في أمانة وصبر وثبات, ويتقدَّم خيرة الشباب فداءً للإسلام, فداءً لتراب الإسلام أن تدسنه أقدام الكفرة الشيوعيين، فداءً لأعراض الطاهيرات المسلمات، وفداءً لدين الأمَّة وقيمها ومثلها.
ويسقط الشهيد تلو الشهيد، وأنغام الدم تثير الدماء في العروق, ويُقْدِمُ الشعب المسلم على التضحية بكل ما يملك، حتى ليبلغنا أن المجاهدين باعوا أثاث بيوتهم ليشتروا السلاح, ولم يجدوا في الجبال قوت يومهم فحاربوا وهم جياع, وبطون البعض من المسلمين ترهقها التخمة، ومرضها كثرة الطعام، وقمامات المترفين من المسلمين تكفي المجاهدين, وتكفي معهم شعوبًا يجري تنصيرها؛ لأنها لا تجد حفنات من الأرز تقتات بها، وإنا لله وإن إليه راجعون.
- وبرغم العون الضخم الذي كانت تقدمه الشيوعية الدولية للحكم الفاشي في كابول, فإن المجاهدين -برغم قلة عدهم وعدتهم- قد انتزعوا الأرض الإسلامية الحبيبة من تحت أقدام الشيوعيين، وبرغم الدعاية الضخمة التي يبذلها الإعلام الفاجر ضد المجاهدين, من أنهم متعاونون مع الإنجليز والأمريكان، فإن كثيرًا من ضباط الجيش الأفغاني تنضم إلى المجاهدين، وزادت نسبة الانضمام بعد الغزو الروسي الفاجر.
وحتى دخول القوات الروسية تَمَّ للمجاهدين -بفضل الله ورحمته- تحرير حوالي ثلثي أفغانستان, وسقط في أيديهم بعض المدن الهامة, منها: ثالث مدن أفغانستان, واستسلم للمجاهدين أعداد ضخمة غير التي أعلنت انضمامها قبل الاستسلام.
طوائف المجاهدين:
قد يبدوا للسياسي "العادي" أو المحترف أنها طوائف مختلفة بينها تنافر وتناقض، ومن ثَمَّ يغريه ذلك بالصيد في الماء العكر, لكن الأمر غير ذلك، كما سنشير بعد قليل.
وأثقل هذه الطوائف في ميدان الجهاد الحزب الإسلامي الذي يتأمَّر عليه الشاب المسلم "كولبدين حكمتيار", ومعنى الإسم الأول في لغتهم: زهر الدين.
ويتميز أمير الحزب بصلابته وذكائه، ويشارك في الميدان بنفسه, ويأتي بعد الحزب الإسلامي "جماعة إسلامي أفغانستان"، ويترأَّسها الأستاذ
стр. 139
برهن الدين رباني, ويتميز برجاحة عقله، وسعة صدره، وحلمه وذكائه, وجماعته لها شعبية كبيرة.
ويأتي بعد ذلك "حزب الانقلاب الإسلامي", وهو تحت قيادة عالم جليل "محمد نبي"، وقد شارك ويشارك في عمليات جهادية واسعة.
ويأتي بعد ذلك جماعة أخرى تحت نفس اسم "الحزب الإسلامي" ويترأسها عالم جليل يسمَّى محمد نبي خالص، شارك بنفسه في الجهاد، رغم أنه يربو على الستين، ويبدي عزوفًا عن التنازع حول الإمارة والرياسة.
وتأتي بعد ذلك جماعات وأحزاب أخرى أقل أهمية مثل جماعة "الأفندي" الصوفية.
"وهناك طائفة لها ثقل كبير في الميدان، وإن لم تكن منظمة، وهي القبايل، وهي تُكِنُّ للعلماء استجابة سريعة وقوية، وتبدي استبسالًا وتضحية في ميدان الجهاد, وفي النهاية تأتي بعض الشخصيات المعروفة مثل "صبغة الله المجددي"، أحمد سيرت، وآخرون يتناثرون بين قارات أوربا وأمريكا، وآسيا.
٢- ترابط المجاهدين:
عندما ينظر المسلم إلى خريطة المجاهدين قد يأخذه الإشفاق على حركة الجهاد الإسلامي إن لم يجاوزه إلى التشاؤم في مستقبل الجهاد، وفي مستقبل أفغانستان, ومن ناحية أخرى فقد يغري ذلك القوى المعنية بشئون أفغانستان بسهولة إجهاض أو إحباط، أو على الأقل تحويل مجراه عن هدفه في إقامة "حكم إسلامي" كما سوف نشير بإذن الله.
لكن النظرة الإسلامية المتعمَّقة تتنفس التفاؤل وتحسه إذا اعتبرت ما يلي:
١- إن الاختلاف القائم على السطح وليس في الأعماق، وهو في القمَّة ولا يصل إلى القاعدة.
стр. 140
بل إنَّ هذه القاعدة تترابط -بفضل الله وحمده- ترابطًا قويًّا، وتتعاون تعاونًا جليًّا, وتصلي عدو الله وعدوها نارًا حامية، تسحقه بإذن الله وتمحقه, وعندما يلتقي المجاهدون من كافَّة الطوائف يختارون من بينهم أصلحهم للقيادة؛ ليمضوا في جهادهم، يبيعون أموالهم في سبيل الله.
بل إنَّ القاعدة جاوزت ذلك إلى الضغط على القيادة لتتحد في مواجهة العدو الواحد الكافر.
٢- وإن قادة هذه الطوائف -جلهم إن لم يكن كلهم- يتحلَّون بخلق إسلامي رفيع، ويتنافسون في الجهاد, ويتسابقون في الخيرات, ويختلفون في الاجتهادات والأساليب, لكنهم يتَّفقون في الغاية، ويلتقون على نفس الراية, ومن ثَمَّ فهم أقرب إلى الائتلاف منهم إلى الاختلاف.
ويوم يحسّون باستفادة العدو من اختلافهم -فلسوف- بإذن الله تجدهم على قلب رجل واحد.
٣- وإن ألوانًا من الائتلاف والاتحاد تَمَّت وتتمّ، وهي وإن تبدَّل بعضها، لكن وقوعها ينبئ عن إمكان الوقوع وليس استحالته.
٤- وإنه لا قدَّر الله إذا ركب الشيطان رءوس بعض القيادات للانحراف عن خط الجهاد, أو لجعل اليأس بين المجاهدين بدلًا من أن يكون مع الكافرين الظالمين, فإنَّ القاعدة القوية الفاهمة الواعية سوف تلفظ هذه القيادات، ويومئذ لن يكون رد الفعل رحيمًا, بل سوف يكون أليمًا شديدًا؛ ليكونوا عبرة لكل قيادة تتسلَّق على جماجم الشهداء, وتخون أمانة ربها وأمانة شعبها.
الخونة الحاكمون:
أما الخونة الحاكمون ابتداءً من داود, ومرورًا بتراقي وحفيظ الله أمين, وانتهاءً بكارمل, فقد انتهوا -بحمد الله- حقيقةً لا حكمًا.
انتهوا سياسيًّا:
بانفضاض الناس عنهم, وبانحيازهم للجانب الآخر انحيازًا بلغ
стр. 141
أوج القوة في المعارضة، وليس بعد دوي القنابل ما هو أقوى في التعبير!
وانتهى الحزب الحاكم "الشيوعي" سياسيًّا بعد أن تعرَّى إسلاميًّا، وتعرًّى شعبيًّا, وانتهى معه كذلك الحزب الشيوعي الآخر, الذي وإن لم يكن مشاركًا في الحكم, ففشل رفيقه حكم عليه كذلك بالفشل المؤبَّد!
وانتهوا حربيًّا:
فبرغم الحقن الدائم من الاتحاد السوفيتي الرابض على ألف ميل من الحدود, والمشارك بآلاف الخبراء والمستشارين, والأسلحة المتطورة التي لم تستعمل بعد في أي ميدان حرب, فنزيف الحكومة الشديد في ميدان القتال لم يعد يفلح معه الحقن, بل لا يفلح معه نقل الدم كذلك, إن كان لدى الشيوعية دم تستطيع أن تنقله, ويوم تحاول ذلك فلسوف تجد الدم الإسلامي أقوى وأوفى -بإذن الله!
ويكفي أن يعرف الناس أنه برغم كل ما قدَّمنا ذكره, فالمجاهدون قد سحبوا من تحت أقدام الشيوعية الكافرة الغاصبة ثلثي أرض أفغانستان، ولم يبق إلّا الثلث, وذلك في عام أو حول عام.
ويكفي أن يعرف الناس أن المجاهدين يحيطون بكابول، يطرقون أبوبها, بل يقتحمون أسوارها.
وإن الحاكمين بأمر روسيا قد رحَّلوا عائلاتهم إلى الدولة الأم في موسكو, بعد أن أحسّوا قرب نهايتهم، ورحَّلَ قبلهم المستشارون والخبراء الروس عائلاتهم استعدادًا, بل عودة إن شاء الله.
وانتهوا شعبيًّا:
فلم يعد الشعب الأفغاني الأصيل الذي قدَّم آلاف الشهداء في معركة الشرف والحرية والإسلام, لم يعد هذا الشعب يقبل أن تحكمه الشيوعية, أو أن يوجد بين صفوفه شيوعي, ويوم يتم التمكين الكامل فلسوف تجد الشيوعية في أفغانستان تصفيةً لها لم تحدث في أي مكان أو زمان آخر, ويظهر من الآن في السياسة التي تجمَّع عليها كل الطوائف المحاربة, وهو أنَّ
стр. 142
الأسير إن كان روسيًّا أو شيوعيًّا فلا شيء له إلّا القتل، أمَّا إن كان غير ذلك فإطلاق سراحه.
إن الشعب الأفغاني الذي قتل منه الانقلاب الشيوعي العسكري في إبريل ١٩٧٨ ثمانين ألف مسلم، والذي يفقد أعزَّ أبنائه برصاص المجرمين, وداخل السجون والمعتقلات, لا يمكن أن تنسيه آلامه آلامَ إخوانه في بخارى وسمرقند والقوقاز, الذين استأصل منهم حكام روسيا عشرين مليونًا على الأقل في أعوام الثورة الشيوعية الأولى.
القوى الكبرى مقتنعة بنهاية كارمل:
والقوى الكبرى جميعًا، فيما نعلم ونؤكّد مقتنعة بنهاية كارمل؛ لكنها مترددة خوفًا من البديل, أو بحثًا عن البديل!
والبديل في نظرها لا يمكن أن يكون إسلاميًّا, أو على الأقل إسلاميًّا شكلًا وموضوعًا، إنما يمكن أن تقبل بالبديل الشكلي إذا وجدته، وأحسَّت بإمكان بقائه, أو على الأقل صموده.
وقد تكون البدائل كذلك موجودة، لكنها تتردد؛ لأنها تعترف أنها ستكون مبتوتة عن القاعدة القوية الواعية، إنها مع ذلك لن تستمتع طويلًا بكراسي الحكم, بل إنها متأكدة أنها يوم تجلس على كراسي الحكم فإنها تكون قد حفرت بظلفها قبرها, ولم يبق إلّا أن يهال عليها التراب.
أفغانستان قضية من:
قد يقال: إنها قضية الشعب الأفغاني.
قد يقال: إن أمرها يهمّ جيرانها المسلمين بباكستان وإيران.
قد يقال: إن أمرها يهم دول الخليج باعتبار قربها.
قد يقال: إن أمرها يهم أمريكا باعتبار غزو روسيا تحديًّا لها.
قد يقال: إن أمرها يهمّ الأمم المتحدة باعتبارها الغزو انتهاكًا لميثاقها.
стр. 143
١- قضية الشعب الأفغاني:
لا شكَّ أن الفرض الأول صحيح, ولكن ليس من وجهة نظر الوطنية أو الإقليمية أو العصبية، وإنما باعتبار العدوان الآثم واقعًا على أرض شعب أفغانستان المسلم, فهو الصف الأوَّل للجهاد, وهو الطليعة المكلَّفة بصد هذا العدوان.
ولم يقصِّر شعب أفغانستان.
لقد قدَّم من الضحايا ٣٠٠ ألف مجاهد قتلوا.
- وقدّم معهم ٨٠ ألف مسلم قتلوا في أول انقلاب شيوعي صريح على يد نور ترافي.
- وقدَّم معهم ١٧ ألف مسلم مجاهد كانوا أسرى في أيدي الشيوعيين، وقتلهم حفيظ الله أمين داخل السجون, بعد أن كلفوا بحفر قبورهم داخل السجون بأيديهم.
- وقدَّم معهم ١٠٠ ألف مسلم قتلوا في الغزو الأخير جهادًا ضد جنود السوفيت الكافرين.
- وقدَّم بعد ذلك كله ربع مليون لاجئ من النساء والأطفال والشيوخ لا يجدون المأوى ولا يجدون الطعام, وماذا يراد من الشعب الأفغاني البطل أكثر من ذلك أو أبعد من ذلك.
٢- قضية باكستان وإيران:
قضية أفغانستان هي قضية باكستان وإيران كذلك.
أولًا: من وجهة النظر الإسلامية:
فالمسلمون كالجسد الواحد إذا أصيب عضو تداعى له سائر الجسد, وأفغانستان عضو عزيز، وأقرب الجسد الإسلامي إليه باكستان وإيران.
وإذا كان الجهاد فرض عين إذا غُزِيَت أرض المسلمين، فهو بالنسبة لمن كان أقرب أكثر فرضية وأشد وجوبًا.
стр. 144
ومن ثَمَّ فالجهاد من إيران وباكستان فرض حتم وواجب, وتخليها عنه هو تخلٍّ عن فرضية إسلامية سوف يسألان عنها أمام الله, ثم أمام الأمة الإسلامية.
ثانيًا: من وجهة النظر الاستراتيجية
فباكستان وإيران تأتيان في الدرجة الثانية بعد أفغانستان في أطماع الاتحاد السوفيتي:
فقد بدأ الاتحاد السوفيتي بهذا الغزو مرحلة جديدة تنكَّر فيها لدعايته وادِّعائه طوال ثلاثين عامًا مضت أنه محبٌّ للسلام، وناصر لحركات التحرّر، ومعادٍ للإمبريالية والاستعمار.
نعم بدأ الاتحاد السوفيتي مرحلة جديدة يسفر فيها عن وجهه الاستعماري الكالح، ويظهر فيه نواياه العدوانية ضد بلاد الإسلام التي كان يضمرها ويخفيها طوال الفترة السابقة.
أعاد للأذهان ما فعله من قبل بإخوتنا في الجمهوريات الإسلامية داخل الاتحاد السوفيتي, والتي تمثّل ٩/ ١٠ مساحة ما فعله من قتل وتشريد وتجويع, حتى هبط تعداد المسلمين إلى النصف, وهم يتزايدون في كل مكان.
والاتحاد السوفيتي في هذه المرحلة لن يكتفي بغزو أفغانستان لأنَّه يريد تحقيق أهداف ثلاثة:
الهدف الأول:
القضاء على الثورة الإسلامية في أفغانستان حتى لا تمتدّ إلى الجمهوريات الإسلامية في أرضه.
стр. 145
الهدف الثاني:
الوصول إلى المياه الدافئة؛ لأنه إذا ابتلع أفغانستان فلن يبقى بينه وبين المياه الدافئة في الخيلج العربي غير مائتي كيلو متر, يمكن أن يقطعها في ساعتين أو ثلاث ساعات بلوغًا إلى المياه الدافئة, وهذه موجودة في أرض باكستان.
الهدف الثالث:
الوصول إلى منابع البترول إمَّا في المنطقة العربية أو في إيران؛ فإيران هي الدولة الثانية من ناحية تصدير البترول, والمنطقة العربية هي المنطقة الأولى, وفيها ثلث مخزون البترول, ومن ثَمَّ فقد يتَّجه إلى إحداهما أو إلى كليهما؛ لأن بتروله سوف يجف عام ١٩٨٥م.
وإذا كان الاتحاد السوفيتي طامعًا في باكستان وإيران، فسوف يوجّه لهما بالتأكيد الضربة الثانية, أو بالتعبير الدارج: سوف يتعشَّى بهما بعد أن يتغذى بأفغانستان, فهل ينتظران في مكانهما حتى يحضر لأكلهما؟
إن الرجال يفضلون الموت في معركة عقيدة وشرف عن الموت على فراشهم, فلا نامت أعين الجبناء.
وعلى ذلك فالاستراتيجية الصحيحة للدفاع توجب مبادرة الدولتين الإسلاميتين إلى إخوانهم في أفغانستان، بل إلى خوض الحرب الحقيقية معهم قبل أن ينتهي الاتحاد السوفيتي من أفغانستان, ثم يتوجه لهما الواحدة تلو الأخرى, وفي القديم قالوا: أكلنا يوم أُكِلَ الثور الأبيض, وبهذه المناسبة فلنا عتاب مرير على كلٍّ من الدولتين.
فإيران: التي أرسلت متطوعين إلى لبنان، لم ترسل حتى الآن شيئًا إلى جارتها الملاصقة لها أفغانستان, وأظنَّ أن إسلام أفغانستان أقوى من إسلام لبنان, أوبعبارة أدق: إن المسلمين في أفغانستان أكثرية كبيرة عنهم في لبنان.