أوج القوة في المعارضة، وليس بعد دوي القنابل ما هو أقوى في التعبير!
وانتهى الحزب الحاكم "الشيوعي" سياسيًّا بعد أن تعرَّى إسلاميًّا، وتعرًّى شعبيًّا, وانتهى معه كذلك الحزب الشيوعي الآخر, الذي وإن لم يكن مشاركًا في الحكم, ففشل رفيقه حكم عليه كذلك بالفشل المؤبَّد!
وانتهوا حربيًّا:
فبرغم الحقن الدائم من الاتحاد السوفيتي الرابض على ألف ميل من الحدود, والمشارك بآلاف الخبراء والمستشارين, والأسلحة المتطورة التي لم تستعمل بعد في أي ميدان حرب, فنزيف الحكومة الشديد في ميدان القتال لم يعد يفلح معه الحقن, بل لا يفلح معه نقل الدم كذلك, إن كان لدى الشيوعية دم تستطيع أن تنقله, ويوم تحاول ذلك فلسوف تجد الدم الإسلامي أقوى وأوفى -بإذن الله!
ويكفي أن يعرف الناس أنه برغم كل ما قدَّمنا ذكره, فالمجاهدون قد سحبوا من تحت أقدام الشيوعية الكافرة الغاصبة ثلثي أرض أفغانستان، ولم يبق إلّا الثلث, وذلك في عام أو حول عام.
ويكفي أن يعرف الناس أن المجاهدين يحيطون بكابول، يطرقون أبوبها, بل يقتحمون أسوارها.
وإن الحاكمين بأمر روسيا قد رحَّلوا عائلاتهم إلى الدولة الأم في موسكو, بعد أن أحسّوا قرب نهايتهم، ورحَّلَ قبلهم المستشارون والخبراء الروس عائلاتهم استعدادًا, بل عودة إن شاء الله.
وانتهوا شعبيًّا:
فلم يعد الشعب الأفغاني الأصيل الذي قدَّم آلاف الشهداء في معركة الشرف والحرية والإسلام, لم يعد هذا الشعب يقبل أن تحكمه الشيوعية, أو أن يوجد بين صفوفه شيوعي, ويوم يتم التمكين الكامل فلسوف تجد الشيوعية في أفغانستان تصفيةً لها لم تحدث في أي مكان أو زمان آخر, ويظهر من الآن في السياسة التي تجمَّع عليها كل الطوائف المحاربة, وهو أنَّ
стр. 142
الأسير إن كان روسيًّا أو شيوعيًّا فلا شيء له إلّا القتل، أمَّا إن كان غير ذلك فإطلاق سراحه.
إن الشعب الأفغاني الذي قتل منه الانقلاب الشيوعي العسكري في إبريل ١٩٧٨ ثمانين ألف مسلم، والذي يفقد أعزَّ أبنائه برصاص المجرمين, وداخل السجون والمعتقلات, لا يمكن أن تنسيه آلامه آلامَ إخوانه في بخارى وسمرقند والقوقاز, الذين استأصل منهم حكام روسيا عشرين مليونًا على الأقل في أعوام الثورة الشيوعية الأولى.
القوى الكبرى مقتنعة بنهاية كارمل:
والقوى الكبرى جميعًا، فيما نعلم ونؤكّد مقتنعة بنهاية كارمل؛ لكنها مترددة خوفًا من البديل, أو بحثًا عن البديل!
والبديل في نظرها لا يمكن أن يكون إسلاميًّا, أو على الأقل إسلاميًّا شكلًا وموضوعًا، إنما يمكن أن تقبل بالبديل الشكلي إذا وجدته، وأحسَّت بإمكان بقائه, أو على الأقل صموده.
وقد تكون البدائل كذلك موجودة، لكنها تتردد؛ لأنها تعترف أنها ستكون مبتوتة عن القاعدة القوية الواعية، إنها مع ذلك لن تستمتع طويلًا بكراسي الحكم, بل إنها متأكدة أنها يوم تجلس على كراسي الحكم فإنها تكون قد حفرت بظلفها قبرها, ولم يبق إلّا أن يهال عليها التراب.
أفغانستان قضية من:
قد يقال: إنها قضية الشعب الأفغاني.
قد يقال: إن أمرها يهمّ جيرانها المسلمين بباكستان وإيران.
قد يقال: إن أمرها يهم دول الخليج باعتبار قربها.
قد يقال: إن أمرها يهم أمريكا باعتبار غزو روسيا تحديًّا لها.
قد يقال: إن أمرها يهمّ الأمم المتحدة باعتبارها الغزو انتهاكًا لميثاقها.
стр. 143
١- قضية الشعب الأفغاني:
لا شكَّ أن الفرض الأول صحيح, ولكن ليس من وجهة نظر الوطنية أو الإقليمية أو العصبية، وإنما باعتبار العدوان الآثم واقعًا على أرض شعب أفغانستان المسلم, فهو الصف الأوَّل للجهاد, وهو الطليعة المكلَّفة بصد هذا العدوان.
ولم يقصِّر شعب أفغانستان.
لقد قدَّم من الضحايا ٣٠٠ ألف مجاهد قتلوا.
- وقدّم معهم ٨٠ ألف مسلم قتلوا في أول انقلاب شيوعي صريح على يد نور ترافي.
- وقدَّم معهم ١٧ ألف مسلم مجاهد كانوا أسرى في أيدي الشيوعيين، وقتلهم حفيظ الله أمين داخل السجون, بعد أن كلفوا بحفر قبورهم داخل السجون بأيديهم.
- وقدَّم معهم ١٠٠ ألف مسلم قتلوا في الغزو الأخير جهادًا ضد جنود السوفيت الكافرين.
- وقدَّم بعد ذلك كله ربع مليون لاجئ من النساء والأطفال والشيوخ لا يجدون المأوى ولا يجدون الطعام, وماذا يراد من الشعب الأفغاني البطل أكثر من ذلك أو أبعد من ذلك.
٢- قضية باكستان وإيران:
قضية أفغانستان هي قضية باكستان وإيران كذلك.
أولًا: من وجهة النظر الإسلامية:
فالمسلمون كالجسد الواحد إذا أصيب عضو تداعى له سائر الجسد, وأفغانستان عضو عزيز، وأقرب الجسد الإسلامي إليه باكستان وإيران.
وإذا كان الجهاد فرض عين إذا غُزِيَت أرض المسلمين، فهو بالنسبة لمن كان أقرب أكثر فرضية وأشد وجوبًا.
стр. 144
ومن ثَمَّ فالجهاد من إيران وباكستان فرض حتم وواجب, وتخليها عنه هو تخلٍّ عن فرضية إسلامية سوف يسألان عنها أمام الله, ثم أمام الأمة الإسلامية.
ثانيًا: من وجهة النظر الاستراتيجية
فباكستان وإيران تأتيان في الدرجة الثانية بعد أفغانستان في أطماع الاتحاد السوفيتي:
فقد بدأ الاتحاد السوفيتي بهذا الغزو مرحلة جديدة تنكَّر فيها لدعايته وادِّعائه طوال ثلاثين عامًا مضت أنه محبٌّ للسلام، وناصر لحركات التحرّر، ومعادٍ للإمبريالية والاستعمار.
نعم بدأ الاتحاد السوفيتي مرحلة جديدة يسفر فيها عن وجهه الاستعماري الكالح، ويظهر فيه نواياه العدوانية ضد بلاد الإسلام التي كان يضمرها ويخفيها طوال الفترة السابقة.
أعاد للأذهان ما فعله من قبل بإخوتنا في الجمهوريات الإسلامية داخل الاتحاد السوفيتي, والتي تمثّل ٩/ ١٠ مساحة ما فعله من قتل وتشريد وتجويع, حتى هبط تعداد المسلمين إلى النصف, وهم يتزايدون في كل مكان.
والاتحاد السوفيتي في هذه المرحلة لن يكتفي بغزو أفغانستان لأنَّه يريد تحقيق أهداف ثلاثة:
الهدف الأول:
القضاء على الثورة الإسلامية في أفغانستان حتى لا تمتدّ إلى الجمهوريات الإسلامية في أرضه.
стр. 145
الهدف الثاني:
الوصول إلى المياه الدافئة؛ لأنه إذا ابتلع أفغانستان فلن يبقى بينه وبين المياه الدافئة في الخيلج العربي غير مائتي كيلو متر, يمكن أن يقطعها في ساعتين أو ثلاث ساعات بلوغًا إلى المياه الدافئة, وهذه موجودة في أرض باكستان.
الهدف الثالث:
الوصول إلى منابع البترول إمَّا في المنطقة العربية أو في إيران؛ فإيران هي الدولة الثانية من ناحية تصدير البترول, والمنطقة العربية هي المنطقة الأولى, وفيها ثلث مخزون البترول, ومن ثَمَّ فقد يتَّجه إلى إحداهما أو إلى كليهما؛ لأن بتروله سوف يجف عام ١٩٨٥م.
وإذا كان الاتحاد السوفيتي طامعًا في باكستان وإيران، فسوف يوجّه لهما بالتأكيد الضربة الثانية, أو بالتعبير الدارج: سوف يتعشَّى بهما بعد أن يتغذى بأفغانستان, فهل ينتظران في مكانهما حتى يحضر لأكلهما؟
إن الرجال يفضلون الموت في معركة عقيدة وشرف عن الموت على فراشهم, فلا نامت أعين الجبناء.
وعلى ذلك فالاستراتيجية الصحيحة للدفاع توجب مبادرة الدولتين الإسلاميتين إلى إخوانهم في أفغانستان، بل إلى خوض الحرب الحقيقية معهم قبل أن ينتهي الاتحاد السوفيتي من أفغانستان, ثم يتوجه لهما الواحدة تلو الأخرى, وفي القديم قالوا: أكلنا يوم أُكِلَ الثور الأبيض, وبهذه المناسبة فلنا عتاب مرير على كلٍّ من الدولتين.
فإيران: التي أرسلت متطوعين إلى لبنان، لم ترسل حتى الآن شيئًا إلى جارتها الملاصقة لها أفغانستان, وأظنَّ أن إسلام أفغانستان أقوى من إسلام لبنان, أوبعبارة أدق: إن المسلمين في أفغانستان أكثرية كبيرة عنهم في لبنان.
стр. 146
وإيران كذلك التي احتلت السفارة الأمريكية وجعلتها معركة وقضية، أَبَتْ أن يحتلَّ أحد السفارة السوفيتية أو الأفغانية, بل أطلق الحرس الثوري على من احتلوا الرصاص.
كنا ننتظر من إيران الكثير ... ولا نزال..
وباكستان:
التي أعلنت الحكم الإسلامي فيها, تعرف بالتاكيد أن الجهاد فرض عين لإنقاذ أفغانستان، وتعرف بالتأكيد حق الجوار الإسلامي، وحق الأخوة الإسلامية.
لكنَّها تتنكَّر لذلك كله -حتى الآن- وتكتفي بموقفين سلبيين:
- موقف الاستنكار الكلامي, ثم موقف إيواء اللاجئين.
ونحن ننتظر منها وفيها شعب مسلم قوي وجيش إسلامي قوي كذلك, ننتظر منها الكثير وقوفًا إلى جانب إخوتها في أفغانستان.
٣- قضية الخليج:
البعض يرى أن الخليج بخير ... لاعتبارين:
أولهما: أنه لا يزال هناك فاصل بين الخليج وبين الخطر الشيوعي هو باكستان وإيران.
ثانيهما: أنَّ المصالح الغربية في الخليج كثيرة ومؤكدة, ومن ثَمَّ لن يسكت الغرب على أي عدوان على الخليج.
ونحن نخالف هؤلاء المتعقلين، ونرى أن الخطر على الخليج وارد بل داهم.
وسندنا في ذلك أن ما دام الحصول على النفط أحد أغراض الاتحاد السوفيتي, وما دام من المؤكد أن الاتحاد السوفيتي سوف يلتهم إحدى الدولتين الإسلاميتين بعد أفغانستان وباكستان أو إيران, فإنه إذا التهم
стр. 147
باكستان, يكون قد وصل إلى الخليج العربي أولًا، ويكون بحاجة إلى البترول ثانيًا، ويكون الخليج كله مرمى المدفع السوفيتي ثالثًا.
أمَّا إذا التهم إيران فقد يُقَالُ: إن عندها بترول, وسوف يكفي الاتحاد السوفيتي وكل طامع عنده نهم أشبه بنهم جنَّهم حين يُقَالُ لها: ﴿هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيد﴾ وما الذي يحول دون الاتحاد السوفيتي إذا وصل إلى مياه الخليج ألَّا يأخذ الخليج أو بعض الخليج, وفيه الذهب الأسود الذي يطمع فيه على ما يزيد عن حاجته من البترول، ويتولَّى هو التصدير إلى الدول الغربية, ويستفيد هو من المكسب العائد. قد يُقَالُ: إنه يخاف الصدام العسكري مع الولايات المتحدة, لكن ما نراه هو أنَّ الولايات المتحدة من بعد درس فيتنام تؤثِر عدم المخاطرة بقوتاتها خارج حدودها، كما أنها تكتفي إزاء عدوان الاتحاد السوفيتي بالاستنكار وبوسائل الرَّدْع غير الحربية، والاتحاد السوفيتي لا يهمه ذلك كله, ويستمر في وضع الولايات المتحدة الأمريكية أمام الأمر الواقع.
وهذا ما حدث من قبل في:
أنجولا، اليمن الجنوبية، أثيوبيا، ويحدث الآن في أفغانستان.
ويممن أن يحدث غدًا في إيران وباكستان، وفي الخليج ...
وعلى ذلك, فالخطر وارد بل داهم.
وواجب الاستراتيجية الصحيحة للدفاع يقتضينا المسارعة إلى نجدة إخواننا في أفغانستان قبل أن يصل الخطر إلينا قريبًا في دول الخليج.
وقد قلت في الكويت وفي دولة الإمارات العربية: أنفقوا من أموالكم قبل أن تنتزع أموالكم. أنفقوا من أرواحكم قبل أن تنتزع أرواحكم.
أشعلو جزءًا من البترول حرقًا للشيوعية والاتحاد السوفيتي, قبل أن يحضروا إليكم فيشعلوه حرقًا لكم ولحرماتكم ولأعراضكم ولأرواحكم.
стр. 148
ليس أمامنا اليوم خيار:
إن الزحف التتري الأحمر بدأ ولن يتوقف، إلّا أن نستيقظ ونحاول نحن إيقافه بجهادنا بأموالنا وأنفسنا في سبيل الله، وما تركت أمة الجهاد إلّا ذُلَّت, هذا بالنسبة للخليج.
٤- قضية الأمة الإسلامية:
ونخرج من هذا بغير عناء أنَّ القضية بالدرجة الأولى قضية الأمة الإسلامية. أفغانستان فيها خط أول، وباكستان وإيران خط ثان، والخليج خط ثالث.
والأمة الإسلامية ينبغي أن تكون مع هذه الخطوط الثلاثة في كلِّ تحرُّكاتها وزحفها إمدادًا بالسلاح وإمدادًا بالرجال وإمدادًا بالمال.
القضية اليوم: أن توجد الأمة الإسلامية أو لا توجد.
ذلك أن الاستعمار الروسي الشرس لم يترك وطنًا احتلَّه من قبل كما فعل الاستعمار الغربي, وهو لا يكتفي بمصِّ دماء أهل البلد اقتصاديًّا, ولا بالسيطرة عليهم عسكريًّا وسياسيًّا، إنه لا يعرف غير الإبادة والاستيعاب.. يبيد البلد، يبيد دينه وعقديته وأهله, ولا يسمح بخلاص وطن من هذا الاستعمار البغيض، وأسألوا بولندا.. ماذا فعلوا فيها عام ١٩٥٦ حين تململت تريد الخلاص.
واسألوا تشيكوسلوفاكيا.. ماذ فعلوا عام ١٩٦٨ حين تملمت كذلك تريد الخلاص.
وأسألوا من قبلها جمهوريات المسلمين داخل الاتحاد السوفيتي, وهي تمثل تسعة أعشار الاتحاد السوفيتي, هل رجع منها شيء إلى المسلمين بعد نصف قرن من احتلال الروس لها؟
إن الاستعمار الروسي هو أقسى أنواع الاستعمار الاستيطاني وأشدها, أنه شبيه بالاستعمار اليهودي وربما أشدّ منه.
стр. 149
فلتستيقظ الأمة الإسلامية, وليمت منها ربعها أو ثلثها في معركة شرف, بدلًا من أن تموت جميعًا على الفراش, فلا نامت أعين الجبناء.
أخيرًا هل هي قضية الولايات المتحدة أو الأمم المتحدة؟
أمَّا الولايات المتحدة: فإن القضية -بكل تأكيد- تهمها.
لكننا لا نستطيع أن نتخلَّى عن الواجب ونقول: إن المعركة معركة الولايات المتحدة، إن المعركة معركتنا بالدرجة الأولى، ولا ينبغي أن نطلب من الولايات المتحدة أن تحارب معركتنا, لكننا نطلب منها إيجابيةً أكثر في مواجهة الغزو السوفيتي, وفي مجال الردع لا يكفي -لردع عدو غبي شرس كالاتحاد السوفيتي- بعض الإجراءات الثقافية والاقتصادية, أو حتَّى قطع العلاقات الدبلوماسية.
صحيح أن ذلك يؤثر, لكنه ليس التأثير الذي يوقف عدوًّا انطلق إلى هدف يريد أن يحققه على النحو الذي أشرنا.
ومن ثَمَّ فنحن ننتظر من الولايات المتحدة أن تتخذ إجراءات أشد قسوة, وإن كنَّا لا ننتظر منها أن تحارب معركتنا.
أما الأمم المتحدة: فحسبنا منها الشجب والاستنكار؛ لأنها لا تملك أكثر من ذلك, ولا تستطيع أكثر من ذلك.
وأخيرًا: بالنسبة للاتحاد السوفيتي:
مرَّت علاقات الاتحاد السوفيتي بالبلاد الإسلامية, سواء منها ما تحتله روسيا داخل أراضيها أو خارجها, مرت بمراحل عدة:
- فالمرحلة الأولى: عقب انتصار الثورة الشيوعية المشئومة عام ١٩١٧, كانت مرحلة "سحق" للبلاد الإسلامية المحيطة بروسيا، مارست فيها أقسى أنواع الاستعمار وأخسَّها، فقتلت من المسلمين الملايين سحقًا بالسلاح أو حصارًا وتجويعًا، وعلَّقت العلماء والرؤساء على أعواد المشانق ليكونوا عبرة لغيرهم, وتسامع الناس في العشرينات والثلاثينات بالغزو الفاجر لبلاد الإسلام في
стр. 150
تركستان ووإزبكستان وبشكريا وأذربيجان وكازاخستان, وقاوم المسلمون العُزَّل في مواجهة الزحف المدعَّم بأثقل السلاح, ودافع أحفاد البخاري ومسلم عن ميراث -محمد ﵊, واستمرَّ جهاد بعض المناطق عشر سنوات بغير انقطاع، والشيوعية المستعمرة الزاحفة لا تمل ولا تتراجع ولا تستحي، وأصوات المسلمين يسمع صداها داخل الستار الحديدي, ولا تجاوزه أنينًا وصراخًا وحشرجةً, والذين استطاعوا الفرار من الجحيم الروسي يحكون عن إجرام الروس وبشاعتهم وخِسَّتهم ما هو أقرب إلى الخيال أو أغرب من الخيال.
وبرغم المقاومة العنيفة التي دامت سنوات، فلقد استطاع الروس بكل وسائل الاستعمار التقليدي, وبما هو أشد منها قسوة وضراوة, أن يضمَّ إلى أراضيه تسعة أمثالها من أراضي المسلمين.
أما المرحلة الثانية:
فقد جاءت بعد الحرب العالمية الثانية, حين حاول الاستعمار الشيوعي أن يبثَّ الشيوعية كفكرة داخل العالم الإسلامي, فغطَّى على جرائمه السابقة ليتحدث عن جرائم الاستعمار الغربي، وليدغدغ عواطف أبناء العالم الإسلامي التوَّاقين إلى التحرُّر من احتلال بريطانيا وفرنسا وهولندا.
ضرب على هذا الوتر ليمنِّي الكثير من المستضعفين أنه الأمل للتحرر، وأن مبادئه هي النقمة على الإمبريالية والاستعمار. كل ذلك إلى جوار ما حمله من خداع المحرومين والمسحوقين اجتماعيًّا أنَّ الشيوعية أمل الإنقاذ من الفقر والبؤس والجوع, ورفع الصيحة الكاذبة إلى صاليك العالم:
يا صعاليك العالم اتحدوا, فأمامكم عالم تغنمونه, وليس في أيديكم ما تفقدونه سوى الأغلال، واستجاب لصعاليك روسيا كثير من الصعاليك.
بضعهم عمالة وخيانة لدينهم ووطنهم, والبعض الأخر انخداعًا بما رفع الاتحاد السوفيتي من شعارات العدالة الاجتماعية، والتحرُّر من الإمبريالية والاستعمار.
стр. 151
- ووجد الاتحاد السوفيتي في هذه المرحلة أنَّ العقيدة الإسلامية "تقف حجر عثرة في طريق انتشار المبادئ الشيوعية، ومن ثَمَّ أعلن "تكتيكًا جديدًا", هو معايشة المبادئ الإسلامية، بل والظهور بالشعائر الإسلامية خداعًا لجماهير المسلمين، فحرَّض كوادر الشيوعية وزعماءها على الظهور بمظهرٍ إسلامي بين المساجد يصلون، وعلى الأرض الطاهر يحجون أو يعتمرون، وهم يحملون في حناياهم الدمار لأمَّتهم ودينهم.
ونجح التكتيك الجديد في خداع واجتذاب البسطاء, وقالوا: لا بأس أن نتَّخذ الإسلام عقيدة، والشيوعية مذهبًا، حتى إنَّ أحدهم كتب إلى أحد زعماء الشيوعية يقول: "إلى الرجل الذي استطاع في وقت واحد أن يجمع بين الشيوعية والإسلام".
- ومارس الاتحاد السوفيتي في نفس الوقت اللعبة التِي مارستها بنجاح الولايات المتحدة الأمريكية منذ بداية الخمسينات "لعبة الانقلابات العسكرية", بلوغًا إلى التغيير من القمة بدلًا من انتظار التغيير من القاعدة، فلذلك أيسر وأقل تكلفة، ثم هو يوقِّر جيوش الاحتلال وأمواله، وردود فعله الدينية والوطنية والعصبية.
وتسامع الناس أن الشيوعية التي تتحدث عن الثورة الشعبية "أو ثورة البروليتاريا" قبلت بثورة العساكر؛ ليتغير النظام بأقل ضحايا إلى نظام شيوعي يسير في فللك روسيا ويحقق لها الأهداف المنشودة.
ورضي العساكر المتقلِّبون أن يكونوا -كأخوة لهم سبقوا- خدَّامًا للاستعمار الجديد، خوَّانًا لدينهم وأوطانهم، بل رضوا أن يكونوا أحذية تلبسها القوة الكبرى وتغيرها إذا "بليت", أو حتى إذا لم تبلى وأرتأى اللابسون التغيير.
ولم تعتبر الأحذية الجديدة بمصير الأحذية القديمة, ما دامت تنال شرف أن تلبسها الأقدام "العظيمة", وما دامت تنال شيئًا من عرض الحياة الدنيا منصبًا أو مالًا أو جاهًا.
стр. 152
ولقيت الأحذية الجديدة مصير الأحذية القديمة, فما بكت عليهم السماء والأرض, بل ما بكاهم يوم سقوطهم أحد.
وانتهت هذه المرحلة بمظاهرها المخلفة بالتخطيط الجديد للمرحلة الثالثة.
المرحلة الثالثة: رجعية الاستعمار الروسي
بدأت هذه المرحلة في ملامحها كمؤشرات بغزو بولندا عام ١٩٥٦, ثم بغزو تشيكوسلوفاكيا عام ١٩٦٨, لكن الاتحاد السوفيتي كان يجد المبرر والدفاع. إن هذه دول شيوعية, وإن ما يحدث فيه ردة عن النظام الشيوعي, وإنها تريد أن تحقق الأمن باعتبارها الدولة الأم, ثم هي لا تعدم بعد ذلك اتفاقات,
لكن المرحلة اتضحت بعد الغزو الأخير لأفغانستان في ظلِّ تمثيلية مضحكة؛ إذ تدَّعي أنَّ حكومة البلاد طلبت العون, فاستجابت روسيا وفاءً لمعاهدة الصداقة والتعاون المعقودة بين البلدين؟
وتساءل الناس:
من الذي طلب العون؟ الرئيس الذي أُعْدِمَ بعد العون، أم الرئيس الذي لم يكن موجودًا وقت تدفق العون؟
ويظن الاتحاد السوفيتي أنه كسب أو يكسب بهذا التدخل, فهو يستطيع في ظنه أن يكبت المقاومة التي عجز عنها عملاؤه "محمد داود, محمد نور تراقي, حفيظ الله أمين".
وهو في ظنه سوف يمنع إمكان انتقال العدوى إلى مسلمي الاتحاد السوفيتي فيما لو قُدِّر للمجاهدين الانتصار.
وهو في ظنه قد يجاوز أرض أفغانستان إلى أرض باكستان ليكون له منفذ
стр. 153
على المياه الدافئة، ثم ليطلَّ من قريب على آبار النفط في الخليج, وفيها ثلثا احتياطيّ العالم في وقت قاربت آبار نفطة على النفاذ.
ثم هو يحدِّث نفسه بقبلة المسلمين الحبيبة، كما يحدِّث اليهود أنفسهم من قبل بقبلة المسلمين الأولى.
كل هذه آمال وأطماع قد يضعها الاتحاد السوفيتي في كفَّة المكاسب, ولكن ليضع أمامها في كفة الخسائر:
١- إنه نسف بالغزو -نهائيًّا- كل رصيد شعبي كان له في المنطقة الإسلامية.
٢- إنه بالغزو صار حجر عثرة أمام انتشار مبادئه سلميًّا وسط الشعوب.
٣- إنه بالغزو عجَّل بكشف أطماعه، ومن ثَمَّ حذر القواعد والقمم على السواء من أهدافه الخبيثة.
٤- إنه بالغزو أثار المقاومة بكل صفوفها وسط صفوف المسلمين.
للدين. للعرض. للوطن ...
ولئن لم تتبلور بعد، فإننا نحسها جمرًا تحت الرماد، عمَّا قريب -بإذن الله- يصير نارًا تحرق, ونورًا يضيء.
٥- إن كثيرًا من المكاسب المظنونة أوهام, فلا المقاومة سوف تُكْبَت، بل بإذن الله سوف تزيد, ولا العدوى إلى مسلمي الاتحاد السوفيتي سوف تتوقَّف، بل إنَّ غزو إخوانهم قد يوقظهم وقد يحركهم، بعدما يرون بأعينهم ما يحدث لإخوانهم بغير حقٍّ إلّا أن يقولوا ربنا الله.
أمَّا ما بعد ذلك فأوهام عملت لها القيصرية من قبل الشيوعية على مدى أربعة قرون، ولم تبلغ شيئًا منها، وسوف يكون مصير الشيوعية بإذن الله أن تدفن على أيدي المسلمين قبل أن تقترب من قبلتهم الحبيبة في بيت الله الحرام.
стр. 154
ماذا تعني الهزيمة؟ وماذا يعني النصر؟
وانتكاس الجهاد في أفغانستان لن يكون إلّا أن تسقط الراية الإسلامية, أو أن يدبَّ الخلاف في صفوف المجاهدين, كما هي محاولات الاستعمار في كل مكان، ومع كل ثورة يقوم بها أبناء بلد يحاولون تحريره من أيدي المستعمرين.
وانتكاس الجهاد -لا قدَّر الله- في أفغانستان يعني: استيلاء الشيوعية على هذا البلد المسلم الذي تأبَّى على كل غزو أجنبي، وقاتله وانتصر عليه، والذي عاش قرونًا يُضْرَبُ به المثل في استمساكه بالإسلام رجالًا ونساءً, والذي عزل ملكه لما حاول أن يغزو السفور بلده, فأخرج أمرأته سافرة.
وهو يعني بعد ذلك: امتداد السرطان الشيوعي إلى البلاد الإسلامية المجاورة: باكستان، إيران، ثم الجزيرة العربية.
وهو يعني: تهديد الحرمين الشريفين بخطرٍ من الصعب أن يزول أو يزال إن تحقق!
وانتصار الجهاد في أفغانستان يعني أولًا: تحريرها من الغزو الشيوعي الفاجر وخلوصها للإسلام، وهي إن أخصلت وتعاونت مع الحركة الإسلامية المنتصرة في باكستان وإيران, فإن تحرير أقاليم الإسلام في روسيا، وإغاثة المستضعفين من الرجال والنساء والولدان فيها, يكون أمرًا وشيك الوقوع, محقق الوقوع إن شاء الله, ولهذا اليوم نعدُّ كل ما نملك لترتفع راية الإسلام مرة أخرى على أرض الإمام البخاري والإمام مسلم؛ لتهدأ العظام الطاهرة، ولتهدأ الأرواح العزيزة الغالية ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ, بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم ٤, ٥] .
стр. 155
٢- إرتريا:
اختيار وأهمية:
وحديثنا هذه المرة عن جزء عزيز من أراضي الإسلام في أفريقيا، القارَّة الإسلامية السوداء, التي تتعرض لغزو رهيب يستهدف استئصال الإسلام فيها, ابتداءً من حرب العقيدة والفكرة, وانتهاء إلى حرب السفك والإبادة.
وتدليلًا على ذلك نقول:
إن المبشرين قد انتهزوا فرصة ما تتعرَّض له أفريقيا من جفاف في غربها, بعد أن توقَّفت الأمطار عن النزول خمس سنوات متتاليات، ومن تسلُّط الجراد على شرقها, مع زحف كثبان الرمال تغطي الأراضي المستصلحة للزراعة. انتهزوا هذا وذاك ليقدموا المساعدات والأطعمة المقرونة بالدعوة إلى اعتناق النصرانية؛ لأنها دين إغاثة الملهوف وإطعام الجائع، وتجاوزوا ذلك إلى إقامة المستشفيات والمدارس وغير ذلك من الوسائل المستخدمة للدعوة إلى اعتناق النصرانية, وذلك كله في الوقت الذي تقاعست فيه الحكومات الإسلامية, وتخبَّطت فيه المنظمات الإسلامية, وتفرقت بسياسات مرتجلة؛ لتقدِّم للجائعين المصاحف والنشرات ١, فلا تجد إلا نظرات التعجُّب والسخرية والانصراف.
وذلك بالإضافة إلى الغزو الصهيوني الرهيب الذي تتعرَّض له أفريقيا, وقد تَمَّ ذلك بوسائل ثلاثة:
١- الإكثار من دعوة القادة الأفريقيين.
٢- عرض خدماتها في المشاريع المختلفة.
стр. 156
٣- الإكثار من دعوة المبعوثين من أهل البلاد الأفريقية١:
وتدليلًا على ذلك نقول:
إن مذابح المسلمين في تشاد على أيدي الحكومة النصرانية الحاكمة، ومذابح المسلمين قبلها في "تنجانيقا" لتكرهها زائير النصرانية على الوحدة، ومذابح المسلمين في الحبشة، وهجمتهم الأثيمة على إرتريا "وفيها أكثرية مسلمة", كل ذلك وغيره دليل على حرب السفك والإبادة التي لم يعدل عنها بعد أعداء الإسلام في أفريقيا, ظنًّا منهم أن العالم لا يسمع بما جرى في أفريقيا، ولئن سمع لا يتحرك, فإنها بلاد الملوَّنين غير المتحضِّرين.
- واختيار الحديث عن إرتريا راجع إلى أكثر من سبب:
إنه بلد تتمثّل فيه حرب السفك والإبادة للمسلمين هناك.
إنه رغم ذلك يجاهد.. يجاهد دولة متعصبة دينيًّا، كثيفة سكانية، مستندة إلى الصليبية والصهيونية والشيوعية دوليًّا.
إنها كذلك صورة لتدخل التيارات العالمية لتفسد عليها جهادها، ولتجهض ضربة أبناء إرتريا لجيش الحبشة الصليبية المستعمر.
وأخيرًا فإن إرتريا بموقعها الاستراتيجي على امتداد ألف كليو متر على شاطئ البحر الأحمر، وعلى مسافة عشرة أميال من الجزيرة العربية، ثم بما تحوي من ثروات في باطنها, تمثل أهمية للمسلمين٢ وخطرًا على أعداء الإسلام.
ولنبدأ القصة من أولها إن شاء الله.
стр. 157
أولًا: إسلام إرتريا
دخل الإسلام إرتريا مع شعاعه الأول, حين هاجر إليها المسلمون فارِّين بدينهم نازلين على نصيحة نبيهم " ﷺ " أنَّ بها ملكًا لا يُظْلَم عنده أحد.
وانتشر الإسلام على أيدي صحابة رسول الله ﷺ مع الفطرة السائدة في المكان, وتوالت هجرات المسلمين، ورحلات التجار إلى موانئ إرتريا على شاطئ البحر الأحمر في مواجهة الجزيرة العربية التي عمَّها الإسلام، وظلَّ الشعب مستمسكًا بإسلامه رغم ما تعرَّض إليه من غزوٍ دحر أكثره.
ثانيًا: إرتريا في وجه الغزو
- خضعت إرتريا لسلطان الخلافة الإسلامية العثمانية التي انتقلت بعد ذلك إلى خديوي مصر سنة ١٨٦٦ "على سبيل الحكم المحلي المعروف في هذا العصر" بموجب الاتفاقية التي وقَّعها الخديوي مع السلطان العثماني في ٣/ ٥/ ١٨٦٥, وكثر طمع الأوربيين فيها, وبدأ التخطيط لاحتلال إرتريا.
- وبدأ الاحتلال الإيطالي بمسرحية طريفة, اشترى فيها المبشِّر الإيطالي الدكتور جزيبي سابيتو قطعة أرض من السلطان إبراهيم بن أحمد, سلطان عصب، باسم الشركة روبا تينو للملاحة, وذلك لتحتمي فيها السفن وتتزوَّد بالفحم في رحلتها إلى الهند، كان ذلك في عام ١٨٦٩, وعلى مدى أربع وثلاثين عامًا تَمَّ الاحتلال للأراضي الإرترية "١٨٦٩-١٩٠٣", وأعلن في حينه "تصريحاتنا وتتاكيداتنا بصدد الطابع الوقتي لاحتلالنا, وكذلك احترام العلم وسيادة السلطات, وقد كانت واضحة. إن هدفنا ليس سوى الإسهام في الحفاظ على الأمن في هذه الأماكن١".
стр. 158
ووضح التواطؤ بين الاستعمار الإيطالي والاستعمار البريطاني الجاثم على صدر مصر فيما كتبه وزير الخارجية الإيطالي ماتتشيني إلى وزير الحربية ريكوتي:
"بإمكان القائد الأعلى لقواتنا العسكرية في مصوع الاستفادة من خدمات "السيد نشير مسايد" الحاكم المصري في مصوع, وهو ضابط برتبة مقدِّم في الجيش الإنجليزي, سيحتجّ المذكور في البداية على احتلالنا لمصوع, إلّا أن لديه التعليمات من حكومته باستقبالنا هناك, وتقديم المعونة التي تلزمنا١".
وانتهى الأمر بتشكيل "مستعمرة إرتريا الإيطالية بالمعاهدة الإنجليزية-الإيطالية-الأثيوبية٢, وفي ظل الاحتلال مُورست إجراءات القمع الشديد ضد الشعب الإرتري؛ فنصبت المشانق، وارتبكت المجازر، وأعدَّ سجن تخرة في دهلك؛ لاستقبال المطالبين بالحرية والاستقلال٣.
- وعلى أثر تمكين قوات الحلفاء من إنزال هزيمة نهائية بالقوات الإيطالية في شرق أفريقيا عام ١٩٤١, قامت إدارة عسكرية على إرتريا من قِبَل الاحتلال البريطاني, ثم بدأ التسلل الأثيوبي إلى إرتريا, على النحو الذي نفرد له الكلمات التالية:
ثالثًا: الغزو الأثيوبي لإرتريا
كان ذلك في البداية من خلال جمعية حب الوطن, التي تأسست عام ١٩٣٨ تضم المسلمين والنصارى "بعدد متساوٍ", وأدت دورًا وطنيًّا في ظل الاستعمار البريطاني, إلى أن تمكَّنت أثيوبيا من احتوائها والإحاطة بها, والانحراف بها عن أهدافها، فأصبح شعار الجمعية منذ ١٩٤٣ "أثيوبيا أو الموت".
وتأسَّس حزب الوحدة الإرترية الأثيوبية في ٥/ ٥/ ١٩٤١, واتخذ شكلًا منظَّمًا في إبريل ١٩٤٦, بعد أن اندمجت معه جمعية حب الوطن إثر انحرافها عن مبادئها الأولى.
стр. 159
وفي نفس العام ١٩٤٦ أسَّس المسلمون والنصارى حزبين: حزب الرابطة الإسلامية، وحزب الأحرار والتقدّم، ثم اندمجا تحت اسم "وحدة إرتريا للإرتريين", ثم انضمَّت إليه أحزاب أخرى, وتكوَّنت "الكتلة الاستقلالية" لتنادي باستقلال إرتريا التامّ مع احتفاظ كل حزب بكيانه المستقل.
ثم تأسَّست أحزاب أخرى موالية لإيطاليا "رابطة المحاربين القدماء الإرترية، الرابطة الإيطالية الإرترية", ثم حدث انشقاق داخل الرابطة الإسلامية تشترط الوصاية البريطانية بعد فترة أو بعد عشر سنوات.
وفي ٢/ ١٢/ ١٩٥٠ تَمَّت مصادقة الجمعية العامَّة على مشروع قرار بإنشاء اتحاد فيدرالي أثيوبيا وإرتريا نصَّ على:
١- تتمتع الحكومة الإرترية بسلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية في ميدان الشئون الداخلية.
٢- اعتبار إرتريا وحدة تتمتع بحكم ذاتي في اتحاد فيدرالي مع أثيوبيا تحت التاج الأثيوبي.
٣- حصر اختصاصات الحكومة الفيدرالية بشئون الدفاع والخارجية والعملة والمالية والتجارة والمواصلات الخارجيتين وبين البلدين١.
وفي مارس سنة ١٩٥٢ تَمَّ انتخاب أول برلمان "٦٨ عضوًا", وانتخب البرلمان حكومته في أغسطس ١٩٥٢, وأزيل العلم البريطاني في ١٥/ ٩/ ١٩٥٢ ليرتفع علم أثيوبيا.
ومارست أثيوبيا إغراءها وتهديدها لأعضاء البرلمان الأثيوبي، وفي ظلّ تعاون من رئيس الحكومة الإرترية ورئيس البرلمان الجديد, بدأ تنفيذ المخطَّط الجديد الرامي إلى ضم إرتريا إلى أثيوبيا، وتَمَّ إجراء انتخابات جديدة؛ لتعلن الجمعية الوطنية المزيفة في ١٤/ ١١/ ١٩٦٢ دمج إرتريا في أثيوبيا.
стр. 160
رابعًا: إعلان الجهاد ضد أثيوبيا
في عام ١٩٥٨ نشأت حركة تحرير إرتريا لتنظيم الشعب وتوعيته لنيل الاستقلال التام، وفي عام ١٩٦٠ تكوَّنت جبهة التحرير الإرترية من أعضاء الأوساط المثقَّفة وخاصَّة من الطلبة.
- وفي الفاتح من سبتمبر سنة ١٩٦١ أعلنت الجبهة ثورتها المسلحة, ولم تكن تملك غير بندقية إنجليزية واحدة عيار "٣٠٣", وخمس بنادق إيطالية ماركة قديمة, ومجموعة من السلاح الأبيض، لكنها لم تلبت أن جذبت إلى الساحة شباب إرتريا, وطوَّرت سلاحها, وراحت تنتزع تراب إرتريا من أيدي المستعمرين الأثيوبيين.
- وكانت أهم أهداف الجبهة طبقًا لميثاقها الأول:
١- استقلال إرتريا استقلالًا كاملًا.
٢- وضع سياسة اقتصادية سليمة.
٣- وضع سياسة تعليمية تتفق والتراث القومي.
٤- الداخل والخارج.
وابتداء من السبعينات بدأ الشقاق ثم الانشقاق داخل الجبهة.
وفي عام ١٩٦٥ حدثت أول خيانة للثورة الإرترية؛ إذ أعلن قائد المنطقة الخامسة "في محافظة حماس" المدعو ولداي -وهو نصراني- أعلن الانضمام إلى حكومة هيلاسلاسي مسلِّمًا نفسه ومن معه من القيادة إلى حكومة هيلاسلاسي, وكان ينوي تقديم جميع الأسلحة لولا أن تنبَّه نائب القائد المسلم.
خامسًا: جهاد إرتريا يتهدده الفناء
بعد ثماني عشرة سنة من الكفاح المسلَّح ضد أثيوبيا, ومنذ بضع سنين دبَّ الخلاف والشقاق بين أبناء إرتريا, حتى لقد انشقَّت الجبهة الواحدة إلى ثلاث جبهات رئيسية دبَّ بينها الشقاق, وجرت فيما بينها التصفية التي لجأت إلى العنف
стр. 161
والاعتقال والتعذيب, ووقفت أثيوبيا تترقَّب الثورة الناشئة أن تهلك نفسها بنفسها, وتخرِّب بيتها بأيديها.
وتحوَّلت قوات الحبشة من الدفاع إلى الهجوم لاسترداد الأراضي التي كسبتها الثورة الإرترية, يساندها في ذلك قوات الاستعمار الجديد من كوبا وروسيا المساندة للحكم الشيوعي القائم في أديس أبابا.
وبدأت مع هذا محاولات الالتفاف السياسية لتصفية الثورة الإرترية, وللانتكاس بها إلى ما قبل سبعة عشر عامًا أو يزيد. بدأت القوى الدولية وفي مقدمتها الاتحاد السوفيتي تطرح فكرة الحل السلمي للمشكلة, وتجاوبت مع الاتحاد السوفيتي بعض البلاد العربية التي رأت في ذلك التجاوب مصلحة سياسية لها, وبدأت الضغط على الجبهات المتنافرة لقبول الحل السلمي.
والحلّ السلمي يقترح إقامة اتحاد "كونفدرالي" بين الحبشة وإرتريا واليمن الجنوبي والصومال, وبذا تضمن الكتلة الحمراء قيام حزام آخر محيط بمدخل البحر الأحمر.
فإذا كان لنا من تقويم للثورة الإرترية فإننا نقول بعون الله:
١- إنها بدأت خاطئة. شأن غيرها من الثورات التي كُتِبَ لها الفشل في المنطقة الإسلامية؛ إذ تصوَّرت أن البداية الوطنية خير بداية، فكانت أوَّل خيانة من هذه البداية الوطنية من جمعية حب الوطن إرتريا إلى حب إثيوبيا لترفع شعاره: إثيوبيا أو الموت, واستمرَّ الخطأ بعد ذلك حين قبلت الرابطة الإسلامية الانضواء مع الحزب النصراني تحت لواء واحد، ثم حين راحت تنقسم على نفسها إلى قسمين آخرين يطالبان بالوصاية البريطانية على إرتريا.
٢- إنها بدأت خاطئة, وانتهت نهاية أشد خطأً, حين راحت تنقسم على نفسها إلى جبهات ثلاث يحارب بعضها بعضًا أكثر مما يحاربون الأعداء, ويهدد بعضهم بعضًا بالفناء والإفناء, وهي النذر التي أشار إليها رب العالمين حين حدَّثنا عن عوامل النصر في مواجهة أي فئة:
стр. 162
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٤٥ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٤, ٤٥] .
فجعل ربنا أحد عوامل النصر الخمسة ألّا تتنازع، وجعل عاقبة التنازع المباشر الفشل، وذهاب الريح وضياع القوة والسطان.
٣- لا مخرج للثورة الإرترية من الفشل والضياع المحقَّقَيْن إلّا أن تصحِّح مسيرتها, وتفصح عن هويتها، وترجع إلى إسلامها، فتضيف إلى قوة النجاح قوة هائلة يرهبها الأعداء.
وإلّا فحتَّى إذا نجحت ثورة إرتريا في طرد أثيوبيا, وهو أمر مستبعد بعد التنازع الحالي, فلسوف يكون فيها ما كان في ثورات أخرى انحرفت عن طريق الإسلام, سوف يصير من أبناء البلد نفسه من يسلك سلوك أثيوبيا, ويحقق نفس أهدافها بغير خسارة لأثيوبيا, وبكل الخسارة لإرتريا, وفي التاريخ المعاصر شواهد كثيرة.
стр. 163
عذراء ماليزيا
مدخل
...
٣- عذراء ماليزيا ١:
الفلبين:
تقدمة:
وهذه مأساة أخرى:
لأكثر من خمسة ملايين مسلم٢, كانت لهم كل الأرض فزحزحوا عن أكثرها, وقبعوا بالجنوب من تلك الجزر الغنية الواقعة في الجنوب الشرقي من آسيا بين المحيط الهادي وبحر جنوب الصين.
وهم في هذا الجنوب يقاتلون قتالًا خسيسًا مريرًا لإخراجهم مما بقي من أرضهم, ولاستئصال شأفتهم من قِبَلِ صليبية محلية يترأسَّها فردينان ماركوس، تساندها صليبية عالمية تحمل لواءها اليوم الولايات المتحدة الأمريكية.
وقبل أن نعرض لما يصيبهم اليوم، وما ينتظرهم في الغد, نعرض في إيجاز إلى حالهم في الماضي, كيف دخل الإسلام أرضهم، وكيف صارت لهم فيه دولة
стр. 164
أولًا: كيف دخل الإسلام عذراء ماليزيا
لم يغتصب الإسلام عذراء ماليزيا, إنما دخلها برضاها١, ذلك ما يعترف به المؤرخون حتى الأسبان منهم والهولنديون, لكنهم يختلفون فيما وراء ذلك حول العامل الأساسي لانتشار الإسلام؟
أ- فمن قائلٍ بالنظرية التجارية١ القائمة على أنَّ الإسلام حمله تجار المسلمين خلال القرن التاسع الميلادي أثناء تجارتهم مع هذه البلاد.
وإن انقسم أصحاب النظرية إلى فريقين: فريق يغلّب الدعوة على التجارة٣، وفريق يغلّب التجارة على الدعوة٤.
وأيًّا ما كان العنصر الغالب, فإن الجامع بينهما أن تجار المسلمين حملوا
стр. 165
معهم الإسلام خلال القرن التاسع إلى هذه البلاد، وفتحوا بحسن أخلاقهم وحسن معاملتهم قلوب أهلها للإسلام، ودعموا ذلك بالزواج من بنات هذه البلاد، وأعقب ذلك دخول حكام الولايات في هذا الإسلام الحنيف.
ب- ومن قائل بالنظرية التبشيرية:
بمعنى أن الدين حملوا الإسلام إلى هذه البلاد هم دعاة قَدِمُوا مع التجار أو قدموا بعد التجار، ويؤكد صحة هذا القول أنه مع سقوط الخلافة العباسية سنة ١٢٥٨م هاجر كثير من العلماء، واتجه بعضهم إلى أرخبيل الشرق الأقصى؛ حيث كان قد سبقهم إليه إخوتهم التجار.١
جـ- ومن قائل بدور الحركة الصوفية:
إذ كان الدعاة الصهيونية دعاة متجولين قادمين من أنحاء العالم الإسلامي, ولم يكونوا -كما يشير المؤرخون- دعاة زهد، وإنما كانوا يتجاوبون مع روح العصر، ويمثلون الحضارة الإسلامية السائدة في ذلك الحين٣.
د- ومن قائل بالنظرية السياسية:
بمعنى أن الدافع وراء انتشار الإسلام هو اعتناق الزعماء المحلين له، وأنَّ الدافع وراء اعتناق هؤلاء للإسلام دافع سياسي هو اتخاذ الإسلام سلاحًا في وجه الهندوكية التي كانوا يصارعونها٤.
ويربطون ذلك بعامل اقتصادي هو ارتباط مصالح أولئك الحكام
стр. 166
المحلين مع التجار المسلمين، بل مشاركتهم في كثير من أنشطتهم التجارية.
ويؤكِّد على ذلك أن التجار المسلمين كانوا قادرين على إحياء أو خنق أي ميناء بحري١.
هـ- ومن قائل بالنظرية العقائدية:
ويشير أصحاب هذا الرأي إلى ما للإسلام من ذاتية داخلية، وما له من تأثير عقيدي في النفوس، وإلى أنه -وإن لم تطبق الشريعة الإسلامية في ماليزيا "وهي تشمل: جاوة, إندونيسيا, عذراء ماليزيا" تطبيقًا كاملًا شاملًا, إلّا أنها بقيت المثل الأعلى، وأن المذهب الشافعي الذي ساد هناك هو نسبيًّا أكثر صلابة في موقفه المعارض للعادات الجاهلية.
ويمكن أن نضيف إلى هذه النظرية نظرية أخرى سردت تحت اسم النظرية الصليبيبة؛ إذ يذهب أصحابها إلى أن انتشار الإسلام كان من رد فعل لمحاولة الصليبية السيطرة على تلك المنطقة, وأنه بذلك يُعَدُّ لونًا من استمرار الحروب الصليبية التي بدأت في المنطقة العربية، ثم انتقلت إلى الأندلس، ثم عرجت على جنوب شرق آسيا.
وإذ نجعل هذه النظرية العقائدية, فإنَّ ذلك بالنظر إلى رد الفعل العقائدي لدى المسلمين نتيجة الغزو الصليبي الآثم لبلاد المسلمين، بينما الذين يسمونها بالصليبية ينظرون إلى الفعل نفسه لا إلى رد الفعل، والنظر إلى رد الفعل أصوب؛ إذ هو السبب المباشر لانتشار الإسلام.
وبهذه النظريات يجري تصوير الطريق الذي دخل به الإسلام إلى هذا الجزء العزير من الوطن الإسلامي.
وأيًّا كان خلاف المؤرخين، فإنهم مجمعون -كما قدمنا- على أن
стр. 167
الإسلام دخل إلى هذه الأرض الطيبة طوعًا واختيارًا, وما كان ثَمَّة إكراه لأحد على اعتناقه.
لكن يبقي بعد ذلك أن نقول: إن النظر إلى عامل واحد من هذه العوامل ظلمٌ للإسلام وظلم للتاريخ, فلا يستطيع دارس للإسلام فاقِهٌ له أن ينكر أثر العقيدة الإسلامية السهلة البسيطة في نفوس الناس، وما تحمله من توحيد يرقى بهم عن كل عبودية لبشر أو حجر، وما تفرضه من مساواة لا يتميز فيها الأبيض على الأسود، ولا الأحمر على الأصفر, ولا الشريف على الضعيف.
كذلك لا يستطيع مؤرِّخ أن يغفل دور التجار المسلمين، وقد كانت معاملاتهم وأخلاقهم خير سبيل للدعوة بين الناس، كما لا يستطيع مؤرِّخ منصف أن يسقط دور الدعاة المسلمين -ومن بينهم بعض الصوفيين الفاقهين- في نشر الإسلام، ولا يستطيع كذلك أن يسقط العوامل السياسية والاقتصادية التي ساعدت على نشر الإسلام.
فالعوامل السابقة مجتمعةً ساعدت على نشر الإسلام في هذا الجزء العزيز من وطن الإسلام, لكن يتقدمها في التاريخ وفي الأهمية دور التجار المسلمين، وهي إشارة هامة لرجال الدعوة الإسلامية المحدثين؛ ليجعلوا من أخلاقهم وسلوكهم ومعاملاتهم خير سبيل للدعوة بين الناس.
стр. 168
ثانيًا: حاضر عذراء ماليزيا
جهاد أربعمائة عام:
يواصل إخواننا المسلمون في عذراء ماليزيا جهادًا دام أربعمائة عام, ثلاثمائة عام يجاهدون الأسبان الذين وفدوا عليهم منذ القرن السادس عشر, ينافسونهم التجارة, ويدعون إلى النصرانية، ويريدون أن تتكرر في عذراء ماليزيا مأساة الأندلس, ويصلون بذلك الحروب الصليبية التي اندلعت لقرون في المشرق وفشلت، فانتقلت إلى الأندلس المسلمين في المغرب ونجحت, ثم انحرفت إلى جنوبي شرق آسيا تحقق حلمًا جديدًا, ثم ينتقلون بعد ثلاثمائة عام من جهاد الإسبان, إلى جهاد الوثنيين من أبناء اليابان، والصليبيين من أبناء أمريكا, ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية تتوطد أقدام الصليبيين في الفلبين, وتنهك المسلمين اثنتا عشرة ثورة تفجَّرت منذ انتهاء الحرب العالمية حتى الآن, لكنهم يعاودون الجهاد من جديد.
جبهة تحرير مورو ١ ترفع علم الجهاد:
وخلال نصف عقد من الجهاد يسقط في ساحة الشهادة خمسون ألفًا من المسلمين, ويضرب شباب الإسلام مثلًا في التضحية والجهاد تعيد ذكرت الرعيل الأول، ويقود أمثال الشهيد عبد الباقي عبد الرازق خريج الجامعة الإسلامية معارك القتال، ويستشهد في معركة يقتل فيها ويجرح من الكفار ثلاثمائة, ويستولي على جميع أسلحة الجيش المحارب, بينما تكون خسائر المسلمين تسعة من الجرحى وأربعمائة من الشهداء, ربحت الصفقة بموازين الدنيا, وهي أكثر ربحًا بموازين الآخرة.
وفي مقابل مثل الجهاد مثل من الوحشية, في ١٩ يونية ١٩٧١ يهجم جيش الصليبيين على المسلمين في مسجد في قرية مانيلي, ببلدة كارمن, مقاطعة
стр. 169
كوتاياتو, فيقتلون ٦١, ويجرحون ٣٢, ويدفن القتلى في أرض المسجد, فترتفع ثلاثة أقدام عن منسوبها الأصلي, ويضعون تسعيرًا لأوصال المسلمين.١
وفي ٢١ يوليه ١٩٧١ يقف محافظ مانيلا في مؤتمر مديري الجامعات ليقول: إنها مناسبة أو مصادفة أن يتوافق انعقاد مؤتمركم مع الذكرى الأربعمائة على تنصير مانيلَّا، بعد أن اجتاح الأسبان آخر سلاطين المسلمين في إمارة "تونسدد" التي كان يحكمها "راجا سليمان", وأمارة "ياسيج" التي كان يحكها "راجالا كندولا"
المجاهدون ينقصهم المال والسلاح:
لا ينقص المجاهدين إيمانٌ ولا عقيدة, فنحسبهم ممن يؤْثِرُون الموت في سبيل الله على حياة الذلة تحت حكم الصليبيين، ولقد قدَّموا من دمائهم خمسين ألف شهيد، هي خير شهيد على ذلك, لكن ينقصهم بكل أسف المال الذي يسيل على موائد القمار وفي الليالي الحمراء, والذي تلف به أجساد البغايا في أوربا من سلاطين المال المسلمين, والذي لم يجد بعضهم ما لا ينفق فيه مالًا فسار بالسيارة مسرعًا, وبيِّنَ رزمة من الأوراق النقدية من العملة الصعبة تتطاير أوراقها من شباك السيارة؛ لينعم السائرون بسفه ذلك العربي المخمور٢.
وتنهار المفاوضات في ٦ أبريل ١٩٧٧ بعد أن يدرك المسلمون المفاوضون أن الحكومة الفلبينية تصر على إفشال المفاوضات؛ لتطبيق مخططاتها المعادية للمسلمين في جنوب الفلبين", وتعلن حكومة الفلبين في ٣٠ ابريل ١٩٧٧
стр. 170
وقف المفاوضات وتخلِّيها عن جميع التزاماتها السابقة.١
ويعرض الأمر على المؤتمر الثامن لوزراء خارجية الدولة الإسلامية المنعقدة في طرابلس "٢٧ جمادى الأولى - ٣ جمادى الثانية ١٣٩٧هـ "١٦-٢٢ مايو ١٩٧٧م".
ويتحدَّث رئيس تحرير جبهة مورو "نور مسواري" فيعلن أنَّه بالرغم أنَّ هدف المجاهدين كان الاستقلال التام، ولكنَّها قبلت بما انتهى إليه وزراء خارجية الدول الإسلامية بالاكتفاء بالحكم الذاتي بدلًا من الاستقلال التامّ، وأنَّه خلال وقف إطلاق النار حدث أكثر من ٢٠٠ مائتي انتهاك لإطلاق النار، كما رفضت الحكومة الإفراج عن المجاهدين المسجونين في سجونها، ورفضت إعادة الأرض المغتصبة إلى أصحابها، وزادت قواتها في الجنوب، كما قررت رفع عدد جيشها من مائة ألف إلى ٥٦.٠٠٠ ٢..٢ وهكذا تكرَّرت مأساة فسلطين مرة أخرى. الهدنة دائمًا للعدو.
في ظلّ التدخل الدولي من الدول الصديقة والحبيبة, ومرَّة ثانية أعرب المؤتمر عن اهتمامه البالغ بتطورات قضية المسلمين في الفلبين, وأسف للموقف السلبي لحكومة الفلبين، وأعلن مسئوليتها عن فشل المفاوضات, ومع ذلك ...
وأهم قرار:
"يكلف اللجنة الرباعية باستئناف الوساطة على الجانبين تمشيًا مع القرارات السابقة التي اتخذها المؤتمر. ومن هنا نتحدث عن مستقبل الفلبين".
стр. 171
ثالثًا: مستقبل العذراء "ماليزيا "
نقولها في كلمات نبغي بها وجه الله: إنه إذا ألقي السلاح, وتخلَّى المجاهدون عن هدفهم الأصيل، ورضوا أن ينوب عنهم في قضيتهم غيرهم، ورضوا أن تقوم الدبلوماسية مقام الجهاد, فإنه ينتظرهم ما أصاب شعب فلسطين يوم ألُقْي سلاح الجهاد ليلبس روب الدبلوماسية, ويوم أناب عنه غيره, فحلَّت به النوائب من كل جانب. أمَّا إن عادت إلى الجهاد وحملت السلاح واستثارات حمية غير الرسميين من المسلمين, فإن النصر بيد الله، وإن العون من الله، ولينصرنَّ الله من ينصره, إن الله لقوي عزيز.
стр. 172
الفصل الثالث: أوطان يتهددها الخطر
مدخل
...
الفصل الثالث: أوطان يتهددها الخطر
في الفصل الأول ضربنا مثلًا لقضايا الأوطان السليبة, وفي الفصل الثاني ضربنا مثلًا للأوطان المجاهدة, وفي هذا الفصل نضرب المثل لأوطان يتهددها الخطر.
ولئن كان الجهاد فرض عين لاسترداد الأرض السليبة, وفرض كفاية لمساعدة الأوطان المجاهدة, فهو فرض عين لدفع الخطر عن أوطان إسلامية يتهددها الخطر, وإلّا فلسوف تئول هذه الأوطان إلى الصنف الأول, إلى الأوطان السليبة ولات يومئذ ندم, ولسوف نشير في البداية إلى إندونيسيا.
أكبر دولة إسلامية يتهددها خطران: خطر الشيوعية وخطر النصرانية, ثم نشير إلى أخطر دول الإسلام موقعًا وتأثيرًا وسط شقيقاتها العربية والإسلامية وهي مصر, وما يتهددها من أخطار, ثم نشير أخيرًا إلى لبنان إشارة موجزة.
والله المستعان وعليه التكلان, ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم.
стр. 173
١- إندونيسيا:
أهميتها:
تمثل من ناحية التعداد: أكبر دولة إسلامية, وخامس دولة بعد الصين والهند والاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية, فتعدادها بجاوز ١٢٠ مليون, وهو أكثر من عشر عدد مسلمي العالم.
ومن ناحية الموقع: تقع بين قارتي آسيا واستراليا, وتطل على المحيطين الهندي والهادي, ومساحتها ٧٣٥.٨٦٥ ميلًا مربعًا, متوزعة بين ١٣ ألف جزيرة, منها ستة آلاف آهلة بالسكان, وتجاور بلادًا حكمتها الشيوعية مثل كمبوديا وفيتنام ولاوس، وأخرى تتهددها الشيوعية مثل ماليزيا وفطاني.
ولها أهمية أخيرة من ناحية ما يتهدَّدها من تيارات تكاد تعصف بإسلامها, وهو ما نتناوله بإذن الله في هذا البحث.
إسلامها:
وصلها نور الإسلام مع فجره الأول, حين حمله تجار المسلمين الذاهبون إلى جنوب شرق آسيا, فدخل إخوتنا في إندونيسيا الإسلامية طواعية حبًّا واختيارًا.
وبقي الإسلام هو الدين -بحمد الله- وإن وجدت أقلية مسيحية تصل إلى حوالي العشر "٥ مليون حاليًا".
وبقي دين الإسلام هو حافز الجهاد ضد الأعداء الذين استعمروا بلاد إندونيسيا, وتصاعدت موجة الإسلام حتى بلغت ذروتها في سنة ١٩٠٦ بتشكيل "شركت إسلام" مما دفع الاستعمار الهولندي إلى التفكير في اتجاهين لحرب الإسلام, غرسهما وجنى المسلمون ثمارهما المُرَّةَ بعد الاستقلال, ومع ذلك تشكَّل في ٧ نوفمبر سنة ١٩٤٥ حزب سياسي إسلامي "ماشومي"
стр. 174
ليمارس السلطات والحقوق السياسية في إندونسيا, لكنه تعرَّض بعد ذلك لاضطهاد سوكارنو.
الماركسية تهدد الشعب المسلم:
وكَّلت هولندا المستعمرة إلى المستشرق "ستوك" وضع مخطَّط لوقف التيار الإسلامي الزاحف، فاقترح أن يسير تيار القومية مع تيار الماركسية لتحطيم تيار الدين، ولحق بستوك المهندس "ستيفليت" الذي وقف نشاطه على نشر الماركسية بين الشعب الإندونيسي المسلم, وقدَّمت له السطان الهولندية المحتلة تسهيلات هائلة.
وفي ١٣ مايو سنة ١٩٢٠ أُعْلِنَ عن تشكيل الحزب الشيوعي الإندونيسي, وكان قد سبقه في سنة ١٩١٧ تشكيل الحزب الاشتراكي الديمقراطي الهولندي "كفرع للحزب الاشتراكي الهولندي في هولندا", وكان الشيوعيون الأندونيسيون يعتبرن إندونسيا جزءًا من هولندا.
وفي ٢٤ ديسمبر سنة ١٩٢٠ أُعْلِنَ انضمام الحزب الشيوعي الإندونيسي إلى الكومنترن "منظمة الشيوعية العالمية", وبدءًا من سنة ١٩٢٦ أُعْلِنَ استقلال إندونسيا, وانتخبت سوكارنو رئيسًا للجمهورية, وفي أول أكتوبر من نفس العام بعث الرئيس الجديد تهنئة إلى ستالين بمناسبة ذكرى ثورة أكتوبر, جاء فيها:
إننا نؤيد الاتحاد السوفيتي؛ لأنه يحارب من أجل العدالة والسلم العالميين, ومن أجل الإنسانية.
وبقي سوكارنو في الحكم عشرين عامًا يحارب التيار الإسلامي, ويحل حزب ماشومي الإسلامي, ويمكِّن للشيوعية في بلاد المسلمين. فضلًا عن انحلاله الظاهر الذي لم يكن يخفيه, بل كان "يفلسفه", وهو ما دعا الشيوعيون إلى محاولة الانقضاض للإمساك بزمام الحكم مرتين: مرة في سبتمبر سنة ١٩٤٨, والأخرى في سبتمبر ١٩٦٥.
وفي كل مرة كان سوكارنو يحاول تبرير ما حدث, ويقف موقف المتفرج ظاهرًا والمؤيد باطنًا.
стр. 175
وفي المرة الأولى جهَّزَ الشيوعيون جيشًا قوامه خمسة وثلاثون ألفًا، وقتلوا من العلماء والمدرسين والمناهضين لحركتهم ألفًا وخمسمائة في الفترة التالية لإعلان جمهوريتهم الشيوعية تحت اسم دولة إندونيسيا السوفيتية، وأعلن الشعب الجهاد المقدَّس ضد الشيوعية الكافرة, ودوَّت كلمة الله أكبر في كل مكان, وتحرك الجيش الإندونيسي تحت قيادة الحارث ناسوغلتون للقضاء على عملاء الكرملين. وفي ٨ سبتمبر ١٩٥٧ انعقد مؤتمر إسلامي ضمَّ ٦٢٩ عضوًا في مدينة بالمبانغ, بينهم ٣٢٥ من كبار العلماء والأعماد، ٢٨٤ من الساسة والمدرسين, وقرر المؤتمر في ١٠ سبتمبر سنة ١٩٥٧م:
١- يحرَّم على المسلمين أن يحكمهم شيوعي أو شيوعيون.
٢- المؤتمر يطالب بحل الوزارة الحالية, وتأليف وزارة جديدة لا يشترك فيها شيوعي واحد.
٣- إن المؤتمر ليأسف جدَّ الأسف؛ حيث أصبح الرئيس سوكارنو حصن الشيوعية الحصين, وأعطاهم المجال الواسع لمشاركتهم في أمور الدولة والحكم.
أمَّا المحاولة الثانية سنة ١٩٦٥م:
فقد سبقها تمهيدات كان آخرها خطاب الرئيس سوكارنو في اليوم السابق مباشرة في مهرجان الشباب الشيوعي بالملعب الرياضي بحاكرتا؛ حيث قال:
"إن الاستقرار لن يكون إلّا بإراقة الكثير من الدماء, فالطريق نحو هذه الغاية صعب جدًّا, ولكننا يجب ألّا تأخذنا الرحمة أو الشفقة ...
وفي ليلة المؤامرة تَمَّ اختطاف ستة جنرالات وذبحهم, وأفلت منهم اثنان آخران, ثُمَّ تلا ذلك إذاعة بيانات في أول أكتوبر عن الانقلاب العسكري المشئوم, وعرف كيف ساهمت السفارة الصينية في الانقلاب.
ولكن الله قيَّضَ لهذا الانقلاب كذلك من أحبطه.
وانطلق الشعب يقاوم ويتظاهر ويحرق ويطالب بإسقاط سوكارنو الذي اتخذ شعاره المشئوم "ناسا كوم" لتوطيد دعائم الشيوعية, وهو اشتقاق من الكلمات الثلاث:
القومية: Na Tional الدين: Agama الشيوعية: Komunis
стр. 176
والذي لم يستح أن يعلن: "إني ماركسي وافتخر بذلك، إنني أؤمن بالفسلفة المادية التاريخية١",
والذي لم يستح كذلك أن يعلن عن انحلاله وفجوره "وحياتي الغرامية التي أخذها المؤلف عليَّ مأخذًا لا هوادة فيه, فإني أقول بكل صراحة "والأحرى أن يقول: بكل وقاحة" إن الرجل الذي لا يدري ما الغرام, ولا يعرف ما هو الحب, ولا يذوق طعم الهوى والغرام, ولا يفتتن بالجمال.. فهو إمَّا مخنَّث أو فاقد الرجولة, أو جماد في صورة إنسان, ولا شعور له ولا إحساس"٢.
ثم نُحِّيَ سوكارنو عن الحكم أولًا بقرار المجلس الاستشاري الأعلى, بإلغاء قرار رئاسته مدى الحياة، ثم بقرار سوكارنو في ٢٠ فبراير سنة ١٩٦٧ بتسليم الجنرال سورهارتو مقاليد السلطة؛ ليتولاها الأخير منذ ١٢ مارس ١٩٦٧ وليقصي الشيسوعيين عن الحكم, ويشرك فيه ثمانية أحزابٍ من بينها ثلاثة أحزاب إسلامية.
لكن بكل أسف نقرر: إنه إذا كان سوكارنو قد مكَّن للشيوعية, فإنَّ خلفاءه اليوم يمكِّنون للنصرانية, وكأنها هي البديل، أوكأنها كانت ثمن التمكين.
النصرانية تهدد إندونسيا:
لا تحمل العهد القائم كبر التمكين للنصرانية في إندونيسيا، لكنَّا نحمّله كبر السكوت، والسكوت ممن كان في موضع موضع المسئولية مشاركة, وأي مشاركة؟ ونمسك عمَّا وراء السكوت فليس لدينا علمه، ولئن أمكننا علمه فلا نملك الدليل عليه.
ونكتفي بأن نسوق الحقائق التالية:
١- إن النصارى قد نجحوا في التسلل إلى السلطة عن طريق السيطرة
стр. 177
على منظمة الحرفيين "طائفة الجوليكار", سواء في ذلك السلطة التنفيذية أو التشريعية, كما سيطروا على
إدارة ومحافظات تتمتع بميزة الحكم اللامركزي.
كما استطاعوا السيطرة الكاملة على الهيئة المركزية للحزب الديمقرطي.
٢- استطاعوا بالاشتراك مع الصينيين السيطرة على القطاع الاقتصادي.
٣- كل ذلك مع أنَّهم لا يجاوزون من بين ١٢٠ مليونًا أكثر من خمسة عشر مليونًا.
٤- لهم ٨ آلاف كنيسة، ٣٥٠٠ قسيسًا، ٨٠٠٠ مبشر يسيطرون على وسائل الإعلام, ولهم خمسون مطارًا، ولم مدارس ومستشفيات ومستوصفات.
٥- استطاعوا وهذه خاتمة هذه المآسي -استطاعوا أن ينصِّروا ثلاثة ملايين مسلم خلال عامين, على ما تشهد به الندوة العالمية للشباب الإسلامي, وخمسة ملايين على ما يشهد به أبناؤنا من طلاب إندونيسيا المسلمة.
وهم يستغلون في ذلك حالة الفقر المدقع الذي تعيشه غالبية المسلمين هناك, إلى جوار ما يشيع بينهم من جهل بالغزو الفكري الخطير الذي تتعرَّض له إندونيسيا, ويتعرض معها كذلك العالم الإسلامي كله.
مستقبل إندونيسيا:
إندونيسيا في مستقبلها يتهددها خطران:
خطر الشيوعية الزاحف من حولها والذي لا يزال -رغم محاولة الاستئصال- كالسرطان متمكنًا من جسد الأمة الإندونيسية المسلمة.
ثم خطر النصرانية الزاحف الماثل أمام كل ذي عينين، والذي توصَّل حتى الآن إلى تنصير حوالي عشرة ملايين مسلم, على ما يذكر الثقات من أبناء إندونيسيا.
ولئن كان حماس الحاكمين واضحًا في مواجهة التيار الشيوعي, فإنه غير واضح في مواجهة التيار النصراني, بل إن الواضح هو السكوت على ذلك التيار, إن لم نقل: تشجيعه, وهو ما يدل عليه تنصير ثلاثة ملايين خلال عامين,
стр. 178
الأمر الذي لم يحدث خلال تاريخ الإسلام كله, ولا في أي مكان من بلاد الإسلام كلها, ولا نستطيع أن نقول: إن الجهود الفردية, بل والشعبية, كافية وحدها لصدِّ تيار التنصير العالمي.
بل لا بُدَّ من وقفة واضحة من الحاكمين, وإلّا فوقفة معهم, ولا بُدَّ مع ذلك من وقفة واضحة من بلاد الإسلام حكومات وشعوبًا ومنظمات تقدم فيها:
أولًا: العون المادي لأبناء إندونيسيا الجائعين, حتى لا يتمَّ تنصير الأسرة بحفنات من الأرز تقدَّم إليهم من المبشرين.
وقد قلنا في مناسبة: إن ما يلقى في القمامات, وما يتساقط من الموائد في الدول الغنية, تسد رَمَقَ شعب إندونيسيا ويكفيه.
ثانيًا: العون المعنون والأدبي: بما يقدَّم من كتب ومؤلفات ونشرات وتوعية, دعوة تقوم بها حكومات العالم الإسلامي ومنظماته.
ثالثًا: لا بُدَّ من صحوة شعب إندونيسيا, يضيق بها على خطر النصرانية المحدق, كما أفاق من قبل على خطر الشيوعية المحدق, فمزَّقه وداسه -رغم عنفه- مرتين.
وصيحة الإسلام في إندونيسيا سوف يسمع صداها فطاني والفلبين, بل وفي الأندلس وفلسطين.
والله غالب على أمره, ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
стр. 179
سوريا
مدخل
...
٢- سوريا:
مقدمة:
جزء من بلاد الشام التي قسَّمها الاستعمار إلى: سوريا، ولبنان، وفلسطين، والأردن, تقع في شمال غرب أسيا، وتحيط بها لبنان والعراق والأردن وفلسطين وتركيا.
تعداد أبنائها ٧ ملايين، منهم ١٠% من الفئة النصيرية، وكانوا يسكنون الجبال، ثم هبطوا إلى المدن مع المؤامرة الكبرى على الإسلام في سوريا. دخلها الإسلام مع الصدر الأوَّل, ثم صارت مهدًا لأول دولة إسلامية بعد عهد الراشدين. شاركت في دفع التتار وفي دفع الصليبين، وإن تحرَّكت بالخيانة فيها طائفة النصيريين, وفي حرب فلسطين عام ١٩٤٨ انطلقت منها كتائب مؤمنة لحرب اليهود تحت قيادة الدكتور مصطفى السباعي, بعيدًا عن الجيوش الرسمية, وفي الحديث عن حاضر سوريا نتحدث عن:
١- البعث.
٢- النصيرية.
٣- معارك ضد الإسلام.
стр. 180
١- البعث:
أ- نشأة الحزب:
نشأ منذ حوالي ثلث قرن، على كتف اثنين؛ أحدهما نصيري من سواعد اسكندرون "زكي الأرسوزي", وآخر نصراني من نصارى اليونان "ميشيل عفلق", وضمَّ منذ نشأته طوائف غير إسلامية: نصيرية ونصارى ودرزية, وإسماعيلية. على هذا الترتيب في الثِّقَل, ولم يضم من أهل السنة إلّا العاجز التافه "من أمثال صلاح البيطار وأمين الحافظ".
- وقد وُلِدَ حزب البعث في أحضان الاستعمار الفرنسي, وكانت فرنسا الصليبية هي التي احتضنته وغذَّته وغرست في نفوس أعضائه الحقد على