← Общие книги

Общие книги · id 10746

حاضر العالم الإسلامي

علي جريشة

Полный текст (226 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

والذي لم يستح أن يعلن: "إني ماركسي وافتخر بذلك، إنني أؤمن بالفسلفة المادية التاريخية١", والذي لم يستح كذلك أن يعلن عن انحلاله وفجوره "وحياتي الغرامية التي أخذها المؤلف عليَّ مأخذًا لا هوادة فيه, فإني أقول بكل صراحة "والأحرى أن يقول: بكل وقاحة" إن الرجل الذي لا يدري ما الغرام, ولا يعرف ما هو الحب, ولا يذوق طعم الهوى والغرام, ولا يفتتن بالجمال.. فهو إمَّا مخنَّث أو فاقد الرجولة, أو جماد في صورة إنسان, ولا شعور له ولا إحساس"٢. ثم نُحِّيَ سوكارنو عن الحكم أولًا بقرار المجلس الاستشاري الأعلى, بإلغاء قرار رئاسته مدى الحياة، ثم بقرار سوكارنو في ٢٠ فبراير سنة ١٩٦٧ بتسليم الجنرال سورهارتو مقاليد السلطة؛ ليتولاها الأخير منذ ١٢ مارس ١٩٦٧ وليقصي الشيسوعيين عن الحكم, ويشرك فيه ثمانية أحزابٍ من بينها ثلاثة أحزاب إسلامية. لكن بكل أسف نقرر: إنه إذا كان سوكارنو قد مكَّن للشيوعية, فإنَّ خلفاءه اليوم يمكِّنون للنصرانية, وكأنها هي البديل، أوكأنها كانت ثمن التمكين. النصرانية تهدد إندونسيا: لا تحمل العهد القائم كبر التمكين للنصرانية في إندونيسيا، لكنَّا نحمّله كبر السكوت، والسكوت ممن كان في موضع موضع المسئولية مشاركة, وأي مشاركة؟ ونمسك عمَّا وراء السكوت فليس لدينا علمه، ولئن أمكننا علمه فلا نملك الدليل عليه. ونكتفي بأن نسوق الحقائق التالية: ١- إن النصارى قد نجحوا في التسلل إلى السلطة عن طريق السيطرة

стр. 177

على منظمة الحرفيين "طائفة الجوليكار", سواء في ذلك السلطة التنفيذية أو التشريعية, كما سيطروا على إدارة ومحافظات تتمتع بميزة الحكم اللامركزي. كما استطاعوا السيطرة الكاملة على الهيئة المركزية للحزب الديمقرطي. ٢- استطاعوا بالاشتراك مع الصينيين السيطرة على القطاع الاقتصادي. ٣- كل ذلك مع أنَّهم لا يجاوزون من بين ١٢٠ مليونًا أكثر من خمسة عشر مليونًا. ٤- لهم ٨ آلاف كنيسة، ٣٥٠٠ قسيسًا، ٨٠٠٠ مبشر يسيطرون على وسائل الإعلام, ولهم خمسون مطارًا، ولم مدارس ومستشفيات ومستوصفات. ٥- استطاعوا وهذه خاتمة هذه المآسي -استطاعوا أن ينصِّروا ثلاثة ملايين مسلم خلال عامين, على ما تشهد به الندوة العالمية للشباب الإسلامي, وخمسة ملايين على ما يشهد به أبناؤنا من طلاب إندونيسيا المسلمة. وهم يستغلون في ذلك حالة الفقر المدقع الذي تعيشه غالبية المسلمين هناك, إلى جوار ما يشيع بينهم من جهل بالغزو الفكري الخطير الذي تتعرَّض له إندونيسيا, ويتعرض معها كذلك العالم الإسلامي كله. مستقبل إندونيسيا: إندونيسيا في مستقبلها يتهددها خطران: خطر الشيوعية الزاحف من حولها والذي لا يزال -رغم محاولة الاستئصال- كالسرطان متمكنًا من جسد الأمة الإندونيسية المسلمة. ثم خطر النصرانية الزاحف الماثل أمام كل ذي عينين، والذي توصَّل حتى الآن إلى تنصير حوالي عشرة ملايين مسلم, على ما يذكر الثقات من أبناء إندونيسيا. ولئن كان حماس الحاكمين واضحًا في مواجهة التيار الشيوعي, فإنه غير واضح في مواجهة التيار النصراني, بل إن الواضح هو السكوت على ذلك التيار, إن لم نقل: تشجيعه, وهو ما يدل عليه تنصير ثلاثة ملايين خلال عامين,

стр. 178

الأمر الذي لم يحدث خلال تاريخ الإسلام كله, ولا في أي مكان من بلاد الإسلام كلها, ولا نستطيع أن نقول: إن الجهود الفردية, بل والشعبية, كافية وحدها لصدِّ تيار التنصير العالمي. بل لا بُدَّ من وقفة واضحة من الحاكمين, وإلّا فوقفة معهم, ولا بُدَّ مع ذلك من وقفة واضحة من بلاد الإسلام حكومات وشعوبًا ومنظمات تقدم فيها: أولًا: العون المادي لأبناء إندونيسيا الجائعين, حتى لا يتمَّ تنصير الأسرة بحفنات من الأرز تقدَّم إليهم من المبشرين. وقد قلنا في مناسبة: إن ما يلقى في القمامات, وما يتساقط من الموائد في الدول الغنية, تسد رَمَقَ شعب إندونيسيا ويكفيه. ثانيًا: العون المعنون والأدبي: بما يقدَّم من كتب ومؤلفات ونشرات وتوعية, دعوة تقوم بها حكومات العالم الإسلامي ومنظماته. ثالثًا: لا بُدَّ من صحوة شعب إندونيسيا, يضيق بها على خطر النصرانية المحدق, كما أفاق من قبل على خطر الشيوعية المحدق, فمزَّقه وداسه -رغم عنفه- مرتين. وصيحة الإسلام في إندونيسيا سوف يسمع صداها فطاني والفلبين, بل وفي الأندلس وفلسطين. والله غالب على أمره, ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

стр. 179

سوريا مدخل ... ٢- سوريا: مقدمة: جزء من بلاد الشام التي قسَّمها الاستعمار إلى: سوريا، ولبنان، وفلسطين، والأردن, تقع في شمال غرب أسيا، وتحيط بها لبنان والعراق والأردن وفلسطين وتركيا. تعداد أبنائها ٧ ملايين، منهم ١٠% من الفئة النصيرية، وكانوا يسكنون الجبال، ثم هبطوا إلى المدن مع المؤامرة الكبرى على الإسلام في سوريا. دخلها الإسلام مع الصدر الأوَّل, ثم صارت مهدًا لأول دولة إسلامية بعد عهد الراشدين. شاركت في دفع التتار وفي دفع الصليبين، وإن تحرَّكت بالخيانة فيها طائفة النصيريين, وفي حرب فلسطين عام ١٩٤٨ انطلقت منها كتائب مؤمنة لحرب اليهود تحت قيادة الدكتور مصطفى السباعي, بعيدًا عن الجيوش الرسمية, وفي الحديث عن حاضر سوريا نتحدث عن: ١- البعث. ٢- النصيرية. ٣- معارك ضد الإسلام.

стр. 180

١- البعث: أ- نشأة الحزب: نشأ منذ حوالي ثلث قرن، على كتف اثنين؛ أحدهما نصيري من سواعد اسكندرون "زكي الأرسوزي", وآخر نصراني من نصارى اليونان "ميشيل عفلق", وضمَّ منذ نشأته طوائف غير إسلامية: نصيرية ونصارى ودرزية, وإسماعيلية. على هذا الترتيب في الثِّقَل, ولم يضم من أهل السنة إلّا العاجز التافه "من أمثال صلاح البيطار وأمين الحافظ". - وقد وُلِدَ حزب البعث في أحضان الاستعمار الفرنسي, وكانت فرنسا الصليبية هي التي احتضنته وغذَّته وغرست في نفوس أعضائه الحقد على

стр. 181

الإسلام, والكيد للمسلمين. ومن حقائق الواقع المعاصر أنَّ نصارى الشام كانوا هم المبشرين بدعوة القومية العربية لتحلَّ محل دعوة المجتمع الإسلامي. وقد ترعرع الحزب في جوِّ الإرهاب والانقلابات العسكرية, تلك السلسلة التي بدأتها المخابرات الأمريكية بانقلاب حسني الزعيم في ٣٠ مايو ١٩٤٩ على يد مهندس الانقلابات العسكرية في المنطقة العربية "كيرميت روزقلت" رجل المخابرات الأمريكية المركزية, الذي دبَّر معظم هذه الانقلابات١. يصف الأستاذ جلال السيد, وهو عضو قديم في حزب البعث, انقلاب الثامن من آذار ١٩٦٣ بقوله: "سلك حكام ثورة الثامن من آذار مسالك أعطت عنها بعض الحق ليقول الناس فيها أقوالًا تصف ظواهر الأمور البادية للعيان, فهي في نظر الناس ثورة الأقليات الطائفية على الأكثرية, وهي ثورة الجهل على العلم, وذلك برفع الجهلاء من الحزبين, وخفض العلماء سواهم, وهي ثورة التحلُّل وقطع الأواصر الاجتماعية على المروءات والأخلاق العربية, ثم هي فوق ذلك ثورة الإلحاد والمروق على الدين ومناخه الروحي, وهي ثورة المصالح المادية على المعاني السامية والمصطلحات الإنسانية, وثورة الماركسية على القومية وتراثها العربي الثمين٢. وبانقلاب مارس ١٩٦٣ كانت المرحلة الثانية من مراحل حزب البعث؛ حيث بدأ الانقسام داخل الحزب, وبدأ طغيان الطائفة النصيرية بالحزب, وألقى ميشيل عفلق بيانًا في القيادتين القومية والقطرية, أشار إلى طغيان الطائفة النصيرية وتعاظم الجناح العسكري. حيث قامت ما سُمِّيَ بالحركة التصحيحيِّة الأولى, برز فيها صلاح جديد "نصيري" وسليم حاطوم "درزي" وعبد الكريم الجندي "إسماعيلي". ووراءهم حافظ الأسد "نصيري", ولجأ ميشيل عفلق إلى العراق, وخاضوا

стр. 182

حرب الجولان, وشهدوا النكسة أو شاركوا في الخيانة. وحاول جناح سليم حاطوم وبدر جمعة استغلال خوض ما بعد الهزيمة, لكنهما اعتُقِلَا وأُعْدِمَا. - واستمرَّ الصراع، فأزيح الدروز، ثم الإسماعيلية "ممثَّلين في عبد الكريم الجندي الذي قُتِلَ, وقامت الحركة التصحيحية الثانية "بقيادة حافظ الأسد وجماعته" ليتمَّ تصفية الحزب مما بقي منه من أهل السنة والدروز، ولتتمَّ السيطرة الكاملة للطائفة النصيرية ١٦/ ١١/ ١٩٧٠م. "ومن يتأمَّل تاريخ الشعب السوري منذ انقلاب حسني الزعيم الذي دبَّرته المخابرات الأمريكية, وحتى تمكين الطائفة النصيرية من حكم سوريا, يجد أن التمكين لإسرائل وضمان أمنها هو الهدف من كل ما جرى ويجري في سوريا من خلال تلك الحقبة السوداء. لقد كان حسني الزعيم يؤكّد لسادته الأمريكان أنه ينوي اتخاذ بعض الإجراءات الإيجابية لإنهاء النزاع العربي الإسرائيلي, وكان الإنجاز الوحيد الذي أنجزه حسني الزعيم هو عقد اتفاقية الهدنة مع إسرائيل عقب نكسة ١٩٤٨ ١. "كما أنَّ سلسلة الانقلابات العسكرية التي أعقبت انقلاب حسني الزعيم, كانت كلها صناعة أمريكية, وسارت في نفس الطريق الذي سار فيه حسني الزعيم, وكان الهدف من كل ذلك هو النيل من قوة الجيش السوري؛ حيث أدَّت هذه الانقلابات المتوالية إلى تفريغ ذلك الجيش العربي الإسلامي من كل العناصر الشريفة بالتسريح أو الطرد أو السجن أو الإعدام؛ لأن الجيش السوري كان بمثابة القلعة الحصينة التي تقف عقبة كئودًا في طريق المخطَّط الإمبريالي الصليبي الصهيوني, وخاصَّة أن الشعب السوري كان هو الشعب الذي لم يفلح الحكم التركي والفرنسي في إذلاله وترويضه٢. مبادئ الحزب: يرفع الحزب شعار: الوحدة الحرية - الاشتراكية, ويقوم على مفهوم

стр. 183

علماني بعيدًا عن أية قيم دينية. ويلاحظ أن ميلاده كان مع ميلاد التدخُّل الأمريكي في المنطقة وريثًا للنفوذين البريطاني والفرنسي، ومع ميلاد الانقلابات العسكرية، وصناعة الأعماد، وصياغة الشعارات، وحرب الجماعات الإسلامية, وبعبارة أخرى: مع ميلاد الاستعمار الجديد في المنطقة الإسلامية. وقد حدث تحالف بين حزب البعث، والنظام الناصري فترةً ما، واعتُبِرَ ميشيل عفلق إبَّان فترة وحدة سوريا مع مصر مستشارًا سياسيًّا للرئيس السابق، وفليسوفًا للنظام, وقد أنشأ الأخير بعد لجوئه إلى العراق جناح حزب البعث العراقي، واحتَدَمَ الصراع بين الجناحين. الحزب في سوريا في الوقت الحاضر: بعد ثلث قرن من قيام الحزب، وخمسة عشر عامًا من حكمه في سوريا, صدر قانون يسمَّى: قانون أمن الحزب, ينص في مادته الأولى على أنَّه الحزب القائد في المجتمع والدولة "١" "م١". وينص على اعتبار أموال الحزب أموالًا عامَّة. ويقضي بالعقاب على كل من يجمع بين عضوية الحزب والانتماء إلى أي تنظيم سياسي آخر "١/ م٥", ويرفع العقوبة إلى الإعدام إذا حصل اعتداء على أحد أنصار الحزب اقترن بالقتل, أو ثبت معه اتصال بجهة أجنبية. "م١٠/ ب". وهكذا تجري حماية الحزب ومساندته بسيف القانون القاطع، وإن دلَّ ذلك على شيء فإنما يدل على الوهن الذي أصاب الحزب، والانهيار الداخلي فيه, الأمر الذي يحاول تداركه ومقاومته بسيف القانون. وإلّا فلا يوجد حزب في العالم يحمي نفسه على هذا النحو, وكان آخر ما أصدره النظام الحاكم في سوريا لقهر كل القوى الإسلامية, هو إصدار قانون صدَّق عليه البرلمان السوري, يقضي بإعدام كل من يثبت انتماؤه لجماعة الإخوان المسلمين, والهدف من ذلك تصفية كل القوى العربية الإسلامية القادرة على مقاومة

стр. 184

الطغيان والإرهاب, الذي يسعى للقضاء على الإسلام في قلب بلاد الإسلام. النصرانية لا تزال تسند النصيرية: قد يرى البعض في إبعاد ميشيل عفلق والتجائه إلى العراق تصفيةً للعنصر النصراني, إلّا أن من يرى أنه لا يزال في القيادة القطرية "جورج صدقي، وجوزيف صباغ", ومن مستشاري رئيس الجمهورية "جورج جبور، وإسكندر لوقا وأنطون مقدسي", ومن رجال الإعلام "جبران كورية", ومن رجال الجيش "إلياس بيرركور" يعلم أن النصرانية لا تزال تدعم النصيرية، وأنها على طريقتها إذا افتقدت السلطان الكامل أو المباشر تلوَّت وتلوَّنَت.

стр. 185

٢- النصيرية: نشأة هذه الطائفة: توفي الحسن العسكري عام ٢٦٠ هـ لم يعقب. فاحتال محمد بن نصير وزعم أنّ للحسن العسكري ولد اسمه محمد، وأنَّ الإمامة انتقلت إليه, وأنه اختفى في سرداب أبيه في سن الخامسة, ولم يخرج حتى الآن, وزعم أنه المهدي المنتظر، واختلف في ذلك مع الشيعة الإمامية الذين أعطوا هذا الشرف لرجل يبيع الزيت أمام بيت الحسن العسكري, فهرب ابن نصير وأنشأ فرقة النصيرية. مبادئ الفرقة: مستمدة من السبئية والخطابية والمجوسية والنصرانية والشيعة الإثني عشرية, وهم يزعمون: ١- أن عليًّا ﵁ هو إله السماوات والأرض، وأن البرق صوته والرعد سوطه. ٢- وقالوا بتناسخ الأرواح. ٣- وأحيوا أعياد المجوس والنصارى.

стр. 186

٤- وأسقطوا التكليف عن المرأة، وزعموا صلوت غير التي عرفها المسلمون, يتجهون فيها إلى عليّ بن أبي طالب "إله السماوات والأرض الغفور الرحيم", وقد قال عنهم الإمام ابن تيمية: "هؤلاء القوم المسمَّون بالنصيرية هم وسائر أصناف القرامطة والباطنية أكفر من اليهود والنصارى, بل وأكفر من كثير من المشركين, وضررهم على أمَّة محمد ﷺ أعظم من ضرر الكفار المحاربين, مثل كفر التتار والفرنج وغيرهم, فإن هؤلاء يتظاهرون عند جهَّال المسلمين بالتشيع وموالاة أهل البيت, وهم في الحقيقة لا يؤمنون بالله ولا برسوله ولا بكتابه, ولا بأمر ولا نهي ولا ثواب ولا عقاب, ولا جنة ولا نار, ولا بأحد من المسلمين قبل محمد ﷺ ، ولا بملة من الملل, ولا بدين من الأديان السالفة. خيانات الفرقة النصيرية في الماضي والحاضر: تعدَّدت خيانات الفرقة النصيرية ضد العروبة والإسلام منذ مهَّدوا الطريق أمام التتار الذين قضوا على الخلافة العباسية في بغداد, وكانوا طلائع الغزو الصليبي لبلاد الشام ومصر على يد فرنسا التي لا تزال تبارك جرائم النصيريين في كلٍّ من سوريا ولبنان، "وإذا كان النصيريون ركائز للصليبية والتتار في الماضي, فبمساعداتهم احتلَّ الصليبيون القدس, ونكَّلوا بالمسلمين, وهم الذين حملوا السلاح مع التتار أثناء عدوانهم على بلاد المسلمين. وإذا كانوا بالأمس قد جنَّدوا أنفسهم مع جيوش الصليبين والتتار, فها هم اليوم يحملون السلاح مع الموارنة الصليبيين في لبنان ضد المسلمين, وحقيقة تعاونهم مع الموارنة تعود إلى زمن الانتداب الفرنسي لبلاد الشام في مطلع هذا القرن, فقد أقامت لهم دولة, وصنعت منهم إلهًا عبده جميع النصيريين, وجنَّدتهم في جيشها, وكانت أمًّا حنونًا لهم وللموارنة. وقد وجدت الطائفة النصيرية فرصتها الذهبية في الدعوة إلى القومية العربية, تلك التي أوحى بها الاستعمار الصليبي والصهيوني إلى عملائه من ذراري المسلمين والحاقدين من أبناء الطوائف الأخرى "النصارى - الدروز - والإسماعيليين النصيريين", وكان حزب البعث هو التجسيد لهذه الفكرة, أو

стр. 187

هو التنظيم الذي احتوى كل هؤلاء الحاقدين"١: الفُرْقَة في الحكم: امتطت النصيرية حزب البعث, وتسلَّقت عليه حتى تمكَّنت من رقاب الشعب السوري, رغم أنها تمثل ١٠% من هذا الشعب. وأذاقت الشعب الذي يخالفها في العقيدة ألوان الخسف والهوان, على ما سنشير, واستعملت التقية لتضليل الشعب. ويزعم المتسلط باسمها اليوم أنه مسلم, ويعلن على مسامع الناس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ، َفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ٩ و١٠] .

стр. 188

٢- في نفس العام قُتِلَت غفران أنيس -فتاة مسلمة داعية, وألقيت جثتها بطريق المطار, وتبيِّنَ أن اعتداءً على عرضها تَمَّ قبل قتلها, ومثْلُهَا أخرى تُسَمَّى ليلى. ٣- اصطُنِعَ حادث مدرسة المدفعية بحلب؛ حيث قام ضابط بعثي يُدْعَى "إبراهيم يوسف" بقتل مجموعة من الطلاب النصريين لثأر خاص. ومع ذلك ألصقت التهمة بجماعة إسلامية ليتمَّ القبض على مئات بل آلاف من أعضائها, وليعلّق منهم على أعواد المشانق ثمانية عشر شابًّا. ٤- تطورت الأحداث بعد ذلك، واضطر شباب الإسلام إلى حمل السلاح، وخاض معارك ضد الميليشيات "سرايا الدفاع، سرايا الصراع - القوات الخاصة" أعادت إلى الأذهان معارك الصدر الأول للإسلام, وتنزَّلت فيها ملائكة السماء تحارب على جوار المؤمنين ذلك الكفر البواح المتحدي لله ولرسوله وللمؤمنين. ٥- في ميدان التربية والتعليم جرى نقل وتحويل ٥٠٠ من المدرسين والمدرسات المعروفين بغيرتهم على الإسلام إلى وظائف كتابية وإدارية بعيدًا عن تخصصهم. ٦- في الجيش: منعت إقامة الصلوات، وصفِّي من العناصر الإسلامية، وجُعِلَت قياداته من النصيرية الكافرة، ووصل التنكيل بشعائر الله والسخرية منها حدَّ صب الخمر على المصلِّّي وتجريده من ثيابه أثناء الصلاة "كما حدث للرقيب على الزير, وللضابط الملازم الحوراني". ٧- في المجال الاقتصادي: هبطت قيمة الليرة السورية نتيجة التخريب المتعمَّد في اقتصاد البلاد, وحولت عوائد البترول إلى أرصدة الحكام, ولم تنزل في الميزانيات. ٨- في المجال السياسي: لا تزال خيانة الجولان الذي كوفئ عليها وزير الحربية بمنصب رئيس الجمهورية", ولا يزال الإعلان عن

стр. 189

سقوط القنيطرة قبل دخول اليهود بواحد وعشرين ساعة, ولا تزال الاتصالات المشبوهة بشاوسيكو في مجال البحث عن الصلح، ولا يزال إعلانهم عن قبول الصلح الشامل دون الصلح المنفرد, كل ذلك يدل على حقيقتهم التي يحاولون إخفاءها تحت شعار "الرفض". المستقبل في سوريا: نحسب أنه بعد أن بدأ شعب سوريا المسلم يحسّ خيانة البعث وافتراءه وعمالة النصيرية وتآمرها المتصل.. نسحب أنه بعد هذا, وبعد أن عرف طريق الجهاد الصحيح لهذا الكفر البواح.. نحسب أن الله ناصره" ومحق الحق ولو كره الكافرون.

стр. 190

٣- مصر: وأهمية وخطر: لمصر أكثر من أهمية؛ لذا يتهددها أكثر من خطر. فلئن نظرنا إلى موقعها فهي تتوسَّط قارات العالم الثلاث.. أوربا.. أفريقيا.. آسيا، وتطل عن شمالها على أوربا لا يفصل بينهما سوى مياه البحر الأبيض المتوسط، وتطل من شرقها على آسيا، وتطل عن شمالها على أوربا, لا يفصل بينهما سوى مياه البحر الأبيض المتوسط، وتطل من شرقها على آسيا؛ إذ تدخل شبه جزيرة سيناء في حدود آسيا, ويفصلها عن الجزيرة العربية خليج العقبة ومياه البحر الأحمر، وتطل من جنوبها وغربها على أفريقيا القارة السوداء التي يتهددها أكثر من خطر.. وهي إلى جانب ذلك تتحكم في تجارة أوربا إلى أفريقيا وآسيا عن طريق قناة السويس التي تمر في أرضها، فضلًا عن شواطئها الطويلة شمالًا على البحر الأبيض المتوسط وشرقًا على البحر الأحمر.. مع اعتدال جوها بين البرودة والحرارة، فضلًا عن أنها تجمع بين المصايف في شمالها والمشاتي في جنوبها وشرقها.. ولئن نظرنا إلى ثرواتها.. فإنها إذا رزق الله مسئوليها الإخلاص

стр. 191

وإنها من أخصب بقاع العالم زراعيًّا؛ حيث تتوفر لها التربة، ومع التربة الماء؛ إذ يجري فيها أحد أطول الأنهار في العالم "نهل النيل" ويمدها مع الماء بالخصب والنماء؛ حيث يحمل مع مياهه "الغرين" الذي يمثل سمادًا طبيعيًّا للأرض يزيدها قوة وخصبًا١ ويذكر أنه من الناحية التاريخية كانت أرض مصر على عهد الرومان يزرع منها ٩٥% من مساحتها. ومصر ليست زراعية فحسب, إنها يمكن أن تكون بلدًا صناعيًّا من الدرجة الأولى بالنظر إلى وفرة المواد الخام من جميع أنواع المعادن، وأكثرها تتركِّز في شبه جزيرة سيناء٢. فضلًا عن توفُّر الأيدي العاملة بسعر أرخص بكثير من المستوى العالمي للأجور, مع اعتدال الجو الذي يساعد على قيام كثير من الصناعات. أما رأس المال وما يلزمه.. فإنه يمكن أن يتوقَّف لو كفَّت الأيدي العابثة التي تمتص عرق الشعب، وتدفع إلى جيوبها وتريفه على موائد القمار وعلى أقدام الراقصات والعاهرات. ولئن نظرنا إلى شعبها إننا نجده يتميز بما يلي: ١- إقباله السهل على الإسلام فيما لو وجد القدوة الصالحة، وعدم إصراره على المعصية أو الكبيرة كما تفعل شعوب أخرى ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ . ٢- وقوفه السريع والعاطفي والمتكتل ورء الحاكم إن وجد فيه الصلاح، وانصرافه عنه في سلبية قاتلة إن وجد فيه الخداع، مع النكتة اللاذعة يطلقها تقض مضجع الظالم، وتكشف عن ذكاء الشعب المظلوم. ٣- استعداده للتضحية بالمال والنفس لو وجد سبيله إلى الاقتناع.

стр. 192

العاطفي والعقلي, مع استعداد للصبر الطويل على كل الأوضاع. والجندي المصري من أكفأ جنود العالم، وقد قيل إبَّان الحرب العالمية الثانية: إن الجندي الألماني يساوي ثمانية من الجنود الإنجليز، والجندي المصري يتفوَّق بالضعف على الجندي الألماني، ومعنى ذلك أنَّ الجندي المصري يساوي ستة عشر جنديًّا إنجليزيًّا. ولقد أثبت جهاد شباب مصر المسلم إبَّان حرب القتال وفلسطين أنَّ الواحد منهم بخمسين أو مائة من الأعداء١. ٤- الوفرة العددية لشعب مصر "٤٠ مليون" مع الاستعداد للاستمرار والمزيد، فبرغم دعاوى تحديد النسل التي تشكَّلت تحت أسماء عديدة، وقامت على تشجيعها وزارات وهيئات رسمية، فلا يزال تناسل الشعب المصري يتكاثر، ولو أطلق له حرية التناسل، وكان مع ذلك شيء من الرخاء الاقتصادي، فضلًا عن مبادئ الإسلام وخلقه؛ لأقبل الشباب على الزواج في سنٍّ مبكِّر, ولتضاعف عدد الشعب أضعافًا كثيرة, وهذه لها أكثر من فائدة. فهي تعطي الشعب القدرة على الاستمرار في الحروب, مع إحاطة الأعداء بها من كل جانب. وهي تعطي عاملًا اقتصاديًّا ضخمًا يساعد على وفرة الإنتاج ورخصه, فضلًا عمَّا تعطيه من الأهمية الأدبية للشعب المصري وسط شعوب المنطقة. ومما لا شك فيه أن زيادة السكان تعتبر من أقوى أسس القوة والنماء في العالم الإسلامي عامَّة وفي مصر خاصة. وهذه الزيادة تخيف أعداء الإسلام, ومما يقدِّم لنا صورة عن زيادة السكان في مصر وتأثيرها في موقف الدول المعادية للإسلام منها, الرجوع إلى ما ذكره باول شمتز إذ يقول: "بعد ثلثمائة سنة سيصبح سكان مصر حوالي ٥٠٠ مليونًا, وبعد ٤٢٥ حوالي ٢ مليارًا, أي: إنه سيكون في مصر أعداد من البشر تساوي ما هو موجود

стр. 193

الآن على ظهر الأرض. وسيصبح في مصر في مدى ٩٦٨, أي: أقل من ألف عام بقليل, أمَّة تعدادها ٩٧٣ مليارًا من البشر, أي: إنها ستنمو بشريًّا إلى درجة لا تمكنها فقط من استعمار الكرة الأرضية, بل من استعمار أعداد من الكواكب الأخرى"١. ودعاوى الندرة الاقتصادية وعدم قدرة الموارد الموجودة على مواجهة الانفجار السكاني، هذه الدعاوى ساقطة علميًّا بما قدَّمنا من وفرة الموارد, لولا أنها لا تستعمل وتستغل وتذهب إلى غير الشعب. كل هذه العوامل أو بعضها يعطي مصر خطورة وأهمية لا تتوفَّر لغيرها من شعوب المنطقة, ولذا كانت هدفًا لكل أنواع الاستعمار التي عرفها العالم, ابتداءً من استعمار الهكسوس والرومان، والفرنسيين، والإنجليز، واليهود ... لكن برغم ذلك، فقد ثبت أن مصر مقبرة الغزاة، وأنها -كما قيل: كنانة الله في أرضه, فقد خرجت من ذلك كله سليمة العقيدة في مجموعها، حريصة وفيِّةً لدينها ومُثُلِهَا، وعرف الناس -وإن لم يدرك بعض الحكام- أن الخداع وإن انطلى على الشعب فترة، فإنه لا يطول، وأنَّ الاستبداد وإن عاش حينًا فإنه لا يدوم، وأنَّ الكفر والفسوق وإن تمكَّن دهرًا فإن الشعب لا يلبث أن يلفظه ويدوسه.. وفي الفراعين القدامى والجدد، وفي الغزاة المستعمرين قديمًا وحديثًا، عِبَرٌ لمن أراد العبرة، وتذكرة لمن تنفعه الذكرى. تاريخ قديم وحديث: وعمر الشعب المصري، أو عمر حضارته -كما يحلو للبعض أن يتشدق- ثلاثة آلاف سنة بالنظر إلى أجداده الفراعين، والمعروف البديهي أنَّ التفاخر بالفراعنة وغيرها من النعرات الإقليمية كانت إحدى النعرات التي أطلقها الاستعمار الصليبي في مصر بعد الحرب العالمية الأولى, وهي دعوى باطلة قصد بها باطل, لكنَّا نعتبر ما قبل الإسلام جاهلية بلغت حد

стр. 194

عبادة الفراعين، وحدّ استخفاف الفراعين أن يقولوا.. ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ أو ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ أو ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ الأمر الذي تجدَّد في العصر الحديث حين ارتدت مصر إلى شيء من الجاهلية، فقال أحد فراعينها الجدد "أنا خلقت فيكم الحرية وخلقت فيكم الكرامة" ذلك المخلوق التافه يخلق، فماذا ترك للخالق؟. ونعتبر بميزان الله أنَّ الميلاد الحق لهذا الشعب منذ الفتح الإسلامي على عهد عمر بن الخطاب, حين توجَّه جيش عمرو بن العاص المظفَّر إلى أرض مصر, ففتح القلوب بالقرآن قبل أن يفتح البلاد بالسيف، ودخل شعب مصر -طواعية واختيارًا- في دين الله أفواجًا، ورأى الفارق الضخم بين حكم الرومان وتعسُّفهم، وحكم الإسلام وعدله ورحمته, حتى لقد كان النَّصارى يفرّون من حكم الرومان -وهم أهل دينهم- إلى حكم الإسلام، وهو ليس بدينهم؛ لما وجدوه في ظلِّه من رحمة وعدلة وأمان ... وبقي من بقي من قبط مصر على مسيحيته, لم يكرهه أحد على ترك دينه، بل لم يلق القبط في مصر ما تلقاه أية أقلية في وطن آخر، والمثل الذي ضربه عمر ﵁ غداة فتح مصر, حين شكا إليه أحد أقباط مصر أنَّه تسابق مع ابن عمرو بن العاص, فلمَّا سبقه ضربه ابن عمرو بن العاص، فاستدعى عمر الحاكم المسلم العدل عمرو وابنه، وعلى ملأ من الناس قال للقبطي: اضرب ابن الأكرمين، وقال عمر الخليفة لواليه عمرو: لو فعلها ابنك مرة أخرى لضربتك أنت ... إشارة إلى أنه ما شجع الابن على ذلك إلّا وجاهة أبيه ومكانته. ووعى الشعب المصري هذا الحادث, ووعى معه قول الله: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ووعى أيضًا واجب المسلمين في حماية الذمِّيين بما فعله جند الإسلام قبل معركة اليرموك, عندما استعدوا لملاقاة هرقل فانشغلوا عن أهل حمص فردوا

стр. 195

ما كانوا أخذوه منهم من الخراج قائلين لهم: "قد شغلنا عن نصرتكم والدفاع عنكم, فأنتم على أمركم" فقال أهل حمص: "لولايتكم أحبّ إلينا مما كنا فيه من الظلم والغشم, ولندفعنَّ جند هرقل عن المدينة مع عاملكم". وتعرَّض الشعب المصري لألوان الغزو قديمًا وحديثًا طمعًا في خيرات مصر وجوِّها، أو حربًا لدينها وعقيدتها، وكانت كذلك هدفًا لحملات الصليب عليها خلال قرون من الزمان.. أعطت فيها مصر نماذج التضحية والاستبسال حتى هُزِمَ الصليبيون على أرضها في المنصورة، ثم هزموا على يد أبنائها في حطين بقيادة صلاح الدين الأيوبي. ووضعت مصر بذلك نهاية الحروب الصليبية العسكرية؛ لتتعرَّض بعد ذلك لألوان من الحروب الأخرى. وقبلها وضعت مصر نهاية حروب التتار في عين جالوت، ووضعت مثلًا من البسالة والذكاء الحربي كبيرة.. وبعدها كانت معارك مصر مع الاستعمار الفرنسي, رغم أنها حاربت عزلاء من السلاح، ومن العون من دولة الخلافة وغيرها من بلاد الإسلام, ثم معاركها مع الاستعمار الإنجليزي المتقدم.. كانت كلها نماذج لإخلاص الشعب وحرصه على دينه واستجابة لعلمائه. وثورة القاهرة على الفرنسيين مَثَل، ووقفهم الزحف الإنجليزي القادم من الغرب وهزيمة الإنجليز أكثر من مرة في رشيد وفي كفر الدوار مَثَلٌ آخر، ولولا الخيانة من الحكم القائم, ومن بعض العناصر الأخرى في الجيش المصري؛ لاستطاع القائد المسلم أحمد عرابي أن يصدَّ الغزو الإنجليزي الفاجر عن أن يطأ أرض مصر. ولقد بدأ تاريخ الاستعمار الإنجليزي سنة ١٨٨٢، وأعقبه بعد دخوله بسنة واحدة إقصاء الشريعة الإسلامية عن التطبيق، وظلَّ الاستعمار الإنجليزي يحاول تغريب مصر في لغتها، وفي قيمتها ومثلها، فكان نصيبه على العموم الفشل, وإن خلَّف وراءه عملاء يؤدون نفس دوره, وسوف نشير إليهم

стр. 196

بعد قليل. ورحل الاستعمار الإنجليزي عن أرض مصر سنة ١٩٥٦ بعد أكثر من سبعين عامًا من الاحتلال العسكري المصحوب بحرب العقيدة والفكر في مصر. صناعة الانقلاب العسكري والخط اليهودي النصراني: لم يعد خافيًا بعد ما نشر من كتابات رجال المخابرات الأمريكية المركزية, ومن الوثائق الأخرى التي صدَّقتها الأحداث١, وبعد ما شهد به رجال ثقات نثق في أمانتهم وصدقهم٣، لم يعد خافيًا أن الانقلاب العسكري الذي تَمَّ في مصر سنة ١٩٥٢ كان انقلابًا لصالح اليهود والنصارى في مصر. وبيان ذلك: إن اليهود أدركوا منذ قدموا أرض فلسطين أنَّ الخطر الأكبر عليهم هو من أكبر قوة في المنطقة.. قوة الشعب المصري الملاصق لأرض فلسطين، فلو استطاعوا أن يخضعوا هذا الشعب وأن يطوعوه للنفوذ اليهودي؛ لتخلَّصوا بذلك من أكبر خطر على وجودهم في فلسطين. وتأكَّد الخط اليهودي في الانقلاب المصري بأكثر من دليل: ١- ما صرَّح به اللواء معروف الحضري -رحمة الله- من أنه شاهد جمال عبد الناصر يخرج من خطوط الحصار في الفالوجة -أكثر من مرة في منتصف الليل؛ ليدلف في سيارة يهودية داخل الخطوط اليهودية؛ ليجتمع مع اليهود بغير علم قيادته، ثم يعود مع خيوط الفجر. ٣- ما احتفظ به اللواء معروف الحضري ﵀ من مستند بخطِّ جمال عبد الناصر كان قد وجَّهه إليه أثناء أسر الحضري يطلب فيه التعاون

стр. 197

مع ضابط المخابرات اليهودي "كوهين", الأمر الذي رفضه معروف الحضري -أسكنه الله فسيح جناته١. ٣- ما صرَّح به مؤسس إسرائيل -بن جوريون- في الكنيست، قبل وقوع الانقلاب العسكري المصري من أنَّ انقلاب سوف يحدث في مصر, ولن نكون -أي: اليهود- أقلّ فرحًا به من المصريين٢. ٤- ما ذكره مايلز كوبلاند من اتصال المخابرات المركزية بجمال عبد الناصر قبل الانقلاب، وما ركَّز عليه من أنَّ الانقلاب العسكري

стр. 198

لا يعتبر اليهود عدوه الأول, بل يعتبر المصريين من رجعين وملكيين وأحزاب هم عدوه الأول. وهذا أمر تأكَّد عندما صدر البيان الأول للانقلاب خاليًا من الحديث عن فلسطين أو اليهود. ٥- ما مارسه الانقلاب العسكري المصري من حرب السحق والإبادة للجماعة الإسلامية التي حملت على عاتقها عبء الدعوة في مصر منذ نصف قرن، والتي جعلت عبء الجهاد الحق في فلسطين ضد اليهود؛ ليبقي الشعب المصري -بعد القضاء على هذه الجماعة- بغير حصانة إسلامية جدية تستطيع الوقوف في وجه الزحف اليهودي. فلقد ذاقت الجماعة المذكورة في عهد الانقلاب العسكري المشئوم القتل والتعذيب والتشريد، وحرب السحق والإبادة بلا رحمة ولا هوادة مرتين، مرة سنة ١٩٥٤، ١٩٥٥م قبل الهجوم اليهودي سنة ١٩٥٦م بسنة واحدة، ومرةً سنة ١٩٦٥، ١٩٦٦م قبل الهجوم اليهودي سنة ١٩٦٧م كذلك بسنة واحدة.

стр. 199

١- ما وضح من خلال الحربين اللتين خاضهما الانقلاب ضد اليهود, وصاحب كلًّا من هاتين الحربين كل مرة الانسحاب، ومع الانسحاب الهزيمة لأكبر قوة ضاربة في الشرق الأوسط, مع الانسحاب والهزيمة كسبت إسرائيل سبعة أَضعاف مساحتها سنة ١٩٤٨م. ما وضح خلال ذلك كله، وبالرغم من أنَّ القيادة كانت تجمع بين كونها سياسية وعسكرية بخلاف الوضع في عهد الملك السابق. نقول: إن ما وضح من خلال ذلك كله هو أنَّ الحرب لم تكن جدية، وأنها يشوبها شك كبير في خيانة مقصودة لتمكين اليهود من الأرض، وإضفاء شرعية الكسب عن طريق الحرب لليهود, ثم ما ينتج عن ذلك كله من فقدان العرب الأمل في كسب حربي لهم إذا كانت أكبر قوة ضاربة عاجزة عنه١.

стр. 200

الأمر الذي يشيع اليأس في قلوب العرب والمسلمين، ويدفعهم إلى التسليم بالأمر الواقع في قبول وجود إسرائيل في المنطقة رغم عدوانها وغصبها لأرض فلسطين. ٧- ما مارسه الانقلاب العسكري لقبول الأسر الواقع بوجود إسرائيل في المنطقة وجودًا شرعيًّا معترفًا به من أصحاب الحق نفسه، ويتَّضِح التمهيد الاقتصادي بإجراءات التخريب في هذا الميدان التي لم تعد خافيةً طوال ثلاثين عامًا من هذا الانقلاب العسكري, الأمر الذي أدَّى إلى فراغ الخزينة المصرية، ونزول الاقتصاد المصري إلى تحت الصفر, كما صرَّح بذلك رئيس الدولة الحالي بعد الحرب الأخيرة, مما جعل الصفر- عامَّة الناس- يسلمون بعد الخنق الاقتصادي المذكور بوجوب الصلح مع إسرائيل, والتسليم بالأمر الواقع ظنًّا منهم أن ما هم فيه من الخنق الاقتصادي سببه الحرب مع إسرائيل, والحق أنَّ ما وصل إليه الشعب المصري من ضيق اقتصادي ومشاكل اجتماعية يرجع في المقام الأول إلى فساد نظام الحكم, وخراب ذمم القائمين على مقدَّرات شعب مصر. - أمَّا التمهيد الإعلامي: فقد مَرَّ بأكثر من طريق, طريق الدعاية بأنَّ مصر حاربت وهي أكبر قوة ضاربة في الشرق الأوسط، ثم وقعت معها الهزيمة فوقع معها اليأس من النصر. ثم ما أعقب ذلك من ادِّعاء أنَّ كلَّ مشاكل مصر هي بسبب حربها مع إسرائيل، وأنَّ الرخاء ينتظر مصر مع الصلح والسلام، وكلٌّ من السلام

стр. 201

والرخاء من الأوهام التي ستثبت الأيام أنهما كانا من خرافات الصهيونية التي خدَّرت بها السذج والأغبياء. - أما التمهيد السياسي: فقد كان تمهيدًا خارجيًّا, بما مُورِسَ من خيانة وتآمر مع القوى اليهودية المتعاونة مع القوى الصليبية الدولية، وتمهيدًا داخليًّا بما مورس من إجراءات القمع الشديد الذي أفقد الشعب كثيرًا من نخوته، وجعله يتخلَّى عن كثير من شجاعته، مما جعله غير قادر وغير راغب في مواجهة حرب مع العدو. ذلك بعض ما مارسه الانقلاب العسكري في مصر خدمةً للخطِّ اليهودي، وتحقيقًا لمخطَّطِه، ونقول: "بعض"؛ لأنه هو ما تكشَّف لنا مع الدليل, وما خفي لا بُدَّ أنه أعظم، ولعلَّ معاهدة الصلح الأخيرة قد أكَّدت كل ما سبق، ولعلَّ ما سوف يعانيه الشعب المصري من غزو فكري واقتصادي على قيمه ومقوماته من قِبَلِ اليهود سوف يكون تأكيدًا آخر. هذا عن الخطِّ اليهودي الذي يعمل متعمقًا، والذي صار له -كما أشار بيجين- من الأصدقاء في مصر، أكثر من أصدقائه في إسرائيل، ويكفي أنْ تعرف أن وزير خارجية مصر الحالي متزوج من يهودية، وأنَّ أحد الكبار قد رزق ابنه من سلالة يهودية, وأن حاخام مصر الذي سوف يترأس يهودها "١٤٠ فردًا حتى الآن" سوف يقدم إليها من إسرائيل, وسوف تدفع الدولة له راتبه ونفقاته. أما عن الخط النصراني: فإنَّ بينه وبين الخط اليهودي وفاقًا "مصداقًا لقوله تعالى: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض﴾ إن لم يكن اتفاقًا, سوف يظهر من تسلسل الأحداث على النحو التالي: ١- منذ تولي رئاسة القبط في مصر المدعو "شنودة" بدأ تخطيط النصارى يتجه إلى التنفيذ، بلوغًا إلى جعل مصر "دولة قبطية", بالاستناد إلى مزاعم أنها كانت للأقباط قبل "الاستعمار الإسلامي", وتأكَّد ذلك بما ألقى المذكور من خطب فيما سماه: بالشعب الفلسطيني أو الأمة القبطية, تمييزًا لها عن بقية الشعب، وبما زعمه من أن تعداد النصارى في مصر صار

стр. 202

"ثمانية ملايين", وليس ثلاثة كما دلَّ على ذلك التعداد الرسمي، ثم ما دعا إليه من محاولة زيادة هذا العدد أضعافًا كثيرة عن طريق تشجيع التزاوج والتناسل في الوقت الذي يجري بين المسلمين تحديد النسل. ٢- صدور جريدة للنَّصارى في مصر تحت اسم "وطني", وهي بذلك تشير إلى أنَّ مصر وطنهم, فوق ما يتأكَّد من كتيبات ضمنية أو صريحة في الجريدة المذكورة أو في النشرت الخاصة. ٣- إقامة كاتدرائية كبيرة في القاهرة, يمكن رؤيتها من كل الجهات على بعد شديد، على موقع استراتيجي في قلب القاهرة، بحيث تصير مركز الإشعاع والتخطيط للنصرانية في مصر. ٤- الإكثار من إقامة الكنائس، حتى لقد صدر في الفترة الأخيرة قرار بإنشاء خمسين كنيسة في قرار واحد، ويجري تصميم الكنائس وإنشاؤها على نحوٍ يجعل منها معاقل وحصنًا يصعب إن لم يستحل اقتحامها. ٥- جمع السلاح وتكديسه في الكنائس والأديرة والأماكن الأخرى، ويجري جمع السلاح ليس فقط من الداخل عن طريق الشراء، وليس فقط عن طريق السرقة من مخازن القوات المسحلة المصرية, وتأتي في شكل طرود لا تعرف السلطات محتوياتها, أو تعرف وتغمض العين عن ذلك.. ويجري الآن إعداد أماكن بعيدة عن الموانئ الرسمية وعن أعين المسلمين صالحة لرسوّ السفن الحاملة للذخيرة والسلاح، وفي الوقت نفسه تشتد حملات للسلطة المحلية من شرطة ومباحث ومخابرات لضبط السلاح لدى المسلمين وحرمانهم منه. ٦- شراء العقارات والأراضي بشكل فيه توسّع كبير، يعتمد على الموارد الضخمة للنصارى في مصر١, ويضاهي ما فعله اليهود في فلسطين، وقد بلغ الأمر حدَّ شراء أماكن العبادة الإسلامية بالتواطؤ أو التغفيل للجهات الرسمية.

стр. 203

وقد استطاع النصارى أخيرًا أن يأخذوا في منطقة وادي النطرون حوالي ألف فدان من وزارة التعمير قاموا بتسويرها، ويجري داخل هذه المساحة الضخمة تدريب شباب النصارى على السلاح أفواجًا أفواجًا ... استعدادًا لمعركة مع المسلمين. ويبدو في تخطيط اليهود أن تصير لهم حماية نصرانية من الشمال والجنوب, من الشمال في لبنان ومن الجنوب في مصر, وأن التوسُّع القادم سوف يمتد شرقًا إلى أراضي الأردن والعراق وسوريا، ثم جنوبًا في أرض الحجاز, بلوغًا إلى ما يدَّعيه اليهود من حقٍّ في أراضي "بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع", وتمام إخراجهم في عهد عمر بن الخطاب ﵁. مستقبل الإسلام في مصر: الحديث عن المستقبل رجم بالغيب، لكن من خلال أمر الله لنا أن "أعدوا", فإن التخطيط جزء الإعداد, بل هو رأس الإعداد كله، ومع التخطيط لا بُدَّ من التوقع من خلال ما يجري من أحداث, وما حولنا من الشواهد وتوقعنا من خلال الأحداث وما حولنا من شواهد هو أنَّ الصليبية متحالفة, فيقوم في مصر حكم صليبي نصراني متحالف مع الحكم اليهودي القائم في شمالها, وله في ذلك أحد السبيلين. ١- إما أن يستأصل شأفة المسلمين, ويأخذ أرضهم وديارهم كما فعل النصارى في الأندلس قديمًا, وفي الفلبين حديثًا, وكما فعل اليهود في فلسطين حديثًا. ٢- وإمَّا أن يكتفي بإذلال المسلمين وإبعادهم عن السلطة, وجعل السلطة في يد النصارى كما حدث في تنجانيقا التي اتحدت مع زنجبار تحت إسم تنزانيا؛ ليحكم النصارى ٨٥% من السكان المسلمين، وكما حدث لأثيوبيا؛ إذ مكَّن للنصارى رغم أن الأغلبية الإسلامية تجاوز ٧٥% من التعداد الحقيقي للسكان.

стр. 204

لكن ماذا نتوقع من الجانب الآخر: من الأغلبية الإسلامية التي تصل إلى أكثر من ٩٥% من تعداد السكان -إن بقيت هذه الأغلبية بعيدة عن الوعي، بعيدة عن الجهاد، بعيدة عن الالتفاف حول قيادتها الإسلامية- فإنَّه يمكن أن يكون مصيرها مثل مصير الأغلبية المسلمة التي عاشت في الأندلس، أو الأغلبية الإسلامية التي تعيش في تنزانيا "على أحسن تقدير". وإن أنعم الله عليها بالوعي، وعافاها من الغفلة، وعرفت الطريق إلى الجهاد تحت راية الإسلام, وتحت قيادة جماعية إسلامية, فإنها سوف تُلَقِّن "الشياه" أنَّ تراب الإسلام لا يباع للنصارى واليهود, وأن مصر التي قبرت غزاة الأمس سوف تعبر بإذن الله غزاة اليوم، وأن الله غالب على أمره ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون، ومُتِمُّ نوره ولوكره الكافرون، وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون.

стр. 205

ملحق رقم ٥: الحركة النصرانية في مصر في الاجتماع الذي تَمَّ في الكنسية المرقسية بالأسكندرية برئاسة الأنبا شنودة الثالث بتاريخ ٢٥/ ٣/ ١٩٧٢م١. بعد أداء الصلاة والترتيلات طلب الأنبا شنودة من عامَّة الحاضرين الانصراف فانصرفوا, ومكث رجال الدِّين وبعض أثرياء وأعيان المسيحيين بالإسكندرية "وفي مستهلَِّ الاجتماع بدأ شنودة كلمته بأن بشَّرهم بأنَّ كل شيء يسير على ما يرام، وحسب الخطة الموضوعة والتخطيط المرسوم لكل جانب من جوانب العمل على حدة في إظهار الهدف الموحَّد, نتحدث عن موضوعات تشمل عدة نشاطات كالآتي: أولًا: عدد شعب الكنيسة - صرَّح بأن مصادرهم في إدارة التعبئة والإحصاء أبلغتهم بأنَّ عدد المسيحيين في مصر يقارب ثمانية ملايين نسمة، وواجب أن يعلم ذلك شعب الكنيسة, كما يجب عليهم أن ينشروا ذلك ويؤكِّدوه بين أفراد وفئات المسلمين؛ لأنه سيكون عندنا في المطالب التي سنطالبها من الحكومة, وسنذكرها لكم اليوم, والتخطيط العام الذي تَمَّ الاتفاق عليه بالإجماع, والذي صدرت بشأنه التعليمات الخاصَّة بتفنيذه, هذا التخطيط وضع أساس بلوغ شعب الكنيسة إلى نصف الشعب المصري؛ حيث يتساوى عدد شعب الكنيسة مع عدد المسلمين لأوّل مرة منذ ثلاثة قرون من الزمان "أي: منذ الاستعمار العربي أو الغزو الإسلامي لبلادنا" على حدِّ قوله، والمدَّة المحددة في التخطيط للوصول إلى هذه النسبة هي من ١٢-١٥ سنة منذ الآن, ولذلك فإنَّ الكنيسة تحرِّم تحريمًا باتًّا

стр. 206

وقاطعًا تحديد النسل أو تنظيمه, ويعتبر كل من يفعل ذلك خارجًا على تعليمات الكنيسة, ومضيِّعًا لمجده, وذلك باستثناء الحالات التي يقرر فيها أطباء الكنيسة خطر الحمل أو الولادة على حياة المرأة, وقد اتخذت الكنيسة عدة قرارات لتحقيق هذه الخطة بالنسبة لزيادة عدد المسيحيين: ١- تحريم تحديد النسل وتنظيمه بين شعب الكنيسة. ٢- تشجيع تحديد النسل وتنظيمه بين المسلمين, خاصَّة وأن أكثر من ٦٥% من الأطباء وبعض الخدمات الصحية في شعب الكنيسة. ٣- تشجيع الإكثار من النسل بين شعب الكنيسة, ووضع حوافز ومساعدات معنوية ومادية للأسر الفقيرة من شعبنا. ٤- التنبيه على العاملين بالخدمات الصحية على المستوى الحكومي وغير الحكومي بمضاعفة الخدمات الصحية بين شعبنا المسيحي, وبذل العناية والجهد الوافرين, وذلك من شأنه تقليل نسبة الوفيات بين شعبنا, على أن تكون تصرفاتهم غير ذلك مع المسلمين. ٥- تشجيع الزواج في السنِّ المبكر بتخفيض تكاليفه, وذلك بتخفيض رسم فتح الكنائس ورسوم الإكليل بالكنائس الكائنة بالأحياء الشعبية والفقيرة. ٦- تحرّم الكنيسة تحريمًا باتًّا على أصحاب العمارات والمساكن المسيحية تأجير أيَّ مسكن أو شقة أو محل تجاري للمسلمين، ويعتبر من يفعل ذلك من الآن مطرودًا من رحمة الرب ورعاية الكنيسة, كما يجب العمل بشتَّى الطرق والوسائل على إخراج السكان المسلمين من العمارات والبيوت المملوكة لشعب الكنيسة، وهذه السياسة الإسكانية إذا استطعنا تنفيذها بقدر الإمكان, فإن من شأنها تشجيع وتسهيل الزواج بين الشباب المسيحيين وتصعيبه وتضييقه بين شباب المسلمين, مما يكون له أثره الفعَّال في الوصول إلى الهدف؛ حيث لا يخفى أن الغرض من هذه القرارات هو انخفاض معدل الزيادة بين المسلمين, وارتفاع هذا المعدل بين شعب الكنيسة.

стр. 207

ثانيًا: اقتصاد شعب الكنيسة - قال: إن المال يأتينا كما نطلب وأكثر مما نطلب من ثلاثة مصادر: أمريكا والحبشة والفاتيكان, ولكن يجب أيضًا أن يكون الاعتماد في تخطيطنا الاقتصادي على مالِنَا الخاصِّ الذي نجمعه من الداخل, وعلى التعاون والزيادة من حقل الخير بين أفراد شعبنا شعب الكنيسة، كذلك يجب الاهتمام أكثر بشراء الأرض، وتنفيذ نظام القروض والمساعدات لمن يقومون بذلك لمساعدتهم على البناء، وقد ثبت بالإحصاءات الرسمية أن أكثر من ٦٠% من تجارة مصر الداخلية بأيدي المسيحيين، ويجب العمل على زيادة هذه النسبة, وتخطيطها الاقتصادي للمستقبل يركّز على إفقار المسلمين, ونزع الثروة من أيديهم ما أمكن بالقدر الذي يعمل به هذا التخطيط على ثراء شعبنا، لذلك يلزم المداومة على تذكير شعب الكنيسة والتنبيه عليهم مشددًا من حينٍ لآخر لمقاطعة المسلمين الاقتصادية, والنهي عن التعامل المادي معهم نهائيًّا إلّا في الحالات المستحيلة, وذلك يعني: مقاطعة المحامين المسلمين والمحاسبين والمدرسين والأطباء والصيادلة والمستشفيات الخاصَّة التي يملكونها, والمحلات التجارية الكبيرة, وكذلك الجمعيات الاستهلاكية ما أمكن ذلك, ما دام يمكن التعامل مع إخوانهم من شعب الكنيسة لسدِّ حاجتهم, كما يجب التنبيه والتذكير الدائم على مقاطعة صنَّاع المسلمين وحرفيهم تمامًا, والتعامل مع الصنَّاع والحرفيين المسيحيين, ولو كلَّف ذلك الفرد المسيحي الانتقال والجهد والمشقة, ثم قال: إن هذا الأمر مهم جدًّا وخطير بالنسبة للتخطيط المالي والتخطيط العام على المدى القريب والبعيد. الجانب التعليمي: ٢٩- قال: إنه يجب بالنسبة للتعليم العام للشعب المسيحي الاستمرار في السياسة التعليمية المتَّبَعة حاليًا في الكنائس, مع مضاعفة الجهد في ذلك, خاصَّة وأن بعض المساجد بدأت تقوم بمهام تعليمية كالتي تقوم بها الكنيسة, وذلك سيجعل مضاعفة الجهد المبذول حاليًا أمرًا حتميًّا حتى تستمر النسبة التي نحصل عليها في مقاعد الجامعات, وخاصة في الكليات العلمية.

стр. 208

ثم قال: "إني أهنئ شعب الكنيسة, وخاصَّة المدرسين منهم بهذه النتائج؛ حيث وصلت نسبة بعض الوظائف الهامَّة والخطيرة مثل: الطب والصيدلة والهندسة وغيرها, إلى أكثر من ٦٠% في أيدي شعب الكنيسة المسيحي, فإني أدعو لهم المسيح الرب يسوع المخلّص أن يمنحهم بركاته وتوفيقه حتى يواصلوا الجهد لزيادة هذه النسبة في المستقبل القريب. رابعًا- التبشير: ٤٠- قال: إنه يجب مضاعفة الجهود التبشيرية على أنَّ الخطة التبشيرية التي وضعت قد بنيت على أساس التركيز في التبشير بين الفئات والجماعات, أكثر من التبشير بين الأفراد, وذلك على أساس أن الهدف الذي اتفق عليه من التبشير في المرحلة القادمة هو زحزحة أكبر عدد من المسلمين عن دينهم والتمسك به, على ألَّا يكون من الضروري دخولهم في المسيحية، ويكون المقصود من التركيز على بعض الحالات والأفراد لدخولهم في المسيحية هو زعزعة الدين في نفوس المسلمين, وتشكيك الجموع الفقيرة منهم في كتابهم وفي صدق محمد؛ لذلك يجب عمل جميع الوسائل وشتَّى السبل واستغلال كل إمكانيات الكنيسة للتشكيك في القرآن وإثبات بطلانه, وفي صدق محمد, وإذا نجحنا في تنفيذ المطلوب من هذا المخطَّط التبشيري في المرحلة المقبلة فإننا نكون قد نجحنا في إزاحة هذه الفئات عن طريقنا, وفي هذه الحالة فهي وإن لم تكن معنا, فلن تكون علينا، على أن يراعى في تنفيذ المخطَّط التبشيري بالذات أن يتم بطريقة هائة لبقة وذكية، حتى لا يكون ذلك سببًا في إثارة حفيظة المسلمين ويقظتهم, والخطأ الذي حدث في المحاولات التبشيرية السابقة بنجاح المبشرين في هداية بعض المسلمين لإيمانهم بالخلاص على يد الرب يسوع المخلص, الخطأ الذي حدث هو تسرُّب أنبائها الناجحة إلى المسلمين؛ لأن ذلك من شأنه تنبيه المسلمين وصحوتهم, وهو أمر قد ثبت من تاريخهم الطويل معنا أنَّه ليس بالأمر الهيِّن, وهذه اليقظة من شأنها أن تفسد علينا مخططاتنا المدروسة, وتؤخر نتائجها وثمارها, وتضيع جهودنا هباء، ولذلك قد أصدرت التعليمات بهذا الخصوص, وتنشر على جميع الكنائس لكي يتعرَّف

стр. 209

الجميع من شعبنا على المسلمين بطريقة ودية لامتصاص غضبهم, وإقناعهم بكذب هذه الأنباء, كما تَمَّ التنبيه على رعاة الكنيسة والأباء والقساوسة بمشاركة المسلمين احتفالاتهم الدينية وتهنئتهم بأعيادهم, وإظهار المودَّة والمحبَّة لهم, وعلى شعب الكنيسة في المصالح والوزرات والمؤسَّسات وكل أماكن الاحتفال إظهار هذه الروح بين المسلمين، ثم قال بالحرف الواحد: "إننا يجب أن ننتهز ما هم فيه من نكسة ومحنة؛ لأن ذلك في صالحنا, ولن نستطيع إحراز أية مكاسب, وأي تقدُّم نحو هدفنا إذا انتهت المشكلة مع إسرائيل؛ سواء بالسلم أو بالحروب"، ثم هاجم من أسماءهم بضعاف النفوس والقلوب الذين يقدمون مصالحهم الخاصة على مجد شعب الكنيسة, وتحقيق الهدف الذي يعمل له الشعب المسيحي منذ زمن بعيد في التاريخ، وقال: إنه لا يلتفت لعملهم، وأصرَّ أن يتقدم إلى الحكومة رسميًّا بالمطالب الواردة بعد؛ حيث إنه إذا لم يكسب شعب الكنيسة في مصر في هذه المرحلة أيَّة مكاسب على المستوى الرسمي, فربما لا يستطيعون أحراز أيّ تقدُّم بعد ذلك، ثم قال بالحرف الواحد: "وليعلم الجميع وخاصَّة ضعاف القلوب أنَّ القوى الكبرى في العالم تقف ورائنا, ولسنا نعمل وحدنا, ولا بُدَّ أن نحقق الهدف، ولكنَّ العامل الأول والخطير في الوصول إلى ما يزيد هو وحدة شعب الكنيسة وتماسكه وترابطه, ولكن إذا تبدَّدت هذه الوحدة وذلك التماسك, فلن تكون هناك قوة ما على الأرض مهما عَظُمَ شأنها في إمكانها ومقدورها أن تساعدنا", ثم قال: "وسوف لا أنسى موقف هؤلاء الذين يريدون أن يفتنوا وحدة شعب الكنيسة, وعليهم أن يبادرون فورًا بالتوبة وطلب الغفران والصفح, وألّا يعودوا لمخالفة ومناقشة تشريعنا وأوامرنا، والرب يغفر لهم" "يشير إلى الخلاف الذي وقع بين بعض المسئولين منهم؛ حيث كان رأي البعض التريّث وتأجيل المطالب المزعومة إلى الحكومة". خامسًا: المطالب ٤١- ثم عدَّدَ الباب شنودة المطالب التي صرَّح بأنه سيقوم بتقديمها رسميًّا قريبًا إلى الحكومة, وهي:

стр. 210

١- أن يصبح مركز البابا الرسمي في البروتوكول السياسي للدولة بعد رئيس الجمورية, وقبل رئيس الوزراء. ٢- أن يخصص لهم ثماني وزارات في الوزراة. ٣- أن تحدد لهم ربع القيادات العليا في الجيش والبوليس. ٤- أن يخصَّص لهم ربع المراكز القيادية المدنية؛ كرؤساء مجالس المؤسسات والشركات والمحافظين ووكلاء الوزارات والمديرين العمومين ورؤساء مجالس المدن. ٥- أن يؤخذ رأي البابا عند شغل هذه النسبة في الوزارات والمراكز العسكرية والمدنية الرئيسية, ويكون له حق ترشيح بعض العناصر والتعديل. ٦- أن يسمح لهم بإنشاء جامعة خاصَّة بهم، وقد وضعت الكنيسة بالفعل تخطيط هذه الجامعة, وهي تضم المعاهد اللاهوتية والكليات العملية والنظرية، وتموّل من مالهم الخاص. ٧- أن يسمح لهم بإقامة إذاعة خاصَّة من تمويلهم الخاص. وأخيرًا اختتم حديثه بتبشير الحاضرين, وطلب منهم نقل هذه البشرى إلى شعب الكنيسة؛ حيث إن أملهم الأكبر في عودة البلاد والأرض إلى أصحابها من أيدي الغزاة العرب -على حدِّ تعبيره- قد بات وشيكًا, وليس في ذلك آية غرابة في زعمه، وضرب لهم مثلًا بأسبانيا النصرانية في أيدي المسلمين والمستعمرين قرابة سبعة قرون, ثم قال بالنص: "في التاريخ المعاصر أكثر من بلد عادت إلى ذمتها منذ قرون طويلة جدًّا". ولعله يقصد من هذه الدول إسرائيل، وفي ختام الكلمة والاجتماع أنهى حديثه ببعض الأدعية الدينية للمسيح الرب الذي يحميكم ويبارك خطواتكم -على حد تعبيره.

стр. 211

لبنان مدخل ... ٤- لبنان: تقدمة: تقع جمهورية لبنان شرقي البحر الأبيض المتوسط. يحدها شرقًا وشمالًا سوريا, ويحدها جنوبًا فلسطين المحتلة، وغربًا البحر الأبيض، وكانت قبل لعبة الاستعمار الحديث في تقسيم بلاد الإسلام, وتفتيت وحدتها جزءًا من بلاد الشام, فخضع لبنان عبر التاريخ لكل ما أصاب الشام من أحداث وظروف, ودخل أهله الإسلام مع الفتح الإسلامي في زمن عمر بن الخطاب, وتمتَّع سكانه على اختلاف أديانهم وطوائفهم بكل ما تمتَّع به سكان الدولة الإسلامية من عدالة وأمن ورخاء. وقد حَلَّ به عبر التاريخ كثير من الأمم القديمة مثل: الأكاديين والكنعانيين والأموريين والفينيقيين ثم الفرس والهكسوس, والروم الذين كانوا يتَّخذون من عرب الغساسنة أعوانًا لهم, وبالفتح الإسلامي للشام صار لبنان وبقية بلاد الشام جزءًا من دولة الإسلام, ولطبيعة لبنان الجغرافية بحكم إطلاله على ساحل البحر الأبيض تهيأ لسكانه كثرة الاتصال بالمؤثرات الخارجية، ولكن لم تنقطع صلة أهله بالإسلام, حتى كانت الحملات الصليبية على بلاد الشام, فاستعان الصليبيون بموارنة لبنان والشيعة الباطنية ليكونوا لهم عونًا وأعوانًا ضد المسلمين, وحين هزم الصليبيون وطهَّر صلاح الدين الأيوبي الأرض من أعداء الإسلام, عادت لبنان جزءًا من بلاد الشام. وباستيلاء العثمانيين على مصر والشام ١٥١٧ صارت لبنان مع بقية الشام ولاية عثمانية حتى قيام الحرب العالمية الأولى "١٩١٤-١٩١٨", وحين ضعفت سلطة الخلافة العثمانية على ولايتها انتهزت دول الصليب فرضتها لخلق الطائفية الدينية في لبنان, حتى ضمِّن بروتوكول ١٨٦٠ إعطاء الحرية

стр. 212

المطلقة لكل طائفة دينية في تنظيم شئونها التعليمية والإدارية, فأصبح رئيس كل طائفة يدير أمورها على النحو الذي يرتضيه, ويخدم مصالح الدولة الأجنبية التي تحميه. فتقلّص النفوذ العثماني بالتدرج على لبنان, حتى أصبح أثرًا بعد عين بهزيمة الأتراك في الحرب الأولى ١٩١٨, ثم وافق مؤتمر سان ريمو ١٩٢٠ على انتداب فرنسا على سوريا ولبنان, وحتى عام ١٩٤١ وبالرغم من قيام حكومة لبنانية مستقلّة إلّا أن سيطرة الصليبية المتعاونة مع الصهيونية العالمية, وحركة الإلحاد العالمي, لم ينقطع تأثيرها على لبنان منذ ذلك التاريخ. مأساة حديثة وتدبير قديم: إن لبنان أكثر بلاد الإسلام والعروبة تعرضًا للأخطار التي يتهددها من الثالوث غير المقدَّس "الصليبية والصهيونية والإلحاد", فعلى أرضها تمارس الآن لعبة الصراع الدولي متَّخِذَة من ظروف لبنان والطائفية فيه وسيلةً لتحقيق الأطماع التي تتلخّص في شيء جوهري واحد, هو سلخه من دائرة العروبة والإسلام. وقد برزت خيوط هذه المأساة باندلاع الحرب الأهلية في لبنان في ١٣ أبريل ١٩٧٥, تلك الحرب التي يحاول العقلاء حصر نيرانها حتى لا يأتي لهيبها على كل شيء، ويمتد شرها وويلاتها على كل بقعة في أقطار العرب والإسلام، وما تزال تنجلي كل يوم عن مزيد من الضحايا الذين يتساقطون في غير ميدان جهاد, وفي غير حرب للدنيا أو الآخرة. ولا يمكن للدارس الإلمام بأطراف المشكلة اللبنانية, ودوافع الحرب الأهلية فيها, إلّا بمعرفة مدى الأطماع الصليبية في لبنان قديمًا وحديثًا, وبالإحاطة التامَّة بطبيعة الطائفية الدينية في لبنان, والإلمام بنظام الحكم الذي وضعته القوى العالمية المتصارعة الآن على لبنان, وسنتحدث بإيجاز عن هذه الجوانب؛ لأنَّ كل جانب منها يحتاج إلى مجلدات.

стр. 213

أطماع صليبية قديمة وحديثة في لبنان: تتركّز هذه الأطماع في شيء واحد, هو سلخ لبنان من عروبته وإسلامه, وإدخاله في حظيرة "المسيحية" التي تتعاون الآن مرحليًّا مع الصهيونية, فقد انتفعت الحركة الصليبية "قديمًا" بمعرفة موارنة لبنان في القرن الثالث عشر, وجعلت منهم أعوانًا ساعدوا على التمكن للإمارات الصليبية في بلاد الشام, وكانت فرنسا هي التي تذكي هذا الصراع, ولذلك أعلن ملوكها منذ القديم بسط الحماية المسيحية على موارنة لبنان, ودعوتهم إلى المطالبة بالانفصال عن كلِّ ما هو عربي, وكل ما هو إسلامي, والتعلق دائمًا بطلب إقامة دولة مسيحية مستقلة لا صلة لها بقضايا العروبة والإسلام، وقد خُيِّلَ لبعض القيادات يومًا أنهم قادرون على ذلك. ولو أدركت القيادات العربية والإسلامية، أو أنهم اعترفوا بهذه الحقيقة وأقاموا سياستهم على ضوئها؛ لكان لهم من أحداث لبنان موقف آخر, ولوقفوا من الدول الصليبية التي تخلق هذه الأحداث موقفًا إسلاميًّا موحدًا، ولنقرأ تلك الرسالة التي أرسل بها لويس التاسع ملك فرنسا في ٢١ مايو سنة ١٢٥٠ من عكَّا إلى موارنة لبنان, جاء فيها: "إننا موقنون أن هذه الأمة التي قامت تحت اسم القديس مارون, هي قسم من الأمة الفرنسية؛ لأن محبَّتها للفرنسيين تشبه محبة الفرنسيين بعضهم لبعض, وعليه من قبيل العدل أن تتمتَّعوا أنتم وجميع الموارنة بنفس الحماية التي يتمتع بها الفرنسيون من جانبنا، وأن تقبلوا في الوظائف كما هم يقبلون, أمَّا نحن وجميع الذين يخلفوننا على عرش فرنسا، فنعد بأننا نوليكم أنتم وجميع شعبكم حمايتنا الخاصة كما نوليها للفرنسيين بعينهم"١.

стр. 214

وظلت هذه العلاقة تتجدد جيلًا بعد جيل. ففي القرن السابع عشر أرسل ملك فرنسا لويس الرابع عشر في ٢٨ إبريل ١٦٤٩ بالرسالة الآتية إلى الطائفة المارونية, وفيها: "نحن لويس بعناية الله ملك فرنسا إلى كل من تصله, هذا ليكن معلومًا أننا بنصيحة الملكة الوصية أمنا الشريفة, نضع حمايتنا ورعايتنا الخاصة من ساعة توقيع هذا بطريك ورعاية وإكليروس المارونية المسيحية, الذين يعيشون ويعملون في جبل لبنان, وإننا لنرغب إليهم أن يعرفوا ذلك في كل الأوقات" وأكد فيها أمره لمن دونه من الفرنسيين أن يظهروا لهم كل عناية وحماية أمام كل جهة, ومساعدتهم بما يمنع عنهم الضرر, وأن تكون لهم الحرية لممارسة شعائر دينهم وأعمالهم، ومساعدتهم على السفر للدراسة, ومعاملتهم بمنتهى الرقة والاحترام"١. وكما استعانت فرنسا بالموارنة استعانت إنجلترا بالدروز, واستعانت روسيا القيصرية بالروم الأرثوذكس, وعملت هذه الدول المسيحية على إذكاء نار الفتنة الطائفية حتى انجلت عن مذبحة دير القمر ١٨٦٠, التي انتهت بمذابح دامية شملت كل لبنان. وانتهت بعقد مؤتمر حضرته كل من انجلترا وفرنسا وروسيا والنمسا وتركيا في أغسطس ١٨٦٠, أسفر عن قرار بشرعية التدخل الأجنبي في شئون لبنان, وأعقبه وضع مشروع عُرِفَ باسم بروتوكول لبنان, الذي كان من نتيجة سلخ بعض الأجزاء عن لبنان, ومعظمها مناطق إسلامية مثل: صيدا وطرابلس وبيروت, وقصد بذلك أن يكون وجه لبنان مسيحيًّا٢. وفي عهد الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان أعطت معاهدة لوزان بسويسرا سنة ١٩٢٦ فرنسا حق التصرف المطلق في كل منهما, فعملت على توسيع رقعة لبنان على حساب سوريا, فضمَّت إلى لبنان معظم المدن

стр. 215

الكبرى حاليًا, وهي بيروت وصيدا وطرابلس وسهل البقاع وبعلبك وراشيا ومرجعيون. وعملت فرنسا على تدعيم الطائفية بتوزيع الرئاسة الكبرى بين الطوائف, فجعلت رئاسة الجمهورية من نصيب الموارنة، ورئاسة مجلس الوزراء للشيعة, ورئاسة الخارجية من نصيب المسلمين أهل السنة. ونجحت فيما قصدت إليه من سلخ كثير من البلاد التي كانت تحكمها من وجهها العربي والإسلامي, كما نجحت في اتخاذ ركائز وأعوان غرست في نفوسهم أنَّ بقائهم وعزَّهم في تحويل لبنان إلى بلد مسيحي, وغرسوا بكل الوسائل روح الاحتقار والتهوين لكل ما هو عربي أو إسلامي, وأصبحت دعوة الوحدة العربية عندهم مرادفة للإسلام. وأدَّى كثير من رؤساء الجمهوريات ما عهد إليهم من تنفيذ هذه السياسة المسيحية, وأدوا رسالتهم في تبنِّي كل سياسة محالفة للغرب, حتى إنَّ رئيس جمهورية لبنان أعلن قبول مشروع أيزنهاور, فخرج على إجماع الدول العربية. وكان هذا القبول وأسباب أخرى سببًا في ثورة لبنان الأهلية ١٩٥٨, تلك الثورة التي انتهت باستعانة كميل شمعون بحماية أمريكا, ودخل الأسطول الأمريكي شواطئ لبنان متحديًا إرادة شعب لبنان من جهة, منتصرًا لرئيس الجمهورية وسلطة المارونية من جهة أخرى, وحاميًا لنظام الحكم الذي يرعى مصالح المسيحية ويهدر مصالح المسلمين. وقد برَّرت أمريكا يومئذ تدخلها السافر بدعوة لبنان له للتدخل, ولم تكن لبنان يومئذ إلّا شخص رئيس الجمهورية الذي يعمل لحماية مصالح الصليبية العالمية. الطائفية في لبنان: الطائفية في لبنان هي المسئولة عن كلِّ ما يتعرض له لبنان داخليًّا وخارجيًّا, وهي السبب في الحرب الأهلية الدائرة منذ ست سنوات, ومن المؤكَّد أن المحرِّك لوقودها والمستفيد منها هم أعداء العروبة والإسلام؛ لأنه باستقراء التاريخ نجد أن التركيب الطائفي للسكَّان لم يؤثر أثره إلّا عقب الاستعمار الغربي الذي فرض على لبنان منذ منتصف القرن التاسع عشر.
следующие страницы →