الخصوصية الثامنة والأربعون: رفع العذاب عن أهل البرزخ فيه
قال اليافعي في روض الرياحين: بلغنا أن الموتى لم يعذبوا ليلة الجمعة تشريفا لهذا الوقت.
قال: ويحتمل ذلك بعصاة المسلمين دون الكفار.
стр. 72
الخصوصية التاسعة والأربعون: اجتماع الأرواح فيه
١٠٦- أخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب، عن رجل من آل عاصم الجحدري، أن رأى عاصمًا الجحدري في النوم، فقال له: أنا في روضة من رياض الجنة أنا ونفر من أصحابي نجتمع كل ليلة جمعة، وصبيحتها إلى أبي بكر بن عبد الله المزني، فنتلاقى أخباركم قلت: هل تعلمون بزيارتنا قال: نعلم بها عشية الجمعة، ويوم الجمعة كله ويوم السبت إلى طلوع الشمس، قلت: وكيف ذلك دون الأيام كلها قال: لفضل يوم الجمعة وعظمه.
стр. 73
الخصوصية الخمسون: أنه سيد الأيام
١٠٧- روى مسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة".
стр. 74
١٠٨- وأخرجه الحاكم بلفظ: سيد الأيام يوم الجمعة إلى آخره.
١٠٩- ولأبي داد نحوه وزاد فيه: تيب عليه، وفيه مات، وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس.
стр. 75
١١٠- وأخرج ابن ماجه والبيهقي في الشعب، عن أبي لبابة بن عبد الله المنذر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن يوم الجمعة سيد الأيام، وأعظمها عند الله، وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى، ويوم الفطر فيه خمس خلال خلق الله فيه آدم، وأهبط الله فيه آدم إلا الأرض، وفيه توفى الله آدم وفيه ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئا إلا أعطاها ما لم يسأل حراما، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض، ولا رياح ولا جبال ولا بحر إلا وهن يشفقن من يوم الجمعة".
١١١- وأخرج سعيد بن منصور في سننه عن مجاهد قال: إذا كان يوم الجمعة، فزع البر والبحر، وما خلق الله من شيء إلا الإنسان.
١١٢- وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، عن أبي عمران الجوني قال: بلغنا أنه لم تأت ليلة الجمعة إلا أحدثت لأهل السماء فزعة.
فائدة:
في بعض كتب الحنابلة: اختلف أصحابنا هل ليلة الجمعة أفضل، أو ليلة القدر. فاختار ابن بطة، وجماعة أن ليلة الجمعة أفضل، وقال به أبو الحسن التميمي فيما عدا الليلة التي أنزل فيها القرآن، وأكثر العلماء على أن ليلة القدر أفضل. واستدل الأولون بحديث الليلة الغراء، والغرة من الشيء خياره، وبأنه جاء في فضل يومها ما لم يجئ ليوم ليلة القدر.
стр. 76
وأجابوا عن قوله: "ليلة القدر خير من ألف شهر"، فإن التقدير خير من ألف شهر ليس فيها ليلة الجمعة، كما أن تقديرها عند الأكثرين خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.
وأيضا، فإن ليلة الجمعة باقية في الجنة؛ لأن في يومها تقع الزيارة إلى الله تعالى، وهي معلومة في الدنيا بعينها على القطع، وليلة القدر مظنون عينها، انتهى ملخصًا.
стр. 77
الخصوصية الحادية والخمسون: أنه يوم المزيد
١١٣- أخرج الشافعي في الأم عن أنس بن مالك قال: أتى جبريل
стр. 78
بمرآة بيضاء، فيها نكتة إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "ما هذه؟ قال: هذه الجمعة فضلت بها أنت وأمتك، فإن الناس لكم فيها تبع اليهود والنصارى، ولكم فيها خير وفيها ساعة لا يوافقها مؤمن يدعو الله بخير إلا استجيب له، وهو عندنا يوم المزيد. قال النبي ﷺ : يا جبريل وما يوم المزيد قال: أن ربك اتخذ في الفردوس واديا أفيح فيه كثب مسك، فإذا كان يوم الجمعة أنل الله فيه ناسا من الملائكة، وحوله منابر من نور عليها مقاعد النبيين، وحف تلك المنابر بمنابر من ذهب مكللة بالياقوت والزبرجد عليها الشهداء، والصديقون، فجلسوا من ورائهم على تلك الكثيب، فيقول: الله أنا ربكم قد صدقتم وعدي، فسلوني أعطكم فيقولون: ربنا نسألك رضوانك فيقول: قد رضيت عنكم ولكم علي ما تمنيتم ولدي مزيد، فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربهم من الخير".
١١٤- وله طرق عن أنس، وفي بعضها أنهم يمكثون في جلوسهم هذا إلى مقدار منصرف الناس من الجمعة، ثم يرجعون إلى غرفهم. أخرجه الآجري في كتاب الرواية.
١١٥- وأخرج الآدري في كتاب الرواية، عن أبي هريرة أن رسول
стр. 79
الله ﷺ قال: "إن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم، فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا، فيزورون الله ، فيبرز الله لهم عرشه ويتبدى لهم في روضة من رياض الجنة، وتوضع لهم نابر من نور، ومنابر من لؤلؤ، ومنابر من ياقوت، ومنابر من زبرجد، ومنابر من ذهب ومنابر من فضة، ويجلس أدناهم " وما فيهم دنيء " على كثبان المسك، والكافور وما يرون أن أصحاب الكراسي بأفضل منهم مجلسًا" الحديث.
وفيه الرؤية، وسماع الكلام وذكر سوق الجنة.
١١٦- وأخرج أيضا عن ابن عباس، أن النبي ﷺ ، قال: "إن أهل الجنة يزورون ربهم في كل يوم جمعة في رمال الكافور، وأقربهم منه مجلسا أسرعهم إليه يوم الجمعة، وأبكرهم غدوا".
стр. 80
الخصوصية الثانية والخمسون: أنه مذكور في القرآن دون سائر أيام الأسبوع ١
وذكر أيضا يوم السبت "أصحاب السبت" "يوم سبتهم شرعا".
قال تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ .
стр. 81
الخصوصية الثالثة والخمسون: أنه الشاهد والمشهود في الآية وقد أقسم الله به
١١٧- أخرج بن جرير، عن علي بن أبي طالب في قوله تعالى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُود﴾ ، قال: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة.
١١٨- وأخرج حميد بن زنجويه في فضائل الأعمال، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "اليوم الموعود يوم القيامة، والمشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة ما طلعت شمس، ولا غربت على أفضل من يوم الجمعة".
١١٩- وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال: الشاهد الإنسان، والمشهود يوم الجمعة.
١٢٠- وأخرج عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله: "أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة، فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة".
стр. 82
الخصوصية الرابعة والخمسون: أنه المدخر لهذه الأمة
١٢١- روى الشيخان، عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله يقول: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع اليهود غدا، والنصارى بعد غد".
١٢٢- ولمسلم عن أبي هريرة، وحذيفة قالا: قال رسول الله ﷺ : "أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا، فهدانا ليوم الجمعة".
стр. 86
الخصوصية الخامسة والخمسون: أنه يوم المغفرة
١٢٣- أخرج بن عدي، والطبراني في الأوسط بسند جيد عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله ﵎ ليس بتارك أحدا من المسلمين يوم الجمعة إلا غفر له".
стр. 87
الخصوصية السادسة والخمسون: أنه يوم العتق
١٢٤- أخرج البخاري في تاريخه، وأبو يعلى عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ إن يوم الجمعة، وليلة الجمعة أربعة وعشرون ساعة ليس فيها ساعة إلا ولله فيها ستمائة عتيق من النار كلهم قد استوجبوا النار.
١٢٥- وأخرجه ابن عدي، والبيهقي في الشعب بلفظ أن لله في كل جمعة ستمائة ألف عتيق.
стр. 88
الخصوصية السابعة والخمسون: فيه ساعة الإجابة
١٢٦- روى الشيخان، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة، فقال: فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه، وأشار بيده يقللها.
١٢٧- ولمسلم عنه أن في الجمعة لساعة لا يوافقها مسلم يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه هي ساعة خفيفة.
وقد اختلف أهل العلم من الصحابة والتابعين، فمن يعدهم في هذه الساعة على أكثر من ثلاثين قولا، فقيل: إنها رفعت.
١٢٨- أخرج عبد الرزاق، عن عبد الله مولى معاوية قال: قلت
стр. 89
لأبي هريرة أنهم زعموا أن الساعة التي في يوم الجمعة يستجاب فيها الدعاء رفعت، فقال: كذب من قال ذلك.
قلت: فهي في كل جمعة قال: نعم، وقيل: إنها في جمعة واحدة من كل سنة قاله كعب الأحبار لأبي هريرة، فرده عليه، فرجع إليه أخرجه مالك، وأصحاب السنن، وقيل: إنها مخفية في جميع اليوم كما أخفيت ليلة القدر في العشر.
١٢٩- أخرج ابن خزيمة، والحاكم عن أبي سلمة قال: سألت أبا سعيد الخدري عن ساعة الجمعة، فقال: سألت النبي ﷺ عنها، فقال: قد أعلمتها ثم أنسيتها كما أنسيت ليلة القدر.
١٣٠- وأخرج عبد الرزاق عن كعب، قال: لو أن إنسانا قسم جمعته في جمع لأتى على تلك الساعة.
قال ابن المنذر معناه أنه يبدأ، فيدعو في جمعة من أول النهار إلى وقت معلوم، ثم في جمعة يبتدئ من ذلك الوقت إلى وقت آخر، حتى يأتي على آخر النهار.
والحكمة في إخفائها بعث العبادة على الاجتهاد في الطلب، واستيعاب الوقت بالعبادة، وقيل أنها تنتقل في يوم الجمعة، ولا تلزم ساعة بعينها
стр. 90
ذكر بعضهم احتمالا، وجزم به ابن عساكر وغيره، ورجحه الغزالي، والمحب الطبري.
١٣١- وقيل: هي عند أذان المؤذن لصلاة الغداة أخرجه ابن أبي شيبة، عن عائشة.
١٣٢- وقيل: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، رواه ابن عساكر عن أبي هريرة.
وقيل: عند طلوع الشمس حكاه الغزالي، وقيل: أول ساعة بعد طلوع الشمس حكاه الجيلي، والمحب الطبري شارحا التنبيه.
١٣٣- وقيل: في آخر الساعة الثالثة من النهار لحديث أبي هريرة مرفوعا، وفي آخر ثلاث ساعات منه ساعة من دعا الله فيها استجيب له، أخرجه أحمد.
١٣٤- وقيل: إذا زالت الشمس. حكاه ابن المنذر عن أبي العالية، ورواه عبد الرزاق عن الحسن.
١٣٥- وروى ابن عساكر عن قتادة قال: كانوا يرون الساعة المستجاب فيها الدعاء إذا زالت الشمس.
قال ابن حجر: وكان مأخذهم في ذلك أنها وقت اجتماع الملائكة، وابتداء دخول وقت الجمعة، والأذان ونحو ذلك.
وقيل: إذا أذن المؤذن لصلاة الجمعة.
١٣٦- أخرج ابن المنذر عن عائشة قالت: يوم الجمعة مثل يوم عرفة فيه تفتح أبواب السماء، وفيه ساعة لا يسأل الله فيها العبد شيئا إلا أعطاه، قيل: أية ساعة؟ قالت: إذا أذن المؤذن لصلاة الجمعة.
стр. 91
١٣٧- وقيل: من الزوال إلى مصير الظل ذراعًا، أخرجه ابن المنذر، عن أبي ذر.
وقيل: إلى أن يدخل في الصلاة، حكاه ابن المنذر، عن أبي السوار العدوي.
وقيل: من الزوال إلى غروب الشمس حكاه الذماري في نكت التنبيه.
١٣٨- وقيل: عند خروج الإمام رواه ابن زنجويه عن الحسن.
١٣٩- وقيل: ما بين خروج الإمام إلى أن تقام الصلاة رواه ابن المنذر، عن الحسن والمروزي في كتاب الجمعة، عن عوف ابن حصره.
١٤٠- وقيل: ما بين خروجه إلى انقضاء الصلاة، رواه ابن جرير، عن موسى وابن عمر موقوفا، وعن الشعبي.
١٤١- وقيل: ما بين أن يحرم البيع إلى أن يحل، رواه ابن أبي شيبة وابن المنذر عن الشعبي.
١٤٢- وقيل: ما بين الأذان إلى انقضاء الصلاة، رواه ابن زنجويه عن ابن عباس.
وقيل: ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن تنقضي الصلاة.
١٤٣- روى مسلم، وأبو داود من حديث أبي موسى الأشعري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تنقضي الصلاة".
стр. 92
قال ابن حجر: وهذا القول يمكن أن يتخذو مع اللذين قبله.
١٤٤- وقيل: من حين يفتتح الخطبة حتى يفرغها، رواه ابن عبد البر بسند ضعيف، عن ابن عمر مرفوعًا.
وقيل: عند الجلوس بين الخطبتين، حكاه الطيبي.
١٤٥- وقيل: عند نزول الإمام من المنبر، رواه ابن المنذر، عن أبي بردة.
١٤٦- وقيل: عند إقامة الصلاة، رواه ابن المنذر عن الحسن.
١٤٧- وروى الطبراني بسند ضعيف عن ميمونة بنت سعد أنها قالت: يا رسول الله أفتنا عن صلاة الجمعة قال: "فيها ساعة لا يدعو العبد فيها ربه إلا استجاب له. قلت: أي ساعة هي يا رسول الله؟ قال: ذلك حين يقوم الإمام".
١٤٨- وقيل: من بين إقامة الصلاة إلى تمام الصلاة لحديث الترمذي، وحسنه وابن ماجه عن عمرو بن عوف، قالوا: أية ساعة يا رسول الله؟ قال: حين تقوم الصلاة إلى الانصراف منها.
стр. 93
١٤٩- ورواه البيهقي في الشعب بلفظ ما بين أن ينزل الإمام من المنبر إلى أن تنقضي الصلاة.
١٥٠- وقيل: هي الساعة التي كان النبي ﷺ يصلي فيها الجمعة، رواه ابن عساكر، عن ابن سيرين.
١٥١- وقيل: من صلاة العصر إلى غروب الشمس، رواه ابن جرير عن ابن عباس موقوفا، والترمذي بسند ضعيف عن أنس مرفوعا: التمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد العصر إلى غيبوبة الشمس.
١٥٢- ولابن منده، عن أبي سعيد مرفوعا، فالتمسوها بعد العصر أغفل ما يكون
للناس.
١٥٣- وقيل: في صلاة العصر رواه عبد الرزاق، عن يحيى بن إسحاق عن عبد الله بن أبي طلحة مرفوعا مرسلا.
وقيل: بعد العصر إلى آخر وقت الاختيار حكاه الغزالي.
١٥٤- وقيل: من حين تصفر الشمس إلى أن تغيب، رواه عبد الرزاق عن طاوس.
١٥٥- وقيل: آخر ساعة بعد العصر، أخرجه أبو داود والحاكم، عن جابر مرفوعا، ولفظه فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر.
стр. 94
١٥٦- وأخرج أصحاب السنن عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم، وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه"، فقال كعب: ذلك في كل سنة يوم، فقلت: بل في كل جمعة، فقرأ كعب التوراة فقال: صدق رسول الله ﷺ قال أبو هريرة: ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته فقال: قد علمت أية ساعة هي آخر ساعة في يوم الجمعة فقلت: كيف وقد قال رسول الله ﷺ لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي، وتلك الساعة لا يصلي؟ فقال: ألم يقل رسول الله ﷺ : "من جلس مجلسا ينتظر الصلاة، فهو في صلاة"، قلت: بلى قال: فهو ذاك.
وفي الترغيب للأصفهاني من حديث أبي سعيد الخدري، مرفوعًا: الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة آخر ساعة من يوم الجمعة قبل غروب الشمس أغفل ما يكون عنه الناس.
١٥٧- وقيل: إذا تدلى نصف الشمس للغروب أخرجه الطبراني في الأوسط، والبيهقي في الشعب عن فاطمة بنت النبي ﷺ أنها قالت للنبي ﷺ : أية ساعة هي؟ قال: "إذا تدلى نصف الشمس للغروب".
стр. 95
فهذه جملة الأقوال في ذلك قال المحب الطبراني: أصح الأحاديث فيها حديث أبي موسى في مسلم، وأشهر الأقوال فيها قول عبد الله بن سلام.
قال ابن حجر: وما عداهما إما ضعيف الإسناد، أو موقوف أسند قائله إلى اجتهاد دون توقيف.
ثم اختلف السلف أي القولين المذكورين أرجح، فرجح كلا مرجحون، فرجح ما في حديث أبي موسى البيهقي، وابن العربي والقرطبي، وقال النووي: إنه الصحيح والصواب.
ورجح قول ابن سلام أحمد بن حنبل، وابن راهويه وابن عبد البر وابن الزملكاني من الشافعية.
قلت: وههنا أمر وذلك أن ما أورده أبو هريرة على ابن سلام من أنها ليست ساعة صلاة وارد على حديث أبي موسى أيضا؛ لأن حال الخطبة ليست ساعة صلاة، ويتميز ما بعد العصر بأنها ساعة دعاء، وقد قال في الحديث: يسأل الله شيئا، وليس حال الخطبة ساعة دعاء؛ لأنه مأمور فيها بالإنصات، وكذلك غالب الصلاة.
ووقت الدعاء منها إما عند الإقامة، أو في السجود أو التشهد، فإن حمل الحديث على هذه الأوقات اتضح مما ويحمل قوله: وهو قائم يصلي على حقيقته في هذين الموضعين، وعلى مجازه في الإقامة أي يريد الصلاة.
وهذا تحقيق حسن فتح الله به، وبه يظهر ترجيح رواية أبي موسى على قول ابن سلام: لإبقاء الحديث على ظاهره من قوله: يصلي ويسأله، فإنه أولى من حمله على انتظار الصلاة؛ لأنه مجاز بعيد، وموهم أن انتظار الصلاة شرط في الإجابة؛ ولأنه لا يقال في منتظر الصلاة قائم يصلي، وإن صدق أنه في صلاة؛ لأن لفظ قائم يشعر بملابسته الفعل.
стр. 96
والذي أستخير الله، وأقول به منهذه الأقوال أنها عند إقامة الصلاة، وغالب الأحاديث المرفوعة تشهدل له، أما حديث ميمونة فصريح فيه، وكذا حديث عمرو ابن عوف، ولا ينافيه حدي أبي موسى؛ لأنه ذكر أنها فيما بين أن يجلس الإمام إلى أن تنقضي الصلاة، وذلك صادق بالإقامة، بل منحصر فيها؛ لأن وقت الخطبة ليس وقت صلاة ولا دعاء،. ووقت الصلاة ليس وقت دعاء في غالبها، ولا يظن أنه أراد استغراق هذا الوقت قطعا؛ لأنها خفيفة بالنصوص والإجماع، ووقت الخطبة والصلاة متسع.
وغالب الأقوال المذكورة بعد الزوال، وعند الأذان تحمل على هذا، فترجع إليه ولا تتنافى.
١٥٨- وقد أخرج الطبراني، عن عوف بن مالك الصحابي قال: إني لأرجو أن تكون ساعة الإجابة في إحدى الساعات الثلاث إذا أذن المؤذن، وما دام الإمام على المنبر، وعند الإقامة.
وأقوى شاهد له حديث الصحيحين، وهو قائم يصلي، فأحمل وهو قائم على القيام للصلاة عند الإقامة، ويصلي على الحال المقدرة، وتكون هذه الجملة الحالية شرطا في الإجابة، فإنها مختصة بمن شهد الجمعة ليخرج من تخلف عنها. هذا ما ظهر لي في هذا المحل من التقدير، والله أعلم بالصواب.
١٥٩- وقال ابن سعد في طبقاته: أخبرنا عفان بن مسلم حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا علي بن زيد بن جدعان أن عبيد الله بن نوفل، وسعيد بن نوفل والمغيرة بن نوفل كانوا من قراء قريش، وكانوا يبكرون إلى
стр. 97
الجمعة إذا طلعت الشمس يريدون بذلك الساعة التي ترجى، فنام عبيد الله بن نوفل، فدح في ظهره دحة، فقيل: هذه الساعة التي تريد، فرفع رأسه، فإذا مثل غمامة تصعد إلى السماء، وذاك حين زالت الشمس.
فائدة:
احتج من قال بتفضيل الليل على النهار بأن في كل ليلة ساعة إجابة كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، وليس ذلك في النهار سوى يوم الجمعة.
رواه ابن عساكر بإسناد صحيح، عن ابن سيرين، وهذا يغاير الذي قبله من جهة إطلاق ذلك، وتقييد هذا، وكأنه أخذه من جهة أن صلاة الجمعة أفضل صلوات ذلك اليوم، وأن الوقت الذي كان يصلي فيه النبي ﷺ أفضل الأوقات.
وأن جميع ما تقدم من الأذان والخطبة، وغيرهما وسائل، وصلاة الجمعة هي المقصودة بالذات.
ويؤيده ورود الأمر في القرآن بتكثير الذكر حال الصلاة، كما ورد الأمر بتكثير الذكر حال القتال، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ، وفي قوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ -إلى قوله تعالى-: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .
وليس المراد إيقاع الذكر بعد الانتشار، وأن عطف عليه وإنما المراد تكثير الذكر المشار إليه أول الآية، والله أعلم.
الخامس والثلاثون من صلاة العصر إلى غروب الشمس.
رواه ابن جرير من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس موقوفًا.
ومن طريق صفوان بن سليم، عن أبي سلمة عن أبي سعيد مرفوعا بلفظ: "فالتمسوها بعد العصر".
وذكر ذلك ابن عبد البر أن قوله: "فالتمسوها". إلخ، مدرج في الخبر من قول أبي سلمة.
ورواه ابن منده من هذا الوجه، وزاد: " "أغفل ما يكون الناس".
ورواه أبو نعيم في الحلية من طريق الشيباني، عن عون بن عبد الله بن عتبة عن أخيه عبيد الله كقول ابن عباس.
ورواه الترمذي من طريق موسى بن وردان، عن أنس مرفوعا بلفظ: "بعد العصر إلى غيبوبة الشمس"، وإسناده ضعيف.
السادس والثلاثون في صلاة العصر.
رواه عبد الرزاق، عن عمر بن ذر عن يحيى بن إسحاق بن أبي طلحة، عن النبي ﷺ مرسلا، وفيه قصة.
هريرة له في ذلك، واحتجاج عبد الله بن سلام بأن منتظر الصلاة في صلاة.
وروى ابن جرير من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا، ولم يذكر عبد الله بن سلام قوله ولا القصة.
ومن طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري عن أبيه، عن أبي هريرة، عن كعب الأحبار قوله.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج أخبرني موسى بن عقبة أنه سمع أبا سلمة يقول: حدثنا عبد الله بن عامر، فذكر مثله.
وروى البزار، وابن جرير من طريق محمد بن عمر، وعن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن عبد الله بن سلام مثله.
وروى ابن أبي خيثمة من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة وأبي سعيد، فذكر مثله.
وفيه: قال أبو سلمة: فلقيت عبد الله بن سلام، فذكرت له ذلك، فلم يعرض بذكر النبي ﷺ بل قال: النهار اثنتا عشرة ساعة، وإنها لفي آخر ساعة من النهار.
ولابن خزيمة من طريق أبي النضر، عن أبي سلمة عن عبد الله بن سلام قال:
قلت -ورسول الله ﷺ جالس: إنا لنجد في كتاب الله أن في الجمعة ساعة، فقال رسول الله ﷺ : "أو بعض ساعة" قلت: نعم أو بعض ساعة.
وفيه قلت: أي ساعة؟ فذكره.
وهذا يحتمل أن يكون القائل "قلت" عبد الله بن سلام، فيكون مرفوعا.
ويحتمل أن يكون أبا سلمة، فيكون موقوفا وهو الأرجح لتصريحه في رواية يحيى ابن أبي كثير بأن عبد الله بن سلام لم يذكر النبي صلى الله عليه، وفي الجواب.
الثاني والأربعون من حين يغيب نصف قرص الشمس، أو من حين تدلى الشمس للغروب إلى أن يتكامل غروبها.
رواه الطبراني في الأوسط، والدارقطني في العلل، والبيهقي في الشعب وفضائل الأوقات من طريق زيد بن علي بن الحسين بن علي حدثتني مرجانة مولاة فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، قالت: حدثتني فاطمة ﵍ عن أبيها، فذكر الحديث
стр. 107
وفيه قلت للنبي ﷺ : أي ساعة هي؟ قال: "إذا تدلى الشمس للغروب".
فكانت فاطمة إذا كان يوم الجمعة أرسلت غلاما لها يقال له: زيد ينظر لها الشمس، فإذا أخبرها أنها تدلت الغروب أقبلت على الدعاء إلى أن تغيب.
في إسناده اختلاف على زيد بن علي، وفي بعض رواته من لا يعرف حاله.
وقد أخرج إسحاق بن راهويه في مسنده من طريق سعيد بن راشد، عن زيد بن علي عن فاطمة لم يذكر مرجانة، وقال فيه: إذا تدلت الشمس للغروب.
وقال فيه: تقول لغلام يقال له أريد: اصعد على الظراب، فإذا تدلت الشمس للغروب، فأخبرني والباقي نحوه.
وفي آخره: ثم تصلي يعني المغرب.
فهذا جميع ما اتصل من الأقوال في ساعة الجمعة مع ذكر أدلتها، وبيان حالها في الصحة والضعف والرفع، والوقف والإشارة إلى مأخذ بعضها، وليست كلها متغايرة من كل جهة بل كثير منها يمكن أن يتحد مع غيره.
ثم ظفرت بعد كتابة هذا بقول زائد على ما تقدم، وهو غير منقول استنبطه صاحبنا العلامة الحافظ شمس الدين الجزري، وأذن لي في روايته عنه في كتابه المسمى "الحصن الحصين" في الأدعية لما ذكر الاختلاف في ساعة الجمعة، واقتصر على ثمانية أقوال مما تقدم، ثم قال ما نصه:
والذي أعتقده أنها وقت قراءة الإمام الفاتحة في صلاة الجمعة إلى أن يقول: آمين، جمعا بين الأحاديث التي صحت كذا قال: ويخدش فيه أنه يفوت على الداعي حينئذ الإنصات لقراءة الإمام، فليتأمل.
قال الزين المنير: يحسن جمع الأقوال، وكان قد ذكر مما تقدم عشرة أقوال تبعا لابن بطال قال: فتكون ساعة الإجابة واحدة منها لا بعينها، فيصادفها من اجتهد في الدعاء في جميعها، والله المستعان.
وليس المراد من أكثرها أن يستوعب جميع الوقت الذي عين، بل المعنى أنها تكون
في أثنائه لقوله فيما مضى: "يقللها"، وقوله: "وهي ساعة مخفية".
وفائدة ذكر الوقت أنها تنتقل فيه، فيكون ابتداء مظنها ابتداء الخطبة مثلا، وانتهاؤه انتهاء الصلاة.