التي تشير إليها تحديدا دقيقا، واستخدام الاصطلاحات الرمزية الخاصة يجعل ذلك أكثر سهولة، فعلى سبيل المثال قد تكون في حاجة إلى التمييز بين معنى كلمة ما وصيغتها، أو بين كليهما والكلمة نفسها، ولا توجد -من سوء الحظ- مجموعة من الاصطلاحات الرمزية مقبولة بشكل عام يمكن لهذه المميزات ولغيرها أن ترسم بواسطتها، وفي عملنا هذا سنصنع استخداما مميزا لعلامات التنصيص المفردة، وعلامات التنصيص المزدوجة, والحروف المائلة فعلى سبيل المثال سنميز بين كلمة "aable" المكتوبة بالحروف القائمة، والمكتوبة بالحروف المائلة، على أن تشير الأولى للمعنى وأن تشير الثانية للصفة "أو إحدى الصيغ الخاصة بها" وكي نستخدم هذين الرمزين يجب أن نحافظ على مميز -كما سنرى بعد- بين معنيين على الأقل لكلمة "كلمة" يشير المعنى الأول إلى ما نتوقع إدراجه في قائمة معجم اللغة ويشير المعنى الثاني إلى ما يكتب بين مسافات كسلسلة من الحروف في نص مكتوب.
وهناك رموز أخرى أدخلت مؤخرا تمكننا من تمييز الصيغ المنطوقة من الصيغ المكتوبة، والصيغ المنطوقة بنوع "الصوتي" عن الصيغ المنطوقة بنوع "الفونولوجي" وهلم جرا، والقضية العامة التي أثرناها هنا أن تلك الاصطلاحات الرمزية المتنوعة -إن لم تكن جوهرية بصورة مطلقة- فهي على الأقل نافعة إلى حد بعيد لغرض الإشارة إلى المعلومات اللغوية وهي تجعل ما نتكلم عنه واضحا، ولها فائدة إضافية فهي تجبر اللغوي على التفكير بعناية في مميزات خاصة قد تمر دون ملاحظة في ظروف أخرى، وكثيرا ما يثبت صعوبة كونها ثابتة على الإطلاق عند تطبيق بعض الاصطلاحات الرمزية المعينة، وتؤدي هذه الصعوبة حينئذ إلى إعادة تحديد المميز النظري الذي صيغ الاصطلاح الرمزي لأول مرة، وهي إحدى الطرق التي يحدث بها التقدم في أي فرع من فروع المعرفة.
стр. 72
رابعا: اللغة وصفي وليس معياريا
...
رابعا: علم اللغة وصفي وليس معياريا ١:
يستخدم مصطلح "وصفي" "deseriptive" هنا بمعنى مختلف عن المعنى الذي يقابل فيه "عام" من ناحية أو "تاريخي" من ناحية أخرى، والتقابل الذي يتعلق بهذا المكان هو ذلك الذي يربط بين كيف تكون الأشياء، وكيف يجب أن تكو الأشياء والمصطلح البديل المعياري "prescriptive" بالمعنى الذي يقابل فيه المصطلح "وصفي" "descriptive" هو "normative" والقول بأن علم اللغة وصفي "أي: غير معياري" يعني أن اللغوي يحاول كشف القوانين التي تسير الجماعة اللغوية -في أدائها اللغوي الفعلي- وفقا لها وتسجيلها ولا يسعى إلى فرض قوانين ومستويات صواب أخرى "أي: دخيلة" عليهم.
ومن الممكن أن يلتبس استخدام كلمة "قانون" -وقد فرغت للتو من التفرقة بين الوصفية والمعيارية- بين هذين المعنيين المختلفين إلى حد بعيد، ويتحدث اللغويون -سواء أكان ذلك صوابا أم خطأ- بهذه المصطلحات، وربما كان مفيدا لهذا السبب أن نوضح الاختلاف بين نوعين من القوانين -دعنا نطلق عليهما القوانين الداخلية، والقوانين الخارجية على الترتيب- من شيء آخر خلاف استخدام اللغة، لنتكلم عن السلوك الجنسي في مجتمع بعينه فلو أننا تبنينا وجهة النظر الوصفية البحتة "أي: غير المعيارية" في بحث السلوك الجنسي فسوف نحاول الكشف عن كيفية السلوك الفعلي للناس ما إذا كانوا يمارسون الجنس غير الشرعي، وإن كانوا يمارسونه فما نوع هذا الجنس وفي أي مرحلة من العمر، وما إذا كان الأزواج والزوجات مخلصين
стр. 73
-أو غير مخلصين- بدرجة واحدة لزوجاتهم أو لأزواجهن وهلم جرا، وبقدر ما يكون سلوك مجموعات معينة داخل المجتمع محكوما في الواقع بمبادئ يمكن تحديدها -سواء أكان أفراد هذه المجموعات يعترفون بهذه المبادئ أو حتى على وعي بها أم لا- نستطيع أن نقول إن سلوكهم محكوم بقانون: القوانين الداخلية في سلوكهم العملي، لكن مثل هذه القوانين "إن صح أن نسميها قوانين" مختلفة إلى حد بعيد في هيئتها إن لم يكن في محتواها عن قوانين السلوك التي قد يحكم بها القانون أو الدين المعتنق -ببساطة- قواعد السلوك وآدابه الواضحة المتعارف عليها، والناس في ممارستهم قد يقرون -أو لا يقرون- ما أدعوه بالقوانين الخارجية "أي: الدخيلة أو غير الداخلية" للسلوك الجنسي، وأكثر من ذلك قد يوجد اختلافات بين كيف يتصرفون وكيف يتكلمون أو حتى يفكرون فيما فعلوه، وكل هذه الاختلافات لها متعلقاتها المتبادلة التي تتصل بالسلوك اللغوي، والمميز الأكثر أهمية على كل حال هو الذي يربط بين القوانين الخارجية "أي: المعيارية" والقوانين الداخلية "أي: الوصفية"، فالمعيارية أوامر "قل كذا أو لا تقل كذا"، والوصفية تقريرات "الناس تقول كذا أو لا تقول كذا".
وسبب إلحاح اللغويين هذه الأيام على ما يميز بين القوانين الوصفية والقوانين المعيارية يعود ببساطة إلى أن النحو التقليدي يتصف بالمعيارية اتصافا شديدا، ويراه النحاة كما لو كانت مهمته صياغة مستويات الصواب وفرضها -إن لزم الأمر- على متكلمي اللغة، وكثير من القواعد المعيارية للنحو التقليدي، تبدو معروفة للقارئ مثل: لا تستخدم أبدا نفيا مزدوجا مثل "I didnt do nothing" ولا تختم الجملة بحرف جر مثل "thats the"؛ "man l was spesking to" وأين الفعل "to be" يأخذ حالة واحدة بعده
стр. 74
وقبله، وعليه يجب أن تصحح "lts me" إلى "lts l" وأن تكون "Ain t" خطأ وأنه يجب ألا نقسم المصدر كما في "l want you to clearly understand" حيث أدخلت "clearly" بين "to" و"understand".
والتفكير في الأمثلة المذكورة كورة أعلاه يظهر بسرعة أنها متغايرة الخواص إلى حد بعيد، وهناك بعض اللهجات الإنجليزية لا يستخدم فيها أبدا ما يسمى بالنفي المزدوج "أي: لا تستخدم فيها أبدا "l didt do nothing" كمكافئ العبارة: "l did t do anything" في اللغة الإنجليزية المشتركة" غير أن هناك لهجات أخرى تعد فيها -من وجهة النظر الوصفية البحتة- البنية الصحيحة، وعندما تقدم الأسباب لإدانة النفي المزدوج باعتباره غير صحيح -بواسطة بعض المبادئ المعيارية- فيما يتعلق بذلك الاستخدام الفعلي الذي قد يحكم عليها وتوجد على غير المستوى المطلوب يكون المنطق بمثابة محكمة الاستئناف، ويخبرنا المنطق بأنه يقال إن نفيين يصنعان إثباتا، وهو ما يقتضي تعليقات عديدة، أولها إن هذا القول يدل على الفهم الخاطئ لما يقوم به المنطق وكيفية قيامه بها، غير أننا لسنا في حاجة إلى التعمق في البديهات المنطقية، ولا في القضية المعقدة عن كيفية ارتباطا ما يدعى بالمنطق الطبيعي للسلوك اللغوي المعتاد بنظم المنطق التي شيدها المناطقة وبحثوها، والقضية ببساطة أنه لا يوجد شيء مختل منطقيا بشكل متأصل فيما يسمى بالنفي المزدوج، وفي اللهجات التي يستخدم فيها باطراد تؤدي دورها بطريقة منظمة تماما وفق القوانين النحوية ومبادئ التفسير الداخلية لسلوك الجماعات اللهجية، موضع البحث، والقضية الثانية التي تتولد في الذهن أن ما يسمى ببنية النفي المزدوج لا يمكن وصفه وصفا مناصبا كما يؤدي دوره في لهجات إنجليزية معينة دون أن نأخذ في حسابنا عنصري النبر والتنغيم، وتجيز قوانين اللغة الإنجليزية المشتركة "أي: القوانين المتأصلة في السلوك اللغوي للمتكلمين بلهجة إنجليزية معينة" قولك
стр. 75
I didn t do nothing "لتعني على وجه التقريب Its not true"؛ "that I did nothing" بشرط أن تكون didnt منبورة أو أن تكون do أو nothing منطوقة بنبر ثقيل بشكل خاص وذلك مع تضمينات أو افتراضات مسبقة إضافية، وفي اللهجات التي يكون فيها "I didnt do nothing" مع نبر عادي غير مشدد يمكن أن تعني "I didt do anything" يكون لها أيضا المعاني التي لها في اللغة الإنجليزية المشتركة غير أن النبر والتنغيم يمنعان اللبس، وأخيرا يمكن أن نلاحظ وجود لغات كثيرة يذكر فيها ما يطلق عليه بنية النفي المزدوج في اللهجة الأدبية المشتركة وذلك مثل اللغة الفرنسية، واللغة الإيطالية، واللغة الإسبانية، واللغة الروسية -ولا نذكر سوى قلة من اللغات الأوروبية الحديثة الأكثر شيوعا، وحتى أعظم اللهجات مكانة في الإغريقية القديمة- الإغريقية الكلاسيكية كما استخدمت في كتابات أفلاطون "Plato" أو سوفوكليس "sophocles" أو ثوسيديدس "Thucydides" أو المؤسس الأول للمنطق أرسطو "Aristotle" نفسه سيوجد فيها بنية النفي المزدوج على الرغم من أن النحو التقليدي قد أخذ مصادره من وصف اللهجات الأدبية الإغريقية القديمة!
وبعض القواعد المعيارية الأخرى في النحو التقليدي مثل تخطئة انقسام المصدر "to clearly understand" أو الخاصة بـ"Its me" مأخوذة من تطبيق مبادئ وتصنيفات -أسست في المقام الأول لوصف الإغريقية واللاتينية- على اللغة الإنجليزية، واللغات التي تكون فيها الصيغ التي ينطبق عليها مصطلح "مصدر" صيغ أحادية الكلمة هي اللغة الإغريقية واللغة اللاتينية، واللغة الفرنسية، واللغة الجرمانية، واللغة الروسية.. إلخ، وتبعا للنحو التقليدي فإن الصيغ الثنائية الكلمة "to understand"؛ و"to go". إلخ تسمى أيضا مصادر مع أن وظيفتها تشبه جزئيا فقط وظيفة
стр. 76
المصادر اللاتينية، وكما رأينا أخيرا سواء أكانت الصيغة التي يمكن قسمتها "بالمعنى الذي نتحدث فيه عن المصدر المنقسم" أحد المعايير الأساسية التي يطبقها اللغوي ليقرر ما إذا كانت الصيغة موضع البحث صيغة أحادية الكلمة أم صيغة ثنائية الكلمة فمن المفترض أنه بواسطة معايير أخرى وبواسطة تقاليد الكتابة الخاصة باللغة المكتوبة ألا يكون هناك مانع -من حيث المبدأ- من أن ينقسم ما يسمى بالمصدر في اللغة الإنجليزية وهو في الصيغة الثنائية الكلمة، وفيما يتعلق بالنقد الموجه إلى "Its me".. إلخ فإن حقيقة الوضع الذي يشار إليه في النحو التقليدي باعتباره اختلاف في الحالة١ "I في مقابل me، و she في مقابل her، و he في مقابل him ... إلخ" لا يوجد في كل اللغات، كما أنه لا يوجد شيء يمكن أن يميز من خلال وظيفته وخصائصه النحوية كفعل يعني "to be" وأكثر من ذلك فإن اللغات التي فيها كل من الحالة والفعل الذي يمكن تمييزه باعتباره مكافئا لـ"ess" اللاتيني أو "to be" الإنجليزي تتنوع الأبنية الموجودة فيها وتعارض الحالة التي هي عليها بشكل مباشر القانون: الفعل "to be" يأخذ حالة واحدة قبله وبعده، ذلك القانون المعياري المؤسس على اللغة اللاتينية الذي لا يمكن أن يلقى تأييدا على نطاق أكثر اتساعا.
ومما يسترعي الانتباه بشكل كاف أن كثيرا من المتكلمين الذين يعدون من وجهة نظر النحاة التقليديين نماذج جيدة للمتحدثين بالإنجليزية يقولون ويكتبون:
стр. 77
He told you and l, between yuy and l.. إلخ، ومثل هذه الأبنية تنتقض قانونا معياريا آخر للغة الإنجليزية وهو أن "الأفعال وحروف الجر تتحكمان في مفعولهما في حالة المفعولية"، ومن المفترض أن تكون هذه الأبنية قد نشأت نتيجة اللحن الاشتقاقي أي: التوسع في تطبيق بعض الأسس والقوانين -على أساس من الفهم الخاطئ لمجال تطبيقها- على مجموعة من الظواهر لا تنطبق أساسا عليها، وطبيعة القانون المعياري مفهومة خطأ- والكثير من المتكلمين ممن قد يقولون بطريقة طبيعية:
you and me will go" لا يقولون أبدا "me will go" ولا "He told I" ويفسر كبديل عن التوجيه "لمن يعاني رداءة الأداء في اللغة الإنجليزية" بإحلال "you" و"I" مكان "yot" و"me" أو ""me" و"you"" في جميع مواضع ذكرها، وهي لا تؤثر في إنتاج ما يقبل به النحوي التقليدي على أنه صواب فحسب مثل "you and I will go together".... إلخ ولكن تؤثر كذلك في إنتاج ما قد يدينه مثل: "you and I"، و"He told yot and I" إلخ وهو ما لا يتضمن بطبيعة الحال أن المتكلم باللغة الإنجليزية يقول "between you and I و you and I He told" ... إلخ يقوم بنفسه بعملية إجراء التطبيق أو التطبيق الخاطئ للقانون التقليدي، وهذ الأبنية شائعة الآن في كلام المتكلمين باللغة الإنجليزية المشتركة من الطبقتين الوسطى والعليا في إنجلترا لدرجة أنه من الواجب أن يتعلمها ربما معظم أولئك الذي يستخدمونها بطريقة طبيعية في العملية العادية لاكتساب اللغة، وثمة شك ضئيل -رغم ذلك- حول ما إذا كانت نشأتها ترجع إلى عملية اللحن الاشتقاقي.
ولا يمكن للمنطق كما لا يمكن لنحو اللغة اللاتينية أن يكون بمثابة محكمة استئناف عندما نكون بعدد ما إذا كان شيء ما في اللغة الإنجليزية صوابا
стр. 78
أم خطأ، ولا يمكن كذلك أن يكونا سلطة لا معقب لها من التقليد من أجل التقليد ""هذا ما تعلمته وتعلمه آبائي، وما تعلمه آباء آبائي"" ومن أجل استخدام أولئك الذين ينظر إليهم على أنهم أفضل الكتاب في اللغة، وثمة وجهة نظر شائعة في مجتمعنا -أو كانت موجودة حتى وقت قريب- تذهب إلى أن التغير اللغوي يتضمن بالضرورة انحطاطا أو فسادا في اللغة، وهي وجهة نظر لا يمكن الدفاع عنها، فكل اللغات عرضة للتغيير وهي حقيقة ثابتة بطريقة الاستقراء، ومهمة علم اللغة التاريخي أن يبحث تفصيل التغير اللغوي عندما يكون متاحا للبحث، وأن يبني نظرية تفسيرية للتغير اللغوي تسهم في فهمنا لطبيعة اللغة، والعوامل التي تحدد التغير اللغوي معقدة ولا نفهم حتى الآن إلا جانبا منها فحسب، غير أنه يكفي ما هو معروف الآن -وما هو معروف منذ منتصف القرن التاسع عشر- لأن يكون واضحا لأي مراقب غير متحيز للتغير في اللغة أن ما هو مدان في أي وقت باعتباره فسادا أو خطأ في مستويات الاستخدام التقليدية يمكن دائما أن يكون له مثيل في تطور سابق من النوع نفسه في الاستخدام الذي يتعامل معه التقليديون أنفسهم باعتباره صوابا غير قابل للخطأ.
وفيما يتصل بمبدأ اتباع المستويات التي وضعها الكتاب والكبار المعترف بهم فإن هذا المبدأ لا يمكن الدفاع عنه كذلك -عدم إمكانية الدفاع يعني فيما يتعلق بالاستخدام المتداول بشكل عام- فليس من سبب يدعونا للاعتقاد بأن الكاتب -حتى لو كان عبقريا- تحوطه العناية الإلهية بمعرفة موثوقة ومؤكدة للقوانين الخارجية للصواب تمتنع عن بقيتنا، وقد حدث ذلك لدرجة أن اكتسب النحو التقليدي نزعة أدبية قوية إلى حد بعيد، ويرجع ذلك إلى أنه في فترات هامة عديدة في تطور الثقافة الأوروبية من فترة مدرسة الإسكندرية -في القرن الثاني قبل الميلاد إلى عصر النهضة
стр. 79
الإنسانية- خضع الوصف النحوي للإغريقية أولا ثم للاتينية لمهمة عملية تجعل الأدب في المرحلة الأولى متاحا لأولئك الذين لم -وبطبيعة الأشياء لا يستيطعون- يتكلموا بطريقة طبيعية اللهجة الإغريقية أو اللاتينية التي قامت عليها لغة النصوص الكلاسيكية، والنزعة الأدبية للقواعد التقليدية لا يمكن أن توضح توضيحا تاريخيا فحسب بل يمكن تبريريها إلى حد بعيد بقدر ما يلقى وصف الإغريقية واللاتينية من اهتمام، وهو ما لا يمكن تبريره إلى حد بعيد عندما نأتي إلى الوصف النحوي للغات الحديثة المنطوقة.
ولا توجد مستويات صواب مطلقة في اللغة، ونستطيع أن نقول عن أجنبي إنه أخطأ إذا قال شيئا ينتقض القوانين الداخلية في استخدام المتكلمين الأصليين، ونستطيع أيضا أن نقول -إذا أردنا- عن متكلم ممن يتكلمون بلهجة اجتماعية أو إقليمية للغة الإنجليزية إنه تكلم بطريقة مخالفة للنحو لو أن قوله انتقض القوانين الداخلية في اللغة الإنجليزية المشتركة، غير أننا في قولنا هذا نفترض بالطبع أن هذا المتكلم يقصد أو ربما يجب أن يقصد استخدام اللغة الإنجليزية المشتركة، وهو افتراض يحتاج في حد ذاته إلى إثبات.
ويجب أن نؤكد الآن -وهذه نقطة قد أسيء فهمها كثيرا- أنه عند رسم مميز بين الوصف والمعايرة لا يقول اللغوي بعدم وجود مكان على أية حال لتأسيس مستويات الاستخدام ومعايرتها فهناك فوائد تعليمية وإدارية واضحة في عالمنا المعاصر لتوحيد اللهجة الأساسية التي تستخدم في دولة معينة أو في منطقة معينة، وعملية التوحيد هذه حدثت خلال فترة طويلة في بلدان غربية كثيرة يتدخل من الحكومة أو بدون تدخل منها، وهو ما يحدث الآن بشكل متزايد في كثير من البلدان النامية في إفريقيا وآسيا كسياسة رسمية، ومشكلة اختيار لغة معينة، أو لهجة معينة وتوحيدها وتدعيمها على حساب غيرها أمر
стр. 80
محفوف بالمصاعب الاجتماعية والسياسية، وهو قسم مما سنسميه التخطيط اللغوي ويعد أحد القطاعات الهامة في مجال علم الاجتماع اللغوي التطبيقي.
ويجب ألا نعتقد أن إنكار اللغوي لأن يكون كل تغير في اللغة تغيرا للأسوأ يعني ضمنا أن يكون التغير في اللغة تغيرا إلى الأفضل، فهو لا يعبر إلا عن شكوكه في الإعجاب الدال على عدم التفكير في معايير مشكوك فيها تجريبيا، ويسلم بأنه قد يكون من الممكن -من حيث المبدأ- أن نقيم اللهجات واللغات من خلال ما يتصل بها مرونة، وإمكانية التعبير، والدقة، والإمكانيات الجمالية، كما يسلم بالتأكيد بأن استخدام المتكلمين والكتاب -الأفراد- للهجتهم أو لغتهم يتفاوت فعاليته، ومع ذلك لا يستطيع إلا أن يقرر -على أساس من العمل الأكثر اتصافا بالعلمية الذي أجري على اللغة واللغات في الأعوام الأخيرة- أن معظم الأحكام حول هذه الأمور ذاتية إلى حد بعيد، واللغوي باعتباره أحد أفراد الجماعة اللغوية له تحيزاته الخاصة وهي إما تتصل به شخصيا أو تستمد من خلفيته الاجتماعية والثقافية والجغرافية، وقد يكون محافظا أو تقدميا حسب مزاجه، ومواقفه تجاه لغته الخاصة لن تكون أقل ذاتية في هذا الخصوص من مواقف غير المتخصص، فقد يجد في نبرة معينة أو لهجة معينة ما يرضيه أو ما لا يرضيه، وقد يصحح حتى كلام أطفاله إذا وجدهم يستخدمون طريقة في النطق أو كلمة أو تركيبا نحويا يتجهم له المتشددون، لكنه وهو يفعل ذلك -إن كان صادقا مع نفسه- يعرف أن ما يصححه ليس خطأ متأصلا، لكنه خطأ متصل ببعض المستويات التي يرغب لأولاده أن يتبنوها لأسباب تتصل بالمكانة الاجتماعية أو الفائدة التربوية.
وبقدر ما يلقى موقفه من اللغة الأدبية من عناية يكشف اللغوي ببساطة أن اللغة تستخدم في العديد من الأغراض، وأن استخدامها فيما يتصل بهذه الأغراض لا يجب أن يحكمه معايير يمكن تطبيقها على اللغة الأدبية، بمفردها أو عليها بصفة أساسية، وهذا لا يعني أنه يعادي -بأي شكل من الأشكال- الأدب أو دراسة الأدب في مدارسنا وجامعاتنا، فعلى العكس من ذلك نجد كثيرا من اللغويين لهم اهتمام خاص بالبحث في الأغراض الأدبية التي توظف لها اللغة ويكمن نجاحها في تحقيق تلك الأغراض، وهو ما يعد جزءا -هاما إلى حد بعيد- من الفرع المعروف بعلم الأسلوب في علم اللغة الموسع.
стр. 81
خامسا: أولوية الوصف التزامني .
مبدأ أولوية الوصف التزامني الذي يميز معظم النظرية اللغوية في القرن العشرين يعني ضمنا ألا تكون الاعتبارات التاريخية متصلة بموضوع بحث حالة متعلقة بزمن معين للغة ما، وقد ورد من قبل مصطلحا دي سوسير: وصفي "Synchronic" وتاريخي "diachronic" انظر ٢ - ١" ويمكننا أن نستخدم إحدى ثنائيات دي سوسير لنوضح أولوية الوصف التزامني على الوصف التاريخي.
دعنا نقارن التطور اللغوي للغة معينة بمباراة شطرنج تدور أمامنا، فحالة المسطح الخشبي تتغير باستمرار كما أدى لاعب حركته، ورغم ذلك فإنه في أي وقت من الأوقات يمكن أن يوصف وضع المبارة وصفا إجماليا من خلال الأوضاع التي تشغلها قطع الشطرنج "وفي الواقع إن هذا الوصف ليس صحيحا تماما فعلى سبيل المثال يتأثر وضع المبارة بقدر ما تلقى إمكانيات التحصين من عناية بتحريك الملك من مكانه الأصلي وإليه، ويمكن أن نهمل مثل هذه النقاط التفصيلية الثانوية التي يمكن أن تتحطم فيها ثنائية دي سوسير" دون اهتمام بخطط اللاعبين التي بلغت وضعا محددا في المبارة، وبغض النظر عن عدد
стр. 82
الحركات السابقة أو طبيعتها أو ترتيبها، فالحالة الراهنة للمبارة يمكن أن توصف وصفا تزامنيا دون الإشارة إليها، وكذلك الأمر تبعا لسوسير فيما يتعلق بالتطور التاريخي للغات فكل اللغات تتغير باستمرار لكن كل حالة من الحالات المتعاقبة للغة ما يمكن -ويجب- أن توصف في حد ذاتها دون الإشارة إلى الحالة التي تطورت منها أو التي يبدو أنها ستتطور إليها.
وقد يبدو ذلك كله نظريا ومجردا بدرجة عالية غير أن له تضمينات عملية إلى حد بعيد، أولها يتعلق بما سأدعوه الزيف التأصيلي، والتأصيل١ دراسة أصول الكلمات وتطورها، وقد أخذ وجهته -بقدر ما تلقى التقليدية النحوية الغربية من اهتمام- في تأملات بعض الفلاسفة الإغريق في القرن الخامس قبل الميلاد ويكشف مصطلح التأصيل عن نفسه بنفسه، فالمصطلح يتضمن الحروف اللاتينية التي تكتب بها صيغة الكلمة الإغريقية "etumos" ومعناها أصلي أو حقيقي، وتبعا لإحدى مدارس فلاسفة القرن الخامس ترتبط كل الكلمات -بطريقة طبيعية أكثر منها عرفية- بما تشير إليه، وقد لا يكون هذا الارتباط واضحا لغير المتخصص غير أن الفلاسفة يستطيعون توضيحه حيث يستطيعون إبانة الحقائق التي تقع وراء مظاهر الأشياء، واختراق المظاهر المختلفة عادة بالتحليل الدقيق للتغيرات التي تحدث في تطور صيغة كلمة ما أو معناها للكشف عن أصل الكلمة، ويكشف معناها الحقيقي عن إحدى حقائق طبيعتها، وما أشرت إليه بالزيف التأصيلي هو ذلك الافتراض الذي يذهب إلى أن الصيغة الأصلية أو المعنى الأصلي لكلمة ما -بالضرورة وبفضل الحقيقة المجردة- هي الصيغة الصحيحة أو المعنى الصحيح، وهذا
стр. 83
الافتراض يتمسك به على نطاق واسع، كيف نواجه عادة القول بأن كلمة كذا وكلمة كذا بسبب مجيئها من اللغة الإغريقية، أو اللغة اللاتينية، أو اللغة العربية، أو أي لغة أخرى يجب أن يكون معناها الصحيح في لغة الأصل؟ وهذا القول غير صحيح؛ لأن الافتراض المفهوم ضمنا الحقيقة الأصلية أو التوافق المناسب بين الصيغة والمعنى التي يقوم عليها القول لا يمكن إقامة الدليل عليه.
وقد قام التأصيل في القرن التاسع عشر على أقدام ثابتة أكثر مما كان عليه في الفترات السابقة، وليس هناك أنسب مما قرره فولتير "voltaire" من أن التأصيل علم لا تلقى فيه الحركات اهتماما بينما تلقى الصوامت قليلا من الاهتمام، ويعد التأصيل -كما يمارس اليوم- فرعا هاما من فروع علم اللغة التاريخي وللتأصيل -كما سنرى في الفصل السادس- أسسه المنهجية الخاصة التي تعتمد بشكل موثوق به على شواهد كمية ونوعية تحتشد عليها، وفي أمثلة مواتية تكون الثقة في إعادة البناء التأصيلي حقيقية إلى حد بعيد.
ومن النقاط التي أصبحت واضحة لعلماء التأصيل في القرن التاسع عشر، ويسلم بها الآن كل اللغويين أن معظم كلمات معجم أي لغة من اللغات لا يمكن العودة بها إلى أصولها، والكلمات التي خلقت عن عمد عن طريق استعارة صيغ من لغات أخرى أو باستخدام أي قاعدة أخرى ليست نموذجا للمفردات ككل، وينطبق ذلك أيضا -وبالتأكيد- على ما يعتبر مفردات أكثر أساسية وغير اصطلاحية في لغة من اللغات، وما يقوم به عالم التأصيل اليوم أنه يربط الكلمات الخاصة بحالة لغة ما يمكن وصفها وصفا تزامنيا بما يصدق عليها أو بما أعيد بناؤه من حالات سابقة من اللغة نفسها أو من بعض اللغات الأخرى، لكن كلمات الحالة السابقة للغة نفسها أو كلمات اللغة الأسبق تطورت هي أيضا من كلمات أخرى قبلها، وما إذا كانت الصيغ أو المعاني الخاصة بهذه
стр. 84
الكلمات الأسبق يمكن أن تكشف عنها وسائل علم التأصيل أم لا يعتمد على الشواهد الباقية على قيد الحياة، فعلى سبيل المثال يمكن أن تربط الكلمة الإنجليزية المعاصرة "ten" بالكلمة الإنجليزية القديمة التي صيغتها إما "ten" "بحركة طويلة" أو "tien" ويمكننا أن نربط الكلمة الإنجليزية القديمة -من خلال حالات افتراضية متعاقبة- بالكلمة الهندية الأوروبية الأم المعاد بناؤها بالصيغة: "dekm" ومعناها أيضا "ten" لكننا لا نستطيع أن نذهب بأي قدر من الثقة وراء ذلك، وحتى الكلمة الهندية الأوروبية الأم "dekm" -العلامة النجمية التي تتصدر الكلمة تبين أنها معادة البناء وليست حقيقية "انظر: ٦ - ٣"- لا تعد بشكل واضح أصلا بأي معنى تام لكل الكلمات التي تطورت منها في اللغات التي يمكن أن نحدد هويتها على أنها تنتسب إلى الأسرة الهندية الأوروبية، فمن المؤكد أنها نفسها قد تطورت من كلمة أخرى "قد تكون وقد لا تكون بمعنى "ten" - لا توجد طريقة لمعرفة ذلك" تنتسب إلى معجم لغة أخرى، وهذه الكلمة بدورها جاءت من كلمة أخرى أسبق في لغة أخرى وهلم جرا، وعموما فإن علماء التأصيل لا يعنون هذه الأيام بأصول الكلمات، وفي الحقيقة إنهم يذهبون إلى أنه في كثير من الأمثلة "مثل كلمة "ten"" لا معنى للاستفسار عن أصل كلمة ما، وكل ما يستطيع علماء التأصيل أن يخبرونا به -بثقة تزيد وتنقص حسب الدليل- أن كذا وكذا هو الصيغة أو المعنى الخاص بكلمة معينة لسلف مفترض أو معروف بشكل ممعن في القدم.
ويصل بنا ذلك إلى طريق من أكثر الطرق التي تتحطم فيها ثنائية سوسير وضوحا، فكل مبارة شطرنج تدور وفق قواعد، وهي تامة أي: لها بداية محددة ونهاية محددة، وذلك بخلاف اللغة، ولا ينحصر ذلك في قضية أن اللغات "بقدر ما نعلم" بدأت من وضع واحد ثم تطورت بأشكال مختلفة،
стр. 85
لكن من المستحيل أن نؤرخ لبداية لغة من اللغات إلا إذا كان الأمر لا يتعدى الاتفاق الاعتباطي والتقريب، فلا نستطيع على سبيل المثال أن نقول في أي وقت صارت اللغة اللاتينية المنطوقة لغة فرنسية قديمة أو لغة إيطالية أو لغة أسبانية، ولا نستطيع أن نقول في أي وقت انتهت لغة من اللغات باستثناء اللغات التي أصبحت هامدة بشكل مفاجئ إلى حد ما في الوقت الذي مات فيه آخر متكلم أصلي بها، فاللغات من وجهة النظر التاريخية ليس لها بدايات محددة أو نهايات محددة، وما إذا كنا سنذهب إلى أن اللغة الإنجليزية القديمة واللغة الإنجليزية الحديثة حالتان للغة واحدة أم أنهما لغتان مختلفتان هو في الملاذ الأخير حالة من الاتفاق والموائمة.
ويوجد كذلك طريق آخر تتحطم عليه ثنائية دي سوسير، فمباراة الشطرنج تحكمها قواعد مصوغة بوضوح وفي إطار يخضع لهذه القواع، ويحدد اللاعبون مجرى أي مباراة فهي بين لاعبين أحدهما في مواجهة الآخر، ويحددون أيضا الهدف المعترف به منه، وبقدر ما نعلم ليس هناك اتجاه في التطور التاريخي للغات وربما كانت هناك مبادئ عامة معينة تحدد مراحل الانتقال من حالة للغة ما إلى حالة أخرى، ولكن حتى إذا وجدت مثل هذه المبادئ فلا يمكن مقارنتها مع قوانين مباراة يجريها الإنسان مثل الشطرنج، وسوف نلقي نظرة على ما يطلق عليه قوانين التغير اللغوي في الفصل السادس.
ومبدأ أولوية الوصف التزامني يفهم منه عادة أنه يحمل ما يتضمن أنه بينما يعتمد الوصف التزامني على الوصف التاريخي فإن الوصف التاريخي يفترض سلفا التحليل التزامني السابق للحالات المتتابعة التي تمر من خلالها اللغة في مجرى تطورها التاريخي، وربما لم يمكن هذا وجهة نظر سوسير لكنه يترتب بالضرورة على ما يعد افتراضات مقبولة الآن على نطاق واسع حول طبيعة النظم اللغوية
стр. 86
ويتحدث اللغويون أحيانا بطريقة غامضة إلى حد ما كما لو كان مرور الوقت في حد ذاته كافيا لتوضيح تغير اللغة، وهناك عوامل كثيرة مختلفة داخل اللغة وخارجها يمكن أن تكون سببا في تغير حالة تزامنية إلى حالة تزامنية أخرى، وبعض هذه العوامل -وربما كان أكثرها أهمية- اجتماعية، ومرور الزمن وحده يسمح لهذا التفاعل المعقد أن يحدث ما يميز فيما بعد كمرحلة انتقال من حالة للغة لحالة أخرى.
وأكثر من ذلك فإن مفهوم التطور التاريخي بين الحالات المتعاقبة للغة ما يكون ذا أهمية إذا ما طبق فقط على ما يتصل بالحالات اللغوية التي تبتعد نسبيا فيها الواحدة عن الأخرى من حيث الزمن، وقد أشرت من قبل لما أسميته تصور التجانس وهو مفيد وضروري فيما يتصل بهذا الموضوع، وعلى كل حال إذا افترضنا أن التغير اللغوي يشمل تحويلا مستمرا عبر الزمن لما يكون في أي وقت نظاما لغويا متجانسا إلى حد بعيد، فإن العملية الكاملة للتغير في اللغة ستبدو أكثر غموضا بكثير عما هي عليه في الحقيقة، وما يميز كلام مجموعة قليلة من أفراد جماعة لغوية لا وزن لها من حيث الظاهر في وقت من الأوقات قد ينتشر فيما بين معظم الجماعة عبر جيل واحد أو جيلين، وربما كان مشروعا إلى حد بعيد للغوي الذي يصف اللغة وصفا تزامنيا في أي من هاتين النقطتين الزمنيتين أن يهمل كلام الأقلية المختلف، لكنه إذا فعل ذلك واستمر يتكلم تاريخيا من أن أحد النظم اللغوية المتجانسة من الناحية التزامنية قد تحول إلى نظام لغوي آخر متجانس بصورة مماثلة فإنه سيكون متهما بتشويه الحقائق، وأسوأ من ذلك أنه يخاطر بأن يخلق لنفسه مشكلات نظرية زائفة لا حل لها، وبالمرة فإننا ندرك أنه ليست هناك لغة ثابتة أو موحدة حتى الآن، وبذلك نكون قد خطونا الخطوة الأولى تجاه التفسير النظري لاستمرارية التغير اللغوي من حيث الزمان، ومن حيث المكان، ولو أننا أخذنا حالتين تاريخيتين محددتين للغة ما لم تفصل بينهما فترة زمنية طويلة فمن المحتمل أن نجد أن معظم الاختلافات، بينهما موجودة كذلك كتنوع تزامني في كلا المرحلتين السابقة واللاحقة، ومن وجهة النظر المجهرية -باعتبارها متميزة عن وجهة النظر المجردة التي يتبناها المرء عادة في علم اللغة التاريخي- من المستحيل أن نرسم مميزا حادا بين التغير التاريخي والتنوع التزامني.
والخلاصة إن مبدأ أولوية التنوع التزامني صحيح لكنه بدلا من أن يعتمد على تصور التجانس يجب أن يطبق بوعي وإدراك تام للحالات النظرية الخاصة بتصور النظام اللغوي، وهو ما يتصل بالنقطة التي سنتحول الآن إليها.
стр. 87
سادسا: البنية والنظام
من تعريفات اللغة التي اقتبستها في الفصل الأول تعريف تشومسكي "مجموعة محدودة أو غير محدودة" من الجمل، كل جملة محدودة في الطول، ومركبة من مجموعة محدودة من العناصر" "انظر: ١ - ٢" ودعنا نتبنى هذا التعريف باعتباره تعريفا جزئيا لمصطلح "النظام اللغوي" الذي أدخلناه -وسوف نعود إليه- لتوضيح بعض اللبس الذي يرتبط بالكلمة الإنجليزية١ "Language".
وبقدر ما تتصف النظم اللغوية بهذا التعريف بالثبات والوحدة لا يمكن أن تتطابق مع اللغات الطبيعية الحقيقية فهي أبنية نظرية يفترضها اللغوي لشرح تلك الأشياء المطردة التي يجدها في السلوك اللغوي لأفراد جماعة لغوية معينة، وبصورة أكثر وضوحا في الإشارات اللغوية التي تعد نتاجا لسلوكهم
стр. 88
اللغوي، واللغات الطبيعية الحقيقية -كما رأينا- ليست ثابتة ولا متجانسة، وعلى كل حال فهناك ثبات وتجانس كافيان في كلام أولئك الذين نعتبرهم بشكل عام متكلمين بلغة واحدة لافتراض اللغوي لنظام لغوي تحتي مشترك نافع ومسوغ بطريقة علمية ما لم يكن بصدد التعامل صراحة مع الاختلاف التاريخي والتزامني، وخلال الفصول الثلاثة القادمة سوف نسلم بصحة مفهوم النظام اللغوي كما هو محدد ومفسر هنا.
والإشارات اللغوية التي يصدرها المتكلم الإنجليزي في فترة زمنية محددة بعضها يصنف على أنها جمل للغة وبعضها لا يصنف على أنها كذلك، ولسنا في حاجة إلى أن نستفسر في هذه المرحلة عن المعايير التي يتم بفضلها هذا التقسيم إلى جمل ولا جمل، ويوجد بشكل واضح مبادئ تحدد بناء نصوص ومقالات أكثر اتساعا، وأكثر من ذلك، فإن بعض هذه المبادئ يمكن بشكل معقول أن يتهم أي شخص يخل بها بكسر قواعد اللغة، ورغم أن الافتراض التقليدي الذي يذهب إلى أن معظم -إن لم يكن كل- ما تشمله معرفة لغة من اللغات يمكن تفسيره بواسطة بناء الجمل وتفسيرها لم يسلم في السنوات الأخيرة من التحديات فإنه لا يزال مقبولا لدى أغلبية اللغويين.
دعنا نقول إن الجمل هي تلك التي تحددها علامة الترقيم في اللغة المكتوبة حسب ما هو متعارف عليه، واللغات الطبيعية -كما رأينا- لها خاصة إمكانية التحول في الوسيلة "انظر: ١ - ٤"، وهذا يعني -بصفة عامة- أن أي جملة في اللغة المكتوبة، يمكن أن توضع في حالة تناظر مع جملة في اللغة المنطوقة والعكس بالعكس، والجمل المنطوقة -بطبيعة الحال- ليست مرقمة كذلك بأي شيء مكافئ على نحو دقيق للحرف الكبير الابتدائي أو للنقطة التي تختم بها الجملة أو علامة الوقف التام للجمل المكتوبة، ومع ذلك نستطيع
стр. 89
لأغراضنا الحالية أن نقيم تكافؤا غير دقيق ولكنه واف بالغرض بين علامات الترقيم في لغة مكتوبة وأنماط التنغيم في اللغة المنطوقة المناظرة لها.
وقد ظهر مصطلح "بنية" بصورة بارزة في علم اللغة الحديث كما ظهر في كثير من فروع المعرفة، ولو أننا تبنينا وجهة النظر التي عبر عنها لأول مرة سوسير وهي مقبولة الآن لدى كل أولئك الذين يؤيدون مبادئ البنيوية فلن نقول إن نظاما لغويا ما له بنية فحسب ولكن إنه بنية ما، فعلى سبيل المثال بقدر ما تتشاكل اللغة الإنجليزية المنطوقة واللغة الإنجليزية المكتوبة "أي: يكون لها بنية واحدة" تكونان لغة واحدة، وليس هناك قاسم مشترك بينهما إلا البنية التي تشتركان فيها، والنظام اللغوي نفسه -من حيث المبدأ- مستقل عن الوسيلة التي يتحقق بها، فهو بهذا المعنى بنية مجردة تماما.
والنظم اللغوية أبنية مزدوجة المستوى أي: لها خاصة الازدواجية "انظر: ١ - ٥" فالجمل المنطوقة ليس مجرد مجموعة مؤتلفة من العناصر الفونولوجية، فهي أيضا مجموعة مؤتلفة من الوحدات النحوية، وتعريف تشومسكي الجزئي للنظام اللغوي باعتباره مجموعة من الجمل كل جملة منها محدودة في الطول ومركبة من مجموعة عناصر محدودة يجب أن يتسع ليأخذ في اعتباره هذه الخاصة الجوهرية في اللغات الطبيعية، ومن المحتمل منطقيا أن يتشاكل نظامان لغويان في مستوى دون أن يتشاكلا في المستوى الآخر، وفي الواقع كما أوضحنا من قبل أنه بسبب التشاكل الوثيق بصورة كافية من الناحية النحوية فإن ما يعرف بلهجات اللغة الصينية "على الرغم من أنها بعيدة عن أن تكون متشاكلة من الناحية الفونولوجية" يمكن أن توضع لغة واحدة مكتوبة غير أبجدية في حالة تناظر حسن على حد سواء مع كل منها، ومن المحتمل كذلك أن تتشاكل اللغات من الناحية الفونولوجية لكنها لا تتشاكل من النحوية وهذا الاحتمال يتحقق بدرجة تزيد أو تنقص لنقل من خلال متكلم
стр. 90
أصل اللغة الإنجليزية يتكلم لغة فرنسية سليمة من الناحية النحوية بلكنة إنجليزية رديئة بصفة خاصة، والأكثر إثارة أن استقلال النحو والفونولوجيا يظهر عادة بشكل مثير إلى حد بعيد في عملية التوليد اللغوي "انظر: ٩ - ٣".
اللغات الطبيعية إذن لها مستويان للبنية وهذان المستويان مستقلان بمعنى أن البنية الفونولوجية للغة ما لا تحددها بنيتها النحوية، ولا نرغب على أي حال في أن نقول إن أي لغتين طبيعيتين يلزم أن يكون من الممكن سماع كل جملة منطوقة أو مكتوبة كما لو كانت جملة في اللغة الأخرى "مع اتحاد المعنى أو اختلافه"، غير أنه يحدث بشكل متكرر كنتيجة لاستقلال البنية النحوية والبنية الفونولوجية أن لا تمثل مجموعة واحدة مؤتلفة من العناصر "أصوات في الكلام وحروف في الكتابة الأبجدية" جملة واحدة بل جملتين أو أكثر، وقد تتميز هذه الجمل الواحدة منها عن الأخرى بالتنغيم أو علامات الترقيم مثلما يمكن أن يبدو على هذا النحو:
١- John says Peter has been here all the time ١.
٢- ٢John says Peter has been here all the time.
في اللغة الإنجليزية المكتوبة بواسطة الترقيم، وتتميز عادة الجملتان ١، ٢ الواحدة منهما عن الأخرى في اللغة الإنجليزية المنطوقة بواسطة نمط التنغيم المركب عليهما، غير أنه يمكن أن تمثل مجموعة واحدة مؤتلفة من العناصر أكثر من جملة واحدة حتى بدون اختلاف في نمط التنغيم أو علامات الترقيم فعلى سبيل المثال.
стр. 91
٣- ١we watched her box
يمكن أن تكون إحدى جملتين إنجليزيتين، تكون "her" في إحداهما صيغة -صفة "انظر: his" وتكون "box" صيغة- اسم "انظر: suitcase"؛٢ وفي الأخرى تكون "her" صيغة -ضمير، ":انظر: him"، وتكون "box" صيغة- فعل "انظر: wrestle""؛٣ ولسنا في حاجة إلى القلق على تبرير التحليل النحوي التقليدي للجملة "٣"، والذي نحتكم إليه تلميحا، وهو أمر سوف نشرع في معالجته فيما بعد، ويفي بالغرض الآن أنه يجب أن نثبت أن الجمل -كما تعرف تقليديا- لا يمكن تمييز الواحدة عن الأخرى بواسطة العناصر الفونولوجية التي تتركب منها، وفي الواقع كما يمكن أن نرى من الجملة "٣" لا يمكن تمييزها حتى من خلال الوحدات النحوية التي تتركب منها دون أن نأخذ في الاعتبار جوانب أخرى من البنية النحوية تشمل مهمة الوحدات النحوية التي يطلق عليها تقليديا "أقسام الكلام" "اسم، فعل، صفة..... إلخ".
والوحدات النحوية التي تتكون منها الجمل لا تشبه العناصر الفونولوجية فهي كثيرة كثرة هائلة، ومع ذلك فهي تمثل العناصر الفونولوجية محدودة العدد، دعنا نقول إن كل نظام لغوي يفترض سلفا وجود قائمة محدودة من العناصر ومفردات محدودة من الوحدات "البسيطة" بالإضافة إلى مجموعة من القواعد "قد تكون من أنواع عديدة" تقيم علاقة متبادلة بين مستويي البنية, وتخبرنا عن أي المجموعات المؤتلفة من الوحدات تكون جملا في النظام اللغوي وأي منها -بشكل ضمني إن لم يكن بشكل صريح- لا تكون جملا فيه، ويجب أن يلاحظ -كما سنرى فيما بعد- أن مفردات لغة ما ليست
стр. 92
مجموعة وحدات نحوية فقط، ولا يؤثر على جوهر ما قلناه هنا تعديلات أو تهذيبات اصطلاحية قد تدخل في الفصول التالية:
وفيما نحن بصدده يمكن أن نعتبر ما يطلق عليه "الوحدات النحوية" صيغا أي مجموعة مؤتلفة من العناصر تكون كل مجموعة مؤتلفة يمكن تمييزها صيغة مميزة، لكن الصيغ بهذا المعنى لها معنى، ومعانيها بعيدة عن أن تكون مستقلة عن وظائفها النحوية وهو ما يتضح في حالة صيغة "her" و"box" في الجملة "٣" وبالنظرة التقليدية يجب أن يكون هناك كلمتان "على الأقل" مختلفتان في مفردات اللغة الإنجليزية دعنا نمثل لهما "بعلامات اقتباس مفردة" بـ"box١" و"box٢" على الترتيب، وتختلف هاتان الكملتان في كل من المعنى والوظيفة النحوية لكنهما تشتركان في صيغة واحدة "box"، وسوف نجعل فيما بعد ذلك المميز التقليدي بين صيغة ما والوحدة التي تكون منها هذه الصيغة أكثر وضوحا، وسنرى ونحن نفعل ذلك أن مصطلح "كلمة" -كما يستخدمه كل من اللغويين وغير المتخصصين- ملبس بدرجة كبيرة.
وكل جملة -وفقا لتعريفها "صحيحة البنية" "well - formed" من الناحية النحوية ومن الناحية الفونولوجية في النظام اللغوي التي تكون فيه جملة، ومصطلح "صحيح البنية" أكثر اتساعا من المصطلح الأكثر تقليدية "الصواب النحوي" "grammatical" لكنه يندرج تحته، وطبيعة "الصواب النحوي" أي: صحة التركيب النحوي" سنناقشه في الفصل الرابع، ويكفي هنا ألا نجعل "صحة البنية" "ويشمل الصواب النحوي" يلتبس بالمقبولية أو إمكانية الاستخدام أو حتى إفادة المعنى، فهناك جمل كثيرة بلا حدود في اللغة الإنجليزية وفي اللغات الطبيعية الأخرى
стр. 93
لا تذكر عادة لأسباب متنوعة فهي قد تحتوي على مجاورة غير مقبولة لقول فاحش أو كلمات كفرية، وربما كانت مربكة من الناحية الأسلوبية، أو معقدة بصورة مفرطة من وجهة النظر السيكولوجية، وربما كانت متناقضة مع نفسها، وربما كانت تصف مواقف لا تحدث في عالم المجتمع الذي يستخدم اللغة موضع البحث، وأي مجموعة مؤتلفة من عناصر أو وحدات لغة معينة "L" ليست صحيحة التركيب بواسطة قوانين اللغة "L" تكون عليلة التركيب فيما يتعلق باللغة "L" والمجموعات العليلة التركيب المؤتلفة من عناصر أو وحدات يمكن تمييزها بالعلامة النجمية١ المتقدمة عليها لذلك فإن الجملة:
٤- He werent doing nothig.
جملة عليلة التركيب، وهي في الواقع غير صحيحة نحويا فيما يتعلق باللغة الإنجليزية المشتركة، ومع ذلك فهي صحيحة البنية في بعض اللهجات الإنجليزية غير المشتركة، ويوضح هذا المثال النقطة الأعم إذ إن اللغات المختلفة قد تتركب من ذات العناصر والوحدات، ويكون ما هو "صحيح البنية" في لغة من اللغات "عليل البنية" فيما يتعلق بلغة أخرى، ومع أن هذه النقطة قد أوضحت بشأن لهجتين للغة واحدة إلا أن الأمر يرتبط من حيث المبدأ بما يعد لغات مختلفة تماما.
ويمكن أن يقال أكثر من ذلك هنا عن بنية النظم اللغوية، ومن الأفضل أن يترك ذلك إلى الفصول التي ستعالج الفونولوجيا، والنحو، والدلالة حيث
стр. 94
يمكن أن نعرض النقاط العامة بشكل تدريجي، وأن نضرب لها الأمثلة مع تفصيل أعظم١.
وقد بدأنا هذا القسم بقبول تعريف تشومسكي للغة "أي: النظام اللغوي" كمجموعة من الجمل، ومن الأفضل أن تعتقد أن النظام اللغوي يتكون من قائمة محتويات من العناصر، ومفردات الوحدات، والقوانين التي تحدد الجمل صحيحة البنية على كلا المستويين، وهو ما سنفعله من الآن، ومع الأخذ والرد وفي ظل تعريف مناسب للجملة تتطابق طريقتا التفكير في النظم اللغوية.
стр. 95
الفصل الثالث: أصوات اللغة
أولا: الوسيلة الصوتية
مع أن النظم اللغوية مستقلة إلى حد بعيد عن الوسيلة التي تتحقق١ من خلالها فإن الأداة الأساسية أو الطبيعية للغات الإنسانية هي الأصوات، ولهذا السبب كانت دراسة الأصوات أكثر أهمية -في علم اللغة- من دراسة الكتابة أو الايماءات أو أي وسيلة أخرى سواء أكانت موجودة بالفعل أم موجودة بالقوة، ولا يهتم اللغوي بالأصوات في حد ذاتها ولا بالإطار الكلي لها، إنه يهتم بالأصوات التي تصدرها أعضاء النطق الإنسانية بقدر ما يكون لهذه الأصوات دور في اللغة، ودعنا نشير إلى هذا الإطار المحدود من الأصوات بالوسيلة الصوتية، ونشير إلى هذا الإطار المحدود من الأصوات بالوسيلة الصوتية، ونشير إلى الأصوات الفردية داخل هذا الإطار بأصوات الكلام، ويمكننا أن نعرف علم الأصوات "phonetics" الآن بأنه دراسة الوسيلة الصوتية.
ويجب أن نؤكد أن علم الأصوات يختلف عن الفونولوجيا، وأصوات الكلام لا تتطابق مع العناصر الفونولوجية التي أشرنا إليها في أقسام سابقة،
стр. 96
فالفونولوجيا كما رأينا جانب من دراسة النظم اللغوية ووصفها، يختلف عن النحو ويختلف أيضا عن الدلالة، وتعتمد الفونولوجيا على نتائج علم الأصوات "على الرغم من اختلافها تبعا للنظريات المختلفة في الفونولوجيا" لكنها بخلاف علم الأصوات لا تتناول الوسيلة الصوتية في حد ذاتها, وتعالج الأقسام الثلاثة الأولى من هذا الفصل -بشكل مبسط قدر الإمكان- التصورات والتصنيفات الأساسية في علم الأصوات وذلك لأهميتها في فهم نقاط أثيرت في مكان آخر من هذا الكتاب، وتعالج أيضا مجموعة العلامات أو الرموز التي تستخدم عند تناولها، ولا يقصد بهذه الأقسام أن تكون مدخلا مرضيا لما أصبح في السنوات الأخيرة فرعا متخصصا رحب الأفق إلى حد بعيد من فروع علم اللغة.
ويمكن دراسة الوسيلة الصوتية من وجهات نظر ثلاث على الأقل: النطق، والتجريب، والسمع، فعلم الأصوات النطقي يبحث أصوات الكلام ويصنفها من جهة طريقة إنتاج أعضاء النطق لها، ويبحثها ويصنفها علم الأصوات التجريبي١ من جهة الخصائص الفيزيائية للموجات الصوتية التي يحدثها نشاط أعضاء النطق، وتنتقل عبر الهواء من المتكلم إلى المستمع، ويبحثها ويصنفها علم الأصوات السمعي من جهة الطريقة التي تستقبل بها أصوات
стр. 97
الكلام وتميز من قبل أذن١ المستمع ومخه، وأقدم هذه الفروع تأسيسًا وأكثرها تطورا حتى عهد قريب علم الأصوات النطقي٢، ولهذا السبب فإن معظم المصطلحات التي يستخدمها اللغويون ليشيروا بها إلى أصوات الكلام نطقية في الأصل، وسنتبنى وجهة النظر النطقية فيما سنتناوله في هذا الكتاب.
ومع ذلك فهناك حقائق عديدة اكتشفها علم الأصوات التجريبي وعلم الأصوات السمعي أو صدقا عليها وبالأخص الأول الذي شهدت السنوات الخمسة والعشرون أو الثلاثون الماضية تقدما عظيما له فلا يستطيع أن يتجاهله
стр. 98
أحد ممن يهتمون باللغة اهتماما جادا، وربما كانت أكثر هذه الحقائق أهمية أن تكرار ما يمكن أن يسمع على أنه قول واحد يكون بمثابة تطابق توافقي وليس تطابقا فيزيائيا "أي: تجريبيا" فالتطابق الصوتي "بخلاف التطابق الفونولوجي كما سنرى في القسم التالي" نموذج نظري، وفي الممارسة العملية لا يمكن لأصوات الكلام التي تصدرها الكائنات الإنسانية- حتى أولئك الذين تلقوا تدريبا صوتيا عاليا- إلا أن تقترب من هذا النموذج بدرجة أو بأخرى، فالتشابه الصوتي وليس التطابق الصوتي هو المعيار الذي نمارس به عملنا في التحليل الفونولوجي للغات، والتشابه الصوتي متعدد الأبعاد من وجهات النظر النطقية، والتجريبية، والسمعية، ولنأخذ ثلاثة أصوات كلامية z و y و x فربما كانت x أكثر شبها، y من z في بعد معين لكنها أكثر شبها بـ z في بعد آخر.
وقد أكد علم الأصوات التجريبي الحقيقة التي أسسها علم الأصوات النطقي التي تذهب إلى أن الجمل المنطوقة التي تعد إشارات فيزيائية تنتقل عبر الهواء ليست تتابعات صوتية منفصلة، ويصدر الكلام بإصدار الأصوات سلاسل متصلة، ولا توجد فجوات بين الأصوات التي تتكون منها الكلمات المنطوقة كما لا توجد وقفات بين الكلمات أيضا "فيما عدا تلك الأحوال التي يتلعثم فيها المتكلم بشكل مؤقت أو عندما يتبنى أسلوبا خاصا في الإلقاء للإملاء أو لأي غرض آخر"، وينقسم الكلام المتواصل إلى تتابعات من الأصوات الكلامية من خلال الانتقال المميز الظاهر للعيان بدرجة أو بأخرى بين حالة إشارية ثابتة نسبيا وحالة أخرى سابقة أو لاحقة ثابتة نسبيا كذلك، وهذه النقطة سنضرب لها أمثلة فيما يلي من وجهة نظر نطقية، ومن الأهمية أن نذكر -مع ذلك- أن التجزئة على أساس المعيار التجريبي البحت تعطي دائما نتائج مختلفة تماما عن التجزئة التي تنفذ على أساس المعيار النطقي البحت أو المعيار السمعي البحت.
стр. 99
واندماج الأفرع الثلاثة الخاصة بعلم الأصوات ليس أمرا سهلا، وأكثر الأمور أهمية وإثارة من حيث المبدأ أن إحدى نتائج علم الأصوات التجريبي أنه لا توجد علاقة متبادلة مباشرة يمكن تأسيسها بين بعض أكثر الأبعاد النطقية وضوحا في الكلام وبين الحدود التجريبية المماثلة مثل الذبذبة واتساع الموجات الصوتية، وحتى نجعل هذه النقطة أكثر عمومية فيما يتعلق بالأفرع الثلاثة الخاصة بعلم الأصوات نقول إن تصنيفات علم الأصوات النطقي، وعلم الأصوات التجريبي، وعلم الأصوات السمعي لا تتطابق بالضرورة، فعلى سبيل المثال ما يمكن أن يبدو اختلافات نطقية وسمعية واضحة بين أنواع مختلفة من الصوامت دعنا نقول بين أصوات الـ p، وأصوات الـ T وأصوات الـ K لا تبدو بشكل واضح ملمحا مفردا، أو مجموعة من الملامح التي يمكن تمييزها في التحليل التجريبي للإشارات التي تحتويها، والبعدان السمعيان لطبقة الصوت ودرجته يرتبطان بعلاقة متبادلة بالحدين التجريبيين للتردد والقوة إلا أن العلاقة المتبادلة بين الطبقة والتردد من ناحية، والدرجة والقوة من ناحية أخرى لا يمكن عرضها من خلال نسبة ثابتة تصدق على الأصوات الكلامية جميعها التي تتنوع وفق الأبعاد ذات الصلة.
وهذا لا يعني أن التصنيفات الخاصة بأحد الفروع الصوتية الثلاثة أكثر أو أقل تعويلا أو أكثر أو أقل علمية بصورة جوهرية إذا ما قورنت بالتصنيفات الخاصة بالفرعين الآخرين، ويجب أن نتذكر أن التكلم والاستماع ليسا نشاطين مستقلين، فكلاهما يتضمن تغذية مرتجعة من الآخر، ومن الملاحظات العامة أن الفرد الذي لا يكترث بما ينطقه يئول حديثه إلى الفساد، ويرجع ذلك إلى أننا عادة نراقب ما ننتجه من كلام مثلما نصدر هذا الكلام، وكثيرا ما يحدث بلا وعي أن نصدر الأحكام الضرورية على الإطار الخاص بما يمكن
стр. 100
أن نعده الجهاز النطقي كما تخبر التغذية المرتجعة من عملية الملاحظة هذه المخ بأن المعايير السمعية لا تتفق معها، وتشتمل الإشارة التجريبية على كل المعلومات ذات الصلة باللغة، وتشتمل كذلك على قدر من المعلومات غير ذات الصلة بها، وأكثر من ذلك فإن المعلومات التجريبية ذات الصلة باللغة يجب أن تفسرها الأجهزة الخاصة بالسمع والنطق عند الإنسان والتي يتحكم فيها مخه، ويبدو أن الطفل حديث الولادة موهوب بشكل فطري بقابلية التركيز على أنواع معينة من المعلومات السمعية وإهمال أنواع أخرى، وأثناء اكتساب اللغة يستكمل الطفل مقدرته على إنتاج الأصوات التي تذكر في الكلام الذي يسمعه يدور من حوله ويستكمل كذلك مقدرته على تمييزها، ويقوم بتهذيب أداءه النطقي، وأداءه السمعي بملاحظة الإشارات التجريبية التي ينتجها بنفسه، وتوجد حاسة لدى الطفل تمكنه -في الخطوات المعتادة لاكتساب اللغة "والتي يجب أن تتم بدون مساعدة من أجهزة علمية أو تدريبات خاصة" وفي إطار محدود من الوسيلة الصوتية- من أن يكون الممارس الكفء في الأفرع الثلاثة لعلم الأصوات، ولا يستطيع اللغوي حتى الآن إلا أن يقدم وصفا وتفسيرا غير كاملين للقدرة الإدماجية العالية المهارة التي تكتسبها الغالبية العظمى من البشر في فترة الطفولة، وتمارسها خلال حياتها الناطقة.
стр. 101
ثانيا: التمثيل الصوتي والهجائي
في نهاية القرن التاسع عشر وبينما أحرز علم الأصوات النطقي تقدما حقيقيا في العالم الغربي "على أساس التقليدية الهندية التي تمتد لقرون خلت مع إضافات مناسبة" بدأ العلماء يشعرون بالحاجة إلى نظام مشترك -يمكن قبوله على المستوى العالمي- للكتابة الصوتية، وعلى الرغم من أنه كان وما زال الكثير مما يقال عن النظم غير الألفبائية للتمثيل فإن الأبجدية الصوتية العالمية "lPA"؛١ التي طورتها الجمعية الصوتية العالمية ونشرتها منذ ١٨٨٨ يستخدمها اللغويون الآن على أوسع نطاق مع تعديلات طفيفة أو بدونها، وتقوم الأبجدية الصوتية العالمية على أساس إعطاء كل صوت في الكلام يمكن تمييزه حرفا مختلفا عن غيره، ونظرا لأنه لا يوجد -في الواقع- حد أقصى أو أدنى لعدد أصوات الكلام التي يمكن تمييزها والتي يمكن أن تصدرها أعضاء النطق الإنسانية "أو على الأقل ليس هناك حد مناسب يتصل بالطباعة" فإن هذا المبدأ لا يمكن تطبيقه بصورة ثابتة، ولذلك تمد الأبجدية الصوتية العالمية مستخدميها بمجموعة من العلامات الصوتية المميزة ذات الأنواع المختلفة التي يمكن أن تضاف إلى رموز الحروف لتصنع مميزات أكثر دقة مما يمكن أن تصنعها الحروف بمفردها، وباستخدام هذه العلامات الصوتية المميزة استخداما صحيحا وسديدا يستطيع عالم الأصوات المتمرس أن يمثل الكثير من التفصيل الدقيق الضروري للغرض الذي يتناوله، وهو -في الواقع- لا يستطيع أن يمثل كل التفاصيل الصوتية التي تميز قولا مفردا عن قول آخر، وليس هناك سبب بصفة عامة يدعوه إلى الرغبة في ذلك، وتكون الكتابة الصوتية العريضة نسبيا ملائمة تماما لبعض الأغراض، وتكون الكتابة الصوتية الضيقة ضرورية لأغراض أخرى٢.
ومن الآن فصاعدا سنستخدم الأبجدية الصوتية العالمية كلما كانت هناك مناسبة
стр. 102
للإشارة إلى أصوات الكلام أو الصيغ المكتوبة بالكتابة الصوتية وسنحترم العرف المشترك الذي توضع الكتابة الصوتية وفقا له بين القوسين [] ، ولذلك فإننا بدلا من أن نشير إلى أصوات الـ p، وأصوات الـ K كما فعلنا من قبل نشير إلى [p] ، و [K] ، وقد اخترت هذين الرمزين الحرفين عن عمد إذ إن لهما القيمة الصوتية -بالتفسير العريض- التي للحرفين p، k في نظم الكتابة الخاصة بمعظم اللغات الأوروبية، ومعظم رموز الحروف في الأبجدية الصوتية العالمية مأخوذة من الحروف الأبجدية للغة اللاتينية واللغة الإغريقية لكن -مثلما يدرك أي فرد يعرف لنقل الإنجليزية، والفرنسية، والإيطالية، والأسبانية- تختلف القيمة الصوتية للحروف نفسها في كل اللغات التي تستخدم الحروف الأبجدية، وفي الواقع لا يكون للحرف الواحد بالضرورة قيمة صوتية ثابتة في إطار نظام خاصة بلغة من اللغات، ومن الجوانب الإيجابية لامتلاكنا أبجدية صوتية مشتركة ومقبولة على المستوى العالمي أن أحدًا لا يجب عليه أن يربط تفسير رمز من الرموز بلغات معينة أو حتى كلمات معينة وذلك مثل a في اللغة الإيطالية، و u في الكلمة الفرنسية lu ... إلخ، وما يجب دفعه ثمنا لهذه الفائدة الهامة إلى حد بعيد أن مستخدمي الأبجدية الصوتية في حاجة إلى التخلي عن الافتراضات التي يمكن أن تكون لديهم -لسبب أو لآخر- حول الطريقة التي يمكن أن ينطق بها رمز حرف معين فعلى سبيل المثال [e] صوت مختلف إلى حد بعيد عن أي صوت من الأصوات التي يمثلها حرف c في اللغة الإنجليزية أو اللغة الفرنسية أو اللغة الإيطالية أو اللغة الأسبانية، وفيما يلي لن نطلع سوى على عدد قليل من رموز الحروف الخاصة بالأبجدية الصوتية العالمية وعلى قليل من العلامات الصوتية المميزة.
وقد زودنا أنفسنا بالمناسبة بنظام للكتابة الصوتية وستكون لنا طريقتان
стр. 103
للإشارة إلى الصيغ: الأولى بالحروف المائلة بالهجاء المتعارف عليه "أو نقل حروف لغة إلى حروف لغة أخرى" بدون أقواس مثل الصيغتين الإنجليزيتين led، lead والثانية بالكتابة العريضة الخاصة بالأبجدية الصوتية العالمية في الأقواس مثل [lgd] [lird] ؛١, ٢ ونستطيع الآن أن نضيف طريقة ثالثة بالحروف المائلة داخل الأقواس " " مثل "Led" و"Lead" ولا تستخدم الطريقة الثالثة إلا استخداما ضئيلا، وهذه الخيارات تمكننا من تمييز الصيغ المكتوبة بالطريقة الثالثة من الصيغ المنطوقة المكتوبة صوتيا بالطريقة الثانية وأن تميز كلتاهما عن الصيغ التي لا تعنينا صيغها المنطوقة أو المكتوبة بصورة مباشرة وتكتب بالطريقة الأولى, وتمكننا كذلك من القول بأن الصيغة المكتوبة "Lead" تناظر صيغتين منطوقتين [Li: d] و"Lgd" وبالعكس فالصيغة المنطوقة [lgd] تناظر صيغتين مكتوبتين "Led" و"Lead".
وموافقة المتعدد لمفرد -من هذا النوع- بين الصيغ المكتوبة والصيغ المنطوقة توصف تقليديا بالاشتراك الصوتي "التطابق في الصوت": انظر rode و road و father،farther و court و caught فيما يطلق
стр. 104
عليه النطق النموذجي "RP" للإنجليزية البريطانية١ ولا نرى في لهجات اسكتلندية معينة أيا من هذه الصيغ الثنائية موسومة بالاشتراك الصوتي وذلك مثل father: farther و court:cought ومع ذلك نجد ceught و cot في لكنات أمريكية كثيرة، وثمة حقيقة عامة تتعلق بالإنجليزية المشتركة فهي تختلف في النطق من جماعة إلى أخرى، وما يعد من المشترك الصوتي لدى جماعة من المتكلمين قد لا يعد كذلك لأي جماعة أخرى، وما يقابل الاشتراك الصوتي هو الاشتراك الهجائي وقد أولاه النحاة التقليديون اهتماما ضئيلا انظر import I، و impoit وتختلف متعلقاتها المنطوقة فيما يتصل بموضع نبر الكلمة.
وبسبب وجود هاتين الظاهرتين في اللغة الإنجليزية وفي لغات أخرى كثيرة ذات نظم هجائية صارمة فإن الاشتراك الصوتي والاشتراك الهجائي يفرضان نفسيهما على انتباهنا ونحن بصدد وصف تلك اللغات، غير أنه -كما سنرى فيما بعد- قد تكون هناك أسباب نحوية ودلالية لتمييز الصيغ المتطابقة في كلتا الوسيلتين الصوتية والكتابية، فعلى سبيل المثال foucd I "التصريف الثاني لـfind" و found٢ "إحدى صيغ التصريف الأول لـ found" مشتركتان في الصوت وفي الهجاء، والكلمتان اللتان تؤخذ منهما هذه الصيغ "find" و"found" تكونان من المشترك اللفظي "الجزئي".
стр. 105
ثالثا: علم الأصوات النطقي
سبق أن أوضحنا أن ما يسمى بأعضاء النطق لها وظائف أخرى لا ترتبط بالكلام ولا حتى بإنتاج الصوت وأن هذه الوظائف بيولوجية في المقام الأول، فالرئتان تدفعان بالأوكسجين إلى الدم، والوتران الصوتيان "المثبتان في الحنجرة أو في تفاحة آدم" يعملان عند انضمام الواحد منهما إلى الآخر على سد القصبة الهوائية وعلى منع الطعام من دخولها، ويستخدم اللسان والأسنان في الطعام وهلم جرا، ومع هذا تشكل أعضاء النطق ما يمكن أن يوصف على نحو معقول بأنه نظام بيولوجي ثانوي، وهناك بعض الشواهد على تكيفها التطوري لإصدار الكلام، وتصنف الأصوات الكلامية في علم الأصوات النطقي بواسطة أعضاء النطق التي تصدرها والحالة التي تكون عيها عند إصدارها.
وتصدر أغلب الأصوات الإنسانية في كل اللغات بتحوير -بطريقة أو بأخرى- تيار الهواء الذي تدفعه الرئتان إلى أعلى القصبة الهوائية من خلال الزَّرْدمة "المسافة التي تفصل بين الوترين الصوتيين" بطول الجهاز النطقي، ويمتد الجهاز الصوتي من الحنجرة "إحدى النهايتين" إلى الشفتين وفتحة الأنف.
وإذا احتفظ بالوترين الصوتيين مغلقين وحدثت ذبذبة صوتية أثناء مرور الهواء من خلال الزردمة فإن الصوت الصادر يكون صوتا مجهورا، وإذا مر الهواء بدون ذبذبة الوترين الصوتيين فإن الصوت الصادر يكون صوتا
стр. 106
مهموسا، وهو ما يعد أحد التنوعات النطقية الشائعة، ومعظم الحركات في كل اللغات، وكل الحركات في اللغة الإنجليزية "باستثناء همس الكلام" مجهورة، وكل من الصوامت المهموسة، والصوامت المجهورة شائعة فيما بين لغات العالم حتى لو لم يعمل المميز بين الصوامت المهموسة والصوامت المجهورة دائما على تمييز صيغة عن أخرى في الوسيلة الصوتية، وتشمل الصوامت المهموسة [P] ، و [T] و [K] ، و [S] ، و [f] ، والأصوات المجهورة المناظرة هي [b] ، و [d] , و [g] , و [z] , و [v] , وعندما لا تمدنا الأبجدية الصوتية العالمية برمزين حرفين مختلفين للأصوات المتناظرة في الهمس والجهر فمن الممكن أن تستخدم العلامات الصوتية المميزة لرسم هذا المميز، والعلامة الصوتية للهمس دائرة صغيرة أسفل الحرف الرمز فعلى سبيل المثال تفترض الأبجدية الصوتية العالمية أن الحركات مجهورة ما لم تميز بصورة واضحة على أنها مهموسة، ومن هنا كانت [a] ، و [o] [i] ... إلخ، مهموسة, وتقابل الحركات المجهورة الآتية: [a] , و [e] , [i] ... إلخ ومن الأهمية أن نذكر أنه على الرغم من حقيقة أن العلامات الصوتية المميزة تستخدم في حالة ولا تستخدم في حالة أخرى فإن العلاقة الصوتية بين [a] ، و [a] أو بين [e] ، و [e] هي العلاقة الصوتية نفسها التي تربط بين [b] و [p] أو بين [d] و [t] .
والبعد النطقي الثالث النفسية١، والأصوات النفسية تختلف عن الأصوات غير النفسية المناظرة لها فالأولى يصاحبها عند النطق بها نفخة زفير صغيرة "ومن الأنسب أن تعالج النفسية -عمليا- كجانب من البعد الخاص بالجهر والهمس أكثر من أن تعالج كمتغير مستقل تماما، إنه يعتمد على توقيت بدء الصوت وانتهائه فيما يتصل بخطوات النطق المصاحبة، وهناك صلات ثانوية أخرى لن نتطرق إليها هنا: التهميز، والتحنيك، والتدوير "للشفتين" والإطباق، والصوامت النفسية -وهي عادة مهموسة- توجد في لغات كثيرة منها اللغة الإنجليزية كما سنرى فيما بعد، وبدلا من أن نستخدم العلامة الصوتية في الأبجدية الصوتية العالمية المميزة للنفسية فإننا سنتبع ما شاع عمله هذه الأيام فنضع حرف h صغير بعد الرمز الحرف المناسب الخاص بالأبجدية الصوتية العالمية مباشرة، ومن هنا فإن [p h] هو المقابل النفسي لـ[p] .
وقد استخدمنا حتى الآن المصطلحين التقليديين صامت وحركة٢ دون إيضاح لهما، وبقدر ما يلقى نطقهما من عناية تختلف الصوامت عن الحركات
стр. 109
الصوامت تصدر عن طريق حد أو تضييق مؤقت لمجرى الهواء أثناء مروره في الفم بينما تصدر الحركات بدون أي سد أو تضييق لمجرى الهواء، والاختلاف الصوتي بين الصوامت والحركات -في الواقع- ليس مطلقا، فهناك أصوات كلامية معينة ذات حالة وسط، ولسنا في حاجة إلى الغوص في التفاصيل ونحن بصدد عرض بسيط وموجز للتصورات الأساسية لعلم الأصوات النطقي.
ويمكن تقسيم الصوامت إلى مجموعات عديدة تبعا لطبيعة إعاقة تيار الهواء، فقد تكون هذه الإعاقة تامة فيكون الصوت الصادر انفجاريا أو شديدا، وقد تكون هذه الإعاقة جزئية، فإذا كانت جزئية، وتسبب احتكاكا يمكن سماعه, بوضوح فيكون الصوت الصادر احتكاكيا١، أو رخوا ومن أمثلة الأصوات الانفجارية أو الشديدة [p] ، و [i] ، و [K] ، ومن أمثلة الأصوات الاحتكاكية، [f] ، و [e] ، ويمكن أيضا تقسيم الصوامت إلى مجموعات طبقا لبعد آخر بواسطة مخرج الصوت٢ أي: تبعا للمكان الذي
стр. 110
تحدث فيه الإعاقة في الفم، وتوجد نقاط كثيرة غير محدودة بطول الجهاز النطقي يمكن فيها إعاقة مسار الهواء بواسطة أعضاء النطق المتحركة مثل الوترين الصوتين، واللسان، والأسنان، والشفتين ... إلخ، ولا تستخدم اللغات سوى عدد قليل منها، ومخارج الأصوات التالية من بين تلك التي تستخدم في اللغة الإنجليزية واللغات المشهورة الأخرى "مع أنواع أخرى من النطق الثانوي أو بدونها".
المخرج الشفوي وفيه تتغلق الشفتان كما في [p] , و [b] , و [m] , المخرج الشفوي الأسناني وفيه تتقابل الشفة السفلى مع الأسنان العليا وذلك مثل [f] ، و [v] ، وبينما [p] ، و [b] ، و [m] أصوات انفجارية فإن [f] ، و [v] أصوات رخوة "والأصوات الشفوية الاحتكاكية، والأصوات الشفوية الأسنانية الفموية منها والأنفية أقل شيوعا لكنها موجودة".
المخرج الأسناني١ وفيه تتصل مقدمة اللسان بالأسنان العليا كما في [t] ، و [d] ، و [n] ، و [..] , و [..] .
المخرج اللثوي وفيه تتصل مقدمة اللسان باللثة "أصول الثنايا العليا" كما في [t] ، و [n] ، و [s] ، و [z] ، ويجب أن نذكر هنا أنه تستخدم رموز واحدة في الكتابة الصوتية العريضة لكل من الأصوات الأسنانية واللثوية الشديدة، ولذلك تقدم الأبجدية الصوتية العالمية