← Общие книги

Общие книги · id 1074

محمد في التوراة والإنجيل والقرآن

إبراهيم خليل أحمد

Полный текст (206 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

٢ - الأحبار والالتزام بالحلف: "ويل لكم أيها القادة العميان. القائلون من حلف بالهيكل فليس بشيء ولكن من حلف بذهب الهيكل يلتزم، أيها الجهال والعميان أيما أعظم الذهب أم الهيكل الذي يقدس الذهب؟ ومن حلف بالمذبح فليس بشيء ولكن من حلف بالقربان الذي عليه يلتزم، أيها الجهال والعميان أيما أعظم القربان أم المذبح الذي يقدس القربان؟ فإن من حلف بالمذبح فقد حلف به وبكل ما عليه، ومن حلف بالهيكل فقد حلف به وبالساكن فيه، ومن حلف بالسماء فقد حلف بعرش الله وبالجالس عليه". ٣ - الشعب والأحبار: يقترب إلى هذا الشعب بفمه، ويكرمني بشفتيه، وأما قلبه فمبتعد عني بعيداً وباطلاً يعبدونني، وهم يعلمون تعاليم هي وصايا الناس". ٤ - المسيح والأحبار: "لا تظنوا أني أشكوكم إلى الله. يوجد الذي يشكوكم وهو موسى الذي عليه رجاؤكم لأنكم لو كنت تصدقون موسى لكنتم تصدقونني، لأنه هو كتب عني، فإن كنتم لستم تصدقون كتب ذاك فكيف تصدقون كلامي". ٥ - المسيح والتلاميذ (الحواريون) : "فأجابه بطرس: يارب إلى من تذهب وكلام الحياة الأبدية عندك؟ ونحن قدآمنا، وعرفنا أنك أنت المسيح ابن الله الحي؟ أجابهم يسوع: أليس أني أنا اخترتكم الاثنى عشر وواحد منكم شيطان". ٦ - المسيح وإبليس: "وقال له إبليس: أعطيك هذه إن خررت وسجدت لس. حينئذ قال له يسوع: اذهب يا شيطان، لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد، ثم تركه إبليس".

стр. 107

٧ - المسيح والدينونة: التهمة التي أقاموها ضده "أنه جعل نفسه ابن الله" ويفند القرآن هذه الشبهة، ويدفعها عن المسيح عيسى بن مريم ﵇ بقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ وكان موقف سيدنا عيسى ﵇ إزاء هذا الانحراف الديني المريع موقفاً إيجابياً إذ حين تقدم إليه تلاميذه لكي يروه أبنية الهيكل قال لهم يسوع. "أما تنظرون جميع هذه؟ والحق أقول لكم إنه لا يترك ها هنا حجر على حجر لا ينقض". "وفيما هو يقترب نظر إلى المدينة (بيت المقدس) وبكى عليها قائلاً: إنك لو علمت أنت أيضاً حتى في يومك هذا ما هو لسلامك ولكن الآن قد أخفى عن عينيك، فإنه ستأتي أيام ويحيط بك أعداؤك بمترسة، ويحدقون بك، ويحاصرونك من كل جهة، ويهدمونك وبنيك فيك. ولا يتركون فيك حجراً على حجر لأنك لم تعرفي زمان افتقادك" ولقد صب عليها لعنة الله بقوله: "يا أورشليم، يا أورشليم. يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين. كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها وتريدوا، هو ذا بينكم يترك لكم خراباً".د

стр. 108

هذه هي القصة من بدايتها إلى نهايتها، لقد غضب الله على إسرائيل وتحول قلبه عن بيت المقدس، فكيف يتم هذا ووعد الله لسيدنا إبراهيم: ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض". ويوضح الله الأمر في قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ وهنا يأتي دور نبوءة المسيح ﵇ عن الرسول المصطفى: "قال لهم يسوع: أما قرأتم فقط في الكتب. الحجر الذي رفضه البناءون هو قد صار رأس الزاوية. من قبل الرب كان هذا، وهو عجيب في أعيننا، لذلك أقول لكم إن ملكوت الله ينزع منكم، ويعطى لأمة تعمل أثماره". وهنا ايضاً يأتي دور تعزية الملاك للسيدة هاجر عندما هربت من نير الاستعباد تحت إذلال سارة زوجة سيدنا إبراهيم ﵇. "لأني سأجعله أمة عظيمة". وهنا أيضاً يأتي دور تعزية الله لسيدنا إبراهيم ﵇ عندما رأى ابنه البكر إسماعيل مطروداً أمام عينيه من وجه عبودية السيدة سارة: "وابن الجاري أيضاً: سأجعله أمة، لأنه نسلك". ويؤكد الله هذه الأمور بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ هذه الحوادث لم تكن محض مصادفة، بل كانت في علم الله ، وهي التي رآها سيدنا موسى ﵇، "إذ أراه الله من ثم رسوله على ذراعي إسماعيل، وإسماعيل على ذراعي إبراهيم، ووقف على مقربة من إسماعيل غسحق وكان على ذراعيه طفل هو المسيح عيسى ابن مريم يشير بأصبعه إلى رسول الله قائلاً: هذا هو الذي لأجله خلق الله كل شيء. فصرخ موسى من ثم بفرح: يا إسماعيل، إن على ذراعيك

стр. 109

العالم كله والجنة اذكرني أنا عبد الله لأجد نعمة في نظر الله بسبب ابنك الذي لأجله صنع لله كل شيء". والآن لنتتبع المنهاج المرسوم: ١ - يقول الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يا أهل الكتاب، كفاكم دوراناً حول الجبل، واتجهوا إلى الصراط المستقيم. أما جاءت تلك المرأة السامرية وأخذت تحاور المسيح عيسى ابن مريم حتى قالت له: "آباؤنا سجدوا في هذا الجبل، وأنتم تقولون إن في أورشليم الموضع الذي ينبغي أن يسجد فيه. قال لها يسوع، يا امرأة صدقيني إنه تأتي ساعة - لا في هذا الجبل، ولا في أورشليم تسجدون لله - الله روح، والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا" ويقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ويقول برنابا مشيراً إلى ركن من أركان الأسلام وهو الحج: "سيأتي مسيا المرسل من الله لكل العالم، الذي خلق الله العالم لأجله، وحينئذ يسجد لله في كل العالم وتناول الرحمة، حتى إن سنة اليوبيل التي تجئ الآن كل مائة سنة سيجعلها مسيا كل سنة من كل مكان".

стр. 110

وفي الركن الخامس من أركان الإسلام يقول الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ وفي تحويل القبلة من بيت المقدس إلى مكة قال البراء بن معرور: "يا نبي الله، إني خرجت من سفري هذا، وهداني الله للإسلام، فرأيت ألا أجعل هذه البنية متى تظهر فصليت إليها. وقد خالفني أصحابي في ذلك حتى وقع في نفسي من ذلك شيء فماذا ترى يا رسول الله؟ " قال: "لقد كنت على قبلة لو صبرت عليها". وقال تعالى لسيدنا إبراهيم وابنه سيدنا إسماعيل ﵉. ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ لقد كان على الرسول تطهير البيت العاكفين، فإن الوصية التي كانت لجده هي الوصية، وما إن فتح الرسول ﷺ مكة حتى عمد إلى تطهيرها من الأصنام. قال ابن مسعود ﵁: "دخل النبي ﷺ مكة يوم الفتح، وحول يوم الفتح، وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها يعود في يده، ويقول: جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقاً، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد"، أخرجه البخاري ج ٥ ص ١٤٥. وهذا الأمر ليس بغريب على أهل الكتاب، فهم كما قال الله عنهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ولهذا قال لرسوله الكريم عند تحويل القبلة: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ .

стр. 111

هذه هي الحقائق الإلهية الثمنية: الحقيقة الأولى: انتزاع النبوة من بني إسرائيل: من بني إسحق بن إبراهيم، إلى محمد رسول الله: ثم بني قريش، من كنانة من بني إسماعيل ابن إبراهيم ﵇. وليت الأمر يقف عند هذا الحد، بل إن كون رسول الله المصطفى من نسل إسماعيل ﵇، وإن مركز إسماعيل بين الإسرائيليين مركز المحروم من الميراث كما صرحت به السيدة سارة: "اطرد هذه الجارية وابنها لأن ابن هذه الجارية لا يرث مع ابني إسحق". "ولكن عهدي أقيمه مع إسحق الذي تلده لك سارة" ... وهذا هو العهد الذي اقامه الله مع إبراهيم عيله السلام: "أقيم عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك في أجيالهم عهداً أبدياً لأكون إلهك لك ولنسلك من بعدك". وإذ يبوء بنو إسرائيل بغضب من الله. يخيب الله آمالهم فينتزع الميراث منهم ويورثه لذرية إسماعيل عيله السلام، في شخص الرسول الكريم، وهذا مصداق لما جاء على لسان موسى ﵇: "وأجعله أمة كبيرة" وقوله أيضاً: "لأني سأجعله أمة عظيمة وفتح الله عينيها فأبصرت بئر ماء فذهبت وملأت الفرية ماء وسقت الغلام". هذا هو الحجر الذي رفضه البناءون، هو بقدرة الله قد أصبح رأس الزاوية، هو محمد رسول الله سيد المرسلين وخاتم النبيين. الحقيقة الثانية: تحويل القبلة من بيت المقدس إلى مكة المكرمة. هذا الأمر عجيب جداً، لأن الله قدر فنفذ لا راد لتقديره ولا لمشيئته. بقى علينا أمر، وهو موقف التاريخ من هذه الحوادث: ١ - لقد ندد المسيح عيسى ابن مريم بالهيكل، وهو قبلة إسرائيل، تأمل فيما جاء بإنجيل متى ٢٤: ١، ٢.

стр. 112

٢ - لقد تنبأ بخراب بيت المقدس (أورشليم) ، تأمل فيما جاء بإنجيل متى ٢٣: ٣٧و ٣٨ وإنجيل لوقا ١٣: ٣٤ و٣٥. والتاريخ السياسي يؤكد ويؤيد ما جاء من كلام الله تعالى في التوراة أو الإنجيل أو القرآن، إذ تعرضت فلسطين للاستعمار الأجنبي الذي داس الهيكل، ودنس كل مقدساته في هذه الفترات، من عهد لامسيح إلى مبعث الرسول ﷺ . والحقب التي مرت بها فلسطين تأييداً لما تنبأت به التوراة والإنجيل هي: ١ - كانت فلسطين ولاية رومانية من سنة ٥٣ م إلى سنة ١١٤م. ٢ - ثم اصبحت ولاية فارسية من سنة ٦١٤م إلى سنة ٦٢٦م تتبع الدولة الفارسية الساسانية. ٣ - ثم عادت ولاية رومانية في عهد الإمبراطور هرقل سنة ٦٢٦م إلى سنة ٦٣٧م. ٤ - ثم حررها الإسلام من سنة ٦٧٣م، وحمى مقدساتها ورعى أهل الكتاب بالحق والأمانة. * * *

стр. 113

الباب السادس الرسول الكريم محمد ﷺ وإيمانه بشخص المسيح ﵇ ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ آمن الرسول الكريم بالمسيح ابم مريم الذي تنبأ قائلاًَ: "ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء". وعمن يقول هذا القول؟ هل يقوله عن أخنوخ؟ فالتوراة تقرر: "وسار أخنوخ مع الله ولم يوجد لأن الله أخذه". أم يوقله عن إيليا؟ فالأنبياء تقرر: "وفيما هما يسيران ويتكلمان إذا مركبة من نار وخيل من نار ففصلت بينها، فصعد إيليا في العاصفة إلى السماء". فالأول - وهو أخنوخ - لعل سيدنا الخضر، صعد إلى السماء وما زال فيها. والثاني - هو إيليا - لعله سيدنا إلياس، صعد إلى السكاء ومازال فيها. وإذ اعتبرنا الأمر للمسيح ﵇ فإن الله رفعه إليه ولم ينزل بعد من السماء. فمن هذا المسيا (الرسول) إذن! إنه محمد ﷺ عندما أسرى الله به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السماء، ورأى ما رأى:

стр. 114

﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ وهذه نبوءة أخرى من سيدنا عيسى ﵇ للرسول الكريم صعوده إلى السماء ونزوله منها. أما عن الرحلة النبوية، فالرسالات السماوية تؤمن بها، وقد سبق إليها أخنوخ، وإيليا، والمسيح. وما سبق به القرآن الكريم من الإعجاز في هذه الرحلة أيده العلم الحديث، فرواد الفضاء الآن يدورون حول الأرض ويهبطون على القمر، وإذا كان الإنسان قد استطاع إلى ذلك سبيلاً - فالإنسان من خلق الله. والله يعطي بعض علمه لمن يشاء من خلقه ويقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ويؤكد أن الإنسان مهما بلغ من العلم لا يستطيع أن يصل إلى الأسرار الإلهية إلا بقدر: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ لقد آمن الرسول سيدنا محمد ﷺ بالأنبياء قبله، وبعيسى، وبموسى، ولم يفرق بين أحد من رسل الله، وهذا هو الإيمان الخالص، والدين الصافي والحياة الربانية الكريمة. وكيف يؤمن الرسول بسيدنا عيسى علسه السلام؟ للإجابة عن هذا السؤال ينبغي أن نعرف ما معنى كلمة "مسيح"؟ وكيف نشأت؟ وهل هي مقصورة على سيدنا عيسى ﵇؟ في الفترة من ١١٠٠ ق. م إلى ١٠١١ ق. م تاقت نفوس بني إسرائيل لأن يكونوا دولة كالدول التي بجوارهم، وأرادوا لهم ملكاً ومملكة. وفي هذا قال الله تعالى.

стр. 115

﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ والقصة كما وردت في التوراة هكذا: "فأخذ صموئيل قنينة الدهن وصب على رأسه وقبله وقال: أليس لأن الرب قد مسحك على ميراثه رئيساً". ومن هنا نشأت فكرة المسيح، وهي رمز إلى ااويج الملك، ورمز إلى حلول الروح القدس على الملك بمجرد مسحه بالدهن، أما المسيح فسمي كذلك لأنه مذن ولادته حل عليه الروح القدس. قال لها: الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظلك". ويقول الله تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ويقول سبحانه: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ولا عجب أن الإنجيل يؤكد للإنسان الذي يبحث عن الحق ويتحرى الصدق، لا عجب أنه يدعم إنسانية عيسى ﵇، ويؤكد رسالته ونبوءته. فكلمة إنجيل كلمة يونانية تعني بشارة أو بشرى، ولعل هذا هو الذي نستفيده من سيرة سيدنا عيسى ﵇ أنه كان بشرى من الله للرحمة وبشرى بتبشيره عن المسيا الذي سيأتي للعالمين هدى ورحمة، ألا وهو الرسول الكريم سيدنا محمد ﷺ .

стр. 116

شهادة الإنجيل والأناجيل تؤكد شخصية المسيح عيسى بما يتفق وإيمان المسلم. ١ - المسيح عيسى ابن مريم يخضع لناموس الغرائز الإنسانية: جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب، فتقولون هوذا إنسان أكول وشريب خمر، محب للعشارين والخطاة، والحكم تبررت من بنيها". ثم أصعد يسوع إلى البرية من الروح ليجرب من إبليس، فبعد ما صام أربعين نهاراً وأربعين ليلة جاع أخيراً، فتقدم إليه المجرب وقال له: إن كنت ابن الله فقل أن تصير هذه الحجارة خبزاً". وفي هذا مطابقة لقوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ويقول سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ ٢ - المسيح عيسى ابن مريم يخضع لناموس الراحة والتعب: "وفي أحد الأيام سفينة هو وتلاميذه. فقال لهم: لنعبر إلى عبر البحيرة، فأقلعوا، وفيما هم يسيرون نام، فنزل نوء ريح في البحيرة وكانوا يمتلئون ماء، وصاروا في خطر، فتقدموا إليه وأيقظوه قائلين: يا معلم، يا معلم، إننا نهلك، فقام وانتهز الريح، وتموج الماء، فانتهيا وصار هدوء".

стр. 117

ويؤكد هذه القصة مرقس في إنجليه بما نصه: "وقال لهم في ذلك اليوم لما كان المساء: لنجتز إلى العبر. فصرفوا الجميع وأخذوه كما كان في السفينة، وكانت معه أيضاً سفن أخرى صغيرة فحدث نوء ريح عظيمة، فكانت الأمواج تضرب السفينة حتى صارت تمتلئ، وكان هو في المؤخرة على وسادة نائماً فأيقظوه وقالوا: يا معلم، أما يهمك أننا نهلك؟ فقام وانتهر الريح، وقال للبحر اسكت أبكم. فسكنت الريح، وصار هدوء عظيم. ويدعم هذه القصة أيضاً متى في إنجيله بما نصه: "ولما دخل السفينة تبعه تلاميذه، وإذا اضطراب عظيم قد حدث في البحر حتى غطت الأمواج السفينة، وكان هو نائماً، فتقدم إليه تلاميذه وأيقظوه قائلين: سيدنا، نجنا، فإننا نهلك. فقال لهم: ما بالكم خائفين يا قليلى الإيمان؟ ثم قال وانتهر الريح والبحر فصار هدوء عظيم، فتعجب الناس قائلين: أي إنسان هذا؟ فإن الريح والبحر جميعاً تطيعه". هذه إقرارات مؤكدة، ومن عجب أن الحواريين وضعوا شبهات من نسج خيالهم، فخذا هو بطرس خليفة المسيح يقول: "أنت هو المسيح ابن الله الحي. فكيف يتفق هذا وهو الإنسان الذي كان نائماً فأيقظوه كما تقرره القصص الثلاث؟ ويحسم القرآن الكريم الأمر في قوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ وبعد أن دفعنا هذه الشبهة عنه من القرآن الكريم نبحث عن دفع من التوراة، وقد حاء في سفر الملوك الأول قصة حوار بين إيليا نبي الله وبين أنبياء البعل، وفي هذا الحوار يتحدى إيليا البعل إله البابليين، ويسخر منه، ويقول لهم في سخرية لاذعة: "ادعو بصوت عال، لأنه إله لعله مستغرق، أو في خلوة، أو في سفر، أو لعله نائم قيتنبه". وبرهان آخر هو المعجزات التي ظهرت على يد موسى ومنها: ضرب البحر بعصاه فانفلق، أهذه قدرة بشرية أم قدرة إلهية؟.

стр. 118

٣ - المسيح عيسى بن مريم يخضع لناموس المؤثران العاطفية: "وإذ كان في جهاد كان يصلي لجاجة، وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض. ثم قام من الصلاة وجاء إلى تلاميذه. فوجدهم نياماً من الحزن. فقال لهم: لماذا أنتم نيام؟ قوموا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة، وبينما هو يتكلم إذا جمع، والذي يدعى يهوذا أحد الاثنى عشر يتقدمهم، فدنا من يسوع ليقبله، فقال يسوع: يا يهوذا، أبقبلة تسلم ابن الإنسان؟ ". "وفيما هو يقترب نظر إلى المدينة وبكى عليها قائلاً: إنك لو علمت أنت أيضاً حتى في يومك هذا ما هو لسلامك، ولكن قد أخفى عن عينيك، فإنه ستأتي أيام ويحيط بك أعداؤك بمترسة، ويحدقون بك. ويحاصرونك، من كل جهة، ويهدمونك وبنيك فيه، ويتركون فيك حجر، لأنك لم تعرفي زمان افتقادك". هذا هو المسيح الإنسان، عاش في إطار الحزن والأسى، فتألم، وبكى وحزن، وهذه كلها انفعالات بشرية. ويأتي الرسول الكريم على نمط آخر يختلف عن المسيح عيسى ابن مريم بينه الله تعالى بقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ ٤ - المسيح عيسى ابن مريم يلتزم مكانته فلا يتعداها: (أ) أرادوه ملكاً. فانصرف عنهم: "وأما يسوع فإذ علم أنهم مزمعون أن يأتوا ويختظفوه ليجعلوه ملكاً انصلاف إلى الجبل وحده". (ب) رئيس الكهنة يستجوبه، وواحد من الخدام يلطمه على وجهه: "فسأل رئيس الكهنة يسوع عن تلاميذه وعن تعليمه أجابه يسوع: أنا كلمت العالم علانية، أنا

стр. 119

علمت كل حين في المجمع وفي الهيكل حيث يجتمع اليهود دائماً، وفي الخفاء لم أتكلم بشيء، لماذا تسألني أنا؟ اسأل الذين قد سمعوا ماذا كلمتهم، هوذا هؤلاء يعرفون ماذا قلت أنا. ولما قال هذا لطم يسوع واحد من الخدام كان واقفاً قائلاً: أهكذا تجاوب رئيس الكهنة؟ أجابه يسوع: إن كنت قد تكلمت ردياً فاشهد على الردى، وإن حسناً فلماذا تضربني؟ وكان حنان قد أرسله موثقاً إلى قيافا رئيس الكهنة". (جـ) ولقد حاوه الفريسيون بمكر ليصطادوه بكلمة فقالوا: "يا معلم، نعلم أنك صادق، وتعلم طريق الله بالحق ولا تبالي أحد، لأنك لا تنظر إلى وجوه الناس، فقل لنا: ماذا تظن؟ ايجوز أن نعطي جزية لقيصر أم لا؟ فعلم يسوع خبثهم، وقال: لماذا تجربونني يامراءون؟ أروني معاملة الجزية. فقدموا له ديناراً. فقال لهم: لمن هذه الصورة والكتابة؟ فقالوا لقيصر، فقال لهم: أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله". ٥ - المسيح عيسى ابن مريم جاء غريباً وعاد غريباً: لقد تنبأ عن نفسه بالآلام، فتصدى له بطرس رياء يستبعد عنه ما هو محتوم أن يكون: "من ذلك الوقت ابتدأ يظهر لتلاميذه أنه ينبغي أن يذهب إلى أورشليم ويتأ لم كثيراً من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة، فأخذه بطرس إليه، وابتدأ ينتهزه قائلاً: حاشاك يارب، لا يكون لك هذا. فالتفت وقال لبطرس: اذهب عني يا شيطان، أنت معثرة لي، لأنك لا تهتم بالله، لكن بما للناس". وبطرس هذا قد أنكر سيده طاعة المحاكمة: "قال واحد من عبيد رئيس الكهنة: أما رأيتك أنا معه في البستان؟ فأنكر بطرس أيضاً" هذا هو خليفة المسيح، تنكر لسيده ساعة المحنة. وأراد الذين رأوا الخير على يديه أن يتبعوه أينما يمضي، فقال لهم: "للثعالب أوجرة، ولطيور السماء أوكار، وأما ابن الإنسان فليس له ابن يسند رأسه".

стр. 120

وختام الأمر كله قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ٦ - المسيح عيسى ابن مريم رسول الله: أراد اليهود أن يقتلوا المسيح رسول الله، فقال لهم: "لو كنتم أولاد إبراهيم لكنتم تعلمون أعمال إبراهيم، ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله، هذا لم يعمله إبراهيم". ويضرع إلى الله في صلواته فيقول: "وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنا الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته". ويحدد اختصاص رسالته فيقول: "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقص بل لأكمل". وبين القوم الذين جاءوا لأجلهم فيقول: "ينبغي لي أن أبشر المدن الأخرى أيضاً بملكوت الله، لأني لهذا قد أرسلت، فكان يكرز في مجامع الجليل". ويقول الله العزيز الحكيم في كتابه الكريم: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ ٧ - المسيح عيسى ابن مريم نبي الله: أقر فب حزن دفين ألامكانة له في وطنه مهما يرفعه الله من درجات، وقد سجل هذا متى أحد الحواريين في إنجيله (الباب ١٣: ٥٤ - ٥٨) وهذا نصه للاستفادة من مناحيه المتعددة: "ولما جاء إلى وطنه كان يعلمهم في مجمعهم حتى بهتنوا وقالوا: من أين لهذا هذه الحكمة والقوات؟ أليس هذا ابن النجار؟ أبيست أمه تدعى مريم، وإخوته يعقوب ويوسى وسمعان ويهوذا؟ أو ليست أخواته جميعهن عندنا؟ فمن أين

стр. 121

لهذا هذه كلها، فكانوا يعثرون به. وأما يسوع فقال لهم: ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه، وفي بيته، ولم يصنع هناك قوات كثيرة لعدم إيمانهم". ويقول : ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ... ﴾ الآيات. وكان الشعب ينظر إليه - كنبي: "وإذ كانوا يطلبون أن يمسكوه خافوا من الجموع، لأنه كان عندهم مثب نبي لله. وقالت عنه المرأة السامرية: "أرى أنك نبي". ٨ - المسيح عيسى بن مريم رفيع الدرجة عند الله والناس: لقد ندد المسيح بالكهنة والكتبة والفريسيين والصدوقيين والناموسيين ولما دخل الهيكل ابتدأ يخرج الذين كانوا يبيعون ويشترون فيه: "قائلاً لهم: مكتوب ان بيتي بيت الصلاة، وأنتم جعلتموه مغارة لصوص". هذا هو المسيح. يتهم الجنس البشري على اختلاف طبقاته بالإثم والمعصية والخطيئة، ويتحداه بقوله: "من منك يبكتني على خطية، فإن كنت أقول الحق فلماذا لستم تؤمنون بي". ويؤيد الله هذه الدرجة في قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ ٩ - المسيح عيسى ابن مريم مؤيد بالروح القدس: بين الأنبياء الذين أرسلهم الله لهداية الناس إلى الواحدنية ثلاثة يعتبرون أئمة الأنبياء، هؤلاء جاءوا بالحق يبشرون وينادون بالوحدانية، ويتشابه هؤلاء في إعجاز مولدهم، ونشأتهم، وتعلق البشر بهم.

стр. 122

لقد ولد في مصر نبي من بني إسرائيل هو موسى ﵇، وكانت مصر في ذلك الزمان أرض السحرة، وكان الله ناصراً ومؤيداً لنبيه بالمعجزات التي سحقت أعمال السحر، وكانت سبباً في إيمان امرأة فرعون بالله الواحد القهار. وفي فلسطين ولد المسيح عيسى ابن مريم ﵇، وفلسطين عاصرت عهدين: عهد الدولة الإغريقية التي اشتهرت بالحكمة والطب، وعهد الدولة الرومانية التي اشتهرت بالبطش والسطوة، فكان لابد أن تكون تأييدات الله من نوع يستطيع به رسوله ونبيه أن يفحمهم علماً وطباً. وفي الجزيرة العربية ولد رسول الله ﷺ ، والعرب يمتازون بفصاحة القول وبلاغته فكان تأييد الله لرسوله بالقرآن الكريم. وكأن الله تعالى شاء أن تكون الأرض التي وطئتها أقدام الرسل والأنبياء مثلثة. زاويتها الأولى مصر، وزاويتها الثانية فلسطين، وزاويتها الثالثة الجزيرة العربية. جاء سيدنا عيسى ﵇ مؤيداً بالروح القدس، فجرت على يديه معجزات شفاء المرضى وإبراء الأبرص، وإحياء الموتى. كل هذا وأكثر منه بإذن الله: "قال يسوع: ارفعوا الحجر، قالت مرثا أخت الميت: ياسيد، قد أنتن، لأن له أربعة أيام. قال لها يسوع: ألم أقل لك إن آمنت ترين مجد الله؟ فرفعوا الحجر حيث كان الميت موضوعاً، ورفع يسوع عينيه إلى السماء وقال: يالله، أشكرك. لأنك سمعت لي، وأنا علمت أنك في كل حين تسمع لي ولكن لأجل هذا الجمع الواقف قلت. ليؤمنوا أنك أرسلتني. ولما قال هذا صرخ بصوت عظيم: لعازر هلم خارجاً. فخرج الميت ويداه ورجلاه مربوطات بأقمطة. ووجهه ملفوف بمنديل فقال لهم يسوع: حلوه ودعوه يذهب". ويفتري المسيحيون في ادعائهم أن المسيح لم يكن مؤيداً بالروح القدس فحسب بل هو ذاته الله في جسد إنسان، وبهذا الإدعاء، وذاك الافتراء باءوا بغضب ولعنة من الله. ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ

стр. 123

اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ . وإذا افترضنا - جدلا - صحة هذا الزعم، فهل نعد هؤلاء الذين أقاموا موتى آلهة؟ وهؤلاء هم: ١ - إيليا عندما طلب من الله: "يارب إلهي، لترجع نفس هذا الولد إلى جوفه، فسمع الرب صوت إيليا، فرجعت نفس الولد إلى جوفه فعاش". ٢ - أليشع تلميذ إيليا عندما أقام ميتاً: "ودخل أليشع البيت وإذا بالصبي ميت ومضجع على سريره، فدخل وأغلق الباب على نفسيهما كليهما، وصلى إلى الرب، فعطس الصبي سبع مرات، ثم فتح الصبي عينيه". ٣ - بطرس أحد الحواريين أقام ميتة: "فأخرج بطرس الجميع خارجاً وجثا على ركبتيه وصلى، ثم التفت إلى الجسد وقال: ياطابيثا قومي، ففتحت عينيها، ولما أبصرت بطرس جلست فناولها يده وأقامها، ثم نادى القديسين والأرامل، وأحضرها حية". ٤ - بولس المدعو رسولا، أقام ميتاً: "وكان شاب اسمه أفتيخوس جالساً في الطاقة متثقلا بنوم عميق، وإذا كان بولس يخاطب خطاباً طويلا غلب عليه النوم، فسقط من الطبقة الثالثة إلى أسفل، وحمل ميتاً، فنزل بولس، ووقع عليه، واعتنقه قائلا: لا تضطربوا لأن نفسه فيه. . . وأتوا بالفتى حياً، وتعزوا تعزية". هل هؤلاء آلهة؟ حاشا، لا هؤلاء ولا المسيح عيسى بن مريم إله، بل كلهم بشر، ويدحض الله القدير هذه الشبهة بقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . ويوضح حقيقة الأمر بقوله تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ .

стр. 124

وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ . وقد بين الحقيقة في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٦) وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ . مقارنة بين تعاليم المسيح وتعاليم بولس لقد كان المسيح ﵇ رسول الله، جاء ليحقق إرادة الله وينادي بما نادى به الرسول الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ . ونطق بذلك خليفة المسيح بطرس إذ قال: "بالحق أنا أجد أن الله لا يقبل الوجوه، بل في كل أمة الذي يتقيه ويصنع البر مقبول عنده". لقد جاء المسيح بطريقته الخاصة التي ميزت تعاليمه الباهرة ومباحثه الدينية بطابع السمو والبساطة حتى يفهمها لأول وهلة - الزارع، والصانع والمثقف، والأمي، والرجل، والمرأة - دون أدنى إجهاد للذهن، وها هو ذا يبسط تعاليمه لهذه الحقيقة التي قالها الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ .

стр. 125

فيورد قصة مشهورة، هي قصة السامري الصالح، وتتلخص هذه القصة في استفسار من ناموسي - وهو الذي يسير وفق تعاليم التوراة تماماً - فيسأل: كيف يرث الحياة الأبدية؟ فيرد عليه المسيح عيسى ابن مريم بقوله: إن الدين هو حياة وقوة وليس مجرد تعاليم تحفظ. الدين هو أن يعيش المرء في إطار أحكام الشرع لا يتعدى أوامر الله ولا يقترف نواهيه. ونطق المسيح برده المشهور عقب إيراد القصة، وتتلخص في: ١ - كاهن يمر بالجريح الذي سطا عليه اللصوص من قطاع الطريق فيعبر الكاهن دون أن يقدم مساعدة. ٢ - لاوى يمر كذلك دون أن يقدم أية مساعدة، وهذان من رجال الدين وعبورهما دون تقديم أية خدمة ينفي قوة الدين فيهما. ٣ - سامري (وبين السامرين والإسرائيليين عداوة قديمة في كل شأن من شئون حياتهم) هذا السامري لم يكن في امتياز اليهود من ناحية الوحدانية ومن ناحية أنهم شعب الله المختار، ومع هذا قدم إسعافات طبية، ومعونة مالية، وأخذه إلى أقرب فندق للعناية به. وعهنا يشير المسيح عيسى ابن مريم إلى أن الغاية العظمى من الدين - هي كمحبة الله - ينبغي أن تكون محبة القريب. ومن هذا القريب؟ إنه ذلك الغريب الذي وقع بين قطاع الطريق. وها هي ذي القصة، نوردها بنصها: "وإذا ناموسى قام ليجربه قائلا: يا معلم، ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟ فقال له: ما هو مكتوب في الناموس، كيف تقرأ؟ فأجاب وقال: تحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل قدرتك، ومن كل فكرك، وقريبك مثل نفسك، فقال له: بالصواب أجبت. افعل هذا فتحيا." "وأما هو فإذ أراد أن يبرر نفسه قال ليسوع: ومن هو قريي؟ "فأجاب يسوع وقال: إنسان كان نازلا من أورشليم إلى أريحا فوقع بين لصوص، فعروه وجرحوه، ومضوا وتركوه بين حي وميت، فعرض أن كاهناً نزل في تلك الطريق فرآه وجاز مقابلة، وكذلك لاوى إذ أيضا صار عند المكان جاء ونظر وجاز مقابله. ولكن سامرياً مسافراً جاء إليه، ولما رآه تحنن، وتقدم وضمد جراحاته، وصب عليها زيتاً وخمراً، وأركبه على دابته، وأتى به إلى فندق، واعتنى به، وفي

стр. 126

الغد لما مضى أخرج دينارين، وأعطاهما لصاحب الفندق، وقال له: اعتن به، ومهما أنفقت أكثر فعند رجوعي أوفيك: فأي الثلاثة ترى صار قريباً للذي وقع بين اللصوص؟ يقال: الذي صنع معه الرحمة. فقال له يسوع: اذهب أنت أيضاً واصنع هكذا". هذا هو أسلوب المسيح! أما أسلوب بولس المدعو رسولا فهكذا: "فإني إذ كنت حراً من الجميع استعبدت نفسي نفسي للجميع، لأربح الأكثرين، فصرت لليهودي كيهودي، لأربح اليهودي، وللذين تحت الناموس كأني تحت الناموس لأربح الذين تحت الناموس، وللذين بلا ناموس كأني بلا ناموسن مع أني لست بلا ناموس لله، بل تحت ناموس للمسيح، لأربح الذين بلا ناموس، صرت للضعفاء كضعيف، لأربح الضعفاء، صرت للكل كل شيء لأخلص على كل حال". لعلك أيها القارئ تلمس في هذا الأسلوب عمق بولس في المسائل الفلسفية والمباحث العلمية، مما لم يرو قط عن المسيح، ولعلك تتبين أيضاً الفلسفة التي تتخلل مباحث رسائله، وهي ضرب من فلسفة أرسطا طاليس التي كانت شائعة في أوائل القرن الوسطى في أوربا. والحقيقة التي لا ريب فيها أن بولس كان على جانب كبير من معرفة الفلسفة اليونانية، وسمو المدارك، وقوة الحجة، وشدة العارضة، وجلاء البيان، وقد رأى بعضهم أن مباحثه الفلسفية عن الجسد والنس من الوجهة الدينية من أسمى ما كتب الباحثون الدينيون، فمن قوله: "ويحى أنا الإنسان الشقي! من ينقذني من جسد هذا الموت؟ ". هذه الفلسفة في كتابات بولس، التي لم ترو قط عن المسيح، تجعلني أشك في أن الانجيل من وحي الله، وذلك لاختلاف أسلوب الكتابة ما بين السهولة المطلقة والفلسفة العميقة. وفي هذا يقول الله تعالى ليؤكد إعجاز القرآن الكريم: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾

стр. 127

وليت الأمر اقتصر على هذا، بل إن كتاباته أصبحت مبادئ يؤمن بها فأي تناقض بين نداء المسيح بالسلام كما أوردت في القصة آنفة الذكر ونداء بولس في رسالته إلى أهل غلاطية: "أطرد الجارية وابنها، لأنه لا يرث ابن الجارية مع ابن الحرة. إذن أيها الإخوة لسنا أولاد جارية بل أولاد حرة". ولا ريب في أن ما تعانية أمريكا اليوم من التفرقة العنصرية - وهي الدولة المسيحية اللاتينية - إنما هو وليد الإيمان بمثل هذه المبادئ التي تناقض إرادة الله القائل: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ . وقول المسيح: "أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم". وقد كتبت جريدة الأخبار بتاريخ ٢٢/١/١٩٦٢ في صحيفة ٦ عمود ٦ حادثاً يندى له جبين مدينة عصر الصواريخ، هذا الحادث يتلخص في طرد وكيل الخارجية الأمريكية من مطعم المطار لأنه زنجي. أهذه هي المسيحية التي نادى بها المسيح؟ إن المسيح وصى بمحبة القريب مثل محبة الله، أو كما قال رسول الله ﷺ : "أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود ولا لأسو على أحمر - إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، صدق رسول الله.

стр. 128

الباب السابع الكتاب المقدس والعقيدة المسيحية ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١ - الكتاب المقدس والعهد القديم (أ) نشأة اللغة العبرية: إن اللغة العبرية لم تذكر (بالنص) في الكتب المقدسة، وهو ما يدل على أن هذه التسمية كانت من عمل غير العبريين، وإنما ذكرت في سفر أشعياء ١٩: ١٨ - بلغة كنعان. مسماة باسم كنعان حفيد نوع ﵇. ثم أطلقوا عليها اسم اليهودية، جاء في سفر الملوك الثاني ١٨: ٦، وسفر أشعياء ٢٦: ١٣. ولقد ورد هذا الاسم (يهودي) في سفر نحميا، إلا أنه لم يذكر إلا بعد هجرة العشرة الأسباط - هنالك - وكان هذا النعت يطلق على اللغة والأمة أيضاً. والفرق كبير بين لفظي: عبري، وإسرائيل، لأن عبري إنما كان ينعت به الشعب قبل ظهور الأسباط في الأيام الخالية. أما بعد ذلك فقد أصبحوا يفخرون بالإسرائيلية. على أننا لا نجد من بين المؤرخين اليونانيين والرومان مثل بوزينوس وطسطيوس - وحتى المؤرخ الإسرائيلي بوسيفوس - من ذكر اليهود أو سماهم بالإسرائيليين. بل كلهم يجمعون على تسميتهم بـ (العبريين) . وهذا اللفظ مأخوذ من عبر النهر كما أسلفنا، أي (نهر الفرات) ، ثم إنهم أضافوا ياء بالنسبة إلى (عبر) فأصبح (عبرياً) ، وأول من سمى

стр. 129

بهذا الاسم عشيرة سيدنا إبراهيم ﵇ التي جاءت من شرقي الفرات إلى أرض كنعان. "أبرام سكن في أرض كنعان". والتاريخ يجهل نشأة اللغة العبرية من عهدها الأول. وغاية ما يعرفه أنها وليدة أرض كنعان، وأنها كانت تجري على ألسنة قبائل الكنعانيين والفينيقيين سكان فلسطين قبل أن يسكن أبناء إبراهيم تلك البلاد. وكنعان اسم يشمل كل عشائر الكنعانيين، سكان فلسطين وما تاخمها من بلاد سوريا - ذلك الجزء الذي يقع على سكانه نعت الفينيقيين، وقد وجد في آثارهم عملة تشهد بذلك. ومما وقع في القرن الخامس عشر قبل الميلاد: كتب ملوك الشام وفلسطين رسائل إلى فرعون ملك مصر بالقلم المسماري، باللغة البابلية وقد وجد في ثبت هذه الرسائل ألفاظ دخيلة ليست من صميم اللغة في شيء، فقام الأستاذ "جمن" يتحقيقها، وكان أستاذاً في دار الفنون في مدينة لينزج، فقال إن هذه اللغة هي اللغة العبرية القديمة، وأجمع العلماء والمحققون على أن الشروح الموجودة في هذه المكاتب هي أقدم ما عرف من آثار اللغة العبرية. بيد أن بني إسرائيل، لم يعرف عنهم أنهم كانوا يسكنون بلاد فلسطين في ذلك العهد، ولكنهم كانوا أشتاتاً في البادية، بين جزيرة العرب وبلاد فلسطين. (ب) تطور اللغة العبرية: أما تاريخ اللغة العبرية فيمر بعصرين: ٢ - العصر الذهبي: ويبتدئ من أول نشاة اللغة إلى هجرة بابل، والأسفار التي كتبت في ذلك العهد هي: التوراة: "سفر التكوين، الخروج، واللاويين، والعدد، والتثنية". ثم الأنبياء، والمكتوبات: "يشوع والقضاء وراعوث وصموئيل الأول والثاني، والملوك الأول

стр. 130

والثاني، والمزامير، وأسفار الأنبياء - يوئيل وعاموس وهوشع وأشعياء وميخا وصفنيا، وحبقو ومحميا وناحوم وعوبديا وإرميا وحزقيال". ٣ - العصر الفضي: ويبتدئ من الهجرة إلى عهد المكابيين، أي إلى سنة ١٦٠ ق. م. وفي هذا العصر جرت اللغة الأرامية مع لهجة اليهود في أرض بابل، ولاكنها ألسنتهم، لسهولتها وتشابه لهجتها بلهجة اللغة العبرية، وتجد آثار اللغة الآرامية في أسفار عزرا ونحميا واستير، وأسفار الأنبياء - يونان وحجي وزكريا وملاخي ودانيال، وأيضاً في سفر الجامعة وبعض المزامير التي أضيفت إلى مزامير داود. (ج) اللغات السامية: تنقسم اللغات السامية ثلاثة أقسام: ١ - اللغة العربية. ٢ - اللغة العبرية . ٣ - اللغة الآرامية أو السريانية. ١ - اللغة العربية: مركزها الحد الجنوبي من منطقة اللغات السامية الأخرى، وينسب لها اللغة الكوشية وهي لغة أهل الحبشة، وهي مأخوذة من لغة العرب الحميريين وسائر المخطوطات السينائية. ٢ - اللغة العبرية: تشبه الكنعانية والصورية. ٣ - اللغة الآرامية: اللغة الآرامية أو السريانية هي لغة أهل الشمال والشمال الشرقي، وهي المنطقة التي أطلق عليها اسم (سوريت) . وهذا اسم أطلق على تلك المنطقة في عهد الحضارة النصرانية. أما اليهود، فيسمونها "كسديت" أو "الكلدانية".

стр. 131

وسميت هذه اللغات بالسامية نسبة إلى (شم) وهو سام بن نوح، وكانت اللغات السامية في ذلك الوقت لغات أهالي فلسطين وفينيقيا وسوريا وبين النهرين وأرض بابل وجزيرة العرب، أعني المنطقة الواقعة على شواطئ البحر الأبيض المتوسط الشرقية حتى نهر دجلة، والواقعة من جبال أرمينيا حتى القسم القبلي من جزيرة العرب. (د) طريقة الكتابة: العبرية تكتب وتقرأ من اليمين إلى اليسار كأخواتها من اللغات السامية الأخرى. (هـ) قواعد اللغة العبرية: انتهى عهد الكتب المقدسة وجاء عهد المفسرين الذين عالجوا تفسير وتبيين ما حوته هذه الأسفار مما استغلق فهمه على الكافة من الناس، ثم أخذوا من بعد ذلك في ترجمتها إلى اللغات الحية المعروفة في البلاد التي هاجر إليها اليهود. وأقدم الترجمات الترجمة الإسكندرونية التي بدأت في عهد تلماى فيلدلفيوس للخمسة الأسفار الأولى، أي التوراة، وتمت بعد ذلك - وهذه الترجمة هي الترجمة اليونانية المعروفة بالترجمة السبعينية. ثم ترجمت إلى اللغة الآرامية، ثم ظهرت طائفة من علماء اليهود فوضعت الشكل. ولما كان القرن العاشر، بدأ اليهود في وضع قواعد اللغة العبرية محاكاة لما كان من شأن العرب في وضع قواعد اللغة العربية. (و) اللغة العربية واللغة العبرية: الرأي عند المحققين من أصحاب علم اللغات السامية أن نصف اللغة العبرية أقدم من اللغة العربية، والنصف الآخر أحدث منها. أما النصف الذي هو أقدم فهو الخاص بترتيب الجمل، وأما الحديث فهو ما يختص بالكلمات والأوزان. وقد كانت اللغة العربية أسرع وأنشط في التطور من العبرية، وأقدر على التعبير وأداء صيغ التفكير، فأوزان الأفعال والأسماء العربية أصح وأمتن منها في العبرية، وكثيراً ما يشبه العبري اللغة العربية العامية. خذ مثلا كلمية "عين" (أمثال ٢٠: ١٢) "الأذن السامعة والعين الباصرة الرب صنعهما كلتيهما"، فأنت تجدها في العبرية على وتيرة واحدة "عاين"، أما في العبرية فعين وعينا وعين، وجمع المذكر السالم في العبري غالباً (يم) "بطنيم" جمع

стр. 132

بطم، وهي فاكهة ففي فلسطين (الفستق البري) "تكوين ٤٣: ١١" بخلاف العربي فإنه يجمع بالواو والنون والياء والنون. أما الثروة اللغوية فإن العربية تفضل غيرها من اللغات السامية غنى واتساعاً وطلاوة وحلاوة، وهذا ما يفض الخلاف القائم بين اليهود والمسلمين فإن العرب يقولون: إن لغتهم أقدم اللغات، وإن آدم كان يتكلم العربية، وكذلك اليهود يزعمون هم أيضاً هذا الزعم، والتحقيق العلمي له الولاية والأمر. (ز) السامريون: وبهذه المناسبة يجمل أن أذكر شيئاً عن السامريين لارتباطهم الوثيق بعلاقاتهم مع الإسرائيليين. لقد احتدم النزاع بين السامريين واليهود. فيزعم السامريون أنهم على حق، وأنهم أصحاب الدين الخالص، ويتهم على ذلك أنهم لم يهجروا بلادهم إلى بابل كما هاجر الذين يحاجونهم في ذلك، بل لبثوا في أرضهم مقيمين قانتين حفظة كراما للدين. ويقول اليهود: ليس السامريون على شيء، وإنهم (اليهود) يعلمون ويوقنون أن أباهم حافظ للدين، فلا يسمه سوء، لأنه الحق المبين. وإن الله كان مدركهم وهاديهم في مهجرهم، ثم إنهم من بعد ذلك عادوا إلى القدس - بيت الله وهم على دينهم الحنيف، قالوا: أما آباؤكم أيها السامريون فقد تزوجوا من نساء وثنيات فاختلط الدم بالدم، واستبحتم ما حرمنا على أنفسنا، بل لم تقف بكم الحال عند هذا الحد، حتى جعلتم بناتكم حلا للوثنيين تصاهرونهم وتخالطونهم. ولقد جمع السامريون من التوراة أسفار موسى الخمسة وكانت لهم هذه الأسفار بالعبرية بالخط العبري القديم، ورغبوا عن الخط المربع ولم يقبلوا الكتابة بع قط، وهو الذي كان يستعمله اليهود بعد هجرتهم إلى بابل. وقد ترجم السامريون أسفارهم الخمسة إلى اللغة الآرامية وبلهجة سامرية بعد أن شاعت اللغة الآرامية وذاعت في بلاد فلسطين.

стр. 133

وأضاف السامريون على الحروف المعروفة عندهم الحروف الحلقية كالمتأخرين من اليهود. وأدخل الكتاب السامريون أوزاناً وكلمات عبرية في تجماتهم، وهو ما حدا بالعلماء حين قرءوا الترجمة السامرية إلى الاعتقاد بأنها خليط من العبرية والآرامية. ٢ - الكتاب المقدس والعهد الجديد كتب العهد الجديد باللغة اليونانية، ولكن وجدت فيه كلمات آرامية مكتوبة بحروف يونانية، كما ظهر أن بعض الإنجيل كتب بالآرامي، ثم نقل من الآرامية إلى اليونانية. هذا ما كان من شأن الأناجيل الأربعة: متى، ومرقس، ولوقا، ويوحنا. أما رسائل بولس الرسول فقد كتبت باليونانية. وقد ترجمت أسفار العهد الجديد إلى السريانية، فأخذ هذه الترجمة نصارى فلسطين وسوريا واستعملوها في كنائسهم. وإنجيل متى ومرقس ولوقا - يمكن الإحاطة بها بنظرة واحدة - ذلك لأن محتوياتها وحوادثها يمكن ترتيبها في أعمدة متوازنة، والنظر إليها مجتمعة، ولهذا يطلق عليها عبارة Synoptic Gospels وقد كتبت باللغة اليونانية الدارجة Greek Koind، ولم تكن نماذج مصقولة في النحو أو البلاغة. ومن هذه المصادر كانت الترجمة الإنكليزية المشهورة والمعروفة بنسخة الملك جيمس King James, Version والتي أصبحت النسخة المعتمدة للعالم الإنكليزي ونالت هذا الامتياز بنسبتها للملك جيمس، وهي ترجمة بعيدة كل البعد عن الدقة. وترجع أقدم النسخ التي لدى الكنيسة من الأناجيل الأربعة إلى القرن الثالث الميلادي. أما النسخ الأصلية فيبدوا أنها كتبت بين عامي ٦٠، ١٢٠ ثم تعرضت بعد كتابتها لتحريف مقصود يراد به التوفيق بينها وبين الطائفة التي ينتمي إليها الناسخ أو المطابقة لأغراضها في المسائل اللاهوتية لأهداف خاصة، كما تعرضت مدى قرنين من الزمان لأخطاء النقل.

стр. 134

والنساخ المسيحيون الذين عاشوا قبل نهاية القرن الأول لا ينقلون شيئاً قط عن العهد الجديد، بل كل ما ينقلونه مأخوذ من العهد القديم، ولسنا نجد إشارة لإنجيل مسيحي قبل عام ١٥٠ م. (أ) إنجيل مرقس: يتفق الثقاة من العلماء النقاد على أن إنجيل مرقس أسبق الأناجيل الأربعة في الزمن، ويؤرخونه ما بين عامي ٦٥، ٧٠م ويقال إن مرقس هو الذي ألف إنجيله من ذكريات نقلها إليه بطرس. (ب) إنجيل متى: تقول الرواية المأخوذ بها في التقليد الأرثوذكسي Orthodox tradition إن إنجيل متى أقدم الأناجيل كلها، ويعتقد إيرونيوس Irenaes أنه كتب باللغة العبرية أي الآرامية، ويبدو أن هذا الإنجيل هو مجموعة آرامية من أقوال المسيح، والمرجح أن بولس كانت لديه وثيقة من هذا النوع، وذلك لأنه لم يتلق الإنجيل عن المسيح شأن الحواريين، فاستعان بهذه الوثيق لينقل أحياناً كلمات يسوع بنصها، ولكنه لم يصل إلينا إلا باللغة اليوناينة. ويميل العلماء النقاد إلى القول بأن هذا الإنجيل من تأليف أتباع متى، وليس من أقوال العشار نفسه، وأكثر العلماء يرجعون به إلى تلك الفترة البعيدة المحصورة بين عامي ٨٥، ٩٠م. وإذا كان الغرض الذي يبتغيه متى هو هداية اليهود، فإنه يعتمد أكثر من غيره من الحواريين على المعجزات التي تعزي إلى المسيح، ويحرص حرصاً شديداً - يدعو إلى الريبة - على أن يثبت أن كثيراً من نبوءات العهد القديم قد تحققت في شخص المسيح. (جـ) إنجيل لوقا: والإنجيل حسب نص القديس لوقا - وهو النص الذي يعزي عادة إلى العقد الأخير من القرن الأول - يعلن لوقا فيه أنه يرغب في تنسيق الروايات السابقة عن المسيح،

стр. 135

والتوفيق بينها، وأنه يهدف إلى هداية الأمم لا اليهود. وأكبر الظن أن لوقا نفسه كان أممياً وأنه كان صديقاً لبولس وأيضاً هو مؤلف لسفر الأعمال. وقد اقتبس كثيرا من كتابات مرقص كما سبق، واقتبس منها القديس متى، فغن الإنسان يستطيع أن يجد في إنجيل متى ستمائة سند من الستمائة وواحد وستين سنداً التي يشتمل عليها النص المعتمد لإنجيل مرقس، ويجد أيضا ثلثمائة وخمسين في إنجيل لوقا، تكاد تكون هي بنصها في إنجيل مرقس. بل أكثر من هذا نجد في إنجيل متى كثيراً من الفقرات التي توجد في إنجيل لوقا، ولا توجد في إنجيل مرقس، وهذه أيضاً تكاد تكون بنصها. ويبدو أن لوقا قد أخذ هذه النصوص عن القديس متى، أو أن لوقا ومتى قد أخذاها عن أصل مشترك لم نعثر عليه بعد. ويصقل لوقا هذه النقول "الاقتباسات" الصريحة بمهارة أدبية، تحمي رينان Renan على الظن بأن هذا الإنجيل أجمل ما ألف من كتب. (د) إنجيل يوحنا: والإنجيل الرابع لا يدعى أنه ترجمة لحياة يسوع، بل هو عرض للمسيح من وجهة النظر اللاهوتية بوصفه كلمة الله، وخالق العالم، ومنقذ البشرية، وهو يناقض الأناجيل الأخرى Synoptic Gospels في مئات من التفاصيل وفي الصورة العامة التي يرسمها عن المسيح، وإن ما يصطبغ به الإنجيل - من نزعة قريبة من نزعة القائلين بأن الخلاص لا يكون بالإيمان بل بالمعرفة، وما فيه من تأكيد للآراء الميتافيزيقية metaphysical ideas قد جعل الكثيرين من الباحثين في الدين المسيحي في شك من أن واضع الإنجيل هو الرسول يوحنا، ويرجع أن كتابة هذا الإنجيل كانت في القرن الأول، وأن كاتبه هو كاتب رسائل يوحنا التي تعرض الأفكار نفسها بالأسلوب نفسه.

стр. 136

خلاصة القول: وخلاصة القول أن ثمة تناقضاً كبيراً بين بعض الأناجيل وبعضها الآخر، وأن فيها نقطاً تاريخية مشكوكاً في صحتها، وفيها من القصص - الباعثة على الشبهة والريبة ما يماثل مماثلة واضحة ما يروى عن آلهة الوثنيين، وكثير من الحوادث التي يبدو أنها وضعت عن قصد لإثبات وقوع كثير من النبوءات الواردة في العهد القديم، وفقرات كثيرة ربما كان المقصود منها تقرير أساس تاريخي لعقيدة متأخرة من عقائد الكنيسة أو طقس متأخر من طقوسها. ويبدو أن ما تنقله الأناجيل من أحاديث وخطب - وقد تعرض لما تتعرض له ذاكرة الأميين من ضعف وعيوب، ولما يرتكبه النساخ من أخطاء أو "تصيحيح وتنقيح للكتابات". وإن الحواريين - على ما يتصفون به من تحيز وميل مع الهوى، ومن الأخذ بأفكار دينية سابقة - ليسجلون كثيراً من الأحداث، كتنافس الرسل على المنازل العليا في ملكوت الله، وفرارهم هرباً بعد القبض على يسوع، وإنكار بطرس، وعجز المسيح عن إتيان المعجزات في الجليل، وإشارة بعض من سمعوا المسيح إلى ما عسى أن يكون دليلا على إصابته بالجنون، وتشككه الأول في رسالته، واعترافه بأنه يجهل أمر المستقبل، وما كان يمر به من لحظات يمتلئ قلبه فيها حقداً على أعدائه، وصيحة اليأس التي رفع بها عقيرته وهو على الصليب بقوله: "إلهي إلهي لماذا تركتني". وإن من يطلع على هذه الأحداث لا يشك قط في أن وراءها شخصية تاريخية حقة، وهي شخصية المسيح عيسى بن مريم، الذي تنبأ بكل هذا، بقوله في إنجيل برنابا: "لأن الله سيصعدني من الأرض وسيغير منظر الخائن حتى يظنه كل أحد إياي، ومع ذلك فإنه حين يموت شر ميتة أمكث أنا في ذلك العار زمناً طويلا في العالم ولكن متى جاء محمد رسول الله المقدس تزال عني هذه الوصمة". ويتنبأ بقوله في إنجيل يوحنا: "ومتى جاء المعزى - الذي سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق - فهو يشهد لي، وتشهدون أنتم أيضاً

стр. 137

لأنكم معي من الابتداء". وعن تلاميذه يتنبأ في إنجيل يوحنا: "هو ذا تأتي ساعة - وقد أتت الآن - تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته، وتتركوني وحدي، وأنا لست وحدي لأن الآب معي". إذن الأناجيل الأربعة هي قصة حياة المسيح وتعاليمه كتبها تلاميذه وتابعوهم ثم سفر الأعمال الذي ألفه لوقا: "الكلام الأول أنشأته ياثاوفيلس عن جميع ما ابتدأ يسوع يفعله ويعلم به"، وهو تاريخ الكنيسة ونشأتها بزعامة بطرس وبولس والتلاميذ، ثم الرسائل ومعظمها لبولس، وهي خطاباته للكنائس التي كان يبشر فيها في أوربا وآسيا. ثم سفر الرؤيا، وهو سفر نبوي كتبه يوحنا بن زبدى يتنبأ فيه عن مجيء المسيح وامتلاكه للأرض مع تلاميذه الاثنى عشر. ٣ - الكتاب المقدس والأبوكريفا (أ) إنجيل برنابا. (ب) رسائل اكليمندس. (جـ) ترنيمة العذراء. (أ) إنجيل برنابا اكتشاف الإنجيل: عثر كريمر مستشار ملك بروسيا على نسخة لإنجيل برنابا مترجمة إلى اللغة الإيطالية، ولما لها من قيمة تاريخية أهداها إلى البرنس يوجين سافوى، ثم انتقلت النسخة مع سائر

стр. 138

مكتبة البرنس الزاخرة بالآثار التاريخية والكتب العلمية إلى مكتبة البلاط الملكي في فيينا حيث لا تزال هناك حتى الآن. وبرنابا حواري من أنصار المسيح الذين يلقبهم رجال الكنيسة بالرسل والذي عرف التلاميذ ببولس بعد ما اهتدى بولس إلى المسيحية ورجع إلى أورشليم: "ولما جاء شاول إلى أورشليم حاول أن يلتصق بالتلاميذ وكان الجميع يخافونه غير مصدقين أنه تلميذ، فأخذه برنابا، وأحضره إلى الرسل، وحدثهم كيف أبصر الرب في الطريق، وأنه كلمه، وكيف جاهر في دمشق باسم يسوع". فلعل التلاميذ ما كانوا ليثقوا ببولس بعد ما كان من عداوته لدينهم لولا برنابا الذي عرفه أولا وعرفهم به بعد أن وثق به. ومع هذا فقد تنكر بولس لبرنابا، ولم يحفظ له الجميل، فاختلفا اختلافاً عنيفاً: "ثم بعد أيام قال بولس لبرنابا لنرجع ونفتقد إخوتنا في كل مدينة نادينا فيه بكلمة الرب كيف هم، فأشار برنابا أن يأخذا معهما أيضاً يوحنا الذي يدعى مرقس وأما بولس فكان يستحسن أن الذي فارقهما من بمفيلية ولم يذهب معهما لا يأخذانه معهما، فحصل بينهما مشاجرة حتى فارق أحدهما الآخر، وبرنابا أخذ مرقس وسافر في البحر إلى قبرص. وأما بولس فاختار سيلا". وانعكس هذا الافتراق في إنجيل برنابا، فجاء في مقدمته أن بولس انفرد بتعليم جديد مخالف لما تلقاه عن المسيح، ومن ذلك: "الأعزاء، إن الله العظيم العجيب قد افتقدنا في هذه الأيام الأخيرة بنبيه يسوع المسيح برحمته العظيمة للتعليم والآيات التي اتخذها الشيطان ذريعة لتضليل كثيرين بدعوى التقوى مبشرين بتعليم شديد الكفر، داعين المسيح ابن الله، ورافضين الختان الذي أمر به الله دائماً، مجوزين كل لحم نجس، الذي ضل في عدادهم أيضاً بولس، الذي لا أتكلم عنه إلا مع الأسى، وهو السبب الذي لأجله أسطر ذلك الحق الذي رأيته وسمعته في أثناء معاشرتي ليسوع، لكي تخلصوا ولا يضلكم الشيطان فتهلكوا في دينونة، وعليه فاحذروا كل واحد يبشركم بتعليم جديد مضاد لم أكتبه لتخلصوا خلاصاً أبدياً".

стр. 139

ومع مخالفة تعاليم بولس للحق انتشرت وتأصلت في الإمبراطورية الرومانية إذ صادفت هوى في نفوسهم وعبادتهم الوثنية التي كانوا يعتنقونها من قبل. موقف الكنيسة من إنجيل برنابا: ولعل في سيطرة تعاليم بولس في الكنائس وسيطرة شخصيته على التلاميذ ما دفع بعض علماء الغرب إلى القول بأن إنجيل يوحنا وإنجيل مرقس من تأليف بولس كما تحققه دائرة المعارف الفرنسية، وكما يحققه قاموس الكتاب المقدس. ولهذه الاعتبارات أثرها في جعل الكنيسة تستبعد إنجيل برنابا بمقتضى أمر بابوي أصدره. البابا جلاسيوس في أواخر القرن الخامس للميلاد، أي قبل بعثة الرسول سيدنا محمد ﷺ . تاريخ كتابة إنجيل برنابا: يرجع تاريخ كتابة إنجيل برنابا باللغة الإيطالية إلى ما بين منتصف القرن الخامس عشر والسادس عشر، ومن المرجح أن النسخة الإيطالية هي عينها التي اختلسها الراهب فرامرينوا من مكتبة البابا سكتس الخامس الذي عاش في أواخر القرن السادس عشر، ولا سيما أن نوع الورق الذي سطرت عليه النسخة الإيطالية إنما هو من الورق الإيطالي المعروف بالآثار المائية التي فيه والتي يمكن اتخاذها دليلاً صادقاً على تاريخ النسخة الإيطالية. وإلى جانب النسخة الإيطالية ظهرت نسخة إسبانية في أوائل القرن الثامن عشر تقع في مائتين واثنين وعشرين فصلا، وفي أربعمائة وعشرين صفحة، وقد نقلها إلى اللغة الإنكليزية الدكتور منكهوس أحد أعضاء كلية الملكة في أكسفورد، ودفع الترجمة مع الأصل في سنة ١٧٨٤ م إلى الدكتور هوايت أحد مشاهير الأساتذة. البراهين القاطعة على انتشار إنجيل برنابا قبل الإسلام: إن الأمر البابوي - الذي أصدره البابا جلاسيوس الذي جلس على الأريكة البابوية سنة ٤٩٢ م - يبين أسماء الكتب المنهي عن مطالعتها، وفي عدادها كتاب يسمى إنجيل برنابا، وفي هذا دليل قاطع على أن هذا الإنجيل كان موجوداً قبل ظهور الإسلام، ومشهوراً بين خاصة العلماء.

стр. 140

ودليل ثان هو نوع الورق الذي سطرت عليه النسخة الإيطالية، الذي هو من الورق المعروف بالآثار المائية التي فيه، والتي تدل على تاريخ النسخة الإيطالية مما يؤكد شيوعه. ودليل ثالث بشأن الزمن الذي كتب فيه - ما ورد: "أجاب يسوع أني حقاً أرسلت إلى بيت إسرائيل نبي خلاص، ولكن سيأتي بعدي مسيا المرسل من الله لكل العالم الذي لأجله خلق الله العالم، حينئذ يسجد لله في كل العالم. وتنال الرحمة حتى أن سنة اليوبيل التي تجيء الآن كل مائة سنة سيجعلها مسيا كل سنة من كل مكان". ولعل هذا الدليل يشير إلى ركن من أركان الإسلام، ألا وهو الحج. مخالفة إنجيل برنابا للأناجيل الأربعة: يخالف هذا الإنجيل الأناجيل الأربعة المشهورة في عدة أمور أهمها: ١ - قوله إن يسوع أنكر ألوهيته، وكونه ابن الله. ٢ - أن الذبيح الذي عزم إبراهيم ﵇ على تقديمه لله إنما هو إسماعيل الابن البكر لإبراهيم لا إسحق وأن الموعد لإسماعيل. ٣ - أن مسيا، أو المسيح المنتظر، ليس هو يسوع بل محمد، وقد ذكر محمداً باللفظ الصريح المتكرر في فصول ضافية الذيول، وقال إن محمداً رسول الله، وإن آدم لما طرد من الجنة رأى مسطوراً فوق بابها بأحرف من نور "لا إله إلا الله، محمد رسول الله". ٤ - أن يسوع لم يصلب، بل حمل إلى السماء، وأن الذي صلب هو يهوذا الأسخريوطي الخائن مسلم سيده.

стр. 141

التعليق: إن مسألة محاكمة المسيح وصلته تتناقض مع حقائق هامة في سباق ما جاء "بالأنبياء والأناجيل" فسرد تفاصيل لمخاوف الكهنة والكتبة من أن يسرقوا جسد المسيح من القبر - إنما هو خرافة أحاطت بسيرة المسيح في قول الكهنة لبيلاطس: "قد تذكرنا أن ذلك المضل قال وهو حي: إني بعد ثلاثة أقوم، فمر بضبط القبر إلى اليوم الثالث، لئلا يأتي تلاميذه ويسرقوه، ويقولوا للشعب إنه قام من الأموات، فتكون الضلالة الأخيرة أشر من الأولى، فقال لهم بيلاطس: عندكم حراس، اذهبوا واضبطوه كما تعلمون فمضوا وضبطوا القبر بالحراس وختموا الحجر". وهذا يناقض رعاية الله لأبنائه وأنبيائه وأصفيائه في قصة دانيال في جب الأسود، وكيف حماه الله من الأسود الجائعة، فظل بينها وكأنها تحرسه حتى خضع الملك الوثني للقول: "يادانيال عبد الله الحي، هل إلهك الذي تعبده دائماً قدر على أن ينجيك من الأسود؟ فتكلم دانيال مع الملك: يأيها الملك، عش إلى الأبد، إلهي أرسل ملاكه، وسد أفواه الأسود، فلم تضرني لأني وجدت بريئاً قدامه، وقدامك أيها الملك". وما موقف الكردينال بيا - الذي يتزعم الحركة المؤيدة لإسرائيل وصاحب وثيقة "تبرئة اليهود من دم المسيح" التي نشرت تفاصيلها الأهرام في ٢/١٠/١٩٦٤ - من هذا السند الذي جاء في إنجيل متى؟ أيهما أصدق: بحوثه، أم ما جاء بإنجيل متى؟ ... وما جاء بإنجيل متى كما يلي: "وفيما هما ذاهبتان إذا قوم من الحراس جاءوا إلى المدينة وأخبروا رؤساء الكهنة بكل ما كان، فاجتمعوا مع الشيوخ وتشاوروا، وأعطوا العسكر فضة كثيرة قائلين: قولوا إن تلاميذه أتو ليلا وسرقوه ونحن نيام. وإذا سمع ذلك عند الوالي نستعطفه ونجعلكم مطمئنين، فأخذوا الفضة وفعلوا كما علموهم، فشاع هذا القول عند اليهود إلى هذا اليوم". ٤ - الكتاب المقدس والتراجم (أ) نسخة الفولجاتا: كان للقديس جيروم أثر ظاهر في الحركات الإصلاحية. إذ قام بترجمة العهد القديم

стр. 142

من اللغة العبرانية إلى اللغة اللاتينية، وتنقيح العهد الجديد وترجمته من اللغة اليونانية إلى اللغة اللاتينية، ويعتبر هذا العمل أكبر الأعمال الكنسية، وتسمى هذه النسخة بالفولجاتا. وظل يعمل فيها حتى وفاته سنة ٤٢٠ م، وقد كان الكتاب المقدس مغلقاً عليه حتى عهد الإصلاح سنة ١٤١٤ م. وهذه الترجمة قد نقحت في سنة ١٥٩٢، سنة ١٩٠٧، ومازالت تعتبر عمدة التراجم للكنيسة الكاثوليكية، ومنها كانت الترجمة الإنكليزية المعروفة Douai Bible (ب) نسخة اكسفورد: وفي سنة ١٣٧٥ م قام جون ويكلف بترجمة الفولجاتا من اللغة اللاتينية إلى اللغة الإنكليزية، وعاونه في ذلك علماء جامعة أكسفورد، وكان عمله هذا بمثابة القبس الذي أشعل النهضة الروحية السياسية التي اجتاحت أوربا في العصور الوسطى، حيث طالبت الشعوب المسيحية بترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة الإنكليزية ونشره لتداوله بينهم مما جعل الكنيسة الكاثوليكية - حرصاً منها على النسخ المقدسة - تستجيب لهذه النهضة، فكلفت الأسقف تشالور بترجمة الكتاب إلى اللغة الإنكليزية ترجمة تتفق ومشرب الكاثوليك وتمحض الأمر عن نسخة ديوى Douai Bible. (جـ) نسخة ديوى Douai Bible عكف الأسقف تشالور على ترجمة الكتاب المقدس من الفولجاتا من اللاتينية إلى الإنكليزية، وذلك في منتصف القرن السادس عشر مع بعض التغييرات الحديثة، وهذه التغييرات - في اعتبارهم - لم تؤثر إطلاقاً في جوهر معاني الكتاب المقدس أو مبادئه الأساسية، وطبع العهد الجديد في كلية ريمس سنة ١٥٨٢، ثم طبع العهد القديم في كلية ديوى سنة ١٦٠٩ وهذه النسخة تشتمل على أسفار الأبوكريفا، وعلى تقديم من البابا ليوس الثالث عشر والبابا بيوس الثاني عشر مع تذييل للأسفار كلها بالتحقيق التاريخي.

стр. 143

(د) التراجم إلى اللغات الحية: من هذه النسخ سواء كانت باللاتينية أو الإنكليزية كانت التراجم إلى اللغات الحية ومنها اللغة العربية. ٥ - الكتاب المقدس والخط اللاتيني إن اللغة اللاتينية تعرضت لتغيرات ضخمة في مدى قرنين ونصف قرن، وهي المدة الواقعة بين (تاكتيوس سنة ٥٥ - ١٣٠ م، وأغسطينوس سنة ٣٥٤ - ٤٣٠ م) . ذلك أن انتشار المسيحية في الغرب خلال هذه الفترة لم ينشأ عنه إدخال ألفاظ جديدة من أصل يوناني فحسب، بل أدى أيضاً إلى استحداث كلمات جديدة وتعبيرات لم تكن معروفة من قبل لتلائم الآراء والمعتقدات والطقوس الدينية التي أتت بها المسيحية. وقد نجم عن ذلك تغيير جسيم في اللغة اللاتينية، ويبدو الفاروق واضحاً بين اللغة اللاتينية الفصحى - كما كتبها شيشرون - واللغة اللاتينية الجديدة أو الدارجة التي استخدمها كتاب العصر المسيحي منذ عهد ترتوليان سنة ٢٠٠ فصاعداً، وهكذا انتهى عصر البلاغة والبيان الذي كان يمتاز به الأسلوب اللاتيني. وثمة مظهر آخر من مظاهر التأخر الذي أصاب اللغة، وبالتالي أصاب أوربا في ذلك العصر، هو تدهور مستوى الخط في الكتابة وفي المخطوطات أو الوثائق الحكومية المعاصرة. ففي العصور القديمة كانت الكتب تدون على مجاميع من أوراق البردي، ولكنها منذ القرن الأول الميلادي أصبحت تدون على صفحات من الرقائق الجلدية مقطوعة على هيئة مربعات قائمة الزوايا أطلق عليها الكتب المربعة. ومعظم المخطوطات التي ترجع إلى العصر الميروفنجي أو العصر القوطي من هذا النوع. أما الخط فكان على ثلاثة أحجام، لكل حجم منها اسم خاص به وهي: ١ - الحروف الكبيرة، وتسمى: ماجسكيل. ٢ - الحروف البوصية، وتسمى: يونيسكيل. ٣ - الحروف الصغيرة، وتسمى: ماينوسكيل. ولم يلبث أن أدى انتشار الجهل إلى فساد الخط، وتعذر قراءته، فوقع الكتاب

стр. 144

بذلك في أخطاء عدة، مما أفسد الكتابة إفساداً يبدو بوضوح في الترجمة اللاتينية للإنجيل في ذلك العصر. ٦ - الكتاب المقدس والنسخ الخطية (أ) نسخة الإسكندرية: وتشمل أربعة مجلدات ضخمة، الثلاثة الأولى منها للعهد القديم، والرابع للعهد الجديد، أجمع العلماء على كتابتها في القرن الرابع الميلادي بمدينة الإسكندرية. (ب) نسخة الفاتيكان: يؤكد العلامة مونتفكون والعلامة بلانشيني أنها كتبت في القرن الخامس، ولا يشبهها إلا نسخة الإسكندرية، وهي محفوظة الآن في الفاتيكان بروما. (جـ) النسخة السينائية: اكتشفها العلامة تشيدرف الألماني، وقد كتبت في القرن الرابع، ولهذا الكشف كرر العلامة زيارته لدير سانت كاترين بسيناء سنة ١٨٤٤ م وسنة ١٨٥٦ م، وأخذ المخطوطات وأهداها إلى قيصر روسيا الإمبراطور إسكندر، ومازالت إلى الآن محفوظة بمكتبة بطرسبرج، وهناك مخطوطات أخرى في لبسيك. (د) النسخة السبعينية: وهي التي استدعى لها بطليموس فيلادلفيوس سبعين من أحبار اليهود إلى مدينة الإسكندرية سنة ٢٨٠ ق. م ليقوم كل منهم على حدة بترجمة التوراة من العبرانية إلى اليونانية، ثم يقابلوا تراجمهم بعضها على بعض ففعلوا ذلك وأظهرت المقابلة صحة الترجمة.

стр. 145

(ب) العقيدة المسيحية ا - المسيحية دين الدولة يرجع الفضل في انتشار المسيحية في ربوع الإمبراطورية الرومانية إلى رحلات بولس المدعو رسولا في آسيا وأوروبا، وإلى كتاباته التي تحتل المكانة الأولى بين كتابات الحواريين. يرجع الفضل في تمكين المسيحية من الإمبراطورية الرومانية إلى اعتناق الإمبراطور قسطنطين المسيحية، ثم اعترافه بها في مرسوم ميلان الشهير سنة ٣٣٣ م، وبهذا وضحت معالمها، وبرزت تعاليمها. وهذا الانتشار أو التطور جعل المثقفين يأخذون بهذه الأمور متسائلين عن العلاقة بين الله والمسيح، محاولين تحديد هذه العلاقة، كما استفسروا عن طبيعة الملائكة، وعن المقصود بأن الخبز والنبيذ تحولا إلى لحم المسيح ودمه. وسرعان ما احتلت هذه المسائل جانبا كبيرا من تفكير المسيحيين عندما غدت المسيحية دينا رسميا للدولة. وقد أدى هذا إلى تطور في أسلوب الدراسات اللاهوتية، وقيامها على منهاج يقتنع به المثقفون من معتنقي الديانة الجديدة. وقام بهذه المهمة مجموعة من كبار العلماء ومفكري المسيحية الذين يطلق عليهم لقب آباء. ٢ - الآباء وتطوير المسيحية كان هؤلاء الآباء على معرفة بالفلسفة الكلاسيكية، فأفادوا منها - ولا سيما من الآراء الأفلاطونية الجديدة - في تأييد آرائهم، والتدليل عليها، وتقديم العقائد المسيحية في صورة علمية يتقبلها المثقفون. هذا إلى أن هؤلاء عملوا على التوفيق بين تعاليم المسيحية من جهة ومطالب الدولة والكنيسة من جهة أخرى، ومن هؤلاء الآباء وأهمهم:
следующие страницы →