Полный текст (206 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الرومانية في بادئ الأمر، لكن سرعان ما تألبوا، وعادوا جيرانهم، وتعدوا عليهم العداون الأثيم، مما اضطر جيرانيهم إلى سحقهم، وتشتيتهم في بقاع الأرض.
وهنا يتجلى الخطأ الذي تردوا فيه، لقد ظنوا أنهم امتلكوا الأرض بقوتهم واقتدارهم، ونسوا الله الذي أراد أن يورثها لهم، فلما عاندوا وتمردوا سلمهم للهزيمة والسحق، وأنذرهم نبيهم إرمياً بهذا القول: "ويعبر أمم كثيرة في هذه المدينة ويقول الواحد لصاحبه: لماذا فعل الرب مثل هذا لهذه المدينة العظيمة؟ فيقولون: من أجل أنهم تركوا عهد الرب إلههم، وسجدوا لآلهة أخرى وعبدوها".
لقد أنذرهم ذلك النبي ٧٢٢ ق. م. بهذا المصير، ولم يرع بنو إسرائيل الحق ولا الأمانة، فكان قول الله عنهم:
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾
ولما تبين لليهود عقم العنف في تحقيق غاياتهم في السيطرة ركنوا إلى الخيال يستلهمونه حل مشكلة الحفاظ على كيانهم المهدد بالزوال، فكان أن بث الأحبار في نفوس اليهود أنهم شعب الله المختار، وأن العالم يتألف من أشتات الناس مقدراً لهم الخضوع لسيطرتهم في نهاية المطاف.
وأخذوا يتشبثون بأهداب الآمال العريضة في مولد ملك من نسل داود، يخلصهم من نير الرومان، ويتسلط على الأرض، ويمتلكون معه، ويقيم لهم إمبراطورية كونية قاعدتها أورشليم "بيت المقدس" ويجعل منهم العنصر الحاكم، وأطلقوا على المخلص المرتقب اسم المسيح، والمسيح لقب ظهر في التوراة يوم مسح شاول بن قيس ملكاً على إسرائيل، ففي يوم تتويجه صبوا على رأسه ذهناً، ومسحوه به، وبهذا سمي مسيح الله، أي الذي مسحه الله بدهن الابتهاج، كعلامة الرضا والتأييد، وأطلقوا على المسيح بن مريم المخلص، أي يسوع، وهي كلمة يونانية تفيد معنى: المخلص، وكلمة يسوع مع تحوير بسيط نطقها نحن المسلمين عيسى.
стр. 72
ويركن أهل الكتاب إلى نبوءة، وإلى تذكير بهذه النبوءة، أما النبوءة فقد وردت في سفر زكريا: "ابتهج جداً يا ابنة صهيون، اهتفي يا بنت أورشليم، هو ذا ملكك يأتي إليك، هو عادل ومنصور ووديع وراكب على حمار، وعلى جحش ابن أتان".
وأما التذكير بهذه النبوة فهو: "قولوا لابنة صهيون هوذا ملكك يأتيك وديعاً راكباً على أتان".
ويأتي المسيح ﵇ فيستنكر هذا كله.
١ - أما عن الإمبراطورية الإسرائيلية: فإنه يقوض هذا الزعم بهذه الحقيقة في قوله: "يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء والمرسلين ... هوذا بيتكم يترك لكم خراباً". وقد تم التخريب والتدمير الشامل في عهد الدولة الفارسية الساسانية سنة ٦١٤ م.
٢ - وأما عن شخصيته، فإنه يقول: "مملكتي ليست من هذا العالم. لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكيلا أسلم إلى اليهود".
وعندما أرادوا أن يأخذوه بمكر قدموا له ديناراً وسألوه: أتعطي جزية لقيصر؟ فأجلبهم: لمن هذه الصورة، ولمن الكتابة؟ قالوا: لقيصر؟ قال: ما لقيصر لقيصر، وما لله لله. وبهذا أفحمهم جواباً وحسم الأمر. ولقد أفاض Will Durant في هذا الشأن تحت عنوان المسيح والإنجيل في كتابه:
The Story of Civilization, Vol. III pp. ٥٦٤ - ٥٧٠
ما حديث الأناجيل عن شخصية المسيح ؟
إن المسيح عيسى بن مريم لم يكن من النساك الزاهدين كما كان الأنبياء والأسنيون ويوحنا المعمدان.
стр. 73
متى بدأ ظهوره؟
بدأ ظهوره وعمله على أثر سجن يوحنا المعمدان: "وبعدما اسلم يوحنا جاء يسوع إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله"، "وأخذ يعمل عمل يوحنا المعمدان ويخطب في الناس مبشراً بملكوت الله حتى ظن أتباع يوحنا المعمدان أن يوحنا المعمدان قد قام من الأموات".
المسيح واختياره لتلاميذه:
لقد اختار المسيح تلاميذه من طراز يصعب على المفكر أن يقول إنهم من النوع القيادي الذي يستطيع بشخصيته أن يبدل اتجاهات العالم وتفكيره فالأناجيل تظهر بين أخلاقهم من اختلاف واقعي، وتكشف عيوبهم صريحاً، فهذا بطرس - الذي قال بسيده المسيح: "وإن شك فيك الجميع فأنا لا أشك فيك أبداً" - ينكر صحبته لسيده المسيح عند محاكمة المسيح. في بيت قيافا رئيس الكهنة: "فأنكر قدام الجميع قائلاً: لست أعرف الرجل، وهذا يهوذا يخون سيده، فيتنبأ عنه المسيح وعن خيانته بقوله: "إن واحداً منكم يسلمني، فأجاب يهوذا مسلمه وقال: هل أنا هو يا سيدي؟ قال له: أنت قلت"، وبقلبة خان يهوذا سيده:: فقال له يسوع: يا يهوذا أبقلية تسلم ابن الإنسان؟! ". وهذان هما يوحنا ويعقوب ابنا زبدي لا يخفيان مطامعهما، فيقولان للمسيح: "أعطنا أن نجلس، واحد عن يمينك، والآخر عن يسارك - في مجدك"، والتلاميذ جميعاً كانت مطامعهم تتفق مع مطاعن هذين التلميذين، حتى إن المسيح أراد أن يهدئ. من هذه المطامع، فوعدهم بأنهم سيجلسون على اثنى عشر كرسياً، يدينون أسباط إسرائيل الإثنى عشر.
стр. 74
المشكلة التي واجهها المسيح في إنجيله:
لقد أدرك المسيح أنه لن يحقق القومية اليهودية بالصورة التي أرادها اليهود، ولهذا قال: "مملكتي ليست من هذا العالم".
ولعله كان يقصد بملكوت الله حالة روحية سامية يصل إليها الأبرار والأطهار كما قال: "ملكوت الله في داخلكم".
ولقد ظل المسيح زمناً طويلاً لا يرى في نفسه إلا أنه أحد اليهود، يؤمن بأفكار الأنبياء، ويواصل عملهم ويجري على سنتهم، فلا يخطب إلا في اليهود، بدليل أنه التقى بالمرأة السامرية عند البئر، فقال لها: "أنتم تسجدون لما لستم تعلمون، أما نحن فسنجد لما نعلم" ولما طلبت منه امرأة كنعانية أن يشفى ابنتها أبى في أول الأمر وقال لها: "لم أرسل إلا خراف بيت إسرائيل الضالة".
لقد كان متمسكاً بشريعة موسى، حتى إنه لما شفى الأبرص قال له: "اذهب أر نفسك للكاهن، وقدم القربان الذي أمر به موسى شهادة لهم.
وإنه كان يلزم اليهود بشريعة موسى بقوله: "كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون، فكل ما قالوا لكم أن تخفظوه فاحفظوه وافعلوه، ولكن حسب أعمالهم لا تعلموا لأنهم يقولون ولا يفعلون".
ولما عرض عليه أن يغير الشريعة أبى، وتمسك بالشريعة الموسوية قائلاً: "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض، بل لأكمل".
هل كانت تعاليم المسيح جديدة؟
الواقع أنه لا جديد فيما جاء به المسيح من تعاليم، فإن بشارته بمجئ ملكوت الله قد وقع نظيرها قبل مجيئه بقرن من الزمان، وأن الناكوس قد حرص على بث الألفة بين الأفراد بمحبة الفرد للآخر في مثل قوله: "لا تبغض أخاك في قلبك ... لا تنتقم،
стр. 75
ولا تحقد على أبناء شعبك، بل تحب قريبك كنفسك"، "وإذا نزل عندك غريب في أرضكم فلا تظلموه، كالوطني منكم يكون لكم الغريب النازل عندكم، وتحبه كنفسك، لأنكم كنت غرباء في أرض مصر".
لقد نادى المسيح بشريعة موسى، وحث الناس على أن يستعدوا للدخول في ملكوت الله، بأن يحيوا حياة العدالة والرحمة والحق مستنداً إلى ما جاء بسفر هوشع: "وأخطبك لنفسي إلى الأبد. وأخطبك لنفسي بالعدل والحق والإحسان والمراحم، أخطبك لنفسي بالأمانة فتعرفين الرب".
كما أنه في نهجه على شريعة موسى وتفسيره لها كان يتعمق إلى جذور الأحكام، ففي مسائل العلاقات الشخصية قال: "وقيل من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق، وأما أنا فأقول لكم: إن من طلق امرأته إلا لعلة الزني يجعلها تزني، ومن يتزوج مطلقة فإنه يزني".
ووضوح حقيقة السبت بأن ذكر الفريسيين أن السبت قد وضع لخير الإنسان فقال لهم: "السبت، إنما جعل لأجل الإنسان، لا الإنسان لأجل السبت".
وعدل أركان الدين - كما حدد أهدافه يعقوب في رسالته: "الديانة الطاهرة النقية عند الله الآب هي هذه: افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقتهم، وحفظ الإنسان نفسه بلا دنس من العالم" - من المراسم والطقوس إلى الصلاح والاستقامة.
وندد بالجهر بالصلوات حذر اليراء والنفاق، فقال: "فمتى صليت فادخل مخدعك، وأغلق بابك، وصل إلى أبيك الذي في الخفاء"، وندد بالتظاهر بالصدقات خشية طلب كرامة الإنسانية، وعزتها فقال: "احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم قدام الناس لكي ينظروكم، وإلا فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السموات".
стр. 76
موقف الأحبار والكهنة من المسيح:
لقد قاوم الأحبار والكهنة المسيح على اختلاف فرقهم، عدا فرقة الأسنيين، فقد هالهم أن يختلط بموظفي الإمبراطورية الرومانية المبغضين، وبالنساء ذوات السمعة السيئة: "وكان جميع العشارين والخطاة يدنون منه، ليسمعوه، فتذمر الفريسيون والكتبة قائلين: هذا يقبل خطاة ويأكل معهم".
ولهذا كان كهنة الهيكل وأعضاء السنهدرين يرقبون نشاطه بعين الريبة، ويرون في هذا النشاط ما كان يراه هيرودس الملك في نشاط يوحنا المعمدان، وظنوا أنه ستار يخفي تحته ثورة سياسية ضد الإمبراطورية الرومانية، وكانوا في حرصهم على مراكزهم الاجتماعية والدينية يخسون أن يتهمهم الحاكم الروماني بأنهم يتحللون مما هو مفروض عليهم من تبعات، ليحافظوا على النظام الاجتماعي والسياسي، "وأرسلزا جواسيس يتراءون أنهم أبرار لكي يمسكوه بكلمة حتى يسلموه إلى حكم الوالي وسلطانه".
ومما زاد في ارتباهم في قوله: "أما تنظرون جميه هذه. الحق أقول لكم: إنه لا يترك حجر على حجر لا ينقض". على أن المسيح كان يقصد بقوله هذا انبثاق الإنسان إلى نور الإيمان الكامل وصدق الاستمساك بروح الشريعة عن يقين، لا بطقوسها.
موقف علماء القرن العشرين من المسيح:
كتب هرمان ريماس Herman Reimarus أستاذ اللغات الشرقية في جامعة كامبردج مخطوطات عن حياة المسيح تشتمل على ١٤٠٠ صفحة حرص على ألا ينشرها في حياته، وتوفى سنة ١٧٦٨ م.
وبعد ست سنين من وفاته نشر جتهولد لسنج Gotthold Lessing أجزاء من هذا المخطوط مع معارضة أصدقائه في هذا النشر، وسماه "هتامات ولفنبتل" Wolfenbuttal Fragments.
стр. 77
ويقول ريمارس Reimarus: إن يسوع المسيح لا يمكن أن يكون مؤسس المسيحية أو أن يفهم هذا الفهم، بل يجب أن يفهم على أنه الشخصية النهائية في جماعة المتصوفة اليهود الأسنيين القائلين بالبعث والحساب، ومعنى هذا أن المسيح لم يفكر في إيجاد دين جديد، بل كان يفكر في تهيئة الناس لاستقبال دمار العالم المرتقب، ويوم الحشر الذي يحاسب فيه الله الأرواح على ما قدمت من خير أو شر.
وفي عام ١٧٩٦ اشار هردر Herder إلى ما بين مسيح متى ومرقس ولوقا والمسيح في إنجيل يوحنا من فوارق لا يمكن التوفيق بينها.
وفي الفترة ١٨٣٥ - ١٨٣٦ قال دافيد ستروس David Strauss إن ما في الأناجيل من خوارق الطبيعة يجب أن يعد من الأساطير الخرافية، وغن حياة المسيح الحقيقية ينبغي أن تعاد كتابتها بعد أن تحذف منه هذه العناصر أياً كانت صورها.
وقد اثارت مجلدات ستروس Strauss الضخمة عاصفة قوية من التفكير الألماني، دامت جيلاً من الزمان.
من هذا يتبين أن المفكرين أخذوا يتساءلون: هل وجد المسيح حقاً؟ أو أن قصة مؤسس المسيحية وثمرة أحزان البشرية وخيالها وآمالها أسطورة من الأساطير شبيهة بخرافات كرشنا وأوزوريس وأتيس، وأدنيس، ودونتيسيس ومتراس؟
وفي عام ١٨٦٣ أخرج إيرنست رينان Ernest Renan كتابه "حياة يسوع" جمع فيه نتائج النقد الألماني، وعرض مشكلة الأناجيل على العالم المثقف.
وبلغت المدرسة الفرنسية صاحبة البحوث الدينية ذروتها في أواخر القرن التاسع عشر على يد الأب لوارى Lousy، لذى حلل نصوص العهد الجديد تحليلاً بلغ من الصرامة حداً اضطرت معه الكنيسة الكاثوليكية إلى إصدار قرار بحرمانه هو وغيره من العلماء المحدثين.
وفي إنجلترا أدلى و. ب. سميث W. B. Smith وج. م روبرتسن J. M. Robertson بحجج من هذا النوع أنكر فيها وجود المسيح.
стр. 78
ويقول ثالس Thsllus وهو كاتب وثني عاش في القرن الأول: إن الظلمة العجيبة التي يقال إنها حدثت وقت موت المسيح كانت ظاهرة طبيعية ولم تكن أكثر من مصادفة عادية.
هذا ما كان من أمر المسيح نفسه، أما الأناحيل فليس أمرها بنفس النمط الذي سار عليه الباحثون الناقدون، ذلك لأن الأربعة الأناجيل التي وصلت إلينا هي البقية الباقية من عدد أكبر منه كثيراً كانت في وقت ما منتشرة بين المسيحيين في القرنين الأول والثاني. واللفظ الدال على الإنجيل Gospel - ترجمة للفظ اليوناني، euangelion، ومعناه الأخبار السارة، وهي أن المسيح قد جاء ليبشر بأن ملكوت الله قريب المنال.
لقد اختلف اليهود في إدراك ميراث الأرض.
واختلف النصارى في إدراك شخصية المسيح عيسى بن مريم.
وفي هذا الاختلاف تضاربت أقوالهم. وأصبحوا أمام الأمر الواقع مضطرين أن يدافعوا عن هذا التضارب، وأصبحت الأوهام في الدفاع عن ذلك تكبر شيئاً فشيئاً حتى أصبحت عملاقاً يسيطر على تفكيرهم، ويطغى عليهم، وصارت هذه الأوهام حقائق في نظرهم. ومن هنا كان سر متاعبهم، وسر إتعابهم لمن حولهم.
стр. 79
الباب الثالث المسيحية وتطويرها
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾
يقول العزيز الحكيم:
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾
ويقول أيضاً:
﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
وقال المسيح ﵇: متى جاء ابن الإنسان على كرسي مجده تجلسون أنتم أيضاً على اثنى عشر كرسياً تدينون أسباط إسرائيل الاثنى عشر".
لم يفهم الكهنة ولا الحواريون كلام المسيح ﵇ فس جوهره الذي يعينه، بل حرفوا الكلم عن مواضعه لدرجة أن تطلب أم ابني زبدي منه ﵇ بقولها: "قل أن يجلس ابناى هذان واحد عن يمينك والآخر عن يسارك في ملكوتك" فيجيبها بقوله: "مملكتي ليست من هذا العالم"
стр. 80
ومنى الحواريون واليهود قلطبة بخيبة أمل حينما قال لهم سيدنا عيسى ﵇: "مملكتي ليست من هذا العالم"، حتى إن كبير كهنتهم جمع رؤساء الكهنة والفريسيين في مجمع وقال لهم: "ماذا نصنع؟ فإن هذا الإنسان يعمل آيات كثيرة. إن تركناه هكذا يؤمن به الجميع، فيأتي الرومانيون ويأخذون موضعنا وأمتنا ... أنتم لستم تعرفون شيئاً، ولا تفكرون أنه خير لنا أم يموت واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها".
فلا بدع ولا ملام - والحالة هذه بالنسبة إلى عقلياتهم المتحجرة - أن يكفروا برسالة سيدنا عيسى ﵇، وقد جاء يبشرهم بمملكة أخرى أخروية لا دنيوية، مملكة روحانية وليست مادية.
حقيقة المسيح من ملكوت الله
أسلوب المسيح في بشارته بملكوت الله:
كان المسيح يعلم الناس بالبساطة التي تتطلبها حال مستمعيه، ويمزج هذه التعاليم بالقصص الطريفة التي تجعل دروسه تنفذ إلى الأذهان، وترسخ في القلوب، وبالحكم والأمثال بدل الحجج العقلية.
ومن أقواله: إن ملكون الله قد حان أجله، وإن الله سيقضي عما قريب على عهد الشر والخبائث.
وكانت هذه الأفكار مألوفة لسامعيه، ولهذا لم يحددها تحديداً واضحاً، ومن ثم نشأت في وقتنا هذا صعاب جمة، سببها ما في هذه الأفكار من غموض.
ترى ماذا كان يعني بملكوت السموات؟ أهي سموات خيالية خارجية عن مألوف الطبيعة؟ أم هي حالة معنوية للتسامي بالنفس الإنسانية عن مستواها الحيواني؟ أم هي شيء آخر؟
ويقول Will Durant ول ديورانت في كتابه (قصة الحضارة The Story of Civilization) تخيل إلى أنها لم تكن كذلك لأن التلاميذ والمسيحيين الأولين
стр. 81
كانوا على بكرة أبيهم ينتظرون أن توجد مملكة أرضية، لهذا أخذوا يرددون هذه العبارة: "ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك"
ولقد رأى المسيح في ملكوت الله مجازاً للكمال الخلقي، وأن هذا الكمال الخلقي إنها هو إعداد لهذا الملكوت، وثمن يؤدي للحصول عليه، "وكل من ترك بيوتاً، أو إخوة أو أخوات، أو أباً أو أماً أو امرأة أو أولاداً، أو حقولاً من أجل اسمى - يأخذ مائة ضعف، ويرث الحياة الأبدية".
وقد حدد موعد هذا الملكوت تحديداً متضارباً فإنه يقول لأتباعه: "فإني احق أقول لكم لا تلكمون مدن إسرائيل حتى يأتي ابن الإنسان".
ثم يعود فيؤخر قليلاً بقول: "الحق أقول لكم إن من القيام ها هنا قوماً لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتياً في ملكوته"ز
ثم يعود فيؤخره أكثر بقوله: "الحق أقول لكم لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله".
ثم رأى بعد أن مرت به الأيام أنه من حسن السياطة أن يحذر رسله بقوله: "أما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد، ولا الملائكة الذين في السماء".
ثم حدد علامات لهذا اليوم كقوله: "وسوف تسمعون بحربو وأخبار حروب. انظروا، لا ترتاعوا، لأنه لابد أن تكون هذه كلها، ولكن ليس المنتهى بعد. بل تقوم أمة على أمة. ومملكة على مملكة، وتكون مجاعات وأوبئة وزلازل في أماكن، ولكن هذه كلها مبتدأ الأوجاع".
تفسيرات المسيحيين الأولين لملكوت الله:
لقد فهم المسيحيون الأولون أن ملكوت الله هو Cnmmunist Utopia الاشتراكية المثالية، وحسبوا أن المسيح ثائر اجتماعي، وأخذوا من الأسانيد التي وردت في الأناجيل
стр. 82
ما يؤيد رأيهم من قوله: "ما أعسر دخول ذوي الأموال إلى ملكوت الله"، ومن قوله: "ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟ وماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه". ومن قوله" "إن أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبع كل أملاكك، وأعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء". ومن قوله "لا يقدر خادم سيدين، لأنه إما أن يبغض الواحد ويجب الآخر، أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر، لا تقدرون أن تخدموا الله والمال".
ولعل هذا ما جعل التلاميذ يكونون جماعة اشتراكية تعاونية: "وجميع الذين آمنوا كانوا معاً، وكان عندهم كل شيء مشتركاً، ولأملاك ولمقتنيات كانوا يبيعونها ويقسنمونها بين الجميع، كما يكون لكل واحد احتياج".
تفسيرات الأحبار والكهنة لملكوت الله:
"جمع رؤساء الكهنة والفريسيون مجمعاً، وقالوا: ماذا تصنع؟ فإن هذا الإنسان يعمل آيات كثيرة. إن تركناه هكذا يؤمن الجميه به، فيأتي الرومانيون ويأخذون موضعنا وأمتنا. فقال لهو واحد منهم - وهو قيافا كان رئيساً للكهنة في تلك السنة: أنتم لستم تعرفون شيئاً، ولا تفكروا أنه خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها" أما المسيح نفسه "فكان يعلم كل يوم في الهيكل، وكان رؤساء الكهنة والكتبة مع وجوه الشعب يطلبون أن يهلكوه، ولم يجدوا ما يفعلون، لأن الشعب كله كان متعلقاً به يسمع منه"
وهذا تآمر عليه الأحبار والكهنة، ووجهوا إليه تهمة أنه يهيج الشعب "وهو يعلم في كل اليهودية مبتدئاً من الجليل إلى هنا".
لقد كفروا به، وتآمروا على موته حتى إن بيلاطس الوالي الروماني تقدم إليهم بقوله: "هوذا ملككم ... فأجاب رؤساء الكهنة: ليس لنا ملك إلا قصير".
стр. 83
والحقيقة التى لا ريب فيها - أن المسيح لم يقصد انقلاباً ثورياً بتحقيق ما يجيش بخاطر اليهود من القومية اليهودية، ومع هذا جاءه الرؤساء والشعب يجربونه ليأخذوه بكلمة من فيه قائلين له: "قل لنا: ماذا تظن؟ أيجوز أن نعطي جزية لقيصر أم لا؟ فعلم يسوع خبثهم، وقال لهم: لماذا تجربونني يامراءون؟ أروني معاملة الجزية. فقدموا له ديناراً، فقال لهم: لمن هذه الصورة والكتابة؟ قالوا له: لقيصر. فقال لهم: أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله".
وكان المسيح صديقاً للجميع، فاتخذ من اليهود موظفي الإمبراطورية الرومانية أصدقاء له مع كراهية بني قومهم لهم إذ "عشاراً اسمه لاوى جالساً عند مكان الجباية فقال له: اتبعني. فترك كل شيء، وقام وتبعه، وصنع له لاوى ضيافة كبيرة في بيته والذين كانوا متكئين معهم جميعاً كثيراً من عشارين وآخرين".
كما يبدو أن المسيح لم يكن يفكر في القضاء على الأغنياء أو الفقراء، لأن الفقراء معه، فهو كالأقدمين جميعاً يرى أن من الأمور المسلم بها أنه يجب على العبد أن يخدم سيده على خير وجه، كقوله: "طوبى لذلك العبد الذي إذا جاء سيده يجده يفعل هكذا".
ومع هذا كله اجتمع السنهدرين في اليوم التالي، وأثبت عليه جريمة التجديف، وكان عقابها الإعدام، ورغبة منهم في إظهار الولاء للرومان قرر السنهدرين أن يساق المسيح أمام الحاكم الروماني الذي جاء إلى أوشليم ليرقب الجماهير المختلفة أثناء عيد الفصح،
وأمام ثورة اليهود العارمة تقدمت كلوديا زوجة الوالي الروماني بيلاطس تحذر زوجها بقولها: "إياك وذلك البار، لأني تألمت كثيراً في حلم من أجله".
وكان بيلاطس البنطي حاكماً قاسياً، فلم يهتم بشأن المسيح إذ سأله سؤالاً يكاد يكون من قبيل المداعبة: "أأنت ملك اليهود؟ فقال له يسوع: أنت تقول".
ولم يسمع بيلاطس وقد تيقن من براءة المسيح ﵇ إلا أن يقول قوله
стр. 84
المشهور: "إني برئ من دم هذا البار".
وما كان لبيلاطس أن يرفض رغبة لزوجته كلوديا، السيدة البارة. والمرأة في أي ميدان تقوم بدور خطير في حياة الشعوب، فإلى جانب هذه السيدة البارة سيدة شريرة وهي "هيروديا" التي استهوت هيرودس الملك بخلاعتها في رقصها أمامه. وأخضع الملك لهيروديا وانتهزت تلك نشوة الملك، فطلبت رأس يحيى بن زكريا ﵇ في طبق، وكان لها ما أرادت وقتل النبي، وفيهن يقول العزيز الحكيم:
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾
ويقرر Will Durant في كتابة The Story of Civilization أنه لا يسع الإنسان أن يشك في هذه التفاصيل التي تناقلها الناس مشافهة في أغلب الأحيان، ثم دونوها بعد وقوعها بزمن طويل، فإذا أخذنا بهذا النص وجب علينا أن نجزم أن يسوع المسيح كان قد قرر أن يموت، وأن نظرية بولس الرسول عن التمفير "لأنه ما كان الناموس عاجزاً عنه في ما كان ضعيفاً بالجسد فالله إذ أرسل ابنه في سبه جسد الخطية ولأجل الخطية دان الخطية في الجسد لكي يتم حكم الناموس فينا نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح".
وينقل يوحنا في محاكمة المسيح ﵇ أن يسوع خاطب بيلاطس البنطي بقوله: "أنت تقول إني ملك، لهذا قد ولدت أنا، ولهذا قد أتيت إلى العالم، لأشهد للحق، كل من هو من الحق يسمع صوتي"، فسأله بيلاطس تعقيباً على جوابه: "ما هو الحق؟ " زلعل الباعث على هذا السؤال نزعة الإنجيل الرابع الميتافيزيقية، ومهما يكن من شيء فلم يكن أمام القانون بعد اعتراف المسيح إلا أن يدينه بتهمة "ثائر
стр. 85
ضد نظام الحكم"، وبناء عليه أصدر بيلاطس حكمة بالإعدام وهو كاره له، وكان الصليب من طريق الإعدام الرومانية. ووضع الجنود تاجاً من الشوك على رأس المسيح استهزاء به، كما نقشوا على صليبه باللغات الآرامية واليونانية عيسى الناصري ملك اليهود"
Nazarathean Rex Ioudaeorum
لقد خاب الحواريون في زعمهم في المسيح حتى انبرى لهم بولس المدعو رسولاً، ورأى أن يجمع شتات الفكر في عقيدة يكرز بها ويبشر؛ فكان أن اعتبر شخصية عيسى ﵇ ملكاً مخلصاً، ولعله استقى هذا الاعتبار من الديانة السائدة في تلكم الأيام، وهذه الفكرة قديمة قدم التاريخ.
نظرية بولس في التفكير
لقد أنشأ بولس لاهوتاً لا نجد له إلا أسانيد غامضة أشد الغموض في أقوال المسيح. وكانت العوامل التي أوحت إليه بالأسس التي قام عليها ذلك اللاهوت هي انقباض نفسه، وندمه على اضطهاده للمسحيين الأولين، والصورة التي استحال إليها المسيح في خياله عند المحاكمة وعند الصلب.
ولعله قد تأثر بالفلسفة الأفلاطونية والرواقية في نبذهما للمادة والجسم واعتبارهما شراًَ وخبثاً.
ولعله تذكر السنة اليهودية مستقاة من شريعة موسى في التضحية الفدائية وما ينهجه في هذا المقام أصحاب الديانات الوثنية للتكفير عن خطايا البشر.
أما هذه الأسس فأهمها "أن كل ابن أنثى يرث خطية آدم، وأن لا شيء ينجيه من العذاب الأبدي إلا موت ابن الله ليكفر بموته عن خطيئته". "لأنه كان يليق بنا رئيس كهنة مثل هذا قدوس بلا شر ولا دنس قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات الذي ليس له اضطرار كل يوم مثل رؤساء الكهنة أن يقدم ذبائح أولا عن خطايا نفسه عن خطايا الشعب، لأنه فعل هذا مرة واحدة إذ قدم نفسه. فإن الناموس يقيم أناساًَ بهم ضعف رؤساء كنهة. وأما كلمة القسم التي بعد الناموس فتقيم ابناً مكملاً إلى الأبد".
стр. 86
لقد كان اليهود والأقدمون يشتركون مع الكنعانيين والمؤابين والفينيقيبن والفرطاجنيين وغيرهم من الشعوب في عادة التضحية بطفل، بل بطفل محبوب لاسترضاء السماء الغضبي.
ثم اصبح في الإمكان على توالي الأيام أن يستبدل الطفل مجرم محكوم عليه بالإعدام. وكان البابليون يلبسون هذه التضحية أثواباً ملكية، لكي يمثل ابن الملك، ثم يجلد ويعدم شنقاً.
ومثل هذه الأعمال كانت تحدث في رودس Rhodes في عيد كرونس Cronus، وأكبر الظن أن التضحية بحمل أو جدى في عيد الفصح ليست إلا تخفيفاً لهذه التضحية البشرية اقتضاه تقدم المدينة، وفي ذلك يقول فرازر Frazer: وفي يوم الكفارة كان كاهن اليهود الأعظم يضع كلتا يديه على جدي حي، ويعترف فوق رأسه بجميع ما ارتكبه بنو إسرائيل من مظالم، حتى إذا ما حنل الحيوان خطايا الشعب على هذا النحو أطلقه في البرية".
وهذه الفكرة كانت أكثر قبولاً لدى الوثنيين منها لدى اليهود. ولقد كانت مصر وآسيا الصغرى وبلاد اليونان تؤمن بالآلهة من زمن بعيد. تؤمن باوزوريس وأتيس وديونشيس Osiris, Attis, Dionysus وديونشيس هذه ماتت لتفتدي بموتها بني البشر، وكانت ألقاب سوتر المنقذ Soter Savior واليوتريس المنجمي Eleatherios Deliverer تطلق على هذه الآلهة، وكان لفظ كريوس الرب Kyrios Lord الذي أطلقه بولس على المسيح هو اللفظ الذي تطلقه الطقوس اليونانية السورية علة ديونشيس Dionysus.
ولم يكن في وسع غير اليهود. أهل أنطاكية وسواها من المدن اليونانية الذين لم يعرفوا عيسى بجسمه - أن يؤمنوا به إلا كما آمنوا بآلهتهم المنقذين، ولهذا ناداهم بولس بقوله: "هو ذا سر أقوله لكم"، ثم يستطرد فيقول: "الذين أراهم أيضاً نفسه ببراهين كثيرة بعد ما تألم وهو يظهر لهم أربعين يوماً ويتكلم عن الأمور المختصة بملكوت الله".
стр. 87
لقد كانت فكرة "انتقال القديس" بجسمه حياً إلى السماء من الأفكار الشائعة المألوفة بين اليهود، فقد رووها عن موسى وأخنوخ وإيليا. وهكذا اختفى بنفس الطريقة الخفية التي ظهر بها "وأخرجهم خارجاً إلى بيت عنيا. ورفع يديه وباركهم، وفيما يباركهم انفرد عنهم وأصعد إلى السماء".
التعليق:
في سفر التثنية تأكيد أن الأبناء لا يقتلون عن الآباء: "ولا يقتل الآباء عن الأولاد، ولا يقتل الأولاد عن الآباء كل إنسان بخطيته يقتل".
وجاء أيضاً في طفر التثنية أن المعلق على خسبة ملعون من الله، "وإذا كان على إنسان خطية حقها الموت فقتل وعلقته على خشبة فلا تبت جثته على الخشبة، بل تدفنه في ذلك اليوم، لأن المعلق ملعون من الله، فلا تنجس أرضك التي يعطيك الرب إلهك".
ويقول الله :
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾
ولقد كشف القناع عن هذه الحقائق السير آرثر فندلاى في كتابه (صخرة الحق) في صحيفة ٤٥، فذكر ستة عشر إلهاً ملكاً مخلصاً عرفوا قبل مجئ المسيح. وهؤلاء أيضا في تواضعهم وحبهم لبني قومهم ماتوا لأجل خطايا العالم، وسمى كل واحد من هؤلاء إلهاً مخلصاً، وأعطى لقب المسيح، وهذه هي أسماؤهم:
стр. 88
١ - أوزوريس مصر ١٧٠٠ ق. م.
٢ - بعل بابل ١٢٠٠ ق. م.
٣ - أتيس فرجيا ١١٧٠ ق. م.
٤ - ثاموس طوريا ١١٦٠ ق. م.
٥ - ديونسيوس اليونان ١١٠٠ ق. م.
٦ - كرشنا الهند ١٠٠٠ ق. م.
٧ - هيوس أوربا ٨٣٤ ق. م.
٨ - أندرا التبت ٧٢٥ ق. م.
٩ - بالي آسيا ٧٢٥ ق. م.
١٠ - أياو نيبال ٦٢٢ ق. م.
١١ - الستيس فيريا ٦٠٠ ق. م
١٢ - كويكس لكوت المكسيك ٥٨٧ ق. م.
١٣ - وتيبا ترفانسكور ٥٥٢ ق. م.
١٤ - برومثيوس اليونان ٥٤٧ ق. م.
١٥ - كورينوس روما ٥٠٦ ق. م.
١٦ - مذرا الفرس ٤٠٠ ق. م.
ويقول السير آرثر فندلاى في متابه (الكون المنشور) : "إن أول إله مخلص قرأنا عنه هو أوزوريس الذي ظهر في مصر في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، وكان أميراً مصلحاً، فظن أنه إله، لأن الآلهة - كما يعتقدون - تلبس لباس ذوي الشرف الرفيع. ولما ظهر شبحه بعد الممات ظنوا ان الآلهة سمحت بالحياة، وأنها لم تعد غاضبة على الشعب الذي كان يرزخ في خطاياه وآثامه، وأنها رفعت عنه غضبها ولعنتها التي كتبت عليه بسبب آثامه وخطاياه".
وبهذا كان ظهور الفداء بعد الموت معناه أنه قهر الموت، وفتح أبواب السماء للمؤمنين، وبذا عمل أوزوريس على "أن يتواضع ويصير مطيعاً حتى الموت".
ولا عجب أن بولس مؤسس المسيحية يتحدث عن المسيح ﵇ بقوله: "إنه تواضع حتى الموت، موت الصليب" ... ومن هذه الزاوية بدأ بولس يكرز برسالته
стр. 89
بقوله: "لأني لم أعزم شيئاً بينكم إلا المسيح وإياه مصلوباً" وفي هذا تطابق بين أوزوريس الذي أصبح مخلصاً وفادياً ووسيطاً للفراعنة، ومنهم يتقبل كل الحب والتقدير في عبادتهم وسجودهم له، وبين المسيح كزعمهم المخلص والفادي والوسيط.
والحقيقة التي لا ريب فيها هي: ظهر المسيح ﵇ في عهد الإمبراطور الروماني أو غسطس سنة ١٤ م، عقب فراغ طويل المدى من الجدب الديني لبني إسرائيل، وذلك تأديباً لهم إذ تركهم الله بلا راع يرعاهم ويهديهم سواء السبيل، فقد قال الله في محكم آياته:
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ....﴾
ويقول أيضاً:
﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾
وقال عنهم إيليا نبي العهد القديم: "قتلوا أنبياءك، وهدموا مذابحك ... " وقال عنهم المسيح "يا أورشليم، يا أورشليم، يا قاتلة الأنبياء والمرسلين".
وقد حقت عليهم غضبة الله حيث قال تعالى:
﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾
فأصبحوا فترة من الزمن بلا نبي ولا رسول، هذه الفترة تطلق عليها الكنيسة "فترة الصمت المطلق".
وبالإضافة إلى هذا الجدب الديني بالنسبة لإسرائيل كان العالم الروماني يشعر نوع من الفراغ أو الجدب الديني كذلك، فالرومان أنفسهم بدءوا - ولا سيما المتعلمون -
стр. 90
يناقشون الوثنية، ويناقشون تقديس الأباطرة والأديان المحلية سواء أكانت يونانية أو لاتينية.
وقد اتجهوا إلى الآراء التي بادى بها الرواقيون. وحتى هذه الفلسفات أخذت تتضاءل أمام بحثهم عن حقيقة الوجود وحقيقة الله. وفي هذا الفراغ الديني الهائل لم يجد الرومانيون - وهو سلدة العلم - وسيلة سوى الاتجاه شطر العقائد الدينية المختلفة المستوردة من الشرق، مثل ديانة سبيل من آسيا الصغرى وديانة متراس من فارس، وديانة إيزيس من مصر، وأخيراً المسيحية التي نبتت في فلسطين.
يقول السير آرثر فندلاي في كتابه (الكون المنشور) صحيفة ١١٩: "ترتبط خمسة أسماء بالتغيرات الفكرية الهامة في العالم وهي:
١ - كرشنا ٢ - بوذا ٣ - كونفشيوس ٤ - سقراط ٥ - عيسى.
"ومع ذلك لم يترك واحد من هؤلاء أية كتابة شخصية، وإنما تركوا أفكارهم لكي تسجلها الأجيال التالية ... ويجب أن يعلم كل إنسان أنه لا توزجد وثيقة اصلية واحدة متعلقة بحياة عيسى".
ثم يستطرد فيقول: "إن الإناجيل لا تعتبر سجلات تاريخية، فأولها "مرقس" كتب حوالي سنة ٧٠ م و"لوقا" كتب بين سنة ٨٠ وسنة ٩٥، و"متى" كتب حوالي سنة ١٠٠، و"يوحنا" حوالي سنة ١١٠. وليس للأخير قيمة تستحق الذكر في سرد الحوادث الأكيدة، ويظهر أن كل محتوياته لعب فيها خيال الكاتب دوراً بعيداً. ثم جاءت بعد ذلك ترجمة الأناجيل من اللغة الآرامية الشرقية إلى اللغة اليونانية. فاللغة اللاتينية الغربية. وهنا حدثت أخطاء كثيرة، إذ أن الكلمة الآرامية الواحدة قد يكون لها ٦، أو ٧ معان مختلفة".
ويقول أيضاً سير آرثر فندلاى في كتابه (صخرة الحق) ص ٥٩: "إن الأناجيل الحالية لم تستقر إلا في القرن الرابع الميلادي عقب مجمع قرطاجنة عندما تقرر أي الكتابات يحتفظ بها، وأيها يرفض ويستبعد. وقبل ذلك التاريخ سنة ٣٩٧م لم يكن هناك شيء اسمه العهد الجديد الذي نعرفه اليوم. ويعلل أحد رجال الكنيسة القديس آريرونيوس اختبار أربعة أناجيل في القرن الثاني بأن الأرض لها أربعة أركان".
стр. 91
ويسترسل السير آرثر فندلاى في كتابه (صخرة الحق) صحيفة ٧٦ فيقول: "اكتشف لوحة أثرية في بابل ت تثبيت أن إلهم بعل كان يتصف بنفس الصفات التي أدلحقت بعيسى، وأن هذه اللوحة كتبت قبل العصر المسيحي بمئات السنين حوالي ١٢٠٠ سنة". ثم وازن على ضوئها بين المبادئ البابلية والمبادئ المسيحية:
المبادئ البابلية مقتبسة من اللوحة الأثرية.... المبادئ المسيحية من البابين ٢٧و ٢٨ من إنجيل متى
١ - أخذ بعل أسيراً.... ١ - أخذ عيسى أسيراً
٢ - حوكم بعل في قاعة المحكمة.... ٢ - حوكم عيسى في قاعة بيلاطس
٣ - ضرب بعل.... ٣ - جلد عيسى
٤ - أخذ بعل إلى الجبل.... ٤ - أخذ المسيح إلى الجمجمة
٥ - أطلق سراح مجرمان أخذ معه مجرمان.... ٥ - أطلق سراح مجرم (بارباس) وأخذ معه مجرمان
٦ - بعد أخذ بعل تهدمت المدينة.... ٦ - بعد موت عيسى تحطم الهيكل وخرج الموتى ودخلوا المدينة
٧ - أخذت ملابس بعل.... ٧ - اقتسم الجنود ملابسه واقترعوا على لباسه
٨ - ذهب بعل إلى الجبل، واختفى من الحياة.... ٨ - خروج عيسى من القبر وذهب إلى عالم الأموات
٩ - ذهبت امرأة تبكي عند القبر.... ٩ - ذهبت مريم المجدلية تبكي عند قبر عيسى
١٠ - عاد بعل إلى الحياة ثانية.... ١٠ - ارتفع عيسى من القبر حياً
وبنى المسيحيون على فكرة بنوة عيسى فكرة أنه المخلص الوحيد للبشرية من ذنوبها، وفي هذا بالطبع كثير من الأخطاء والمعارضة للقوانين الكونية، وإذ أن المسئولية الشخصية اعتمدتها كل القوانين. بل إن العلم ينادي بذلك أيضاً.
стр. 92
فعلم الميكانيكا يقول: "لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار، ومضاد له في الإتجاة"
وعلم الطبيعية يقول: "كل جسم يشع كمية من الإشعاع بمقدار ما يمكنه أن يستقبل"
فلا يمكن إذن أن يتحمل إنسان نتيجة عمل إنسان آخر ... ولهذا جاء القرآن الكريم موضحاً ما لم يفهمه الناس من الإنجيل فقال صريحاً.
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾
ويقول السير آرثر فندلاى أيضاً في متابه (الكون المنشور) في صحيفة ١٥٧ مقارناً المسيحية بالوثنية الفرعونية وتماماً مثلما كان يردد المصريون:
"لما كان أوزوريوس يحيا حقاً فسوف أحيا"
"لما كان أوزوريس لن يموت فلن أموت".
هذه العبارات نفسها يرددها المسيحيون الأولون والمتأخرون بقولهم: "لما كان المسيح يحيا حقاً فسوف أحيا. ولما كان المسيح لن يموت فلن أموت"
وللتأكيد من هذا كله أنظر إلى: (يوحنا ٦: ٣٢ - ٥٩، ١ كورنثوس ١٥: ١ - ٥٨) تجد صدق التشابه في المقارنة التي أتى بها السير آرثر فندلاى والتي دونت في العهد الجديد.
ويسترسل السير آرثر فندلاى فيقول:
"نفس العباران التي قيلت لأوزوريس نسبت إلى المسيح، ولما أضيف اسم عيسى إلى قائمة الآلهة المخلصين أصبحت كل القصص التي قيلت عن الآلهة الوثنية تقال بالمثل تماماً عن عيسى ومن تلك:
١ - قصة الولادة من العذراء.
стр. 93
٢ - قصة المحاكمة قبل الموت، وطريقة الإعدام، وطريقة القيامة، وطريقة الصعود.
٣ - قصة القيامة بالجسد.
"تلكم القصص التي كانت تتكرر في المعابد القيدمة صيغت في ألفاظ، وركزت حول المسيح عيسى بدلاً من أوزوريس الفراعنة، وبعل البابليين، وبرومثيوس اليونانيين، أو أي واحد من الآلهة الآخرين".
ثم ينتهي بذكر رأيه فيقول في كتابه (الكون المنشور) ص ١٨٤:
"لا يعتبر عيسى إلهاً أو مخلصاً، وإنما هو رسول من الله، خدم في حياته القصيرة في علاج المرضى، وبشر بالحياة الأخرى، وعلم بأن الحياة الدنيا ما هي إلا إعداد لحياة أخرى، للملكوت الإلهي، لحياة أفضل لكل من يعمل صالحاً".
ثم يؤكد براءة عيسى من شبهات المسيحية في أكثر من موضع، فيقول في الكتاب نفسه بصحيفة ١١٧:
"إن بولس هو الذي وضع أساس الدين الذي يسمى الدين المسيحي ... الدين الذي ولد طفلاً عملاقاً متكاملاً في مجمع نيقية سنة ٣٢٥ م بأمر الإمبراطور قسطنطين"
ويقول العلامة روى ديسكون سميث في كتابه (ضوء على البعث) صحيفة ٣٢١.
"لا يوجد متدين مهمت كان مذهبة أو فرقته يعتقد أن الله العظيم قد أرسل ابنه الوحيد إلى هذه البشرية التي لا توازي - في مجموعها منذ بدء الخلق إلى نهايته - كوكباً من الكواكب المتناهية في الصغر لكي يعاني موتاً وحشياً فوق الصليب، لترضيه النقمة الإلهية على البشرية، ولكي يساعد جلالته على أن يغفر للبشرية، على شرط أن تعلن البشرية اعترافها بهذا العمل الهمجي الذي لا يستسغيه عقل ألا وهو الفداء.
"وإذا كان الله قد أذن بالصلب لأجل ترضيته فإنه يكون مشتركاً في الذنب مع السفاكين الذين يكونون قد قاموا بمهمة إلهية. لماذا لا نعتقد أن الله - والمستقبل امامه
стр. 94
كتاب مفتوح - قد سمح بتضحية رسوله لأنه تنبأ بالنتائج العظيمة من أن هذه الحادثة سوف تكون سبباً في حد ذاته في انتشار الإنجيل؟ ".
لقد كان الصلب خدعة كبرى بات الإنسان أن يحل طلسمها. وهي عديمة التأثير على جلال الله بين غير المسيحيين، عديمة التأثير على عدالة الله وضبط قوانينه، تلك لقوانين التي تنص على مسئولية الفرد وحده عن عمله وجزائه عليه.
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾
ويقف القرآن الكريم كالعملاق، ليحسم هذه الفرية بقوله تعالى:
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾
стр. 95
الباب الرابع المسيحيون والتعاليم الكتابية
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾
كلمة الله:
﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾
"في البدء كان الكلمة، والكلمو كان عند الله، وكان الكلمة الله".
نور الله الوضاح - الذي ملأ العيون، وأضاء السبيل منذ فجر تاريخ الإنسانية احتجب النور عن بعض الناس على مر العصور، لا لأن النور ذاته قد تلاشى وتوقف، بل لأن هؤلاء الناس هم الذين وضعوا في طريقه الحواجز حتى لا يصل إليهم، وبذلك ضلوا وأضلزا معهم التابعين، وهكذا قال المسيح للأخبار: "ويل لكم أيها الكتبة والفريسيين المراءون، لأنكم تغلقون ملكوت السموات قدتم الناس، فلا تدخلون أنتم ولا تدعون الداخلين يدخلون".
الدين الصافي الشفاف - الذي نزل كالسلبيل شفاء للقلوب وضياء للعقول - اختلط وتلون وذهب مع الريح، وجرت الإنسانية في الطريق المنحدر حيث ينتظرها في آخره حنفها المشين، الذي طالما حذرها منه القادة والرسل.
стр. 96
وينذرهم المسيح بقوله: "ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون والمراءون لأنكم تبنون قبور الأنبياء وتزينون مدافن الصديقين، وتقولون: لو كنا في أيام آبائنا ما شاركناهم في دم الأنبياء، فأنتم تشهدون على أنفسكم أنكم أبناء قتلة الأنبياء فاملأوا أنتم المكيال مكيال آبائكم"
وفي وسط الظلمة وفي عمق الهاوية تنبثق فجأة شعاعة ضوء كما انبثقت مرة لموسى في سفح الجبل: "إني أنا الله". نهم حمل الإنسان الكلمة في طبيعته الخالدة في روحه، إنها كلمة الله عادت اليوم صارخة مدوية تنادي أبناء آدم إلى سواء السبيل، مخدرة من اندفاعهم نحو الهاوية التي تنتظرهم إذا هم ظلوا سائرين في نفس الاتجاه المادي الذي هم فيه اليوم يسيرون.
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾
إذن كل ما يضئ عقل الإنسان في طريق دنياه المظلم هو كلمة الله من الله، هو صوت هاتف في قلب الإنسان، هو صوت كاشف في ناظري الإنسان ولم يكن عيسى أول الأنبياء ولا آخرهم:
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾
ومنذ فجر التاريخ بدأت الكلمة في الهبوط، ولكنها كانت دائماً لا تعم الأرض كلها، بل غالباً ما غيرت وبدلت وحرفت بعد أن يغادر حاملوها هذه الدار.
وها نحن أولاء في أوائل عصر جديد، عصر لن يسمح للظلام بالعودة مرة أخرى، عصر لن يفرض على البشرية نظريات خاطئة، وخرافات يمحها العقل والمنطق.
لقد ظن البعض أن الإنجيل ينص على ألوهية عيسى، وأن الله أرسل ابنه إلى الأرض ليخلص من عليها بتقديم ذاك البن نفسه عن الجنس البشري، وتحمله طوعاً
стр. 97
واختياراً ذنوب البشرية وأوزارها، ثم انتقل هؤلاء ليطبقوا هذه الفكرة بعد ذلك في جميع نواحي العلم، فظنوا أن الأرض إذ يختصها الله بذلك الشرف لابد أن تكون مركز الكون كله.
ويقول السير آرثر فندلاى في كتابه (صخرة الحق) ص ١٣٤ عن تأثير هذه الفكرة على الكنيسة الأولى ووقوفها في وجه تيار العلم: "كانت الكنيسة تنادي بأن الأرض مستوية، ومركزها في بيت المقدس، وظنت في تلك الأيام أن الأرض هي وحدها العالم الذي يتكون منه الكون، وأن الشمس والكواكب تدور حول الأرض".
ولما حاول العلماء الخروج من هذا الخيز بعد القرن الخامس الميلادي وإثبات أن الكون أكبر من الأرض، ظلت الكنيسة في أوهامها تنادي أن هذا الكشف يتعارض مع الافتراض المسيحي وفكرة الإله المخلص, فأحرق "برونو" في روما لما نادى "برونو" بأن هناك عوالم أخرى غير الأرض؛ وأخمدت الكنيسة أنفاس "كوبر نيكوس" الذي لم يجرؤ على أن يظهر كتابه الذي يقول فيه: "إن الأرض ما هي إلا كوكب مثل غيرها من الكواكب السيارة" إلا وهو على فراش الموت: "وجاليليو" اضطر وهو راكع على ركبتيه ذليلاً - خوفاً من المحاكمة - أن يكذب ما سبق أن صرح به من الأرض تدور حول الشمس.
وهكذا استمرت الكنيسة واقفة بالمرصاد لكل من يأتي برأي جديد يتعارض ورأيها، فإنها في الحال ترميه بالكفر والإلحاد ولكنها اضطرت أخيراً أن تستسلم وتعترف بصحة هذه الاكتشافات بعد مضى أربعة قرون، أي في القرن التاسع عشر.
ثم صار العقل البشري في طريقه إلى غزو الفضاء وتطوير العلم، وكان كلما تطور العلم تطورت معه طرق ومقاييس المفاهيم والقيم، وزالت الغشاوات من فوق العقول، بمعنى أن العلماء - عوضاً عن رجال الدين "رجال اللاهوت" اصبحوا هم الضياء المنير الذي يقود البشرية، ويعرفهم بالله، أو كما قال الله في محكم آياته.
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
وأثبت العلم والعلماء وجود الله، إلهاً خالقاً للكون كله، أزلياً سرمدياًَ قديماً،
стр. 98
مستقلاً عما خلق، وعن التواريخ والحوادث التي وضعها الناس لأنفسهم، وأنه شيء آخر مختلف عما يدور بعقل أي إنسان.
ومن كل ما سبق يتبين لنا مدى الخطأ الذي وقع فيه بغض المفسرين عندما فسروا الإنجيل تفسيراً حرفياً، وعندما أعطوا قيمة كبيرة للأرض التي نعيش عليها، ووصفوا عيسى بالألوهية، وهو ليس إلا واحداً من عباد الله الصالحين المختارين.
اكتشاف مخطوطات قديمة:
أكتشف حديثاً مخطوطات قديمة، كانت محفوظة في غحدى الحفر، يرجع تاريخها إلى ما قبل الميلاد، ووجد أنها تحوي معلومات تصحح الفكرة السائدة عن ألوهية عيسى ابن مريم.
ولقد كنت الباحثون عدة تقارير حول القيمة العظيمة لهذا الاكتشاف، وهو مخطوطات قديمة مخبأة في أوان فخارية طويلة، هي جزء من مكتوبات الأسنيين القدماء العظماء.
ولما أرسل الدكتور تريفور نسخة من هذه المخطوطات إلى الدكتور "و. ف. ألبرايت" - وهو عمدة في علم آثار الإنجيل - رد عليه بقوله: "تهانئي على اكتشاف أعظم مخطوط في العصر الحديث فوق هضبة بجوار البحر الميت"، وحدد تاريخ كتابته بمائة عام قبل الميلاد، وقال: "إنه لا يوجد أدنى شك في العالم حول صحة هذا المخطوط، وسوف تحدث هذه الأوراق ثورة في فكرتنا عن المسيحية".
ويرى كثير من الباحثين ورجال الذين وغيرهم - أن هذه المخطوطات القديمة التي تعطي صورة واضحة عن الكتب القديمة التي حرفتها الكنيسة أو كذبتها (والتي ذكرت في الإنجيل) - سوف تحدث ثورة في تفكير كل من يبحث عن الحق بدلاً من العقائد الصناعية أو الدين الذي ةضعه الإمبراطور قسطنطين والذي عقد مجمع نيقية في سنة ٣٢٠ تحت رئاسته، وفي هذا المجمع وضع نهاية لدين الناصرى المتواضع، دين الوحدانية إلى دين التثليث.
والحقيقة التي لا ينبغي أن تغيب عن بالنا هي ما قررته هذه المخطوطات "أن
стр. 99
عيسى كان مسيا المسيحيين، وأن هناك مسيا آخر"، وقد يكون المقصود بالمسيا الثاني هو نفسه عند عودته بالروح في العصر المتأخر أو يكون المقصود به ظهور النبي محمد، لأنه كان يتكلم للحق منصفاً روح عيسى، ومدافعاً عن العقيدة الصلية التي جاء بها: "ومتى جاء المعزى "الباراقليط" فهو يشهد لي".
ويقول القس (أ. باول ديفز) رئيس كهنة كل القديسين في واشنطن في كتابه (مخطوطات البحر الميت) في الصحيفة الأولى: "إن مخطوطات البحر الميت) في الصحيفة الأولى: "إن مخطوطات البحر الميت - وهي من أعظم الاكتشافات أهمية منذ قرون عديدة - قد تغير الفهم التقليدي للإنجيل".
ويقول القس "الدكتور تشارلس فرنسيس بوتر" في كتابه (السنون المفقودة من عيسى تكشف) في صحيفة ١٢٧: "لدينا الآن وثائق كافيه تدل على أن المخطوطات هي حقيقة (هبة الله إلى البشر" لأن كل ورقة تفتح تأتي إثباتات جديدة على أن عيسى كان كما قال عن نفسه: "ابن الإنسان" أكثر منه "ابن الله" كما ادعى عليه ذلك أتباعه وهو منه برئ".
وقال في صحفية ١٢: "من العسير العثور على كتاب في العهد القديم لا يحتاج إلى تصحيحات تحت ضوء نخطوطات البحر الميت، وكذلك ليس هناك كتاب في العهد الجديد لا يحتاج إلى تفسير شامل للآيات الأساسية التي تقوم عليها الشريعة".
وقال في صحيفة ١٥: "لقد سمي عيسى نفسه "ابن الإنسان" لكنهم سموه "ابن الله": الشخص الثاني من الثالوث، الرب من الرب، ولكن من المشكوك فيه أن يكون الأسنيون أو عيسى نفسه قد وافقوا على هذا".
إنجيل برنابا:
ترجم الأستاذ خليل سعادة إنجيل برنابا إلى اللغة العربية، ونشرت دار المنار لصاحبها المرحوم رشيد رضا هذا الإنجيل وفي مقدمته كتبت هذه العبارة: "إنجيل برنابا وجد باللغة الإيطالية في مكتبة بلاط فينا. وترجم بعد ذلك إلى جميع اللغات، هذا الإنجيل يعترف صراحة بأن عيسى بشر مثل غيره من البشر، وينكر ألوهيته، وبعترف بوحدانية الله، وبأن محمداً عبد الله ورسوله. ويقال إن البابا "جلاطيوس" قد حرمم قراءة هذا الإنجيل سنة ٤٩٢ م".
стр. 100
يعلن الدكتور تشارلس فرنسيس بوتر في كتابه (السنون المفقودة من عيسى تكشف) : "إن إنجيلا يدعى إنجيل برنابا استبعدته الكنيسى في عهدها الأول. والمخطوطات التي اكتشفت حديثاً في منطقة البحر الميت جاءت مؤيدة لهذا الإنجيل"
وتوالت بعد ذلك الاكتشافات التي لم يسمع عنها الجمهور لدينا كثيراً، وهذا هو سر التعجب، فالمصادر التي تذكر هذه الأمور - كلها أجنبية غربية - قد ذكرت أن مخطوطاً آخر في الفيوم وآخر في مصر العليا، وثالثاً في سور سيناء في سنة ١٩٥٨ م، وأن هذا الأخر مكتوب باللغة الديموطبقية، وأنه كتب في القرن الثالث بواسطة القديس مرقس الحواري المعروف، يصف فيه تاريخ عيسى ويصحح نقطاً مما جرى عليه العرف.
لقد استبعد إنجيل برنابا الذي يهدي إلى الحق، فيهدي إلى الرسول الكريم سيدنا محمد ﷺ ، ومن عباراته: "فلما كان الناس قد دعوني الله، وابن الله، على أني كنت بريئاً في العالم - أراد الله أن يهزأ الناس بي في هذا العالم بموت يهوذا معتقدين أنني أنا الذي مت على الصليب لكيلا تهزأ الشياطين بي في يوم الدينونة، وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله الذي جاء مشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله".
وفي هذا المعنى يقول يوحنا الحواري: "ومتى جاء روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي".
وقال برنابا أيضاً: "لأن الله سيصعدني من الأرض، وسيغير منظر الخائن حتى يظنه كل أحد إياي. ومع ذلك فإنه لما يموت شرميتة، أمكث في ذلك العار زمناً طويلاً في العالم، ولكن متى جاء محمد رسول الله المقدس تزال عني هذه الوصمة، وسيفعل الله هذا لأنني اعترفت بحقيقة مسيا الذي سيعطيني هذا الجزاء، أي أن أعرف أني حي، وأني برئ من وصمة تلك الميتة".
стр. 101
وجاء رسول الله ﷺ وفند هذه الفرية بقول الله تعالى:
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾
لقد استبعد إنجيل برنابا، وبقيت كتابات بولس الذي ادعى لنفسه الرسالة. وبين برنابا وبين بولس مشادة يكشف القناع عنها برنابا في قوله: "أيها الأعزاء، إن الله العظيم العجيب قد افتقدنا في هذه الأيام الأخيرة بنبيه يسوع المسيح، برحمته العظيمة للتعليم والآيات التي اتخذها الشيطان ذريعة لتضليل كثيرين بدعوى التقوى مبشرين بتعليم شديد الكفر داعين المسيح ابن الله، ورافضين الختان الذي أمر به الله دائماً، مجوزين أكل لجم نجس الذي ضل في عدادهم بولس الذي لا أتكلم عنه إلا مع الأسى".
ويقرر العهد الجديد في سفر الأعمال (١٥: ٢٦ - ٤٠) هذا القرار: "فحصل مشاجرة حتى فارق أحدهما الآخر، وبرنابا أخذ مرقش وسافر في البحر إلى قبرص، وأما بولس فاختار سيلا وخرج مستودعاً من الإخوة"
استبعد إنجيل برنابا وبقيت كتابات بولس الذي جاء بتعليم شديد الكفر بقوله: "كأس البركة التي تباركها أليست هي شركة دم المسيح. الخبز الذي نكسره أليس هو شركة جسد المسيح".
ويسترسل الحواري يوحنا على هذا النمط فيقول: "جسدي مأكل حق ودمي مشرب حق. من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت في وأما فيه".
ومن هنا نشأ أحد الأسرار الكنيسة السبعة المعروفة بسر "الأفخارستيا" وفحواه: "اننا نؤمن أنه بعد تقديس سر الشكر، واستدعاء حلول الروح القدس على القرابين - يستحل الخبز والخمر استحالة سرية إلى جسد المسيح ودمه الأقدسين حتى إن الخبز والخمر الذين ننظرهما على المائدة ليسا خبزاً خمراً بسيطين بل هما جسد الرب ذاته ودمه تحت الخبز والخمر". "ونؤمن أن ربنا يسوع المسيح حاضر في هذه الخدمة لا بوجه الرمز أو الإشارة أو الصورة أو المجاز ولا بأنه مستتر في الخبز بل هو حاضر حضوراً فعلياً". والحمد لله الذي قال في عزته وجلاله:
стр. 102
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾
هذا هو ﷻ برئ مما نسب إليه من النبوة والتثليث. هذا هو الله الواحد الأحد
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾
ليؤكد للإنسان أن الله غفور رحيم.
* * *
стр. 103
الباب الخامس القرآن الكريم يهدي أهل الكتاب إلى الصراط المستقيم
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾
إن سيدنا عيسى ﵇ يتنبأ عن الرسول الكريم سيدنا محمد ﷺ بقوله: "وأما كتى جاء ذالك (روح الحق) فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية".
ويدعم هذه النبوءة بطرس خليفة المسيح على الأرض بقوله: "فإن موسى قال للآباء إن نبياً مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم، له تسمعون في كل ما يكلمكم به". "هذا هو الحجر الذي احتقرتموه أيها البناءون الذي صار رأس الزاوية، وليس بأحد غيره الخلاص".
ويقول الله تعال وهو خير القائلين:
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾
стр. 104
ويقول سبحانه:
﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
ومن هذه الأسانيد والقرائن يتبين بوضوح لا ريب فيه أن نقطة التحول في تاريخ الرسالات السماوية هي:
١ - في اختيار الله للرسول الكريم، حفيد سيدنا إسماعيل ﵇، وهو شقيق سيدنا إسحق ﵇ وكلاهما ابن سيدنا إبراهيم ﵇:
﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾
٢ - وفي تحول الأراضي المقدسة من أرض فلسطين مهد الأنبياء إلى أرض الحجاز، إلى مكة المركة أرض الرسول الكريم، فلنبدأ القصة من بدايتها حتى يتكشف لنا سر هذا التحول الخطير.
قال الله تعالى:
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾
وحذر سيدنا موسى ﵇ بني إسرائيل أن ينحرفوا عن طريق الله بقوله: "إذا ولدتم أولاداً وأولاد أولاد، وأطلتم الزمان في الأرض، وصنعتم تمثالاً منحوتاً صورة شيء ما، وفعلتم الشر في عينى الرب إلهكم لإغاظته - أشهد تمثالاً عليكم اليوم السماء والأرض أنكم تبيدون سريعاً عن الأرض التي أنتم عابرون الأردن إليها لتمتلكوها، لا تطيلون الأيام عليها بل تهلكون لا محالة، ويبددكم الرب في الشعوب، فتبقون عدداً قليلاً بين الأمم التي يسوقكم البر إليها".
стр. 105
وبرغم هذا التحذير والتنبيه فإنهم تردوا في آثامهم وخطاياهم فحقت عليهو غضبة الله.
وفي سنة ٧٠١ ق. نفذ الله فيهم قضاءه، فقال أشعياء نبي العهد القديم: "من منكم يسمع هذا يصغى ويسمع لما بعد؟! من دفع يعقوب إلى السلب، وإسرائيل إلى الناهيبين؟ أليس الرب الذي إليه أخطأنا ولم يشاءوا أن يسلكوا في طرقه ولم يسمعوا لشريعته".
ثم يعود فيحاججهم بقوله: "ها إن يد الرب لم تقصر عن أن تخلص، ولم تثقل أذنه عن أن تسمع، بل آثامكم صارت فاصلة بينكم وبين إلهكم، وخطاياكم سترت وجهه عنكم حتى لا يسمع".
ويقول الله تعالى في محكم آياته:
﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾
لا ريب أن إرادة الله لابد أن تتم مهما تجاهل الإنسان هذه الإرادة الأزلية السرمدية.
كما تنبأ عنهم أرمياء نبي العهد القديم - عن تدمير بيت المقدس وعن تشتيت إسرائيل بقوله:
"ويعبر أمم كثيرة في هذه المدينة ويقولون الواحد لصاحبه: لماذا فعل الرب مثل هذا لمدينة العظيمة؟ فيقولون: من أجل أنهم تركوا عهد الرب إلههم، وسجدوا لآلهة أخرى وعبدوها".
جاء المسيح عيسى ابن مريم فماذا وجد ؟
لقد وجد:
١ - الأحبار والهيكل:
"ولما دخل الهيكل ابتدأ يخرج الذين كانوا يبيعون ويشترون فيه قائلاً لهم: مكتوب أن بيتي بيت الصلاة. وأنتم جعلتموه مغارة لصوص".
стр. 106
٢ - الأحبار والالتزام بالحلف:
"ويل لكم أيها القادة العميان. القائلون من حلف بالهيكل فليس بشيء ولكن من حلف بذهب الهيكل يلتزم، أيها الجهال والعميان أيما أعظم الذهب أم الهيكل الذي يقدس الذهب؟ ومن حلف بالمذبح فليس بشيء ولكن من حلف بالقربان الذي عليه يلتزم، أيها الجهال والعميان أيما أعظم القربان أم المذبح الذي يقدس القربان؟ فإن من حلف بالمذبح فقد حلف به وبكل ما عليه، ومن حلف بالهيكل فقد حلف به وبالساكن فيه، ومن حلف بالسماء فقد حلف بعرش الله وبالجالس عليه".
٣ - الشعب والأحبار:
يقترب إلى هذا الشعب بفمه، ويكرمني بشفتيه، وأما قلبه فمبتعد عني بعيداً وباطلاً يعبدونني، وهم يعلمون تعاليم هي وصايا الناس".
٤ - المسيح والأحبار:
"لا تظنوا أني أشكوكم إلى الله. يوجد الذي يشكوكم وهو موسى الذي عليه رجاؤكم لأنكم لو كنت تصدقون موسى لكنتم تصدقونني، لأنه هو كتب عني، فإن كنتم لستم تصدقون كتب ذاك فكيف تصدقون كلامي".
٥ - المسيح والتلاميذ (الحواريون) :
"فأجابه بطرس: يارب إلى من تذهب وكلام الحياة الأبدية عندك؟ ونحن قدآمنا، وعرفنا أنك أنت المسيح ابن الله الحي؟ أجابهم يسوع: أليس أني أنا اخترتكم الاثنى عشر وواحد منكم شيطان".
٦ - المسيح وإبليس:
"وقال له إبليس: أعطيك هذه إن خررت وسجدت لس. حينئذ قال له يسوع: اذهب يا شيطان، لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد، ثم تركه إبليس".
стр. 107
٧ - المسيح والدينونة:
التهمة التي أقاموها ضده "أنه جعل نفسه ابن الله"
ويفند القرآن هذه الشبهة، ويدفعها عن المسيح عيسى بن مريم ﵇ بقوله تعالى:
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
وقوله تعالى:
﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾
وكان موقف سيدنا عيسى ﵇ إزاء هذا الانحراف الديني المريع موقفاً إيجابياً إذ حين تقدم إليه تلاميذه لكي يروه أبنية الهيكل قال لهم يسوع. "أما تنظرون جميع هذه؟ والحق أقول لكم إنه لا يترك ها هنا حجر على حجر لا ينقض".
"وفيما هو يقترب نظر إلى المدينة (بيت المقدس) وبكى عليها قائلاً: إنك لو علمت أنت أيضاً حتى في يومك هذا ما هو لسلامك ولكن الآن قد أخفى عن عينيك، فإنه ستأتي أيام ويحيط بك أعداؤك بمترسة، ويحدقون بك، ويحاصرونك من كل جهة، ويهدمونك وبنيك فيك. ولا يتركون فيك حجراً على حجر لأنك لم تعرفي زمان افتقادك"
ولقد صب عليها لعنة الله بقوله: "يا أورشليم، يا أورشليم. يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين. كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها وتريدوا، هو ذا بينكم يترك لكم خراباً".د
стр. 108
هذه هي القصة من بدايتها إلى نهايتها، لقد غضب الله على إسرائيل وتحول قلبه عن بيت المقدس، فكيف يتم هذا ووعد الله لسيدنا إبراهيم: ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض".
ويوضح الله الأمر في قوله تعالى:
﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾
وهنا يأتي دور نبوءة المسيح ﵇ عن الرسول المصطفى: "قال لهم يسوع: أما قرأتم فقط في الكتب. الحجر الذي رفضه البناءون هو قد صار رأس الزاوية. من قبل الرب كان هذا، وهو عجيب في أعيننا، لذلك أقول لكم إن ملكوت الله ينزع منكم، ويعطى لأمة تعمل أثماره".
وهنا ايضاً يأتي دور تعزية الملاك للسيدة هاجر عندما هربت من نير الاستعباد تحت إذلال سارة زوجة سيدنا إبراهيم ﵇. "لأني سأجعله أمة عظيمة".
وهنا أيضاً يأتي دور تعزية الله لسيدنا إبراهيم ﵇ عندما رأى ابنه البكر إسماعيل مطروداً أمام عينيه من وجه عبودية السيدة سارة: "وابن الجاري أيضاً: سأجعله أمة، لأنه نسلك".
ويؤكد الله هذه الأمور بقوله تعالى:
﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾
هذه الحوادث لم تكن محض مصادفة، بل كانت في علم الله ، وهي التي رآها سيدنا موسى ﵇، "إذ أراه الله من ثم رسوله على ذراعي إسماعيل، وإسماعيل على ذراعي إبراهيم، ووقف على مقربة من إسماعيل غسحق وكان على ذراعيه طفل هو المسيح عيسى ابن مريم يشير بأصبعه إلى رسول الله قائلاً: هذا هو الذي لأجله خلق الله كل شيء. فصرخ موسى من ثم بفرح: يا إسماعيل، إن على ذراعيك
стр. 109
العالم كله والجنة اذكرني أنا عبد الله لأجد نعمة في نظر الله بسبب ابنك الذي لأجله صنع لله كل شيء".
والآن لنتتبع المنهاج المرسوم:
١ - يقول الله تعالى:
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
يا أهل الكتاب، كفاكم دوراناً حول الجبل، واتجهوا إلى الصراط المستقيم. أما جاءت تلك المرأة السامرية وأخذت تحاور المسيح عيسى ابن مريم حتى قالت له: "آباؤنا سجدوا في هذا الجبل، وأنتم تقولون إن في أورشليم الموضع الذي ينبغي أن يسجد فيه. قال لها يسوع، يا امرأة صدقيني إنه تأتي ساعة - لا في هذا الجبل، ولا في أورشليم تسجدون لله - الله روح، والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا"
ويقول الله تعالى في كتابه الكريم:
﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾
ويقول برنابا مشيراً إلى ركن من أركان الأسلام وهو الحج: "سيأتي مسيا المرسل من الله لكل العالم، الذي خلق الله العالم لأجله، وحينئذ يسجد لله في كل العالم وتناول الرحمة، حتى إن سنة اليوبيل التي تجئ الآن كل مائة سنة سيجعلها مسيا كل سنة من كل مكان".
стр. 110
وفي الركن الخامس من أركان الإسلام يقول الله تعالى:
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾
وفي تحويل القبلة من بيت المقدس إلى مكة قال البراء بن معرور: "يا نبي الله، إني خرجت من سفري هذا، وهداني الله للإسلام، فرأيت ألا أجعل هذه البنية متى تظهر فصليت إليها. وقد خالفني أصحابي في ذلك حتى وقع في نفسي من ذلك شيء فماذا ترى يا رسول الله؟ " قال: "لقد كنت على قبلة لو صبرت عليها".
وقال تعالى لسيدنا إبراهيم وابنه سيدنا إسماعيل ﵉.
﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾
لقد كان على الرسول تطهير البيت العاكفين، فإن الوصية التي كانت لجده هي الوصية، وما إن فتح الرسول ﷺ مكة حتى عمد إلى تطهيرها من الأصنام.
قال ابن مسعود ﵁: "دخل النبي ﷺ مكة يوم الفتح، وحول يوم الفتح، وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها يعود في يده، ويقول: جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقاً، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد"، أخرجه البخاري ج ٥ ص ١٤٥.
وهذا الأمر ليس بغريب على أهل الكتاب، فهم كما قال الله عنهم:
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
ولهذا قال لرسوله الكريم عند تحويل القبلة:
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ .
следующие страницы →