← Медицина

Медицина · id 10751

علم نفس النمو من الجنين إلى الشيخوخة

عادل الأشول

Полный текст (737 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

عن طريق الاستحسان الاجتماعي والحب، كما نرى المدرسين كذلك يستخدمون المديح والدرجات الجيدة داخل فصولهم لنفس هذه الغاية. ولكي نطبق مبادئ إدارة السلوك في طريقة منتظمة، فمن الضروري أولا أن ندرس بعناية ذخيرة الطفل من الاستجابات، وعلى ذلك فإننا لا يمكن أن ندعم السلوك الذي يظهر، فعندما لا تظهر الاستجابة المرغوب فيها بصورة أولية، بحيث ندرك أنه يجب علينا أن نشكل تلك الاستجابة فعن طريق التدعيم البطيء الدقيق والتقريبات المتتابعة للسلوك المرغوب فيه، إلى إن يظهر هذا السلوك في نهاية الأمر, وعندما تظهر الاستجابة المرغوبة فيها بصورة منقطعة، حينئذ يجب علينا أن نكون دائمًا منتبهين حتى نتبعها بالمدعمات لكي نتأكد من عدم انطفائها. وجدير بالذكر، فإن أي شخص يستخدم وسائل إدارة السلوك مع الأطفال يجب أن يكون خبيرًا, مهتمًا في اختيار المدعمات, فلا يوجد مثير متفرد واحد سوف يدعم جميع الأطفال بصورة متساوية، فالمديح يعتبر مدعمًا مؤثرًا لبعض الأطفال، كما أن النجوم داخل الكراسات المدرسية أو التي ترتبط في أعلى صدر الطفل قد تكون أكثر تأثيرًا بالنسبة لأطفال آخرين، كما نجد بالنسبة للمراهقين أو استحسان جماعة المراهق يعتبر مدعمًا أكثر تأثيرًا وفعالية من أي مدعم آخر. وإحدى طرق اختيار المدعمات في الموقف التعليمي تكون في أن تسمح للأطفال أن يعملوا الاختيار بأنفسهم، وتسمى إحدى الطرق لإجراء ذلك بمبدأ بريماك Premack؛ "١٩٥٩", حيث يتضمن ملاحظة سلوك الطفل بعناية أثناء اللعب الحر، وأن يسجلوا الأنماط السلوكية التي غالبًا ما تحدث بصورة متكررة، ويستخدمون نفس السلوك في مرحلة لاحقة أثناء عملية التعلم لإحداث التدعيم المرغوب فيه، بمعنى أنهم سوف يسمحون للأطفال أن يمارسوا السلوك كمدعم، فمثلا الأطفال الذين يهتمون بقضاء معظم أوقات فراغهم في قراءة الكتب الفكاهية المسلية، يسمح لهم بقراءة هذه الكتب كمدعم للسلوك المرغوب فيه، والأطفال الذين يقضون أوقات فراغهم في لعب المباريات من الممكن أن يستخدم اللعب كمدعم لما نرغب في تنمية من أنماط سلوكه. ولقد أثار بعض النقاد الاهتمام حول الأخلاقيات المتضمنة في برامج إدارة السلوك، حيث يتساءلون هل من حق أي فرد أن يمارس الضبط والتحكم في سلوك الآخرين؟ وهذه الاهتمامات الأخلاقية كما نوقشت فيما سبق تستأهل اعتبارًا جادًا من الباحثين، فحقوق الأطفال، وكذلك الراشدين يجب أن توضع في الاعتبار دائمًا.

стр. 107

نظرية الدوافع: كثير من علماء التعلم شعروا أن المنحى السلوكي لم يقدم تفسيرًا كاملا لما يحدث عندما يتعلم الطفل، وحاول أصحاب نظرية الدوافع أن يصفوا ما يحدث داخل الأطفال لكي يفسروا حركاتهم وأنماط سلوكهم. ويشير أصحاب هذه النظرية أن جميع الأنماط السلوكية ذات معنى وهدف وبدون وصف هذا الهدف حينئذ نتجاهل جوانب هامة من عملية التعلم. وبطبيعة الحال فإن علماء نظرية الدوافع لا يمكنهم ملاحظة الغرض من السلوك بصورة مباشرة، إلا إنهم يستدلون على وجوده من المعلومات والبيانات التي يستطيعون ملاحظتها, ولكي نفسر هذا الاتجاه لسلوك الطفل الإنساني فإنه من المهم أن نتفهم سويًا ثلاثة مفاهيم أساسية لهذه النظرية ألا وهي الحاجات والحوافز والدوافع, وسنلقي الضوء على تلك المفاهيم في ثنايا الصفحات التالية. فالحاجة Need اصطلاح أدخله "ليفين" في علم النفس في الثلاثينات، وبمعنى شعور المرء بأنه ينقصه شيء أو يلزمه شيء، أي إنها حالة داخل الفرد والتي قد تخفض الكتيف المشبع للبيئة، وبعض الأمثلة لذلك حاجة الطعام والحب، كما أن الحاجات الضرورية للبقاء الجسمي تسمى بالحاجات الأولية، فالطعام يعتبر حاجة أولية Primary Need، إلا أن الحب ليس كذلك، حيث يعتبر حاجة ثانوية Secondary Need، ولكن إشباع هذه الحاجات الثانوية ضروري للنمو السوي للكائن الآدمي، فعلى الرغم من أنها ليست ضرورية للبقاء المادي للإنسان إلا أنها تأتي عن طريق التعلم لتكون ذات أهمية وفعالية في التكيف الأفضل للإنسان.

стр. 108

وتبعًا لنظرية الدافعية، فإن حاجات الطفل تحدث الحافز Drive وهو حالة داخلية تجبر الطفل على النشاط والحركة، فعندما يكون الرضيع في حاجة إلى الطعام يصبح أكثر نشاطًا يتلوى ويصيح، ويسمي أصحاب نظرية الدوافع أن ما يفعله الرضيع يكون بينة أو دليل لحافز الجوع لديه وعندما يكون لدى التلاميذ حاجة ثانوية للتحصيل والإنجاز نجدهم يصبحون في حالة نشطة للدراسة والتحصيل، ومن المهم أن نشير إلى أن الاتجاه الذي يتخذه نشاط الحافز بصورة أولية "قبل التعلم" يكون غير مميز، فعلى الرغم من أنه قد يتصف بمعدل نشاط عال، إلا أن الفرد منذ البداية لا يكون لديه هدف معين في تفكيره، ومثال على ذلك ما نراه لدى المولود حديثًا, فبعد ساعات قليلة من المولد نجد أن لديه حاجة قوية إلى الطعام، وفي هذا السن، لا نستطيع الافتراض بصورة مؤكدة بأن الرضع يعرفون صدور أمهاتهم المخفض لحاجاتهم، حيث لا يكون لديهم حتى الآن الفرصة لاستقبال الطعام من خلال أفواههم، إلا أن حافز الجوع يجبرهم إلى نشاط عام حيث نجدهم يصيحون ويتلوون من الجوع، وكلما ازدادت الحاجة تبعًا لنظرية الدافعية فإنها تفعل أو توجد الحافز المحصل أو الناشئ Resultant. فكلما كانت الفترة أطول التي يقضيها الرضيع بدون إطعام فمن الممكن أن نتوقع أنه سوف يصيح لفترة أطول, وبعد أن يطعم فقط، وتخفض حاجته يمكن أن نتوقع بأن نشاطه سوف يتوقف. وبطبيعة الحال نجد الرضيع كلما تقدم به العمر يخبر تخفيض الحافز من خلال صدر الأم، وبعد ذلك عندما يصيح، فإن ذلك سيكون لغرض الحصول على صدر الأم، ويسمى هذا السلوك بالسلوك الدافعي الموجه، وتحدث الدافعية فقط عندما يتعلم الطفل من خلال اقتران هدف الموضوع مع تخفيض الحافز لمباشرة نشاطات في طرق معنية للحصول على هدف معين.

стр. 109

هرمية "ماسلو" للحاجات: لقد وجد في أعمال "ماسلو" "١٩٤٣-١٩٥٤"، إحدى المحاولات الأصلية للتعامل مع نظم الحاجات المركبة، إذ يشير أن الحاجات يمكن أن توصف بدقة وبوضوح بواسطة الهرمية المرتبة من الحاجات البسيطة إلى الأكثر تركيبًا، وبالتالي تصبح الحاجة مهيمنة ومسيطرة عندما يشبع فقط الحاجات الأدنى من هذه الهرمية. وتبعًا "لماسلو" نجد الحاجات الفسيولوجية أساس نظرية الدافعية حيث نراها مهيمنة مسيطرة في حالة عدم اشباعها، فالأطفال الذين يكونون تحت وطأة هذه الحاجة لا يهتمون مثلا بحاجات الاجتماع أو حاجات الاستحسان الاجتماعي, حيث نجد المدعمات الاجتماعية العادية ذات تأثير ضعيف على سلوكهم، وحاجات الأمن، أي الحاجة، إلى بيئة آمنة مستقرة تلي ذلك، وقد نجد هذه الحاجة تهيمن على وجود بعض الأطفال سيئوا الحظ والتي تكون حياتهم العائلية مضطربة بسبب الانفصال الأبوي مثلا, ويلي ذلك الحاجة إلى الحب والانتماء, فالشباب الذين يشعرون بعدم التقبل والذين لا يشعرون بالألفة والوئام مع زملائهم في المدرسة، عادة ما يصبحون ذوي مشكلات سلوكية أكثر، كما أن حاجات التقدير عادة ما يشبع من خلال الإنجاز، ويستطيع الآباء والمدرسون أن يدعموا هذه الحاجات عن طريق مكافئة تلك الحاجات وتوفير فرص النجاح أمام التلاميذ، ومع ذلك، وحتى في حالة إشباع هذه الحاجات يشير "ماسلو" إلى أن الطفل سوف يشعر بعدم الرضا والقلق إلا إذا عمل ما يرغب فيه وما يستطيع القيام به، أي ما يسميه "ماسلو" بحاجات تحقيق الذات وتحدث عندما يتمكن الأطفال من إشباع الحاجات إلى الفهم والمعرفة. يوضح الشكل رقم "١" هرمية "ماسلو" للحاجات الدافعية

стр. 110

الدافعية الداخلية والخارجية: يميز علماء النفس بين ما يسمى بالدافعية الداخلية والدافعية الخارجية Extrinsic Motivation وتحدث الدافعية الخارجية عندما تكون النشاطات موجهة نحو موضوعات خارجية لخبرة التعلم كالمكافآت المالية التي تعطي للسلوك الطيب، والدافعية الداخلية Lntrinsic Motivation تعزى إلى الدافعية والتي تستخدم الخبرة نفسها كهدف فقد يدفع الأطفال داخليًا إلى العلم والقراءة. وذلك لأن القراءة تعتبر بمثابة شيء ممتع مشوق والدافعية الداخلية بهذا المعنى تعزى إلى ما يسميه السلوكيون بالنشاطات المدعمة ذاتيًا. ويشير "هارلو وال" Harolw & al؛ "١٩٥٠" أن الكائنات الإنسانية غالبًا ما تكون مدفوعة بحب الاستطلاع والحاجة إلى الاستثارة، بمعنى أن الشيء الجديد غير المألوف لخبرة التعلم يمكن أن يستخدم كهدف أو غرض, ويبدو أن الأطفال يستمتعون بالاستكشاف بدون الحاجة إلى مكافأة لافتة للنظر، ومما هو جدير بالذكر فإن هذه الحقيقة تدعم مفهوم أن الدافعية الداخلية يمكن أن تكون العامل الأساسي للتعلم. ونجد أن كثيرًا من طرق التدريس الحديثة تستغل الدافعية الداخلية، فمثلا الطريقة المعروفة بسوزوكي Suzuki في تعليم الأطفال ما بين ١.٥: ٢ سنة عزف الكمان وذلك عن طريق إجراء لعب الكمان بالنسبة لهم كمكافأة بغض النظر عن أي مكافأة خارجية Pronko؛ "١٩٦٩"، كما أن بعض المناهج المبتكرة التي أشار إليها Moore؛ "١٩٦٨" تستغل الدافعية الداخلية لدى الأطفال بواسطة طريقة البيئة المستجيبة، حيث ندد أن الدافعية تأتي من خلال معرفة الأطفال أنهم يتعلمون، كما أن التعليم المفتوح والذي يساعد فيه الأطفال على بناء منهجهم الخاص بهم يعتمد كذلك وبصورة كبيرة على الدافعية الداخلية. والتفسيرات التي أعطيت للحاجات والحوافز والدوافع تساعد على توضيح الأسباب التي يعزى إليها أن كثير من الأطفال يبدون كما لو أنهم غير مدفوعين إلى التعلم، فدافعية نمو الإنجاز والتحصيل في كثير من جوانبها تتفق مع دافعية الرضيع للحصول على صدر أمه، بمعنى أنها تنمو فقط عندما يكون الطفل قد تعلم توجيه النشاط نحو هدف أو غرض معين، وقد يكون هذا الهدف خارجيًا "كالتقدير المرتفع أو الدرجة العالية،

стр. 111

وقد يكون داخليًا "كالمتعة في حل المسائل والمشكلات الجديدة". والدافعية يمكن أن تحدث فقط بعد حدوث خفض الحافز، فالأطفال الذين قد فشلوا في الماضي في كل شيء حاولوه, لن يكون لهم أبدًا فرصة إخبار تخفيض الحافز في مواقف التعلم ومثل هؤلاء الأطفال يمكن توقع عدم قدرتهم على التحصيل والإنجاز إلى أن تحدث تغييرات أساسية في الموقف التعلمي, وبالتالي فبدلا من قولنا أن "أ" لا يتعلم لأنه لا يكون مدفوعًا إلى التعلم, نجد المدرس الناجح يقول: إن "أ" لا يكون لديه الدافعية بسبب كونه لا يتعلم. وعادة ما نفترض أن الأطفال سوف يدفعون برغبة تحاشي الإخفاق أو العقاب، وهذا المنحى يمكن أن يكون صادقًا أحيانا خاصة مع الأطفال الذين قد تعلموا بالفعل كيفية تجنب الإخفاق، إلا أنه بالنسبة للطفل الذي يخفق دائمًا، فإن علماء الدافعية يشبهون في تفسيرهم علماء التعلم بأنهم يتنبئون نقصًا مستمرًا في الدافعية لدى هذا الطفل. ولقد اقترح "جاجنه" Gagne؛ "١٩٧٠" طرقًا أكثر إيجابية بواسطتها يمكن أن يكون الأطفال في حالة دافعية للتعلم؛ فمثلا الدافعية من خلال الرغبة في الحصول على الاستحسان الاجتماعي من الأقران, ولبناء مراكز تقدير الذات والتحكم أو البراعة في المهارة، وللتعامل بصورة استقلالية وكذلك للإنجاز والتحصيل. ويشير اقتراح سيكولوجي آخر في أن نجعل التعلم ذا معنى وهدف حيث اتضح أن الغرضية Meaningfulness ذات أهمية قصوى في التعلم Underwood؛ "١٩٦٤" فعندما يفهم الأطفال الفوائد التي يمكن أن تسفر عنها مجهوداتهم حينئذ تكون دافعيتهم متزايدة، كما أنهم عندما يكونوا قادرون على الوصول إلى أهدافهم نجد تزايد دافعيتهم كذلك. وعلى ذلك فعن طريق ترتيب وتنظيم التعلم في خطوات قصيرة، نجد أن الخطوة التالية يمكن أن تفهم بسهولة ويصل إليها الطفل ويعتبر بمثابة طريقة أكثر فعالية وتأثيرًا في التدريس، إذا ما قورنت بطريقة المثيرات المبغضة أو التي يكرهها الطفل. الدوافع والتغير النمائي: يشير علماء سيكولوجية النمو أن الأنماط من الداوفع تهيمن

стр. 112

في أعمار زمنية مختلفة، فتبعًا لكاجان Kagan؛ "١٩٧١" أن الدوافع التي تشغل البال هي عادة تلك المرتبطة بالأهداف التي لا يكون الواحد فيها مؤكدًا إنجازه أو الحصول عليه وهذا الشك أو عدم التأكد يتغير كلما نضج الطفل, ويستطرد كاجان أن الطفل في بداية شهور حياته الأولى لا يوجه بأي شيء أو لأي أهداف ما عدا تلك المرتبطة بإشباع حاجاته الفسيولوجية، وبنهاية السنة الأولى وعندما تشبع هذه الحاجات نجد الدوافع المرتبطة بالأهداف غير الفسيولوجية تبدأ في الظهور، فالرضيع ذو التسعة شهور الذي يعبر عن القلق والاندهاش لاختفاء دميته عن ناظريه، يومئ لنا بأنه يريد تلك الدمية، وبصورة مماثلة فإن طفل الثمانية عشر شهرًا عندما يبكي عندما تغادر أمه الحجرة يظهر لنا الحاجة إلى وجود أمه، وعندما يصل الطفل إلى الثالثة فإنه لا يقتنع فقط في مجرد التماس وجود الأم، ولكنه يلتمس كذلك الاستحسان الأموي، فطفل الثالثة يريد أن يعانق، وفي فترة لاحقة في الرابعة من لا يريد كثيرًا أن يعانق، ولكن في جعل أمه متعلقة به أو معاقبة له. كما أن سنوات المدرسة المبكرة تتصف بنمو حاجات الكفاية وذلك كما يشير "كاجان" فأثناء هذه الفترة نجد الرغبة في الكفاية والجدارة بالإضافة إلى التقبل من الأقران تكون تلك الحاجات قوية لدى طفل الحضانة, كما يظهر أطفال السنة الأولى حاجات قوية للبرهنة أو إظهار أنهم ذوو قيمة، فالمديح يكون ذو فعالية وتأثير كما هو في العناق، ونجدههم عادة ما يؤدون الواجبات المدرسية لتلقي المديح فقط من المدرس. وأطفال السنة الأولى الذين يكون لديهم مشكلات في القراءة فعلا لا يشعرون بعدم الجدارة أو التفاهة فقط، ولكنهم كذلك يكونون على دراية شديدة بأن أقرانهم يمكن أن يرو إخفاقهم. ويدخل الفرد طور المراهقة، وينبثق لديه اهتمامات وميول جديدة، ومن أولها الدوافع الجنسية القوية، والجاذبية الجنسية التي تشعره بالتقبلية، والمرغوبية، وعمومًا فإن المراهق الذي يشعر بعدم الأمان في الأمور المتعلقة بالجنس غالبًا ما نجد لديه صعوبة كبيرة في التكيف مع أقرانه، وأيضا إلى بيئته المدرسية, والأنماط السلوكية الجنسية تتعلم تدريجيًا خلال فترة الطفولة فنجد الفتاة مثلا تلتمس بصورة شديدة اكتساب المديح والثناء ونراها تقضي ساعات في ضم شعرها وتسريحه وتجريب عدة تسريحات عليه، كما أن المراهق الذي يعتقد أن أبوه سوف يفتخر به لمهاراته الرياضية

стр. 113

قد يعمل ويتدرب لساعات كثيرة في النادي ليكتسب مديح وثناء والديه, وبطبيعة الحال نجد أن في المقبولات الثقافة يؤثر في نماذج السلوك الجنسي، إلا أن الحاجة إلى التقبل ذات فعالية وبغض النظر عما إذا كان السلوك المختار صحيحًا من الناحية الثقافية أم لا. النموذج والدافعية: يدفع الأطفال منذ أعمارهم المبكرة بالحاجة إلى الحصول على تواجد أمهاتهم, ومع تقدم العمر نجدهم يتلمسون مجرد وجود الأم، بالإضافة إلى استحسان وتقبل الأم، وتشير باندورا Bandura؛ "١٩٦٩" أنه ليس بمستغرب أن يتعلم الأطفال أنماط سلوكية جديدة من خلال تقليد أمهاتهم أو القائمين برعايتهم وتنشئتهم, فالأطفال ابتداء يتعلمون الاستماع وبعد ذلك تقليد ومحاكاة أصوات الوالدين أو القائمين مقامهم. ويشير Hureh& Sherman؛ "١٩٧٣" أنه عندما يدعم التقليد، بالاستحسان يؤدي إلى تكوين اللغة، ويختار الأطفال النماذج التي تكون مشابهة لهم وتبعًا لآراء "كاجان" Kagan "١٩٧١" يشير أنه كلما كانت السمات والملامح متشابهة، كلما كان اعتقاد الطفل أرسخ بأن النموذج يشبهه، ولأجل ذلك نجد الأطفال يميلون إلى تقليد سلوك الأب من نفس الجنس، فالطفل الذي يبلغ من العمر ثلاث سنوات، عندما يقلد سلوك الأب بأن يجلس في حجرة مكتبه ويكتب في أوراقه نجده يبدي سلوك نموذج الجنس Sex Typed Behavior كما أن الطفلة التي تحاكي سلوك أمها بالجلوس في المطبخ ومحاولة مسك الأواني، تظهر صورة جديدة لسلوك نمط الجنس. وتكتسب نماذج شخصية كثيرة من خلال تقليد الأطفال ومحاكاتهم النشاطات الأبوية، وعادة لا يكون الآباء على دراية بالأنماط السلوكية التي تحاكي فقد كان أحيانًا غير مرغوب فيها، ومثال ذلك نرى أن الأم العدوانية عادة ما تنشئ الابنة بأنماط سلوكية عدوانية، وتتضمن عملية المحاكاة كذلك نسخ الفعل وليس الشخص، فمحاكاة الأب من نفس الجنس ما هي إلا مجرد الخطوة الأولى في عملية التعلم، وكلما تقدم الطفل في عمره الزمني يتبع التقليد بما تسميه نظريات التحليل النفسي بعملية التقمص Ldentification، وهو عملية لا يتبنى الأطفال أنماطا سلوكية فقط، ولكن كذلك معايير النموذج والتي تتحكم في سلوكهم وبمرور الوقت نجد الأطفال يتمكنون من التحدث عن أهداف رمزية، وأحد هذه الأهداف الرمزية التي يحصل عليها أثناء عملية التقمص هي المتعة واللذة البديلية،

стр. 114

فالأطفال الذين يتقمصون مع نموذج يعتقدون أن بعض خصائص هذا النموذج تخصهم وتصفهم, وبالتالي يظهرون احتواء بديليا مع النموذج. فالطفل ذو الأعوام الثلاثة الذي يقلد أباه عن طريق نسخ حركات والده في أي عمل، وطفل السادسة عندما يحاول أن ينظف سيارة والديه بنفسه عندما يسمع مثلا أن جدته سوف تأتي لزيارة الأسرة يفعل ذلك لأنه يعتقد أن والده قد يرغب أن تكون السيارة نظيفة في تلك المناسبة، وطفل السادسة هذا يستمتع بثناء جدته على تنظيف السيارة، كما أن المراهق الذي يحاول أن يرضي والده من خلال العمل الرياضي يتذكر المشاعر والأحاسيس المبكرة الأولى عند والده. ويتقمص الأطفال النماذج المشابهة لهم، بالإضافة إلى النماذج التي تعطي الحب والانتباه وتشير نتائج دراسات Yussen & Ulevy "١٩٧٥" أن الأطفال يولون الانتباه الأكبر إلى النماذج الدافئة المحبة، وذلك أكثر من تلك النماذج التي لا تمدهم بالدفء والحب، وبالتالي فإن الأطفال يميلون لمحاكاة الأمهات الدافئة الحانية، ويتجاهلون الأمهات الباردة غير المستجيبة. ويتقمص الأطفال كذلك النماذج ذات القوة والسلطة, ويسمى ذلك بالتقمص مع المعتدي فالآباء مثلا قد يستخدمون كمصادر للتدعيم للأطفال الصغار، كما أنهم يتخذون كمصادر للعقاب والضبط والتحكم, فكل اللاءات تعلمت من خلال ما نسميه بالتعلم الكاف Prhibtion Learnig وهذا المصطلح عادة ما يصف تعلم اللاءات، حيث أنها غالبًا ما تتعلم من خلال التقمص مع نموذج في المدرسة ذو سلطة وقوة والذي يقول: "لا" ومثال سمعته من أحد تلاميذي في المدرسة إذ يقول "أ" إلى صديقه الحميم "ب" وذلك بعد أن أعلن المدرس عقاب "ب" لعدم أدائه الواجب المدرسي، يقول له: إنها غلطتك، فالمدرس قال بأننا جميعًا يجب أن نفعل الواجبات المدرسية، ونجد أن "أ" قد تلقى متعة بديلية بالتقمص مع السلطة أو القوة "المدرس" المعاقب، فبالتقمص مع المدرس نجده يتلقى أحاسيس ومشاعر بديلية من القوة والسلطة, كما أن مقاومة الإغراء والامتثال والطاعة نجدها قد تعلمت بنفس الطرق سابقة الذكر فالطفل الصغير الذي يغري بأخذ الحلوى من الدولاب مثلا عندما لا تكون أمه ملتفتة إليه ينتهي به الأمر بقوله: لا.. لا ويسحب يديه.

стр. 115

أنماط تعلم الأطفال: في مناقشة نظريات التعلم السابقة لم نميز بين أنماط كثيرة من التعلم الممكن, ولقد ميز جاجنه Gegne؛ "١٩٧٢" بين خمسة ميادين منفصلة أو أنماط للتلعم وهي التعلم الإدراكي، تعلم المعلومات اللفظية وتعلم المهارات العقلية، وتعلم الاستراتيجيات أو الخطط والتدابير المعرفية، وتعلم الاتجاهات، وكل منها تتصف بطرق تعلم ناجحة ومختلفة كل منها عن الأخرى, وسوف نتأمل هذه الأنماط بشيء من التفصيل, كما أننا سوف نتطرق إليها في كثير من الفصول التالية. ١- تعلم الإدراك الحركي: يتضمن الإدراك تمييز معنى المثيرات داخل البيئة، ويشتمل التعلم الحركي استخدام الجسم في ثمة طرق ويستخدم أمثل الطرق في الأشياء المدركة، ونمو الأطفال في كل من مهاراتهم الإدراكية والحركية يعتبر بمثابة شيء هام بالنسبة لهم, وهذه حقيقة سواء كانت طوال السنوات المبكرة حيث تكون المهارات الأساسية كالزحف والمشي قد تعلمت وكذلك في المراحل اللاحقة أثناء سنوات الدراسة كما نجد أثناء فترة الطفولة الوسطى مهارات كثيرة دقيقة تنمي كالمهارات المتطلبة للقراءة والكتابة والنشاطات الحركية الإدراكية تتدخل في جميع مجالات الحياة، وبالنسبة للراشدين نجدهم مثل الأطفال حيث نجد أن المهارات المتقدمة تكون ضرورية للأداء الاجتماعي المقبول. ويشير "ميرل Merrill؛ "١٩٧١" أن المهارة الحركية ما هي إلا سلسلة من الحركات الدقيقة المتكاملة والتي تؤدي لغرض معين، كما أن التعلم الحركي يشبه الأنماط الأخرى من التعلم، ويتأثر بصورة كبيرة بواسطة التدعيم ومعرفة النتائج أشير إليها بأنها تعتبر مدعمًا قويًا بالنسبة للطفل في نمو قدرته الحركية، كما أن توضيح الأهداف يحسن الأداء. ويشير Locke& Bryan؛ "١٩٦٦" أن صعوبة الأهداف والغايات يعتبر شيئًا مهمًا في تعلم المهارات الحركية، فالهدف الذي يكون سهلا للغاية الوصول إليه سوف ينتج الملل, وعلى نقيض ذلك نجد أن الهدف عندما يكون صعب للغاية ولا يمكن إنجازه سوف ينتج الإحباط عند الأطفال.

стр. 116

ويتضمن الإدراك استخلاص المعنى من العالم المحيط بنا وعالم الطفل مليء بالمثيرات، لكي يتمكن من استخلاص معلومات ذات معنى بالنسبة له منها، فالطفل قد يتعلم أولا أن يختار وأن يميز، والتعلم الإدراكي مهم في كثير من نماذج أو أنماط الواجبات والتي تندرج من المستوى الحسي البسيط إلى الأفعال المركبة المعقدة، وتعلم التمييز بين الأشكال المميزة لكل من الأحرف الأبجدية والتعرف عليها يعتبر بمثابة الخطوة الأولى في تعلم القراءة. وتشير "جيبسون" "١٩٧٨" في تجربتها على تعلم أطفال في الرابعة من العمر القراءة أن خطتها أظهرت ملامح معينة من الأخطاء التي وقع فيها الأطفال وكانت هذه الأخطاء نتيجة الخلط أو الالتباس الإدراكي، وتستطرد جيبسون أن المعنى كذلك يكون ذو أهمية كبيرة لتعلم القراءة حيث أشارت نتائجها أن تعلم الكلمات ذات المعنى كان أسهل وأسرع للأطفال عن تعلم الكلمات عديمة المعنى. ٢- تعلم المعلومات اللفظية: يشير جاجنه Gagne أن المعلومات اللفظية تعني تعلم الحقائق والمبادئ والتعميمات المتضمنة فيما نسميه بمجموعات المعرفة Bodies of Knowledge ويشير كثير من علماء النفس النمو أن عندما نجعل المواد اللفظية ذات معنى ومغزى بالنسبة للطفل حينئذ تكون أسهل للمتعلم، ومثال على ذلك إذا سألنا طفلا لكي يحفظ صفحة واحدة من الشعر الجاهلي القديم، نراه يجد صعوبة بالغة إذا ما قورن ذلك بسؤالنا إياه أن يحفظ صفحة من الشعر الحديث. ويشير Travers أن السبب في ذلك يرجع إلى أنه عندما تكون المادة المتعلمة ذات معنى ومغزى تكون أسهل في تعلمها من المادة التي ليست كذلك. بالإضافة إلى أن الزمان والمكان اللذين يتم فيهما تعلم المعلومات اللفظية يشكل كذلك عاملا هامًا في عملية التعلم, وعموما فإن التعب يحل بالمتعلم إذا أرهق في تعلم شيء من الأشياء وعلى نقيض ذلك إن كان التعلم على فترات نظامية Gibson؛ "١٩٦٨"، وليس بمستغرب أن الدراسة المتعجلة لأداء الامتحانات نادرًا ما تنتج النتائج المرغوب فيها.

стр. 117

٣- تعلم المهارات العقلية: وهو عبارة عن ضرب من المثيرات ذو ملامح مميزة والتي فيها يميز الفرد بين مفهوم وآخر، ومفهوم التعلم القدرة على تصنيف المثيرات تبعًا لهذه الصفات المميزة العامة، كما أن التعلم التمييزي يتطلب القدرة على التمييز بين المثيرات تبعًا لاختلافاتها, وجدير بالذكر أن تعلم المهارات العقلية عملية مستمرة، فكل طفل وبسبب خبرته المفتردة يصنف تلك الخبرات بطريقة متفردة فمثلا قد نجد أن مفهوم "أحمد" عن البوليس قد يتضمن صفات الدفء والحنان والمساعدة، في حين نجد مفهوم "هشام" عن رجل البوليس قد يتضمن الإيذاء والقبض والعقاب. كما أن القدرة على استخدام اللغة أمر مهم لنمو المهارات العقلية، فتبعا لنظريات المرحلة المعتمدة أو التابعة كما أشرنا سابقًا, ترى أن التفكير التصوري يزداد في التركيب مع ازدياد العمر الزمني للأطفال, وتبعًا لنظريات العلم البيئي فإن ذلك يتم من خلال الخبرات ذات المغزى والدلالة طوال حياة الفرد والتي يوصف فيها المفهوم الواحد في كثير من الأشكال أو الصور المختلفة, فالممارسات أو التدريب في حد ذاته فقط وبدون المعنى لا يحسن من تعلم المهارات العقلية، وفي ذلك يشير Elkind & Other؛ "١٩٧٠" أن التعلم يزداد عن طريق التطبيقات التربوية التعليمية للمواقف الجديدة، وذلك أكثر مما يحدث نتيجة الممارسات أو التدريبات المتكررة. وإحدى طرق تعلم الأطفال مفاهيم عامة مثل "الحرية" في المقررات الاجتماعية، يكون ابتداء بأن نضع في اعتبار الأطفال الحرية السياسية والشخصية والاجتماعية، كما هي حادثة فعلا في المجتمع، ويلي ذلك الفهم الشامل لمفهوم الحرية، حيث يجب أن يمارس الأطفال ويتدربون على ما تعلموه في مواقف جديدة وعلى سبيل المثال تكوين هيئة تحكيم طلابية ضابطة في داخل المدرسة والتي تسمح لهم باختبار هذه الحريات الفردية المختلفة. ٤- تعلم إجراء التخطيطات المعرفية: يشير "جاجنه" Gagne أن الاستراتيجيات أو التخطيطات المعرفية تتضمن تنظيم المهارات الذاتية التي تضبط سلوك الطفل في عملية التعلم والتذكير والتفكير، ويطلق بعض علماء النفس عليها النماذج التعليمية أو المعرفية، وتظهر الاستراتيجيات المعرفية الفروق الفردية بين الأفراد في

стр. 118

الطرق التي يتعاملون بها ويحلون بها المشاكل، كما أن بعض الباحثين يشير إلى أنها مرتبطة بالاختلاف في الشخصية وكذلك في الدافعية. ويشير Nations؛ "١٩٦٧" أن الاستراتيجيات المعرفية تتأثر بمكونات ثلاثة هي التوجيه الحسي، وشكل الاستجابة، ونماذج التفكير، ويشير التوجيه الحسي إلى الطريقة أو الأسلوب الحسي الذي يستخدم بسهولة أكبر في التعلم, فالأطفال يختلفون في رؤياهم وسمعهم، وخبراتهم اللمسية ويميلون إلى استخدام الأساليب الأكثر ألفة لهم، وشكل الاستجابة وأسلوبها يعزى إلى هذا النمط الاستجابي الذي يستخدم بسهولة أكبر, ويشير Nation أن شكل وأسلوب الاستجابة يمكن قياسه بواسطة قدرات الأطفال على العمل بفاعلية أكثر داخل جماعات أو فرادى, النماذج التفكيرية تعزى إلى الطريقة التي يميل الأطفال إلى التعلم بها، هل تكون بواسطة الحصول على تفاصيل كثيرة في وقت واحد؟ أو تنظيمها داخل نماذج؟ أو قد تكون على نقيض ذلك بواسطة الانتقالات الحدسية المفاجئة؟ ويؤكد "ريسمان" Riessman؛ "١٩٦٦" أهمية الاستراتيجيات المعرفية أو نماذج التعلم في تخطيط الخبرات التربوية، إذ يشير إلى أن بعض الأطفال قد يتعلمون بصورة واضحة وأكثر سهولة أثناء القراءة، وآخرون من خلال الاستماع وفريق ثالث من خلال آدائه للأشياء بصورة فعلية، ويستطرد "ريسمان" أنه بمجرد نمو هذه النماذج التربوية التعليمية فمن الصعوبة الشديدة تغييرها، ويقترح كذلك بأنه بدلا من محاولة تغيير الطفل لكي يتناسب مع نظام التعلم، فالوسيلة الأكثر فعالية وأجدى تطبيقًا هي محاولة تغيير نظام التعلم لكي يتناسب مع الطفل. فالطفل الذي يصل إلى حل المسائل والمشكلات بصورة أكثر فعالية عن طريق مناقشاتها مع جماعة صغيرة من التلاميذ يجب أن يبقى في جماعة كلما أمكن ذلك، وبصورة مشابهة الطفل الذي يعمل بصورة أفضل في حالة تفرده مع الورق والقلم يجب أن يشجع على هذه الاستقلالية. والجدير بالذكر هنا أن المدرس الأكثر فاعلية وتأثيرًا هو المدرس الأكثر مرونة. ٥- تعلم الاتجاهات: على الرغم من أن الاتجاهات متعلمة، إلا أنها لا تتأثر بصورة كبيرة بالتدريب أو بالمعنى، حيث إنها تتأثر بصورة عالية بواسطة أشكال نموذجية والتي يتلقى الأطفال منها ما يسميه "باندورا" "١٩٦٧" بالتدعيم البديلي

стр. 119

Vicarious, وعلى ذلك فإن الأطفال الذين يرون آباءهم يعاملون جيرانهم السود أو الملونين بازدراء، يميلون إلى تكوين اتجاهات متماثلة، والمدعمات الاجتماعية كالابتسام والاستحسان الأبوي والمديح والتشجيع جميعها تعمل كمدعمات لتعلم الاتجاهات, وعلى ذلك فالأطفال الذين يشجعون عن طريق آبائهم لتكوين الاتجاهات الإيجابية نحو المدرسة يميلون إلى الاستمتاع بالمدرسة إذا ما قورنوا بالأطفال الذين نجد آباءهم يشعرون أن التعليم مضيعة للوقت, وجدير بالذكر فإن اكتساب القيم الأبوية يحدث بصورة كاملة في الجو الذي يشيعه الحب والحنان، فالأطفال الذين ينمون في بيوت محبة دافئة يكونون أكثر ميلا إلى تبني قيم آبائهم. كما أن نمو الاتجاهات بطبيعة الحال، يتأثر بمتغيرات كثيرة كالعمر الزمني، والجنس، والعرق، وجميع هذه العوامل لها علاقة مؤثرة في تكوين الاتجاهات.

стр. 120

ثالثا: الوراثة أهمية الوراثة للطفل: أشار علماء الوراثة إلى أن الوراثة تؤثر في نمو الطفل في عديد من الطرق, فالوراثة تتحكم في لون العينين والشعر والجلد وفي الطول والعرض فكثير من الخصائص الفسيولوجية سواء السلبية أو الإيجابية لنمو الطفل تنتقل من جيل إلى الجيل الذي يليه، وسوف نلقي الضوء في ثنايا الصفحات التالية على ميكانزمات الوراثة وأهميتها بالنسبة للمجتمع. وقدرات الطفل كذلك تشبه الخصائص الجسمية تتأثر بالوراثة إلا أن الارتباط ليس دائمًا بصورة مباشرة حيث نجد أن القدرات الوراثية تتأثر وتشكل في عديد من الطرق عن طريق العالم الخارجي، وبالتالي فإن كل طفل نجده يظهر قدرات، وأنماط سلوكية متفردة وللأسف فإن الميكانزمات التي بواسطتها يحدث هذا التباين والاختلاف غير مفهومة حتى الآن بصورة قاطعة، كما أن نقص المعلومات في هذا الجانب الوراثي يقود أحيانًا إلى كثير من الاضطرابات والخوف.

стр. 121

جدل حول الوراثة والبيئة: إن ما يسمى بجدل الوراثة -البيئة- كان موضوعًا للمناقشة والمجالات الساخنة المثيرة بواسطة علماء الوراثة من جهة وعلماء النفس من جهة أخرى, وجدير بالذكر فإن ثمة خصائص كلون العينين ولون الشعر والجلد بين الآباء والأبناء قد فسرت بدقة تامة وفهمت فهما جيدًا بواسطة ميكانزمات التركيب الوراثي, إلا أن وراثة القدرات العقلية والشخصية ومدى التأثرية أو القابلية للأمراض تكون عادة أكثر تركيبًا وتعقيدًا. وثمة سؤال قد يطرح نفسه في بداية المناقشة هذه مؤداه ما هو أكثر أهمية للطفل الوراثة أم البيئة؟ فمنذ سنوات قليلة انشغل علماء الاجتماع وعلماء النفس في جدل من مثل هذا النوع، والإشارة إلى الاختلاف في معدل نسب الذكاء بين الأفراد البيض والسود في الولايات المتحدة ما هو إلا دليل على ذلك، إذ نجد جينسين Jensen, A؛ "١٩٧٢" يشير أن الوراثة تفوق في الأهمية كثيرا من العوامل الأخرى في تفسير الاختلافات في القدرات العقلية، ويشير "جينسين" ومعه كثيرون أن الاختلافات في القدرات الفطرية هي سبب إخفاق البرامج التعليمية التعويضية التي تجري لاستثارة معدل ذكاء الأطفال ومعدلات إنجازاتهم, ونجد علماء نظرية التعلم البيئي قد استجابوا سريعًا لموقف "جينسين" بكثير من أوجه النقد، إذ يشيرون أن "جينسين" ومؤيدوه فشلوا في أن يضعوا في اعتبارهم العوامل البيئية مثل الفروق التعليمية المعروفة التي تؤثر في معدلات الذكاء، كما أن التحيز الثقافي للاختبارات المستخدمة في ذلك بالإضافة أن كثيرًا من علماء التعلم البيئي انتقدوا كذلك بشدة الأسس الإحصائية في مناقشات جينسين كما وجه إليه انتقاد عام مؤداه اتهامه باستخدام نظريته لتعويق التحسينات الاجتماعية في البلاد وذلك أكثر من إضافته أي أسس أو مبادئ جديدة تثري معلوماتنا في هذا المجال. وعندما نولي هذا الجدل النظر، وأهمية ذلك على المجتمع, فمما هو جدير بالذكر أن علماء الاجتماع منذ عشرين عامًا قد نقحوا ما كتب في هذا الموضوع وأعادوا النظر فيه, وأشاروا أن تساؤلا مثل: ما هي طبيعة العوامل التي تؤثر على الفرد منذ لحظة الحمل Nature nurture؟

стр. 122

لا توجد إجابة عليه، وعمومًا فقد وفر لنا أنصار كل من الوراثة والبيئة وأمدونا بالوسائل التقليدية، وتعبر عن ذلك أن أنستازي بقولها، إن الكائن المتفاعل ما هو إلا نتيجة موروثاته وبيئته الماضية، والبيئة الحالية تمدنا بالمثير الفوري لأنماط السلوك الحالي، كما كانت مهتمة بالتركيب التفاعلي بين الوارثة والبيئة, وتشير إلى أن هذا التفاعل يعتبر بمثابة العامل الأكثر أهمية للطفل النامي، وتميز أنستازي بين التأثيرات الوراثية والتي تكون مسئولة بصورة مباشرة عن سمات معينة والتأثيرات الأخرى والتي تكون مسئولة بصورة غير مباشرة، فلون العينين يعزى إلى نمط البنية الوراثي Genotype المباشر والذي يكون من المتعذر إلغاؤه, والتأثيرات الوراثية غير المباشرة تشبه الأخرى في أنها تحدد منذ فترة الحمل، إلا أن الاتجاه الآن يشير إلى أنها تتأثر بالتفاعل البيئي، فالسمة الوراثية ذات الطراز الظاهري Phenotype تعتبر شيئا مرئيا نتيجة التفاعل بين البنية الوراثية والبيئة، وكثير من الصفات المرئية للأطفال تعتبر تركيبات وراثية وكما أن السمات الوراثية كالموهبة الفنية والقدرة الاجتماعية والقدرة على أداء اختبارات الذكاء تكون نتيجة تفاعل عدد كبير من العوامل, فالأشخاص ذوو القابلية الوراثية لأمراض جسمية معينة، يجب أن يواجهوا بمكروبات أمراض معينة حتى يكون تأثيرهم مرئي وظاهر، وبكلمات أخرى فإن الفرد ذو البنية الوراثية قد يصبح مريضًا نتيجة الطراز الظاهري، أو أنه قد يكون محظوظا ويعيش بدون أن يجابه هذا الميكروب أبدًا، وفي هذه الحالة فإن نمط البنية الوراثي للشخص وكذلك التعبير الظاهري لوراثته قد لا تعكس تركيب هذا الشخص الوراثي. ويشير Eisenberg؛ "١٩٦٨" وبعض من علماء النفس الآخرين أن الفصام قد يكون سمة وراثية ذات طراز ظاهري Phenotype وقد يكون القابلية لهذا المرض العقلي وراثيًا، إلا أنه يجب أن تتوفر ظروف بيئية معنية لكي تظهر هذه القابلية نفسها, ونجد "ناش" Nash "١٩٧٠" يصنف كثيرا من خصائص الشخصية وأنها قد ترجع جزئيًا إلى النواحي الوراثية بقوله: "نحن نستطيع أن نعدل الشخصية عن طريق التناول البيئي إلا أننا نفعل ذلك داخل القيود التي تحكم التطور والنشوء الإنساني، والعناصر الوراثية الحاضرة". كما أن التأثيرات البيئية قد تكون مباشرة أو غير مباشرة، فمثال التأثير المباشر مع نمو الطفل يتمثل في النقص الشديد للبروتين في

стр. 123

مراحل معينة من النمو والذي ينتج عنه تأثيرات كتلف المخ Brain damage كما أن غياب الأم عن وليدها لأي سبب من الأسباب قد يكون له تأثير دائم في نمو شخصية هذا الوليد، وعمومًا فإننا لا نستطيع أن نغض النظر سواء عن تأثير الوراثة أو عن تأثير البيئة، فالطفل الذي يولد معوقًا من الناحية الوراثية، يولد مثلا بلا عينان، أو بلا أذنان فإن الخبرات الحياتية لهذا الطفل المعوق سوف تختلف بصورة كبيرة عن تلك التي نجدها عند الطفل العادي، ودائمًا فإنه من غير الممكن أن نحدد بدقة التغيرات أو التأثيرات التي قد تسببت بواسطة الوراثة وتلك التي تأثرت والخبرة, ولنضع في الاعتبار مثالا أكثر دقة، فالطفل الذي يولد ولون جلده يختلف عن معظم الأطفال الآخرين، فإننا نجده سوف يتأثر كذلك بالبيئة بصورة دقيقة، وجملة القول: فليست الوراثة أو البيئة وحدها تتحكم في نمو الطفل وذلك كما يدعي أنصار كل من المدرستين، حيث أن لكل منهما دور رئيسي في النمو والتفاعل المركب كذلك يعتبر عاملا حاسمًا في نمو الوليد البشري.

стр. 124

الفصل الثالث: طرق الدراسة وأدوات البحث في علم نفس النمو مدخل ... الفصل الثالث: طرق الدراسة وأدوات البحث في علم نفس النمو ايحاول دارسو السلوك الإنساني بصفة عامة، وأخصائيو علم النفس النمو بصفة خاصة اختيار الطرق المناسبة، والوسائل الأكثر فعالية لثبر غور تساؤلات موضوع دراستهم, وقد تكون المهمة الأكثر صعوبة في البحث العلمي متمركزة حول صياغة هذه التساؤلات في منحى أو اتجاه معين يمكن أن يجاب عليه بواسطة تجميع وتوحيد ثمة بيانات أو معلومات في حقل معين وبمجرد أن يصاغ التساؤل صياغة واضحة فإننا بالتالي نجد أن الطريقة الخاصة للإجابة عليه تعتمد على ثمة اعتبارات علمية متنوعة, فإن كان التساؤل مثلا: هل يختلف طفل الخامسة في سلوكه العدواني عن طفل في مثل عمره الزمني؟ فإننا قد نجد أن البيانات والمعلومات المختلفة مبتدأة بالملاحظة إلى التجربة. وعلى الرغم من حقيقة أن تساؤلا واحدا يمكن أن يجاب عليه بواسطة عديد من الطرق, إلا أننا نجد أن بعض الطرق تكون أكثر ملاءمة من طرق أخرى للإجابة على ثمة أنماط معينة من التساؤلات وعلى ذلك فإن المناقشة التالية سوف تنتظم تحت ثلاثة أنواع رئيسية لثمة تساؤلات عادة ما نجدها مثار تساؤل في الدراسات النفسية النمائية على الرغم من أننا يجب أن نضع في اعتبارنا أن أي طريق ما أو توحيد من الطرق يمكن أن يستخدم للإجابة عن هذه التساؤلات, ويمكن إيجاز هذه الأنواع الثلاثة من التساؤلات فيما يلي, التساؤلات الترابطية، والتساؤلات السببية والتساؤلات التمايزية, وسنلقي الضوء على كل منهما فيما يلي.

стр. 125

أولا: الطرق الترابطية Correlative methods تستخدم هذه الطرق عند تساؤلنا سؤال مثل ماذا يرتبط بماذا What goes with what فمثلا إن أردنا أن نتعرف على كيفية الزيادة في المفردات اللغوية لطفل فيما بين الثانية والخامسة من العمر، فإننا قد نتساءل سؤالا ترابطيًا، بمعنى أننا نريد أن نعرف عدد المفردات اللغوية التي ترتبط بعمر زمني ومعين، وللإجابة على هذا السؤال فإننا قد نستخدم أحد من الطرق الترابطية، وأهم الوسائل التي تستخدم عادة في هذه الطرق ما يلي. ١- طريقة الملاحظة Observation Technique: تعتبر إحدى الطرق للإجابة عن التساؤلات الترابطية والملاحظة تعتبر المادة الخام للمعرفة العلمية، فالحقائق والقوانين العلمية عادة ما تبدأ بالملاحظة، وكان علم الفلك أول العلوم في استخدام هذه الوسيلة، فالكهنة المصريون والبابليون أول من أشاروا إلى التنبؤية في العالم الطبيعي، حيث قادتهم الملاحظة الدقيقة إلى معرفة حركة الكواكب والنجوم الثابتة، ولقد مكنت هذه المعرفة الكهنة الفلكيين من إجراء تنبؤات ميدانية مثل الموعد الذي يحل فيه فيضان النيل، وبسبب اعتقادهم في الفلك نجدهم أشاروا إلى تنبؤات قليلة الصدق. ومنذ هذه التحقيقات الأولية، فلقد تقدمت المعرفة والعلوم إلى أن وصلت إلى حالتها الراهنة, وهذا التقدم لعبت فيه الملاحظة دورًا رئيسيًا، فالمعرفة في حقيقة الأمر قد اعتمدت على الملاحظة, وتختلف الملاحظة العلمية عن الملاحظة العادية في وجوه متعددة, فالملاحظة العلمية تصنيفية، وتوجه إلى ظاهرة معينة، وهذه الظاهرة قد تكون حركة النباتات, أو قد تكون العلاقات الاجتماعية لطفل العامين وفي كلتا الحالتين نجد الملاحظة تقتصر على موضوع واحد, أو على الأغلب على أنواع قليلة من الأحداث أو الموضوعات، حيث لا تمتد إلى جميع الظواهر، فالملاحظة العلمية تتمركز على جميع جوانب نوع معين من الأحداث، في حين نجد الملاحظة اليومية تجري على جزء فقط من أحداث كثيرة. ولنأخذ مبدأ التحيز في الملاحظة السببية عن العلاقة بين الخصائص الجسمية والسلوك الإنساني، فقد نسمع أن الأشخاص ذوي الشعر الأحمر يتصفون بالانفعالات الحادة، والأشخاص ذوي الآذان الكبيرة يتسمون بالطيبة والسماحة؛ فإن كانت هذه الملاحظات صادقة، فإننا بالتالي يمكن التنبؤ بسهولة بالسلوك الإنساني، إلا أن هذا الميدان ينطوي على مغالطة ومخاطرة, وهذه المعتقدات تنتج من الميل الإنساني في عدم ملاحظة الخصائص أو الظواهر السلبية، فالأفراد يفضلون أن يلاحظوا تلك الأشياء

стр. 126

التي تتناسق مع معتقداتهم، فإذا حدثت حادثة متناقضة مع معتقدات يميلون إلى تناسيها أو تحريف هذا الحدث وذلك أكثر مما يغيرون من معتقداتهم, وهذا الميل نلاحظه في كثير من الدراسات التي أشار إليها رابابورت Rapaport؛ "١٩٤٢", وفستنجر Festinger "١٩٥٧" في نظرية التباعد المعرفي والطريقة العلمية على نقيض ذلك تهدف إلى التأكد من الملاحظة المناسبة والاستنتاج حتى من النتائج السلبية, والملاحظة على هذا النمط تكون جوهرية وذات مغزى كبير للعلم. وشكل آخر من أشكال الملاحظة المضبوطة وتسمى بعينة الموقف Situation samplig حيث نجد الباحث يختار مواقف مميزة. ويسجل ردود فعل الأطفال في هذه المواقف، وعادة ما تستخدم عينة الموقف في دراسة العلاقات الشخصية المتداخلة، وتفضيل اللعب, وهكذا, فمثلا قد يبني الباحث جانبا من المختبر ويضع فيه ألعابا معينة، كالدمية، مطرقة مسامير، خشب، ويسجل الملاحظ مدى تكرار ذهاب الطفل إلى مكان الدامي أو مكان الورشة التي فيها المطرقة والمسامير بالإضافة إلى كمية الوقت الذي يقضيه الطفل أو الطفلة في جانب دون الجانب الآخر, وعينة الموقف هذه تمدنان بمقياس عن كيفية استخدام الأطفال لثمة ألعاب أو تسهيلات معينة كالدمية وورش النجارة وما إلى ذلك. وشكل من أشكال الملاحظة المنتظمة هي عينة الزمن Time Sampling والعينة الزمنية هذه تتضمن تسجيلا لعدد المرات التي يحدث فيها شكلا معينًا من السلوك خلال فترة زمنية محددة، ولتوضيح ذلك ففي دراسة أجريت بواسطة كل من Hall وآخرين "١٩٧٧"، حيث كان الباحثون مهتمين بقياس هل الأطفال السود أقل يقظة وانتباها للأعمال المدرسية من الأطفال البيض, ولقد لوحظ كل طفل في عينة هذه الدراسة لمدة خمسة عشر دقيقة كما استخدم ملاحظون متعددون، وكل واحد منهم سجل للطفل أربعة أنماط سلوكية "كالانتباه إلى المدرس، اليقظة داخل الفصل, والمشاركة في النشاط، والنشاط المصاحب للقراءة, وما إلى ذلك", وتشير نتائج هذه الدراسة إلى عدم وجود اختلافات بين الأطفال البيض والأطفال السود في مدى ارتباط سلوكهم الانتباهي بالعمل المدرسي. وثمة طريقة أخرى لمعالجة التساؤلات الترابطية قدمها "بياجيه"

стр. 127

السيكولوجي السويسري، وسميت طريقته بالمقابلة شبه الإكلينيكية Semi clical interview, فلقد كان "بياجه" كما سنرى في ثنايا الفصول التالية مهتمًا بالإجابة عن التساؤل الترابطي في كيفية تغيير تفكير الأطفال في ثمة موضوعات متنوعة تبعًا لأعمارهم الزمنية، وأراد أن يبني طريقة متسقة دقيقة حتى يمكنه مقارنة الاستجابات لأطفال مختلفين، ومن جهة أخرى يجب أن تكون هذه الطريقة مرنة بدرجة كافية حتى تجعل من الممكن أن يتابع المقابل تفكير الطفل حتى النهاية. والمقابلة شبه الإكلينيكية كانت نتيجة ذلك حيث جمعت بين اتساق الاختبار العقلي ومرونة المقابلة السيكاترية, وبسبب أهمية هذه الطريقة، فإن الطلاب يمكن أن يستخدمونها مع الأقارب والجيران وأخواتهم الكبار، فسوف نلقي الضوء عليها فيما بعد. وعمومًا يشير "بياجيه" أنه من المفيد أن نبدأ بالملاحظات التلقائية عن الأطفال والتي يمكن أن تؤدي بنا إلى تساؤلات معيارية، وكذلك يمكن أن تستخدم لبداية المقابلة وأي التساؤلات التي يمكن أن يبرهن على نفعها أو فائدتها في الكشف عن المظاهر المستترة لتفكير الطفل يمكن أن نحددها بواسطة العمل الضابط Pilot Work مع بعض الأطفال وهذه العملية يسميها "بياجيه" بسبر أعماق الطفل Sondage. ب- الملاحظة الطبيعية: يشبه العلماء الروائيون في أنهم يحصلون بياناتهم الخام عن طريق ملاحظة الكائن الحي في المواقف الطبيعية، في المكان الطبيعي الذي يوجد فيه وليس في أي بيئة مضبوطة موضوعية قد توفر لنا بيانات ومعلومات أكثر من الملاحظة المضبوطة, وهناك عديدًا من الاتجاهات يمكن اتخاذها في الملاحظة الطبيعية للسلوك الإنساني نوجزها فيما يلي. ١- سيرة حياة الطفل Baby Biography: وسيلة من وسائل الملاحظة الطبيعية، فالتقارير المبكرة اليومية التي تصف سلوك الطفل ذات فائدة سواء من الناحية التاريخية أو المنهجية, وكاتب السيرة عادة ما يكون والد الطفل يكون له اهتمام بجوانب نمو الطفل، أو أحد الأقارب المهتمين بذلك، ويلاحظ سلوك طفل واحد

стр. 128

ويسجل ملاحظاته في نموذج يومي, وقد يكون القائم بالتسجيل شخص متخصص في ميدان آخر غير ميدان سلوك الطفل، فتشارلز دارون Darwin على سبيل المثال كان بيولوجيا ومع ذلك سجل سيرة حياة ولده وبالتالي يكفي الشخص ذو الميل العلمي المحب للاستطلاع والتوافق إلى المعرفة والفهم والذي يرغب في الملاحظة وتسجيل الظاهرة موضوع الدراسة, إلا أننا نجد كثيرًا من الانتقادات توجه إلى هذه الوسيلة في مدى صدق البيانات المتضمنة في سيرة الحياة, وما يلي مقتطف من سيرة حياة "دارون" عل طفله توضح نقاط. من الصعب أن نقرر في أي عمر زمني بالتحديد يشعر المولود بالغضب، ففي اليوم الثامن بعد الولادة لوحظ تجهم وعبوس وتجعد في الجلد حول العينان قبل نوبة الصياح، إلا أن ذلك قد يرجع إلى الألم أو الانزعاج ولا يرجع إلى الغضب، وعندما وصل إلى أسبوعه العاشر، فعندما أعطى بعضا من اللبن البارد ظل عبوسًا مبديًا ذلك على جبهته طوال فترة الرضاعة، وعلى ذلك فقد كان يشبه شخصا ناضجا يقوم بعمل مجبر عليه لا يريد القيام به، وعندما وصل إلى الشهر الرابع تقريبًا فإن أمارات الغضب تبدو ظاهرة عليه سواء كان ذلك في تدفق الدم في كل وجهه ورأسه، وعندما يصل إلى الشهر السابع فإنه يعبر عن ذلك بالصراخ والصياح عندما لا يستطيع أن يقيض على كوب من اللبن أو الليمون وينسكب هذا المشروب عليه، وعندما يصل إلى الشهر الحادي عشر فإنه سوف يضرب الدمية بعنف التي تعطي له ولا يرغب فيها أو يحبها, ويشير "دارون" أن ضرب الطفل للدمية يعتبر علامة غريزية عن الغضب, ولا يدرك بطبيعة الحال أنه يمكن أن يؤذي دميته، وعندما يصل إلى سن السنتين وثلاثة شهور يصبح ماهرًا في إلقاء الكتب والعصي وما يشبه ذلك إلى أي شخص يزعجه أو يضايقه. ولكن للأسف فلقد كانت قدرة دارون على فصل الحقائق الملاحظة عن تفسيراتها لم تكن دائمًا صائبة ناجحة, ونقطة ضعف أخرى شائعة في تلك الملاحظات "أو هذه الوسيلة" هو الميل إلى الإسقاط على الطفل انفعالات ودوافع واتجاهات الراشدين, بالإضافة إلى أنه توجد نقاط ضعف أخرى لمنحى سيرة الحياة يمكن إيجازها فيما يلي. ١- ارتباط الملاحظات واتساقها يعتمد جزئيًا على مدى كفاية القائم

стр. 129

بالملاحظ وخلفيته العلمية ومدى تدريبه في تطبيق هذه الوسيلة وبالتالي فكثير من الملاحظات عادة ما تتصف بالذاتية بدرجة عالية، كما أن تحيزات القائم بالملاحظة قد تؤثر تأثيرًا كبيرًا على الأنماط السلوكية التي يسجلها وكذلك على تفسيرات لهذه الأنماط السلوكية. ٢- كما أن ملاحظة طفل معين لا يمكن أن تعتبر نموذجا حقيقيا لكل الأطفال في مثل سنه وجنسه، وهذا النقص يحدد نطاق انطباق تلك المعلومات على أطفال آخرين. ٣- كما أن الأشخاص الذين يقومون بتلك الملاحظات وتسجيلها يجب أن يتسمون بالمثابرة والصبر وبذل الجهد في عملية الملاحظة وتسجيل ما يلاحظونه بصورة موضوعية ومن النادر وجود الأب الذي يمكنه أداء ذلك. ٢- طريقة دراسة الحالة Case study method: والاتجاه الحديث الذي أظهر تشابها كبيرًا مع طريقة سيرة حياة الطفل هي طريقة دراسة الحالة, وعادة ما تبدأ هذه الوسيلة بتجميع البيانات المتنوعة عن طفل معين، لمساعدة الأخصائي في تفهم سلوك الطفل، وعمومًا فإن الانحرافات السلوكية، والإخفاق المدرسي, والمشكلات السلوكية، حالات شائعة يمكن دراستها من خلال طريقة دراسة الحالة، كما أن التسجيلات المدرسية، والمعلومات التي تستقى من الآباء والأقارب والراشدين الآخرين، والطفل نفسه بالإضافة إلى نتائج الاختبارات والفحوص النفسية تعتبر من بين مصادر المعلومات والبيانات التي يجب أن توضع في الاعتبار في طريقة دراسة الحالة. ونموذج طريقة دراسة الحالة التالية يشير إلى التقييم الإكلينيكي لمشكلات سلوكية لطفل معين.

стр. 130

جاءت لسيدة "أ" تسأل تقييما نفسيًا لحالة ولدها "س", بسبب قلقها وانزعاجها للسلوك الذي يصدره ولا تستطيع التعامل معه في بعض الأحيان, بالإضافة إلى خوفها الشديد خاصة من أفعال الثائرة بصورة شديدة، وفقدها ضبطه, وكذلك فقدان انضباطه الذاتي وعدم تقبله أي قيود مفروضة عليه. أ- مقابلة الآباء: أشار والدا الطفل، بأنه ذكي، وزنه أكثر من الوزن العادي، له مزاج حاد, مصدر ضيق وازعاج كبير, ويعتقدون أنه حساس تجاه سمنته، حيث يمنعه زيادة وزنه من الاشتراك في المباريات الرياضية مع زملائه، وأشاروا كذلك إلى فظاظته وعنفه، وعدم رغبته في التعاون، وعدم قدرته تقبل نقد الآخرين ويشعرون بنفوره لأية قيود، فهو دائمًا ثائر متمرد مخل بالنظام ويرفض أن يظهر بمظهر جيد في ملبسه ويحب أداء الأشياء الميكانيكية كما أنه يظهر قدرًا كبيرًا من العدوان تجاه أخته البالغة ثمانية أعوام، وعادة ما يتسم بالتهور عند غضبه ويهدد دائمًا بترك المنزل. وأشار والدا الطفل بأنه عاش طفولة سعيدة مستقرة, إلا أنهما لم يتذكرا التاريخ النمائي له، ويعتقدا أنه كان سابقًا لأقرانه في مثل سنه في أوجه نموه المختلفة, وكان نباتيًا منذ صغره, فكانت أمه تكتفي بإعطائه البقول واللبن طوال سنواته الثلاثة الأولى, ولم تستطع الأم أن تتذكر في أي وقت توقف عن عملية الرضاعة ولا كيفية حدوث الفطام, وتشير الأم أن ولدها تمكن من المشي عند بلوغه التسعة أشهر وتكلم عند بلوغه العام، ولكنها لم تستطع تذكر أول كلمات تلفظ بها وليدها، كما كان سهلا في تدريب التواليت حيث تمكن منه في منتصف السنة الثانية. وسقط من سريره قبل أن يكتمل العامين، وكذلك سقط من فوق دراجته عندما كان سنه سنتين وأصيب في ذقنه، وفي الرابعة أو الخامسة سقط من سيارة وأصيبت أذنه وألمته, وحدثت بها إفرازات والتهاب عولج بأشعة "x" ولم تقرر الأم حدوث أية صعاب سمعية لدى وليدها. ولم تبدي الحالة اعوجاجات نفسية، كمص الأصابع، أو أظهر دلائل لنشاط الاستمنائي ولا ظهرت عنده كوابيس، أو المشي أثناء النوم أو التبول اللاإرادي، وحصل على المعلومات الجنسية من الأولاد الآخرين على الرغم من تمكنه من الكلام في الأمور الجنسية مع والده.

стр. 131

ولقد التحق بالمدرسة الابتدائية ولم تظهر لديه أية مشكلات دراسية إلى عهد قريب، وحدث وأن نقل إلى مدرسة أخرى بسبب شغبه في المدرسة الأولى، إلا أنه لم يمل إلى مدرسته الجديدة، وتاريخه المدرسي يشير إلى أنه دائم الفوضى داخل الفصل الدراسي، وجميعها أنماط سلوكية لجذب انتباه الآخرين له. ووصف الأبوين الطفل بأنه مولع بالعراك مع الأطفال الأصغر منه، كما أن معاملته يشوبها العنف والشدة مع الأطفال الآخرين، ويبدو في بعض الأحيان بأنه يثير كراهية رفاقة بصورة متعمدة. ويشير والد الطفل بأنه كان دائمًا متسامحًا جدًا مع ولده بالإضافة إلى إحساسه دائما بصعوبة وضع حدود على سلوك ابنه أو محاولته تأديبه وتهذيبه، وكانت الأم من جانب آخر تشعر بأن ولدها يجب أن يتسق مع معايير معينة، وكانت دائمة المراقبة له لتتأكد من أنه يفعل أم لا. ب- التقويم النفسي: طبقت على الحالة ثلاثة اختبارات: أ- مقياس وكسلر لذكاء الأطفال. ب- اختبار بقع الحبر لرورشاح. ج- اختبار تداعي المعاني TAT. ح- السلوك ومظاهره الخارجية: كان "س" في العاشرة والنصف من عمره، وكان مولعًا وبصورة كبيرة بالعدوان نحو الفاحص في المقابلة الأولى، ولقد أبدى الخوف من المجيء أول مرة للعيادة ففي الزيادة الأولى جرى خارج الحجرة والمبنى وأراد أن يعبر الشارع, وفي المرة الثانية رفض أن يدخل العيادة، وفي الجلسة الثالثة والأخيرة فقد عبر عن غضبه تجاه الأخصائي، وأشار إلى مشاعره نحوه في أنه يحب هذا العمل ويروم له، وأردف قوله بأنك لا تستطيع أن تساعدني على أية حال, ولقد أنكر أي خوف في المجيء للعيادة على الرغم من أنه

стр. 132

كان قلقًا عما سيفكر فيه زملائه عندما يعرفون أنه قد حضر إلى المعالج ابتداء فلقد أنكر وجود أية مشكلات لديه، ولكن عندما امتدت الجلسة بدأ يفسح المجال لاعترافاته بأنه غير راض عن أسرته وأشار إلى أن أمه دائمة الإزعاج له خاصة في الطعام وفي قص شعره، وأشار إلى حبه لأبيه ووصف أخته وصفًا حسنًا. بصورة عامة فإن سلوك "س" كان يتسم بثنائية المشاعر ambivalent فقد كان متذبذبًا أو مترددًا بين الفوز بالحظوة والرضا وبين المرح والعدوانية. د- الانطباعات والنتائج: كانت نتائج "س" في مقياس وكسلر لذكاء الأطفال كما يلي: الاختبار الأدائي العملي IQ؛ = ١٢٢ "نسبة ذكاء عالية". الاختبار اللفظي للذكاء IQ؛ = ١١٤ "نسبة ذكاء متوسطة". الاختبار الكلي IQ؛ = ١٢٠ "نسبة ذكاء عالية". وعلى الرغم من القدرات العقلية لـ"س" كانت مرتفعة, إلا أنه لم يستخدمها بنفس معدلها، ويرجع ذلك لاتجاهه السلبي في أداء الأعمال وميله إلى استخدام الحد الأدنى من قدراته. كما كان لديه ميلا يعكس نقص قدرته الممكنة لتحقيق الأهداف مما كان يعوق في التخطيط لبناء المستقبل. وكان "س" يمكنه إدراك الأشياء كمعظم الناس، كما كان على وعي بالمعايير السلوكية، إلا أنه كان متمسكًا باستقلاليته والإصرار العنيد في بعض الأشياء حتى يعمل وفقًا لتفكيره، وكانت أنماطه السلوكية تضبط عن طريق حاجاته للإشباعات الفورية, وكان لدى "س" قدر كبير من القلق في تعالمه مع الآخرين، ولا يستطيع إشباع حاجاته بالتعامل مع بيئته بطريقة مقبولة اجتماعيًا، وبالتالي كان يتحاشي المواقف التي تتطلب منه الامتثال والاتساق الاجتماعي كما كان لديه صعاب في تكوين علاقات عاطفية قوية، كما كان يبدو متذبذبًا بين الاستجابات الانفعالية الظاهرية والانفجارات السريعة غير المضبوطة.

стр. 133

ولقد أشارت نتائج الاختبارات عن وجود مشاعر وأحاسيس عدوانية غير متحكم فيها بصورة قوية، ويبدو أن عدوانيته كانت بسبب إحساسه بالقلق والإحباط في إشباع دوافعه، وكان سريع الامتعاض من القيود بصورة عامة، ويشعر بأن هذه المبادئ والقواعد الاجتماعية ظالمة بالنسبة لمعظم الأفراد. ويبدو أن اتجاهات "س" سالفة الذكر كانت مرتبطة باتجاهاته نحو أشكال الأبوة، فقد كانت استجاباته لبعض مواقف اختبار TAT التي تعبر عن أشكال الأمومة، بأنها تتدخل في كثير من مواقف الطفل وتحول دون رغباته، كما كان يخبئ مشاعر عدوانية قوية نحو أشكال الأبوة وهذا ما عبرت عنه استجاباته في مواقف الاختبارات السابق وعمومًا فإن "س" كان مضطربًا فيما يتعلق بأشكال الأبوة ويراها على أنها بمثابة أشياء مدمرة غير بناءة. كما أن تطابق "س" وتماثله كان في البداية إيجابيًا فقد ناضل بجهد لكي يحافظ على المظهر الكاذب للذكورة، وتأكيد ميله الذكري، وكان قلقًا للغاية في اعتقاد زملائه بعكس ذلك أو إشارتهم إليه بأنه شخص مخنث. هـ- موجز الانطباعات: كانت حالة "س" تتسم بالاضطراب الانفعالي، كان لديه مستوى مرتفع من الذكاء، إلا أن دافعية الإنجاز لديه كانت مشتتة، وكانت أنماطه السلوكية يتحكم فيها وبصورة عالية حاجات الإشباع الفوري وخوفه وارتقاب الشر من تشكيل روابط وثيقة مع الآخرين، وعلى ذلك فإن قدراته العقلية وإنجازه كان في حده الأدنى، وهناك الدلائل التي كانت تشير بالتوجيه الذاتي نحو العدوانية المنبعثة من مشاعر الإحباط لديه، كما كانت الإثنية أو ثنائية المشاعر نحو صور الأبوة واضحة صريحة لديه. وبالتالي كان ذلك يظهر تعويقًا في تكامله مع المعايير التقليدية والمألوفة كموجهات لأنماط سلوكية. و الانطباع التشخيصي: كانت حالة "س" تشير إلى التعويق السلوكي الأولي، والنمط العدواني السلبي، ولا يشير الدليل التسجيلي إلى حدوث تلف في المخ نتيجة لسقوطه

стр. 134

أكثر من مرة في أثناء طفولته الأولى، إلا أن انفجارات الغضب غير المتحكم فيها، كما أن الاختبارات العصبية والتسجيل الكهربائي للمخ قد أشارت إلى وجود ثمة معوقات لديه. وتشير الدلائل أن فروع علم نفس الطفل قد استخدمت دراسة الحالة أكثر من أي فروع أخرى، كما استخدمها أخصائيو علم نفس الطفل الإكلينيكي إلى حد كبير، وعلى الرغم من أن دراسة الحالة تساعد على تفهم وإدراك طفل منفرد، إلا أن هذه الطريقة عانت من نفس المعوقات وأوجه القصور كما رأينا في طريقة دراسة سيرة حياة الطفل المبكرة، فمثلًا فإن صدق وثقات المعلومات التي يحصل عليها قد تكون موضع تساؤل، فهل علاقة الشخص الذي يقدم المعلومات عن الطفل تؤثر في تقديره؟ وهل التورط الانفعالي يضع تذكر الأحداث الماضية موضع شك؟ بالإضافة إلى مدى ثبات الاختبارات المطبقة على الحالة فهل درجات الذكاء تشير إلى قدرات الطفل العقلية، فمثلًا اخفاق الطفل داخل المدرسة فهل هذه الاختبارات IQ تكشف حقيقة عن إمكاناته، أو أنه يبذل القليل في أدائه هذه الاختبارات، كما أن عملية تقييم المعلمات والبيانات عن الحالة. وهل القائم بهذه العملية يمتلك من الخبرة التي تؤهله لذلك. وأخيرًا يجب الحذر عند وضع التفسيرات فهل يكون نبذ الطفل عن طريق أبويه هو سبب انحراف سلوكه؟ أو أن التنافس بين الأخوة هو سبب الإنجاز المدرسي المنخفض، وعمومًا فإن التعميمات غالبًا ما تؤدي إلى نتائج غير ثابتة وناقصة سطحية، وبالتالي يجب أن ينظر الشخص القائم بدراسة الحالة إلى نتائجه على أنها نتائج غير نهائية وقابلة للتغير، كمنا أن تعميم البيانات والمعلومات في دراسة الحالة يكون منطويًا على ثمة مخاطر، حيث أم وراثة طفل معين أو بيئة متشابكة تختلف عن وراثة طفل آخر وبيئته وعلى ذلك فإن الأساليب التي تؤدي إلى ظهور نمط معين من السلوك في حالة معينة قد لا نتتج نفس الشيء في حالات أخرى. ج- الملاحظة المضبوطة: على الرغم من أن الملاحظة تعتبر وسيلة جوهرية في معظم الدراسات العلمية، إلا أننا قد وجدنا أن الملاحظة الحرة "غير المضبوطة" تتضمن كثيرًا من أوجه العيوب والنقص, وللتغلب على هذه العيوب، طورت وسائل عديدة للملاحظة المضبوطة, حتى تتيح إجراء مقارنات

стр. 135

ذات دلالة في دراسة السلوك الإنساني, وسنتأمل بعضا من هذه الوسائل في ثنايا الصفحات التالية. عينة الموقف، يعرف "أرنجتون" Arington؛ "١٩٤٣" عينة الموقف بأنها طريقة لملاحظة سلوك الكائن الآدمي تحت الظروف العادية للحياة اليومية، وتجري خلالها ملاحظات في فترات زمنية صغيرة موزعة, لكي تمدنا بعينة ممثلة من السلوك القائمين بملاحظته، وأول من استخدم هذه الطريقة Willard Olson؛ "١٩٢٩" ليسجل مدى تكرار حدوث العادات العصبية لدى أطفال المدرسة، ويشير "أولسون" أن هذه الطريقة أوضحت عدد الفترات الزمنية التي كان يظهر خلالها نمطًا سلوكيًا معينًا. وخلال سنوات خضعت هذه الوسيلة لكثير من التعديلات بهدف الرغبة في الدقة الكاملة في اختيار العينة، وفي تسجيل الأنماط السلوكية، فقد اختصرت الفترات الزمنية وأصبحت تتكون من فترات ما بين ٣٠ ثانية إلى دقيقة واحدة، ويلاحظ أثناءها طفلا معينا وأدخلت على هذه الطريقة تعديلات أخرى كثيرة لزيادة دقتها في تسجيل السلوك وتصنيفه, ولقد تركزت معظم دراسات عينة الموقف time samblintg على السلوك الاجتماعي والتفاعلات الاجتماعية للأطفال الصغار، ومن بين الأنماط السلوكية النوعية التي درست كانت مدى تكرار اللغة، ولا سلوك المسيطر، والتفاعلات الجسمية والمشاجرات، والصراع والمقاومة، ونماذج الصداقة والسلوك التعاوني والتنافسي والعدوان. وجدير بالذكر فإن هذه الوسيلة تتسم بموضوعية وثبات النمط السلوكي المسجل، حيث غالبًا ما يستعان بأجهزة تسجيل في ذلك، كما أن الانتباه عادة ما يكون متمركزًا حول نوع محدد من السلوك وبالتالي نجد اتفاق عدد من الملاحظين ممكن الحدوث، بالإضافة إلى أن الدرجات عادة ما تكون عن طريق تكرار النمط السلوكي, وبالتالي يمكن معالجة نتائج هذه الطريقة إحصائيًا، فمثلا مدى تكرار الشجار يمكن أن يربط بالعمر الزمني والجنس ومعدل الذكاء ومعدل التكيف وكثير من العوامل الأخرى المشابهة. إلا أننا لا يمكن أن نستخدم هذه الوسيلة إلا عندما يكون النمط السلوكي في صورة علنية مكشوفة، كما يجب أن نغمض النظر عن الأنماط

стр. 136

السلوكية غير المتكررة، وهذه الطريقة تكون مفيدة لدراسة كثير من تفاعلات الطفل المختلفة، ومن ضمن عيوب هذه الوسيلة كذلك أن المعلومات التي يحصل عليها لا يمكن أن تمدنا بالسبب والنتيجة Cause and effect فإذا وجد طفل معين يتشاجر بمعدلات تكرارية أكثر من الأطفال الآخرين فمن الواجب البحث عن طريقة أخرى لدراسة هذا الطفل غير طريقة "عينة الموقف". ٢- طريقة المقابلة Lnterview technique: بمجرد أن يكون الباحث مجموعة من التساؤلات عن موضوع معين فإن المقابلة يمكن أن يبدأ بها كوسيلة لإجراء دراسته, وعمومًا يجب أن يكون الطفل في مكان هادئ لا توجد به أشياء تلهيه, بالإضافة إلى الوقت الذي يطلب منه الحضور لإجراء المقابلة يجب أن يوضع في اعتبار الباحث في سياقها، فقد تخونه الذاكرة، أو قد يعول على تذكر ملاحظات سطحية، ويجب أن يكون المقابل علاقة ألفة بينه وبين الطفل "ويحدث ذلك بسهولة عندما يسأل القائم بالمقابلة الطفل بعضا من التساؤلات عن نفسه". وبعدئذ يمكن أن تبدأ المقابلة, ومن الضروري عادة أن يسأل المقابل بعضا من التساؤلات الزائدة لكي يوضع الطفل استجابته، وهذه تتطلب مهارة كبيرة لهذا الجزء من الأسئلة الحرة في طريقة المقابلة حيث يجب على الممتحن أن يوجه فكر الطفل بدون أن يقترح الإجابة عليه، كما أن اختبارات الروشاخ تعتبر وسيلة جيدة في وضع وترتيب الأسئلة الحرة التي يجب أن يوجهها القائم بالمقابلة للطفل. وعلى الرغم من أن المقابلة عادة ما تستخدم كوسيلة إكلينيكية لتفهم حالة الفرد، إلا أنها تستعمل الآن وبصورة متزايدة كأداة للبحث للوصول إلى معلومات وبيانات للإجابة عن ثمة تساؤل معين يكون قيد الدراسة والبحث, وتنتظم المقابلة لعديد من التساؤلات مصممة لاستثارة واستنباط أنواع معينة من المعلومات، وغالبًا ما تختبر هذه التساؤلات سلفًا للتأكد عما إذا كانت حقيقة يمكن الحصول بواسطتها على المعلومات المطلوبة, وعادة ما تسجل المقابلات حتى لا يعتمد المقابل اعتمادًا كليًا على تذكرة لما حدث في سياقها، فقد تخونه الذاكرة، أو قد يعول على تذكر ملاحظات سطحية هزيلة, وعادة ما تقيم المعلومات التي يحصل عليها من المقابلة بطرق متنوعة وعلى مقاييس للتقدير rating scales وعادة ما يحدث التقدير, هذا بواسطة شخصان وبصورة مستقلة لضبط درجة اتقاقهما على شيء معين.

стр. 137

وجدير بالذكر فطريقة المقابلة يجابهها بعض الصعاب، فمثلا حاجة الأم إلى أن تصور نفسها بطريقة معينة يؤثر ذلك في تقريرها وبياناتها, كما أن نجاح طريقة المقابلة يعتمد في المقام الأول على رغبتها في سرد البيانات والمعلومات المتنوعة، بالإضافة إلى مدى تذكرها للأحداث الماضية، وتشير نتائج دراسة كل من هاجرد Haggard وآخرين "١٩٦٠" حيث قاموا بمقارنة المعلومات التي أدلت بها الأمهات خلال ثلاثة مقابلات, وكانت هذه المقابلات تبدأ منذ شهر قبل الولادة، وكررت مرتان عندمات وصل الطفل ما بين ٧-٩ سنوات, وتشير النتائج أن درجة استدعاء الأمهات لأحداث ماضية كان مرتبطًا بنوع المعلومات أو البيانات المطلوبة, فطول الطفل وقت الولادة قد تذكر بصورة جيدة قلق الأمهات استدعى بصورة أقل ضبطًا وصدقًا, واتضح كذلك أن المعلومات المتجمعة من المقابلة قد تعكس شخصية الأم أكثر من أن تعكس الحقائق الفعلية للحالة. وعمومًا، فإن علاقة المقابل بالحالة وجهًا لوجه تمكن المقابل الماهر أن يقدر الاستجابات الجدية الصادقة للمستجيب, وهذه الميزة لا نجدها في أي طريقة أخرى. تفسير النتائج "الصدق": في طريقة المقابلة من الأهمية أن نتعرف إلى أي مدى تعكس استجابات الطفل أفكاره الحقيقية، ولقد أشار "بياجيه" إلى خمسة أنواع من الاستجابات عادة ما تكون في حاجة إلى أن تميز، فعندما يكون الطفل غير مهتم بالأسئلة أو متعبًا، نجده يقول ببساطة أي شيء للاستجابة إلى المختبر يأتي على مخيلته لأجل أن يرضي الممتحن فقط، ويسمي "بياجيه" هذه بالإجابات العشوائية answers at random, وعندما يستجيب الطفل بدون تفكير واقعي عن التساؤل الموجه إليه تسمى حينئذ بالإجابة الخيالية أو الرومانسية Lomancing ومن جانب آخر فعندما يولي الطفل الانتباه إلى الأسئلة ولكن إجابته تكون نتيجة رغبته أن يرضي الممتحن، أو يوحي إليه بمعرفته الإجابة نجد "بياجيه" يسمي هذه العملية بالاقتناع الموحي Suggested Conviction وهذه الأنواع الثلاثة السابقة ذات قيمة ضئيلة للباحث, وعندما يفكر الطفل في السؤال المطروح عليه ويجيب عليه نتيجة تفكيره العميق، يسميها "بياجيه" بالاقتناع المتحرر Liberated Conviction والحالة الخامسة عندما يجيب الطفل بسرعة وبدون تفكير بسبب معرفته لمشاعره وميوله يسمى "بياجيه" هذه الإجابة بالاقتناع التلقائي spontaneous conviction.

стр. 138

وحيث أننا غالبًا ما نجد الباحث يركز اهتمامه على الإجابات الاقتناعية المتحررة والاقتناعية التلقائية، فيجب عليه أولا فصلها عن الإجابات العشوائية أو الرومانسية أو الموجهة، ويمكن إجراء ذلك على مرحلتين أثناء البحث، إحداهما أثناء المقابلة، والأخرى بعد المقابلة، فإذا كان ذلك أثناء المقابلة يمكن أن يتحقق الباحث بطرق مختلفة منها. أ- يمكن أن يقدم الباحث إيحاءات معاكسة، لكي يرى كيف تكون إجابات الطفل ثابتة، وكيفية ارتباطها بصورة أساسية بفكر الطفل، وعمومًا فإن الإجابات وفقًا للاقتناع المتحرر والاقتناع التلقائي يمكنها بسهولة الصمود أمام الإيحاءات المعاكسة، في حين نجد الإجابات الأخرى لا تستطيع ذلك. ب- يمكن أن يسأل الباحث الطفل عن المؤشرات أو الدلائل المرتبطة بإجابته، فإذا كانت الفكرة نابعة حقيقة من اقتناع الطفل نجد تناسبها مع نموذج من الأفكار، والذي يطلق عليه، "بياجيه" اسم المخطط scheme وعندما تتناسب أو تتساوى إجابة الطفل مع المخطط العام لتفكيره فلمن المحتمل أن تكون إجابة اقتناعية متحررة أو اقتناعية تلقائية. والنقطة الثانية التي يمكن الباحث بها أن يحدد عما إذا كانت الإجابات تكون حقيقة اقتناعية وأصلية غير زائفة, تكون بعد المقابلة، عندما يكون قد حدث تجميع بيانات ومعلومات عن الطفل، ويحدث ذلك بما يلي. أ- إن كان الأطفال في نفس العمر الزمني يعطون إجابات متشابهة فإن إجاباتهم بالتالي تعكس شكلا من التفكير المميز لهذا العمر الزمني, وجدير بالذكر فلن يوجد الاتساق إذا كانت الإجابات وفقًا للنموذج العشوائي الإيحائي أو الخيالي الرومانسي. ب- إذا أظهرت الإجابات تغيرًا تدريجيا مع تقدم العمر الزمني وفي اتجاه أقرب إلى مفهوم الراشدين حينئذ نجد الإجابات تعكس ميلا نمائيًا حقيقيًا.

стр. 139

ج- كما أن التسلسل النمائي الحقيقي يجب أن يظهر استمرارية بمعنى أن يكون بين المفاهيم المجردة للأطفال الكبار، أثار للأفكار العيانية التي كانت لديهم في عمر مبكر، كالمشايعة والموالاة أو الالتحام, ومن بين تلك التعبيرات العيانية للأطفال الأصغر تمثل خطوة تسمح بامتلاك الأفكار المجردة التي سوف يمتلكونها فيما بعد. وبالتالي فعن طريق هذه الاتجاهات يمكن للباحث التأكد من صدق البيانات والمعلومات التي يحصل عليها نتيجة لما يسميه "بياجيه" بالمقابلة شبه الإكلينكية. تفسير النتائج, الثبات: على الرغم من أن "بياجيه" كان مهتمًا دائمًا بصدق ملاحظاته، إلا أنه في الحقيقة تجاهل تساؤل عملية الثبات، بمعنى مدى تكرارها، وقد يكون السبب الذي أدى به إلى ذلك خلفية "بياجيه" في العلوم البيولوجية دعته إلى افتراض أن الخاصية الأساسية عند فرد ما يمكن أن توجد خلال النوع بأكمله, إلا أننا نجد هذا الافتراض وإن كان صادقًا في الكائنات الأدنى إلا أنه لا يكون صحيحًا بالنسبة للكائنات الآدمية -ومع ذلك فإننا يمكن أن نجري مقاييس الثبات على طرق "بياجيه" عن طريق إعادة اختبار الطفل في عملية المقابلة وذلك في أوقات مختلفة. والطريقة الثانية التي يمكن أن نحصل على الثبات من خلالها تكون عن طريق تصنيف الإجابات في مراحل متوالية للنمو، بمعنى أن نقول إن من الضروري تقرير عما إذا كانت الإجابات مميزة بصورة كافية لأداء الفرد حتى يمكن تصنيفها. وعمومًا، فإن هذه الخطوات سابقة الذكر، بالإضافة إلى معيار "بياجيه" في تحديد وشروط المقابلة الإكلينكية، عادة ما يكون مقبولا حتى بالنسبة للأخصائي التجريبي المحض.

стр. 140

ثانيًا: الطرق السببية Causative methods عندما يكون الباحث مهتمًا بالعلاقات السببية بين الظواهر النفسية أو الظواهر التي تسبب أخرى حينئذ يجب عليه اتخاذ ميثودولوجية مختلفة عما سبق الإشارة إليه, وعمومًا فإن هذه التساؤلات يجاب عليها بصورة أفضل في ثنايا الطريقة التجريبة، وسوف نتأمل سويًا هذه الطريقة في ميدان علم النفس بصفة عامة وميدان علم النفس النمو بصفة خاصة. فالتجريب Experimentaion في علم النفس يعتبر من أهم الطرق التي تتضمن تحقيق مقومات المنهج لعلمي، ويشير الاتجاه التجريبي في علم النفس أو معظم مشاكل علم النفس إن لم تكن كل مشاكله يمكن دراستها تجريبًا في معامله وفي مواقعه التجريبية، ومن أهم الخصائص التي يتميز بها التجريب في علم النفس النمو ما يلي. - يسعى الباحث إلى تهيئة وترتيب ظروف وعوامل الظاهرة موضوع الدراسة بدلا من الانتظار والبحث والتنقيب "كما هو الحال في الملاحظة الموضوعية حتى تقع تلك الظاهرة ويقوم بدراستها وبحثها". - يكون في مقدور الباحث تغيير الشروط والظروف التي تحدث فيها بدلا من تقبله لها كما وقعت أو حدثت. - يمكن تغيير إحدى أو بعض العوامل التي تخضع لها تلك الظاهرة وتثبيت الظروف والعوامل الأخرى مما يسمح بمعرفة أثر ذلك كله على الظاهرة المراد بحثها، وبذلك يمكن تحديد علاقات تلك العامل والظروف بالنسبة لها. - يمكن تكرار الظاهرة طبقًا لرغبة الباحث وحسب ما يتراءى له مما يسمح بدقة الملاحظة والقياس. - استخدام أجهزة خاصة بالقياس تتميز بالدقة، مما يسمح بالتحديد الكمي للظاهرة وإمكان معالجتها طبقًا للطرق الإحصائية الملائمة. أ- التجريب المعملي، ويقوم على أساس استخدام الآلات والأجهزة المختلفة، وغالبًا ما يجري في ظروف صناعية، وتنتشر الآن معامل

стр. 141

علم النفس في كليات التربية وعلم النفس بالعالم حيث تتوفر الكثير من الأجهزة الدقيقة التي يتمكن بها الباحث من جمع المعلومات والضبط والقياس الدقيق, ولا يتوقف أهمية التجربة العلمية على مدى ما يستعمل فيها من أجهزة وأدوات، إذ إن هناك الكثير من التجارب ما لا يحتاج إلى أجهزة البتة، كما أن هناك متطلبات وشروط معينة لاستخدام الأجهزة وفقًا لنوع التجربة نفسها والهدف من البحث وموضوعه، ولا يقلل من أهمية وقيمة التجربة عدم اعتمادها على مثل هذه الأجهزة. ب- التجريب الطبيعي: ويرجع الفضل في استخدام هذا النوع من التجريب إلى لازورسكي، ومن مميزات "التجربة الطبيعية، أنها تجري تحت نطاق الظروف الطبيعية للظاهرة دون أي تغيير يذكر، فالظاهرة النفسية كما تحدث في واقع حياتنا قد يصعب إخضاعها للدراسة المعملية المصطعنة، لأن الواقع بما فيه من عوامل ومتغيرات متعددة يحدد شكل ومضمون الاستجابات والأنماط السلوكية المختلفة، وعزل الظاهرة عن واقعها أو إطارها يعني إغفال محددات معينة مسئولة عن حدوثها. المجموعة التجريبية والمجموعة الضابطة Experimental& Control Groups: وتقوم الطريقة التجريبية على تثبيت جميع المتغيرات فيما عدا متغير واحد "المتغير المستقل" وهو موضوع البحث، ويحاول الباحث أن يغير فيه ويوجهه بطريقة منظمة حتى يمكن أن يتبين ما إذا كان التغيير الذي تم إدخاله في هذا المتغير يؤدي إلى تغييرات أخرى في السلوك الناتج "المتغيرات السابقة" وكيفية حدوث هذه التغيرات. ومثال على ذلك، يمكن التحقق تجريبيًا من صحة الفرض القائل بأن مواقف التنافس تؤدي إلى زيادة تحصيل الأطفال في مادة دراسية معينة، وذلك بتكوين مجموعتين من الأطفال, إحداهما تسمى بالمجموعة التجريبية والثانية تسمى بالمجموعة الضابطة. وبعد أن يقوم الباحث بتثبيت كافة المتغيرات التي قد تؤثر في تحصيل التلاميذ من المجموعتين كالسن ونسبة الذكاء والصف الدراسي والقدرة الحسابية وغير ذلك يعرض المجموعتين لمعالجات مختلفة، ولكن يدخل في المجموعة التجريبية متغير

стр. 142

التنافس المراد دراسته "كأن يقال للأطفال أن التلميذ الذي سيحرز أعلى درجة سيمنح جائزة"، في حين لا يدخل هذا المتغير في المجموعة الضابطة حيث لا يوجد موقف تنافسي كالذي سبق ثم نختبر مستوى تحصيل التلاميذ في المجموعتين فإذا تبين أن جماعة التنافس "المجموعة التجريبية" تفوقت في مستويات تحصيلها على المجموعة الضابطة، فإن ذلك يدل على أثر التنافس في رفع مستوى تحصيل التلاميذ "أي التحقق من صحة الفرض الذي ذهبنا إليه". وكثيرًا ما استخدمت هذه الطريقة في دراسات علم النفس النمو، ففي إحدى دراسات Sarver, G. & Others؛ "١٩٧٦" أراد الباحثون معرفة تأثير السرعة التي يقرأ به الأطفال قوائم الأرقام، بالإضافة إلى قدرتهم على استدعائها وتذكرها، حيث قدمت قوائم للأرقام على خمسة سرعات مختلفة، وتضمنت الضوابط في التجربة السابقة تقديم القوائم بصوت مسجل، وتم اختيار الأرقام من القائمة بصورة عشوائية، كما استخدم حالات من الذكور فقط، وكانوا في نفس المدرسة، وجميعهم كانت معدلات ذكائهم متوسطة، وبواسطة ضبط هذه العوامل في المجموعتين تمكن الباحثون من معرفة معدلات استدعاء الأطفال للأرقام ومدى اختلافهم في ذلك. ونمط آخر من التجريب الذي عادة ما نجده في دراسات علم النفس النمو، ما يسمى بتجربة التدريب Training experiment حيث نجد نفس المجموعات أو مجموعات أخرى من الأطفال تعطي أشكالا مختلفة من التدريب على واجب معين، لكي يمكن أن نحدد أي نموذج من التدريب كان أكثر فعالية أو تأثيرًا في هذه المهمة، وكثير من هذه التجارب أجريت في ميدان علم النفس النمو وكان هدفها الكشف عن مدى ارتباط مفاهيم معينة بمستويات عمرية معينة، "فبياجيه" مثلا أشار إلى أن معظم الأطفال يحصلون مفهومًا حقيقيًا للعدد "وهو تفهم أن عدد العناصر في موقف ما يبقى نفسه بغض النظر عن كيفية ترتيبه أو تنظيمه, ويبلغون ذلك فيما بين الخامسة والسادسة من عمرهم الزمني، كما أن دراسات التدريب أجريت لتحديد ما إذا كان من الممكن اكتساب المفهوم الحقيقي للعدد لأطفال أصغر سنًا خلال فترة قصيرة من الوقت كنتيجة للتدريب والنماذج الرئيسية لذلك هو أن نختبر الأطفال ما قبل التدريب وبعده والاختلاف بين الدرجات في الاختبار الأول والاختبار الثاني يوضح تأثير وسائل تدريب متعددة.

стр. 143

تأثير المجرب: إن العلاقة بين المجرب والحالات جانب من جوانب الطريقة التجريبية، ولقد لاقت هذه المسألة انتباهًا كبيرًا في العصر الحديث, وعلى الرغم من أن كثيرًا من المجهودات عادة ما تبذل في أي تجربة لتجعل أدوات الطريقة التجريبية ووسائلها أكثر موضوعية، إلا أنه يوجد دليل في أن المجرب يؤثر في نتائج البحث من خلال توقعاته لسلوك الكائن الآدمي Rosenthal؛ "١٩٦٦" وسواء كان ذلك من خلال سلوك المجرب نحو الكائن الآدمي أو من خلال أخطاء في عملية الملاحظة. ففي إجراء التجربة، أحيانا يبدأ الباحث بافتراضات معينة وتوقعات أو تحيزات فيما يتعلق بالنتائج، وهذه بالتالي تنقل للحالة من خلال تلميحات رؤيا أو سمعية متنوعة، مثل الإشارات والإيماءات، وكذلك نبرات صوت القائم بالتجربة، وعمومًا فإن الدراسات تشير بوجود بعض من العوامل التي تؤثر في هذه الطريقة وبالتالي في نتائجها وهذه تتضمن الجنس والعرق، والحاجة إلى الاستحسان الاجتماعي، ومركز المختبر، والمعرفة الشخصية المسبقة بين المختبر والحالة، وسوف نتأمل مثالين لتوضيح ذلك. تشير نتائج دراسة Cown, p, وآخرين "١٩٦٧" ما يقرب من ٢٥٠ طفلا ما بين السابعة والتاسعة والحادية عشر، عرض عليهم عشرة صور ملونة ويطلب من كل طفل أن يحكي قصة عن كل صورة تعرض عليه، وبصورة عامة فقد أوضحت نتائج هذه الدراسات أنه كلما ازداد عمر الحالة كلما كانت الصور المستخدمة أكثر استثارة في الاستجابة. وأحد القائمين بالتجربة استثار استجابات أطول من أطفال الخامسة والسابعة، في حين أن أطفال السابعة والتاسعة كان أداؤهم أفضل من مختبر آخر، كما وجدت اختلافات، متشابهة فيما يتعلق بجنس الطفل حيث تمكن أحد الباحثين من استثارة استجابات كبيرة من الذكور، في حين تمكن آخر من إجراء ذلك مع الإناث. وفي دراسة أخرى أجراها كل من Allen وآخرين "١٩٦٦"، حيث اختبرت مدى تأثير جنس المختبر، ومقارنة نتائج المديح والنقد, ولقد اتفقت نتائج هذه الدراسة مع نتائج الدراسة السابقة، حيث أشارت أن الشخص المألوف بالنسبة للمختبر يكون أقل كمدعم اجتماعي إذا ما قورن بتأثير الشخص الغريب، وكانت حالات هذه الدراسة من الأطفال

стр. 144

البيض حيث تلقت المديح والثناء من مجرب زنجي، وأظهروا ازدياد في مدى استجاباتهم الصحيحة، في حين أشارت النتائج أن هؤلاء الأطفال الذين تلقوا الثناء والمديح من راشد أبيض قد أظهروا نقصًا في معدل استجاباتهم. وجدير بالذكر أن هناك نقطتان فيما يتعلق بالتفاعل بين المجرب والحالة تتطلب بعضا من الشرح والتوضيح. أ- يجب أن تفسر نتائج الدراسة وتحلل ببعض من الحذر وذلك بسبب أنها قد تتأثر بتحيزات المجرب، وكذلك بواسطة خصائص المجرب وخصائص الحالة نفسها. ب- وثمة حقيقة مؤداها أن المجرب قد يؤثر في الحالة بطرق ماهرة ماكرة حاذقة حتى في الموقف المقنن المضبوط والمنظم لكي يظهر بعض من التأثيرات المتبادلة في عملية التفاعل بين الأدباء والأبناء والمدرسين والأطفال, ففي كليهما نجد أهداف الراشد وأغراضه تؤثر على سلوك الطفل واتجاهاته, وعمومًا فلا يوجد تفاعل إنساني يترك المشتركين فيه في حالة عدم تأثير بعضهم بالبعض الآخر لأن جوهر عملية التفاعل هي في مدى تأثير كل طرف على الآخر. وعلى الرغم من كل ذلك، فإن الطريقة التجريبية تمثل أفضل الطرق لأنها تعيننا على إظهار العلاقات بين المتغيرات في وضوح وجلاء وبالتالي يؤدي ذلك إلى التحكم في الظاهرة إلا أن هناك بعض المشكلات التي يعتذر تناولها بهذه الطريقة, وبالتالي يجب الاستعانة بطرق أخرى في ذلك.

стр. 145

ثالثًا: الطرق التمايزية Differential methods عندما يكون التساؤل موضع اهتمام الباحث يتمركز حول اهتمامه في العمل مع الطفل كشخص منفرد، وليس العمل مع مجموعة من الأطفال فإنه عادة ما يستخدم الطرق التمايزية، حيث تتضمن استخدام الاختبارات النفسية والعقلية، ووسائل تقرير الذات, والطرق الإسقاطية وملاحظات اللعب، وخلال استخدام الباحث لهذه الوسائل فإن الشخص دائمًا ما يقارن بمجموعة معيارية سواء كان ذلك ضمنيًا أو بصورة جلية واضحة, حتى يمكن تحديد المدى الذي يكون فيه الفرد متشابهًا أو مختلفًا عن المعيار المستخدم, وتتمركز إحدى المشكلات الهامة في استخدام الطرق التمايزية في التأكد بمدى تناسب المجموعة المعيارية التي نقارنها أو نقارن بها طفلا معينًا. ولا يمكن أن نقول بأن جميع المعايير يجب أن تكون موضوعية، في هذه الطريقة فحتى في حالة المعايير الذاتية يمكن أن تكون ذات فائدة، فالأخصائيون الإكلينيكيون الذين لديهم خبرة كاملة طويلة في الاختبار، قد يبنون معايير شخصية يمكن أن تكون مفيدة في عمل التشخيصات والمعالجات فأحد الباحثين قد أشار مرة بأن الأطفال المتأخرين عادة ما نجدهم يضحكون أو يبتسمون على المواقف الأولى لاختبار الذكاء, والتفسير المحتمل لذلك في أن الطفل المتخلف يخاف أن يظهر قلقه من الاختبار، وكذلك يخاف في أن يكشف تخلفه، فالمواقف الأولى والتي عادة ما تكون سهلة تكون لحظات ارتياح حيث تجعل الطفل الصغير يبتسم أو يضحك لكي يتحرر من قلقه وتوتره، ويمكن أن نضيف المعايير الشخصية الإكلينيكية إلى المعايير الموضوعية التي نحصل عليها ببعض من الحذر. ١- اختبارات الذكاء: عادة ما تستخدم اختبارات الذكاء جماعات كبيرة لتقنين المواقف وعملية التقنين تعني ببساطة أن صعوبة الموقف تتحدد عن طريق نجاح أو إخفاق جماعات كبيرة من الأطفال الذين استجابوا لهذا الموقف. والجماعات المعيارية للاختبارات واسعة الانتشار كاختبار بنية ووكسلر لذكاء الأطفال، عادة ما يحصل عليها بواسطة أخذ عينات من الأطفال من المناطق الريفية والحضرية والبدوية وكذلك من طبقات اجتماعية واقتصادية, وحتى بعد إجراء ذلك يجب عند إعطاء هذه الاختبارات المقننة على البيئة المحلية، إلى طفل معين يجب أن نفسرها بحذر شديد, وللمزيد في ذلك يمكن الرجوع إلى اختبار بنيه الذي قنن على البيئة المصرية، وكذلك اختبار وكسلر للأطفال الراشدين، لتعرف مدى أهمية هذه المشكلة.
следующие страницы →