← Медицина

Медицина · id 10751

علم نفس النمو من الجنين إلى الشيخوخة

عادل الأشول

Полный текст (737 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الفينلكيتونوريا PKU" Phenylketonutia" وينتج من نقص في كيمياء الجسم ناتج عن جينات خاطئة لا تمكن الجسم من إنتاج إنزيم معين لهضم أو أكسدة مركب كيميائي يسمى Phenylalanine ويوجد تقريبًا في كل مادة بروتينية يتناولها الإنسان، ونتيجة لذلك لا يستطيع الفرد تحول هذا المركب إلى تروسين Tyrosine بالمعدل العادي ويتجمع الفينلانين في الأنسجة ويعطي البول والعرق رائحة خاصة، وتزداد كميته مع كل تناول للطعام لدرجة أنه بالإضافة إلى نواتجه الثانوية تعمل على تلف المخ الضعف العقلي. وقد وجد أن تحليل الدم قبل الحمل ينبه إلى ضرورة أخذ الحيطة والدراسة الدقيقة لحالة الوليد عند ولادته، ومن ثم يمكن مواجهة تلك الحالة والتحكم في ذلك النقص الوراثي. وعمومًا، فإن الاختبارات لـPku تجري على جميع الأطفال حديثي الولادة، وعند اكتشاف هذه الحالة فإن الطفل يمكن أن يوضع تحت نظام غذاء معين يكون منخفضًا في البروتين المتضمن الفيلانين ويثار بعض الجدل عن المدة التي يجب أن يبقى عليها الطفل على الغذاء قليل الفنيل الينين، إلا أننا يجب أن نشير أنه بدون هذا الغذاء في حياة الوليد المبكرة فإنه قد يظهر درجات متنوعة من التخلف العقلي. وحالات أخرى تكون نتيجة نقص نوعي إنزيمي، وهو المهق Albininsm وهو عبارة عن ابيضاض الجلد والشعر وعدم وجود الصبغ فيهما، وفي العينين، وعادة ما يكون الشخص الأمهق مصابًا بعمى الألوان، وهو شخص يفتقد إلى صبغ الفيتامين "وهي المادة الملونة في أنسجة أو خلايا الكائن" والشخص الأمهق يكون نتيجة تعطل أو انهيار بعض الأحماض الأمينية المختلفة داخل الجسم، حيث إنه لا يكون لديه الإنزيم لإنتاج هذا التصنيف الكيميائي, والمهق سمة مسودة ونادرًا ما تحدث, وهي حالة تعوق متوسط إلى حد ما وتكون الحالة معتدلة كلما تجنب هذا الشخص أشعة الشمس "وذلك لأن نقص القتامين Melanin وكذلك صبغ التنيك في الجلد" كما يتصف هذا الشخص بحساسيته العالية للضوء ويرجع ذلك إلى نقص الصبغ في العينين الذي عادة ما يساعد على امتصاص الضوء.

стр. 177

ومنذ عام ١٩٦٠ اكتشف تعويقًا إنزيميا آخر وهو الخلية الأنيمية المنجلية Sickle cell anemia ففي هذه الحالة نجد المورث المعوق مسئولا عن إنتاج خضاب الدم "الهيموجلوبين"، والبروتين الصبغي الذي يوجد في خلايا الدم الحمراء, وعمومًا فإن هذا التعويق نادرًا ما يحدث للأجنة ويتصف الأشخاص المصابون بذلك بفقر الدم المزمن ويعانون بين الفينة والفينة من آلام قاسية من تجلط الأوعية الدموية حيث تغلق عادة بواسطة الخلايا المنجلية العاجزة المعوقة. ولقد تطورت كشف اللاسويات الوراثية الجنينية قبل الميلاد بواسطة الأمنيوسنتس Amniocentesis, فحيث أن السائل الأمنيوتي يتضمن خلايا جنينية أو غير ناضجة، فإن ذلك يمكن أن يتم بتحريك بعض من هذا السائل الأمنيوتي وذلك بإيلاج إبرة رفيعة إما في المهبل أو خلال الجدار البطني، كما يمكن اكتشاف تلك اللاسويات الوراثية "الجنينية" والتي تبدو في خلايا متفردة عشوائية مثل عرض داون الذي سبق ذكره بواسطة هذه الطريقة، وعلى الرغم من أن اكتشاف الأمينوسنتس ما يزال جديدًا تمامًا إلا أنه يمكن أن يظهر معوقات جينية "وراثية" معينة في صورة مبكرة من ولادة الطفل. كما تنتج أعراض تيرنر من عدم نشاط أحد كروموزومي X وعادة ما يصيب الإناث، وتتصف أعراض هذا النقص برقبات قصيرة وأصابع قصيرة وتظهر الاضطرابات الرئيسية لهذا المرض عند البلوغ حيث لا تظهر الخصائص الجنسية الثانوية على المصابات وتحدث هذه الأعراض في حالة واحدة من بين كل ٢٠٠٠ ولادة, ويبدو أنها نتيجة عدم الانقسام الصحيح في الكروموزومات.

стр. 178

الحمل: يمكن أن ينظر إلى النمو قبل الولادي من وجهة النظر النفسية والاجتماعية للمرأة التي يحدث لها هذا الحدث. ولقد أشار بعض السيكولوجيين أن الحمل يعتبر بمثابة حياة أزمة رئيسية مشابهة لتلك الموجودة في فترة المراهقة وركزوا على الدلالة والمغزى النفسي لهذا الحدث للأم, وكذلك للأب. وعمومًا سنتأمل سويًا بعض الجوانب النفسية لهذا الحدث. منذ سنوات كان يوجد جدل واختلاف في الآراء عن العلاقة بين أفعال وانفعالات الأم وبين صحة جنينها, وكان يعتقد في وقت من الأوقات أنه حتى الضغط الانفعالي البسيط أو الإفراط في الطعام والشراب والنشاط الجنسي يمكن أن يؤثر على الجنين, وفي مقابل ذلك نجد الرأي الذي يشير إلى أن الجنين في حماية وبالتالي فإن إفراط الأم لا يؤثر في نموه، ويتخذ كل من الأطباء والسيكولوجيين وجهة النظر المعتدلة المتوسطة. وسوف نتطرق كذلك إلى حدث الولادة ذاته، حيث نرى حتى الآن خلافًا كبيرًا عن أحسن الطرق وأكثرها جدوى وأكثرها صحة لولادة الأطفال، وهل استخدام العقاقير في حجرة الولادة وأثنائها مفيد أم لا وعن وجود الأب في حجرة الولادة أم لا, كل هذه التساؤلات سنرى الإجابة عنها في ثناي الصفحات التالية. الحمل كأزمة: إن رد فعل كل من الزوجين للحمل يعتمد في جوهره على عديد من العوامل منها هل الطفل القادم مرغوب فيه أم لا؟ ومنها كذلك مستوى نضج الأبوين الانفعالي والاجتماعي, وهل تربطهما علاقة حسنة طيبة أم لا؟ وكذلك علاقتهما بأبويهم، وهل لديهما الإحساس بالهوية وبارتباطهما مع الطفل؟ وهكذا بالإضافة إلى ذلك فإن ردود الفعل للحمل تكون في جوهرها انفعالية وليست عقلانية فقد نرى بعض الأزواج الذين يحاولونه ويخططون له قد نجدهم يصابون بخيبة الأمل عندما يحدث بالفعل، وأزواج آخرون يكون الحمل بالنسبة إليهم مفاجأة غير مرغوب فيها وقد يهتزون بالفعل لهذا الحدث. وعمومًا فإن الأبوة تتضمن مرحلة جديدة من النمو، فعندما يصبح الزوج أبا وكذلك الزوجة أما، تقع عليهما مسئوليات جديدة وأعباء الأبوية التي لم يعهدوها سابقًا، ويجب أن يكيفوا أنفسهم لها كما أن الحمل بالنسبة للمرأة يعتبر علامة لنضجها الأنثوي وبالنسبة للذكور فإن الأبوة قد تكون انعكاسًا للرجولة والقوة, ومن جانب آخر يمكن أن ينظر إليها على أنها تعتبر علامة للخضوع الدائم فإنها نهاية الحرية والمغامرة، وبالنسبة لبعض الرجال نجد الجو المميز للحياة المنزلية والعائلية والتي يرمز إليها بوجود طفيف يمنحه الإشباع ويشعر بسعادة تجاهه. ولكن في بعض الأحيان نجد رجالا ينظرون إليه كعملية تهديد وتعويق لهم، ونجد عادة ما تنظر المرأة إلى الإخصاب والحمل كعلامة للأنوثة والإخصاب وجدير

стр. 179

بالذكر فعلى الرغم من وجود هذه الاتجاهات إلا أننا نجدها تتغير مع الحركة الدائمة المستمرة نحو المساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة وكذلك بواسطة تحطيم المقولبات الصارمة المرتبطة بدور الجنس. وبالنسبة للمرأة الحامل، خاصة أثناء حملها الأول، يمكن أن يلاحظ ثلاث تحولات اتجاهية متتالية من المشاعر والاتجاهات والمرتبطة بشهور الحمل، ففي بداية الحمل نجد المرأة تميل إلى التركيز على التغيرات التي طرأت على جسدها، فقد تتعجب أو تقلق على الصورة التي أصبح عليها جسدها، كما أن بعض التغيرات الجسمية كانتفاخ الثديين والغثيان والتعب كل صباح وبعض المأكولات غير العادية التي تحتاجها يوفر نوعًا من التمركز الذاتي لديها، كما أن أحاسيس الضعف والتعب والتهيجية والمزاج المتأرجح يميل إلى جعل المرأة تشعر أنها قد تغيرت في طرق لا يمكنها السيطرة عليها وازدياد التمركز الذاتي والتعب الجسمي الذي يحل بها قد يحعلها لا تحس بالسعادة مع زوجها حيث قد تشعر بأنه ليس لطيفًا أو مجاملا معها بصورة كافية. ومن الناحية النفسية، فإن تخيلات الطفولة عن الحمل نجدها الآن حقيقة واقعة، ويصاحب ذلك شعورها بقدرتها على الخلق وأنها امرأة مهمة كاملة، وجزء من جميع المخططات الأسرية الكلية، وكما سنرى فيما بعد في فترة المراهقة عندما تصحب الفتاة ناضجة من الناحية الجنسية ويجب عليها أن تنمي وتطور مفهومًا جديدًا لذاتها، نجد نفس الشيء عندما تصبح المرأة حاملا خاصة أول مرة إذ يجب عليها أن تبدل مفهومها لذاتها وكذلك علاقتها بعالمها المحيط بها. وفي المرحلة الثانية وبعد أن يتكون أعضاء الجنين، نجد المرأة تبدأ في أن تفكر بصورة أقل في نفسها، محولة ذلك بصورة أكبر إلى جنينها الذي يبدأ في التحرك داخل أحشائها، وفي بداية هذه المرحلة نجد تحركات الجنين عادة ما تكون خفيفة رقيقة، وفي أثناء هذه المرحلة فإن الحمل عادة ما يبدو ظاهرًا جليًا، ويستلزم منها التحول من ملابسها العادية إلى ملابس الأمومة، ونجد أن النساء اللاتي كن لديهن تصورًا عاليًا لمظهرهن وجاذبيتهن الجنسية قد ينظرن إلى عدم رشاقتهن وزيادة أوزانهن كشيء مروع مقلق، وتتخيل بعض النساء أن أزواجهن قد يتحولون عنهن إلى أخريات نتيجة لعدم جاذبيتهن، في حين نجد نساء أخريات يصبحن

стр. 180

مصدرًا للتوهج والإشراق أثناء هذه الفترة ويحصلن على متعة وإشباع نتيجة هذه الخاصية الأنثوية الجديدة. كما أن إدراك المرأة بوجود حياة أخرى داخلها، يمكن أن يثير لديها أنواعا مختلفة من الصراع فمنذ أن تبدأ المرأة الحامل بالشعور بالجنين بداخلها، فقد تقرر كيف يجب أن تضحي من أجل وليدها, وجدير بالذكر فإن هذه الحاجة لا تعتبر بمثابة مشكلة بالنسبة للمرأة المعاصرة، حيث نجد معظم النساء العاملات غالبًا ما يعملن في وظائفهن حتى قرب ولادتهن، ويعدن بعد فترة تالية من الولادة إلى وظائفهن حتى قرب ولادتهن ويعدن بعد فترة تالية من الولادة إلى وظائفهن، حيث يمكنهن ترك وليدهن في أيدي أمينة تقوم بتقديم العناية والرعاية لأولادهن ويستلزم ذلك من الأم الكفاية حتى تستطيع أن تروض نفسها وتوفق بين مجريات وظيفتها ومطالب أمومتها وزوجها. وأثناء المرحلة الثالثة والأخيرة نجد اتجاهات أم المستقبل تتغير مرة أخرى، فعلى الرغم من أنها أصبحت أضخم من حيث شكلها ومظهرها، إلا أنها أقل اهتماما بمظهرها، ويعتريها شوق زائد في انتهاء عملية الولادة. وتشير "لويس" Lewis, A؛ "١٩٥٠" إلى ذلك بقولها: "لقد كنت في الشهور الأولى من الحمل على إدراك ووعي كامل بذاتي، وأحسست بثلاثة مرحل تقريبًا لهذا الوعي بالذات الأولى عندما كنت أتساءل إن كان مظهري لافت للأنظار أم لا، ومن المستحسن أن لا يتحقق الناس بحملي وتركهم يعتقدون بأنني قد أصبحت أثمن قليلا، والمرحلة الثانية وهي أثناء الشهور الوسطى للحمل، حيث يكون جليًا واضحًا بأنك حامل، فإنك تسيرين في الشارع ولا تشعري بقلق ما، متحققة بأنه لا يوجد شيء خاف أو أسرار في حياتك، حيث إن فردا يمكنه ملاحظة ذلك بمجرد النظر إليك، كما أن هذا المظهر قد يزيد من الإحساس بالهوية الذاتية بأنك امرأة ناضجة تستطيعين الحمل والإنجاب, والمرحلة الثالثة تعتري المرأة عدم الاهتمام بمظهرها أو بنظرات من حولها، فالحادث قد أصبح من القرب حيث يجعلك تعيشين في المستقبل أكثر من الحاضر. وتوجد جوانب سلبية معينة تصاحب هذه المرحلة الأخيرة من الحمل، ويرجع ذلك إلى زيادة حجم المرأة وكذلك إلى اعتبارات نفسية معينة أخرى، فكثير من النساء اللاتي كن يتسمن بالنشاط والحركة في

стр. 181

المراحل السابقة، يجب عليهن في هذه المرحلة أن يقللن من نشاطاتهن الجسمية، حيث أصبح ضرب الجنين الآن كضربات ثقيلة والتي تكون في بعض الأحيان مؤلمة، إذا ما قورنت بزفرات فراشة في بداية الحمل، وقد توقظ هذه الضربات الأم من نومها، كما أن التعب والإرهاق الذي تحس به في الصباح والغثيان يمهد الطريق للإمساك والبواسير والحاجة الملحة للتبول، كما تظهر لدى بعض النساء دوالي الأوردة، وتكون المرأة في بعض الأحيان غاضبة متعبة من الجنين عندما تصبح رفسات الجنين شديدة. وبطبيعة الحال، فهناك يوم محدد يحدده الله لميلاد طفل جديد، ومرة أخرى تجد الأم ينتابها أحساسيس متصارعة، فقد تكون قلقة لكونها قد أصبحت غير شيقة ولا تستطيع ارتداء ملابسها العادية، كما أن هناك تقييد لنشاطاتها, ومن جانب آخر فقد تخاف الأم مما سمعته وقرأته وشاهدته عن آلام وأخطار الولادة, وقد تحزن البعض عن تخليها عن هذا الاتحاد الفريد بينها وبين جنينها، إلا أن اجتياز هذه الأحاسيس والمشاعر بين أغلب النساء عادة ما يحدث بنهاية الحمل وأن تعود إلى ذاتها الطبيعية. وبصورة جلية فإن ردود فعل الآباء قد يبدو ألا يكون لها علاقة بمراحل الحمل حيث إن استجاباتهم تتعلق في كيفية نظرتهم إلى مولد الطفل وارتباطه بذواتهم وزواجهم وعملهم وهكذا, كما أن الآباء لهم تأثير على الجنين داخل رحم الأم، فعن طريق توفير الجو الآمن من الناحية النفسية والاجتماعية، بالإضافة إلى توفير الغذاء اللازم للأم الحامل وتجنيبها التوترات والقلق النفسي، يسهم الآباء بالتالي في النمو السوي للجنين داخل رحم الأم، ففي إحدى الدراسات التي قام بها McCorkel, R؛ "١٩٦٤" الأخصائي الاجتماعي، حيث قابل ٢٩ طالبًا متزوجين بجامعة شمال كارولينا، وكانت زوجاتهم تتوقع أول مولود لهم، وقد وجد "ماك كوركل" ثلاثة أنماط من الاتجاهات سائدة بين هؤلاء الأزواج فيما يتعلق بالزواج والأبوة, ففي إحدى الجماعات كانت ذات توجه رومانتيكي تجاه دورهم الوشيك كآباء ومجموعة أخرى كان لديها ما يسمى بالتوجه العائلي، وفي المجموعة الثالثة كان لديها ما يسمى بالتوجه المهني Carrer Orientation نحو الأبوة، وعلى الرغم أن هذه التوجهات الثلاث كانت متغيرة وبارزة، إلا أن الباحث أشار إلى وجود تداخل بين هذه الأنماط الثلاثة، كما أنها تتغير كلما نضج الأب اجتماعيًا وانفعاليا.

стр. 182

فالآباء ذوو التوجه الرومانتيكي كانوا إلى حد ما يهولون بفكرة كونهم سيصبحون آباء، وكثير من هؤلاء الشباب كانوا يستمتعون في كونهم أبناء، وكما كان يشعرون ببعض من القلق والارتباك نحو مسئوليتهم الأبوية الجديدة, ولقد حدث لكثير من هؤلاء الشباب التدعيم عن طريق آبائهم أو بواسطة زوجاتهم، كما أن اعتمادية زوجاتهم وشيكة الحدوث قد جعلهم على دراية بدورهم الجديد كمعيل للأسرة، وبالتالي فإن الحمل قد يثير أزمات نمائية نضجية عند الآباء، والتي يجب على الأباء أن يغيروا من دورهم السابق كمراهق مبتهج خال من الهموم إلى دور الراشد المسئول، وتشير نتائج تلك الدراسة السابقة أنه بالنسبة لبعض من هؤلاء الأزواج فإن هذه العملية قد ارتبطت ببعض من الصراعات سواء مع آبائهم أو مع زوجاتهم. وهؤلاء الأزواج ذوو التوجه الأسري قد تقبلوا بالفعل مسئولياتهم لإعالة زوجاتهم، وكان دور الأبوة بالنسبة لهؤلاء الأزواج من السهل واليسر أن يتخذ ويتبنى من كل منهم، حيث استلزم علاقة أكثر قربًا من زوجاتهم وقدر أكبر من التخطيط للطفل ولأجل مستقبل الطفل، وبعض الرجال قد بدءوا في ملاحظة أطفال آخرون متطلعين أن يكون أطفالهم متشابهين معهم. والمجموعة الثالثة ذات التوجه المهني، غالبًا ما كانوا ينظرون إلى مجيء الطفل كعبء عليهم وتهديد لهم، وكانت مسئوليات الأبوية بالنسبة لهؤلاء الرجال تعني التخلي عن حريتهم بالإضافة إلى التخلي عن كثير من الأشياء المادية, ولقد نظر الكثير من هذه المجموعة إلى الطفل على أنه عقبة في سبيل مراكزهم المهنية، خائفون أن الطفل قد يعيق دراساتهم وبحوثهم، وأكثر من أي شيء آخر لم يكونوا راغبون في تغيير نمط حياتهم، كما أنهم لا يرغبون في تحمل المسئولية بالنسبة للوقت والتكاليف والرجال ذوو التوجه المهني قد أنكروا وتجاهلوا وجهة النظر التي تنادي بأن الأوبة سوق تغير مفهوم ذواتهم بأي طريقة من الطرق. وبالتالي فإننا نستطيع أن ننظر إلى فترة الحمل، بأنها لا تعتبر فقط فترة نمو فرد جديد ولكنها كذلك فترة نمو ونضج للأم والأب معًا، ففترة الحمل تعتبر بمثابة أزمة للآباء ولها دلالتها مثل مرحلة المراهقة، إلا أن الاختلاف بينهما يتمركز في أن المراهقة تستلزم عملية الانفصال والاستقلال عن الأبوين، إلا أن الأبوة من جانب آخر تجمع شمل الأب وطفله، ويتولى أدوار الأبوة فإن الشباب يعدون كذلك أنفسهم لاحتمالية العناية بآبائهم عند وصولهم إلى فترة الكهولة وبمعنى واقعي فإن الأبوة توحد الأجيال معًا

стр. 183

تفاعلات الأم والجنين: عندما تكون اتجاهات أم المستقبل ذات طبيعة سلبية، فقد تكون مضطربة من الناحية الانفعالية، ولقد أجريت عديد من الدراسات لإلقاء الضوء على تأثير الحالة الانفعالية للأم على الجنين بالإضافة إلى تركيز دراسات أخرى على تأثير عدد من العوامل على الجنين بالإضافة إلى تركيز دراسات أخرى على تأثير عدد من العوامل كالتدخين واستخدام العقاقير والمرض على الجنين أثناء فترة الحمل, وسوف نوضح بعضا من هذه الدراسات في الصفحات التالية. تأثير انفعالات الأم على الجنين: هناك عديد من العادات الشعبية والأقوال المأثورة التي تشير إلى أن المرأة الحامل إذا أخيفت من شيء فإن طفلها سيكون جبانًا فيما بعد، أو أنها إذا قرأت ودرست كثيرًا أثناء حملها فإن طفلها سيكون ذكيًا، جميع هذه الأساطير الشعبية تفترض أن ما يحدث للمرأة أثناء حملها يمكن بالتالي أن يؤثر على جنينها, ولقد حدد العلم الحديث وبصورة أكثر دقة العوامل التي تؤثر على الجنين أثناء فترة الحمل، حيث أشارت نتائج دراسات كل من نيسوندر Niswander & Gordon؛ "١٩٧٢"، ودرلين وانجرام Drillien & Lngram؛ "١٩٦٦" إلى عديد من التأثيرات الجسمية مثل تشوه الأذن والأصابع، والفراغ الواسع بين الأصبع الأول والثاني وانحناء أو تقوس الأصابع الخمسة، أشارت هذه الدراسات السابقة إلى ارتباط هذه الأعراض بالضغوط الانفعالية للأم خاصة أثناء فترة الجنين غير المكتمل Embroyonic والتي تقع ما بين ٦-١٢ أسبوع وهي الفترة التي يكون فيها جسم الجنين في مرحلة البناء والتكوين، وعلى الرغم أن هذه المعوقات تحدد عن طريق الجينات، إلا أنها ليست وراثية، بمعنى أنها تعزى إلى الصبغيات الأموية المصابة أو المعوقة, وليست إلى الخصائص المعوقة المتضمنة في الأليليات، إلا أنه لم يكتشف حتى الآن كيفية تأثير الضغوط

стр. 184

الانفعالية على الأم الحامل في أسابيعها الأولى للحمل في إنتاج هذه اللاسويات. كما أن الضغوط الانفعالية على الأم الحامل يرتبط بعمليات الإجهاض، حيث أشارت بعض الدراسات أن المرأة التي تكرر لديها الإجهاض تميل إلى أن يكون لديها صراعات نفسية أكثر، وأن ميلها ورغبتها في امتلاك طفل تكون ضعيفة وذلك إذا قورنت بالمرأة التي تحمل بصورة عادية ويتم ولادتها طبيعيًا، وجدير بالذكر فإنه يجب الإشارة إلى أنه بالنسبة لهؤلاء النساء نجد الإجهاض الأول الذي حدث لهن قد يقودهن إلى القلق على الحمل الثاني. كما أن ولادة الأطفال المبتسرين "وهم الأطفال المولودون بعد فترة حمل تقل عن ٣٧ أسبوعًا" تكون كذلك مرتبطة بالحالة الانفعالية للأم. ففي إحدى الدراسات أشارت النتائج إلى أن أم الأطفال المبتسرين كانت أكثر اضطرابا من الناحية الانفعالية وأكثر اعتمادًا واتكالا على الآخرين، ولديها اتجاهات سلبية أكثر نحو الحمل، إذا قورنت بمجموعة النساء اللاتي لم يكن لهن ولادات مبتسرة. ويجب أن نشير أن هذه الدراسات, دراسات بعدية بمعنى أنها أجريت بعد الولادة، فيجب على الباحث إدراك أنه من الممكن تغير أحوال الأم واتجاهاتها بعد عملية الولادة، وبالتالي يجب أن يضعها الباحث نصب عينيه أثناء إجراء بحثه. كما أشارت بعض الدراسات إلى أن الأمهات الحوامل اللائي لديهن مشكلات نفسية واضطرابات حادة في الشخصية، مثل الفصام، يبدو أنهن أكثر عرضة وبصورة مرتفعة لحدوث مشكلات وتعقيدات ولادية "كالإجهاض، والولادة المبتسرة، والمضاعفات أو التعقيدات الولادية" وذلك إذا ما قورنوا بالنساء الأسوياء، وتشير دراسات أخرى إلى أن ذلك قد يرجع إلى طول الفترة التي تكون المرأة مصابة فيها انفعاليًا، أكثر من كون المرض شديدًا. عادات الأم: من أكثر العادات التي درست في الخمسة عشرة عامًا الماضية كانت

стр. 185

عادات التدخين، ولقد قام يروشلمي Yerushalmy بعديد من هذه الدراسات، وأشارات النتائج إلى وجود العلاقة بين تدخين الأم أثناء فترة الحمل وبين قلة وزن المولود، كما أن المواليد ذوي الأوزان الأقل كانت مرتبطة بصورة عامة بتعويقات جسمية متنوعة، وكانوا أعلى في معدل الوفيات من الأطفال العاديين، ولكن وكما في حالة جميع الدراسات السابقة، فإن الارتباط السببي لم يكن قاطعًا في هذه الدراسات, ففي دراسة أخرى "ليروشلمي" وجد أنه حتى بالنسبة لهؤلاء النساء اللاتي توقفن عن التدخين أثناء حملهن، كان لديهن أطفالا ذوي أوزان منخفضة وعمومًا فإن هناك خصائص معينة للمرأة المدخنة هي التي تقود إلى هذه الأحوال. وهناك مؤشر جدلي آخر يتضمن الغذاء المناسب أثناء فترة الحمل، فهناك كثيرًا من الأساطير الشعبية في هذا الجانب تنتشر كما لو أنها حقائق، ومنها ما يعتقد أن تناول الأم أطعمة معينة "خاصة الأطعمة المخية" أثناء الحمل قد يجعل الطفل ذكيًا، والذي يجب أن نضعه في الاعتبار في أي مناقشة نقدية أن الجنين النامي يصل إلى كفايته الغذائية عندما تتوفر للأم الحامل التغذية الأساسية الضرورية، بمعنى أن التغذية الفقيرة أثناء فترة الحمل قد تسبب ضررًا للأم أكثر من الجنين، فإذا لم تتناول الأم الحامل الكالسيوم بصورة كافية مثلا، فإنه سوف يتحول من عظامها وأسنانها لكي يسد حاجات الجنين، وفي حالة النقص البروتيني الشديد أشارت بعض الدراسات أنه ينتج أطفالا أقل في معدلات ذكائهم, ومن جانب آخر فإن نقص البروتينات قد يرتبط ببعض الجوانب الاقتصادية والاجتماعية الأخرى للأم الحامل والتي يمكن أن ينتج مواليد أقل ذكاء, كما أشارت إلى ذلك دراسة كل من "بيرش Birch؛ "١٩٧١", وسيرمشو Sermshaw؛ "١٩٦٩". وعمومًا فإن المرأة الحامل يجب أن تتناول غذاء بكميات معتدلة ومتكاملة، بالإضافة إلى فيتامينات معينة خاصة الكالسيوم والحديد حتى تقابل متطلبات الجنين النامي، وهناك جدل حول الزيادة المرتقبة في وزن الأم الحامل، حيث نصح أنها يجب أن تزداد في وزنها ما يقرب من رطلين كل شهر وبالتالي تكون معدل الزيادة الكلية ١٨ رطلا إلا أن الأطباء اليوم لا تكون نصائحهم المتعلقة بزيادة وزن الأم الحامل صارمة قاسية نظرًا للاختلافات والفروق الفردية بين النساء، ومن الممكن أن تكون الزيادة المرتقبة للأم الحامل ما بين ١٨-٢٤ رطلا.

стр. 186

وتشير بعض الدراسات أن استخدام المرأة الحامل للكحول يؤذي الجنين، خاصة إذا بلغت صورة الإدمان، حيث إن الإدمان يقلل من كمية الطعام التي تتغذى بها الأم وبالتالي يؤثر ذلك على صحتهن بالإضافة إلى تأثيره على الجنين. استخدام العقاقير: للأسف نجد أنه حتى الوقت الحاضر هناك بعض الأطباء يصفون علاجات بعقاقير معينة مهدئة للأعصاب للمرأة الحامل، وأحد هذه المهدئات الثاليدوميد Thalidomide الذي اكتشف عام ١٩٥٨، ولقد تسبب هذا العقار في كارثة للأمهات الحوامل، فقد كان لهذا العقار تأثيرات مشئومة على آلاف من الأطفال، حيث كانت الأمهات الحوامل تتناول هذا العقار أثناء الفترة الأولى من الحمل، وكثير من هؤلاء الأطفال قد ولدوا بزعانف قصيرة بدلا من الأذرع والأرجل, وتشير "الكيند" ELkind "ووينر" Weinr؛ "١٩٧٨" أن معظم هؤلاء الأطفال كانوا من أوربا وبالتالي لم توافق على استعماله مؤسسة الغذاء والدواء بالولايات المتحدة الأمريكية، ومنذ مأساة الثالوميد نجد أن الأطباء يمتنعون عن وصف العقاقير للمرأة الحامل، وينصح ألا تستعمل أية عقاقير فيما إذا كانت الفوائد الممكنة لها ولجنينها أكثر من المخاطر المرتقبة. المرض أثناء الحمل: من ضمن الأمراض ذات التأثيرات الضارة ما هو معروف بالحصبة الألمانية German Measles فعند إصابة الراشد به عادة ما يكون هذا المرض معتدلا حيث ينتج عنه طفح جلدي خفيف وارتفاع في درجة الحرارة تستمر لأيام قليلة, إلا أنه بالنسبة للمرأة الحامل فإن العدوى بالحصبة الألمانية أثناء الفترة الأولى من الحمل تزيد بصورة كبيرة احتمالية تعويق الجنين واحتمالات الخطر والتعويق تختلف تبعًا لعوامل كثيرة منها نوع ميكروب الحصبة، وعمومًا فإن أصيبت المرأة الحامل بها أثناء الأسبوع الرابع من الحمل فاحتمالية إصابة الجنين بعاهة تصل إلى ٥٠% وتزداد سمعية أو بصرية أو عقلية وفي بعض الأحيان بأكثر من عاهة. وعلى الرغم من أن معظم معلوماتنا عن التأثيرات الضارة للفيروسات Viruses على الجنين اشتقت من الدراسات على الحصبة، إلا أن هناك

стр. 187

فيروسات أخرى تحدث أضرارًا, فالتهاب الغدة النكفية يزيد من مخاطر موت الجنين، أو يولد بعاهات عندما تصاب الأم الحامل بها، وكذلك التهاب الكبد الوبائي، وحتى بعض الفيروسات العامة للبرد والأنفلونزا قد تزيد كذلك من خطر ظهور بعض العاهات على الجنين وبصورة عامة فإن هذه الأخطار تميل إلى أن تكون أكبر في حالة إصابة الأم الحامل أثناء الأسابيع أو الشهور الأولى من الحمل، حيث يكون جسم وأعضاء الجنين ما تزال في مرحلة التكوين الأولى. المخاض والولادة: وفي نهاية المطاف فإنه ما بين الأسبوع الخامس والثلاثين والأسبوع الثالث والأربعين من آخر حيض حل بالأم الحامل يكون الطفل جاهزًا للولادة، وفترة الحمل عمومًا تصل إلى أربعين أسبوعًا تقريبًا، وسوف نلقي الضوء في الصفحات التالية على عملية الولادة، وبعض مخاطرها، والتكيفات التي يجريها الوليد للتكيف مع بيئته الجديدة، وبعض وجهات النظر فيما يتعلق بمعدات وتجهيزات حجرة الولادة. عملية الولادة: إن بداية المخاض الذي يؤدي إلى الولادة يكون نتيجة عوامل متنوعة، يتضمن إشارات هرمونية من الجنين، فالإشارات الضاغطة من المشيمة المنتفخة، وكذلك الاستثارة الآلية من الجنين كامل النمو, هذه العوامل تكون باعثًا على انقباضات رحمية متوسطة والتي غالبًا ما تكون لافتة للنظر للأم الحامل، وعادة ما تبدأ قبل الولادة بأسبوع أو أسبوعين. وكلما قرب موعد الولادة، نجد الانقباضات الرحمية أقوى وأكثر تكرارًا وأكثر جذبًا لنظر الأم الحامل، وما يسمى عادة بآلام الولادة ما هو إلا عبارة عن الانقباضات التي تحدث كل دقيقة تقريبًا, وتحدث الولادة عادة بعدما يقرب من ٧-٩ ساعات من بداية المخاض التي تشعر به الأم الحامل، ومما هو جدير بالذكر فإن النساء اللاتي يلدن لأول مرة عادة ما تكون الفترة الفاصلة بين المخاض والولادة أطول من النساء اللاتي ولدن قبل ذلك، حيث نجد تلك الفئة الثانية تخبر ساعات قليلة بين المخاض والولادة. وفي المراحل الأخيرة لمخاض الولادة، نجد أن الانقباضات تستمر

стр. 188

لمدة أطول "ما يقرب من دقيقة" بالإضافة إلى أنها تكون أكثر تكرارًا عن ذي قبل، ويكون نتيجة هذه الانقباضات المتتالية أن يدفع الجنين ليتخذ وضعًا جديدًا حيث تتجه رأسه نحو عنق الرحم، ونتيجة ذلك فإن عنق الرحم يبدأ في التمدد والاتساع ويستمر في أداء هذه الوظيفة إلى أن تصبح رأس الجنين تجاهه، وعلى الرغم من أن رأس الجنين تعتبر أكبر جزء من جسمه إلا أن قدرة المولى جعل لها القدرة على التغير في الشكل والقابلية للتكيس لكي تمر من خلال الرحم، وعادة ما نجد الطفل المولود حديثا يكون مظهر رأسه غريبًا مضحكًا لمدة أيام قليلة بعد عملية الولادة. وأحيانا عند الولادة تحدث تمزقات في الكيس الأمينوتي وينتشر السائل الأمينوتي حيث يعمل كمنزلق لكي يساعد الجنين على المرور من خلال عنق الرحم إلى داخل قناة مهبل "الولادة" Vagina وعندما يكون الجنين جاهزًا للتحرك خارج المهبل نجد الطبيب المولد في بعض الأحيان يجري قطعًا صغيرًا في الرحم يسمى Episitomy لكي يمنع أية تمزقات للغشاء الخارجي، وهذا القطع يخيط مباشرة بعد الولادة، وبعد وقت قصير من الولادة فإن المشيمة تزاح من الجدار الرحمي وتفصل منه وتسمى بالخلاص. مخاطر الولادة: ليست كل حالات الولادة سهلة ميسرة، فأحيانا نجد أرداف الطفل بدلا من رأسه تضغط على عنق الطفل، وبالتالي ينحني الجنين مما يجعله أكبر ومن الصعب أن يولد وتسمى هذه الحالة بالولادة المؤخرية Breech Delivery فإذا لم يستطع الطبيب المولد إدراة رأس الجنين نحو عنق الرحم، فإن هذه الولادة تصبح أكثر صعوبة وخطورة من الولادة العادية، ويمكن كذلك أن تحدث مضاعفات أخرى إذا سدت المشيمة مؤخر الرحم، ولحسن الحظ فإن الخبرات الطبية الحديثة عادة ما تكون قادرة للتعامل مع هذه الأخطار المفاجئة والمخاطر القدرية للحمل والولادة. ومشكلة أخرى قد تجابه الطبيب المولد عندما تكون عظام حوض المرأة صغيرًا جدًا على الولادة، أو لثمة ظروف أخرى مثل وجود لولبات في الحبل السري، فلا مناص أمام الطبيب في تلك الحالات إلا إجراء ما يسمى بالعملية القصيرة Cesaream Section حيث يجري فتح في البطن

стр. 189

ويحرك الجنين مباشرة من الرحم، ومما هو جدير بالذكر فإن هذه العمليات قد تدعمت الآن وأصبحت عملية روتينية آمنة، كما أن توفر الاستفادة من المضادات الحيوية، وعمليات نقل الدم الآن, قد أزاحت كثيرًا من مخاطر هذه العملية. وثمة مشكلة أخرى من أخطار الولادة وهي الحرمان من الأكسجين فبسبب حاجة المخ الدائمة إليه، فإنه حتى الحرمان الخفيف قد يسبب موت الخلايا المخية, وعمومًا فإن هناك عديدًا من الأسباب يرجع إليها نقص إمداد المخ بالأكسجين منها، "أنه أثناء الولادة نجد أن الضغط الزائد على الحبل السري قد يقلص تدفق الدم وبالتالي ينقص مئونة الأكسجين، ونفس الشيء يمكن أن يحدث في حالة وجود انفصال مبتسر للمشيمة من الجدار الرحمي، بالإضافة إلى أن العقاقير التي تستخدم لتخفيف آلام الأم يمكن أن تخدر الجنين وتؤخر بالتالي عملية ولادته. وعمومًا فإن الأضرار الدائمة متدرجة من التلف المخي إلى الشلل المخي عادة ما ترتبط بالحرمان من الأكسجين عند الولادة، والدراسات الآن في طب الأطفال والطب النسوي ساعدت على علاج هذه المخاطر سابقة الذكر، وتشير الدراسات أن مخاطر ولادة الطفل قد نقصت بصورة كبيرة منذ عام ١٩٢٠، حيث برهنت الممارسات الطبية الجيدة والأبحاث الميدانية في هذا المجال قد وفرت المعلومات والحقائق الأكثر عن الحمل، هذا بالإضافة إلى العناية الطبية والنفسية قبل الولادة، ساعد مما لا شك فيه على تقليل هذه الأضرار إلى الحد الأدنى. العناية بالمولود: هناك عدد من الخطوات يجب أن تتبع لضمان حياة المولود, ويمكن إيجازها فيما يلي: أولا: يجب أن ينظف فم الطفل وثقبي أنفه من المادة المخاطية الموجودة بهما بواسطة محقنة، وبعد ذلك يحمل الطفل إلى أسفل لكي يصرف أية سوائل متبقية في قصبته الهوائية، وعادة ما يبدأ الطفل في التنفس مباشرة وبصورة جزئية في الاستجابة لتدفق الهواء، ولكن في بعض الأحيان نجد الطبيب المولد يساعد هذا التنفس الأولي وذلك بأن يسقط المولود في ماء بارد أو يضربه على ردفيه، ومما هو جدير بالذكر أن الطفل المولود

стр. 190

حديثا يمكن أن يؤدي وظائفه لعدة دقائق بعد الولادة بدون تنفس ولا يصاب بأذى أو ضرر، إلا أنه إذا طالت مدة طويلة في حرمانه من الأكسجين فإن ذلك يمكن أن يؤدي إلى أضرار خطيرة. ثانيًا: وبمجرد أن يتنفس الطفل، عادة ما يصدر صرخة عالية، ويجب أن يغسل الطفل حينئذ ويلف بدفئ، ولا يحتاج الطفل المولود حديثًا إلى كثير من الطعام للأيام الأولى القليلة من ولادته ولكن يمكن أن يعطى لبء الأم Colostrum ويعتبر بمثابة إفراز مائي رطب من صدر الأم الذي يسبق إفراز اللبن، وهذا المسمار "اللبني" يحتوي على كثير من الأجسام المضادة والتي تمد الطفل المولود حديثا بمناعة أولية ضد أي عدوى، كما أن امتصاص الطفل لصدر أمه يساعدها على إفراز هرمون الأكسوتسين Oxytocin الذي يجعل في تجلط الدم, وحينئذ يحدث نزف يعقب الولادة وبالتالي يساعد الرحم إلى أن يعود إلى حجمه الطبيعي. وهناك اختلاف في الرأي عادة ما يثار حول ما إذا كانت الأم يجب أن تستمر في إطعام وليدها من صدرها بعد الأيام الأولى القليلة التي تعقب الولادة، وعمومًا فكثير من الأطباء يشيرون بأنه يجب على الأم أن تفعل ذلك ولكن البعض الآخر ينادي أن اللبن البديل عادة ما يكون مشابها للبن الأم ومن وجهة نظر التغذية الأساسية للطفل، إلا أن وجهة نظرنا تخالف وجهة النظر الأخيرة حيث إن عملية الرضاعة كما أشرنا أنها تقي الطفل من كثير من الأمراض هذا من جانب، بالإضافة إلى تكوين الرابطة الانفعالية والعاطفية بين الأم ووليدها، زد على ذلك وكما سنشير فيما بعد أن اللبنات الأساسية من شخصية الطفل توضع أساسا وابتداء أثناء عملية الرضاعة، فالأم لا تمد وليدها فقط بتغذية مادية ولكنها بالإضافة تدعم جوانب شخصيته المستقبلية عن طريق عملية الرضاعة، فإننا لا ننصح أي أم باستبدال ذلك بواسطة مرضعة أو بالببرونة "رضاعة" إلا إن كانت هناك أسباب قهرية لذلك. ويستثار أحيانا كما سبق وأن أشرنا بعض من الأفكار الخاطئة عن الأم بعد الولادة، فقد كان يعتقد أحيانا بأن الأم بعد الولادة أن تبقى في سريرها لعدة أسابيع بعد الولادة، ونشأت هذه الفكرة من الحقيقة التي

стр. 191

مؤداها أن الولادة ينتج عنها فقدان كمية كبيرة من دم الأم، وبالتالي فإن الإقامة الطويلة للأم لكي تستريح في السرير توفر لها الوقت الكافي لتعويض ما افتقدته من الدم أثناء الولادة, ولكن لحسن الحظ في العصر الحديث ونتيجة الإجراءات والتطورات الطبية الحديثة، فإن المرأة لا تفقد دمًا كثيرًا أثناء الولادة، وحتى وإن حدث هذا فيمكن تعويضها عما افتقدته بعمليات نقل الدم، وتشجيع الأم أن تنهض من سريرها خلال ساعات بعد الولادة وعادة ما تترك المستشفى خلال عدة أيام قلائل. كما يوجد جدل هو مدى استخدام العقاقير لتسهيل عملية الولادة والتقليل من آلامها، إلا أن الأطباء ينصحون بعدم استخدام هذه العقاقير خاصة بعد مأساة الثاليدوميد Thalidomide التي أشرنا إليها فيما سبق. ولقد أشار الطبيب الفرنسي "فردرش ليبويه" Frederick Lebyer إلى أن حجرة الولادة المضاءة بأضواء قوية، وباردة نسبيًا، والمفعمة بالضجيج يعتبر شيء مناقض للظلمة والرحم الدافئ والهادئ، فإن ذلك وفقًا لأقوال "فردرش" تنتج صدمة نحن في غنى عنها، وبالتالي فإنه يفضل أن يكون حجرة الولادة مظلمة قليلا دافئة, هادئة، أي أن توفر للمولود بيئة مشابهة بصورة عالية لبيئة رحم الأم، ونرى من جانب آخر أطباء ينادون بعكس وجهة النظر السابقة، وكل من وجهتي النظر من الممكن أن تكون صادقة بصورة نسبية حيث يمكن التوفيق بين كليهما. تحديد جنس الوليد: من المحتمل أن يكون أول سؤال يسأل سواء من الأم أو الأخرين عندما يعلن عن وصول الوليد هو، هل المولود ولد أم بنت؟. ومنذ قرون عديدة، ظهرت مشكلتان هامتان لعلاقتهما بتحديد جنس الوليد، الأولى كانت محاولة التنبؤ مبكرًا في الحمل بجنس الوليد والثانية محاولة التحكم في الجنس المرغوب فيه، والحقيقة أن تلك المحاولات العديدة للتنبؤ بجنس الوليد كانت في معظمها مثيرة للضحك, وهيا بنا الآن لنتأمل سويًا كيفية تحديد جنس الوليد. إن جميع خلايا الجسم الإنساني, فيما عدا الحي المنوي والبويضة تحتوي على ٤٦ كروموزوما "صبغيًا" مرتبة في النواة في ٢٣ زوجًا، وأحد متماثلين وكلاهما يطلب عليها الكروموزوم X أما عضوا هذا الزوج متماثلين، وكلاهما يطلق عليه الكروموزوم X أما عضوا هذا الزوج عند

стр. 192

الرجل لا يكونا متماثلين إذ تحتوي الخلايا الذكرية على كروموزوم X وعلى نمط آخر مخالف تمامًا يعرف باسم كروموزوم Y. ولا يوجد هذا الاختلاف فقط في التركيب الكروموزومي لخلايا جسم الرجل والمرأة ولكن الحييات المنوية البويضات تختلف في عدد الكروموزومات التي تحتويها عن باقي جميع الخلايا في الجسم، إذا يحتوي الحي المنوي والبويضة على ٢٣ كروموزوم فقط في كل منهما، أي عضو واحد من كل زوج, وهذا الاختزال في العدد ضرورة إذا كان للبويضة المخصبة أن تحتوي على ٤٦ كروموزوما فقط, ويحدث هذا عن طريق نمط خاص من انقسام الخلية يعرف باسم الانقسام المنصف Meiosis. فحيث إن الخلية التي تنشأ منها البويضة تحتوي على كروموزوم X، فإن كل بويضة تحتوي على كروموزوم واحد X، ولكن الأصل الذي يأتي منها الحي المنوي تحتوي على كروموزوم X وعلى آخر y لذلك فعندما يحدث الانقسام المنصف يكون الحي المنوي المتكون محتويًا بناء على ذلك إما على كروموزوم X أو كروموزوم y ويبدو أن مجرد الصدفة هو الذي يحدد أي حي من الحييات المنوية هو الذي سيخترق البويضة ويخصبها، هل هو الحي المنوي الذي يحمل الكروموزوم X أم ذلك الذي يحمل الكروموزوم y؟ ولكن متى حدث الاختراق فلا توجد أي فرصة لاحتمال آخر فإذا كان الكروموزوم هو X تتكون الأنثى وإن كان y يتكون الذكر والشكل رقم ٤ يشير إلى هذه العملية. والعلم لا يعرف حتى الآن ما هي الخصائص التي يسمح لحي منوي معين من بين الملايين بأنه ينجح في النهاية في اختراق البويضة١, ولكن العلم يعرف مع ذلك أنه متى حدث هذا الاختراق فإن نواة الحي المنوي والبويضة يتحدان ويصبحان نواة واحدة، ومن ثم تبدأ السلسلة الطويلة للأحداث المعقدة والتي إن سارت طبيعية ينتج في نهاية تسعة أشهر ميلادية أو عشرة أشهر قمرية ميلاد طفل جديد.

стр. 193

ولقد وجد أيضًا أن الكروموزومات التي تحدد الجنس تحمل أيضًا جينات تتحكم في خصائص أخرى، وتوجد هذه الجينات على الكروموزومات X فقط، ولا توجد على الكروموزوم y وحيث أن الذكر يحتوي على كروموزوم واحد فإن الصفات التي تحملها هذه الجينات تظهر عليه سواء أكانت سائدة أو متنحية، في حين أن الإناث تحمل كروموزومين X، ولذلك تظل قاعدة الجينات السائدة والمتنحية سارية، ونتيجة لذلك فإن الصفات المتنحية المتصلة بالجنس تظهر دائمًا على الذكور في حين أنها تبقى غير ظاهرة في الإناث إذا زاوجت صفات سائدة، ومن الصفات المتصلة بالجنس "العمى اللوني والصلع", كما أن هناك مشاكل أخرى مرتبطة بكروموزومات الجنس تؤدي إلى بعض الإصابات أو الأمراض وظهور العديد من الأعراض التي ذكرناها فيما سبق مثل أعراض كلينفلتر وأعراض تبرنر وأعراض داون.

стр. 194

الفصل الخامس: الوليد والفطيم أولا: النمو الجسمي والحركي الرضيع في السنة الأولى: على الرغم من أن كثيرا من الدراسات الحديثة أشارت إلى أن الوليد يمتلك كثيرًا من الكفايات والأهليات، ولكن يجب ألا ننسى أنه يظل بعيدًا من أن يكون كائنًا كامل الوظيفة والتكوين, فالمولود الحديث نجده يمتلك جميع أعضاء الجسم الضرورية، إلا أن القلب والرئتين والجهاز الهضمي ما تزال في حاجة إلى نمو لاحق قبل أن تستطيع أداء وظائفها تحت الظروف العادية, والمعدة تحتاج إلى سنوات قبل أن تصبح قادرة على التأمل مع الأطعمة العادية. وبصورة مماثلة، فعلى الرغم من أن البناء الجسمي للوليد عادة ما يكون كاملا منذ الميلاد، إلا أننا نجد عظامه لينة إذا ما قورنت بعظم الطفل الأكبر سنًا، نجدها تنمو وتتشكل في صورة مختلفة، وحيث أن عظام الجمجمة لا تكون مرتبطة ارتباطا كاملا بعضها مع البعض الآخر، كما توجد منطقة لينة على قمة رأس الوليد وتسمى باليافوخ Fontanelle وتلتحم العظام بعضها مع البعض لتشكل غطاء كاملا للجمجمة أكثر صلابة، ويتم ذلك فيما بين التسعة شهور الأولى والعام الأول من حياة الرضيع, كما أن الأسنان نجدها في حالة كامنة وفي حالات نجدة قد يولد طفل بأسنان لبنية إلا أن الغالبية العظمى من المواليد يكون لديهم براعم أسنان فقط والتي تنمو أثناء السنة الأولى ومنتصف الثانية. كما أن الجهاز العصبي للوليد يختلف عما لدى الأطفال الأكبر والراشدين، ففي حين أن مخ الوليد يتشابه في بنائه مع ما عند الراشد، وذو بناء كامل من الخلايا العصبية، إلا أن تلك الخلايا بدون غلاف نخاعي عازل، وهذه النخاعية تكون على هيئة ممرات تبنى بين العضلات والمخ والمتطلبة لجميع المهارات الحركية والنخاعية، وعمومًا فإن هذه النخاعية تتكون بصورة كلية في الأربعة شهور الأولى تقريبًا، ولكنها تستمر طوال فترة الطفولة المبكرة.

стр. 195

ونمو الرضيع أثناء السنة الأولى يكون سريعًا، فعند الميلاد يكون وزن الطفل العادي ما بين ٦ إلى ٨ أرطال، وطوله ما بين ١٨ إلى ٢٢ بوصة، وعند نهاية السنة الأولى عادة ما يصل الرضيع إلى ضعف وزنه ويكتسب ثلث طوله، ويبطئ النمو تدريجيًا بعد ذلك، وعند نهاية السنة الثانية يصل الطفل إلى ما يقرب من ربع وزنه عند المراهقة وما يقرب من ربع طوله كراشد. كما نجد عند الطفل منذ الميلاد نماذج انعكاسية عديدة كاملة البناء قابلة للرؤيا والتمييز والإدراك بسهولة، وتسمى إحدى هذه الانعكاسات بانعكاس مورو Moro reflex ويمكن ملاحظة ذلك عندما يروع الطفل بصوت يصاب بضربة فجائية على رأسه، فعندما يحس الطفل يفقد السند، نرى ارتفاع ساعديه، ويحاول التعلق بأي شيء والتي تبدو كمحاولة من الرضيع لاستعادة السند الذي فقده, ونموذج انعكاسي آخر يتمثل في المسك أو القبض الانعكاسي، يحدث عندما يقبض الوليد بكفيه على الأشياء، ويمكن أن يرفع عندما يتعلق بأصابع الراشد كما لو أنه في وضع الجلوس. والنمو العضلي أثناء الشهور الأولى للرضيع يكون سريعًا، ففي الشهر الثاني يظل الرضيع مستيقظًا لفترة أطول عما سبق بالإضافة إلى أنه يصبح أكثر حركة ونشاطًا من ذي قبل، ولا تكون يديه وأرجله وأصابعه كما كانت عليه في حالة تصلب عند الميلاد، وكثير من الأطفال في هذا السن يمكنهم رفع رءوسهم وصدورهم قليلا، وكثيرًا منهم يمكنه العثور على إبهامه ويبدأ في مصه كما أنه أثناء الشهر الثاني يمكن الرضيع أن يبدي أول ابتسامة اجتماعية حقيقية، وأثناء الشهر الثالث والرابع تصبح الأفعال الحركية الإرادية أكثر فعالية، وقد يرجع ذلك إلى نخاعية الخلايا المخية؟ وتبدأ الرأس في التضاؤل عن ذي قبل في اتجاه النضج والنمو، حيث يمكن أن يدور الرضيع رأسه ويصل إلى الأشياء في ما بين الشهر الثالث والرابع إلا أننا نجد عملية الزحف والمشي تتطلب نموا عضليا وعصبيا أكبر حيث نجدها تتأخر عن تلك الحركات السابقة، وفيما يتعلق بالنظام الهضمي فإن نضج التحكم العضلي العصبي للسان والحلق يمكن الطفل من أن يبدأ في تناول الأطعمة الطرية اللينة.

стр. 196

وفي الشهر الرابع تقريبًا نجد اهتمام الأطفال بأصابعهم وأطرافهم وعادة ما يلعبون فيها، ويستطيع الأطفال في هذا الوقت من الانقلاب على بطونهم أو ظهورهم, وعادة ما يستطيعون ذلك وبسهولة في الشهر الخامس, كما أنهم يتمكنون من الجلوس عندما يمسك بهم ويحتفظون برؤوسهم قائمة إلى أعلى لمدة كافية لكي ينظروا إلى ما يحدث من حولهم، وفي حوالي نهاية الشهر الخامس وبداية السادس يبدأ الأطفال في عمل حركات زاحفة ويتعلقون بالأشياء ويمسكون بها ويهزونها جميع هذه الحركات تعتبر عامة شائعة في هذا السن، كما يبدأ الأطفال في عملية المضغ عندما تبذغ أولى أسنانهم اللبنية في الشهر السادس تقريبًا. وفي النصف الثاني من السنة الأولى نجد الأطفال كثيرا من الحركات الاستقلالية ويكون أكثر استجابة لعالمهم المادي والاجتماعي عن ذي قبل، حيث نجد أن التحكم والضبط الحركي قد وصل إلى مرحلة حيث يمكنه الوصول والتمسك بالأشياء التي تقع تحت ناظريه وكذلك ضربها بعنف أو هزها أو عمل جلبة وإزعاج بها, وأثناء الشهر السابع يصبح ظهر الرضيع أكثر صلابة وعضلات بطنه تسمح له بالجلوس بدون مساعدة وفي حالات كثيرة يمكنه أن يزحف, وفي الشهر الثامن نرى الرضيع قد نمى لديه ضبط وتحكم دقيق بصورة كافية، وبالتالي نجده يستطيع أن يضع أصابعه ويمسك ويرفع الأشياء الصغيرة، وفي هذا الوقت يجب أن يكون الآباء حذرين من ترك الأشياء الصغيرة أمام ناظري الطفل والتي يمكن أن يتناولها ويسقطها في فمه. وأثناء الشهر التاسع يحاول الرضيع أن يزيد من تحركه وتنقله، ويقضي وقتا طويلا في تدريب مهاراته الحركية عندما يكون في سريره ولذلك نرى كثيرا من الأمهات تندهش حين تترك وليدها نائمًا وتعود فتجده جالس في مهده، كما أنه يستطيع أن يقف ممسكًا بجانب سريره ويبتسم ابتسامة رضاء وإشباع عندما يرى أمه, ولا يستطيع الأطفال في هذا السن المشي إلا أنهم يستطيعون التحرك بسرعة مدهشة بواسطة الزحف والتسلق، وعلى ذلك يجب أن يوضعوا تحت الملاحظة الدقيقة من هذا السن فصاعدًا. وأثناء الشهر العاشر يستطيع الأطفال الزحف والتسلق والجلوس بمفردهم وأن يشهدوا أنفسهم في حالة انتصاب كما أننا نلاحظ الاستقلال

стр. 197

الحركي واضحًا في مجالات أخرى كذلك، ويستطيع معظم الأطفال في هذا السن أن يشربوا من الكوب كما يكون لديهم الأسنان الكافية التي تمكنهم من مضغ الأطعمة الصلبة نسبيًا، وجدير بالذكر نجد كثيرا من الأطفال في هذا السن يرغبون في إطعام أنفسهم وعلى الرغم من أنهم دائمًا ما يعبثون في طعامهم إلا أنهم يستمتعون بأنفسهم تمامًا، بالإضافة إلى حصولهم على طعام ضئيل قليل. وفي نهاية السنة الأولى يحدث لدى الأطفال تقدمًا جوهريًا نحو الاستقلال الحركي، حيث يمكنهم التحرك على نحو متزايد وبصورة أكثر على قدميه والتعلق بالأشياء والإمساك بها والانطلاق ويمكنهم مضغ الطعام وعض الأشياء وعمل أصوات متنوعة والتي تناهز اللغة في مجتمعهم, وعلى الرغم من أننا سوف نناقش القدرات الحسية والعقلية للأطفال في ثنايا هذا الفصل إلا إنني أود الإشارة هنا أن نمو الجوانب الأخرى يعتمد جزئيًا على الأقل على التقدم في النمو الحركي الذي يصيبه الطفل منذ صغره, وانظر الشكل رقم١.

стр. 198

السنة الثانية: بعد أن يتعلم الأطفال المشي "في نهاية السنة الأولى تقريبًا" فإنهم ينتقلون إلى مرحلة تسمى بالسير المتدرج Toddierhood حيث يتضمن ذخيرة جديدة كلية من النشاطات الحركية، ففي حدود سنوات قليلة يبدءون في القفز والجري والوثب فوق الأشياء المرتفعة ويلعبون بأشياء مثل الكرة والتزحلق إن تيسر لهم ذلك, وفي هذا الوقت نرى تمييزات الأيدي والأذن والعين ويبدأ الطفل في التعامل بها وتصبح أكثر استقرارًا. وعندما تكون محاولة الطفل الأولى في المشي نجد قدماه بعيدة كل منها عن الأخرى، وحركاته غير منتظمة وغير متناسقة، وبالتدريب يمكن أن يجعل قدميه قريبة بعضها مع البعض، وخطواته تصبح أكثر توازنًا وأكثر تناغمًا واتزانًا، كما يبدأ المشي بصورة مستقيمة، أي يحدث توال وانتظام لأقدامه وجدير بالذكر فإن طفل السنتين يكون ما يزال في حاجة إلى مراقبة أقدامه حتى يتحاشى أي عوائق أمامه، إلا أن هذه الحاجة تختفي بنهاية العام الثالث.

стр. 199

وبمجرد أن يكتسب الطفل الثقة قبل المشي نجده يبدأ في عمل تنويعات بين الفينة والفينة كالمشي في الطرق الجاذبية، والمشي بالخلف، كما أن الطفل في هذا السن قد يمشي على أصابع قدميه، أو يدور حول نفسه مرة مرات إلى أن يشعر بالدوار, وفي منتصف السنة الثانية يكون لدى الطفل المشي السريع المتعجل والذي يبدو إلى حد ما شبيها بالجري؛ لإن أنه يختلف عن الجري لأنه حتى هذا السن لا يمتلك قوة الأرجل والتوازن لكي يتحاشى ما يوجد على الأرض بكل من قدميه في نفس الوقت. وعادة لا يصل الطفل إلى الجري السليم إلا في سنته الخامسة تقريبًا، كما يحال طفل العامين القفز إلا أن محاولته تفشل حيث لا يمكنه أن يجعل قدماه تترك الأرض في وقت واحد، وعادة ما يبدأ القفز عندما يطلع على أشياء قصيرة كالسلم مثلا، وفي محاولته الأولى نجده يطلع بقدم واحدة تاركًا قدمه الأخرى وبالتالي يتأرجح على حافة الدرج. وعندما يصل الطفل إلى نهاية العام الثاني يمكنه أن يقفز بكلا قدميه، ومهارات حركية أخرى تتطلب اتساق حركي رؤي أفضل مما لدى طفل العامين مثل الحجل والتسلق والإمساك بالكرة الملقاة إليه، ويمكنه أداء هذه الحركات في مراحل نموه التالية، فهم في هذا السن يحاولون الرمي والإمساك بالأشياء إلا أن أذرعتهم لا تكون حركتها مرنة متسقة تمكنهم من ذلك. فعملية الاتساق في الرمي والتي تتضمن إطلاق الشيء كجزء من الحركة الرمي لا يمكن أن يصل إليه الطفل ألا في سن أكبر من ذلك. وأثناء السنة الثانية يبدأ الطفل في أن يظهر تفضيل استخدام يده وعينه والتي تكون مظهرًا من النمو الحركي, حيث يميل إلى القبض على الأشياء بيد معينة، وتفضيل استخدام عين على أخرى في مجال الرؤيا الثنائية، ما الذي يحدث هذه التفصيلات عند الطفل والتي ستصبح مستقرة ثابتة في فترات نموه اللاحقة, تشير نتائج دراسة كراتي Cratty؛ "١٩٧٠" أن كثيرا من النظريات العلمية وغير العلمية قد قدمت تفسيرات لإلقاء الضوء على هذه الظاهرة، إلا أننا حتى الآن لم نصل إلى تفهم فسيولوجية استخدام يد معينة وتفضيلها على الأخرى أو علاقتها بالمشكلات الحركية الأخرى مثل أمراض الكلام كالتهتهة واللجلجلة وما إلى ذلك.

стр. 200

ثانيا: النمو العقلى الجوانب الكمية للنمو العقلى ... ثانيا: النمو العقلي النمو العقلي للرضيع يشبه ما يوجد عند الأطفال الأكبر والراشدين ويمكن أن يلاحظا تبعًا لمنظورين. أ- أحدها الاختبار العقلي الكمي والذي يتساءل عن مقدار ما يمتلكه طفل معين من قدرة عقلية معينة إذا ما قورن بأطفال آخرين في مثل عمره الزمني؟ ب- والثاني الناحية الكيفية النمائية النفسية والتي تتساءل عن أنواع القدرات والمفاهيم التي يظهرها الرضيع بصورة واضحة، وكيف تتطور أثناء السنتين الأوليين أو بعد ذلك في حياة الطفل, وسوف نتأمل سويًا كل من الجانبين الكمي والكيفي للنمو العقلي. أ- الجوانب الكمية للنمو العقلي: عادة تتضمن اختبارات الذكاء عددًا من الاختبارات الفرعية، وكل منهما مصمم لقياس قدرة معينة، ونجد في كل اختبار فرعي عدد من المواقف تتدرج من حيث صعوبتها، كما أن صعوبة كل موقف يحدد بواسطة استجابة عينة كبيرة من الحالات "المجموعة المعيارية" للموقف. ولنفترض أن موقف اختبار ذكاء الطفل "الرضيع" هو "رفع الرأس"، حيث إن ٩٠% من عينة كبيرة للرضع ذوي الثلاثة أشهر يستطيعون عمل ذلك فإن رفع الرأس بالتالي يكون موقفًا عاديًا لطفل الثلاثة أشهر. ولنفترض أن الانصراف عن الأشياء يمكن أن يؤتي ١٠% فقط من أطفال عينة الأطفال السابقة، فإن هذا الموقف يجب بالتالي أن يكون موقفًا صعبا لهذه الجماعة في هذا السن, وعمومًا فإن معظم اختبارات القدرات بصفة عامة واختبارات الذكاء بصفة خاصة تبنى على طريق اختيار الموقف والتي يمكن أن تؤدي بواسطة ٧٥% من الجماعة المعيارية في كل مستوى متتالي، وبالتالي يوفر سلاسل من المواقف متدرجة الصعوبة. ومعظم اختبارات الذكاء يمكن أن تقدر لنا العمر العقلي Mental age وهو عبارة عن عمر الجماعة المعيارية والتي تكمل بنجاح نفس عدد المواقف كالحالة التي تجري عليها الاختبار والرضيع الذي يؤدي بصواب

стр. 201

مواقف كثيرة كما هو الحال لطفل الواحد للجماعة المعيارية فإن عمره العقلي بالتالي يكون سنة واحدة بغض النظر عن عمره الزمني Chronolgical age ولحساب الذكاء IQ تجرى المعادلة التالية: وهذا المعدل دليل لذكاء الفرد النسبي, ومن الواضح أن الطفل الذي يكون عمره العقلي أكبر من عمره الزمني أكثر ذكاء من المتوسط، بينما الطفل الذي يكون عمره العقلي أقل من عمره الزمني يكون عادة أقل ذكاء من المتوسط. وتوجه لاختبارات الذكاء كثير من الانتقادات بأنها لا تعتبر بمثابة مقاييس مناسبة لقياس ذكاء الأطفال، كما أنها لا تستطيع التنبؤ بكيفية أداء الطفل في اختبارات أخرى, وكذلك كيفية أدائه في عمر زمني لاحق "١٩٧٢" Bayley؛ "١٩٧٠" إلا أنه في حالة استخدام هذه الاختبارات مصحوبة ببيانات أخرى كالمستوى الاجتماعي والاقتصادي للأسرة نجدها ذات قيمة تنبؤية كبيرة، بالإضافة إلى استخدامها بجانب الملاحظة الإكلينكية يمكن أن تشخص بدقة الضعف العقلي والتلف المخي Knobloch& Pasamanick؛ "١٩٦٧". ويمكننا أن نوجز الأسباب التي تكمن وراء القدرة التنبؤية الضعيفة لاختبارات ذكاء الأطفال الصغار فيما يلي. أولا: اختبارات ذكاء الأطفال تختلف جوهريًا عن تلك المستخدمة لتقييم القدرة العقلية للمراهقين الراشدين، فالأولى تقيس بعض الأشياء مثل "الوصول إلى الأشياء، والإمساك بها، والقبض عليها ومتابعة الموضوعات عن طريق الرؤية، وذلك عندما يكون الطفل في أشهره الأولى، كما أن القدرة على التقليد وأن يضع مكعبات وأشكالا في فراغات معينة، وأن يتعرف على الصور في

стр. 202

نهاية عامه الأول, كل هذه الأشياء قد تكون مفقودة وبدرجة كبيرة في اختبارات الذكاء، كما أن اللغة تلعب دورًا أساسيًا في اختبارات الأطفال الأكبر سنًا. حيث يجب عليهم اتباع تعليمات لفظية تعطى بواسطة المختبر. ومن ثم يجب عليهم الاستجابة اللفظية بأنفسهم. فالمهارة اللغوية ترتبط بصورة كبيرة بالقدرة العقلية، ودعوى أن اختبارات ذكاء الأطفال لا تستخدم اللغة، قد يكون أحد الأسباب في كونها ليست وسيلة تنبؤية جيدة لأداء الأطفال في الاختبارات اللاحقة والتي تطلب استخدام اللغة. ثانيًا: وثمة عامل آخر قد يسهم في القدرة التنبؤية الضعيفة لاختبارات الأطفال الصغار "الرضع" يتمركز حول الأطفال أنفسهم. فالاختبار يفترض سلفًا التعاون من جانب الحالة، إلا أن الأطفال عادة ما يحذرون من الغرباء وبالتالي نجد تعاونهم الكامل مع المختبر مشكوك فيه، بالإضافة إلى حالاتهم الانفعالية وتحول انتباههم يجعل من الصعب على المختبر أن يحدد عما إذا كان سبب إخفاقهم في الأداء قد يرجع إلى نقص في قدرتهم وقد يرجع إلى اضطراب خاطف سريع الانقضاء وعلى الرغم من وجود مشكلة مؤداها عما إذا كان أداء الأطفال الصغار على الاختبارات يعكس بدقة وبصورة مضبوطة الكفاية في أداء الاختبارات لأي عمر زمني، فإنه من الصعب بصفة خاصة أن نفسر استجابات الأطفال الصغار على الاختبار. ثالثًا: والعامل الثالث الذي يسهم في القدرة التنبؤية الضعيفة لاختبارات ذكاء الأطفال الصغار، يرتبط باختبارات الذكاء نفسها فالذكاء ليس كمية ثابتة أو قدرة ثابتة حيث يتأثر بصورة مستمرة بواسطة العوامل البيئية. وعلى الرغم من وجود حدود احتمالية وراء عما إذا كانت البيئة لا تستطيع أن تعدل الموهبة الطبيعية للشخص إلا أن هذه الحدود غير معروفة. ومن جانب آخر يشير Scarr Salapatek؛ "١٩٧١" أن الأطفال الذين ينمون في بيئات فقيرة مجدية عقيمة قد لا يتحقق وتظهر بصورة كاملة إمكاناتهم وقدراتهم إلى بيئة عقلية فقيرة مجدبة في مثيراتها العقلية, أو العكس، فإن أداء هذا الطفل على اختبارات الذكاء سوف يعكس هذا التغير سواء إلى الأحسن أو الأسوء.

стр. 203

ب- الجوانب الكيفية للنمو العقلي: تتضمن هذه الجوانب نمو العمليات العقلية وتراكم المضامين أو المحتويات العقلية، فالعمليات العقلية تتضمن ثمة وظائف كالإدراك والتعلم وحل المشكلة والتفكير والنمو اللغوي والمضامين أو المحتويات العقلية ما هي إلا نتاج هذه العمليات وما يصفه المرء بمحتويات أو مضامين تفكير الطفل, وسوف نتأمل سويًا التغيرات التي تحدث في كل من العمليتين العقليتين أثناء السنتين الأوليين من نمو الطفل. الإدراك: يتصل الإدراك بالعمليات التي نقرأ بها والتي تنقل أو تصل بواسطة حواسنا فنمو القدرة الإدراكية تتضمن كل من الازدياد التدريجي لحساسية مستقبلات الطفل "العين، الأذن، وهكذا" للمعلومات التي تمده بها البيئة، وازدياد القدرة على التسجيل وتفسير هذه المعلومات, وعمومًا فالإدراك يكون ذو تأثير وفاعلية في السنتين الأوليين من حياة الوليد البشري. الرؤية: استطاع العلم الحديث التواصل إلى كثير من المعلومات عن نمو حاسة الرؤية أكثر من أي نظام حاسي آخر، فالعين الإنسانية لا تكون كاملة التكوين منذ الميلاد، حيث تحدث تغيرات خلوية "مسامية" Cellular في نقرة أو حفيرة العين Fovea "وهي جزء من شبكية العين والتي تتعامل مع الرؤيا المركزية" وحتى الشهر الرابع يمكن أن تؤثر على حدة رؤية الطفل. ويشير "مان" Mann؛ "١٩٦٤" إلى أن الأطفال الرضع يميلون إلى أن يكون عندهم طول نظر وذلك بسب قصر المسافة بين عدسة العين والشبكية، وينقص ذلك كما تدرج الرضيع في النمو. ويتصف نظام الرؤية لدى الرضيع بعدم الكمال، "حيث نجد العصب البصري لا يكون نخاعيًا Myelinize وبالتالي يمكن أن يؤثر على قدرة الرؤية عند الأطفال الصغار، وعمومًا فإن حدة الرؤية والتي تتضمن القدرة على التمييز بين خطوط ذات أطوال مختلفة, تنمو بصورة سريعة أثناء السنة الأولى من حياة الوليد, وتشير نتائج دراسة فانتز Fantz ورفاقه "١٩٧٤" أن الأطفال يمكنهم تمييز أطوال نصف بوصة "قلم أو خط طوله نصف بوصة" والبوصة ٢.٥٤ سم على مسافة ١٠ بوصات في شهرهم الأول، ويمكنهم تمييز ٦٤/ ١ من البوصة عندما يصلون إلى ستة أشهر.

стр. 204

وجدير بالذكر نجد تطور مشابه في تتبع الرضيع في رؤية الأشياء وملاحقة الحركات التي تحدث أمامه, وعلى الرغم من أن الرضيع يمكنه أن ينظر تجاه موضوع متحرك بكلتا عينيه، إلا أنه لا يستطيع أن يجري حركات هادئة حتى الشهر الثالث أو الرابع من عمره. ويشير Bornstein؛ "١٩٧٥" إلى أنه على الرغم من صعوبة التعرف عما إذا كان الرضيع يمكنه فعلا رؤية الألوان، كما أنه ليس من السهل تحديد أنواع المثيرات التي يستجيب إليها والتي تكون مفضلة عنده, إلا أنه وجد أنواع المثيرات التي يستجيب إليها والتي تكون مفضلة إلى الألوان ذات الأطوال الموجية ويولون الاهتمام بها مثل الألوان الأزرق والأحمر إذا ما قورن اهتمامهم بالألوان الأخرى. ويشير إلى أن التغيرات الكبيرة في الضوء المعاكس عندما يبدأ شكل ما وينتهي شكل آخر يبدو أنه ذا أهمية في الاستحواذ على انتباه الأطفال الصغار. ولقد تأملت دراسات عديدة مدى انتباه الأطفال إلى وجود التي يرونها، على أمل تحديد الوقت الذي يمكن للرضيع فيه الانتباه إليها. وأشارت هذه الدراسات Hoat Other؛ "١٩٧٦" إلى أن الأطفال الرضع عندما يصلون إلى شهرهم الرابع يمكنهم التعرف على الوجوه من حولهم خاصة وجه الأم إلا أنه ما يزال غير واضح مع ذلك عما إذا كان الطفل يجب انتباهه بصورة أولية إلى ملامح معينة كالعيون أو الشعر أو إلى الشكل ككل. وتشير نتائج الدراسات إلى أن الأطفال الرضع كلما تدرجوا في مدارج نموهم كلمات كانت تفضيلاتهم للمثيرات الأكثر تركيبًا، وتشير نتائج دراسات Fantz وزملائه إلى أن الأطفال الصغار يفضلون المثيرات ذات الأشكال والنماذج عن تلك المثيرات التي بلا شكل أو نموذج معين, وتشير نتائج هذه الدراسات كذلك إلى أن الأطفال الرضع في شهرهم الثاني يفضلون أشكال الحيوانات, وعندما يصلون إلى أسبوعهم الثالث عشر يبدو

стр. 205

تفضيلهم للمنحنيات على الخطوط المستقيمة والنماذج متحدة المركز عن النماذج غير المتحدة المركز. وتشير نتائج دراسة Bower؛ "١٩٧٤" أن الأطفال يحصلون على بعض جوانب الاتساق في الشكل والحجم خلال الشهور الأولى من الحياة، إلا أننا نجد C. Shank؛ "١٩٤١" أن تلك القدرة، قدرة الاتساق في الحجم والشكل "وهي عملية آلية تعديلية بواسطة المخ والتي تمكنا من رؤية الموضوعات البعيدة كما لو أنها في نفس الحجم عندما تكون قريبة منا وتحتفظ بنفس الشكل بغض النظر عن وجهتها, يشير شأنك أن هذه القدرة لا تحدث إلا في نهاية السنة الأولى من حياة الوليد البشري، وجدير بالذكر فإن أحد أسباب تلك النتائج المتعارضة ترجع ابتداء إلى كيفية قياس المسافة والحجم واختلافاتهم في تلك الدراسات.

стр. 206

ثالثا: السمع ... الرضع يستجيبون للأصوت في طرق مختلفة، فإنها قد تنشط البعض وقد تهدئ الآخر، وقد تؤلم رضعًا آخرين، وعمومًا فإن المثيرات ذات الكثافة أو الشدة المعتدلة وتكون مستمرة يمكن أن يكون لها تأثيرًا مهدئًا على الرضيع, وينطبق ذلك على المثيرات السمعية والمثيرات المرئية، فعندما يكون الضوء معتدلا في حجرة الولادة يمكن أن يكون له دورًا مهدئًا ملطفًا، كما أن الأصوات المتناغمة الإيقاع يمكن أن تكون كذلك، ففي أحد دراسات براكبل وزملائه وجد أن تسجيل ضربات القلب عن طريق بندول إيقاعي، والغناء بصوت هادئ كانت ذات أثر في تهدئة الطفل المولود إذا ما قورنت بالهدوء. ويمكن للرضيع أن يميز إحدى وحدات الكلام الصغرى عندما يصل إلى الشهر الثالث Moffitt A؛ "١٩٧١" مثل با، جا، بابا، كما أنهم يتلفتون إلى إيقاع أصوات الكبار من حولهم, ففي إحدى الدراسات أشارت النتائج إلى الأطفال الرضع فيما بين اليوم الأول إلى اليوم الرابع عشر قد حركوا أجسامهم لإيقاع كلام الكبار من حولهم وفعلوا ذلك في حضور الأب، أو عندما كانت تجري تسجيلات صوتية هادئة Candon & Sander؛ "١٩٧٤". ويلاحظ كذلك أن الأنغام ذات النغمة النقية وهي التي أعلى من ٤٠٠٠ CPS وأيضًا المتقطعة، والضجيج المفاجئ العالي يميل إلى استثارة ردود فعل مروعة عند الرضع "كما هو الحال عند الراشدين", وجدير بالذكر فإن الانزعاج أو القلق يتلاشى في حالة تقديم الصوت المرتفع بصورة تدريجية.

стр. 207

الحواس الأخرى: مجال معرفتنا وكمية معلوماتنا بالنسبة لحاسة التذوق والشم واللمس قليلة إذا ما قورنت بمعلوماتنا عن حاسة السمع والرؤية بالنسبة للرضيع. وتشير Cratty أنها تعتبر حواسًا أولية بصورة نسبية. بمعنى أنها تنمو بوضوح منذ الولادة وتظهر نضجًا أقل بعد ذلك. وتشير أن الحواس الأخرى تتفاعل مع العمليات الحسية الأولية وأيضًا مع الأفعال الحركية، فكل من حاستي الشم والتذوق مثلا يرتبط بصورة كبيرة مع أحاسيس الرؤية.

стр. 208

وفيما يتعلق بحاسة التذوق فالرضيع يولد ببراعم للتذوق كاملة على اللسان، مرتبطة ارتباطًا كاملا مع المخ. ومنذ الميلاد نجد الرضيع لا يستطيع التمييز بين الحامض والمالح والسكر، إلا أنه بعدما يقرب من شهرين أو ثلاثة نرى تفضيلات الرضيع التذوقية تكون قد نضجت بصورة عالية, ويمكن أن يشير إلينا إن كان اللبن قد تغير في تركيبه، أو كمية الكربوهيدرات المحتوية فيه، بالإضافة إلى أن الرضع في هذه السن يظهرون أحيانا كراهيتهم لمذاقات معينة عن طريق إرجاع الأطعمة من أفواههم. والشم يتطور في صورة مبكرة ويشير Rovee إلى ذلك أن التمييز الشمعي للأطفال الرضع ينمو بسرعة بعد الميلاد، ففي إحدى دراساته وجد أن الرضع يستجيبون استجابة تمييزية لخمسة أنواع كحولية معينة وذلك كما قيس بواسطة نشاطهم الحركي العام، فالجزئيات الأكثر كربونية في الكحول كانت أكثر فعالية واستمرارًا في حركات الرضيع. ويستطرد أنه مع الازدياد في العمر تطرأ تغيرات بسيطة في الحاسة الحاسية نحو الروائح. ويشير كذلك أنه يبدو أن الشم ليس فقط أحد الحواس المبكرة التي تنمو، ولكنها بالإضافة واحدة من الحواس التي تضعف مع تقدم العمر الزمني للوليد الإنساني.

стр. 209

رابعًا: اللغة اللغة تشبه العلم والرياضيات، حيث أن كليهما نتاج جمعي وإنجاز أو مآثرة فردية. فاللغة كنتاج جمعي تتكون من آلاف الكلمات والمعاني والتي نمت وتطورت عبر الزمان بواسطة جماعة اجتماعية معينة, وجدير بالذكر أن الفرد بمفرده لا يستطيع ابتكار لغة كاملة، أو يمكنه تعلم كل الأشياء التي يجب أن يعرفها عن لغة معينة, ومع ذلك فإن أعضاء جماعة معينة يتعلمون لغة تلك الجماعة، وكيفية استخدامها كوسيلة مؤثرة للتكيف الاجتماعي وسنناقش في ثنايا الصفحات التالية كيفية اكتساب الفرد للغة أما اللغة كنتاج اجتماعي فلها مجال آخر. وعلماء علم نفس النمو قد استمروا في اهتماماتهم ودراساتهم في كيفية اكتساب الأطفال اللغة وتركزت هذه الدراسات على وصف كيفية

стр. 210

وسببية الاكتساب اللغوي. وجدير بالذكر فإن هذين الجانبين يرتبطان بصورة كبيرة وذلك يرجع إلى أن الطريقة التي يصف بها الباحث نمو اللغة تعتمد جزئيًا على كيفية تفسيره لها. والحقيقة يمكن اعتبار تاريخ دراسات النمو اللغوي كنتائج أو اتجاهات للمفاهيم التي تملي التفاعل بين عمليتي الوصف والتفسير. ففي المرحلة الأولى لدراسة النمو اللغوي قد افترض أن الأطفال يتعلمون بصورة أساسية عن طريق تقليد ومحاكاة كلام الكبار من حولهم ولذلك ركزت الدراسات الوصفية للغة لمارثي McCarthy؛ "١٩٥٤" على العمر الزمني والتتابع الذي يتعلم به الأطفال أجزاء الكلام وبناء الجملة. فقد وجد على سبيل المثال أنهم يتعلمون الأسماء قبل تعلمهم الضمائر، ويتعلمون الأفعال والصفات قبل تعلمهم الأحوال والظروف، ويتعلمون حروف الجر وحروف العطف في النهاية، ولوحظ كذلك وبطريقة مماثلة أنهم يتمكنون من تكلم الجمل البسيطة قبل الجمل المركبة, وهكذا. والمرحلة الثانية في دراسة لغة الأطفال كانت في أواخر الخمسينيات وذلك بظهور نظرية كومسكي Chomsky في قواعد النحو والصرف المعمم, وأشار أن الجمل عادة ما تصنف بصورة مختلفة كما يلي. هل الطفل أكل التفاحة؟ "استفهامية". أكل الطفل التفاحة. "تقريرية". يا ولد! كل التفاحة. "أمرية" أكل الولد التفاحة بأكملها! "تعجبية" وهذه الجمل متشابهة وبصورة كبيرة مع الجمل والتي عادة ما تصنف بطريقة مماثلة مثل. الطفل عند الحيوان. "تقريرية". جرى الكلب إلى المنزل. "تقريرية".

стр. 211

البنت كانت مريضة. "تقريرية". المنزل كان باردًا. "تقريرية". ويشير كومسكي بأنه على الرغم من أن الجمل الأولى ذات بناءات خارجية أو مظهرية Surface Stuructures مختلفة لأنها تعكس أنماط جمل متباينة فإنها بالإضافة ذات بناء ذي عمق معين حيث نجدها تقدم اختلافات لنفس المعلومات الأساسية، إلا أن الجمل في البناءات الثانية لها بناء مظهري عام إلا أنها ذات عمق بنائي مختلف، والذي أضافه كومسكي يتمركز في ربطه قواعد النحو والصرف "والتي كانت تقليديًا صورة من نظام فارغ" بالمعنى وبدلالة اللفظ، حيث أشار إلى أن البناءات العميقة للغة تتضمن مجموعة من القواعد لتنظيم مقدار محدد من المعلومات في طرق مختلفة لتوصل معاني مختلفة, فبالإضافة إلى ربطه القواعد اللغوية بالمعنى نجده اقترح نظرية جديدة في الاكتساب اللغوي لم تكن ذات جدوى في تعلم الكلمات فقط، ولكنها بالإضافة كانت ذات أثر في تعلم قواعد البناءات اللغوية العميقة لوضع الكلمات سويًا وكذلك لتصنيف واستخراج المعاني. وعمومًا فإن إسهامات كل من كومسكي وهاريس Harris تعتبر مؤشرًا للمرحلة الثانية في دراسات نمو اللغة عند الطفل, وتلي ذلك مجهودات لوصف قواعد الصرف والنحو مؤداها أن الأطفال ينمون لغويا كلما تدرجوا في مدارج نضجهم، ويتضمن ذلك ما يسمى بالنحو المحوري Pivot Grammar حيث يستخدم فيها الطفل كلمة واحدة مع كلمات أخرى متنوعة مثال ماما فوق، ماما أكل ... وهكذا. فالطفل قد يستخدم كلمة واحدة مع عدد من الكلمات الأخرى لكي يدل أو يعبر عن معاني مختلفة وعلاقات نحوية، فالجملة "ماما فوق" تعكس علاقة فعل بفاعل، في حين أن "ماما نقود أو فلوس" تعكس علاقات اقتناء المقتني. ولقد حول الانتباه إلى أعمال "بياجيه" "١٩٧٠" وإلى وجهة نظره التي مؤداها أن اللغة تتضمن مجموعة من القواعد أو المبادئ التوليدية Generative بالإضافة إلى أنها تشتق من أفعال الطفل الخاصة، وكذلك من تصوراته العقلية, وحاولت كثير من الدراسات في هذا الميدان فيما بعد أن تربط النمو اللغوي بالنمو المعرفي, كما يوجد تأكيد في الوقت الحاضر على المضمون اللغوي الكلي لملكة الكلام عند الطفل أو على تعبير الطفل ونطقه على صيغة أو محتوى تعبيره أو كلامه. وعموما، فقد جمعت بيانات كثيرة وضخمة في كيفية تعلم الأطفال الكلام، وسوف نرى سويا مراحل التعبير ونمو اللغة المعبرة Receptive بالإضافة إلى الدراسات المعاصرة التي ربطت النمو اللغوي للأطفال بنمو المفاهيم أو التصورات العقلية.

стр. 212

مراحل التعبير عند الطفل: منذ الميلاد حتى نهاية الشهر الأول ينشغل الرضيع بما يسمى بالصياح غير المميز Undifferentiated وبالتالي فإن المستمعين له لا يمكنهم التمييز بين صياح الجوع أو الألم أو الخوف أو عدم الارتياح. وتشير دراسة simmer؛ "١٩٧٠" أن الرضع حديثي الولادة يبدو أنهم ذوو حساسية لصياحهم، ففي إحدى الدارسات سجل صياح لرضع جدد وأشارت النتائج أن الرضع الجدد يميلون إلى الصياح كلما استمعوا لأصواتهم. وخلال الشهر الثاني من حياة الرضيع ينمى ما يسمى بالصياح المميز، أي كون الصياح أكثر تمييزا إلى الراشدين، فالإيماءة أو الإشارة قد تشير إلى الجوع أو المضايقة والانزعاج، والصياح المميز يبدو أنه يدعم في كمه وكيفه بواسطة كلام الراشدين حول الرضيع وبواسطه أنه التدعيم الاجتماعي بصفة عامة، والفورية أو الحزم Promptness التي يستجيب بها الآباء إلى صياح الرضيع يكون لها أثر ذو دلالة حيث تؤدي إلى التقليل من الصياح وذلك خلال السنة الأولى, وتشير نتائج دراسات Bell أنها لا تقلل فقط من كمية الصياح وطوله، ولكنها كذلك تعزز المهارات الاتصالية عند الرضيع من ٨ إلى ١٢ شهرا من عمره، وعلى ذلك فإن الاستجابة الفورية للرضيع يمكن أن يكون لها تأثيرات مفيدة طويلة المدى على شخصية هذا الرضيع فيما بعد. والمرحلة الثانية هي الثرثرة أو الخرير Babbing، والتي تنمو أثناء الشهر الثاني، ولكنها تمتد حتى الشهر الثامن أو التاسع من عمر الرضيع. ويبدأ في إصدار ما يسمى بالفونيمية Phonome، وهي وحدات الصوت الأساسية للغة، ويبدو أن الثرثرة مرتبطة بالنمو الفسيولوجي كما أنها

стр. 213

فونيمية عامة، وتجعل من الممكن تكوين اللغة، وعن طريق التفاعل مع الراشدين يتخلص الرضيع تدريجيًا من الأصوات غير المرتبطة بلغة المحيطين به، ويوسع أو يظهر تدريجيًا الأصوات التي تكون في لهجتهم، وعلى ذلك فإن مرحلة الثرثرة أو الخرير تمكن الرضيع أن يبدأ في اكتساب لغة مجتمعه الخاص. وأثناء المرحلة الأخيرة من الثرثرة أي في حوالي ٦ أشهر إلى ٨ أشهر، يبدأ الرضيع في عمل أصوابت متكررة مثل بابا، ماما، ويستطيع الرضيع في هذا الوقت من إجراء الحروف اللينة والساكنة، وأثناء هذه المرحلة "الثرثرة" نجد الرضيع لا يصدر الأصوات من أجل الاتصال بالآخرين، ولكن من أجل أن يلعب ويلهو بجهازه الصوتي، وأثناء هذه المرحلة يمكن أن يستهل خرير الرضيع وثرثرته عن طريق حركات فمه أو بواسطة كلام الآخرين المجاورين له، وعموما، فإن هذه المرحلة تعتبر بمثابة تهيئة لمرحلة صدور الأصوات اللغوية الاتصالية. ومنذ الشهر العاشر تقريبًا ينتقل الرضيع إلى المرحلة الأخيرة للفترة ما قبل اللغوية، وهي مرحلة التقليد الصوتي والقدرة على فهم أصوات كلام الراشدين من حوله، وعلى الرغم من أن الرضيع الصغير يمكنه تمييز صوته من أصوات الرضع الآخرين، وذلك كما ذكرنا سابقًا، إلا أن تمييز الأصوات الكلامية تأتي في مرحلة لاحقه وذلك أثناء مرحلة الثرثرة. كما أننا نجد الرضيع عندما يصل إلى شهره العاشر تقريبا يمكنه التمييز والاستجابة بصورة تبيانية لكلمات الراشدين من حوله، كما أن بعض الأطفال الرضع في هذه المرحلة يمكنهم تفهم بعض الكلمات مثل لا، وعلى الرغم من أن هذه الكلمة قد تكون مصحوبة بإشارات أو إيماءات معينة أو تنغيم صوتي معين، ولذلك نجد الرضيع قد يستجيب إلى الموقف ككل وليس إلى الكلمات نفسها، وبنهاية السنة الأولى من عمر الرضيع نجده يمكنه التمييز بين الكلمات وإعادة أو نسخ الكلمات الصوتية اللغوية للآباء والأمهات. الكلام المبكر: وفي نفس الوقت تقريبا نجد الطفل يتكلم بأول كلمات الدالة، مما هو جدير بالذكر، فإنه ليس من السهل دائما تحديد موعد صدور الكلمة الأولى من فم رضيعهم، حيث نجد الآباء دائما ما يكونون شغوفين

стр. 214

لسماع الكلمات الأولى من فم رضيعهم، وبعد الكلمة الأولى فإن نمو المفردات اللغوية يميل إلى أن يكون سريعا للغاية، وعلى الرغم من أنه من الصعوبة قياس مفردات الطفل الصغير اللغوية، إلا أنه توجد بعض من الاختبارات تتضمن كلمات يعرفها الطفل، إلا أنها قد لا تكون مفيدة بصورة كبيرة، وعموما فإن الطفل عندما يصل عمره إلى عامين عادة ما تصل مفرداته اللغوية إلى ٢٥٠ كلمة، كما أن طفل السادسة عادة ما يصل محصوله اللغوي إلى ٢٥٠٠ كلمة. كما أن النمو في حجم المفردات اللغوية عادة ما يقارن بكفاءة الطفل النحوية والاتصالية، وفي الحقيقة يوجد بعض الجدل حول كيفية وصف وتفسير ملكة الطفل اللغوية، وأحد هذه الاتجاهات ما دعى إليه كومسكي Chomsky حيث يشير، بما أن البناءات أو التراكيب اللغوية تكون في صورة أولية، فإن القدرة اللغوية تسبق الفهم المعرفي، ويرى جان بياجيه وآخرون يذهبون إلى منحى آخر إذ يشيرون أن البناءات أو التراكيب اللغوية مكتسبة وتشبه في ذلك الكلمات, وعمومًا، هل اللغة تسبق الفكر؟ أو أن الفكر يسبق اللغة؟ وينظر كثير من السيكولوجيين المعاصرين في الوقت الحاضر إلى النمو اللغوي على أنه محاولة تدريجية، أكثر من كونه شيئًا مركبًا يقدم مخططات معرفية للذات والعالم، ويعارضون وجهة نظر كومسكي في أن قواعد النحو والصرف والتراكيب اللغوية والإعراب فطرية أو مشكلة مسبقًا كما يدعي، ولكنها مبادئ تبنى بواسطة الطفل في مجهوده لكي يتقدم ويوصل خبرته إلى الآخرين, وتشير وجهة النظر في هذه أن الأطفال يتعلمون تراكيب الجملة ومبادئ الصرف والنحو بنفس الطريقة التي يتعلمون بها المفاهيم، فإنهم يخبرون استعمال الراشدين لمعاني الكلمات ويحاولون استعمالها في كلامهم. وكلمات الطفل الأولى تشبه عملة تلفظه الأول، عادة ما تكون غير مميزة، وعادة ما تكون الكلمات الأولى شاملة مختلطة بالمعاني، وكذلك باللغة المستخدمة بواسطة الأشخاص الأكبر من حوله, فطفل العالم الواحد الذي يقول: "ماما", قد يعني: "أريد أن آكل يا ماما", أو "احمليني يا ماما", أو "انظر إلى ماما" ... إلخ ومن الخطأ أن تقول أن الطفل يستخدم في ذلك ما يسمى بالجملة الكلمة حيث إنه لم يصل بعد إلى تفهم ماهية

стр. 215

الجملة، ولكن بالأحرى يمكن أن تقول أنه يستخدم ما يسمى بالكلمة الجملة، كما أن استخدامه المتنوع لنفس الكلمة عادة ما تكون محملة بتنغيمات أو طرق أداء مختلفة وتعبيرات وجيهة وهكذا، والتي قد تكون لا شعورية إلى حد كبير ويتعلم الولدان تفسير كلمات وليدهم الأولى بالتأمل إلى المضمون العام لسلوك رضيعهم، والتكلم عمومًا يعتبر صورة من مجهودات الطفل العامة للاتصال بالآخرين من حوله. وكلما تدرج الرضيع في عامه الثاني فإنه ينتقل إلى ما وراء الاستخدام غير المميز للكلمات المفردة لكي يوحدها في كلمتين أو أكثر، ونطق الجملة ذات الكلمتين تعكس مستوى جديدًا من التمييز اللغوي، حيث نرى فيها تطبيقًا لإدراك الطفل لنظام الجملة وإضافة الكلمات وطريقة الأداء والتنغيم نجدها تحمل المعاني كذلك إلا أن نطق الرضيع للجملة ذات الكلمتان تختلف بصورة جوهرية عن تكوينها عند الراشدين، والاستخدام اللغوي في تلك الفترة يسمى بالكلام التلغرافي أو شديد الإيجاز Telegraphic Speech بمعنى أن الطفل عادة ما يهمل أدوات التعريف أو التنكير، والأفعال المساعدة، وحروف العطف الأخرى, وفيما يلي بعض جمل طفل ٢١ شهرًا من عمره. - ماما كتاب. - أرى ماما. - كتاب ماما. وهذا الكلام شديد الإيجاز يمكن أن يفهم بواسطة الكبار من حول الطفل، بشرط أن يدركوا تلميحات ومشعرات الطفل الأخرى أثناء كلامه, وسنورد هنا تسجيلا فعليًا في كيفية استجابة أم لحديث وليدها شديد الإيجاز. الطفل الأم ماما سندوتش أريد سندوتش يا ماما جلس الأرض أنه جلس على الأرض ماما عصير ماما عملت عصير برتقال
следующие страницы →