Полный текст (737 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
البنت كانت مريضة. "تقريرية".
المنزل كان باردًا. "تقريرية".
ويشير كومسكي بأنه على الرغم من أن الجمل الأولى ذات بناءات خارجية أو مظهرية Surface Stuructures مختلفة لأنها تعكس أنماط جمل متباينة فإنها بالإضافة ذات بناء ذي عمق معين حيث نجدها تقدم اختلافات لنفس المعلومات الأساسية، إلا أن الجمل في البناءات الثانية لها بناء مظهري عام إلا أنها ذات عمق بنائي مختلف، والذي أضافه كومسكي يتمركز في ربطه قواعد النحو والصرف "والتي كانت تقليديًا صورة من نظام فارغ" بالمعنى وبدلالة اللفظ، حيث أشار إلى أن البناءات العميقة للغة تتضمن مجموعة من القواعد لتنظيم مقدار محدد من المعلومات في طرق مختلفة لتوصل معاني مختلفة, فبالإضافة إلى ربطه القواعد اللغوية بالمعنى نجده اقترح نظرية جديدة في الاكتساب اللغوي لم تكن ذات جدوى في تعلم الكلمات فقط، ولكنها بالإضافة كانت ذات أثر في تعلم قواعد البناءات اللغوية العميقة لوضع الكلمات سويًا وكذلك لتصنيف واستخراج المعاني.
وعمومًا فإن إسهامات كل من كومسكي وهاريس Harris تعتبر مؤشرًا للمرحلة الثانية في دراسات نمو اللغة عند الطفل, وتلي ذلك مجهودات لوصف قواعد الصرف والنحو مؤداها أن الأطفال ينمون لغويا كلما تدرجوا في مدارج نضجهم، ويتضمن ذلك ما يسمى بالنحو المحوري Pivot Grammar حيث يستخدم فيها الطفل كلمة واحدة مع كلمات أخرى متنوعة مثال ماما فوق، ماما أكل ... وهكذا. فالطفل قد يستخدم كلمة واحدة مع عدد من الكلمات الأخرى لكي يدل أو يعبر عن معاني مختلفة وعلاقات نحوية، فالجملة "ماما فوق" تعكس علاقة فعل بفاعل، في حين أن "ماما نقود أو فلوس" تعكس علاقات اقتناء المقتني.
ولقد حول الانتباه إلى أعمال "بياجيه" "١٩٧٠" وإلى وجهة نظره التي مؤداها أن اللغة تتضمن مجموعة من القواعد أو المبادئ التوليدية Generative بالإضافة إلى أنها تشتق من أفعال الطفل الخاصة، وكذلك من تصوراته العقلية, وحاولت كثير من الدراسات في هذا الميدان فيما بعد أن تربط النمو اللغوي بالنمو المعرفي, كما يوجد تأكيد في الوقت الحاضر على المضمون اللغوي الكلي لملكة الكلام عند الطفل أو على تعبير الطفل ونطقه على صيغة أو محتوى تعبيره أو كلامه.
وعموما، فقد جمعت بيانات كثيرة وضخمة في كيفية تعلم الأطفال الكلام، وسوف نرى سويا مراحل التعبير ونمو اللغة المعبرة Receptive بالإضافة إلى الدراسات المعاصرة التي ربطت النمو اللغوي للأطفال بنمو المفاهيم أو التصورات العقلية.
стр. 212
مراحل التعبير عند الطفل:
منذ الميلاد حتى نهاية الشهر الأول ينشغل الرضيع بما يسمى بالصياح غير المميز Undifferentiated وبالتالي فإن المستمعين له لا يمكنهم التمييز بين صياح الجوع أو الألم أو الخوف أو عدم الارتياح. وتشير دراسة simmer؛ "١٩٧٠" أن الرضع حديثي الولادة يبدو أنهم ذوو حساسية لصياحهم، ففي إحدى الدارسات سجل صياح لرضع جدد وأشارت النتائج أن الرضع الجدد يميلون إلى الصياح كلما استمعوا لأصواتهم.
وخلال الشهر الثاني من حياة الرضيع ينمى ما يسمى بالصياح المميز، أي كون الصياح أكثر تمييزا إلى الراشدين، فالإيماءة أو الإشارة قد تشير إلى الجوع أو المضايقة والانزعاج، والصياح المميز يبدو أنه يدعم في كمه وكيفه بواسطة كلام الراشدين حول الرضيع وبواسطه أنه التدعيم الاجتماعي بصفة عامة، والفورية أو الحزم Promptness التي يستجيب بها الآباء إلى صياح الرضيع يكون لها أثر ذو دلالة حيث تؤدي إلى التقليل من الصياح وذلك خلال السنة الأولى, وتشير نتائج دراسات Bell أنها لا تقلل فقط من كمية الصياح وطوله، ولكنها كذلك تعزز المهارات الاتصالية عند الرضيع من ٨ إلى ١٢ شهرا من عمره، وعلى ذلك فإن الاستجابة الفورية للرضيع يمكن أن يكون لها تأثيرات مفيدة طويلة المدى على شخصية هذا الرضيع فيما بعد.
والمرحلة الثانية هي الثرثرة أو الخرير Babbing، والتي تنمو أثناء الشهر الثاني، ولكنها تمتد حتى الشهر الثامن أو التاسع من عمر الرضيع. ويبدأ في إصدار ما يسمى بالفونيمية Phonome، وهي وحدات الصوت الأساسية للغة، ويبدو أن الثرثرة مرتبطة بالنمو الفسيولوجي كما أنها
стр. 213
فونيمية عامة، وتجعل من الممكن تكوين اللغة، وعن طريق التفاعل مع الراشدين يتخلص الرضيع تدريجيًا من الأصوات غير المرتبطة بلغة المحيطين به، ويوسع أو يظهر تدريجيًا الأصوات التي تكون في لهجتهم، وعلى ذلك فإن مرحلة الثرثرة أو الخرير تمكن الرضيع أن يبدأ في اكتساب لغة مجتمعه الخاص.
وأثناء المرحلة الأخيرة من الثرثرة أي في حوالي ٦ أشهر إلى ٨ أشهر، يبدأ الرضيع في عمل أصوابت متكررة مثل بابا، ماما، ويستطيع الرضيع في هذا الوقت من إجراء الحروف اللينة والساكنة، وأثناء هذه المرحلة "الثرثرة" نجد الرضيع لا يصدر الأصوات من أجل الاتصال بالآخرين، ولكن من أجل أن يلعب ويلهو بجهازه الصوتي، وأثناء هذه المرحلة يمكن أن يستهل خرير الرضيع وثرثرته عن طريق حركات فمه أو بواسطة كلام الآخرين المجاورين له، وعموما، فإن هذه المرحلة تعتبر بمثابة تهيئة لمرحلة صدور الأصوات اللغوية الاتصالية.
ومنذ الشهر العاشر تقريبًا ينتقل الرضيع إلى المرحلة الأخيرة للفترة ما قبل اللغوية، وهي مرحلة التقليد الصوتي والقدرة على فهم أصوات كلام الراشدين من حوله، وعلى الرغم من أن الرضيع الصغير يمكنه تمييز صوته من أصوات الرضع الآخرين، وذلك كما ذكرنا سابقًا، إلا أن تمييز الأصوات الكلامية تأتي في مرحلة لاحقه وذلك أثناء مرحلة الثرثرة. كما أننا نجد الرضيع عندما يصل إلى شهره العاشر تقريبا يمكنه التمييز والاستجابة بصورة تبيانية لكلمات الراشدين من حوله، كما أن بعض الأطفال الرضع في هذه المرحلة يمكنهم تفهم بعض الكلمات مثل لا، وعلى الرغم من أن هذه الكلمة قد تكون مصحوبة بإشارات أو إيماءات معينة أو تنغيم صوتي معين، ولذلك نجد الرضيع قد يستجيب إلى الموقف ككل وليس إلى الكلمات نفسها، وبنهاية السنة الأولى من عمر الرضيع نجده يمكنه التمييز بين الكلمات وإعادة أو نسخ الكلمات الصوتية اللغوية للآباء والأمهات.
الكلام المبكر:
وفي نفس الوقت تقريبا نجد الطفل يتكلم بأول كلمات الدالة، مما هو جدير بالذكر، فإنه ليس من السهل دائما تحديد موعد صدور الكلمة الأولى من فم رضيعهم، حيث نجد الآباء دائما ما يكونون شغوفين
стр. 214
لسماع الكلمات الأولى من فم رضيعهم، وبعد الكلمة الأولى فإن نمو المفردات اللغوية يميل إلى أن يكون سريعا للغاية، وعلى الرغم من أنه من الصعوبة قياس مفردات الطفل الصغير اللغوية، إلا أنه توجد بعض من الاختبارات تتضمن كلمات يعرفها الطفل، إلا أنها قد لا تكون مفيدة بصورة كبيرة، وعموما فإن الطفل عندما يصل عمره إلى عامين عادة ما تصل مفرداته اللغوية إلى ٢٥٠ كلمة، كما أن طفل السادسة عادة ما يصل محصوله اللغوي إلى ٢٥٠٠ كلمة.
كما أن النمو في حجم المفردات اللغوية عادة ما يقارن بكفاءة الطفل النحوية والاتصالية، وفي الحقيقة يوجد بعض الجدل حول كيفية وصف وتفسير ملكة الطفل اللغوية، وأحد هذه الاتجاهات ما دعى إليه كومسكي Chomsky حيث يشير، بما أن البناءات أو التراكيب اللغوية تكون في صورة أولية، فإن القدرة اللغوية تسبق الفهم المعرفي، ويرى جان بياجيه وآخرون يذهبون إلى منحى آخر إذ يشيرون أن البناءات أو التراكيب اللغوية مكتسبة وتشبه في ذلك الكلمات, وعمومًا، هل اللغة تسبق الفكر؟ أو أن الفكر يسبق اللغة؟
وينظر كثير من السيكولوجيين المعاصرين في الوقت الحاضر إلى النمو اللغوي على أنه محاولة تدريجية، أكثر من كونه شيئًا مركبًا يقدم مخططات معرفية للذات والعالم، ويعارضون وجهة نظر كومسكي في أن قواعد النحو والصرف والتراكيب اللغوية والإعراب فطرية أو مشكلة مسبقًا كما يدعي، ولكنها مبادئ تبنى بواسطة الطفل في مجهوده لكي يتقدم ويوصل خبرته إلى الآخرين, وتشير وجهة النظر في هذه أن الأطفال يتعلمون تراكيب الجملة ومبادئ الصرف والنحو بنفس الطريقة التي يتعلمون بها المفاهيم، فإنهم يخبرون استعمال الراشدين لمعاني الكلمات ويحاولون استعمالها في كلامهم.
وكلمات الطفل الأولى تشبه عملة تلفظه الأول، عادة ما تكون غير مميزة، وعادة ما تكون الكلمات الأولى شاملة مختلطة بالمعاني، وكذلك باللغة المستخدمة بواسطة الأشخاص الأكبر من حوله, فطفل العالم الواحد الذي يقول: "ماما", قد يعني: "أريد أن آكل يا ماما", أو "احمليني يا ماما", أو "انظر إلى ماما" ... إلخ ومن الخطأ أن تقول أن الطفل يستخدم في ذلك ما يسمى بالجملة الكلمة حيث إنه لم يصل بعد إلى تفهم ماهية
стр. 215
الجملة، ولكن بالأحرى يمكن أن تقول أنه يستخدم ما يسمى بالكلمة الجملة، كما أن استخدامه المتنوع لنفس الكلمة عادة ما تكون محملة بتنغيمات أو طرق أداء مختلفة وتعبيرات وجيهة وهكذا، والتي قد تكون لا شعورية إلى حد كبير ويتعلم الولدان تفسير كلمات وليدهم الأولى بالتأمل إلى المضمون العام لسلوك رضيعهم، والتكلم عمومًا يعتبر صورة من مجهودات الطفل العامة للاتصال بالآخرين من حوله.
وكلما تدرج الرضيع في عامه الثاني فإنه ينتقل إلى ما وراء الاستخدام غير المميز للكلمات المفردة لكي يوحدها في كلمتين أو أكثر، ونطق الجملة ذات الكلمتين تعكس مستوى جديدًا من التمييز اللغوي، حيث نرى فيها تطبيقًا لإدراك الطفل لنظام الجملة وإضافة الكلمات وطريقة الأداء والتنغيم نجدها تحمل المعاني كذلك إلا أن نطق الرضيع للجملة ذات الكلمتان تختلف بصورة جوهرية عن تكوينها عند الراشدين، والاستخدام اللغوي في تلك الفترة يسمى بالكلام التلغرافي أو شديد الإيجاز Telegraphic Speech بمعنى أن الطفل عادة ما يهمل أدوات التعريف أو التنكير، والأفعال المساعدة، وحروف العطف الأخرى, وفيما يلي بعض جمل طفل ٢١ شهرًا من عمره.
- ماما كتاب.
- أرى ماما.
- كتاب ماما.
وهذا الكلام شديد الإيجاز يمكن أن يفهم بواسطة الكبار من حول الطفل، بشرط أن يدركوا تلميحات ومشعرات الطفل الأخرى أثناء كلامه, وسنورد هنا تسجيلا فعليًا في كيفية استجابة أم لحديث وليدها شديد الإيجاز.
الطفل الأم
ماما سندوتش أريد سندوتش يا ماما
جلس الأرض أنه جلس على الأرض
ماما عصير ماما عملت عصير برتقال
стр. 216
والحقيقة فإننا نرى الطفل الصغير يحاول أن يستخدم اللغة لكي يتعامل مع الأفكار أو يوصلها، وهذه تعكس مظهرًا أو جانبًا آخر من اللغة المبكرة للطفل، وتسمى بالتكرارية Repetition, وهناك أنواع عديدة من الأحداث يمكن أن تسهم في النمو اللغوي المبكر نوجزها فيما يلي:
- النضج ونمو جهاز الكلام والذي يمكن الأطفال من إنتاج الأصوات الأكثر ضبطا ودقة.
- النمو المعرفي للطفل والذي عن طريقه يستطيع أن يكون جوانب تصوره لذاته وللعالم.
- التعرف على أن كلمات الطفل يمكن أن ترمز إلى جوانب من خبراته ومفاهيمه.
- التصور المطرد للغة نفسها ومجهود الطفل المستمر لربط المفاهيم اللغوية بتلك التي تشتق من العالم المحيط به وكذلك من نفسه ولقد سمى Elkind؛ "١٩٧٦" هذا المجهود بالتعلم الفطري أو المتضمن Connative Learning، وعموما فإن الطفل يبدأ في تفهم اللغة في نفس الوقت الذي يكشف فيه ذاته والعالم المحيط به, ويحاول أن يربط اللغة والفكر معا، وفي نفس الوقت يطور ويوسع ويتقن استخدام كل منهما بصورة منفصلة.
وقبل أن نختم هذا الجزء، يجب أن نشير إلى ما يسمى باللغة التقبلية أو الحسية Receptive Language، فهي تسبق الكلام كما أن الطفل يفهم اللغة قبل أن يتمكن من التكلم بها، وللأسف لأن هذا المجال يعتبر مجالا بكرًا ولم تجرِ فيه دراسات يعتد بها كما يشير Elkind إلى ذلك ويجب أن تتوفر لدينا معلومات أكثر لما يسمى باللغة الحسية أو التقبلية لتكمل التفهم للنمو السريع للمحصول اللغوي عن الأطفال.
стр. 217
خامسا: العمليات المعرفية
على الرغم من أن اللغة في جوهرها عملية معرفية، ويمكن أن تدرج تحت هذا العنوان، إلا أنني أردت التعامل معها بالصورة التقليدية، ولذلك فضلت مناقشتها منفصلة، وعمومًا سوف نناقش في هذا المجال، الانتباه، والتعلم، وحل المشكلة، والتفكير الاستدلالي Reasoning, وجميع هذه العمليات يمكن ملاحظتها لدى الأطفال الصغار يستخدمونها كبشائر أو مواد تشكل منها فيما بعد الأشكال المعرفية الأكثر تقدما.
التوجيه والانتباه والتعود:
تعتبر هذه الأنماط السلوكية في طرق معينة جوانب معرفية منظمة للإدراك وبصورة عامة فإن التوجيه Orientation يعني التحرك في اتجاه حدوث مثير فجائي، فالاستجابة المروعة لصوت فجائي غير متوقع يعتبر توجيهًا غير مميز، وعندما يكون المثير عاديًا نجد الطفل ما يلتفت أو يحول انتباهه إلى اتجاه هذا المثير كأن ينظر إلى مصدر الصوت أو يلتفت إلى المنظر الجديد, ويسمى هذا بالتوجيه الانعكاسي Orientiong Reflex أو الاستجابة الانعكاسية، فإذا أراد الطفل الصغير نفسه لكي ينظر إلى أمه نتيجة سمعه صوتها فإن ذلك يعتبر استجابة انعكاسية.
والانتباه هو تركيز انتقائي لجانب معين من مجال المثير، فعالم الطفل ليس أقل من عالم الكبار مملوء بجميع أنواع الاستثارة، ففي دار الحضانة مثلا، عادة ما تكون جدرانها مملوءة بالصور وسريره مليء بدمى أو أشياء متحركة عليه، كما توجد الأصوات المعتادة لأهل المنزل، وسيلان المياه في الحمام، وفتح الأبواب وغلقها ورنين التليفون، بالإضافة إلى الأصوات الإنسانية التي يستمع إليها، فالعمليات الانتباهية تسمح للطفل بأن يركز انتباهه انتقائيا على جانب واحد دون آخر من مجال المثير، وبالتالي يستخلص المعلومات والبيانات من هذا الجانب.
والتعويد Habituation يشكل تكملة للاستجابة أو التوجيه الانعكاسي، فعندما يكون المثير جديدا، عادة ما يستجيب الطفل إليه استجابة انعكاسية، ولكن إذا كان المثير متكررا فإن الاستجابة الانعكاسية سوف تضعف وتقل، فمثلا إذا وضع فرد ما شيئًا متحركًا على سرير الطفل، فإن الطفل حينئذ سيولي ذلك انتباهًا عاليًا، ولكن بعد عدة أيام
стр. 218
نجد الطفل ينظر إلى هذا الشيء بين الفينة والأخرى, أو نادرًا ما ينظر إليها، وتسمى هذه العملية بالتعويد، ونستطيع أن نلاحظ أطفال ما قبل المدرسة أو الحضانة فالدمية الجديدة عادة ما تشغل بالهم كثيرًا، بحيث يبدو أنهم ليس لديهم وقتًا ليأكلوا أو يفعلوا أي شيء آخر, ولكن بعد مرور عدة أيام، فإن الدمية تلك قد ترقد مهملة على الأرض وهذه نتيجة عملية التعويد.
وعمومًا فالتوجيه والانتباه والتعود عمليات مهمة كمصاحبات لعملية النمو والتعلم، وفي ذلك يشير بوميرلو Pomerleau وآخرون "١٩٧٣" أنه في مجال مثيرات الرؤيا المتكررة يصبح التعود أكثر سرعة كلما نمى الطفل، خاصة بعد ثلاثة أشهر الأولى من حياته، ويستطرد بوميرلو أن هذه العمليات الثلاثة ليست مجرد عمليات انعكاسية بسيطة ولكنها تعزى لمستوى نشاط استخدمت لكي تحدد تأثير سوء التغذية على الرضع، ويشير ميلر Miller؛ "١٩٧٢" إلى ذلك بأن هذه العمليات الثلاثة قد استخدمت لكي تحدد تأثير سوء التغذية على الرضيع، فالرضع الذين كانوا تحت تأثير تغذية قصيرة كان من الصعب استثارة تلك العمليات لديهم، حيث إنها تتطلب مثيرات أكبر لكي تثير عمليات التوجيه والانتباه والتعود, وذلك إذا ما قورنوا بالرضع الذين كانت لديهم تغذية جيدة.
التعلم:
يمكن تعريف التعلم بمفهومه العام بأنه عبارة عن حدوث تعديلات أو تغيرات في الأنماط السلوكية أو الفكرية والتي يمكن ألا تعزى إلى الخبرة أو النمو والنضج ... ومن ناحية أخرى فإن التعلم ليس مستقلا بصورة كلية عن النضج والنمو حيث إنهما يجعلان من الممكن تعلم نماذج جديدة في مستويات عمرية متقدمة, والتعلم يميل إلى أن يحدث خلال فترات قصيرة من الوقت بصورة نسبية, في حين أن النمو والنضج تميل إلى أن تحدث خلال فترات طويلة إلى حد ما, وعمومًا فأنواع التعلم والتي يمكن أن يشرع فيها الطفل تعتمد على كل من النمو والنضج, إلا أنه في أي حالة أو نمط تعلم معين فالنتيجة غالبًا ما تكون مجتمعة كوظيفة للخبرة.
وربما يكون الشكل البسيط من التعلم هو الإشراط الكلاسيكي Classical Conditioning ويشير ليبست Lipestt أن الأطفال الرضع يمكن أن
стр. 219
يتعلموا بالإشراط الكلاسيكي أثناء أشهر حياتهم الأولى، ففي إحدى دراساته على أطفال رضع لا يتجاوز أعمارهم أياما معدودات استطاعوا التعلم بالإشراط وذلك بإعطاء استجابة المص لنغمة موسيقية معينة "١٩٦٤". ويعتقد بعض علماء النفس بوجود توال محتوم في النماذج الحسية التي تكون موضوعات للإشراط الكلاسيكي, ويشير كاساتكن Kasatkin؛ "١٩٧٢" أحد الباحثين الروس أن الحاسة الأولى التي يمكن أن تكون موضوعًا للإشراط الكلاسيكي هي حاسة السمع والنظام الدهليزي الذي يرتبط بحركة جسم الرضيع، ويأتي بعد ذلك اللمس ثم الشم والتذوق والرؤيا على التوالي, وتشير بعض الدراسات الأمريكية التي قام بها كوخ Coch؛ "١٩٦٨" أنه على الرغم من وجود توالي في الأنماط الحسية والتي يمكن أن يكون سلوك الطفل فيها إشراطيًا، إلا أن نظام الاستجابة قد يحدد بصورة كبيرة عن طريق الاستجابة غير الشرطية، كما هو عن طريق نموذج معين, وعمومًا فإننا يجب أن نشير في هذا المقام أن وجود نظام "سواء بمثيرات شرطية أو استجابات شرطية" يوضح العلاقة بين النمو والتعلم, فالنمو يحدد بناءات وأنواع التعلم, في حين أن التعلم يحدد المحتويات ومضامين الاستجابة المكتسبة.
ويستطرد كوخ Coch؛ "١٩٦٨" أن دراسات الإشراط عند الأطفال تشير أن هذا التعلم يصبح أسهل كلما تقدم الطفل في عمره الزمني، ففي إحدى دراساته حيث كان المثير الشرطي دمية تعمل ضجة وأصواتًا، وكان المثير غير الشرطي وجه الأم وصوتها, وتشير النتائج أن الرضع الأكبر "٥ شهور" قد أظهروا استجابات صحيحة "التفات الرأس" في وقت أقصر مما فعله الرضع الذين كانوا أصغر سنًا "شهران" وهذا التحسن مع تقدم العمر الزمني قد يعزى إلى الخبرة المتراكمة, بالإضافة إلى النمو الأكثر ونضج الجهاز العصبي.
وشكل رئيسي آخر من التعلم هو التعلم الإجرائي Oprant Learning فكثير من سلوك الرضع عادة ما يكون عفويًا تلقائيًا بسبب عدم قدرتنا على التعرف على أي من المثيرات الشرطية قد كانت سببًا له، فبعض سلوك الرضع يمكن أن يسمى بالسلوك الوسيلي Lnsrtulmental بمعنى أنه يخدم بعض الأغراض أو الأهداف. فالرضيع يصيح لكي يجذب انتباه أبويه، أو للنظر إلى الأحداث المشوقة في البيئة وهكذا, وبمجرد أن تحدث الاستجابة الوسيلية فإنها تتكرر فقط إذا حصلت على تدعيم، فإذا تعلم
стр. 220
الطفل أن أمه سوف تحضر عندما يصيح، نجده يصدر الصيحات عندما يريد جذب الانتباه إليه, وبصورة مماثلة فإن الرضيع سوف يستمر في النظر إلى الأشياء غير المألوفة ما دامت تمده أو توفر له استكشاف مثيرات جديدة, ومما هو جدير بالذكر فإن التعلم الإجرائي صورة من التعلم يستخدم بواسطة الأفراد في كل الأعمار الزمنية.
ويشير "سامروف" Sameroff؛ "١٩٧١" أنه عندما نريد أن ننظم التعلم الإجرائي يمكن أن نستخدم وسيلة الإشراط الإجرائي Operant Conditioning أو بصورة أعم عملية تعديل السلوك فعن طريق اختيار المجرب السلوك الذي يؤديه الرضيع بعفوية أو تلقيائية، ويحاول أن يعدله أو يشكله وذلك بواسطة التدعيم الانتقائي، فمثلا يمكن أن يجعل الرضيع يغير سلوك المص لديه عن طرق تدعيم الاستجابة بإعطاء اللبن بين الفينة والفينة, أو بمحلول سكر العنب، كما أن نتائج دراسات أخرى تشير إلى أنه عندما يربت الكبار على طفل الرابعة أشهر، يكون أسرع في نطق الألفاظ، كما أن كثيرًا من الأطفال الصغار ذوي العام الواحد قد عدلوا من أنماط سلوكهم عند عرض ضوء مشوق مرئي لهم.
ويشير "براكبلي" Brackbilly؛ "١٩٥٨" أننا يمكن أن نستخدم الإشراط الإجرائي في تقليل مدى تكرار السلوك غير المرغوب فيه وذلك بعدم تقديم التدعيم الذي عادة ما يتبع الاستجابة, ففي إحدى دراساته عندما كانت ابتسامة الرضيع لا تدعم بواسطة الابتسامة العادية للكبار من حوله أو الانتهاج لهم، وجد أن الأطفال الرضع كانت معدلات ابتساماتهم أقل، وتسمى هذه الظاهرة بالانطفاء Extinction وعمومًا فإن دراسات عديدة أشارت إلى أن التعلم الإجزائي نمط شائع بين الرضع وبين الأطفال الصغار، وبالتالي يجب أن يستخدم على نحو ملائم ومناسب بواسطة الوالدين.
стр. 221
حل المشكلة:
صورة من التعلم والذي يكون على المرء فيه أن يتغلب على بعض العقبات أو العوائق لكي يصل إلى هدف مرغوب فيه، ويستخدم الأفراد عادة للوصول إلى هذه الغاية تخطيطات أو تدابير مختلفة، وتكون أحيانا بسيطة كالمحاولة والخطأ Trial & Error ويستخدم هذا النمط في حالة محاولتنا إصلاح آلة أو جهاز ما لا نفهم أجزاءه أو تركيباته، فالولع لإصلاح راديو معطل أو ساعة, ما هو في الحقيقة إلا أسلوب للمحاولة أو الخطأ، وتحل المشكلة أحيانا بواسطة الاستبصار Lnsight وقد يكون الحل تصنيفيًا أو ترتيبيًا حيث يتضمن تكوينات مفترضة وكذلك اختبار للافتراضات.
وكما نتوقع، فإن حل المشكلة بين الأطفال الصغار عادة ما تكون في صورة أولية غير متطورة، ولكن من الممكن أن نلاحظ أشكالا مبكرة من التعلم بالمحاولة والخطأ، وكذلك بالاستبصار واختبار الفروض، ففي إحدى دراسات بابوسيك Papousek؛ "١٩٦٧" صمم جهاز يوجب على الرضيع أن يتعلم تحريك رأسه إلى اليمين أو إلى اليسار لكي يحصل على اللبن، ويشير رنين الجر أن اللبن سوف يأتيه من على اليسار، ويومئ الطنين أن اللبن سيأتيه من اليمين, وعندما تعلم الرضيع أن يدير رأسه صحيحًا إلى الجرس عكس هذا الإشراط.
ولقد أنتجت المعكوسية Reversal في التجربة السابقة مشكلة للرضيع يجب عليه حلها، ولاحظ المجرب أن الرضع قد حولوا رءوسهم في اتجاهات يمكن إيجازها فيما يلي:
١- يتوقع أن يأتي اللبن من الجانب الذي قدم منه في المحاولة السابقة.
٢- كان يتوقع تقديم اللبن من الجانب الذي كان يقدم منه بصورة مألوفة في المحاولتين السابقتين الأخيرتين.
٣- كان يتوقع تقديم اللبن بصورة متعاقبة "من اليسار ثم من اليمين والعكس بالعكس".
٤- كان الحل في أن يدبر دائمًا إلى جانب معين وأن تصحح الاستجابة إذا لم يقدم اللبن بصورة فورية من هذا الجانب.
ويشير بابوسيك أن جميع الأطفال الرضع لم يستخدموا خططًا أو تدابيرًا Strategies نظامية ترتيبية، حيث إن البعض قد استخدم العشوائية
стр. 222
وكذلك المحاولة والخطأ العشوائي، وبالتالي كان اختلاف الرضع في حل المشكلة واضحًا ظاهرًا في هذا العمر المبكر، ومنذ ثلاثة أشهر الأولى وصاعدًا أظهر بعض الرضع منحى ترتيبيًا منظمًا لحل المشكل في هذا الموقف التعليمي البسيط.
ويستطرد بابوسيك أنه في مهام أكثر تركيبًا وتعقيدًا، لم يظهر أسلوب حل المشكلة بصورة نظامية ترتيبية إلا في عمر متأخر, وهذا يعكس مرة أخرى التفاعل بين النمو والتعلم, ففي إحدى الدراسات أعطي لأطفال يتراوح أعمارهم ما بين ١٢-٢٤ شهرًا مهمة الحصول على دمية محببة إليهم ولم تكن في متناول أيديهم، ولكي يحصلوا عليها يجب عليهم تحريك رافعة معينة وعند دورانها حينئذ يحصلون على هذه الدمية, أشارت النتائج أن الأطفال الأكبر سنا أمكنهم الحصول على الدمية عن طريق تشغيل الرافعة بمعدل أكبر من الأطفال الأصغر سنًا.
стр. 223
سادسًا: التفكير
يعتبر التفكير في جانب من جوانبه تعلمًا حيث يسمح لنا من استخلاص المعلومات والبيانات الجديدة من أخرى متواجدة حاضرة وذلك بتطبيق واستخدام قواعد ومبادئ معينة, فمثلا إذا عرفنا أن كل الحلوى حلوة المذاق، وأن هذه الكرة المستديرة قطعة من الحلوى يمكن أن نستنتج حينئذ أنها حلوة المذاق دون أن نتذوقها، وهذا التفكير الذي ينتقل من العام إلى الخاص يسمى بالتفكير الاستدلالي Deductive Reasoning, وفي حالة تذوقنا عددًا من قطع الحلوى نستخدم ما يسمى بالتفكير الاستقرائي Lnductive حيث انتقلنا من الخاص إلى العام.
والتفهم الذي لدينا اليوم عن نمو التفكير لدى الرضع والأطفال يرجع في جزء كبير منه إلى الأعمال البارزة الهامة للسيكولوجي السويسري الشهير جان بياجه Jean piaget فلقد أصبحت دراساته على أولاده الثلاثة في سنتيهم الأوليين، أصبحت من الدراسات الكلاسيكية فيما كتب في علم النفس الطفل وكانت كذلك من العوامل الرئيسية في إجراء العدد الهائل من الدراسات النفسية على الرضع منذ عام ١٩٦٠، ووجهة
стр. 224
نظر بياجيه في الذكاء الإنساني، خاصة التفكير يشير إلى أنه يبدأ عند الرضع مبكرًا فيما يسمى بالمرحلة الحسية الحركية Sensorimotor، ويستطرد بياجيه بأنها تكون كافية وتساعد على ربط الرضيع في تعامله مع العالم المحيط به.
ويسمى "بياجيه" العامين الأولين من حياة الرضيع بالفترة الحسية الحركية مشيرًا إلى وجود ثمة تغيرات في تلك الفترة تبدأ من الحركة وصاعدا أظهر بعض الرضع منحى ترتيبيًا منظمًا لحل المشكلة في هذا الموقف الانعكاسي إلى التفكير الواقعي, ويستطرد "بياجيه" أن الرضيع يستطيع التفكير إن تمكنا نحن من توفير الخبرات العقلية له، وهي الأفعال البسيطة التي تندرج على مقياس صغير بسيط قبل أن يؤديها بالفعل, ولقد استطاع "بياجيه" التعرف على مراحل معينة تميز نمو تفكير الأطفال الرضع.
فأثناء المرحلة الأولى والتي تبدأ منذ الميلاد حتى نهاية الشهرين الأولين، نرى الرضيع خلالها يغير ويعدل أفعالا انعكاسية معينة، وكما أشرنا سابقًا أن الوليد يمتلك من النماذج الانعكاسية، والتي يمكن أن تظهر بواسطة بعض من المثيرات المناسبة، وهذا التعديل والتغيرات يتضمن فيما نراه في تكييف الرضيع لفمه لشكل وحجم حلمة ثدي الأم أو الرضاعة ويطلق "بياجيه" على هذه العمليت التكيفية ما يسمى بالمواءمة Accomodation.
وبمرور الوقت والتدريب نرى الرضيع يتعلم التمييز بين أشياء مختلفة تكون قابلة للامتصاص أو الرضاعة، حيث نجده يمتص بقوة وبنشاط حلمة الثدي أو الرضاعة حيث تدر له اللبن، إلا أنه يرفض أصبع الراشد الذي لا يوفر له ذلك, وهذا الرفض أو القبول لمثيرات البيئة تبعًا لحاجات الرضيع الخاصة يسميه "بياجيه" بعملية التمثل assimilation, ويشير إلى أن كلا من عملية المواءمة والتمثل ما هي إلا صيغ يتفاعل بواسطتها الرضيع مع الواقع ويتكيف له بمستويات مختلفة من النمو.
ويتعلم الرضيع أثناء الفترة الأولى من المرحلة الحسية الحركية في استعمال انعكاساته لأغراض جديدة، فالرضاعة مثلا يمكن أن تستخدم للتعرف على الموضوعات التي يمكن أن تمتص والأخرى التي لا يمكن
стр. 225
امتصاصها بالإضافة إلى تصنيف تلك الموضوعات, كما أن الرضيع يميز كذلك بين الموضوعات التي يمكن أن تمتص في أوقات مختلفة، وبين امتصاص المواد الغذائية وغير الغذائية، فالرضيع المشبع الذي يرفض حلمة ثدي أمه، قد يتقبل مع ذلك امتصاص أصبعه أو السكاتة "وهي حلمة يلهو بها الطفل".
ومنذ الشهر الثاني إلى الشهر الرابع يبدأ الرضيع في توحيد أفعاله الانعكاسية المتبدلة في طرق مختلفة متنوعة، ويطلق عليها "بياجيه" بالمخططات Schmes وتعزى الاتحادات الأولى إلى ما يسميه "بياجيه" بردود الفعل الدائرية Serculotor Reactons فعند حدوث تتابع لمخططات معينة بطريقة الصدفة، قد يضع الرضيع إبهامه داخل فمه ويرضعه، ويجد ذلك ممتعًا أو سارًا إليه، فإن سقط إبهامه خارج فمه، سوف يحاول أن يضعه في فمه مرة أخرى, وتناسق مخططات الرضاعة بمخطط حركة الإبهام بشكل نظام عال لمخطط امتصاص داخل الفم يؤدي إلى الامتصاص والرضاعة والذي يؤدي إلى وضع الإبهام داخل الفم حيث يؤدي إلى الامتصاص "الرضاعة", وهكذا.
وعلى الرغم من أن رد الفعل الدائري يعتبر خطوة أعلى من الفعل المنعكس، إلا أن له دلالة معرفية قليلة، إذ تعتبر بطريقة ما اتساع اتفاقي بصورة عالية والذي يؤدي إلى حدوث المتعة أو الراحة, فالرضيع لا يكون مهتمًا بإبهامه سوى لأنه موضوع للامتصاص. ويشير "بياجيه" بأن الرضيع أجرى نوعًا من التمثل الوظيفي للموضوع إلى الذت, وأما التمثل المعرفي فهو التعرف على الموضوع بسبب صفاته المميزة والتي ستأتي فيما بعد.
ومن الشهر الرابع حتى الشهر الثامن يدخل الرضيع في المرحلة الثالثة من الفترة الحسية الحركية ويبدي الرضيع ما يسميه "بياجيه" بردود الفعل الدائرية الثانوية Tertiary Circular Reactions وهذا يعني أن ردود الفعل الدائرية الأولية تتضمن فقط مخططات جسمية، قد اتسعت لتتضمن أحداثا وموضوعات خارجية.
стр. 226
ويشير "بياجيه" إلى ذلك بقوله، عندما كان ابنه يرفس برجليه وضرب الدمية بطريق الصدفة التي كانت معلقة على سريره، ويستطرد بأن ولده قد حصل على نفس القدر من المتعة بمشاهدة الدمية تتحرك وهذا معادل للمتعة التي يحصل عليها عند امتصاصه لإبهامه, وهكذا فإنه يرفس بقدميه مرة أخرى لكي تتحرك الدمية مرة أخرى.
وهنا نجد أن فعل الرفس قد نشطت، والتي نشطت بدورها النظر إلى المخطط، وهذا بالتالي أدى إلى تعزيز الرفس وهكذا, وكان "بياجيه" مهتمًا في ملاحظاته للتأكد أن رفسات ولده ليست مجرد إثارة أو اهتياج عشوائي بسيط عندما ينظر إلى الدمية، ولكنها استجابة انتقائية موجهة, ويمكن للفرد أن يلاحظ أثناء هذه المرحلة بدايات الأفعال المقصودة المتعمدة.
وإحضار الموضوعات أو جذبها داخل نطاق حركة الرضيع عن طرق ردود الفعل الدائرية الثانوية، تؤدي إلى مواءمة نفسه إلى تلك الموضوعات وصفاتها المميزة، بالإضافة إلى أنه يكون على دراية بالاختلاف بين الذت والموضوعات, وجدير بالذكر فإن ردود، الفعل الثانوية تلك ما تزال محدودة حيث إنها لا تعكس مفاهيم الواقع، وبالتالي فإذا اكتشف الرضيع استبصارًا مشوقًا يكون ذلك مصادفة وفوق ذلك فإنه لا يستطيع أن يبتكر أحداثًا مشوقة.
وأثناء الشهور الأخيرة من السنة الأولى وهي المرحلة الرابعة عند "بياجيه" يبدأ الأطفال في تنسيق مخططاتهم المكتسبة السابقة لكي يحصلون على أهدافهم الخاصة، ويعني ذلك أن مقاصدهم في هذه المرحلة تبدأ في أن يكون لها السبق على أفعالهم، ولا تكون تابعة لها كما في الشهور السابقة، ففي هذا السن يبدأ الطفل في أن يزيل العوائق والصعاب حتى يحصل الموضوعات التي يرغب فيها، فمثلا نجد الرضيع يتحرك لكي يحصل على الساعة الموضوعة تحت الوسادة، فالرضيع في فعله هذا نجده يجري تنسيقا بين مجال ما شاهده وبين جذبه للوسادة وكذلك بين مخطط القبض والإمساك بما يريد أن يحصل عليه.
وجدير بالذكر فإن تناسق المخططات تجعل من الممكن أداء أنماط ومستويات سلوكية جديدة، وقد تكون المحاكاة أهم هذه الأنماط، فأثناء
стр. 227
الشهور الأخيرة من السنة الأولى يبدأ الطفل في محاكاة الأفعال التي يؤديها الكبار، والواقع أن الطفل عندما يحرك الوسادة التي وضعت بواسطة الكبار داخل الأسرة، يعتبر هذا السلوك نوعًا من المحاكاة العكسية ومن وجهة نظر بياجيه أن المحاكاة تومئ إلى مستوى جديدًا من النشاط العقلي، ويسبق وجود أي نوع من النشاطات الأخرى بما فيها اللغة.
وفي بداية السنة الثانية، يظهر الطفل ما يسميه بياجيه بردود الفعل ذات الصورة الثالثة Tertiary Circular Reactions وهي تميز المرحلة الخامسة في الفترة الحسية الحركية, ويبدأ الأطفال في تلك المرحلة توجيه مقاصدهم وبحثهم عن الأشياء كما يبتكرون أشياء جديدة غير مألوفة, فقط مجرد التكرار بعد اكتشافها عن طريق الصدفة كما كانوا فيما سبق، فالطفل في ذلك الوقت يسير بصورة نشطة الموضوعات لكي يكتشف خصائصها وسماتها, وبهذه الطريقة يبدأ الطفل في أن يرى نفسه كوسيلة مسببة كما أنه يتمسك بمفاهيم معينة للسبب والنتيجة.
ورد الفعل الدائري ذو الصورة الثالثة نشاهده عند ملاحظة الطفل بعض الأشياء خارج سريره، ويتضمن رد الفعل التمسك أو التعلق بالأشياء أو تحريره لمخططات الرؤية والمشي، وكذلك للمخطط السمعي لسماعه صوت الشيء يرتطم بالأرض, وبعد أن يكون هذا الشيء قد استرد "وغالبًا ما يكون بواسطة الآباء" نجد الطفل يكرر هذه العملية حيث يسقط أشياء أخرى "لكي يرى ما الذي سيحدث لها" أو أن يسقط نفس الشيء من ارتفاع مختلف وبقوة مختلفة حتى يرى كيفية تأثير هذا التنوع على الشيء.
وعمومًا فإن ردود الفعل ذات الصورة الثالثة تمكن الأطفال من تعلم أن التغير في سلوكهم يمكن أن ينتج تغيرًا مساويًا مع التغير في الأحداث الخارجية، كما يبدءون تفهم أن بإمكانهم التعامل والتحكم في بعض عناصر بيئاتهم بواسطة أفعالهم الخاصة، ويتعلمون كذلك أن سلوكهم يمكن أن يضبط بواسطة الآخرين "وقد يرجع ذلك لكونهم يسيرون بخطى قصيرة قلقة ويقعون في ضرر أو أذى", كما يتعلمون بالإضافة أن بعض الأشياء غير المألوفة التي يؤدونها لا تسبب رضا الوالدين.
وأثناء منتصف السنة الثانية يظهر الأطفال ما يسميه بياجيه ببدايات
стр. 228
التفكير مميزة للمرحلة السادسة والأخيرة من الفترة الحسية الحركية, وفي هذا الوقت يؤدي الأطفال ما يسميه بياجيه بالاختيارات العقلية بمعنى أنهم يجربون أفعالا معينة، في رءوسهم قبل أن يجرونها في الواقع فإذا أراد الطفل في تلك المرحلة أن يحل مشكلة ما إلا أنه لا يستطيع ذلك عن طريق المحاولة والخطأ، فإنه قد يستعمل مخططًا آخر قد تعلمه في أنشطة مختلفة.
والأطفال في ذلك يفعلون ما كان يفعله قرد كوهلر داخل القفص في ربطه اثنان من عصا الخيرزان واستعمالهما كعصى طويلة للوصول إلى ما بخارج القفص أو لإحضار الموز قريبًا منه.
ويصف لنا بياجيه هذه المرحلة بمحاولات ابنته في تحريك سلسلة جميلة من صندوق مفتوح جزئيًا بحيث استطاعت أن ترى منه السلسلة إلا أنها لم تستطع أن تدخل يدها من خلال فتحة الصندوق الصغيرة لتحصل عليها, وفي محاولة حل هذه المشكلة فإنها قد استخدمت المخطط الذي كان ذو فعالية فيما مضى، وذلك بمحاولة وضع أصابعها داخل الصندوق لتحصل على ما تريد ولكن ذلك لم يجد, وعندما كانت تتأمل وتفكر في المشكلة, لاحظ أنها تفتح وتغلق فمها، وكل مرة كانت أوسع قليلا منها وأخذت السلسلة الموجودة بداخله، ويمكن أن نشير أن حركات الفهم والعينان كانت كنوع من الأفعال التمهيدية الاستكشافية التي يمكن أن تكون ذات جدوى في التأمل إلى الصندوق.
ويشير بياجيه أن الاختبارات العقلية في تلك المرحلة لا تستفيد من اللغة ويرجع ذلك إلى أن لغة الطفل في هذا السن لا تكون متقدمة بصورة كافية حتى تمكنه من وصف المشكلة لفظيًا وعلى الرغم من أن الطفل يمكن أن يقلب الأشياء وأن يوصل رغباته إلا أن لغته تنغمر في مضمون من الإشارات والإيماءات والتنغيمات, وعمومًا فالاختيار العقلي يعتبر بدايات الفكر والتفكير التي تسبق أداء فعل معين.
وشكل التفكير الذي يكون ميسرًا لطفل العامين عادة ما يكون محدودًا للغاية، حيث يتعامل وفقًا لمبدأ هنا والآن Here & Now بالإضافة إلى العلاقات بين الأشياء وحيث إن التفكير يكون محدودًا بأنواع الأفعال
стр. 229
الصغيرة التي يمكن أن يؤديها الطفل، فإنه يتعامل مع وظائف الأشياء وليس مع نوعياتها وصفاتها, وجدير بالذكر، فإن الطفل عندما يصل إلى سن السادسة أو السابعة يستطيع أن يتصور خصائص وصفات الأشياء بالإضافة إلى وظائفها وهذا ما سنشير إليه فيما بعد.
ومع بداية المرحلة الحسية الحركية، نجد الطفل يستطيع تعديل وتبديل انعكاساته، إلا أن ذلك يتم عن طريق التمييز المتطور وتكمل المخططات Schemes، وبالتالي يمكن الطفل أن يستشكف بترو وتأن وسائل جديدة للحصول على أهدافه وغاياته المرغوب فيها, وجدير بالذكر فإن انبثاق القدرات المعرفية يسير جنبا إلى جنب مع بناء الطفل لمفاهيم أساسية عن العالم والموضوعات، وكذلك عن السببية والزمان والمكان.
стр. 230
المفاهيم الرئيسية لطفل العامين:
أشارت ملاحظات بياجيه أن الرضيع الصغير لا يمكنه التميز بين العالم وبين ذاته, فمن وجهة نظر الرضيع لا يوجد اختلاف بين اختفاء وجهة الأم سواء كان بسبب تحريك رأسها أو خروجها من الحجرة, وأثناء الشهرين الأولين نجد الرضيع يوقف النظر إلى الأشياء عندما تتحرك خارج مجال رؤيته وينظر إلى أشياء أخرى بدلا منها، ولقد لاحظ Peter Wolff أن الرضيع عندما ينظر إلى وجه الراشد نجده يبكي عند اختفاء هذا الوجه، ولا ينظر إلى أن يعود هذا الوجه إلى الظهور مرة أخرى, والصياح في هذه الحالة يومئ إلى أن بعض الأشياء السارة قد ذهبت ولن تعود, وأثناء المرحلة الحسية الحركية الأولى، نرى الرضيع لديه مفهوم بدائي أولي عن السببية والفراغ والزمان, فالسببية عنده لا تكون أكثر من الدراية بالتغيرات المتعاقبة في حالة وجودها والمكان عادة ما يكون محدودًا بوعيه بجسمه وبيئته القريبة أو الحالية.
وأثناء مرحلة ردود الفعل الأولية الدائرية, يبدي الطفل ما يسمى بالتوقعات السلبية، ففي نهاية الشهر الثاني نجده يحملق في المكان الذي اختفى فيه الموضوع "خاصة الأم" كما لو أنه في انتظار عودتها من جديد، الرضيع في هذه المرحلة لا يبحث عن الشيء بنشاط أو بفاعلية، فإذا كان يمتص سكاتته، وسقطت منه على الأرض، فإنه قد يستمر في
стр. 231
الامتصاص كما لو أنه في انتظارها لكي تعود مرة أخرى، والحقيقة فإنه في هذا السن لا يبحث عنها، وهذا التوقع السلبي يوسع من إحساس الطفل بالسببية إلى حد ما، بمعنى أنه يبدأ في أن يفصل الموضوع عن حركته, وبطريقة مماثلة يبدأ الرضيع في تفهم المكان بصورة أفضل كلما أمكنه التمييز بين الأشياء وارتباطاتهم بالجسم، كما يشير الزمان إلى المدى الذي يتوقع فيه الرضيع حدوث الشيء مرة أخرى، ونستطيع أن نستدل على مفاهيم الطفل الرضيع للمكان والزمان من خلال حركاته فقط.
وأثناء الأربعة أشهر التالية في مرحلة ردود الفعل الدائرية الثانوية نرى الرضيع يبدأ في استخدام مسار الأشياء والموضوعات، ينظر إليها ويبحث عنها في مكانها المتوقع, وعادة ما يحدث ذلك عندما يسقط الطفل بشيء. أو يرمي بشيء ما بنفسه، وفي ذلك الوقت ترى الأطفال ينظرون إلى الأشياء أو يبحثون عن الموضوعات المخبأة أو المختفية عن أنظارهم، فعندما تعطى "شخشيخة" الطفل جزئيًا بغطاء سريره، نجده يدفع الغطاء عنها ويسحبها، ولكن إذا غطت اللعبة بكاملها فإن الطفل في هذا السن لن يبحث عنها.
ويستطيع الطفل في هذه المرحلة إجراء التمييز الدقيق بين الشيء وحركته، ويمكنه تفهم وجود الارتباط بين حركاته وبين ما يحدث للشيء أو الموضوع، كما أن العلاقات المكانية تصبح محددة بصورة أدق, فعندما يتمكن الطفل من التوصل إلى الشيء المختفي نسبيًا عنه نراه يبدأ في إدراك مفهوم "فوق" و"تحت" كما أن ملاحظته لسقوط الأشياء يسهم كذلك في مفهومه "فوق" و"أسفل" ويبدأ الطفل أيضًا في إدراك فترات الزمن وذلك عندما يرمي بشيء ما ويتوقع سماع صوت الشيء وأن يرى النتيجة بصورة فورية.
وخلال ٨-١٢ شهرًا نجد الطفل يبحث عن الأشياء التي تكون مختلفة بصورة كاملة عن ناظريه، فعندما خبأ بياجيه قطعة حلوى بين يديه، وجد أن طفله حاول أن يفتح قبضة يده لكي يحصل على الحلوى، ولكن عندما وضع بياجيه القبعة فوق الحلوى، لم يستطع الطفل العثور عليها حيث استمر في النظر إلى أيدي أبوه غير قادر على التعامل مع مبدأ الإزاحة أو الإحلال المزدوج Displacement وعلى الرغم من أن الطفل بدأ في تفهم أن الموضوعات أو الأشياء يمكن أن توجد على الرغم
стр. 232
من عدم قدرته على رؤيتها، إلا أن خبرته كانت محددة بمكان واحد، حيث لم يتمكن من تفهم بإمكانية وجود الحلوى خارج مجال رؤيته في أي مكان آخر.
ومفاهيم الطفل عن المكان والزمان والسببية جميعها تتحسن بصورة متممة بعضها البعض أثناء تلك الفترة حيث نجد أن حركة الطفل تؤدي به إلى البحث عن الأشياء والموضوعات المرغوب فيها، ويفهم العلاقات الوسيلية التي يستخدمها للحصول على غاياته وأهدافه، ويتميز مفهوم المكان بصورة أكبر كلما بدأ الطفل التعرف على أماكن وأزمنة مختلفة، ويتميز المكان بما يمكن أن يؤدي فيه أو ما يتضمن عليه، كما يعزر مفهوم الزمان بصورة أكبر كلما استطاع الطفل التمييز بين الفترات الفاصلة المتطلبة لأحداث أفعال معينة، وأثناء النصف الأخير من السنة الثانية نجد الطفل ينظر إلى الموضوعات والأشياء المخفاة أو المستبدلة فمثلا ينظر إلى الحلوى داخل الأيدي أو الحلوى التي وضعت تحت شيء من الأشياء. وحقيقة أن الطفل يمكنه البحث عن موضوع ازدواجي مستبدل يشير إلى نهاية الفترة الحسية الحركية من حياة الطفل، فالطفل الآن يفهم أن الموضوعات والأشياء لها استمرارية إلى ما وراء خبرته الحالية المباشرة, كما أنها لا ترتبط بأماكن معينة، كما أن مفاهيم الذات والعالم تصبح في هذا الوقت مستقلة ومنفصلة ويمكن الطفل في هذا السن التعرف على النتائج السببية كجزء مستقل عن ذاته، ويصبح المكان منفصلا عن الأفعال, ويرى الطفل الأشياء والموضوعات "بما في ذلك نفسه" كما لو أنها في أماكن مختلفة متنوعة وبالتالي منفصلة عنه, ومفهوم الزمان يظهر نفس الاستقلال، حيث يشعر الطفل أن التتابع الزمني يمكن أن يحدث مستقلا وبمعزل عن أفعاله الخاصة، وبالتالي نجد الطفل في هذا السن يبدأ لديه إحساس موضوعي وغير شخصي عن الزمان.
وبإيجاز فإننا نجد الطفل في بداية هذه المرحلة ينظر إلى نفسه كمركز للعالم والأشياء المحيطة به، فكل شيء يقاس من وجهة نظره الخاصة وكذلك بواسطة أعماله وأفعاله, وفي نهاية هذه المرحلة أي في نهاية السنة الثانية يرى الطفل نفسه كجزء من العالم المحيط به المليء بموضوعات وأشياء مستقلة عن نفسه، والذي يتضمن الزمان والمكان والسببية، وجدير بالذكر فإن الطفل في نهاية هذه المرحلة يكون مستعدًا لتوسيع منظوريته "وجهة نظره" إزاء الكائنات البشرية الأخرى.
стр. 233
تعليم الآباء استشارة الرضيع
...
تعليم الآباء استثارة الرضيع:
يشير كل من الكيند D. Elkind ووينر L. Weiner؛ "١٩٧٨", أنه منذ عام ١٩٦٠ اشترك عدد من علماء النفس في برامج تعليم الآباء كيف يتعاملون ويستشيرون رضيعهم حيث اتضح أن معظم الآباء الشباب لم يكن لديهم الفرصة الكافية لملاحظة تدريبات الطفل, وكيفية تنشئته، ومما هو جدير بالذكر فإن الأبوة المؤثرة لها تأثير خطير خلال مرحلة الطفولة على النحو الصحي ونمو شخصية الطفل ككل, كما أن هذه الأبوة المؤثرة يمكن أن تتعلم وتكتسب.
ويستطرد المؤلفان السابقان أن برامج تعليم الآباء واستثارة الرضيع يحاول أن يبني تفاعلات أحسن بين الآباء والأطفال أثناء نمو التكوين النفسي والجسمي، وجاءت فكرة هذه البرامج نتيجة رؤية Elkind زوجين صغيرين كان مسافران بصحبته ومعهم رضيعهم، فالأب كان يبدو متعلمًا خريج الجامعة، وانشغل الأب والأم في حديث بينهما، ولم ينظرا إلى الطفل ولم يتكلما معه أو يبتسما إليه, حينئذ بدأ الطفل في الصياح وحمله الأب ومشى به جيئة وذهابًا ممسكًا بخصر الطفل, ناظرا إلى ظهره والطفل منكفئا إلى أسفل, ويمكن لهؤلاء الآباء الاستفادة من الطرق التي توضح التأثير والارتباط بأطفالهم، ويجب التنويه بأن هدف مثل هذه البرامج هو تسهيل عملية النمو وليس الإسراع أو التعجيل بها، حتى يسمح للأطفال بأن ينموا بصورة كاملة، بقدر الإمكان بدون الكف غير الملائم من جهة الأدباء أو الإكراه والإجبار الأبوي لرغبات أطفالهم, كما أن اتجاهات الأبوين المتسامحة تساعد مما لا شك فيه على أن يحيى الأطفال حياة متكيفة سوية, وهذا ما سنراه وسنوضح ذلك عند مناقشة مشكلات الأطفال والمراهقين وعمومًا فإن انتماء الآباء لبرامج استثارة الأطفال قد يساعدهم على الإحساس بثقة أكبر نحو تنشئة أطفالهم.
ويجب أن نشير في هذا المقام إلى كثير من الأشياء يمكن للآباء أدائها، حتى يساعدوا الرضيع على النمو السوي فالإمساك بالرضيع وضمه إلى صدر الأم وهزهزته, واللعب معه والتحدث مع الطفل كلها ذات أهمية أثناء فترة الرضاعة، كما أن توفير الأشياء المسلية الملونة حول سرير الرضيع، واللعب والدمى، مما لا شك فيه تكون نافعة للرضع للهو والتعلم بها ويجب أن نتدرج في تقديم الألعاب لأطفالنا كلما تدرجوا في
стр. 234
مدارج نموهم حتى نستثير قدراتهم كلما أمكن ذلك, وعندما يقترب الطفل من سن المدرسة توجد أشياء أخرى يمكن أن يفعلها الولدان لكي يغنوا خبرة الطفل ويكملوا تعلم المدرسة، فالرغبة للقراءة والكتابة لطفل ما قبل المدرسة يمكن أن تدعم بواسطة الوالدين عن طريق التقييم الإيجابي للكتب بصفة عامة, بالإضافة إلى ذهاب الطفل مع والديه في رحلات معينة يكون مفيدًا خاصة إذا استغل الآباء ذلك في توضيح الأشياء الجديدة التي يراها الطفل كالحيوان مثلا وأسمائها، وعند انتقال الأطفال إلى المدرسة يمكن للوالدين مساعدتهم عن طريق تهجئة الكلمات وتصحيح لغتهم وواجباتهم الحسابية, ويجب ألا يعمل الآباء الواجبات المدرسية لأطفالهم، ولكن يجب أن يساعدوهم في ذلك فقط حتى يؤدي الطفل أحسن ما يستطيع أن يقدر عليه.
الشخصية هي مجموع أفكار الفرد ومشاعره وأحاسيسه وأفعاله، ويبدأ نمو الشخصية والنمو الاجتماعي منذ فترة الرضاعة، فعندما يبدأ الطفل في تكوين طرق للارتباط بالآخرين وأن يشكل نماذج مميزة من التفكير والمشاعر نحو الناس متضمنة ذواتهم, وتظهر هذه الجوانب من الشخصية أساسًا فيما يسمى بالسلوك المعبر أو التعبيري Expressive، ونمو هذه السلوك المعبر يعكس نضج الشخصية للكائن الآدمي.
والسلوك التعبيري أو المعبر يتبعه مبادئ التكامل والتمييز التي أشرنا إليها حين مناقشتنا النمو في الأشهر المبكرة الأولى من حياة الرضيع، حيث نجد الرضيع يميز عددًا من الأنماط السلوكية المعبرة والتي يوجهها نحو العالم، ويشير إلى حاجاته وميوله، وبعد الستة أشهر الأولى للرضيع يمكنه التمييز بين تلك الأنماط السلوكية ويجمعها داخل نماذج ارتباطية نوعية بالأخرى، وكذلك الانفصال عن الأفراد المحيطين به، وبحلول العام الثاني نرى الأطفال يبدءون في توحيد هذه النماذج داخل اتجاهات نحو عالمهم.
стр. 235
الأنماط السلوكية التوجيهية:
يجرى الأطفال الرضع اتصالات اجتماعية من خلال عدة أنماط سلوكية إشارية توجيهية, وهذه الأنماط هي.
- التحديق أو النظرات المحدقة.
- الخرير.
- التقليد أو المحاكاة.
ومع تدرج الطفل في نموه، نجد كلا من هذه الأنماط السلوكية يتأثر بخبرات الطفل، وكل منها يصبح متجهًا نحو الأفراد وليس إلى موضوعات أو أشياء، وكذلك نحو أفراد معينين دون سواهم.
الصياح Crying:
يعتبر صياح الرضيع من الناحية الواقعية أول تأثير يعملونه في بيئاتهم, وخلال الأشهر الأولى من حياة الرضيع نرى الصياح يعتبر بمثابة الطريق الأساسي الذي يشير به إلى حاجاته، ويختلف الصياح عن باقي الأنماط السلوكية الاجتماعية الأخرى في وجهين أساسيين، فالتحديق والخرير والابتسام والتقليد أنماط سلوكية تبادلية مرغوب فيها حيث نجد التشجيع من الآباء، بالإضافة إلى استمتاعهم بها، والصياح على نقيض ذلك لا يكون مشتركًا بين الرضيع ومن حوله، ولا يرضى الآباء بالإضافة إلى أنهم لا يشجعون الرضيع عليه.
والصياح أكثر من أي نشاط آخر في حياة الطفل المبكرة يجلب الآباء بجانب الرضيع، ويستحوذ على انتباههم، وهذا الانتباه يمكن أن يترجم في تغذية الرضيع، أو تغيير حفاضته، أو حمله والإمساك به، والرتب عليه وملاطفته، وكل هذه الأفعال يمكن أن توقف صياح الرضيع، ويشير Bell، أن التقاط الرضيع وحمله يوقف الصياح إذا قورن بأي نشاط آخر.
والأطفال في حياتهم المبكرة يصيحون عندما يشعرون بالجوع أو الألم، ويشير Wolf؛ "١٩٦٩" أن هذين النوعين من المضايقة يثيران أنواعًا مختلفة من الصياح، إذ إن الصياح المتدرج والمتواتر والإيقاعي "أي المتكرر على نحو نظامي" عادة ما يرتبط بالجوع، أما الصياح الفجائي غير المنتظم عادة ما يعني الألم, وعمومًا فصياح الرضيع الصغير كثيرًا ما نجده لا
стр. 236
يوصل إحساسه، وعلى الرغم من أن الأمهات قد يعتقدن أنهن بأمكانهن معرفة ما يزعج أو يقلق رضيعهن من أصواتهم، إلا أن هذه المعتقدات عادة ما تبنى على ما يعرفونه من حالات أطفالهن في وقت الصياح "كالفترة الطويلة التي قضيت بين آخر مرة أطعم فيها الرضيع" وذلك أكثر من طبيعة الصياح الذي يسمعونه، ومن جانب آخر نجد Formby؛ "١٩٦٧" يشير أن الرضع لديهم صياح مميز، كما أن كثيرًا من الأمهات قادرات على التعرف لصياح أطفالهن في صورة مبكرة جدًا من ولادتهم، أي بعد ٤٨ ساعة من الولادة.
وأثناء السنة الأولى من حياة الرضيع يبدأ تدريجيًا في الصياح لفترة قصيرة من الوقت، ويستعمل الصياح بغرض الاتصال مع الآخرين خاصة الأم، ويشير بيل Bell واينسورث Ainswort؛ "١٩٧٢" أن الرضع الذين يزيدون على ثلاثة أشهر يقضون وقتًا أطول في الصياح عندما يكونون بمفردهم إذا ما قورن ذلك بوجود أمهاتهم أمام ناظريهم، أو في حالة إمساكهم واحتضانهم، ويشيران كذلك إلى أن الرضع ما بين ٩-١٢ شهرًا يصيحون لمدة أطول عندما يرون أمهاتهم ولا يستطيعون التعلق أو الإمساك بهن، إذا ما قورن مدة صياحهم عندما يكونون بمفردهم، وعلى ذلك فالصياح ابتداء عادة ما يجب أو يستثار بواسطة الإزعاج أو المضايقة وتكون له صيغة اجتماعية فقط بطريق الصدفة. ويصبح عند نهاية العالم الأول شكل من أشكال الاتصال، حيث يوجهه إلى أفراد معينين يكونون على مقربة من الرضيع ويميلون لإتيان استجابة اجتماعية نحو الرضيع.
ويشير بيل وانيسورث "١٩٧٢" كذلك أن صياح الطفل عندما يصل سنه إلى عام غالبًا ما يكون أقل بـ٥٠% من صياح ذي الثلاثة أشهر أي إن الرضيع يقل وقت صياحه كلما تدرج به العمر الزمني، وكلما قل الصياح كلما أصبح لدى الآباء وأطفالهم فرصة أكبر ووقت أطول لتبادل الأنماط السلوكية المشتركة والسارة الممتعة لكلا الطرفين، كالنظرات المحدقة، والابتسام، والثرثرة، والتقليد والمحاكاة، وهذا ما سنوضحه في ثنايا الصفحات التالية.
التحديق Gazing:
تعتبر النظرات المحدقة أول نمط سلوكي يتجه الرضيع به إلى عالمه، ويبدأ في أخذ المعلومات والبيانات عنه، وتشير النظرة الكلاسيكية إلى أن
стр. 237
الرضيع يدرك عالمه كهدير مشوش ذو طنين وأزيز، وتشير الدراسات منذ عام ١٩٦٠ أن الأطفال يولدون ولديهم قدرة نامية عالية على الرؤية, كما ذكر وولف Wolf؛ "١٩٦٧" أن الرضع يمكنهم تركيز أعينهم على موضوعات وأشياء بعد بضعة أيام من ولادتهم، ويستطيعون تتبع الأشياء بأعينهم، وأن يشيروا إلى الاختلاف بين الأشياء عن طريق أحجامها، وأشكالها في أسابيعهم الأولى، ويستطرد أن الرضع الصغار في أسبوعهم الأول يميلون إلى تفضيل النظر إلى الأشياء والأشكال ذت النموذج Patterned عن الأشكال المنبسطة اللمساء، وكذلك يفضلون المثيرات الغريبة غير المألوفة.
وهذه التفصيلات الإدراكية تساعد الرضع على التوجه نحو الأشخاص في عالمهم، حيث أن المثيرات الأكثر تركيبًا وتغييرًا التي يرونها هي الوجوه المتحركة لآبائهم والأشخاص الآخرين الذين يعنون بهم, ويفضل الرضيع عندما يصل إلى أسبوعه الرابع النظر إلى الوجوه أكثر من الأشياء أو الموضوعات, وفي الشهر الرابع والخامس عندما يكونون قادرين على إجراء التمييزات الإدراكية الدقيقة ينظرون إلى وجه الأم مفضلونه عن سار الوجوه الأخرى Carpenter؛ "١٩٧٤"، وولف Wolf "١٩٦٣".
وعندما يبدأ الرضيع التحديق بثبات على الوجه، خاصة على عيون الراشدين من حوله، حينئذ نجد نوعًا خاصًا جديدًا من العلاقة ينشأ بين الرضيع وأمه، فاتصال العين بالعين يعتبر بمثابة خبرة انفعالية عاطفية، وتقرر كثير من الأمهات أنه بنهاية الشهر الأول تقريبًا يشعرون بنظرات الرضيع الحقيقية إليهن، باعتبارهن أشخاصًا ولسن أشياء أو موضوعات، ومع بداية عملية التحديث لوجه الأم تصبح خبرة الأم محملة بكثير من المشاعر والأحاسيس القوية نحو رضيعها، وتعمل على ازدياد البهجة والسرور في نفسها وبالتالي العناية برضيعها.
وبجانب ما للتحديق من إنشاء وتعزيز العلاقات الاجتماعية، فإنه يعطي الرضيع بالإضافة إلى ذلك أول فرصة في أن يمارس الضبط والتحكم في التعامل مع الآخرين، ونرى الرضيع عندما يصل إلى الشهر الرابع تقريبًا يصبح خبيرًا في التركيز وتحويل أو تجنب عملية التحديق, ويشير White وآخرون "١٩٦٤" أن التحديث يثير استجابات الآخرين حول الرضيع، وبواسطة التعلم نجده يغلق عينيه وينظر بعيدًا، ليس فقط بهدف
стр. 238
تنويع كمية ونوع المثيرات الإدراكية التي يستقبلها، ولكن لكي يحدد الاتصالات الاجتماعية التي يجدها ويشعر أنها تطفلية إقحامية، أو مستثارة بدرجة عالية.
الابتسام Smiling:
أ- الابتسام الانعكاسي Reflexive Similing.
ب- الابتسام الاجتماعي غير الانتقائي Unselective Social Smiling.
ج- الابتسام الاجتماعي والانتقائي Selective Social Smiling.
نجد الرضيع منذ الميلاد يبتسم تلقائيًا في الاستجابة لحالاته الداخلية المتنوعة، ويمكن أن يظهر الابتسامة خلال الشهر الأول بواسطة صوت مرتفع، وخاصة صوت الأنثى. وهذه الانعكاسات الابتسامية تكون سريعة الزوال ولا تكون مشكلة ذات نموذج معين، ومع ذلك فإنها تصدر نتيجة الدفء العاطفي أو العناية الاجتماعية.
وتتغير الابتسامة بصورة فجائية ما بين الأسبوع الرابع والسادس من عمر الرضيع، إذ نجدها تستمر لفترة أطول من الوقت، ويبتسم بصورة أكثر اتساعًا، كما تتشكل الابتسامة وتظهر على التغييرات الوجهية التي تضيء عيون الرضيع، ويشير كل من Spiz & Wolf؛ "١٩٤٦" Ambrose؛ "١٩٦١" إن ابتسامة الرضيع تتغير من الابتسامة الانعكاسية في الاستجابة إلى الأصوات أو الحالات الداخلية, إذ تميل الابتسامة بالاستجابة إلى الحركة والنشاط والوجوه المصحوبة بالأصوات الإنسانية.
وهذا التعبير الدافئ في الابتسام الاجتماعي يظهر في نفس الوقت الذي نجد الرضيع يفضل فيه النظر إلى الوجوه أكثر من الموضوعات أو الأشياء من حوله، وأن يشترك في حديث متبادل مع الأشخاص من حوله, وعلى الرغم من شعور الأم وإحساسها بأن رضيعها يدرك ابتسامتها الاجتماعية في الشهور المبكرة من ولادته, إلا أن هذه الابتسامة تكون في أول مراحلها غير انتقائية بمعنى أن الرضيع يبتسم بسهولة إلى وجوه
стр. 239
الأغراب كما يكون الحال بالنسبة إلى وجوه أعضاء أسرته, وبعد خمسة أو ستة أشهر الأولى يستطيع الرضيع تعليم التفرقة والتمييز بين الوجوه، حينئذ تصبح الابتسامة اجتماعية انتقائية, وبالتالي نجد الرضيع في هذه المرحلة يبتسم وبصورة أكبر إلى الوجوه المألوفة لديه أكثر من الوجوه الغريبة عنه، وحقيقة وكما سنشير فيما بعد أن الرضيع عادة ما يكون على حذر من الغرباء.
الخرير Babbling:
تشير نتائج دراسات وولف Wolf؛ "١٩٦٣" أن صراخ الرضيع وعويله وأنينه هي رد فعل للألم والسرور، وذلك أثناء الأسابيع الأولى من حياته, فالرضيع يبدأ فيما بين الأسبوع الرابع إلى الأسبوع السادس في الهديل Coos والقرقرة Gurgle في استجابته إلى أصوات الوجوه من حوله، ومناظر الوجوه المتحركة، وكما رأينا في الابتسام الاجتماعي، نرى أصوات الرضيع تبدأ في أن تشير إلى اهتمامات اجتماعية ويهدف إلى أن يحظى بالانتباه والتعاطف مع الآخرين، كما أن أصوات الإناث تميل إلى أن تظهر الأصوات من الرضيع، ويستطرد وولف أنه بنهاية الشهر الأول من حياة الرضيع يمكنه تعلم التعرف على بعض خصائص صوت الأم, كما أن الرضيع يمكنه الاستماع إلى الأصوات التي يؤديها وبالتالي فإن تلفظهم ونطقهم يصبح استمرارية أو ديمومة ذاتية Self Peputuating بمعنى أنها تؤدي إلى الثرثرة أو الخرير.
وتتطور الثرثرة أو الخرير خلال مراحل عديدة، وتمهد السبيل إلى النمو اللغوي فيما بعد، فمنذ الشهر الثالث أو الرابع من عمر الرضيع نجد هديله وقرقرته تبدأ في أن تتضمن أصواتا مميزة أو بعضا من الحروف الساكنة، وبحلول الشهر السادس يبدأ الرضيع في تكرار الأصوات الاتفاقية العرضية. ويشير Vetter؛ "١٩٦٩" أنه بحلول الشهر التاسع أو العاشر نجد الرضيع يكرر الأصوات التي يسمعها من الآخرين حوله, كما أن خرير الرضيع يثير نماذج عامة من التقليد والمحاكاة والتي تكون في جوهرها علامة على توسيع اهتمامات الرضيع الاجتماعية.
التقليد Lmitation:
يعتبر التقليد والمحاكاة من أهم الطرق التي من خلالها يتعلم الأطفال أن يصبحوا راشدين، وسوف نرى في عديد من المواقف كيف
стр. 240
يؤدي تقليد ومحاكاة الصغار للكبار، في جميع مراحل نمائهم إلى اكتساب المهارات الاجتماعية، وعلى الرغم من أن الطفل الرضيع لا يكون نشطًا في تعلم المهارات الاجتماعية، إلا أننا نجده في نهاية السنة الأولى وبداية الثانية تقريبًا يبدي العديد من الأنماط السلوكية التقليدية التي تعزز تفاعلاته الاجتماعية, وتبدأ هذه العملية بالخرير أو الثرثرة التقليدية وطالما تتضمن تقليد حركات الآخرين, وحينئذ يجد الآباء أنفسهم لا يتعاملون مع طفل يبتسم وينظر إليهم فقط ولكنه بالإضافة يحاكيهم ويقلدهم فيما يصدر عنهم من أصوات, وعلى الرغم من أن تلك الأصوات الصادرة من الرضيع عادة لا تكون مفهومة، إلا أننا عادة ما نجد الآباء يستجيبون بتغيرات يملؤها السرور والتعاطف مع الرضيع والتي تثري الخبرة الاجتماعية له.
ويميل الرضيع إلى تقليد ما يراه وكذلك ما يسمعه، ويؤدي ذلك في نهاية السنة الأولى وبداية الثانية إلى ظهور نماذج جديدة هزيلة كثيرة في تفاعل الآباء مع الطفل وفي ذلك يشير Parton؛ "١٩٧٦" عندما يرفع الآباء أيديهم قائلين: آه آه, نجد الأطفال الصغار يقلدون ذلك وينطقون نفس الحروف, ومن ثم تبدأ لعبة مضحكة ويستطرد بقوله، أن التقليد تعبير واضح للاهتمامات والميول الاجتماعية كما أنه وسيلة ذات فعالية للحصول على الاستجابة الاجتماعية.
والسلوك المقلد لا يسير خلال شكل غير انتقائي كما نرى ذلك في ابتسامة الرضيع، ولكنه يكون موجهًا منذ البداية إلى الانتقاء لأفراد مألوفين حيث ينمي الطفل تجاههم بعضا من الارتباطات والعواطف المعينة، وبالتالي فإن التفاعلات المتبادلة المكافئة والتي تصاحب السلوك المحاكي عادة ما تغذي وتدعم هذه الارتباطات المعبرة داخل ارتباطات وعواطف معينة، فإنه من المفيد أن نتأمل بداياتها وبعد ذلك نفحص بإيجاز بعض العوامل التي تؤثر في الأنماط السلوكية الإشارية التوجيهية التي تسبق السلوك الارتباطي.
стр. 241
العوامل المؤثرة في الأنماط السلوكية الإشارية والتوجيهية:
الصياح والتحديق والابتسام والخرير والتقليد أحداث طبيعية في مجرى النمو الإنساني، بمعنى أنها تظهر تلقائيًا في سلوك الرضيع, وينظر بعض السيكولوجيين المتأثرين بأعمال جون بولمبي J. Bowlby؛ "١٩٥٨" الطبيب النفسي الإنجليزي لهذا الظهور أو الانبثاق التلقائي لتلك الأنماط السلوكية الإشارية والتوجيهية بأنها بمثابة ردود فعل غريزية تعزز بقاء الأنواع, ويشير بولمبي إلى أن الرضع يشبهون أي حيوان آخر يحتاجون إلى ذخيرة سلوكية فطرية لكي يحافظوا على أنفسهم ويتعلموا كيف يعولون ويقون أنفسهم، والسلوك الإشاري والتوجيهي نجده يحافظ على النوع الإنساني لأنه يجذب انتباه الوالدين أو الراشدين الآخرين الذين يطعمون الرضيع ويقدمون له الرعاية والعناية.
وعلى الرغم من أننا لا نستطيع البرهنة بأن الأنماط السلوكية الإشارية والتوجيهية للرضع والأطفال الصغار تميل إلى استثارة استجابات مساندة ومدعمة من الآخرين إلا أن الرضع العاديين ينمو لديهم هذه الأنماط السلوكية المعبرة في الاستجابة إلى ما يستمعون إليه، وما يرونه وما يشعرون به، وبمجرد ظهور هذه الأنماط السلوكية عندهم، فإنها تتأثر بصورة كبيرة بواسطة الطريقة التي يستجيب بها الآخرون إليهم.
ويشير Weisberg؛ "١٩٦٣" أن الدراسات التجريبية مع الرضع فيما بين ٢-٧ شهور توضح أن التفوه ونطق الرضع للألفاظ والكلمات يمكن أن يزداد عن طريق الابتسامة التي تصدرها الأم لرضيعها، وكذلك تشجيعها ومناوشتها له، وأيضًا الأفراد الآخرون المحيطون بالرضيع، فالترتيب تحت ذقن الطفل أو بلمس بطنه وصدره أثناء قرقرته أو هديله كل ذلك يزيد الفرصة لتفوه الرضيع ونطقه لبعض الألفاظ والكلمات. ويستطرد Weisberg أنه عندما أوقفت هذه الحركات الموجهة للرضع بواسطة المجربين في هذه الدراسات، ظهر الرضع عديمو الاستجابة وفاقدو الحس والاتصال بالآخرين، ولوحظ أن هؤلاء الأطفال الصغار قد أوقفوا تدريجيًا عمل الأصوات، وغالبًا ما كانوا ينظرون في حالات الابتسام لهم والتكلم معهم وحملهم على الأيدي أو الأعناق, بالإضافة إلى أنهم كانوا يتوقفون عن
стр. 242
الابتسام عندما لا يستقبلون هذه الأنواع من الانتباه.
وتؤدي نتائج دراسات Yarrow ورفاقه في المعهد القومي لصحة الطفل والنمو الإنساني ما أشار إليه Weisberg حيث اتضح من الملاحظات المنزلية لمجموعة من الأطفال يتراوح أعمارهم ما بين خمسة وستة شهور، وكذلك ملاحظة أمهاتهم، اتضح أن الاستجابة تؤثر في سلوك الأطفال بصورة أكبر عندما تحدث مصادفة أو بدون توقع بمعنى أن تأتي بصورة مباشرة بعد السلوك، وتشير نتائج دراسات Yarrow أن كلام الطفل ونطقه يعتمد جوهريًا على سلوك الأم، وكذلك على مدى توجيه الاستجابة إلى ألفاظ وليدها, كما وجد يارو Yarrow ورفاقه عديدًا من العلاقات بين كمية استثارة الأم التي تعطى للوليد وبين درجة استجابته الاجتماعية كالتوجه إلى الهدف مباشرة والقبض على الأشياء والإمساك بها بالإضافة إلى ردود الفعل الدائرية الثانوية, انظر الشكل رقم١, كما توجد أدلة أخرى تشير أن الأمهات اللاتي يكنَّ مستجيبات جسميًا وانفعاليًا لوليدهن، يشجعن ليس فقط المبادأة الاجتماعية ولكنهم ينشطن كذلك استكشاف الرضيع والطفل لبيئته.
وتشير الدلائل أن الأطفال تحتاج إلى الاستثارة الاجتماعية حتى تنمو لديهم المسئولية الاجتماعية Social responsiveness.
فعندما تكون هناك فرصًا ضئيلة أو نادرة لملاطفة الأطفال وتقبيلهم وعناقهم, أو الابتسام لهم والإمساك بهم، نجد أنماطهم السلوكية المعبرة لا تكون مميزة في علاقات انتقائية متبادلة متكافئة مع الأشخاص الآخرين. ولحسن الحظ فإن هذا لا يحدث كثيرًا عند كثير من الأطفال، ولكن عند حدوث ذلك كما في حالة أطفال المؤسسات الاجتماعية، أو في حالة الإهمال الأبوي غير العادي فإن ذلك يكون خطيرًا لنمو الطفل الاجتماعي, وثمة أنماط نمائية غير عادية والمعروفة بأعراض العزلة الاجتماعية والانطواء الاجتماعي, وسوف نناقش هذا تفصيلا عند مناقشة مشكلات الأطفال، ولقد أوضحت عديدًا من الدراسات أثر العزلة الاجتماعية على كل من الإنسان والحيوان كذلك ومن بين هذه الدراسات يمكن الإشارة إلى دراسات هارلو Harlow وزملائه بجامعة وسكنسون Wisconsin وأعمال هارلو مع القردة قد أوضحت عديدًا من الاستبصارات، في النمو المبكر للعلاقات الاجتماعية. فمثلا كان صغار القردة الذين تربوا في عزلة
стр. 243
داخل أقفاص سلك عازلة تسمح لهم برؤية وسماع القردة الآخرين، إلا أنهم كانوا محرومين من أي اتصال جسمي، يشير ياور أن هذه القردة قد فشلت في أن تنمى لديهم الاستجابات الاجتماعية العادية, وبعد عام من هذه العزلة حاول يارو أن يجلس هذه القردة مع زملاء لها، إلا أنه لاحظ أن هذه القردة كانت تقضي معظم الوقت رابضة في جانب من القفص يهزون ويعانقون أنفسهم، كما أنهم لم يظهروا أي ميل في اللعب أو أي تفاعلات اجتماعية, وهذه التأثيرات القاسية للعزلة الاجتماعية قد استمرت كذلك عند القردة عندما كبروا ومنعتهم من القيام بأداء الأدوار الاجتماعية.
وعمومًا, فإن الاستنتاجات على الكائنات الإنسانية يجب أن تجري بحذر من الدراسات الحيوانية، ومع ذلك فإن نتائج دراسات هارلو يبدو أنها تحمل دليلا وبينة واضحة على مدى تأثير الاستثارة في تعزيز السلوك السوي المعبر سواء عند الإنسان أم الحيوان.
стр. 244
الارتباطات مع الأشخاص الآخرين
مدخل
...
الارتباطات مع الأشخاص الآخرين:
كلما أصبح الأطفال يتسمون بالانتقائية في أنماطهم السلوكية الإشارية والتوجيهية، يبدءون بالتالي في تنمية ارتباطات اجتماعية مع الأشخاص المألوفين في عالمهم, وتتضمن هذه الارتباطات الحب والاعتمادية، ويبدي الأطفال مودتهم إلى الآخرين بالتماس القرب منهم، وسعيهم إلى كسب استحسانهم وجذب انتباههم، وكذلك يقلقون وينزعجون عندما ينفصلون عنهم, ولقد أشار بعض السيكولوجيين إلى أن نظرات الرضيع المحدقة غير الانتقائية، والاتبسام، والثرثرة أو الخرير في فترة الرضاعة تعتبر أنماطا سلوكية ارتباطية، حيث إنها تجذب انتباه الآخرين للرضيع وتؤدي بهم إلى الاقتراب منه، إلا أنها لا تصبح أنماطا سلوكية معبرة إلا بعد أن تكون انتقائية حيث يصبح الأطفال مرتبطين بأفراد معينين وذوي حساسية لحضورهم أو غيابهم عنهم.
ولقد درس السلوك الارتباطي في كثير من دول العالم للأطفال الرضع، وتشير نتائج هذه الدراسات أن الأطفال ينمون ارتباطات انتقائية فيما بين ٦-٨ شهور من عمرهم، ويركز الأطفال ارتباطاتهم على فرد معين الذي يستجيب إلى إشاراتهم الاجتماعية وعادة ما يكون الأم، وتشير بعض الدراسات أن بعض الأطفال قد كونوا ارتباطهم الأول مع الأب وعمومًا فإن هذه الارتباطات الأولى تتبع بصورة مباشرة بارتباطات أخرى، وعادة ما يكون الأطفال على علاقة ارتباطية بكل من الأب والأم خلال شهر من تكوين الارتباط الأول مع واحد منهما.
وتتكون هذه الارتباطات في مرحلة متقدمة للأخرى والأخوات الكبار والأجداد والعمات والخالات وكذلك أصدقاء الأسرة قد تكون ارتباطات انتقائية أيضًا في حالة استثارتهم بانتظام للأطفال واستجابتهم إلى سلوكهم المعبر، وعمومًا تتكون ارتباطات عديدة بنهاية السنة الأولى
стр. 245
من حياة الرضيع، وعندما يصل الأطفال إلى ١٨ شهرًا، يصبح كثير منهم مرتبطين نفسيًا بأفراد عديدين مختلفين.
وجدير بالذكر، فإن الشخص الذي يكون الطفل نحوه الارتباط الأولي، يميل إلى أن يكون له دور حاسم في نمو شخصية هذا الوليد فيما بعد، وقبل أن يصل عمر الرضع إلى الثمانية أشهر، وقبل أن يتمكنوا من إجراء الارتباطات الاجتماعية الانتقائية، فإنهم ينمون بصورة عادية ما داموا يتقلون العناية الجسمية والاجتماعية المناسبة والاستثارية من أي عدد من الأفراد الذين يعتنون ويهتمون بهم, وبمجرد أن يكون الأطفال الصغار الارتباطات القوية مع أمهاتهم فإن التواجد النفسي للأب أو الآخرين في الأسرة يعتمد إلى حد كبير على الاتصال القريب والمستمر مع هذا الشخص, ولكي نتفهم هذا النمو بصورة أكبر فنحن في حاجة إلى تأمل الأنماط السلوكية التي تعزز وتشجع نمو الارتباطات، وسوف نتأمل سويًا نموذجين سلوكيين غالبًا ما يكونا نتيجة للارتباطات الانتقائية وهما قلق الغرباء وعزل القلق.
стр. 246
الأنماط السلوكية المدعمة للأرتباط
...
الأنماط السلوكية المدعمة للأتبارط:
الارتباط يشبه السلوك المعبر، يعزز عندما يستثير الآباء أطفالهم، ويستجيبون إليهم دون إبطاء وبحب لإشاراتهم خاصة لبكائهم، وعلى نقيض ذلك, فإن الآباء الذين يقدمون استثارة واستجابة أقل دفئًا كلما كانت الارتباطات التي ينميها الأطفال ضعيفة, ولقد أشار كل من Ainsworth & Bell أن الأطفال الذين تحملهم أمهاتهم وتحتضنهم بعطف وحب، ويمسكونهم لمدة أطول وبلطف وحنان أثناء الشهور الثلاثة الأولى نجدهم يشعرون بالاستمتاع بحمل أمهاتهم لهم فيما بين ٩-١٢ شهرًا ونراهم يحتضنون ويعانقون أمهاتهم، وعلى نقيض ذلك وجدوا أن الأطفال الذين كانوا يحملون بطريقة فظة ويمسك بهم لفترات قصيرة وجيزة وبإهمال، وكانت أمهاهتم كارهة الاتصال بهم فيما بين الشهر التاسع ونهاية العام الأول, ولوحظ أنهم دائمًا ما يكونون في حالات اهتياج وقلق وانفعال بصورة عالية.
ولقد لاحظ Bechwith في دراسة مشابهة أن الأطفال فيما بين ٧-١٠ شهور الذين كانت أمهاتهم يتجاهلون إشارتهم أوضحوا ميلا أقل في أن يحملوا أو يمسك بهم وعلى ذلك فإن كمية العناية ونوعيتها التي يتلقاها
стр. 247
الأطفال الصغار تؤثر في ارتباطاتهم ومن المهم أن نؤكد هنا أن التفاعل الاجتماعي المحدود يعمل على تعزيز الارتباط، أكثر من الفترات الممتدة الطويلة والتي تجري على وتيرة واحدة في نظام الطعام والعناية الجسمية.
جملة القول: فإن العناية المكثفة ليست ضرورية حتى يصبح الأطفال مرتبطين بالناس، فهذه الارتباطات لا تتكون نحو هؤلاء الذين يقضون أغلب الوقت مع الأطفال، ولكن مع هؤلاء الذين يكونون أكثر استثارة واستجابة للأطفال، فإن كان الوالدان يتسمان باللطف والانتباه الاجتماعي والاستجابية عندما يكونا مع أطفالهم فإنهم لن يكونوا في حاجة إلى القلق بشأن وليدهم، والحقيقة الجوهرية في هذا السبيل هي النوعية التي تعطي للطفل أكثر من كمية الاهتمام من الآباء للأبناء وعلى ذلك تكون المحدد الحاسم لسلوك الطفل الاجتماعي, ويشير Wallston؛ "١٩٧٣" بأنه لا يوجد دليل في أن الأطفال سوف يعانون من أي ضرر نفسي في حالة عمل كل من الأب والأم خارج المنزل ما داموا قد تمكنوا من توفير البديل المناسب والمستقر للعناية بالطفل عندما يكونا خارج المنزل للعمل فالعناية بالأطفال يمكن أن يتقاسم فيها أعضاء متعددون من الأسرة بدون أن يتعارض مع تكوين الارتباطات عند الأطفال.
стр. 248
قلق الغرباء:
بمجرد أن يكون الأطفال الارتباطات الانتقائية، غالبًا ما يظهر أمارات القلق في حالة تواجد الغرباء ونلاحظ الرضع فيما بين ٥-٨ شهور عادة ما يكونون على حذر عند قدوم الغرباء, وفي غضون وقت قصير نراهم يميلون إلى العبوس والتجهم والصياح أو البكاء، أو قد ينسحبون ويهربون عندما يجري أي شخص غير مألوف لديهم مقدمات سلوكية اجتماعية، وقلق الغرباء عادة ما يصل إلى ذروته بنهاية السنة الأولى وبعد ذلك يضعف تدريجيًا، حيث يبدأ الأطفال تعلم عدم الخوف من الآخرين لمجرد أنهم ليسوا مألوفين لديهم.
وقلق الغرباء يمكن أن يأتي كشيء مفاجئ غير متوقع لوالدي الطفل، فالأم التي تستمتع بحمل ابنتها ذات الخمسة أشهر إلى الأصدقاء وتلاحظ ابتسامتها وقررتها لهم، قد تنزعج بعد شهور قليلة لاحقة عندما تبدأ طفلتها عويلها وتصر على أن تحمل على الأيدي عند رؤيتها لزائر ما,
стр. 249
وبطريقة مماثلة نجد الزائر العرضي الذي كان معتادًا الاستمتاع باللعب مع الطفل قد يحزن عندما يفاجئ بأن الطفل لا يريد أن يدنو إليه أو يقترب منه, وعمومًا فمن المفيد للآباء أن يكونوا على دراية أن قلق الغرباء ينمو في النصف الثاني من السنة الأولى ويمكنهم أن يخففوا من قلق طفلهم وانزعاجه, فمثلا إذا ظهر الغرباء على نحو مفاجئ في مجال رؤية الطفل, مصدرين أصواتا عالية تبدو للرضيع غير مألوفة أو ودودة ويحاولون الإمساك به فجأة, أو رفعه بأيديهم إلى أعلى حينئذ يبدو الشخص غير المألوف تدريجيًا مخاطبًا الطفل برفق وهدوء، يومئ وجهه بأمارات ودودة سارة، لا يأخذ الطفل بسرعة وفجأة فإن الطفل قد يبقى هادئًا حتى إذا حدث في فترة ذروة قلق الغرباء.
بالإضافة إلى أن الأطفال يكونون أقل ميلا في إبداء قلق الغرباء في حالة وجودهم داخل بيئة وأفراد محيطين بهم مألوفين لديهم وكانت أمهاتهم قريبة منهم، ويشير برنسون Bronson؛ "١٩٦٨" إلى ذلك بأنه في حالة إمساك الأم بالطفل، حاملة إياه عند مقدم هذا الشخص الغريب ويستطرد برونسون أن نتائج إحدى دراساته أظهرت قلقًا وانزعجًا أكبر لدى الأطفال عند قدوم الشخص الغريب عندما كانت أمهاتهم على بعد أربعة أقدام منهم، إذا ما قورنوا بحالتهم عندما كانت أمهاتهم ممسكة بهم.
ويشير Rubenstein؛ "١٩٦٧" أن الآباء يمكنهم تقليل انزعاج الطفل وقلقه وذلك عن طريق تنظيم اكتساب خبرات اجتماعية إيجابية خلال الستة أشهر الأولى من حياته، فالأطفال الذين يتلقون استثارة اجتماعية أكبر في حياتهم المبكرة بواسطة الربت عليهم والإمساك بهم وحملهم واللعب معهم، كلما كانوا أقل ميلا للقلق نحو الغرباء فيما بعد، وتؤيد ذلك نتائج دراسة Tizard & Tizred على ٣٠ طفلا ذوي العامين تربوا من عمر الأربعة أشهر في بيت حضانة داخلي مع ٣٠ طفلا من نفس عمرهم الزمني قد تربوا داخل منازلهم، وأشارت النتائج إلى أن أطفال الحضانة قد أصبحوا مرتبطين بصورة كبيرة بآبائهم بمجرد أنهم كانوا يزورونهم مرة كل من النماذج المفضلة للارتباط, أشارت النتائج أنه في عمر العامين قد وجدوا أنهم أكثر خوفًا من الغرباء إذا ما قورنوا بالأطفال الذين تربوا داخل منازلهم حيث ظهر لديهم قلق الغرباء الطفولي إلا أنه اختفى فيما بعد.
стр. 250
قلق الانفصال:
يبدأ نمو قلق الانفصال عند كثير من الأطفال عن أبويهم أو الأشخاص الآخرين الذين يكونون مرتبطين بهم، وعادة ما يصل قلق الانفصال إلى ذروته فيما بين ١٢-١٨ شهرًا من عمر الوليد الإنساني, وفي نفس الوقت نجد ضعف قلق الغرباء لديه.
وحيث أن الأطفال أثناء قلق الانفصال يكون لديهم القدرة على الزحف وكذلك القدرة على المشي، فيمكنهم أن يظهروا ضيقهم ليس فقط بالصياح ولكن بالإضافة إلى محاولة البقاء قريبين من الشخص الذي يتحرك بعيدًا عنهم, وبسبب وجود علاقة وثيقة بين قلق الارتباط وقلق الانفصال، يمكن أن نحدد ما إذا كان الأطفال مرتبطين بشخص معين وذلك بملاحظة الذي يحدث عندما يغادر هذا الشخص المنزل ويعود إليه، فإذا بكى الأطفال وحاولوا أن يتبعوا ذلك الشخص الذي يغادر المنزل، أو يكونوا في هدوء واطمئنان عند عودته فإن ذلك يعزى إلى أنهم قد أصبحوا مرتبطين بهذا الشخص.
ولقد درست ردود فعل الانفصال بواسطة اينسورث Ainsworth "١٩٧٠" في مواقف اللعب صممت خصيصًا لذلك، حيث تكون الأم جالسة مع طفلها في حجرة الألعاب وتترك الحجرة لفترة وجيزة، وبعدها تعود, ولقد وضح أن طفل العام الواحد الذي تركته الأم لدقائق قليلة في هذا الموقف قد بكى وكان يذهب إلى الباب وينظر حول الحجرة كما لو أنه يتبع الأم أو يبحث عنها، ويفقد كل اهتماماته بحجرة الألعاب والدمى التي تحتويها, وعندما تعود الأم يتوقفون عن البكاء ويتسلقون أعلى ركبتها، ويمسكون بها بإحكام ويقاومون في أن يوضعوا على الأرض، هذا ولقد أشارت عديد من الدراسات إلى نفس نتائج اينسورث واستخدموا نفس هذا النمط في مواقف اللعب، أثر انفصال الأم عن الطفل فيما بين ١٠-١٨ شهر من عمره Coates, and Others؛ "١٩٧٢".
وأثبتت الدراسة على الحيوانات نفس الشيء فلقد أجرى Seay and Harlow؛ "١٩٦٥" دراسة على صغار القردة وظهر لديهم الانزعاج والقلق عندما فصلوا عن أمهاتهم, ولقد أمكن التوصل إلى نتائج إضافية عن نتائج الدراسات على الأطفال حيث يمكن أن تمتد فترة الانفصال عند القردة أكثر مما تكون عليه عند الأطفال، وتمكن باحثون من تسجيل نتائج
следующие страницы →