Полный текст (737 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
الأنماط السلوكية المدعمة للأرتباط
...
الأنماط السلوكية المدعمة للأتبارط:
الارتباط يشبه السلوك المعبر، يعزز عندما يستثير الآباء أطفالهم، ويستجيبون إليهم دون إبطاء وبحب لإشاراتهم خاصة لبكائهم، وعلى نقيض ذلك, فإن الآباء الذين يقدمون استثارة واستجابة أقل دفئًا كلما كانت الارتباطات التي ينميها الأطفال ضعيفة, ولقد أشار كل من Ainsworth & Bell أن الأطفال الذين تحملهم أمهاتهم وتحتضنهم بعطف وحب، ويمسكونهم لمدة أطول وبلطف وحنان أثناء الشهور الثلاثة الأولى نجدهم يشعرون بالاستمتاع بحمل أمهاتهم لهم فيما بين ٩-١٢ شهرًا ونراهم يحتضنون ويعانقون أمهاتهم، وعلى نقيض ذلك وجدوا أن الأطفال الذين كانوا يحملون بطريقة فظة ويمسك بهم لفترات قصيرة وجيزة وبإهمال، وكانت أمهاهتم كارهة الاتصال بهم فيما بين الشهر التاسع ونهاية العام الأول, ولوحظ أنهم دائمًا ما يكونون في حالات اهتياج وقلق وانفعال بصورة عالية.
ولقد لاحظ Bechwith في دراسة مشابهة أن الأطفال فيما بين ٧-١٠ شهور الذين كانت أمهاتهم يتجاهلون إشارتهم أوضحوا ميلا أقل في أن يحملوا أو يمسك بهم وعلى ذلك فإن كمية العناية ونوعيتها التي يتلقاها
стр. 247
الأطفال الصغار تؤثر في ارتباطاتهم ومن المهم أن نؤكد هنا أن التفاعل الاجتماعي المحدود يعمل على تعزيز الارتباط، أكثر من الفترات الممتدة الطويلة والتي تجري على وتيرة واحدة في نظام الطعام والعناية الجسمية.
جملة القول: فإن العناية المكثفة ليست ضرورية حتى يصبح الأطفال مرتبطين بالناس، فهذه الارتباطات لا تتكون نحو هؤلاء الذين يقضون أغلب الوقت مع الأطفال، ولكن مع هؤلاء الذين يكونون أكثر استثارة واستجابة للأطفال، فإن كان الوالدان يتسمان باللطف والانتباه الاجتماعي والاستجابية عندما يكونا مع أطفالهم فإنهم لن يكونوا في حاجة إلى القلق بشأن وليدهم، والحقيقة الجوهرية في هذا السبيل هي النوعية التي تعطي للطفل أكثر من كمية الاهتمام من الآباء للأبناء وعلى ذلك تكون المحدد الحاسم لسلوك الطفل الاجتماعي, ويشير Wallston؛ "١٩٧٣" بأنه لا يوجد دليل في أن الأطفال سوف يعانون من أي ضرر نفسي في حالة عمل كل من الأب والأم خارج المنزل ما داموا قد تمكنوا من توفير البديل المناسب والمستقر للعناية بالطفل عندما يكونا خارج المنزل للعمل فالعناية بالأطفال يمكن أن يتقاسم فيها أعضاء متعددون من الأسرة بدون أن يتعارض مع تكوين الارتباطات عند الأطفال.
стр. 248
قلق الغرباء:
بمجرد أن يكون الأطفال الارتباطات الانتقائية، غالبًا ما يظهر أمارات القلق في حالة تواجد الغرباء ونلاحظ الرضع فيما بين ٥-٨ شهور عادة ما يكونون على حذر عند قدوم الغرباء, وفي غضون وقت قصير نراهم يميلون إلى العبوس والتجهم والصياح أو البكاء، أو قد ينسحبون ويهربون عندما يجري أي شخص غير مألوف لديهم مقدمات سلوكية اجتماعية، وقلق الغرباء عادة ما يصل إلى ذروته بنهاية السنة الأولى وبعد ذلك يضعف تدريجيًا، حيث يبدأ الأطفال تعلم عدم الخوف من الآخرين لمجرد أنهم ليسوا مألوفين لديهم.
وقلق الغرباء يمكن أن يأتي كشيء مفاجئ غير متوقع لوالدي الطفل، فالأم التي تستمتع بحمل ابنتها ذات الخمسة أشهر إلى الأصدقاء وتلاحظ ابتسامتها وقررتها لهم، قد تنزعج بعد شهور قليلة لاحقة عندما تبدأ طفلتها عويلها وتصر على أن تحمل على الأيدي عند رؤيتها لزائر ما,
стр. 249
وبطريقة مماثلة نجد الزائر العرضي الذي كان معتادًا الاستمتاع باللعب مع الطفل قد يحزن عندما يفاجئ بأن الطفل لا يريد أن يدنو إليه أو يقترب منه, وعمومًا فمن المفيد للآباء أن يكونوا على دراية أن قلق الغرباء ينمو في النصف الثاني من السنة الأولى ويمكنهم أن يخففوا من قلق طفلهم وانزعاجه, فمثلا إذا ظهر الغرباء على نحو مفاجئ في مجال رؤية الطفل, مصدرين أصواتا عالية تبدو للرضيع غير مألوفة أو ودودة ويحاولون الإمساك به فجأة, أو رفعه بأيديهم إلى أعلى حينئذ يبدو الشخص غير المألوف تدريجيًا مخاطبًا الطفل برفق وهدوء، يومئ وجهه بأمارات ودودة سارة، لا يأخذ الطفل بسرعة وفجأة فإن الطفل قد يبقى هادئًا حتى إذا حدث في فترة ذروة قلق الغرباء.
بالإضافة إلى أن الأطفال يكونون أقل ميلا في إبداء قلق الغرباء في حالة وجودهم داخل بيئة وأفراد محيطين بهم مألوفين لديهم وكانت أمهاتهم قريبة منهم، ويشير برنسون Bronson؛ "١٩٦٨" إلى ذلك بأنه في حالة إمساك الأم بالطفل، حاملة إياه عند مقدم هذا الشخص الغريب ويستطرد برونسون أن نتائج إحدى دراساته أظهرت قلقًا وانزعجًا أكبر لدى الأطفال عند قدوم الشخص الغريب عندما كانت أمهاتهم على بعد أربعة أقدام منهم، إذا ما قورنوا بحالتهم عندما كانت أمهاتهم ممسكة بهم.
ويشير Rubenstein؛ "١٩٦٧" أن الآباء يمكنهم تقليل انزعاج الطفل وقلقه وذلك عن طريق تنظيم اكتساب خبرات اجتماعية إيجابية خلال الستة أشهر الأولى من حياته، فالأطفال الذين يتلقون استثارة اجتماعية أكبر في حياتهم المبكرة بواسطة الربت عليهم والإمساك بهم وحملهم واللعب معهم، كلما كانوا أقل ميلا للقلق نحو الغرباء فيما بعد، وتؤيد ذلك نتائج دراسة Tizard & Tizred على ٣٠ طفلا ذوي العامين تربوا من عمر الأربعة أشهر في بيت حضانة داخلي مع ٣٠ طفلا من نفس عمرهم الزمني قد تربوا داخل منازلهم، وأشارت النتائج إلى أن أطفال الحضانة قد أصبحوا مرتبطين بصورة كبيرة بآبائهم بمجرد أنهم كانوا يزورونهم مرة كل من النماذج المفضلة للارتباط, أشارت النتائج أنه في عمر العامين قد وجدوا أنهم أكثر خوفًا من الغرباء إذا ما قورنوا بالأطفال الذين تربوا داخل منازلهم حيث ظهر لديهم قلق الغرباء الطفولي إلا أنه اختفى فيما بعد.
стр. 250
قلق الانفصال:
يبدأ نمو قلق الانفصال عند كثير من الأطفال عن أبويهم أو الأشخاص الآخرين الذين يكونون مرتبطين بهم، وعادة ما يصل قلق الانفصال إلى ذروته فيما بين ١٢-١٨ شهرًا من عمر الوليد الإنساني, وفي نفس الوقت نجد ضعف قلق الغرباء لديه.
وحيث أن الأطفال أثناء قلق الانفصال يكون لديهم القدرة على الزحف وكذلك القدرة على المشي، فيمكنهم أن يظهروا ضيقهم ليس فقط بالصياح ولكن بالإضافة إلى محاولة البقاء قريبين من الشخص الذي يتحرك بعيدًا عنهم, وبسبب وجود علاقة وثيقة بين قلق الارتباط وقلق الانفصال، يمكن أن نحدد ما إذا كان الأطفال مرتبطين بشخص معين وذلك بملاحظة الذي يحدث عندما يغادر هذا الشخص المنزل ويعود إليه، فإذا بكى الأطفال وحاولوا أن يتبعوا ذلك الشخص الذي يغادر المنزل، أو يكونوا في هدوء واطمئنان عند عودته فإن ذلك يعزى إلى أنهم قد أصبحوا مرتبطين بهذا الشخص.
ولقد درست ردود فعل الانفصال بواسطة اينسورث Ainsworth "١٩٧٠" في مواقف اللعب صممت خصيصًا لذلك، حيث تكون الأم جالسة مع طفلها في حجرة الألعاب وتترك الحجرة لفترة وجيزة، وبعدها تعود, ولقد وضح أن طفل العام الواحد الذي تركته الأم لدقائق قليلة في هذا الموقف قد بكى وكان يذهب إلى الباب وينظر حول الحجرة كما لو أنه يتبع الأم أو يبحث عنها، ويفقد كل اهتماماته بحجرة الألعاب والدمى التي تحتويها, وعندما تعود الأم يتوقفون عن البكاء ويتسلقون أعلى ركبتها، ويمسكون بها بإحكام ويقاومون في أن يوضعوا على الأرض، هذا ولقد أشارت عديد من الدراسات إلى نفس نتائج اينسورث واستخدموا نفس هذا النمط في مواقف اللعب، أثر انفصال الأم عن الطفل فيما بين ١٠-١٨ شهر من عمره Coates, and Others؛ "١٩٧٢".
وأثبتت الدراسة على الحيوانات نفس الشيء فلقد أجرى Seay and Harlow؛ "١٩٦٥" دراسة على صغار القردة وظهر لديهم الانزعاج والقلق عندما فصلوا عن أمهاتهم, ولقد أمكن التوصل إلى نتائج إضافية عن نتائج الدراسات على الأطفال حيث يمكن أن تمتد فترة الانفصال عند القردة أكثر مما تكون عليه عند الأطفال، وتمكن باحثون من تسجيل نتائج
стр. 251
مشوقة انبثقت من الدراسة على الحيوان حيث كان يوضع بعض القردة الصغار في قفص يستطيعون منه رؤية وسماع أمهاتهم في قفص آخر، إلا إنهم لا يتمكنوا من الحصول على أي اتصال جسمي معهم، ففي بداية الأمر كانوا يصرخون ويدورون حول أنفسهم ويقفزون أعلى وأسفل وينظرون إلى أمهاتهم أغلب الوقت، وبعد ثلاثة أسابيع من الفصل وجد أن هذا الاحتجاج يبدأ في الاختفاء ويصبح القردة الصغار في حالة تبلد, ويوقفون اللعب سويًا حتى يتوقفوا عن النظر إلى أمهاتهم, وفي حالة إعادتهم إلى أمهاتهم من جديد نجدهم يظلون فترة كبيرة ملتصقين بهم بشدة قبل ابتدائهم التصرف بصورة عادية مرة أخرى.
ولقد لوحظ أنه عندما يفصل الوليد البشري عن أبويه لعدة أيام، فإنه يميل إلى إبداء نفس النوع من الاحتجاج واليأس والقنوط كما كان ذلك في القردة التجريبية، ففي أول الأمر كانوا يبحثون عن أمهاتهم باكين، وبعد ذلك يصبحون سريعي التهيج والغضب متبلدين وأخيرًا وجد نكوصهم في بعض مهاراتهم المتعلمة السابقة, ويشير بولمبي كذلك أن الآباء الذين يعودون من سفر طويل قد يجدون أطفالهم الصغار ما بين ٨-٢٤ شهرًا يتسمون بالخضوع والانسحاب كما لو أنهم في حالة من حالات الاكتئاب، أو قد يرتدون لأنماط سلوكية سابقة، حيث نجدهم يزحفون على الرغم من تعلمهم المشي أو قد يرتدون إلى عمليات التبرز على الرغم من تعلمهم التحكم فيها.
وتشير النتائج إلى أن الأطفال يختلفون عن صغار القردة حيث وجد Bowlb أنهم لا يرحبون ولا يكونون سعداء بعودة آبائهم في حالة السفر لأيام أو أسابيع أو الغياب عنهم وذلك إذا ما قورن عودتهم بعد دقائق أو ساعات فقط من غيابهم عنهم حيث وجد أنهم يبدو كما لو أنهم منفصلون أو مستقلون عنهم، فقد يبكون أو ينسحبون بعيدًا عنهم عندما يقبل آباؤهم عليهم، وقد لا يتعرفون على آبائهم، وبإيجاز يعاملونهم كما لو أنهم غرباء عليهم، وبعد ساعات أو أيام قليلة، ويعتمد ذلك على طول فترة الانفصال، نرى تراجعا لهذا الانفصال وتظهر ثنائية المشاعر حيث يبدأ الأطفال في تقبل والديهم بدفء مرة أخرى ويلتصقون بهم, ومن وجهة نظر الوالدين يشيرون إلى أن أطفالهم كانوا يحاولون عقابهم لتركهم بمفردهم، ولحسن الحظ فإن ثنائية المشاعر Ambivalence تختفي بعد أسبوع أو أسبوعين من عودة الوالدين للطفل، ومرة أخرى يعود الأطفال إلى ذويهم مرة أخرى.
стр. 252
ويشير مور Moore؛ "١٩٦٩" بأنه يمكن تجنب ردود فعل الانفصال على الأطفال، حيث وجد أن قلق الانفصال عند الأطفال إذا كان من الممكن توفير بيئة مألوفة لهم، وأفراد مألوفين لديهم، وبعض من ممتلكاتهم وأشيائهم الخاصة بهم وأن يعنى بهم آباء بديلة يتسمون باللطف والمجاملة والحنان، فمثلا إذا ذهبت الأم للولادة في المستشفى فمن المستحسن أن يكون بالمنزل شخص مألوف للطفل مثل العمة أو الجدة تستخدم كأم بديلة لطفل العام أو العامين وذلك أفضل من الشخص الغريب, ومن الأفضل كذلك أن تبقى الأم البديلة في منزله الخاص بدلا من نقله إلى منزلها، وإن كان على الطفل أن ينتقل إلى منزل آخر فمن الأفضل أن يصطحب معه دمياته المألوفة وأشياءه المعتادة من أثاثه كسريره ونقالته التي يلعب فيها وكرسيه الطويل الذي يجلس عليه، وإن كان للطفل أخ أو أخت كبرى فمن الأفضل أن يمكثا سويًا عندما تكون أمهاتهم غائبة عن المنزل، وهذا أفضل بالنسبة للطفل الصغير إذا ما قورنت حالته عندما يكون تحت رعاية أقارب له.
стр. 253
نظريات أصول الارتباطات المتبادلة:
يتفق السيكولوجيون في أن الأطفال يبدءون في إظهار الارتباطات مع الأشخاص الآخرين، إلا أنهم لديهم نظريات مختلفة في كيفية نمو هذه الارتباطات, فنظريات التحليل النفسي التقليدية ونظريات التعلم الاجتماعي تشير إلى أن الاهتمامات الاجتماعية تنبعث من الحاجات البيولوجية، وبلغة التحليل النفسي يبدأ الأطفال بأن يشعروا بالحب والارتباط بأمهاتهم، بسبب ارتباطهم معها بخبرة سارة مشبعة في إطعامهم، وبلغة نظريات التعلم الاجتماعي أن خفض الحافز الأولي الذي تمنحه الأم كما في حالة إطعام رضيعها يؤدي به إلى أن ينمي حوافز ثانوية في أن يكون قريبًا منها ومعتمدًا عليها، وبمجرد بناء هذا الحب أو الاعتمادية تجاه الأم، نجد الاهتمام أو الميل الاجتماعي ينتج تعميمات نحو أشخاص آخرين كذلك.
وبسبب تأثير هذه النظريات، نجد السيكولوجيين قد عملوا منذ سنوات عديدة تمييزًا بين الدوافع الأولية "البيولوجية" والدوافع الثانوية "الاجتماعية" في سلوك الإنسان, ومنذ عام ١٩٦٠ أشار بعض علماء النفس
стр. 254
أن الميل الاجتماعي يعتبر خاصية أولية، وأهم هذه النظريات قد صيغ على أيدي جون بولبي، حيث أشار أن الارتباطات الشخصية المتبادلة تنبعث من الأنماط السلوكية الإشارية والتوجيهية في مرحلة الطفولة، والانتباه الشخصي الذي ستجلبه هذه الأنماط السلوكية من الآخرين، فالاستجابات الاجتماعية التي يصدرها الراشدون تجاه الرضيع هي التي تشكل الأنماط السلوكية المعبرة للطفل داخل نماذج من الارتباط الشخصي المتبادل.
وانبثق دليل إضافي عن هذه الظاهرة من نتائج دراسات هارلو Harlow؛ "١٩٦٦" خاصة من ملاحظاته على صغار القردة، حيث وجدهم يكونون ارتباطات قوية على الرغم من عدم تلقيهم الطعام, ففي هذه الدراسات الكلاسيكية كانت توضع صغار القردة مع نوعين من الأمهات، واحدة منها مصنوعة من السلك، والأخرى مغطاة بنسيج وبري ناعم، وكل منهما كان لديه زجاجة للإطعام موضوعة في منطقة الصدر يطعم من خلالها، وأشارت النتائج أن جميع القردة فضلت أن تكون على مقربة من الأم ذات النسيج الوبري وتلتصق بها حتى وإن كانوا قد تلقوا التغذية من الأم السلكية فقط, وبالإضافة فعندما وضع المجرب عنكبوتا مصنوعا من الصوف داخل القفص وجد أن القردة بدا عليهم الخوف واتجهوا بسرعة نحو الأم ذات النسيج الوبري, بغض النظر إن كانت مصدر الإطعام أم لا؟ ولقد تحول كثير من علماء التحليل النفسي والتعلم الاجتماعي لنظرية بولبي في النمو الإنساني.
стр. 255
الانفصال والتفرد:
عندما يصبح الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة، نجد أشكال ارتباطاتهم المبكرة تصبح أقل أهمية، ويتخلص الأطفال من قلق الغرباء، وقلق الانفصال, ويشير كويتس Coates وزملاؤه أن الأطفال ما بين ١٠-١٨ شهرًا يمكن أن يلاحظ عليهم بعض التغيير البسيط في ردود فعلهم للانفصالات الوجيزة القصيرة، وفي سن الثانية يكونون أقل قلقًا وانزعاجًا عما كانوا عليه في سنتهم الأولى وذلك عندما تتركهم أمهاتهم لدقائق معدودة، وطفل الثالثة أقل إزعاجًا من طفل الثانية، وطفل الرابعة نادرًا ما يتأثر, فأثناء نمو قدرة الطفل على احتمال الغرباء والانفصال يبدأ
стр. 256
في محاولته وسعيه للانفصال والتفرد عن الوالدين وهذه الأحداث النمائية تمهد السبيل لكي يؤكد الأطفال ذواتهم كأشخاص مستقلين.
بدايات التفرد:
أثناء السنة الأولى عادة ما نجد الأطفال يمكثون لفترة طويلة في المكان الذي تضعه فيه أمهاتهم، وأي سلوك يصدره الطفل في هذا الوقت مثل التقلب في الفراش أو الالتفات حوله عندما تحاول الأم تغيير حفاضته، أو رميه بكوب أو عمل ضوضاء، كل ذلك يكون عرضيًا بصورة كبيرة وغير مرتبط بأحاسيسهم تجاه الأم، وأثناء السنة الثانية نجد حدثين يحدثان:
أ- تزداد مهارة الأطفال في تناول الأشياء والإمساك بها، والتحرك في الاتجاه الذي يرغبونه.
ب- يبدأ الأطفال في تفهم أن سلوكهم يؤثر في أبويهم، وعلى الرغم من أن الأبوين والأشخاص الآخرين الذين يهتمون بتربية الطفل ما يزال لهم سيطرة ضخمة من الناحية الجسمية، ويمكنهم التحكم في كثير من أوجه الثواب والعقاب المعطى للطفل، إلا أننا نجد الطفل يدرك بأنه يمكنه التأثير فيما يشعر ويحس به الآباء.
فالمهارات الحركية الجديدة في هذا السن، وبداية وعيهم بتأثيرهم على الآخرين تقود الأطفال إلى عمل الدلائل الأولية للاستقلال، فاستفزاز الأم عن طريق إسقاط اللبن، ورفض الإمساك بالطعام عندما تطلب منه ذلك، يدفع الأم إلى الاضطراب والارتباط بالإضافة إلى أن الطفل بمجرد أن يتعلم الكلام يمكنه أن يعبر عن حاجاته ورغباته الخاصة, واللغة في بداية الأمر تكون وسيلة تبادل سارة بين الآباء والأطفال, إلا أنها تصبح كذلك وسيلة من وسائل الصراع والإحباط عندما يتعلم الأطفال قول "لا"، وحالما يتعلمون هذه الكلمة نجدهم غالبًا ما يستخدمونها بتأثيرات جيدة، فإنهم يقولون "لا" ليس بهدف عدم رغبتهم في عمل بعض الأشياء، ولكن لأنهم يريدون إثبات ذواتهم بطرقهم الخاصة.
وعن طريق مقاومة أو معارضة الآباء يبدأ الأطفال في تدعيم هويتهم المستقلة، فالخلفة أو العصيان غالبًا ما تكون معكرة ومزعجة للآباء
стр. 257
إلا أنها عملية ضرورية وجزء حيوي متعذر اجتنابه في مجرى النمو الإنساني, وفي حالة عدم حدوث هذا السلوك المعاكس من جانب الطفل حتى نهاية السنة الثانية فإنه يوجد بدلا منه ما يسمى بالأم التكافلية Symictic Mother في علاقتها بطفلها، والأطفال التكافليون كامتداد لأمهاتهم، حيث لا يحدث لديهم تقدمًا نحو بناء أنفسهم كأشخاص متميزين مستقلين وعلى الرغم من أن التكافلية تعتبر بمثابة شيء عادي في الطفولة المبكرة إلا أن استمرارها في سن الثانية غالبًا ما يكون علامة مبكرة للنمو غير السوي.
الاستجابات الأموية للتفرد:
إن نتائج الملاحظات الإكلينيكية لمارجريت ماهلر M. Hahler وبندك T. Benedek؛ "١٩٦٨", كشفت أن الآباء خاصة الأمهات عادة ما تستجيب بصورة مختلفة لتفرد أطفالهن، ومن الناحية العقلية يجب أن تكون الأمهات في سرور وإشباع عند تزايد استقلال أولادهن، وعلى الرغم من أنهن قد يشعرن ببعض التوق للارتباطات المبكرة مع أطفالهن، إلا أنهن يجب أن يرحبن بإنجازات أطفالهن الجديدة ويشبعون عندما يرون طفلهن معتمدًا على ذاته, وجدير بالذكر فإن الأمهات اللاتي يمكنهن التوافق مع هذه التغيرات الجديدة التي تحل بالطفل عادة ما يملن إلى توفير نوع ثابت من العناية والراعية كلما درج أولادهن نحو مدارج النضج والنمو.
ومن جانب آخر قد نرى بعض الأمهات يستمتعن بالعناية بأطفالهن الذين يكونون معتمدين كلية عليهن، إلا أنهن يشعرن بالقلق عندما يبدأ الأطفال في النضج كأفراد مستقلين وعادة ما يشبع هؤلاء الأطفال أمهاتهم في أن يكونوا تحت ضبطهم وتحكمهم الكامل, ولكن عندما تعوق عملية التفرد هذه التكافلية فإن بعض النساء قد ينظرن إلى إشباع في اتجاه آخر، بمعنى أن يحملن مرة أخرى وأن يكون لهن أطفال صغار جدد للعناية بهم عندما يصل السابقون إلى سنوات ما قبل المدرسة، وعمومًا فإن اهتمام ورعاية الأم تميل إلى أن تضعف تدريجيًا وبصورة جوهرية عندما يبدأ الأولاد النامون في تأكيد ذواتهم واستقلالهم.
وصنف آخر من الأمهات, نجدهم أكثر اهتمامًا وسرورًا كلما تدرج طفلهم في مدارج نموه، كما يسرون بتفرد أطفالهن وينشرحن كذلك بازدياد قدرة الأطفال على الاتصال مخلصة إياهن من العبء والإرهاق في
стр. 258
التفسير والتأميل, وعندما يصل أطفالهن إلى سن ما قبل المدرسة يستمتعن بإجراء المناقشات معهم ويرضون بأن يكون لأولادهن رفاق وأصدقاء، وجدير بالذكر فإن هذا الصنف من النساء يملن إلى أن يكن أكثر تكريسًا وإشباعًا لأطفالهن بعد انعزالهم أو انفصالهم عنهن.
الاتجاهات نحو العالم:
بنهاية عام الوليد الإنساني الثاني، يبدأ الأطفال في تكوين اتجاهات عامة تجاه عالمهم، وأول هذه الاتجاهات التي تظهر ما يسميه أريكسون Erikson؛ "١٩٥٩" بإحساس الثقة، وهو إحساس عام مؤداه أن حاجات الطفل سوف تقابل وتشبع وأن هذا العالم مكان أمن صدوق. وكمية الثقة أو عدم الثقة التي ينميها الأطفال خلال السنتين الأوليتين يعتمد نحو العالم بواسطة الطريقة التي يستجيبون بها إلى حاجاتهم, فالأم التي تستمتع بالعناية بأطفالها حيث تميل إلى إطعامهم بطريقة متمهلة متروية ومتحررة من التوتر العصبي، وتعانقهم وتحتضنهم وتلعب أو تلهو معهم, ومن جانب آخر نجد الأمهات اللاتي يمتعضن ويستأن من مطالب أطفالهن، قد يطعموهن بطريقة متعجلة آلية وغير مهتمين أو مبالين.
هذه الأنماط الأموية المختلفة يمكن أن تؤثر في مدى توقع الطفل الاستقبال الدافئ الحاني من الآخرين وكذلك في مدى توقع الاستجابة الباردة المتذمرة أو الحاقدة، وبهذه الطريقة نجد الأطفال ينمون إما إحساس الثقة في عالمهم، ناظرين إليه كمصدر معول يعتمد عليه للارتياح والدعم, أو إحساس عدم الثقة أو عدم الأمان فيما يزوج به أو يدخر به عالمهم لهم, ولقد أكدت عديد من الدراسات النفسية أدوار الآباء في تدعيم إحساس الطفل بالثقة, وتشير هذه الدراسات أن الأمهات اللاتي يتسمن بالحساسية لحاجات أطفالهن، والأكثر رقة وحنانًا واللاتي يتسمن بسرعة الاستجابة والاستثارة في العناية بالأطفال، فإن أطفالهن يميلون بدرجة أعلى إلى تنمية اتجاهات الأمن أكثر من اتجاهات عدم الأمان نحو العالم Ainsworth & Others؛ "١٩٧٣", كما أن الأطفال الذين اتسموا بالأمن في هذه الدراسات كانوا ذوي مطالب قليلة بصورة نسبية على أمهاتهم، ويشعرون بالأمن والارتياح عندما تتركهم لكي يكتشفوا بيئاتهم، ويحتملون انفصالات وجيزة دون أن يكونوا مصدرًا للإزعاج, ومن جانب آخر يتسم الأطفال غير الآمنين بميلهم للالتصاق بأمهاتهم، ويطلبون انتباه
الآخرين لهم ويترددون في اكتشاف بيئاتهم، ويتميزون بالإزعاج بصورة واضحة عندما يفصلون لفترات وجيزة عن أمهاتهم واتصف الأطفال الآمنون كذلك بالثقة لتلقي الاهتمام والرعاية عندما يحتاجون إليها، ويدركون أنه يجب ألا يبحثوا عنها ولا يلتمسوها باستمرار أو أن يكونوا ملتصقين وقريبين من مصدرها، في حين أن الأطفال غير الآمنين لم يكن لديهم هذا الإحساس في تلك الثقة.
стр. 259
تأثير الأطفال على العناية التي يتلقونها:
تأثير الآباء على نمو شخصية أبنائهم يحدد جزئيًا بواسطة الاختلافات الولادية بين الأطفال والتي تؤثر في كيفية معاملة آبائهم لهم, فالأطفال يختلفون منذ الميلاد في عديد من جوانب سلوكهم، ويتضمن ذلك مستوى أو معدل النشاط وعادات تناول الطعام والنوم، ودرجة الحساسية للاستثارة، فبعض الأطفال نجدهم مثيرو للضجة الشديدة، سريعو الغضب والانفعال, سريعو الاهتياج ومن الصعب إرضاؤهم في حين نجد أطفالا آخرين يتسمون بالهدوء، لا يسألون أو يطلبون شيئا وقد يبدي البعض درجة كبيرة من التأثير والعاطفة، ونضجًا عقليًا وجسميًا سريعا، في حين قد نجد آخرين يسيرون ببطء في مجرى نضجهم ونموهم، متحكمين في انفعالاتهم إلى حد ما.
إن تأثير هذه الاختلافات الولادية على الآباء معروفة جيدًا، فالأطفال الذين يمكن ترويضهم بسهولة، ويتسم نضجهم ونموهم بالسرعة ويبدو عليهم الابتهاج والمرح عندما يهتم بهم، هؤلاء الأطفال يميلون إلى جعل آبائهم يشعرون بالبهجة في العناية والاهتمام بهم والذي يظهر من خلال تعبيرات الحب والتعاطف تجاههم.
ومن جانب آخر فالأطفال الذين يتسمون بقلة الحركة والنشاط، وسرعة الاهتياج والغضب، والصياح والبكاء باستمرار، أو الذين نادرًا ما يبتسمون أو يثرثرون أو يلتصقون بآبائهم يميلون أن يؤثروا تأثيرًا أقل على آبائهم، وعادة ما يكونون محبطين لآبائهم الذين يضعف عندهم الدفء والاهتمام بأطفالهم، وقد يصبح الآباء باردين نابذين في استجاباتهم وقد يتطور إحساسهم إلى الرفض، ولا يرجع ذلك بسبب أنهم
стр. 260
يتسمون بهذه الخصائص, وبالتالي فإن الأطفال يمكنهم تشكيل سلوك الآباء بالدرجة التي يؤثرون بها على آبائهم.
كيف يؤثر الأطفال الذين يتسمون بالنشاط والانفعالية في أمزجة الكبار من حولهم؟ وعمومًا هناك العديد من الدراسات التي أشارت إلى الاختلاف في درجة الحساسية بين الأطفال, والتي تؤثر بدورها في سلوك الآباء، فدراسة شافر Sahaffer وأميرسون Emerson؛ "١٩٦٤" التي لاحظت الأطفال مع أمهاتهم، أجرت تصنيفًا لأطفال الدراسة, "المعانقون ويلتمسون الدفئ في مقابل الأطفال غير المعانقين، وأشارت النتائج أن النوع الأول كانوا ينشدون الاتصال الجسمي مع أمهاتهم ويستمتعون به، بينما النوع الآخر كانوا كارهين للعناق والإمساك بهم حتى عندما كانوا في حالات خوف معينة أو محتاجين إلى الراحة, وهذه الاختلافات بين المجموعتين من الأطفال في درجة الحساسية والأمزجة، وكانت في سلوك الأم الموجه إلى طفلها.
ولقد وصف كل من توماس Thomas وآخرين "١٩٧٧" نتيجة إجرائهم سلسلة واسعة من الدراسات على الأطفال، ثلاثة نماذج من حساسية الأطفال والتي تبدأ مبكرًا في حياة الرضيع ويمكن الإشارة إليها فيما يلي:
أ- الطفل السهل المريح Easy Child.
ب- الطفل صعب الإرضاء Difficult Child.
ج- الطفل بطيء المودة للآخرين Slow to warm up child.
وكانت الغالبية من أفراد العينة تقع في الصنف الأول حيث اتسمت بالسهولة، واللين, تأكل وتنام بصورة نظامية، يتكيفون بطيب نفس وسرور للتغيرات، ويقتربون للمواقف الجديدة بارتياح ويظهرون أمزجة إيجابية في نغمتها ومعتدلة الشدة, ولقد مال الآباء إلى الاستجابة إلى هؤلاء الأطفال بإيجابية وغالبًا ما كانوا فخورين معتزين بنمو أطفالهم الهادئ والمجموعة الصغيرة كانت تتسم بأنها صعبة الإرضاء أظهرت الخصائص المعارضة حيث كانوا يأكلون وينامون بصورة غير نظامية جعل من الصعب
стр. 261
إطعامهم أو تركهم ينامون، وتكيفوا إلى التغيرات بصورة بطيئة، وكانوا يميلون إلى القلق والإزعاج في المواقف الجديدة وبجانب الأشخاص الغرباء، وغالبًا ما كانوا يتسمون بالمزاج السيئ صائحين ولديهم نوبات غضب حتى عندما يجابهون إحباطات عادية، وبسبب سلوك هؤلاء الأطفال صعب الإرضاء كان شعور الآباء تجاههم سلبيًا، بالإضافة إلى شعورهم بالذنب والقلق من احتمال كونهم السبب في هذه المشكلات عند أطفالهم، والحقيقة أن الآباء ليسوا مسئولين بدرجة كبيرة عن تلك الحساسية والمزاج المتقلب للطفل صعب الإرضاء, والأطفال من هذا النوع يمكن أن يتكيفوا تمامًا عندما يكبرون قليلا إن كان آباؤهم لديهم من الصبر الكافي لمساعدتهم على تعلم كيفية التغلب على الإحباطات التي تواجههم وزيادة قدرتهم على ذلك.
وتشير نتائج دراسة Thomas وآخرين "١٩٧٧" أن الأطفال بطيئو المودة وجد من الصعب عليهم التكيف للأفراد والمواقف الجديدة، إلا أنهم يعبرون عن ذواتهم بصورة صاخبة صارخة تمامًا، فهم يقلقون ويهتاجون بصورة معتدلة بالأشياء الجديدة أو يبدون مقاومة سلبية غير فعالة كما في حالة تركهم الطعام يسقط من أفواههم، ولكنهم لا يلفظون الطعام بعنف كما في حالة الطفل صعب الإرضاء, ويمكن أن يتجاوز هؤلاء الأطفال تلك المشكلات الشخصية في حالة وجود الآباء ذوي الصبر، والذين لا يدفعونهم إلى الإسراع في أوجه نموهم أكثر مما لديهم وما بإمكانياتهم بالإضافة ألا يفقدوا الاهتمام والميل إلى رعايتهم والاهتمام بهم.
стр. 262
تطبيقات لتنشئة الرضيع:
من استعراضنا لأنواع الدراسات التي عرضت فيما سبق، نستطيع أن نستنتج بأن علماء نفس النمو قد أدركوا أن كل مرحلة من الطفولة وبعض جوانبها تلازم وتصاحب مزاجًا خاصًا، ومعدلاتها النضجية، جميعها تتفاعل مع شخصيات الآباء لتحدد النموذج الأبوي في تنشئة الطفل، وعملية التفاعل هذه بين الآباء والأطفال تفسر حقيقة أن الأطفال الذين نشئوا في نفس الأسرة لا يكون لديهم بالضرورة نفس أنواع الخبرات مع آبائهم، كما أن الاختلافات الولادية بين الأخوة والأخوات تميل إلى أن تظهر استجابات مختلفة من الآباء والتي بدورها تؤثر تأثيرات مختلفة في نمو شخصيات أطفالهم.
стр. 263
وفيما يتعلق بمسألة أوسع وهي تنشئة الأطفال, فإن دور المزاج في نمو الشخصية له تطبيقات ذات دلالة وهما.
أولا: لا توجد طريقة متفردة أو طريقة مثلى في تنشئة الطفل، فسواء كان الطفل يستفيد من الإمساك به أو حمله في أغلب الأحيان أو في مناسبات، فإن ذلك يعتمد عما إذا كان الطفل يتسم بالألفة بطبيعته أو لا يتسم بها, وسواء كان الطفل يزدهر في نموه بسبب تعريضه لخبرات كثيرة جديدة، أو أنه قد يصيب نجاحًا أفضل عن طريق النظام المألوف العادي والبيئة المتغيرة ببطء يعتمد ذلك عما إذا كان هذا الطفل سهل الطباع أو غير ذلك.
ومهما يكن فإننا يجب أن نضع في الاعتبار تدريبات الطفل "مثل الإطعام وتوفير الاستثارة والتدريب والتهذيب" ومهما كان هدف تنشئة الطفل "كمساعدته في أن يشعر بالأمان، وتمكينه أن يكون محبًا ومحبوبًا فإن ذلك يعزز من نضالهم للاستقلال, والطريقة الأكثر نفعًا وأحسن تأثيرًا في العناية بالأطفال سوف تختلف تبعًا لمزاج وحساسية الطفل الخاصة، وعلى ذلك فإن الملاءمة والتوافق الجيد بين مزاج الطفل وبين نموذج تنشئته وتربيته هو مفتاح النمو الإيجابي للشخصية, وأي توجيه أو إشارة بأنه توجد طريقة واحدة مثلى للعناية بجميع الأطفال يجب أن تؤخذ بتحفظ.
ثانيًا: وعند دراستنا تأثيرات تدريبات تنشئة الطفل فإننا ابتداء يجب أن نسلم بالاختلافات المزاجية, وكذلك في درجة الحساسية، ولقد افترضت كثيرًا من الدراسات في هذا الميدان أن الأطفال يتشابهون بصورة أساسية وبالتالي فإن أنوع معينة من السلوك الأبوي قد تؤثر في كل الأطفال وبنفس الطريقة والنتيجة في كثير من الحالات كانت نتائج غير متسقة وخاطئة وجدير بالذكر فإن الخطأ في هذه الدراسات يمكن في أنها لم تضع في الحسبان تفاعل الآباء والأبناء ولم تول هذه المسألة الالتفات الكامل واللائق بها.
стр. 264
التأثيرات طويلة وقصيرة المدى للعناية بتدريبات الأطفال:
ناقشنا فيما سبق كيفية تأثير الآباء على سلوك أطفالهم عندما يكونون صغارًا, وهذه التأثيرات قصيرة المدى، حيث نجد الأطفال الذين تتسم أمهاتهم بالتعاطف والحب والود، والاستجابة لمتطلباتهم نجدهم يظهرون اتجاهات آمنة تجاه العالم المحيط بهم، كما أصبح الآن من المؤكد به أن الخبرات الأولى للحياة لها تأثير ذو دلالة في كيفية شعور وإحساس الأطفال، وكذلك لها تأثير أكيد في أفعالهم، وإن شئت فقل: لها تأثير فعال في جوانب شخصياتهم المختلفة, ومع ذلك فسواء كانت لهذه الخبرات المبكرة تأثيرات طويلة المدى بمعنى أنها تستمر ولها الاستمرارية في نمو الشخصية من الطفولة المبكرة إلى الوسطى وما بعد ذلك إلا أننا يجب أن نكون على حذر من التعميم على جميع الأطفال حيث أبانت التجارب أننا يجب أن نحذر من التنبؤ العام بالسلوك القادم عند الأطفال,
ولذلك فإنه عند تأملنا لنتائج الدراسات النفسية عن التأثيرات طويلة المدى لتدريب الأطفال, لا نرى نتائج متسقة ومتناسقة في هذا المجال.
فمثلا يشير Caldwell؛ "١٩٦٤" أن نتائج كثيرًا من الدراسات كانت خاطئة بسبب اعتمادها على ذكريات الأمهات بما كان عليه أطفالهن، أو كيف كانوا يهتمون بهم، فإن نتائج هذه الدراسات الاسترجاعية لا تكون مؤكدة وموثوق بها بدرجة كبيرة حيث أن الذاكرة الإنسانية غير كاملة, فالأفراد غالبًا ما يتذكرون ما يحبون تذكره أو ما يريدونه، وليس بالضرورة ما حدث بالفعل. وجدير بالذكر فإنه يمكن الاعتماد فقط على نمط الدراسات التي قامت على أساس الملاحظة والتي فيها يرى الباحثون ويسجلون التفاعلات الوالدية مع الطفل عند حدوثها, تلك الدراسات يمكن أن تمدنا بمعلومات وبيانات صادقة ثابتة لتقييم التأثيرات طويلة المدى لهذه التفاعلات.
وحيث إنه لا توجد إلا دراسات قليلة قامت على أسلوب الملاحظة طويلة المدى، فما زال هذا الميدان مبكرًا في سيكولوجية الطفولة ويحتاج إلى أعمال ودراسات كثيرة للتعرف على التأثيرات اللاحقة لخبرات الطفولة, كما أن دراسات ملاحظية قليلة والتي أجريت في الماضي أظهرت علاقة بسيطة بين سلوك الطفل وخصائص الشخصية في المراهقة والشباب, ويشير كلارك Clark؛ "١٩٧٧" أن الاتجاهات التي تتكون في الطفولة بعيدة
стр. 265
على أن تثبت فالخبرات اللاحقة تكون أنواعًا جديدة من الاتجاهات كما أنها تتعدل أو حتى تعكس الخبرات القديمة، ومع ذلك فإن دراسات أخرى أبانت الاستمرارية في نمو الشخصية منذ الطفولة المبكرة للأسباب الآتية: ١- على الرغم من أن الأطفال يمكن أن يتغيروا بصورة دراماتيكية مثيرة، إلا أن ذلك نادرًا ما يحدث, فإذا نموا تحت ظروف مستقرة مع تغييرات قليلة من سنة إلى أخرى في الأفراد والمواقف التي يتعرضون لها، فإنهم قد يظهروا بمرور الوقت نمطًا متسقًا من الشخصية بصورة عادية.
٢- ويشير Kagan أن هذه الاستمرارية تتضح بشدة في الخصائص الشخصية المتطرفة أكثر من الخصائص الشخصية العادية ولذلك فإن الطفل غير الآمن بصورة متوسطة قد يصبح أكثر أمنًا إذا كانت لديه خبرات إيجابية لاحقة في الطفولة الوسطى، بينما الطفل القلق غير الآمن بصورة شديدة يميل إلى عدم تغير استجابته في الخبرات اللاحقة.
٣- ويشير Halverson وآخرين "١٩٧٦" أن هناك استمرارية لمزاج ودرجة حساسية الطفل، على الرغم من عدم وجود هذه الاستمرارية في أنماط واقعية، فالمزاج يعزى إلى الطريقة التي يتحرك بها الطفل ويتكلم ويفكر، في حين تعزى الدافعية في ماذا يفعل الطفل بالفعل؟ وماذا يقول؟ وماذا يفكر؟ وأحد الأمثلة لاتساق مزاج الطفل يمكن أن تلاحظ في معدل نشاطه حيث نرى الاستمرارية في ذلك، فالطفل السلبي يميل إلى أن يكون مراهقًا معتمدًا متكلا وكذلك راشدًا معتمدًا على الآخرين.
٤- وعلى الرغم من أن اتجاهات الطفل في عمر زمني معين، ليست بالضرورة يجب أن تؤتى في عمر زمني لاحق، إلا أنها تميل إلى أن تحدث فيما بعد، فالطفل ذو العامين الذي يتسم بشعور ثابت من الثقة في عالمه المحيط به، قد يستمر في تفاؤله هذا وقد لا يستمر، ويعتمد ذلك على طبيعة الخبرات المستقبلية, ومع ذلك فلإن هذا الطفل سوف يستجيب بصورة مختلفة عن الآخر الذي يتسم بعدم الآمن وعدم الثقة للمطالب النمائية لسنوات ما قبل المدرسة.
стр. 266
العناية وتدليل الأطفال:
عادة ما يقال أن الطفل المدلل سيصبح فيما بعد طفلا تالفًا فاسدا، ووفقًا لهذه الأقوال المأثورة فإن السماح للأطفال بأن يسلكوا وفقًا لطرقهم الخاصة يشجعهم بأن يصبحوا أطفالا كثيري التساؤل وغير مطيعين. ولقد أشار جون واطسون J. Watson مؤسس علم النفس السلوكي إلى تبرير عقلي لهذا الاعتقاد، في أن الأطفال المشبعين في حاجاتهم له تأثير على السلوك المتسائل المكافئ والمدعم, وينصح واطسون الأمهات في أن يطعمن أطفالهن في جدول محدد وألا يستجبن إلى صراخ جوعهم حتى لا يؤدي ذلك إلى فسادهم فيما بعد، كما أشارت نتائج دراسات أخرى أن التقاط الرضيع وحمله عندما يصيح يميل إلى تشجيع سلوك صياحهم وبكائهم وبالتالي فإن ذلك السلوك من جانب الأم يسهم في إفساد الطفل فيما بعد.
وعلى الرغم من عمومية وانتشار مثل هذه الأفكار والمعتقدات، إلا أن الدلائل المتاحة تشير إلى اتجاه آخر, فمثلا تشير نتائج دراسات يارو Yarrow؛ "١٩٧٥" أن الآباء الذين يستجيبون لصراخ وبكاء أطفالهم, فإنهم بذلك يميلون إلى توفير ظروف الدفء والتعزيز التي ستوقف البكاء، وبالتالي يمكنون أطفالهم بالشعور بالأمن وجعلهم أقل ميلا للبكاء وفي طلب الانتباه غير العقلاني في المستقبل, ومن جانب آخر نجد الآباء الذين يتجاهلون أو يتوانون في الاستجابة لبكاء أطفالهم خاصة في الشهور الأوائل من حياتهم، يميلون إلى جعل أولادهم مصدرًا للإزعاج والجلبة ودائمي الصراخ والصياح, وبصورة مماثلة فإن الأطفال الذين نجد آباءهم يهتمون بهم بصورة كبيرة في ضبطهم وتدريباتهم, أكثر من نواحي إشباعهم. هؤلاء الأطفال يميلون إلى أن يكونوا غير مستجيبين لأوامر الآباء ومطالبهم في سنتهم الثانية، ويشير بيل Bell وآخر "١٩٧٢" أن الأطفال الذين يكون صياحهم مسموعًا ويستجاب إليهم بدون إبطاء وبعناية وبحب, ويميل هؤلاء الأطفال إلى أن يكونوا غير متسائلين بصورة نسبية ويرضون بسهولة، ويسلكون سلوكًا سويًا إلى حد ما.
стр. 267
الفصل السادس: الطفولة المبكرة "سنوات ما قبل المدرسة ٢: ٥ "
النمو الجسمي:
إن السنوات ما بين الثانية والخامسة -سنوات ما قبل المدرسة- أقل إثارة أو فجائية من فترة السنتين الأوليين من حياة الوليد البشري فيما يتعلق بالنمو الحركي, ولا يوجد في النمو الجسمي لأطفال ما قبل المدرسة شيء نستطيع مقارنته بالتغير أو الإثارة التي تحدث للرضع بصفة عامة، حيث نجدهم يجلسون ويقفون ويمشون لأول مرة, وليس معنى ذلك أن النمو الحركي أثناء سنوات ما قبل المدرسة يتوقف، ولكنه يتسم بالتدرج ويكون أكثر تنوعًا، وأكثر ارتباطا بنماذج معينة من الخبرة والتدريب إذا ما قورن بالنمو الذي يحدث للرضيع, وعلى نقيض النمو الحركي نجد النمو العقلي حيث تحدث تغييرات كبيرة أثناء فترة ما قبل المدرسة أكثر مما نجدها لدى الرضع, بالإضافة إلى وجود ثمة إشارات ذات أهمية من التعلم والإدراك والتفكير والتذكر واللغة.
стр. 268
النمو الجسمي والحركي:
نمو طفل ما قبل المدرسة في الوزن والطول أقل سرعة عما يكون عليه عندما يكون رضيعًا، ولكن نلاحظ استمرار الزيادة في الوزن والطول بصورة أسرع عما سيكون عليه الطفل في الطفولة المتوسط, ففي سن الثالثة يصل طول الطفل إلى ثلث طول الراشد تقريبًا، وعند سن الخامسة يكون متوسط الطول ٤٠-٤٢ بوصة، وهذا يعني أن الرضيع الذي انتهى في السنتين الأوليين من ٢٠-٢١ بوصة في طوله ينمو بمعدل ٧-٨ بوصات كل عام ونجده فيما بين ٢-٥ سنوات يكون معدل الزيادة في الطول ما بين ٣-٤ بوصات كل عام، كما أن الوزن يصبح أقل وقد يتوقف لفترة في حالة الطفل النامي الثقيل والذي يصبح أطول وأكثر نحافة بدون أي زيادة في الوزن أثناء فترة ما قبل المدرسة.
وأحد الإنجازات الحركية الرئيسية لفترة سنوات ما قبل المدرسة تتمثل في تدريب التواليت Toilet Training, وعادة ما نجد تدريبات الإخراج تسبق تدريبات المثانة لأطفال هذه الفترة, وذلك لأنه من السهل للأطفال ضبط والتحكم في حركات الأمعاء أكثر من ضبطهم وتحكمهم في بولهم وعلى الرغم من أننا قد نجد الأطفال يكون هذا التتابع
стр. 269
معكوسًا لديهم، إلا أن الأغلبية تتحكم في الضبط الإخراجي قبل أن يتمكنوا من التبول خاصة التبول الليلي, وأغلب الأطفال يصلون تقريبًا إلى ضبط البول والإخراج في سن الثالثة, ولكن توجد فروق واسعة وتكون مرتبطة بنضج عضلات التحكم الشرجي والعضلة العاصرة لجنس الطفل، وكذلك لاتجاهات الوالدين فالأطفال عمومًا لا يمكنهم اجتياز تدريبات التواليت إلا بعد أن يكونوا من الناحية الجسمية قادرين على ضبط التحكم في التبول وكذلك التحكم في عضلات الأمعاء والبنات تصل إلى ضبط تدريب التواليت مبكرين عن الذكور، في حين نجد الذكور أميل إلى الاستمرار في التبول الليلي لمدة أطول من البنات, وعمومًا فإن كلا من الذكور والإناث في سنوات ما قبل المدرسة لا يكون لهم إلا أحوال قليلة لعملية التبول اللاإرادي.
وكثير من الأولاد والبنات يدربون أنفسهم بالإشارة إلى والديهما متى يحتاجون الذهاب إلى دورة المياه، وبالنسبة لأطفال آخرين، نجد سن تدريب التواليت يعتمد على الوقت الذي يبدأ فيه الوالدين تدريب أطفالهم وكيفية, ممارستهم لذلك، ويتم ذلك بأخذ الطفل إلى التواليت في فترات منتظمة، أو في الوقت الذي يبدو أنه في حاجة إلى ذلك, ويشير Baler؛ "١٩٧٥" أن الأطفال الذين يستمرون في بلّ اسرتهم أو اتساخ ملابسهم في فترة الطفولة الوسطى فإننا نجدهم يعانون من تأخر النمو في الجهاز العضلي أو من مشكلات انفعالية معينة أو من مزيج من الظاهرتين السابقتين, ويجب أن يناقش آباء هذه الحالات تلك المشكلة مع طبيبهم الخاص أو مع أخصائي في الصحة النفسية لتدارك هذا النمو غير السوي.
ونمو طفل ما قبل المدرسة يكون واضحًا وظاهرًا في جوانب أخرى كذلك، فإن معظم أطفال العامين يمكنهم أن يطعموا أنفسهم إلى حد ما، وفي سن الثالثة تقريبًا يمكنهم استخدام المعالق والشوك ببعض الإتقان.
ولكن استخدام السكين لقطع اللحوم أو قطع الزبدة تتطلب اتساق أكبر، ولا يتقنون ذلك إلا بعد سنوات قادمة, وفي سن الثالثة نجد كثيرًا من الأطفال يمكنهم خلع ملابسهم بأنفسهم إلى حد ما, وفي سن الرابعة يستطيع الكثير منهم أن يرتدي بصورة جزئية ملابسه، ويتضمن ذلك استخدام الزراير والسوستة كما أن القدرة على لبس الأحذية وربط رباط الأحذية عادة لا تتم إلا في سن الخامسة أو السادسة. "جيزل" Gesell؛ "١٩٤٠". وعلى الرغم من أن الأطفال قد تعلموا في هذا السن الإمساك
стр. 270
بالشوك والملاعق والسكاكين بطريقة مقبولة اجتماعيًا إلا أن هذه الأدوات يجب أن لا تعطى لهم إلا بعد تمكنهم من قدرة حركية مناسبة لكي يستخدموها ويكون ذلك في سن السادسة أو السابعة تقريبًا, ويجب أن يكون الآباء متسمون بالصبر مع أطفالهم عند استخدامهم المعالق والشوك والسكاكين استخدامات غير ماهرة أو غير ملائمة.
ومن بين الإنجازات الحركية الكبيرة لفترة ما قبل المدرسة، التوازن والتسلق وقذف الكرة, وفيما يتعلق بالاتزان نجد معظم أطفال الثالثة يمكنهم المشي بطريقة مستقيمة مقبولة على الأرض، إلا أنهم لا يمكنهم السير في ممر دائري حتى سن الرابعة أو الخامسة, ولا يستطيعون كذلك الوقوف على قدم واحدة وأيديهم على صدورهم لمدة ثوان قليلة إلا بعد وصولهم إلى الخامسة من العمر تقريبًا, ويبدو أن البنات أحسن من الأولاد في هذه العملية حيث يمكنهم الوقوف لمدة أطول في الوضع سابق الذكر.
كما أن لعب عارضة الاتزان يظهر تقدمًا تدريجيًا مع تقدم السن، فأطفال العاملين يمكنهم إجراء محاولة الوقوف على العارضة والأطفال الأكبر قليلا يحاولون المشي على المعارضة وأطفال الثالثة عمومًا يمكنهم أن يبدلون أقدامهم ويتحركون على ممر طوله ٧.٥ متر وعندما يصل الأطفال إلى ٤.٥ سنة يمكنهم السير باتزان على العارضة وبسرعة وبدون تردد. Keogh؛ "١٩٦٥".
أما التسلق، يحدث كذلك نموا مطردًا لدى الأطفال فيه متضمنا العوامل الانفعالية بالإضافة إلى العوامل الحركية, فأحد العناصر الأساسية في كل من الاتزان والتزحلق هو الخوف من السقوط, وعادة ما يلاحظ التزحلق لدى الأطفال الذين يحاولون التقدم ببطئ على أعلى سلالم أو درج سهل, وبمجرد أن يبدأ الأطفال المشي يمكنهم صعد الدرج إلى أعلى ولكن دون تناوب أو تعاقب القدم، وعندما يصل الطفل إلى ٤.٥ سنة عادة ما يمكنه أن يناوب بين الخطوات وعادة ما نجد الأطفال الصغار لا يحاولون النزول أسفل بمفردهم، كما أن قدرة الأطفال فيما بين ٢-٥ سنوات على الرمي تتقدم بطريقة مماثلة.
ونشاطات اللعب في تلك الفترة تعكس كذلك نضج أطفال ما قبل
стр. 271
المدرسة في قدراتهم الحركية، ففي الملعب يمكنهم الصعود والهبوط من على الكتل أو الألواح المتزحلقة، ويمكنهم الجلوس فوق المرجيحة ويدفعون بأنفسهم إلى أسفل, ويمكنهم استخدام بعض الأدوات خارج المنزل كركوب المزالج التي تشد إلى نعال أحذيتم والدحرجة بها، وركوب الدراجة يكون شائعًا بين أطفال ما قبل المدرسة إلا أن ركوب الدراجة ذات العجلتين يكون أصعب ولا يحدث ذلك إلا في سن الخامسة أو السادسة تقريبًا, ومرة أخرى نجد الأطفال قد يخافون من ركوب الدراجة ذات العجلتين بسبب احتمالات سقوطهم على الأرض, وهذا الخوف قد يكون عائقًا كبيرًا لبعض الأطفال كما هو الحال في عارضة الاتزان.
أما اللعب الحركي البسيط، فإن أطفال ما قبل المدرسة يمكنهم أداؤه، كالإمساك بالفرشاة ورسم الخطوط، والدوائر، وقطع الأوراق وعمل بعض الأشكال أو الملصقات كما يمكنهم التلوين بواسطة الأقلام والطباشير الملون، وبمجرد تعلمهم كيفية مسك الأقلام والطباشير الملون فإنهم يبدءون في الرسم بصورة عفوية تلقائية، وتظهر هذه الرسوم تقدمًا تدريجيًا مرتبطًا بأعمارهم الزمنية, وعادة ما يبدأ أطفال هذه الفترة ما يسمى بالشخبطة المتعجلة، ويتقدمون من ذلك إلى المرحلة المسماة بمرحلة الشخبطة Scirbble Stage.
وبعد انتهاء مرحلة الشخبطة أو الرسم بعجلة وبدون عناية، تأتي مرحلة أخرى وهي الشخبطة المضبوطة Controlled Scribble Stage والتي نجد الأطفال يعملون رسومًا "خربشة" في اتجاه مرغوب فيه مثل الدوائر أو الأشكال المائلة المنحرفة, وما بين ٤-٧ سنوات نجد الأطفال يحاولون تقديم بعض الأشياء التي يرونها فيما يسمى بالرسوم التخطيطية القبيلية Preschematic، وعادة ما يبدأ الأطفال برسم الرأس وبعد ذلك يحاولون وضع العينين والأنف والفم ولكن ليست بالضرورة في أمكانها الصحيحة, وفي المرحلة التالية وهي المرحلة التخطيطية Schematic Stage والتي قد تظهر في الخامسة نجد الأطفال يقدمون الملامح الإنسانية الكاملة, وعادة ما يكون هذا الرسم لأنفسهم أو لأبيهم أو لأمهم Lambert؛ "١٩٧٠" ولكي نشجع نمو هذه المهارات الحركية فيجب على الآباء توفير الأقلام الملونة والأوراق حتى يجرب الأطفال فيها، بالإضافة إلى المكان المناسب والملابس الملائمة لذلك النشاط, كما يجب أن يتحاشى الآباء أن يفرضوا على الأطفال ما يرسمون، ويسألوا الأطفال ما قد يرسمونه أو
стр. 272
رسموه بالفعل.
ويجب أن نشير أن كلا من نشاطات لعب طفل ما قبل المدرسة والمهارات الحركية كلاهما يكتسب خلال هذه الفترة وتستخدم بصورة متزايدة لأغراض وأهداف اجتماعية وواقعية, على نقيض الأطفال الصغار الذين يندمجون في مهارات لعب تكرارية ينمون خلالها اتساقًا حركيا بسيطًا، إلا أن أطفال ما قبل المدرسة يميلون إلى توجيه لعبهم الحركي لبعض الأهداف العامة البعيدة وعلى الرغم من أطفال ما قبل المدرسة أحيانًا يجرون ويغنون ويرقصون بحماسة وحيوية، إلا أن ذلك غالبًا ما يحدث كجزء من مباراة معينة، فنجدهم يبنون المربعات أو الكتل الخشبية لعمل مرآب "جراج" ويلبسون دماهم كجزء من أجزاء لعبة ما، وتشير إلى ذلك ماريا منتسوري M. Montessori يعتبر اللعب بمثابة الشغل الشاغل للطفل الصغير، ولكنه يمكن أن يكون في بعض الأحيان بسيطًا لعرض الفكاهة وكذلك للتعبير الشخصي وبالتالي لا يكون دائمًا موجهًا للتكيف الاجتماعي.
وعلى الرغم من أن السيكولوجيين يتفقون حول التفاصيل الوصفية للنمو الحركي، كما يبدو في نشاطات متعددة كالتحرك، والتنقل واللعب إلا أنهم يختلفون في كيفية اكتساب هذه النماذج الحركية، فلقد أشار بعض الباحثين إلى أن الأطفال ينمون الحركات التي تتسم بالمهارة عن طريق اكتساب معلومات وبيانات تلك النشاطات, وهذا يعني أن الطفل يجب أن يجرب حركة عارضة الاتزان مثلا، ويصححها تبعًا للتغذية الراجعة التي يتلقاها من قدميه, وعلى ذلك وفقًا لوجهة النظر هذه فإن الأفعال الماهرة، تصبح أكثر اقتصادية وأقل تغيرًا كلما خطا الطفل في مدارج النمو, ويشير باحثون آخرون أن اكتساب نماذج الأفعال الماهرة يعزى في مثير منه إلى الواجب ذاته بالإضافة إلى المعلومات والبيانات التي يمتلكها الطفل, وتبعًا لوجهة النظر هذه نجد الطفل يبني رد فعل معياري لمثيرات معينة والتي ينوعها لتتفق مع المواقف الجديدة، فمثلا يحاول الطفل في عارضة الاتزان نفس خطوات المشي والتي عادة ما يستخدمها على الأرض ولكن مع ازدياد تحكمه وتوازنه لكي تتناسب مع موقف المثير الجديد ونظرية المعيار البنائي Construction Standard هذه تشير إلى أن الطفل يبني مخططات معيارية لأنماط متنوعة من المهارات الحركية، كما أن المهارات الحركية الجديدة تكتسب عن طريق تعديل المهارات الحركية القديمة Keogh؛ "١٩٧١".
стр. 273
ويشير الاتجاه الثالث أن اكتساب الأفعال والحركات الماهرة يشبه النمو المعرفي بصورة عامة، خاصة النمو اللغوي، ففي إحدى الدراسات Good Son & Greenfield؛ "١٩٧٥" أشارا إلى ثلاثة اتجاهات تميز النمو اللغوي عند الأطفال بمعنى أنها تندرج بصورة هرمية لتصبح أكثر تركيبًا وتعقيدًا.
فالكلمة الواحدة يمكن أن تستخدم في أكثر من وظيفة في الجملة الواحدة، كما أن نشاطات اللعب تسير كذلك وفقًا للتنظيم الهرمي.
ويجب أن نشير إلى أن هذه الاتجاهات الثلاثة ليست متعارضة كل منها بالآخر. فقد تكون مكملة بعضها البعض في طرق معينة، بالإضافة إلى أن هذه النظريات الثلاثة لم تتضج صورة كافية، ولم تتوفر البيانات والمعلومات لصالح واحدة دون أخرى. وعلى ذلك فإن هذه النظريات تشترك جميعها بصورة عامة في مفهوم أن الفعل الماهر يعتبر انجاز مركب ينمو تدريجيًّا، وقد يتبع نفس الخطوط العامة للنمو مثله مثل اكتساب اللغة أو اكتساب التفكير المنطقي.
стр. 274
النمو العقلي
مدخل
...
النمو العقلي:
إن نمو القدرات العقلية في أثناء فترة ما قبل المدرسة شيء غير عادي وجدير بالملاحظة مثل النمو الجسمي ونمو القدرات الحركية في أثناء فترة الطفولة المبكرة. ففي هذا الوقت نجد الأطفال ينمّون نماذج من المهارات التي نسميها بالذكاء العام General Lntelligence ويمكن أن تقاس باختبارات مقننة تشبه تلك الاختبارات التي تستخدم مع الأطفال الكبار والمراهقين والراشدين بالإضافة إلى استقرار وثبات مهارات أخرى مثل الإدراك والذاكرة والتعلم وحل المشكلة واللغة في أثناء هذه الفترة. وبسبب هذه التغيرات في قدرة الطفل العقلية. نجد مفهومه للعالم يتسع بصورة جديرة بالملاحظة. ويصبح كذلك أكثر عمقًا إذا ما قورن بما كان عليه في السنتين الأوليتين، وسنتأمل سويًّا في الصفحات التالية بعض من التغيرات غير العادية للنمو العقلي.
стр. 275
قياس الذكاء:
صممت اختبارات الذكاء في الأصل لأطفال ما قبل المدرسة. وكذلك أطفال سن المدرسة وأشارت إلى نموذج من القدرات يظهرها الأطفال في
تكيفهم للمواقف الجديدة.. وبعض الاختبارات الفرعية لمقياس استانفورد بينيه S.B inet تشير إلى قدرات الأطفال ما بين ٢، ٥ سنوات التي يتوقع أن يكونوا عليها، وتتضمن الاختبارات الفرعية لقياس بينية قياس مدى الاتساق الحركي "وضع مربع خشبي صغير ومثلث ودائرة في أماكانها الصحيحة على لوحة ذات أشكال معدة لذلك"، وموقف آخر يسأل فيه الطفل أن يبني برجًا من قطع خشبية صغيرة، وتتطلب الاختبارات اللفظية من الصغار التعرف على ثمة موضوعات "كالكلب والسرير والكرة وهكذا" وذلك باسمائها، واختبار آخر يتطب من الطفل التعرف على صور موضوعات وأشياء واختبار آخر يشير إلى مدى تذكر الطفل في أن يحضر شيء ما قد خبئ تحت أحد أشياء ثلاثة.
وبناء هذا القياس والذي يميل في الأصل إلى التمييز بين الأطفال العاديين والأطفال المتأخرون عقليًّا، أشار بينيه أن الطفل يمكن أن يعتبر متوسطًا إذا تمكن من أداء الأشياء التي يمكن للأطفال في مثل عمره الزمني أدائها، وعلى ذلك فإن هذا القياس ركز في تصميمه على قياس نفسي وليس قياسا ماديًّا، ومواقف هذا المقياس تدرجت لمستويات عمرية معينة تبعًا لعدد أطفال العينة المعيارية التي أجابت إجابات صحيحة على كل موقف. فمثلًا اختبر أطفال ذوي العامين باختبار بينيه وتمكن ١٥% من حل ثلاثة أشكال في لوحة الأشكال المثقبة وقليل جدًّا من أطفال العام الواحد تمكنوا ذلك، ولكن كل أطفال ذوي الثلاثة سنوات تمكنوا من حل المشكلة وبالتالي فإن هذا الاختبار وضع لمستوى العامين.
ومقياس استانفورد بينيه يتضمن ستة اختبارات لكل مستوى عمري، واجتياز أي اختبار من الستة يكتسب الفرد شهرًا في عمره العقلي، وعادة ما يبدأ المختبر بالمستوى الذي يعتقد أن الطفل سوف يجيب إجابات صحيحة عن كل مواقفه. ويسمى ذلك بالعمر القاعدي Basal Age فطفل الأعوام الأربعة مثلًا يجب أن يجيب على كل اختبارات مستوى الثلاث سنوات، فإذا أجاب الطفل إجابات صحيحة على كل مواقف مستوى الثلاث سنوات، فإنه يتلقى تصديقًا بالمرور في كل السنوات السابقة لهذه السن. ويستمر الاختبار إلى أن يفشل الطفل في الإجابة على جميع مواقف مستوى عمري معينة ويطلق عليه بأقصى ارتفاع للطفل Childs Ceiling ودرجة الطفل تكون محصلة الدرجة القاعدية + عدد الشهور التي حصل عليها فوق هذه الدرجة القاعدية، والدرجة المحصلة الإجمالية بالسنوات والشهور تمثل العمر العقلي للطفل Mental Age.
стр. 276
وعلى الرغم من أن بينيه اعتقد أن العمر العقلي يعتبر مفهومًا مفيدًا يوضح المستوى الأقصى للعمر العقلي للحالة، نجد باحثون آخرون أرادوا قياسًا يمكن أن يظهر براعة الطفل في علاقته بأطفال آخرين، ولذلك قدم وليم ستيرن W.Stern الأخصائي النفسي الألماني مفهوم نسبة الذكاء والذي عرضها كما يلي.
стр. 277
مقياس ديفيد وكسلر:
اتجاه مختلف إلى حد ما لقياس الذكاء أشار أليه ديفيد وكسلر. D. Wechsler حيث طرق مفهوم العمر العقلي واستعمل درجات قياسية Point Scale للذكاء.. فبدلًا من حساب أداء الحالة بالسنين والشهور كما هو الحال في مقياس استانفورد بينيه، فإن أداء الحالة في مقياس وكسلر تحسب بالدرحات وبالتالي تحول مباشرة إلى نسبة للذكاء.. ومقياس وكسلر للذكاء "الأطفال ما قبل المدرسة، ولأطفال المدرسة، المراهقون، والراشدون" جميعها تقدم لنا ثلاثة نسب للذكاء "الذكاء اللفظي، والذكاء العملي أو الأدائي، ونسبة الذكاء الكلية".
وبعض الأمثلة من طبعة وكسلر الجديدة لاختبار ما قبل المدرسة قد تساعد على توضيح القدرات المتطلبة للمقاييس اللفظية والعملية.. فأحد هذه الاختبارات يتعامل مع المعلومات أو البيانات العامة، ويتضمن أسئلة مثل، كم أذن لديك؟ ما الذي يعيش في الماء؟ واختبار لفظي للمفردات حيث يسأل الأطفال التعرف على قائمة من الكلمات الأكثر صعوبة كالمجهر بالحذاء. والسكين ويأخذ في التدرج للكلمات الأكثر صعوبة كالمجهر والمراهنة. واختبارات الأداء يسأل الأطفال الإشارة إلى الشيء الناقص في الصورة المعروضة "كأسنان المشط مثلًا" واختبار آخر يطلب من الحالة أن تبني شكل من المكعبات تشبه الصورة التي أمامه.
وعلى الرغم من أن كل من مقياس بينيه ووكسلر يستعملان مواقف مختلفة إلى حد ما، ويستخدمان أدوات اختبار مختلفة، بالإضافة إلى طرق تقدير معينة، إلا أن الارتباط بينهما وصل إلى ما يقرب من. ٧٥% وهذا يدل أن كل من المقياسين يقيس قدرة عامة أو ذكاء عام، بالإضافة إلى قدرات معينة متطلبة لمواقف المقياس المختلفة.
стр. 278
اختبار القدرة اللغوية المصور
...
اختبارات القدرة اللغوية المصور Peabody Picture Vocabulary Test:
وهذا الاختبار أعده دان "١٩٦٥" Dunn " إلا أن استخدامه محدودًا لحدودية القدرات اللغوية التي يقيسها وهذا الاختبار لا يرتبط بصورة عالية مع مقاييس بينيه ووكسلر، كما اتضح من الارتباط بين المقياسين الأخيرين ولذلك فإذا احتاج إلى أي أخصائي تقدير شامل للقدرات العقلية لطفل ما، فعادة ما يفضل أحد الاختبارين السابقين.
وسؤال يطرح نفسيه الآن، لماذا نجد نتائج اختبارات ذكاء الأطفال ما قبل المدرسة وأطفال من المدرسة أكثر صدقًا وثباتًا عن نتائج اختبارات ذكاء الأطفال الصغار واللرضع؟ وتكمن الإجابة على هذا السؤال في أن الأطفال الأكبر عادة ما يكون لديهم القدرة اللغوية التي تجعل من الممكن لهم الاستجابة للتوجيهات والإشارات اللفظية، ويمكنهم إعطاء الاستجابة اللفظية لمواقف الاختبار، وعادة ما نجد الأطفال الكبار أكثر مهارة من الناحية الاجتماعية عن الأطفال الصغار وبالإضافة إلى أن تطبيق الاختبارات على الأطفال الصغار يتطلب مهارة كبيرة من جانب الفاحص، حيث يجب أن يشعروا بالارتياح والاطمئنان مع هذ الفاحص حتى يكون أداؤهم معبرًا عن قدراتهم.
ولقد أشار هيدرستات H. Sart إلى العلاقة الإيجابية بين الشعور بالطمأنينة والارتياح وبين أداء الأطفال في الاختبارات، ويستطرد إلى أن ضعف أداء الأطفال المعوقين على مواقف الاختبارات يرجع في المقام الأول إلى ضعف العوامل الدافعية عندهم أكثر من ضعف قدراتهم العقلية، وثمة عوامل أخرى قد تسهم في الأداء الضعيف على الاختبارات العقلية مثل الحذر والخوف من الغرباء ورغبة الطفل أن يتخذ مستويات ضعيفة للإنجاز والدافعية الضعيفة التي تؤدي إلى الأداء الضعيف للحالة.
ولاختبار هذه الظروف السابقة قام زبجلر Zigler وبترفيلد Butterfield بمقارنة أداء مجموعتين ثقافيتين مختلفين على اختبارات الذكاء، ومجموعة أخرى من الأطفال ضابطة لم يتلحقوا بدور الحضانة وأعطى جميع الأطفال اختبارين للذكاء في بداية العام الدراسي لمدرسة الحصانة. واختبارين آخرين في نهاية العام الدراسي، وطبق أحد هذين الاختبارين بطريقة معيارية أي طبق وفقًا للقواعد الموضوعة مسبقًا له حيث يكون الممتحنون في أثناء التطبيق محايدون، إلا أنهم يتسمون بالود نحو الأطفال في أثناء أدائهم للاختبار، وطبق الاختبار الآخر تبعًا للوسائل الأقرب إلى الكمال والفعالية، حيث بنى الممتحنين تفاعل اجتماعي سار بينهم وبين الأطفال، تاركين الأطفال يخبرون النجاح في المواقف السهلة، ومقللين إلى أدنى درجة حذر الطفل من الممتحن محاولين أن يدفعوا الطفل إلى العمل والإنجاز.
وأشارت نتائج التجربة أن أداء الأطفال المتخلفون كان بصورة
стр. 279
أفضل في أثناء التطبيق الأول في بداية العام الدراسي تحت ظروف التفاؤل ذات الفعالية إذا ما قورن مع أدائهم تحت الظروف المعيارية، حيث أشارت النتائج أن الوسائل والأدوات المعيارية تؤثر في الإمكانية العقلية للأطفال المتخلفين، فعندما يدفع الأطفال بصورة حقيقية يمكن أن يتحسن أداؤهم على اختبارات الذكاء. وأشارت النتائج كذلك أن الأطفال الذين التحقوا بدور الحضانة أوضحوا ارتفاعًا محلوظًا ذو دلالة في معدل ذكائهم منذ البداية حتى نهاية العام. في حين أن الأطفال الآخرين لم يتضح لديهم ذلك، إلا أن هذا التحسن ظهر فقط على الاختبارات التي طبقت تحت ظروف معيارية وليس الاختبارات التي أعطيت تحت الظروف قريبة من الكمال أو التفاؤل.
وبنهاية السنة الدراسية لوحظ أن معدل ذكاء أطفال دور الحضانة كما قيس بواسطة الاختبارات المعيارية ازداد بصورة ذات دلالة. ولقد كان ذلك واقع المجموعة الضابطة بالإضافة إلى أن الأطفال المتخلفون عندما دخلوا دور الحضانة لم يكن لديهم دافعية في العمل بصورة عالية في المهام المعرفية، وربما كان ذلك في الاستعداد الانفعالي والانتباه. ولذلك لم يتضح الحد الأقصى لقدراتهم عندما اختبروا تحت الظروف المعيارية المقننة ولوحظ كذلك أن ضعف العوامل الدافعية قد قل بعد شهور من دخول دار الحضانة وبالتالي كان أداء هؤلاء الأطفال جيدًا في الاختبارات المعيارية "المقننة".
ويستنتج زيجلر من نتائج دراسته السابقة أن الالتحاق بدور الحضانة يعدل من اتجاهات ومن دافعية الأطفال المتخلفين أكثر مما يؤثر في قدراتهم المعرفية، وتشير الدلائل أن هؤلاء الأطفال لوحظ تحسن في آدائهم على الاختبارات في نهاية العام الدراسي.
ولقد ناقشنا هذه الدراسة بصورة مطولة؛ لأنها توضح خطورة تفسير بيانات اختبارات الذكاء بدون فهم كامل وشامل للظروف التي يجري الاختبار فيها. ويشير Elkind أن أحد الباحثين قد كلف بقياس ذكاء أحد الأطفال تبلغ من العمر ٦ سنوات، كانت سلبية وغاضبة طوال تطبيق الاختبار عليها وكما كان ظاهرًا أنها لم تؤد الاختبار بكل إمكاناتها وشخصت هذه الحالة بأنها تخلف عقلي، ولكن كان يجب أن يعاد تطبيق الاختبار مرة أخرى إلا أن النتائج كانت مطلوبة بصورة سريعة وبعد ذلك
стр. 280
فقد اتضح أن والد هذه الفتاة قد أخبرها بأنه سيأخذها في نزهة منفصلة لها وبدلًا من ذلك أحضرها إلى الأخصائي لقياس ذكائها وليس بمستغرب ظهور غضبها وإحباطها، فقد كان مجال تطبيق هذا الاختبار متنفسًا عن غضبها وإحباطها، ونتائج الاختبار التي يحصل عليها تحت هذه الظروف يجب أن تفسر وتحلل بحذر واحتراس، وعلى ذلك فإن درجات اختبارات الذكاء ليست مقاييس طبيعية مادية، حيث يمكن أن تعكس اتجاهات دافعية بالإضافة إلى القدرة العقلية، وسوف نعود مرة أخرى إلى مشكلات اختبارات الذكاء فيما بعد.
وقبل أن نختتم هذا الجزء في اختبارات الذكاء، يجب أن نشير أن بعض السيكولوجيين قد ارتابوا في جدوى وقيمة اختبارات الذكاء، ويستطردون بأنها لا تقيس التألق أو البراعة الفطرية Brightuess ويتضمن ذلك المهارات اللفظية والانتباهية واتجاهات الإنجاز، كما أن العناصر الثقافية تؤثر في أداء الأطفال، فطفل المدينة يختلف في أدائه عن طفل الريف ويجب أن نشير أن ذلك يرجع إلى مشكلة تقنين الاختبارات.
стр. 281
النمو الإدراكي:
يتضمن الإدراك العمليات التي بواسطتها نقرأ البيانات والمعلومات التي تأتي إلينا عن طريق حواسنا.. ولقد أشارت الدراسات النفسية إلى الصورة العامة للنمو الإدراكي خلال سنوات ما قبل المدرسة، وأهم هذه الدراسات، دراسات جان بياجيه حيث يشير أن الإدراك ينمو في الصورة التالية:
إدراك الطفل الصغير يميل إلى أن يكون مقيدًا بالسمات السائدة أو الخصائص الغالبة لشكل المثير. ومع ازدياد العمر للوليد البشري ونضج القدرات الإدراكية نرى إدراك الطفل يتحرر مع اعتماده المبكر على الخصائص المهيمنة والسائدة. وبالتالي نجده يمكنه التعامل مع الشكل وينظمه بصورة كلية عامة، وهذا التغير يمكن أن يلاحظ في الطريقة التي يؤدي بها الأطفال عدد من المهام الإدراكية المختلفة.
وتؤكد دراسات "١٩٦١" Klkind ما ذهب إليه بياجيه حيث عرض على ١٩٥ طفلًا تتراوح أعمارهم ما بين ٤، ٩ سنوات، لوحة من الأشكال المرسومة، وسألهم أن يصفوا ما يشاهدونه، ووجد أن الأطفال
стр. 282
الصغار ركزوا في وصفهم على أجزاء الصورة المعروضة عليهم وتجاهلوا الشكل العام، والبعض الآخر ركز على الشكل العام ولكنهم تجاهلوا الأجزاء وأشار الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين ٨، ٩ سنوات إلى كل من الشكل العام والأجزاء معًا. وهذه الدراسات تدعم وجهة النظر التي تشير إلى أن الأطفال مع ازدياد عمرهم الزمني كلما كانوا أسرع في عملية التنظيم الإدراكي، وكلما كانت مدركاتهم أكثر تكاملًا.
وتؤيد دراسة هويت سيد "١٩٧٦" Whiteside ما ذهب إليه الكيند Elkind أن النمو الإدراكي يظهر في الحقيقة التي مؤداها أن الطفل يفضل تنظيم وترتيب المثير الأكثر تركيبًا وتعقيدًا، قبل أن يصبح قادرًا بصورة جيدة على التعامل معه، وعمومًا فإن كل من التركيب وغير المألوفية اتفق على أنهما بمثابة مثيرين يوضحان السلوك الاستكشافي من جانب الأطفال. وتبعًا لذلك فإننا من الممكن أن نتوقع كلما نضج الطفل في عمره الزمني كلما أصبح قادرًا وبصورة متزايدة على التعامل مع المثيرات الأكثر تركيبًا وتعقيدًا، حيث يكون أكثر حبًّا للاستطلاع لها ويفضلها عن المثيرات الأقل تركيبًا وتعقيدًا.
وجانب آخر من النمو الإدراكي الذي يشير أن الأطفال الأكبر تزداد كفايتهم وأهليتهم سمي بالتحول الانتقالي المشروط Fer Cross Modal Trans وهذا التحول يتمركز في المقارنة بين ما خبر بمشروطية أو صورة معينة وبين ما خبر في أخرى. فمثلًا قد يعرض على طل صورة أو شكل معين ويطلب منه العثور بواسطة اللمس، وعادة ما نجد الطفل يضع يده داخل صندوق معين وبالتالي لا يستطيع أن يرى شيئًا ويطلب منه احضار الشيء الذي عرض عليه، أو قد يطلب من الطفل الإمساك بشكل معين، وعليه أن يكتشفه عندما يراه. وعلى الرغم من أن هناك جدل يدور حول ما إذا كانت التمييزات اللمسية بسيطة كما هو الحال في التمييزات المرئية، إلا أن الإجابة عن هذا التساؤل تعتمد أساسًا على الأشكال التي تُستخدم. ففي إحدى الدراسات مثلًا وجد أن التغير في الخيط المنحنى قد أمكن تمييزه في عمر مبكرة بواسطة العين أكثر من تمييزه باليدين، وفي جميع التجارب لوحظ أن التحول الانتقالي المشروط قد تحسن بصورة ملحوظة مع تقدم الطفل في عمره الزمني، كما أن هذه التجارب قد أشارت إلى أن الإدراك لا ينمو في فراغ، ولكن بالأحرى مع عمليات عقلية ودافعية أخرى وهكذا.
стр. 283
ويرتبط النمو الإدراكي كذلك بنمو القدرة اللغوية فبالنسبة لأطفال سن الرابعة، والذين يتلفظون بصورة نشطة أسماء الأشكال يساعدهم على استدعائهما بطريقة أفضل إذا ما قورنت في حالة سماعها من شخص آخر، ومع ذلك فإن سماع الأسماء من شخص آخر يسهل عملية الاستدعاء إلى حد كبير إذا ما قورنت بعدم سماع الأسماء على الإطلاق وعمومًا فإن الطفل الذي يبلغ الرابعة من عمره عندما يقول الكلمة، فإن ذلك يحرك انتباهه إلى مدى أكبر من مجرد سماع الكلمة تقال بواسطة أي شخص آخر.
واللغة قد تكون مفيدة للأطفال الصغر في إجراء تمييزات إدراكية ويرجع ذلك لصعوبة تركيز انتباههم بصورة انتقائية، والأطفال الأكبر سنًّا أميل من الصغار لاستخدام الانتباه الانتقائي وتجاهل الخصائص الإدراكية الثانوية والتي لا تكون مرتبطة أو ذات صلة بالعمل المعطي. واللغة كما أشرنا يبدو أنها تفيد الأطفال الصغار في جذب الانتباه إلى المثيرات وثيقة لصلة أو المرتبطة بالموضوع وبالتالي يتحاشوا الاضطراب أو اللهو، ويجب أن نشير في هذا المقام أن نصح أو تذكير الآباء لأطفالهم بقولهم: "انظر أو انتبه ماذا تفعل"؟ تحتاج هذه العبارة إلى أن تكون أكثر تحديدًا حتى تكون ذات تأثير، فالأحسن للآباء أن يقولوا: "لاحظ أعلى الكوب عندما تسكب العصير فيه".
стр. 284
التذكر:
كيف يتذكر الأطفال الصغار ما يرونه؟ وما يسمعونه؟ والإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة، حيث تعتمد في جزء منها على نوعية المادة التي تستدعي "لفظية أو مصورة" وتعتمد كذلك على نوعية التذكير، هل هو تذكرا قصير المدى Short Term Memory "كاستدعاء رقم تليفون معين نظرات إليه وقتًا كافيًا"، أم تذكر بعيد المدى Ory Long Term Mem "كاستدعائك رقم تليفونك أو عنوان مسكنك". وعمومًا فإن تذكر الأطفال يعتمد كذلك على مستوى نموهم. ومعدل قدراتهم المعرفية وأنظمة ترتيب سلوكهم.
ويشير براون Brown وآخر "١٩٧٢" أنه إذا افترض أن طفلًا يتذكر موضوعًا معينًا فهل من الأفضل أن نقدم له الموضوع نفسه، أو اسم هذا الموضوع، أو الاسم والموضوع معًا؟ وبمعنى آخر. هل يحتفظ الأطفال
стр. 285
بالخبرات المرئية أم الخبرات اللفظية أم ببعض من الاتحاد بين كليهما؟ وعمومًا فإن قدرة أطفال ما قبل المدرسة تميل إلى أن تكون غير عادية، وتفوق بصورة كبيرة تذكرهم لأسماء الأشياء والموضوعات.
ففي إحدى الدراسات التي تؤيد الحقيقة السابقة، أجرى برلموتر Perlmutte وما يرز ١٩٧٤ Mayers دراسة حيث عرض فيها أشكال وصور لأطفال في سن الرابعة، وأشارت النتائج أن ٩٣% من أطفال الرابعة تمكنوا من استدعاء ١٦ شكلًا قدمت إليهم عن طريق الرؤية. إلا أن الذين استطاعوا استدعاء هذه الأشكال لفظيًّا لا يتجاوزون ٧١% فقط. وهذا يعني أن تذكر الأطفال للصور والأشكال تكون أحسن من تذكرهم الأسماء. وقبل ذلك أشرنا إلى أن قدرة الأطفال التعرف على قوائم الصور والكلمات غير المترابطة، ولكن ماذا يكون الحال بالنسبة للمادة النثرية الأكثر تركيبًا وتعقيدًا؟ هل يستدعي الأطفال الصغار كمية من الأفكار أكثر من صفحة نثرية، تكون الأفكار مرتبطة فيها، بصورة أفضل من تذكرهم لأفكار صفحة نثرية أخرى تكون فيه الأفكار غير مترابطة بعضها بالبعض الآخر.
وتشير نتائج الدراسات أن الأطفال الصغار فيما قبل سن المدرسة تمكنوا من استدعاء الموضوع المترابط بصورة أفضل مما فعلوه مع الموضوعات غير المترابطة. وفي هذا الميدان نجد أداء الأطفال الصغار يشبه أداء الأطفال الكبار والراشدين، والاختلاف الوحيد بينهما أن الأطفال الصغار لم يتمكنوا من استدعاء كمية كبيرة من المواد أو الموضوعات.
ويعن علينا تساؤل الآن، "كيف يتذكر الأطفال الصغار الأشياء والموضوعات المختلفة؟ وكيف يتذكرون قائمة من الكلمات أو صفحة نثرية أو سلاسل من الصور؟ وعمومًا فإنهم لا يملكون استراتيجيات لتذكر المواد كما نجد عند البالغين فالأطفال الكبار والراشدين مثلًا غالبًا ما يربطون العناصر الفردية إلى فئة أو صنف أكثر عمومية "فالقط والكلب والبقرة جميعها حيوانات، وبالتالي يمكن استدعاؤهم بسهولة عن طريق التفكير في صنف أو فئة أكبر" إلا أن الأطفال ما قبل المدرسة لا يكون الحال لديهم كما سبق حيث لا يملكون ثمة مهارات فئوية أو تصنيفية عامة، وعلى ذلك فإنهم قد يضعون الكلب والقطة معًا وليس معهما البقرة. وذلك لأن كل
следующие страницы →