← Медицина

Медицина · id 10751

علم نفس النمو من الجنين إلى الشيخوخة

عادل الأشول

Полный текст (737 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

النمو الإدراكي: يتضمن الإدراك العمليات التي بواسطتها نقرأ البيانات والمعلومات التي تأتي إلينا عن طريق حواسنا.. ولقد أشارت الدراسات النفسية إلى الصورة العامة للنمو الإدراكي خلال سنوات ما قبل المدرسة، وأهم هذه الدراسات، دراسات جان بياجيه حيث يشير أن الإدراك ينمو في الصورة التالية: إدراك الطفل الصغير يميل إلى أن يكون مقيدًا بالسمات السائدة أو الخصائص الغالبة لشكل المثير. ومع ازدياد العمر للوليد البشري ونضج القدرات الإدراكية نرى إدراك الطفل يتحرر مع اعتماده المبكر على الخصائص المهيمنة والسائدة. وبالتالي نجده يمكنه التعامل مع الشكل وينظمه بصورة كلية عامة، وهذا التغير يمكن أن يلاحظ في الطريقة التي يؤدي بها الأطفال عدد من المهام الإدراكية المختلفة. وتؤكد دراسات "١٩٦١" Klkind ما ذهب إليه بياجيه حيث عرض على ١٩٥ طفلًا تتراوح أعمارهم ما بين ٤، ٩ سنوات، لوحة من الأشكال المرسومة، وسألهم أن يصفوا ما يشاهدونه، ووجد أن الأطفال

стр. 282

الصغار ركزوا في وصفهم على أجزاء الصورة المعروضة عليهم وتجاهلوا الشكل العام، والبعض الآخر ركز على الشكل العام ولكنهم تجاهلوا الأجزاء وأشار الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين ٨، ٩ سنوات إلى كل من الشكل العام والأجزاء معًا. وهذه الدراسات تدعم وجهة النظر التي تشير إلى أن الأطفال مع ازدياد عمرهم الزمني كلما كانوا أسرع في عملية التنظيم الإدراكي، وكلما كانت مدركاتهم أكثر تكاملًا. وتؤيد دراسة هويت سيد "١٩٧٦" Whiteside ما ذهب إليه الكيند Elkind أن النمو الإدراكي يظهر في الحقيقة التي مؤداها أن الطفل يفضل تنظيم وترتيب المثير الأكثر تركيبًا وتعقيدًا، قبل أن يصبح قادرًا بصورة جيدة على التعامل معه، وعمومًا فإن كل من التركيب وغير المألوفية اتفق على أنهما بمثابة مثيرين يوضحان السلوك الاستكشافي من جانب الأطفال. وتبعًا لذلك فإننا من الممكن أن نتوقع كلما نضج الطفل في عمره الزمني كلما أصبح قادرًا وبصورة متزايدة على التعامل مع المثيرات الأكثر تركيبًا وتعقيدًا، حيث يكون أكثر حبًّا للاستطلاع لها ويفضلها عن المثيرات الأقل تركيبًا وتعقيدًا. وجانب آخر من النمو الإدراكي الذي يشير أن الأطفال الأكبر تزداد كفايتهم وأهليتهم سمي بالتحول الانتقالي المشروط Fer Cross Modal Trans وهذا التحول يتمركز في المقارنة بين ما خبر بمشروطية أو صورة معينة وبين ما خبر في أخرى. فمثلًا قد يعرض على طل صورة أو شكل معين ويطلب منه العثور بواسطة اللمس، وعادة ما نجد الطفل يضع يده داخل صندوق معين وبالتالي لا يستطيع أن يرى شيئًا ويطلب منه احضار الشيء الذي عرض عليه، أو قد يطلب من الطفل الإمساك بشكل معين، وعليه أن يكتشفه عندما يراه. وعلى الرغم من أن هناك جدل يدور حول ما إذا كانت التمييزات اللمسية بسيطة كما هو الحال في التمييزات المرئية، إلا أن الإجابة عن هذا التساؤل تعتمد أساسًا على الأشكال التي تُستخدم. ففي إحدى الدراسات مثلًا وجد أن التغير في الخيط المنحنى قد أمكن تمييزه في عمر مبكرة بواسطة العين أكثر من تمييزه باليدين، وفي جميع التجارب لوحظ أن التحول الانتقالي المشروط قد تحسن بصورة ملحوظة مع تقدم الطفل في عمره الزمني، كما أن هذه التجارب قد أشارت إلى أن الإدراك لا ينمو في فراغ، ولكن بالأحرى مع عمليات عقلية ودافعية أخرى وهكذا.

стр. 283

ويرتبط النمو الإدراكي كذلك بنمو القدرة اللغوية فبالنسبة لأطفال سن الرابعة، والذين يتلفظون بصورة نشطة أسماء الأشكال يساعدهم على استدعائهما بطريقة أفضل إذا ما قورنت في حالة سماعها من شخص آخر، ومع ذلك فإن سماع الأسماء من شخص آخر يسهل عملية الاستدعاء إلى حد كبير إذا ما قورنت بعدم سماع الأسماء على الإطلاق وعمومًا فإن الطفل الذي يبلغ الرابعة من عمره عندما يقول الكلمة، فإن ذلك يحرك انتباهه إلى مدى أكبر من مجرد سماع الكلمة تقال بواسطة أي شخص آخر. واللغة قد تكون مفيدة للأطفال الصغر في إجراء تمييزات إدراكية ويرجع ذلك لصعوبة تركيز انتباههم بصورة انتقائية، والأطفال الأكبر سنًّا أميل من الصغار لاستخدام الانتباه الانتقائي وتجاهل الخصائص الإدراكية الثانوية والتي لا تكون مرتبطة أو ذات صلة بالعمل المعطي. واللغة كما أشرنا يبدو أنها تفيد الأطفال الصغار في جذب الانتباه إلى المثيرات وثيقة لصلة أو المرتبطة بالموضوع وبالتالي يتحاشوا الاضطراب أو اللهو، ويجب أن نشير في هذا المقام أن نصح أو تذكير الآباء لأطفالهم بقولهم: "انظر أو انتبه ماذا تفعل"؟ تحتاج هذه العبارة إلى أن تكون أكثر تحديدًا حتى تكون ذات تأثير، فالأحسن للآباء أن يقولوا: "لاحظ أعلى الكوب عندما تسكب العصير فيه".

стр. 284

التذكر: كيف يتذكر الأطفال الصغار ما يرونه؟ وما يسمعونه؟ والإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة، حيث تعتمد في جزء منها على نوعية المادة التي تستدعي "لفظية أو مصورة" وتعتمد كذلك على نوعية التذكير، هل هو تذكرا قصير المدى Short Term Memory "كاستدعاء رقم تليفون معين نظرات إليه وقتًا كافيًا"، أم تذكر بعيد المدى Ory Long Term Mem "كاستدعائك رقم تليفونك أو عنوان مسكنك". وعمومًا فإن تذكر الأطفال يعتمد كذلك على مستوى نموهم. ومعدل قدراتهم المعرفية وأنظمة ترتيب سلوكهم. ويشير براون Brown وآخر "١٩٧٢" أنه إذا افترض أن طفلًا يتذكر موضوعًا معينًا فهل من الأفضل أن نقدم له الموضوع نفسه، أو اسم هذا الموضوع، أو الاسم والموضوع معًا؟ وبمعنى آخر. هل يحتفظ الأطفال

стр. 285

بالخبرات المرئية أم الخبرات اللفظية أم ببعض من الاتحاد بين كليهما؟ وعمومًا فإن قدرة أطفال ما قبل المدرسة تميل إلى أن تكون غير عادية، وتفوق بصورة كبيرة تذكرهم لأسماء الأشياء والموضوعات. ففي إحدى الدراسات التي تؤيد الحقيقة السابقة، أجرى برلموتر Perlmutte وما يرز ١٩٧٤ Mayers دراسة حيث عرض فيها أشكال وصور لأطفال في سن الرابعة، وأشارت النتائج أن ٩٣% من أطفال الرابعة تمكنوا من استدعاء ١٦ شكلًا قدمت إليهم عن طريق الرؤية. إلا أن الذين استطاعوا استدعاء هذه الأشكال لفظيًّا لا يتجاوزون ٧١% فقط. وهذا يعني أن تذكر الأطفال للصور والأشكال تكون أحسن من تذكرهم الأسماء. وقبل ذلك أشرنا إلى أن قدرة الأطفال التعرف على قوائم الصور والكلمات غير المترابطة، ولكن ماذا يكون الحال بالنسبة للمادة النثرية الأكثر تركيبًا وتعقيدًا؟ هل يستدعي الأطفال الصغار كمية من الأفكار أكثر من صفحة نثرية، تكون الأفكار مرتبطة فيها، بصورة أفضل من تذكرهم لأفكار صفحة نثرية أخرى تكون فيه الأفكار غير مترابطة بعضها بالبعض الآخر. وتشير نتائج الدراسات أن الأطفال الصغار فيما قبل سن المدرسة تمكنوا من استدعاء الموضوع المترابط بصورة أفضل مما فعلوه مع الموضوعات غير المترابطة. وفي هذا الميدان نجد أداء الأطفال الصغار يشبه أداء الأطفال الكبار والراشدين، والاختلاف الوحيد بينهما أن الأطفال الصغار لم يتمكنوا من استدعاء كمية كبيرة من المواد أو الموضوعات. ويعن علينا تساؤل الآن، "كيف يتذكر الأطفال الصغار الأشياء والموضوعات المختلفة؟ وكيف يتذكرون قائمة من الكلمات أو صفحة نثرية أو سلاسل من الصور؟ وعمومًا فإنهم لا يملكون استراتيجيات لتذكر المواد كما نجد عند البالغين فالأطفال الكبار والراشدين مثلًا غالبًا ما يربطون العناصر الفردية إلى فئة أو صنف أكثر عمومية "فالقط والكلب والبقرة جميعها حيوانات، وبالتالي يمكن استدعاؤهم بسهولة عن طريق التفكير في صنف أو فئة أكبر" إلا أن الأطفال ما قبل المدرسة لا يكون الحال لديهم كما سبق حيث لا يملكون ثمة مهارات فئوية أو تصنيفية عامة، وعلى ذلك فإنهم قد يضعون الكلب والقطة معًا وليس معهما البقرة. وذلك لأن كل

стр. 286

من الكلب والقطة يعض، ويظل هذا الحال عند الأطفال الصغار حتى سن السادسة أو السابعة تقريبًا، حيث يتمكن الأطفال في هذه السن من عمل أشياء أو مواد مجتمعة حتى يمكن تذكرها تبعًا لأصنافهم أو فئات موضوعاتها. ومع ذلك، فالأطفال يكون لديهم بعض الطرق والوسائل القليلة لتذكر المواد والموضوعات، إلا أنها تكون محدودة جدًّا وتتصف بالبدائية إذا ما قورنت بالاستراتيجيات الفئوية التي يستخدمونها فيما بعد، فمثلًا عندما يطلب من طفل الثالثة تذكر أين اختفت الدمية فإنه عادة ما ينظر إلى المكان الذي توضع فيه الدمية، ومثله في ذلك مثل طفل العامين، وبالنسبة للأطفال ما بين ٣، ٥ سنوات فعند سؤالهم تذكر أين وضعت الدمية؟ نجد ذلك يساعدهم إلى توجيه انتباههم لمثيرات ذات علاقة ومرتبطة بالدمية، على الرغم من عدم تمكنهم حتى الآن استخدام استرايجيات تصنيفية فئوية. ناقشنا فيما سبق التذكر قصير المدى، أي انقضاء دقائق قليلة بين تقدم المادة واستدعائها أو التعرف عليها، ولكن ماذا عن استدعاء الطفل الصغير لأحداث انقضى عليها فترة طويلة من الوقت؟ ويشير كل من بياجيه وانهلدر ١٩٦٨ Piager& Lnhelder إلى بعض الحقائق المثيرة في هذا الموضوع، ولكنه عملية نشطة، كما أن الخبرة الأصلية يمكن أن تجتاز كثير من التحولات قبل أن تستدعى. بالتالي فإن ما يتذكره الطفل قد لا يشبه بدقة الخبرة الأصلية. ومفهوم الذاكرة كعملية نشطة، ليست مفهومًا جديًّا، إذ أشار إليه فردرش بارتليت F. Bartlett وفرويد، في أن المواد التي تخزن في الذاكرة تخضع لتحولات تلقائية، وفي ذلك يشير بارتيت أنه في حالة استدعاء الحالات لقصص معينة عادة ما يزيدون من توضيح بعض الأجزاء ويختصرون ويوجزون في أجزاء أخرى. وأشار فرويد أن كثيرًا من الذكريات التي استدعاها مرضاه كانت مجرد اختلافات وتلفيقات تبنى بصورة لا شعورية لإبهام وإخفاء الأحداث المؤلمة.

стр. 287

وجدير بالذكر أن ما أضافه كل من بياجيه وانهلدر للوصف السابق لتحولات الذاكرة يعتبر بمثابة بعدًا نمائيًّا، ففي سلسلة من دراساتهما أشارا أن تذكر الأطفال يبرز تغيرًا لنمو قدراتهم العقلية في التعامل مع العلاقات الكمية، ففي إحدى الدراسات عرض على أطفال من الرابعة إلى السادسة من العمر مجموعة من العصي ذات أطوال مختلفة ورتبت من الأصغر إلى الأطول ... وسئل الأطفال أن ينسخوا أو يقلدوا عمل هذه السلسلة من العصي، وبعد ذلك كلفوا برسم هذا النموذج من الذاكرة بعد رؤيتها مباشرة، وكررت هذه التجربة بعد ستة أشهر بعد ذلك. وأشارت النتائج أن أطفال سن الرابعة كانت لديهم صعوبة في نسخ نموذج السلاسل وفي تذكرها، وعادة ما كانوا يرسمون أزواجًا من العصي واحدة فيها أكبر من الأخرى، وأطفال الخامسة والسادسة كانوا أكثر دقة مما كان عليه أطفال الرابعة، وعادة ما كانوا يجرون نسخًا صحيحًا للنموذج ونتيجة ذلك كانت لافتة للنظر في هذه التجربة وهي عندما سؤال أطفال الرابعة أن يرسموا نموذج السلاسل بعد ستة أشهر من إجراء التجربة الأولى، أظهروا تحسنًا ملحوظًا وذو دلالة على رسومهم الأولى، ويعلق بياجيه وانهلدر على ذلك بقولهما، أن تذكر هؤلاء الأطفال لنماذج السلاسل قد تحول في انسجام ومطابقة مع قدرتهم النامية لترتيب عصي مختلفة الأحجام في هيئة سلسلة وجدير بالذكر أن هذه النتائج دعمت بنتائج دراسات أخرى عديدة. جملة القول أن كل من بياجيه وانهلدر قد أمدونا بدليل جديد للنظر إلى التذكر على أنه بمثابة عملية فعالة نشطة وليس عملية سلبية، ومن جانب آخر وجدنا كل من ارتيت وفرويد يشيران أن نشاط الذاكرة يعتبر عملية محرفة مشوهة بصورة أساسية، إلا أن كل من بياجيه وانهلدر يشيران بأنه ليس بالضرورة أن يكون التذكر على هذا النمط، فبالنسبة للأطفال الناميين فإن تذكر الخبرات السابقة يتحسن بتقدم العمر وكلما أعاد الطفل بناء هذه الذكريات مع عمليات عقلية ومفاهيم أكثر نضجًا. وفيما يتعلق بتذكر الراشدين لخبرات الطفولة المبكرة، فإن معظم الراشدين لا يمكنهم تذكر هذه الفترة من حياتهم بصورةكاملة، فقد يكون لدينا بعض من الذكريات اللافتة للنظر عن هذه الفترة، وبعض من الحدس الغامض إلا أنها تكون شاحبة وغير واضحة بصورة كاملة. وقد يرجع سبب ذلك إلى النضج العقلي، فالذكريات تخزن في إطار زماني ومكاني معين، فعندما نسأل شخص ما أين كنت الليلة الماضية؟ فإننا نسأل عن الزمان والمكان. وعلى ذلك يمدنا بدليل للبحث عن ذاكرة معينة أو تذكر فرد معين، إلا أن الأطفال الصغار عادة ما نجد لديهم مفاهيم غامضة للزمان والمكان وبالتالي لا يمكنهم تخزين هذه الذكريات في إطار نظامي.

стр. 288

التعلم التمييزي: أحد أساليب التكيف الأساسية للأطفال الصغار هي تعلم التعرف، والتمييز بين الموضوعات المتنوعة وخصائصها في حياتهم اليومية، فالأطفال في حاجة إلى تعلم التمييز بين البرتقالة والتفاحة، بين الدائرة والمربع، وهكذا، كما أن التمييز أحد الطرق الأساسية التي يتعلم من خلالها الأطفال المفاهيم وبعض جوانب التعلم التمييزي ذكرت فيما سبق عند مناقشة الإدراك، والآن سوف نركز على بعض جوانب التعلم التمييزي. وأحد النتائج الدالة التي تتصل بتعلم الأطفال الصغار هي التغير النوعي الذي يحدث بين الأعمار أربعة وستة سنوات "١٩٧٥" Liben. وهذا التغير في التعلم التمييزي وضح بواسطة التبدل المعكوس حيث دربت حالات في البداية لعمل تمييزات لبعد واحد من الأبعاد "كالألوان مثلًا" وأن تتجاهل الاختلافات الأخرى. وبمجرد أن يتعلم الطفل التمييز "عن طريق مكافأة الاستجابات الصحيحة وعدم مكافأة الاستجابات الخاطئة"، وعرضت على الحالات أحد التمييزين بعد تدريبهم، وفي التبدل المعكوسي Shift Reversal عكست الاستجابات الصحيحة والخاطئة الأولية وعمومًا فإن مشكلة التبدل المعكوس جربت على الحيوانات بالإضافة إلى الأطفال والراشدين، واتضح أن الأطفال الصغار والحيوانات عندها صعوبة أكبر في التبدل المعكوس، كما أن الأطفال الأكبر والراشدون وجد لديهم تبدلات معكوسة أكثر. وهناك تساؤل في تعلم التمييز مؤداه: هل الطفل يتعلم أن يتسجيب لمثير معين، أو إلى العلاقة بين المثيرات؟ والإجابة عن ذلك تعتمد جزئيًّا على المسافة أو البعد بين المثيرات التي تستخدم في تدريب الطفل والمسافة التي تسخدم في اختباره واقعيًّا، فالأطفال الصغار يجرون اختبارات علاقاتية عندما لا يكون المثير الجديد أكبر بصورة ظاهرة عن المثير الأصلي، وتشير نتائج بعض الدراسات "١٩٥٦" Albert& Others أن طفل الثلاث سنوات يمكن أن يجري خيارات علاقاتية إذا درب على الاستجابة لعلاقات المثير

стр. 289

السلوك الاحتفاظي Conservation Behavuor: يشير بياجيه إلى منحى مختلف للتعلم الإنساني، حاول فيه تتبع نمو تفكير الأطفال من الطفولة المبكرة حتى المراهقة، ويعتقد بياجيه أن الطفل يتعلم عن العالم المحيط به عن طريق ما يسمى بالإدراك التدريجي التابع للفكر Porgressively Subordinating Perception وهذا ما يميز التقدم العلمي بصورة عامة، فمثلًا لا تكون دائرية الأرض واضحة بذاتها، إلا أنه استدل عليها من ثمة مؤشرات ظل الأرض على القمر، واختفاء السفن في الأفق، وبالتالي ساعدت هذه المدركات على التغلب على الانطباعات الإدراكية في أن الأرض مسطحة وأن الشمس تدور حول الأرض. ولكي نحدد كيف يكون عالم الطفل محكومًا بالإدراك، وكيف يكون محكومًا بالعقل والفكر. صمم بياجيه بعض المهام العقلية حيث يواجه فيها الطفل بموقف تتضارب فيه الأحكام الإدراكية والمنطقية، فمثلًا قد يعرض عليه كأسين كبيرين واسعين من البرتقال مملوءين بارتفاع متساوٍ، وكأس ثالث طويل فارغ، ويسأل الطفل هل نفس كمية البرتقال في الكأسين الواسعين وبمجرد أن يقتنع الطفل أن كميات العصير هي نفسها يصب المختبر العصير من الكأس الواسعة إلى الكأس الثالث الطويل الضيق وتسأل الطفل عما إذا كانت نفس كمية العصير الموجودة في الكأس الواسع القصير متساوية مع الكمية الأخرى الموجودة في الكأس الطويل الضيق ... فإذا أشار الطفل أن الكأس الطويل به كمية أكبر من العصير يكون تفكيره مشوبًا بالخداع. ولكي يتغلب على هذا الخداع يجب عليه أن يتسخدم المنطق وأن يتحقق أن الكميتين هي نفسها حيث لم يضف أو يؤخذ أي كمية من الكأس. ففي حالة الطفل الذي يشير أن الكميتين مختلفتين يشير بياجيه إلى أنه يفتقد الحكم بثبات الأشياء وبقائها conservation من الناحية الكمية، والطفل الذي يحكم أن الكميتين متساويتان يشير إلى أن لديه مبدأ الثبات وبقاء الأشياء ذو فعالية أي أنه يشير إلى أن تفكيره قد تغلب على إداركه.

стр. 290

ولقد صمم بياجيه ومعاونوه عديدًا من الاختبارات لقياس مبدأ ثبات وبقاء الأشياء "السلوك الاحتفاظي" وتضمن كثيرًا من المفاهيم كالأعداد والزمان والمكان والكمية والحركة والسرعة.. وما إلى ذلك وسوف نورد بعضًا منها فيما بعد. وعمومًا فإن معظم الأطفال تحت سن السادسة أو السابعة لا يشيرون إلى مبدأ الثبات وبقاء الأشياء أو السلوك الاحتفاظي، وتبعًا لبياجيه فإن أطفال ما قبل المدرسة تنقصهم القدرة على التفكير المنطقي، وبالتالي يقعون فريسة الصورة الخادعة التي يقدمها الإدراك. ومما هو جدير بالذكر أن دراسات بياجيه واختباراته أعيد تطبيقها في كثير من دول العالم وأشارت إلى نتائج يمكن مقارنتها بنتائج بياجيه بصورة مدهشة لافتة للنظر. ومن جانب آخر فقد أشار بعض الباحثين أن الأطفال الصغار لديهم قدرات أكبر مما أشار إليه بياجيه مثل Eluff "١٩٦٢"، & Weiz Achenbach "١٩٧٥"، Zeiler "١٩٦٦" وثمة مشكلتان قد جذبتا انتباها خاصًا، وهما الاستدلالات الانتقالية ومفهوم عن العدد، وسوف نرى كذلك أن نجاح أو فشل الأطفال الصغار في تلك المهام يعتمد على متغيرات كثيرة مختلفة.

стр. 291

الاستدلالات الانتقالية: لنفترض أنك عرضت على طفل عصايتان بأطوال مختلفة "أ"، "ب"، وكانت "أ" أقل من "ب" وتسأله أن يحكم أيهما أطول من الأخرى، ولنفترض أنك عرضت عليه عصايتين أخريتين، واحدة منها من الزوجين السابقين واحدة جديدة مثل "ب" أقل من "ج"، وتسأله مرة أخرى ما هي العصى الأطول، وأخيرًا لنفترض سؤالك إياه دون السماح له بمقارنة العصى بصورة مباشرة ما إذا كانت أأطول من ج مع معرفة أن أأطول من ب" وب أطول من ج، فإذا استنتج الطفل أن أأطول من ج، حينئذ يقال أنه قد أجرى استدلالات انتقالية. ويشير بياجيه أن أطفال تحت سن الخامسة أو السادسة لا يمكنهم إجراء استدلالات انتقالية وأيد باحثون آخرون أمثال. "١٩٦٢" Achenbach, J Peluff, N "١٩٧٥" طبقوا ذلك على الأطفال الصغار في ثقافات مختلفة، وأشاروا إلى أن الأطفال الصغار يكون لديهم صعوبة كبيرة في إجراء الاستدلالات من المقدمات المنطقية، ومن جانب آخر في أثناء العشر

стр. 292

سنوات الأخيرة أشار باحثون آخرون مثل Bryant, P.& Trabars, T "١٩٧١" kendler. l,& Kendler "١٩٦٧" أن الأطفال في أعوامهم الأولى يمكنهم إجراء هذه الاستدلالات الانتقالية وأن أطفال الثالثة والرابعة يمكنهم ذلك، وهم في حقيقة الأمر أعلى مما ادعى بياجيه وزملائه، وفي تجربة أخرى أجراها Brainerd "١٩٦٣" أثبتت وجهة النظر الأخيرة، حيث دربت مجموعة من الأطفال سن ما قبل المدرسة على أزواج من العصي المختلفة، وتعلم الأطفال أن: "أ" أقل من "ب"، "ب" أقل من "ج"، "ج" أقل من "د"، "د" أقل من "هـ"، وذلك لاستخدام خمسة عصيان بأطوال مختلفة وألوان مختلفة، فقد كانت أ = ٧ بوصات، وب كان طولها ٦ بوصات، ج طولها ٥ بوصات، د طولها٤ بوصات، هـ طولها ٣ بوصات. وكانت ألوان هذه العصي بالترتيب أزرق، أحمر، أخضر، أصفر، أبيض. وعلم الطفل والإشارة إلي أيهما أطول من الأخرى، وبالتالي فقد تعلم الأطفال التعرف على الأطوال المختلفة بواسطة اللون، وتم ذلك بسهولة وفي اختبار هؤلاء الأطفال طلب منهم أن يقارنوا بين ب، ج عندما كانتا في اللوحة الخشبية، وأشارت النتائج أن أكثر من ٧٥% من أطفال سن الرابعة أمكنهم إجراء ذلك بصورة صحيحة، ودعمت هذه النتائج بواسطة الدراسة التي قام بها Brayant& Other "١٩٧١". فهل يمكن أن يدرب الأطفال الصغار على إجراء الاستدلالات الانتقالية؟ يجيب Brayant أنه من الممكن أن يتعلم الأطفال ذلك عن طريق التدريب تصورات عقلية للعصي في أثناء التدريب بصورة تدريجية، وعندئذ يراجعون هذه التصورات العقلية في رءوسهم عندما يطلب منهم مقارنة ب، ج مثلًا، وبالتالي فإنهم قد لا يفعلون تلك المقارنات الصحيحة عن طريق التفكير الاستدلالي الانتقالي ولكن عنة طريق التخيل العقلي Mental Lmagery.. جملة القول لا يزال الرأي غير واضح عما إذا كان أطفال ما قبل المدرسة يمكن أن يجروا عمل الاستدلالات الانتقالية ومع ذلك فإنه بدون التدريب تجد معظم هؤلاء الأطفال الصغار لا يستخدمون هذه الاستدلالات بصورة تلقائية.

стр. 293

ثبات العدد Number Conservation: في إحدى تجارب بياجيه لتحديد تصور الطفل للعدد، استخدم مسألة الثبات أو البقاء، حيث قدم للطفل صفًّا مكونًا من ستة سفن بلاستيك صغيرة، وطلب من الطفل أن يأخذ نفس العدد من مجموعة كبيرة من السفن وضعت بجانبه، وأن يعمل منها صفًّا مثل الذي يراه. ووجد بياجيه أن هناك استجابات متوالية نظامية مرتبطة بالعمر الزمني للطفل، فالأطفال في سن الرابعة "والذين لم يكن لديهم تصور مستقل عن الشيء المؤلف من ستة" قد قلدوا المسافات بين كل سفينة وأخرى، وتجاهلوا الطول والعدد، وعملوا صفًّا أطول من السفن، ويحتوي على مراكب أكثر مما طلب منهم، وأحيانًا قلدوا طول الصف متجاهلين المسافة بين كل مركبة وأخرى. أما الأطفال ما بين ٥، ٦ سنوات كانوا قادرون على نسخ النموذج صحيحًا وكذلك الالتزام بالمسافات بين كل سفينة وأخرى. ويشير بياجيه أن الطفل يصل إلى إحساس حقيقي للعدد عندما يستطيع أن يتغلب على الخداعات الإدراكية للأعداد وذلك بمساعدة التفكير، فتفكير الأطفال ينمو بسبب التذويت التقدمي للأفعال، وبمجرد أن تصبح الأفعال المذوتة نظم معينة "مثل العمليات الحسابية" نجد أن أحد خصائصها يتمثل في المعكوسية أو المقلوبية، فإن جمع ٦+٦= ١٢ يمكن أن تعكس بواسطة الطرح، ١٢-٦= ٦، كما أن الجمع والقسمة تكون مقلوبة أو معكوسة لنقطة البداية في خبرة ثبات أو بقاء الأشياء ... كما توجد طرق أخرى نجد فيها العمليات المعكوسة يمكن أن تقود الطفل إلى مبدأ الثبات أو بقاء الأشياء، فالوصول إلى العمليات العقلية يجعل معكوسية أو مقلوبية التفكير ممكنة وبالتالي يجعل مبدأ ثبات أو بقاء الأشياء ممكنًا. ويشير Wohwill& Other أننا بواسطة تنويع الوسائل والأدوات المستخدمة بواسطة بياجيه، أو عن طريق تدريب الأطفال، يمكن أن نصل إلى مبدأ ثبات أو بقاء الأعداد عند الأطفال تحت سن الخامسة.. وعمومًا فهناك رأي آخر يشير أن الأطفال الصغار لا يفهمون مصطلحات معينة تكون مرتبطة بالأعداد مثل "نفس" أكثر" أو "أقل" وذلك بنفس الطريقة التي يفهم بها أطفال الرابعة أو الخامسة نفس هذه المصطلحات وبصورة جلية توجد كثير من المشكلات المنجية في الإشارة إلى مبدأ ثبات وبقاء الأشياء لدى الأطفال الصغار.

стр. 294

وتشير بعض المجادلات أن الأطفال الصغار عادة لا يكون لديهم مستويات للتصور. فطفل الثلاثة أو الأربعة سنوات يكون لديه مفهومًا للعدد، إلا أنه يختلف عن مفهوم الأطفال الكبار أو مفهوم الراشدين "ونفس الحقيقة بالنسبة لكثير من المفاهيم الأخرى" فطفل الثالثة أو الرابعة عادة ما يكون لديه مفهومًا شاملًا Global للعدد. بمعنى أنه يحكم على العدد عن طريق كلياته أو تجمعاته الإدراكية. وذلك أكثر من أعداده ... وهذا النوع من مفهوم العدد وجد كذلك عند الحيوانات والتي يمكن أن ترى عددًا من الأحكام على أساس الحجم الكتلي أو التجمعي وليس وفقًا لأعدادها. وفي المرحلة الثانية ما بين ٤.٥، ٥.٥ سنة عادة ما يظهر الأطفال مفهومًا حدسيًّا للعدد بمعنى أنهم يبدءون في إدراك أن بعض أنواع الوحدة يكون ضمنيًّا. وفي المرحلة الثالثة وعادة ما نلاحظها في الأطفال ما بين ٥.٥، ٦.٥ سنة نجد الأطفال في تلك المرحلة يظهرون إحساسًا حقيقيًّا للعدد، وعلى ذلك يمكنهم بناء خط تكون من ستة مكعبات بدون أخطاء ويمكنهم التعرف على أن هذا الاتساق يكمن قائمًا حتى عندما لا يتوفر الاتساق الإدراكي. ونجد عند الأطفال في هذه المرحلة ما يسمى بمفهوم وحدة العدد، حيث إن تقديرهم للعدد سيعتمد على إحصاء "أو عد" العناصر الفردية، وتشير نتائج دراسة "١٩٦٧" Gelman أن الأطفال الصغار يمكنهم تعلم مفهوم العدد، سواء كان هذا المفهوم شاملًا أو حدسيًّا أو حقيقيًّا. ويشير بياجيه أن هناك نموذج مشابه يمكن أن يوجد في قدرة الأطفال الصغار في بناء المفاهيم التنظيمية، فعندما يعطون مجموعة من الأشكال الهندسية الملونة "كالدوائر أو المثلثات، والمربعات والمستطيلات"، ويتطلب منهم تجميع الأشكال المشابهة كل منها مع الآخر، نجدهم يبنون تجمعات تصورية بمعنى أنهم يبنون بعض الأشياء كالمنازل مثلًا من الأشكال أكثر من تجميعهم هذه الأشكال سويًّا تبعًا لخصائصها. وفي المرحلة الثالثة تشبه المرحلة الحدسية في النمو العددي، حيث يبدأ الأطفال فيها تجميع الأشكال سويًّا تبعًا للشكل إلا أنها غير متسقة بصورة كاملة فقد يجمعون خمسة مستطيلات ومثلث واحد، وفي أثناء المرحلة الأخيرة نرى الأطفال يمكنهم تصنيف وترتيب الأشياء إذ يجمعوا الأشكال تبعًا لشكلها وألوانها. وبإيجاز فإن أطفال الثالثة والرابعة ويكون لديهم مفاهيم الكمية والنوعية، إلا أنها تكون شاملة وعامة وغير مميزة، وبازياد العمر الزمني فعن طريق التداول النشط مع كثير من أنواع المواد المختلفة والاستثارة الاجتماعية، نجد الأطفال يبنون تدريجيًّا مفاهيم للكم والكيف تشبه مثيلاتها عند الأطفال الكبار والراشدين.

стр. 295

النمو اللغوي: يعتبر النمو اللغوي في أثناء سنوات ما قبل المدرسة مثيرًا بصورة كبيرة، فمن الكلمة الجملة التي تكون في السنة الثانية، نجد الطفل يتقدم في نموه اللغوي حتى يظهر بناءات لغوية مركبة في عمر الرابعة أو الخامسة، ومعظم دراسات النمو اللغوي استخدمت الدراسات الطولية لبعض من الأطفال، وسوف نتأمل سويًّا جوانب معينة للنمو اللغوي في أثناء سنوات ما قبل المدرسة، وكذلك بعض النظريات التي حاولت تفسير هذا النمو اللغوي. اكتساب اللغة: أحد أبعاد النمو اللغوي التي تلقي اهتمامًا كبيرًا يتمثل في طول أو مدى التعبير اللفظي، فكلما تدرج الأطفال في نموهم كلما كانت جملهم أطول وبالتالي يكون ذلك مؤشرًا تقريبيًّا لكفاءتهم اللفظية، والجمل المكونة من كلمتين مثل "ماما أشرب"، "ماما أكل" "بابا جه" تعتبر تحسنًا ملحوظًا في فعالية اتصال الطفل عن كلماته المفردة، ويشير كل من براون Brown "١٩٧٣" وبلوم Bloom "١٩٧٠" أن الأطفال الذين يستخدمون الجملة الكلمتان يمكن أن يختاروا أي تركيب أو اتحاد من الفعل والفاعل أو الموضوع في كلماتهم الملفوظة، إلا أننا نرى اتحاد الفعل والفاعل تبدو أكثر شيوعًا وعمومية من أي تركيب آخر في لغة الطفل الصغير. وكلما تقدم الأطفال في نطق الجمل ذات الكمات الثلاثة أو الأربعة نجد حدوث تنوعًا أكبر في البناء اللغوي، ويبدأ الأطفال في تنمية اختلافات فردية في نموذج الاكتساب اللغوي، فمثلًا قد نجد بعض

стр. 296

الأطفال، يستخدمون ذواتهم فقط كمصدر أو مركز للأفعال، مثل "أنا رميت الكرة"، أو "أريد حلوى" وقد يدرك أطفال آخرون أن الآخرين يمكن كذلك أن يكونوا "مصدر الأفعال" مثل "كتاب بابا الجديد" أو "ماما بتغير فرش السرير". وحيث إن النمو اللغوي يتميز بالنطق والكلام الأطول والمفردات الأكثر والأوسع. والبناءات الأكثر تنوعًا، فإننا نجد بالتالي فروقًا واختلافات مميزة في كيفية اكتساب الأطفال للغة. ويتصف النمو اللغوي كذلك بالازدياد المستمر في المفردات ذات الصيغ المجهولة، والصيغ المعلومة. وعلى الرغم من صعوبة تقدير حجم المفردات اللغوية للأطفال، إلا أننا نجد أن أغلب أطفال الثالثة والرابعة تكون حصيلتهم اللغوية مكونة من عدة آلاف من الكلمات ذات الصيغة المجهولة والمعلومة، كما أن الجمل التي يستخدمها الأطفال في الواقع تميل إلى أن تكون صغيرة بصورة ملحوظة. كما أن اكتساب المفردات ليس متماثلًا في جميع الأحوال فيما يتعلق بجميع أنواع الكلمات، حيث نجد أن بعض الكلمات قد تكتسب بصورة أكثر تبكيرًا أو أكثر سهولة من كلمات أخرى. والكلمات التي تكون متناقضة المعنى عادة ما نجدها ذات اهتمام خاص بالنسبة للطفل، إلا أنها تكتسب بصعوبة من جانب الطفل، فمثلًا كلمات "أكثر، وأقل" أشارت بعض الدراسات إلى أن الأطفال الصغار يفهمون كلمة "أكثر" إلا أنهم غالبًا ما يشيرون إلى كلمة "أقل" بأنها تعني نفس الشيء، وأشارت دراسات عديدة، إلى أن كثيرًا من الأطفال يظهرون هذا الخلط في كلماتهم. ومفاهيم لزمان قد بحثت كذلك في كثير من الدراسات. وكما سبق أن أشرنا إلى أن الأطفال الصغار لا يكون لديهم نظام واضح لمفاهيم المكان والزمان، ونجد أن إدراكهم البدائي غير المتطور للتابع الزمني ينعكس كذلك في لغتهم، ويبدءون في تفهم كلمات "قبل وبعد" في أثناء سنوات ما قبل المدرسة، وعلى الرغم من أنهم يفهمون كلمة "قبل" بصورة مبكرة نسبيًّا عن "بعد" ويشير "١٩٧٤" palermo أن الأطفال الصغار كذلك عادة ما يخلطون بين كلمتي "أكثر وأقل" حيث نجد بعض الأطفال لا يمكنهم التمييز بين هاتين الكلمتين ويشيرون إلى أنهما مترادفان، ومما يلفت النظر تبعًا لوجهة نظر Palermo أننا نجد الأطفال يفهمون كلمة الأمس بصورة أفضل مما يفعلون ذلك مع كلمة "باكر". ويشير Weiner؛ "١٩٧٤" إلى أن أطفال الثالثة والرابعة لا يكون لديهم صعوبة كبيرة مع أدوات التعريف، أو أدوات التنكير بالإضافة إلى المفرد والجمع, فغالبًا ما نجدهم يقولون: "الضفدع, السلاحف" عندما تكون القصة تشير إلى كثير من الضفادع، ويشيرون إلى ضفدعة، عندما تكون القصة عن حيوان مفرد".

стр. 297

نظريات التحصيل اللغوي: هناك نظريات عديدة في تفسير النمو اللغوي عند الأطفال، وكل منها قد تسهم في تفهمنا للنمو اللغوي، إلا أننا لا نجد أحدا منها شاملة بصورة كافية لكي تغطي جميع جوانب النمو اللغوي, فلقد أشارت إحدى هذه النظريات أن النمو اللغوي يعكس نضج البناءات اللغوية ويشترك فيها جميع أفراد النوع الإنساني، حيث إنها فطرية Mcneil؛ "١٩٧٠" وتبعًا لوجهة نظر ماكينل أن الأطفال يمكنهم التكلم، في حين نجد أن كل لغة معينة تعتمد على ثقافة معينة وكيفية التنشئة فيها، وعمومًا فإن وجهة النظر هذه تشير إلى أن الأطفال يولدون ببعض من القدرات اللغوية، ولقد عززت بعض من المعلومات والبيانات الثقافية هذا الاتجاه حيث أشارات إلى نماذج متشابهة في النمو اللغوي عند الأطفال الذين يتعلمون لغات متباينة كالإنجليزية والروسية Slobin؛ "١٩٦٦". وفي الطرف الآخر نجد اتجاه يشير أن اللغة مكتسبة بصورة كلية عن طريق التعليم Braine؛ "١٩٦٢"، Staat؛ "١٩٧١" وبالتالي فإن كثيرًا مما يتعلمه الأطفال في اللغة يأتي من النسخ أو التقليد مما يسمعون الآخرين سواء بتدعيم أو بدون تدعيم، وعلى ذلك فإن السلوك اللفظي لا يختلف عن الأنماط السلوكية الأخرى ويتعلم بنفس الطريقة, ويشير Other & Endsley أنه على الرغم من أن الباحثين الذين يؤيدون وجهة النظر هذه قد قللوا من اتجاههم إلى حد ما، إلا أنهم ما زالوا يصرون على أن التعلم مهم في النمو اللغوي والدلائل التي تدعم هذه النظرية، اشتقت من الدراسات التي وجدت فيها أن الأطفال تكرر أنماط أسئلتهم، أو تنطفئ بواسطة استعداد ورغبة الراشدين من حولهم للإجابة عن تساؤلاتهم واستفساراتهم. والنظرية الثالثة التي أصبحت سائدة في العشرة سنوات الأخيرة تؤكد على نشاط وفعالية الطفل في تعلم اللغة Brown؛ "١٩٧٣", Donaldson؛ "١٩٧٠".

стр. 298

وهؤلاء ينظرون إلى الطرق التي يتعلم فيها الأطفال فعليًا المفردات والقواعد اللغوية ويستطرد أصحاب هذا الاتجاه أن النمو اللغوي في نموه وطريقة بنائه متشابه مع النمو المعرفي، بمعنى أن الطفل يتعلم المفردات والقواعد اللغوية لكي يعبر عما تعلمه نتيجة الاستكشاف النشط الفعال للبيئة, ولنتأمل بعض الإنجازات المعرفية للطفل قبل أن ينمي اللغة، وكما أشرنا سابقًا أن الأطفال في هذا السن يدركون وجود الأشياء واختفائها ويدركون كذلك أنها يمكن أن تظهر وتختفي, وهذه الاكتشافات بين المظاهر الأولى لخبرة الطفل والتي يعبر عنها لفظيًا، فمثلا نجد الأطفال يتعلمون أسماء ووجود الأشياء، وكذلك صفة التغير مثل قوله: "كلها تختفي" ويسألون بإعادتها من جديد، وهذا يتساوق مع الإنجازات المعرفية المبكرة. وجدير بالذكر، فإن المعلومات والبيانات المتوفرة عن النمو اللغوي، تدعم جميع هذه النظريات الثلاثة، حيث إن كلا منها قد يتضمن عناصر من الحقيقة، فبعض اللغة قد تكون فطرية، وأخرى قد تكون في كثير أو قليل منها متعلمة بالإضافة إلى أن بعض الجوانب الأخرى قد تكون مبنية على النموذج المقدم عن طريق النمو المعرفي للطفل، وعمومًا فاللغة تعتبر بمثابة إنجاز متعدد الوجود، والتي لا يمكن أن نشرحها ونفسرها عن طريق نظرية واحدة، حتى على الأقل بالنسبة لمعرفتنا المحدودة في الوقت الحاضر.

стр. 299

مهارات الاتصال المرجعية: تعتبر اللغة الأداة الأولى الرئيسية لعملية الاتصال، وأحد الجوانب المهمة للنمو اللغوي يتركز في مدى قدرة الطفل على استخدامها لنقل الأفكار، ومن جانب آخر فلكي يتم الاتصال بصورة فعالية مؤثرة فيجب أن يضع الطفل في اعتباره وإلى حد ما وجهة نظر المستمع، بمعنى أن الطفل في استخدام الكلام لعملية الاتصال, يجب كذلك أن يكتسب مهارات تمكنه أن يأخذ في اعتباره وجهة نظر المستمع إليه، وهذه تسمى بمهارات الاتصال المرجعية Referential Communication Skills. ويعتبر جان بياجيه من أوائل الباحثين الذين جذبوا الانتباه إلى مهارات الاتصال المرجعية، ففي إحدى أعماله المبكرة لاحظ أن الأطفال الصغار عادة ما يتكلمون مع أنفسهم أكثر مما يفعلون ذلك مع بعضهم

стр. 300

البعض, وهذا الكلام غالبًا ما يكون مرتبطًا بالفعل ولا يكون بمثابة مجهود يبذل لغرض الاتصال فطفلان في الثالثة من العمر حين يلعبان سويًا قد يقولا: * أحمد، اشترت لي أمي هذا الحذاء الجديد. * محمد، هذه اللعبة الصامتة. وقد أطلق بياجيه على تلك اللغة بالكلام المتمركز حول الذات Egocentric Speech, وقد لاحظ أنه يشكل جزءا واقعيًا من اتصال الطفل الصغير مع رفاقه في مثل سنه، إلا أن هذا النمط لا يسود عندما يتكلم الطفل مع الراشدين. ويشير بياجيه أن الطفل الصغير المتمركز حول ذاته لا يمكنه أن يأخذ وجهة نظر الشخص الآخر عندما يختلف معه، وعلى الرغم من أن بياجيه قد توصل إلى ذلك من خلال ملاحظاته على الطبيعة، إلا أن باحثين آخرين أثبتوا وجهة نظر بياجيه عن طريق مهام الاتصال المرجعية التجريبية, ففي إحدى تجارب Sussevein & Other؛ "١٩٧٥" على أطفال ما قبل المدرسة عرض عليهم بعض الأشكال الهندسية الفردية وسئلوا أن يعطوها أسماء, ولقد فعل الأطفال الصغار هذا بسهولة بإعطائها ثمة أسماء كالتفاحة وبرتقالة، وقطة، وكلب ... إلخ، وعندما استخدم المجرب واحدة من هذه الأسماء ليشير إلى الشكل، فإن الطفل كان قادرًا على اختياره من وسط مجموعة من الأشكال، وهذا يعني أن الأطفال الصغار يعطون أسماء خصوصية Idiosyncratic للأشكال الهندسية. وعلى الرغم من أن الأطفال ما بين ٢-٥ سنوات لديهم صعوبة اتصال مع الآخرين عندما يكون للآخرين وجهة نظر مختلفة عن وجهة نظرهم، إلا أننا نرى أن لديهم مهارات اتصالية مرجعية أولية، فمثلا نجد أطفال الرابعة يبسطون ويسهلون من لغتهم عندما يتكلمون مع أطفال الثانية، إلا أنهم لا يفعلون ذلك عند التكلم مع أصدقائهم أو الراشدين من حولهم.

стр. 301

العالم التصوري للطفل الصغير: قد نعتقد أن عالم الطفل الصغير عبارة عن تصنيف أشياء وأجزاء غير مترابطة، والحقيقة، فإن عالم الطفل الصغير لا يبدو كذلك على الإطلاق حيث إن تفكير الطفل الصغير له نظامه وتنظيمه الخاص به، فعلى الرغم من اختلافه عما نجد لدى الراشدين، إلا أنه ليس مألوفًا بصورة كلية لنا وذلك بسب عدم قدرتنا على الارتداد إلى نماذج فكرية ذاتية، وهي تلك النماذج التي تميز تفكير الصغار. ولقد قدم بياجيه استعرضًا نظاميًا واسعًا لتفكير الأطفال الصغار، ونفس النتائج أشار إليها آخرون مؤيدون لوجهة نظر جان بياجيه, ويجب أن نشير في هذ المقام أن سلوك الصغار قد يساء فهمه عن طريق الكبار ويرجع ذلك إلى اختلاف نظرة الأطفال الصغار للعالم عما لدى الراشدين, فمثلا قد يصدم الطفل الصغير عندما لا يستطيع أن يتقاسم ويشارك دميته في انعكاساتها وردود فعلها، وذلك لاعتقاده أن دميته جزء من نفسه، وعمومًا فإن تفهم عالم الطفل التصوري يمكن أن يساعدنا على تقييم سلوكه بصورة أكثر موضوعية. وأحد الخصائص التي تميز تفكير الأطفال الصغار ما يسميه بياجيه بالعلية الظاهرية Phenomenalistic Causality, وفي هذا النموذج من التفكير نجد الطفل يفترض وجود علاقة سببية أو علية بين شيئين يحدثان في وقت واحد، فمثلا قد يخاف الطفل من صوت الغريب ويمسك ببطانية دافئة لكي يزيل عنه الخوف، وحيث إن البطانية ترتبط بشعور الارتياح فإنه يعتقد أنها سوف توفر له الحماية، وسوف يبحث عنها عند إحساسه بالخوف مرة أخرى، وتميل بعض الأدوات والملابس أن تكون ذات قيمة عند الطفل الصغير، ويرجع ذلك إلى علية أو سببية هذه الأشياء الظاهرية، وهذا النمط يعتبر بمثابة أحد نواتج التفكير الذي يميز الأطفال الصغار, وكذلك بعض الراشدين, وسمي بالتفكير الانتقالي أو التحولي Transductie Reasning ويمكن تحليله كما يلي: - أ، ب يحدثان سويًا. - أموجود.

стр. 302

- إذن ب يجب أن يكون موجودًا. وكثير من عناد الطفل الصغير يمكن أن يعزى إلى هذا النمط من التفكير الانتقالي أو التحولي، فالطفل الذي يرفض أن يجرب طعامًا جديدًا بسبب عدم استحسان آخر نوع من الطعام قدم إليه، فإنه في ذلك يتبع نمط التفكير الانتقالي، فالطعام الجديد والخبرة غير السارة قد حدثا معًا في الماضي، وبما أن هذا طعام جديد فإنه بالتالي سوف ينتج خبرة غير سارة. وعند الراشدين نجد أن هذا النمط من التفكير غالبًا ما يؤدي إلى المعتقدات الخرافية "كالخوف اللاعقلاني" فالطالب الذي حدث وأخذ حمامًا باردًا قبل الامتحان الذي أداه بصورة جيدة، قد يشعر أنه يجب أن يستحم قبل كل امتحان، والتاجر الذي يزور مكان معين أو صديق معين قبل صفقة تجارية ناجحة قد يشعر أن هذا الشخص أو المكان "مصدر للخير" ويجب أن يفعل ذلك قبل كل عمل تجاري. وخاصية أخرى يتسم بها تفكير طفل هذه المرحلة وهي صفة الإحيائية أو الأرواحية Animism وهي نسبة الحياة للأشياء غير الحية, أو الاعتقاد بأن لكل ما في الطبيعة روحًا أو نفسًا ويتأتى هذا لميل الطفل إلى نسخ وتجسيم العالم المادي على خبرته، ولذلك فإننا نجده يشير إلى أن دميته تشعر بالألم أو البرد كما يشعر هو بذلك، أي أن أشياء تحن وتخبر نفس المشاعر والأحاسيس التي يخبرها والمظهر الرئيسي لهذا التفكير هو الاعتقاد بمادية الإحساس، فقد نسمع من طفلين يتحدثان قول أحدهما للآخر. - لماذا أنت ممسك بخدك؟ - لأنني عندي ألم في أسناني. - هل تؤلمك كثيرًا؟ - نعم إنها تؤلمني ... ألا تشعر بها؟ وليس بمستغرب في ضوء مناقشتنا السابقة, عن مفاهيم الطفل عن

стр. 303

والأكثر والأقل، وقبل وبعد، نجد الأطفال يعتقدون أن الحياة والموت مترادفان، فبالنسبة لطفل الثالثة والرابعة لا يعني الموت لديه انتهاء الحياة، ويرجع ذلك إلى أن الحياة عنده بمثابة خاصية دائمة للأشياء مثل صلابتها أو ألوانها، والموت لديه يشبه الاختفاء المادي يكون مؤقتا فقط، وهذه محادثة بين أحد الأخصائيين وطفل في الثالثة والنصف من عمره. أ: لماذا تدفن الأموت تحت الأرض؟ ب: أين تعتقد بأنهم يجب أن يدفنوا؟ أ: من الممكن وضعهم في النفاية. ب: لماذا يمكن وضعهم في النفاية؟ أ: من الأسهل عليهم أن يخرجوا منها. وبحلول فترة الطفولة الوسطى يبدأ الأطفال إدراك أن الموت هو نهاية الحياة بالمعنى المادي أو الفسيولوجي, وعادة ما يكون مفهوم الموت بمثابة خبرة مخيفة مرعبة بالنسبة للطفل. والخاصية الأخيرة لتفكير الأطفال الصغار ما بين ٢-٥ سنوات هي القصدية أو الغرضية purposivism، حيث يعتقدون أن كل الأشياء في العالم عملت بواسطة الإنسان، ولأجل الإنسان، وبالتالي فكل شيء له قصد أو غرض, وكلمة "لماذا" الشهيرة عند أطفال هذه المرحلة يجب أن نتفهمها من وجهة النظر هذه, فعندما يسأل الطفل: لماذا تشرق الشمس؟ لماذا يكون لون الشجر أخضر؟ فإنه يريد أن يعرف أسباب ذلك، وعلى ذلك فالإجابات المناسبة: "لكي تبقينا في حالة دفئ". أو: "لكي يخفي يرقان الفراشة ولا تستطيع أن تأكلها الطيور، وهناك إجابات أخرى كذلك لا تكون مضللة أو خاطئة بصورة كاملة إلا أنها تكون ذات معنى بالنسبة للطفل وعلى ذلك فالحقائق المطولة عن الحرارة والضوء التي تفسر أشعة الشمس قد لا تساعد الطفل على تفهم السؤال الحقيقي الذي يسأله. وهدف هذا الوصف الموجز السابق، نقصد منها لإشارة إلى أن الأطفال الصغار لا يكون لديهم تصورًا كاملا للعالم، إلا أنه يتسم بالغنى على الرغم من أنه يختلف عن ذلك للراشد، وعلى ذلك فإن عقل الطفل الصغير لا يكون لوحًا فارغًا يجب أن يملأ بواسطة الخبرة، والطفل بالتالي يبني عالمه التصوري الخاص به، وجزء من نموه يتمثل في تعلم العالم التصوري للراشدين بالإضافة إلى التخلي أو الكف التدريجي عن تصوره الطفلي للعالم المحيط به.

стр. 304

التعلم في مرحلة الطفولة المبكرة: إن فترة ما قبل المدرسة ما بين ٢-٥ سنوات واحدة من فترات النمو العقلي السريع، فبنهاية هذه الفترة نجد تحكم الطفل للغة، بالإضافة إلى اكتسابه خصائص أولية للعالم "الشكل والحجم واللون ... إلخ" وكذلك من وجود اتفاق عام بين الباحثين في الطفولة والتربويين فيما يتعلق بالإنجازات العقلية للأطفال الصغار, إلا أن هذا الاتفاق يقل فيما يتعلق بنوع البرانامج التعليمي الذي يتناسب مع هذا العمر الزمني Hess, R. & Bear, R؛ "١٩٦٨". ونجد الآراء في هذا المجال غالبا ما تكون متناقضة، فمثلا Englemann؛ "١٩٧٠", Fowler؛ "١٩٦٢", يشيران إلى أن سنوات ما قبل المدرسة تعتبر بمثابة سنوات حاسمة للتغيرات التربوية، حيث نجد هؤلاء الأطفال الصغار يتعلمون بسهولة، ويدفعون بصورة عالية إلى التعلم، ويزيدون كذلك بأننا إن لم ننتهز هذه الفرصة فإننا على ذلك نفتقد فلرصة ذهبية لرفع معدل ذكاء الأطفال ومعدلات الإنجاز والتحصيل الأكاديمي كذلك، وعلى نقيض وجهة النظر السابقة نجد Boore, R.S. & Moore,D.N؛ "١٩٧٥" يرون أن سنوات ما قبل المدرسة تتصف بالضعف بصورة غير عادية وبالتالي لا نستطيع أن ننمي أثناءها مفاهيم الذات والشخصية، ويشيران إلى أهمية التفاعل بين الطفل وأمه "أو الشخص القائم برعايته" ويستطردان إلى أن التغيرات التربوية أو العلمية "خاصة خلال السنة الثالثة" قد يؤدي الطفل ويكون ضارًا له إذا كان متضاربًا مع العلاقة الشخصية المتبادلة. وبين هذين الاتجاهين توجد سلسلة من الآراء الوسيطية لكل من فروبل Frobel, وبستالوتزي Pestalozi, ومنتسوري Montessori تعكس اتجاهات حديثة، حيث يشيرون أن الأطفال في حضورهم إلى دور الحضانة لعدة أيام يشاركون في برنامج متوازن من نشاطات اللعب والنشاطات التربوية، فإن هذه المؤسسات التربوية بذلك تسهم في نمو عقلية الطفل بالإضافة إلى نمو شخصيته.

стр. 305

فما نوع هذا النمط من البرامج الذي يكون أكثر مناسبة لهؤلاء الأطفال الصغار؟ والإجابة على هذا السؤال حقيقة صعبة ليس فقط لأن النتائج في هذا المجال لم يقطع ويبت فيها، ولكن بالإضافة إلى أن الأطفال يختلفون كثيرًا في خلفيتهم وشخصيتهم، فالبرامج التي تكون مناسبة لطفل معين قد لا تكون كذلك بالنسبة لآخر، وبإيجاز فإن برامج الأطفال الصغار لا يمكن أن توصف بأنها جيدة أو رديئة في حد ذاتها ولكن بالأحرى يمكن وصفها بأنها مناسبة أو غير مناسبة لأطفال معينين، فالطفل الذكي مثلا قد يستفيد من البرنامج الذي تتوفر فيه كثير من الفرص التعليمية، والطفل الخجول على نقيض ذلك قد يستفيد بصورة أكبر من برنامج يؤكد على عملية التفاعل الاجتماعي وعلى نمو الشخصية. موجز القول فإن سنوات ما قبل المدرسة تعتبر سنوات مهمة لكل من النمو العقلي ونمو الشخصية، والبرامج التربوية يمكن أن تسهل هذا النمو إلا أنها لن تعجل في سرعته وأي من البرامج يمكن الحكم بأفضليته بالنسبة لطفل معين، يجب أن يحدد فقط في ضوء حاجات الطفل الخاصة وقدراته المتاحة.

стр. 306

الشخصية والنمو الاجتماعي: ما بين سن الثانية والخامسة نجد الأنماط السلوكية التعبيرية Experssive والتي اكتسبت في مرحلة الرضاعة تبدأ في التبلور داخل نماذج فردية بالإضافة إلى أن الأطفال تنمو لديهم كثير من الاتجاهات المتميزة والتفضيلات وطرق الأداء والعمل, وأول هذه الأشياء نجد أطفال هذه المرحلة يصبحون على دراية متزايدة بأنفسهم كأفراد، وبالتالي يبدءون في تكوين اتجاهات إيجابية أو سلبية نحو ذواتهم ثانيًا، اتساع دائرة الاتصال والتفاعل مع الأفراد، وكذلك يخبر الطفل الكثير من التفاعلات الجديدة، وثالثًا فإن فترة الطفولة المبكرة فترة حاسمة للانضباط المتنوع وظهور نشاطات لدور النمذجة والتي عن طريقها ينقل الآباء عناصر ثقافتهم إلى أطفالهم.

стр. 307

الوعي بالذات واتجاهات الذات: أحد النتائج الهامة لنمو الأطفال الجسمي والمعرفي، نجدهم يصبحون على دراية متزايدة بأنفسهم ويكونون اتجاهات جديدة لذواتهم وعلى وجه الخصوص نراهم يظهرون دراية بأجسامهم وبذوغ أحاسيس التمكن والسيطرة. الوعي بالجسم: أثناء العامين الأولين نجد الرضع يمكنهم إدراك أنهم أشخاص متميزون ذوو أجسام منتمية إليهم، ويتعلمون بأن لهم أطرافًا وأعضاء خاصة بهم ويرجع ذلك لتحكمهم في حركات هذه الأطراف والأعضاء كرفع الأذرع، أو غلق العينين بالإضافة إلى تأثرهم بما يحدث لهذه الأعضاء والأطراف كالإحساس بالألم عند لمس شيء ساخن، وأطفال ما قبل المدرسة قد حصلوا هذا التعرف الرئيسي بأن لهم أجسام، ويصبحون حينئذ على دراية بالتغيرات التي تحدث فيها، كما أنها تختلف عن أجسام الآخرين. وأطفال ما بين ٢-٥ سنوات عادة ما يعبرون بالفخر والاهتمام بأحجامهم "انظر كيف أصبحت كبيرًا، انظر كيف أصبحت طويلا، انظر كيف أصبحت عضلاتي قوية، هل سأكون كبيرًا مثل بابا" كما نجدهم شغوفين بمعرفة مقاسات أطوالهم وأوزانهم سواء داخل المنزل أو عيادة طبيب أو في دور الحضانة، كما ينزعجون في حالة الإصابة بالخدوش أو الرضوض أو الكدمات أو العض وبالأحوال الوقتية الأخرى التي تؤثر في أجسامهم فمثلا قد نسمع بعضهم يقول: "انظر كيف أصبحت أصابعي مجعدة بعد الحمام". ويبدأ أطفال ما قبل المدرسة في التعرف على الاختلافات الجنسية الجسمية، وينمو بالتالي الإحساس بهويتهم كذكور أو كإناث, ويشير Rutter أن معظم أطفال ٢.٥ سنة لا يكونون إيجابيين في التعرف على جنسهم ولكن في الثالثة تقريبًا نجد أن ما يقرب من ثلثي الأطفال يدرك ما إذا كان ولدًا أم بنتًا، كما أن الألعاب التي تتضمن فهما أو استكشافًا جنسيًا تكون شائعة عامة في سن الرابعة وعادة ما نجدهم ما بين الرابعة والخامسة يوجهون لآبائهم تساؤلات تتصل بالأمور الجنسية، فقد يسأل الذكور سبب عدم تمكنهم أن يكون لديهم أولادًا، وقد تسأل الإناث لماذا لا يكون لهن عضو جنسي ذكري عندما ينمون.

стр. 308

ويشير كون وكانر Conn, j. & Kanner؛ "١٩٧٤" أن الأطفال الصغار يميلون إلى التكلم عن الإصابة بالأذى أو الضرر لأجسامهم أو افتقار أعضاء من أجسامهم, ومن جانب آخر قد نجد أطفال آخرين الذين يتسمون بالخوف والحذر قد يصبحون في قلق وانزعاج بافتقاد أسنانهم أو أظافرهم, وغالبًا ما يبالغون في النتائج المحتملة للإصابة بالاضطراب والتهيج، وتشير الدراسة السابقة أن الإناث يكن أقل ميلا من الذكور في اهتماماتهن بالإصابة أو فقدان بعض أجزاء معينة من أجسادهن، يعتقدون أن البنت كانت لها أعضاء تناسلية شبيهة بما عندهم إلا أنها انتزعت، وبالتالي قد يعانون من مصير مشابه، ويسمي المحللون النفسيون هذا الخوف بقلق الخصاء Castation Anxiety الذي يعتري الأولاد الذكور. وردود الفعل السلوكية التي يؤتيها الآباء نحو تزايد الوعي الجسمي لأطفالهن يميل أن يؤثر في اتجاهات الأطفال نحو ذواتهم فالآباء الذين يعبرون بالفرحة بنمو أطفالهم يساعدونهم على الشعور بالاعتزاز والثقة بالنفس كما أن اتجاهات الذات الإيجابية لدى الأطفال الصغار تعزز عندما يمكن للآباء الاستجابة لتساؤلات أطفالهم المرتبطة بالجنس دون ارتباك أو اضطراب بالإضافة إلى تقديم المعلومات التي تناسب مستوى فهم وإدراك الطفل، ومن جنب آخر فإن الآباء الذين يتجاهلون ميول أطفالهم واهتماماتهم العادية في النمو الجسمي، يمكن أن يجعلونهم حمقى تافهين وغير ذات أهمية كما أن الآباء الذين لا يشجعون الاستكشاف الجنسي للأطفال، ويعتبرون هذا شيئًا غير مرغوب فيه ويعاقبون أطفالهم عليه يمكن أن يعززوا اتجاهات السلبية عندهم والقلق والاضطراب فيما يتعلق بالجنس. إحساس السيطرة أو التمكن: إن مشاعر الأطفال وأحاسيسهم بالسيطرة والتمكن تبدأ في التكوين منذ الطفولة المبكرة حيث يشعرون بإشباع ومتعة بكونهم قادرين على التحكم وضبط بيئتهم المحيطة بهم, فلقد لوحظ الأطفال يهدلون ويغمغمون ويبتسمون وحتى يضحكون عندما يسيطرون على ثمن أعمال تعليمية معينة كتشغيل لعبة ما "سيارة مثلا" وبالتالي فبسبب سيطرتهم وتمكنهم من مهارات جديدة يمدهم بالمتعة والسعادة، وكذلك

стр. 309

يشجعهم إلى عمل محاولات أخرى للسيطرة والتحكم في عناصر البيئة من حولهم، وبهذا المعنى يتصف بالنشاط الذاتي المستمر. ومما هو جدير بالذكر، توجد ثمة طرق يستطيع الآباء تعزيز محاولات أطفالهم المبكرة في السيطرة أو التمكن، وتشير نتائج دراسة ابليتون وآخريثن Appleton & Others أن الأطفال بصفة عامة، وكذلك الأطفال الصغار جدًا يميلون إلى أداء محاولات أكثر للسيطرة والتحكم في حالة تلقيهم تشجيع الآباء ومساعدتهم والثناء عليهم لكونهم يعملون بصورة استقلالية، ومثال ذلك عندما يحاولون إطعام أنفسهم. وأطفال ما قبل المدرسة عادة لا يكون لديهم إحساس ثابت بالإنجاز، إلا أننا نجد أنه عندما يسمح لهم نموهم المعرفي التعرف على الاختلاف بين معدلات أو مستويات المهارة الماضية والحاضرة، وبالتالي القدرة على تطبيق معايير التفوق لسلوكهم الخاص، أي يمكنهم التحقق بأن أداءهم الحاضر أحسن من أدائهم السابق، فإن ذلك ينتج لديهم بعض من الخبرات كالإنجاز Achievement, وتلك الخبرات الأخيرة تبدأ بدورها في توليد أحاسيس التمكن والسيطرة، وبالتالي تؤثر بصورة كبيرة على إحساس الطفل بكفايته الشخصية. وهذا الجانب من نمو الشخصية يزداد بصورة سريعة فيما بين ٢-٥ سنوات، حيث أن ازدياد معارف الأطفال ومهاراتهم الحركية أثناء هذه السنوات تمكنهم من أداء أفعال أكثر لأنفسهم مما كانوا يستطيعونه من قبل، وهذا يوسع فرصتهم في أن يختبروا إحساس التمكن أو السيطرة، وبالإضافة إلى ذلك نجد مهاراتهم اللغوية تمكنهم من اكتساب مفهوم أفضل لمدى تأثير قدراتهم على البيئة إذا ما قورن بتأثيراتهم السابقة، وللآباء كذلك دورًا مهما في مساعدة أطفال ما قبل المدرسة لكي ينمو أحاسيس ومشاعر قوية بالتمكن والسيطرة، ولقد وضح هذا التأثير في دراسات دافعية الإنجاز، والكفاية الأولية، وتقدير الذات، وهذا ما سنتعرض له في ثنايا الصفحات التالية. دافعية الإنجاز Achievement Motivation: نشير إلى مدى ميل الشخص للنضال أو الكفاح لبلوغ النجاح، والقدرة على أن يخبر اللذة أو المتعة Pleasure لكونه ناجحًا,

стр. 310

وتشير نتائج دراسات كل من ديفيد ماكيلاند McClelland وجون اتكنسون J. Atkinson في أصول دافعية الإنجاز إلى ما يلي: أولا: تعزز دافعية الإنجاز ويعجل بها أثناء سنوات ما قبل المدرسة بواسطة تشجيع الآباء لإنجازات أطفالهم والمصاحبة بمطالب معتدلة للاستقلالية والدفئ وتتمثل في العلاقة الأبوية المدعمة والمشجعة للطفل وبمعنى آخر إن أطفال ما قبل المدرسة الأكثر نقاشا ومساعدة للآخرين في أن يعملوا بقدر ما يستطيعون يكونون أكثر ميلا في أن يصبحوا أفرادا واثقون بأنفسهم يستجيبون بتوق إلى تحديات الخبرات الجديدة. ثانيًا: نمو دافعية الإنجاز يرتبط بصورة مباشرة بكمية التدريب النوعي في النشاطات الإنجازية والتي يوفرها الآباء لأطفالهم أثناء سنوات ما قبل المدرسة. الكفاية الأدوية Instrumental Competence: عرفت ديانا بامرند D. Baumrind الكفاية الأدوية في سلسلة من دراساتها بأنها سلوك يتسم بالمسئولية والاستقلال من الناحية الاجتماعية حيث أشارت نتائج إحدى هذه الدراسات لأطفال ما قبل المدرسة وآبائهم أن الأطفال الذين كانوا أكثر تعويلا واتكالا على أنفسهم، ولديهم قدرة التحكم على أنفسهم، ولديهم ميول استكشافية، ويشعرون بالرضا والإشباع كان لديهم آباء يتصفون بالمسئولية الاجتماعية، والثقة في النفس ومؤكدون لذواتهم، كما أنهم كانوا يضعون حدودًا معينة على سلوك أطفالهم، ولكنهم في نفس الوقت كانوا يتصفون بالدفئ والتقبل، حيث كانوا راغبون في تفسير مبادئهم السلوكية، وكانوا في نفس الوقت يشجعون أطفالهم على مناقشة هذه المبادئ والاقتناع بها. وتشير النتائج كذلك أن الأطفال الذين اتصفوا بعدم الرضا، والانسحاب وعدم الثقة، كان لديهم آباء منفصلين عنهم يتسمون بالديكتاتورية، حيث كانوا متحكمين وصارمين بصورة كبيرة لأولادهم ويحيطون أبناءهم بالحماية والوقاية، تاركين مجالات وفرص قليلة للمناقشة والاختلاف في الرأي، وينكرون أو لا يحبذون الفرص لأطفالهم لأخذ المخاطر في محاولة أشياء جديدة وفي عمل القرارات، والمجموعة

стр. 311

الثالثة من الأطفال والتي كانت لها آباء تتصف بالتساهل واللامبالاة كانت أقل ثقة بذاتها وأقل استكشافًا وضبطًا لذواتهم، وبمناقشة أحد أطفال هذه المجموعة وجد أن الآباء كانوا يفشلون في وضع أي معايير محددة لأطفالهم والتي عن طريقها يمكن أن يحكم الأطفال بواسطتها على مدى تناسب أنماط سلوكهم، كما أنهم فشلوا في تشجيع الأطفال على تقبل أي تحديات تواجههم، والجدول "١" يوضح نتائج هذه الدراسة:

стр. 312

ونتائج هذه الدراسة السابقة، ونتائج دراسات متشابهة أخرى كذلك، تشير إلى التناسق والتساوق مع ما تعلم بالفعل عن أصول دافعية الإنجاز، بمعنى أن الآباء الذين يحفزون أطفالهم ويستحثونهم على الإنجاز بقدر ما يستطيعون وفي نفس الوقت يجمعون مجهوداتهم بواسطة المديح والتشجيع، نجدهم ينتجون لدى أولادهم مستويات من الكفاية الآدوية. تقدير الذات Self Esteem: تتمثل في القيمة التي يضعها الأفراد لذواتهم، ومدى توقعهم النجاح فيما يفعلونه, ومن أكثر الدراسات شمولا وتكاملا في العوامل التي تؤدي إلى تقدير الذات دراسة كوبر سميث Cooper Smith؛ "١٩٦٧", والتي كانت نتائجها متسقة مع نتائج الدراسات في دافعية الإنجاز والكفاية كانت نتائجها متسقة مع نتائج الدراسات في دافعية الإنجاز والكفاية الأدوية، حيث أشارت النتائج أن الأطفال الذين كانوا يتصفون بتقدير الذات كان لديهم آباء يتسمون بالدفء والتقبل، والذين يضعون حدودًا واضحة محددة لسلوك أطفالهم، إلا أنهم في نفس الوقت يسمحون لهم بحرية العمل والاختيار داخل هذه الحدود, ويشير كوبر سميث متفقًا في ذلك مع باومرند بأن آباء الأطفال ذوي التقدير العالي لذواتهم يميلون إلى أن يكونوا متزنين نشطين واثقين بذواتهم مشبعين وراضين بصورة نسبية. ومما يجدر الإشارة إليه في هذا المقام، أن هناك فروقًا جنسية بين الأولاد والبنات في الإحساس بالبراعة والتفوق، فقد وجد في بعض الدراسات الواسعة التي كانت تهدف إلى التعرف على الفروق الجنسية في الإنجاز، حيث كان الأولاد يدفعون إلى الإنجاز بصورة أولية عن طريق النضالات المتفوقة المتمكنة, في حين كانت البنات يدفعن للإنجاز نتيجة الحاجة إلى الاستحسان الاجتماعي Hoffmann؛ "١٩٧٢"، وهذه الفروق الواضحة الظاهرة أدت إلى بعض المقولبات عن دور الجنس، حيث تؤكد نتائج دراسة هوفمان، تلك المقولبات التي تشير أن الأطفال الذكور قد يكونون أكثر عدوانية واستقلالا وتنافسًا، في حين نرى البنات أكثر سلبية، وأكثر اعتمادية، وأكثر تعاونًا، وعلى ذلك فعادة ما نجد الأفراد في الحماية والعناية بالبنات وعدم تشجيعهن على القيام بالمهام أو الأعمال الصعبة، وبالتالي نجدهم غالبًا ما يتصفن بأنهن أقل ثقة في ذواتهن وأقل إنتاجية، وأقل نجاحًا في النشاطات من الأولاد المتساوين معهم في قدراتهم.

стр. 313

وعلى نقيض نتائج الدراسة السابقة، نجد أن كل من ماكوبي وجاكلين Macoby & Jacklin يشيرون أن الأولاد والبنات لا يختلفون في نضالاتهم نحو الإنجاز، كما أن الأولاد في مجتمعنا لا يتلقون تشجيعًا أكبر من البنات نحو التحكم والسيطرة، ولسوء الحظ فإن الدراسات التي اعتمد عليها كل من ماكوبي وجاكلين ليست دراسات ناضجة جيدة حيث اعتمدت على مقاييس غير محكمة بسيطة لاكتشاف الفروق الجنسية، وبالتالي فإننا في حاجة إلى دراسات إضافية أكثر دقة تؤكد النتائج في اتجاه ما دون آخر. كما أن معادلات أريك أريكسون قد تكون مفيدة في هذا المجال إذ يشير أن ما يخبره الأطفال في علاقاتهم مع آبائهم في ما إذا كانوا سينمون أحاسيس الثقة أو عدم الثقة في عالمهم المحيط بهم وكذلك في مستقبلهم. وفيما يتصل بالطفولة المبكرة فقد أشار أريكسون أن مظاهر التفاعل الأبوي الطفلي يحدد ما إذا كان الطفل سينمي إحساس الاستقلالية أو الشك والخجل وبالتالي فإن ذلك سيؤدي إلى سمات شخصية مستمرة، فإن تمكن الآباء من التعرف على ميول وقدرات أطفالهم، وأن يشجعوهم بفخر وإعجاب خاصة في سن ما قبل المدرسة ويدعموا إنجازاتهم، نجد الأطفال ينمون إحساس الاستقلالية أو الإحساس بتمكنهم والتحكم في ذواتهم وبيئتهم، أما إذا منع الآباء أطفالهم من أداء أعمال معقولة معينة، أو وضعوا متطلبات أو معايير أعلى من قدرات أطفالهم, أو يشكون في قدراتهم، فإنهم يؤثرون بذلك على مصائرهم وأنماط شخصياتهم النامية في المراحل التالية.

стр. 314

العلاقات الاجتماعية لطفل ما قبل المدرسة مدخل ... العلاقات الاجتماعية لطفل ما قبل المدرسة: في معظم المجتمعات حتى الآن، من المعتاد أن تكون هناك تمييزات شديدة بين أدوار الأم والأب في تنشئة الطفل، فالأم عادة ما تبقى في المنزل للعناية بالأطفال في حين يعمل الأب خارج المنزل ليعول أسرته, ولا يتوقع أن تكون الأم عاملة إلا في حالة الضغط الاقتصادي أو عدم قدرة الأب على كفالة أسرته, فالأب لا يفترض فيه أن يستطيع تغيير حفاضات الطفل, أو يطعمه ليلا، أو الاهتمام بنظام حاجات الرضيع والطفل الصغير إلا إذا كانت زوجته مريضة أو بعيدة عن المنزل، ومما

стр. 315

يجدر الإشارة إليه نجد الآن اختفاء التحديدات الصارمة لدور الجنس لتزايد عدد النساء اللاتي يعملن خارج المنزل لإثبات ذواتهن والانتفاع بقدراتهن بالإضافة إلى كسبهن المادي، وبالتالي فقد نظر إلى العناية بالطفل على أنها مسئولية مشتركة يتقاسم فيها كل من الأب والأم. ودور الأم يأتي في المقام الأول، حيث نجد ارتباطات الأطفال الأولى تتكون مع أمهاتهم وتبقي بصورة عامة الشخص الأكثر أهمية في حياتهم طوال سنوات ما قبل المدرسة، وكثيرًا ما نجد الأمهات يرجئن البحث عن عمل، أو يعملن جزءًا من الوقت فقط حتى يصل أطفالهن إلى سن المدرسة، وقد يوقفن العمل كلية في حالة المولود الجديد، وعلى ذلك فإن الأطفال الصغار عادة ما يقضون الوقت الأطول مع أمهاتهم أكثر من أي شخص آخر، كما أن سلوك الأم يكون مؤثرًا فعالا على شخصيتهم ونموهم الاجتماعي، ومع ذلك فإننا نجد أثناء سنوات ما قبل المدرسة أن الأم تبدأ بصورة متزايدة في تقاسم التأثير على الطفل مع الأب وإخوته وأقرانه.

стр. 316

دور الأب: تشير نتائج دراسات كل من برلنجهام Burlingham؛ "١٩٧٣"، وشافر وأميرسون Schaffer & Emerson؛ "١٩٦٤" أن الأب قد يأخذ كثيرًا من مسئوليات العناية بالطفل، خاصة في إطعامهم، وغالبًا ما يكون للأطفال الصغار ارتباطات مبكرة مع آبائهم بالإضافة إلى أمهاتهم، وفي أثناء سنوات ما قبل المدرسة نجد أغلب الرجال مشاركين نشطين في حياة أطفالهم، فالطفل الرضيع عادة ما يؤخذ على غرة عندما يريد الأب ترك المنزل والذهاب إلى العمل، وبالتالي يصيح ويبكي، وقد يكون نائمًا أثناء عودة الأب من عمله مساء، إلا أن أطفال ما قبل المدرسة عادة ما يكونون مستيقظين في أوقات عودة آبائهم من أعمالهم كما أن لديهم فرص أكبر للتفاعل مع آبائهم بسبب نضجهم، مثل الجلوس مع الأسرة في أوقات تناول الطعام، واللعب سويًا، والاشترك في محادثات مختلفة، كما نجد أطفال ما قبل المدرسة أكثر ميلا إلى الرحلات والمناسبات الأخرى التي يوفرها الآباء لأطفالهم كالركوب على الظهر والأكتاف والرحلات إلى حديقة الحيوان أو السيرك، أو تصليح اللعب أو الدمى التالفة وما إلى ذلك.

стр. 317

وتشير نتائج دراسة لين وكروس Lynn & Cross؛ "١٩٧٤" إلى اهتمام أطفال ما قبل المدرسة بآبائهم، وعلى الرغم من أنها دراسة بسيطة إلا أنها ذات مغزى كبير حيث سألوا عددًا كبيرًا من الأطفال تتراوح أعمارهم ما بين ٢-٤ سنوات عما يودون مشاركته في عديد من الألعاب الأم أو الأب، وأشارت النتائج أن أطفال سن ٢، ٣، ٤ أعطوا تفضيلا واضحًا لمشاركة اللعب مع آبائهم ولدى الإناث لوحظ أن الآباء كان تفضيلهم أكبر لدى بنات من الثانية، إلا أن بنات ٣ سنوات أشارت إلى تفضيل أقل في اللعب مع آبائهم وفي سن ٤ سنوات فإنهن فضلن بصورة واضحة اللعب مع أمهاتهن، وميل الفتيات في هذه الدراسة يعكس ميلهن إلى التطابق والتماثل مع الأب من نفس الجنس كلما تدرجوا نحو الطفولة الوسطى، وسوف نتأمل هذا الموضوع في نهاية هذا الفصل. وأطفال ما قبل المدرسة عندما يزيدون من تفاعلاتهم مع آبائهم وأمهاتهم، ويشير ذلك إلى شعورهم بامتلاك شخصين للعناية والاهتمام بهم وليس شخصًا واحدًا، ففي حين وجدنا الرضيع يبحث عن جذب انتباه الأم فقط، إلا أنه الآن يلتمس الانتباه من كل من الأب والأم معًا كما نجدهم يوجهوا بعض أنواع الاهتمامات بصورة رئيسية إلى كل منهما، فمثلا قد نجد الولد يسأل والده عن الحلوى، وذلك لعلمه أن الأب عادة ما يعطيه بعضا منها، ولكن لا يسأل أمه لأنها ترفض إعطاءه إياها لخوفها على أسنانه، وبصورة مماثلة نجد البنت التي كسرت مصادفة طبقا أو شيئا ما، قد تعترف بذلك لأبيها لأنها تتوقع ألا يوبخها على ذلك، انظر الشكل رقم "١" يوضح العلاقة التفضيلية لأطفال سن ما قبل المدرسة للأمهات والآباء. كما أن قدرة أطفال ما قبل المدرسة على إدراك الاختلافات في اتجاهات آبائهم ونمط شخصيتهم قد يقودهم أحيانًا لمحاولة اللعب مع واحد من الأبوين في مقابل الآخر، وعادة ما يكون الأطفال في هذا السن ماهرين في التقليل من شأن أحكام أحد الأبوين في ضوء ما قاله الآخر فكثيرًا ما نسمع الطفل يقول: "سمحت لي ماما بعمله" كما أنه قد يرفض مطالب أحد الأطفال يقول: "لن أفعل ما تطلبين مني لآن بابا قال لي يمكنني أن أفعل ما أريد"، وكذلك نجد ذلك في تعبير المحاباة والتحيز في مجهود صريح للتعامل مع سلوك أحد الوالدين في مقابل الآخر، مثلا

стр. 318

يقول لأحد أبويه: "أنت دائمًا تفعل لي ذلك، أنا أريد أن تفعل ماما هذا، أو لماذا لا تذهبي يا ماما إلى العمل وبابا يمكن أن يمكث معنا للعناية والاهتمام بنا". ومما يجدر ذكره في هذا المقام، أنه من المفضل والأحسن بالنسبة للأطفال، ألا يكون أبويهما متناقضان كل منهما في مواجهة الآخر، وعلى الرغم من عدم وجود طريقة مثلى لتربية كل الأطفال، إلا أنه يجب على الأبوين الاتفاق والاستقرار على الطرق والتي يعتزمان استخدامها مع الطفل، فالأبوان من هذا النمط يساعدان الطفل على أن ينمو لديه معايير داخلية للسلوك، وتنمية الضبط والنظام عنده كما سنرى فيما بعد، بالإضافة إلى أن ثبات واستقرار الأبوين يحول دون اتخاذ طفلهما طرقه الخاصة به. ولقد أشارت نتائج الدراسة الموسعة الشاملة التي أجراها هنري بيلر H.Biler أن الآباء يلعبون دورًا هامًا في نمو الطفل أثناء سنوات ما قبل المدرسة بصورة خاصة، وبمقارنة الأطفال الذين نشئوا بواسطة أمهاتهم فقط وأطفال آخرين نشئوا وسط آبائهم وأمهاتهم اتضح أن المجموعة الثانية كانت أكثر نضجًا كما أن معاملاتهم مع الراشدين من حولهم كانت أفضل، كما أنهم كانوا يتعاملون بصورة أكثر إيجابية وأكثر فعالية في المواقف الإنجازية. ومن جانب آخر اتضح أن الأطفال الذين كان آباؤهم غائبين عنهم أو مهملين لهم، اتصفوا بعدم الثقة والارتياب واضطراب في دور جنسهم، فمثلا وجد أن بعض أطفال ما قبل المدرسة الذين كانوا بدون أب ظهر أنهم يؤدون الأعمال بطريقة أنثوية "في كونهم معتمدين غير ميالين إلى التوكيد والجزم والتردد" ووجد أنهم أصبحوا مفرطون في الذكورة Hypermesculine عندما وصلوا إلى سن الطفولة الأصغر منهم، ويتجنبوا النشاطات الخاصة بالإناث، أو مرتبطة بالتخنث Sissy, وذلك لكي يغطوا ويخفوا الإحساس الضمني للذكورة غير المناسبة. Santrock, j؛ "١٩٧٤". والأب اللطيف المجامل Attenive يسهم في تنمية الإحساس المريح

стр. 319

عند الابنة بدورها الجنسي، وذلك عن طريق سروره ورضائه بأن له ابنة ومعاملتها كما تحب أن تعامل، وبالتالي يساعدها في نمو مفهوم الذات الأنثوي إيجابيا، وتشير دراسة Hetherington؛ "١٩٧٢" أن بنات ما قبل المدرسة اللاتي حرمن من علاقة وثيقة مع آبائهم غالبًا ما يفشلون في تنمية إحساس واضح بالأنوثة، وعلى الرغم من أن هذا الإحساس لا يلاحظ أثناء فترة الطفولة، إلا أن هؤلاء البنات غالبًا ما يصبحن مراهقات ذوي مشكلات مرتبطة بالأولاد، ويرجع ذلك إلى إحساسهن بعدم التأكيد وعدم الأمن بدورهن الأنثوي. ولسنا في حاجة إلى القول: إن مدى كفاية العناية الأبوية لا يمكن قياسها ببساطة عن طريق كمية الوقت الذي يقضيه الأب في المنزل. فالآباء غير المهتمين من المستبعد أن يوفروا العناية المناسبة للأطفال حتى ولو كانوا داخل المنزل بصفة مستمرة، ومن جانب آخر نرى الآباء الذين يمنعهم عملهم من قضاء وقت طويل مع أولادهم، قد يكونون آباء ممتازين عن طريق تقاسمهم ومشاركتهم لعلاقة قريبة إيجابية مع أطفالهم عندما يكونون معهم وبالقرب منهم, وكما أشرنا سابقًا أن أهمية العلاقة في نوعيتها وليس في كميتها هي التي تؤثر في نمو الشخصية الإيجابية والنمو الاجتماعي السوي، ولسوء الحظ فإن كثيرًا من الدراسات التي بحثت غياب الأب لم تأخذ هذه الحقيقة في حسبانها، وعلى الرغم من نتائج العديد من الدراسات قد دعمت ما أشرنا إليه عن النتائج المحتملة في الأبوية غير المناسبة، إلا أننا نجد أن هناك كثيرًا من البيانات غير المتناسقة ظهرت في عديد من الدراسات والتي افترض خطأ فيها أن كمية العناية الأبوية الجيدة التي يتلقاها الأطفال مرتبطة بصورة مباشرة بكمية الوقت الذي يقضيه الآباء داخل المنزل. وبالإضافة إلى ذلك فإن الدرجة التي يعانيها الأطفال من التأثيرات غير السوية نتيجة غياب آبائهم تختلف وفقًا للظروف والأحوال المحيطة، فمثلا غياب الأب يؤثر في نمو الطفل الكبير "في الطفولة المتوسطة أو المراهقة" بصورة أقل من تأثيره في نمو الطفل أثناء سنوت ما قبل المدرسة، وثانيًا تشير الدلائل أن أطفال سن ما قبل المدرسة يمكنهم التكيف بسهولة لغياب آبائهم لأسباب لا يمكن تفاديها كالموت، أو الإقامة المستمرة داخل المستشفى, أو الطلاق ثالثًا، وإذا كان للآباء علاقة زوجية حسنة مع الأم، فإنها عادة ما تذكر الأب بكلام جيد عندما لا يكون موجودًا بالمنزل أمام وليدها، وإذا كانت علاقة الأم بطفلها علاقة دافئة، مدعمة فإنها بالتالي تشجع وتدعم سلوك دور الجنس المناسب لطفلها، وعلى ذلك تخفف نسبيًا من النتائج السلبية على غياب الأب، رابعًا، نجد أن أطفال ما قبل المدرسة يمكنهم تجنب مشاكل عدم وجود الأب، إذا توفر ذكور أخرون يقومون بدور الأب معهم كزوج الأم مثلا، أو العم، والخال أو الإخوة الكبار في الأسرة.

стр. 320

العلاقات مع الإخوة والأخوات: عادة ما تبدأ أثناء سنوات ما قبل المدرسة علاقات هامة مع الإخوة والأخوات، فأغلب المواليد الأوائل يدركون قدوم مواليد جدد لهم، وهؤلاء الجدد عادة ما يكونون مشغولين في أنواع جديدة من التفاعلات مع أخواتهم الأكبر, وتتضمن هذه العلاقات بين الإخوة والأخوات وبصورة عادية أحاسيس الغيرة والتنافس والتي صورت في كثير من الأعمال الأدبية, على الرغم من أن العلاقات بين الإخوة نادرًا ما تؤدي إلى نتائج متطرفة في العالم الواقعي، إلا أنها عادة ما تتحدى شعور وإحساس طفل ما قبل المدرسة في وجوده وهويته وبالتالي تتطلب التناول اليقظ الذكي بواسطة الأبوين.
следующие страницы →