← Медицина

Медицина · id 10751

علم نفس النمو من الجنين إلى الشيخوخة

عادل الأشول

Полный текст (737 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

هذه الجماعات، وقد يستمر بعض من تكوين العلاقات الأفلاطونية مع الصغار من الجنس المغاير، وقد نجد بعضهم لا يكون لديه الشجاعة في تكوين صداقات مع الجنس الآخر، وبالتالي يصبح منعزلا اجتماعيًا. الكمون النفسي الجنسي: يسمي فرويد "١٩٥٣" فترة الطفولة الوسطى وكذلك سارنوف Sarnoff بفترة الكمون النفسجنسي وعلى الرغم من أن هذه الفترة لا تتضمن فجوة بين الوقت الذي يبدأ فيه الأطفال تشكيل هوية دور جنسهم والوقت الذي يبدءون في إظهار الميل الصريح للجنس الآخر، إلا أن الكثير يحدث في الحياة الجنسية، وفي اتجاهات أطفال سن المدرسة أكثر من التقاء الأعين، ويمكن إيجاز هذه التغيرات النمائية فيما يلي: ١- الملاحظ الجيد يمكنه ملاحظة أن أطفال هذه المرحلة عادة ما يرتدون بتأنق، وعلى الرغم من سخرية الذكور للبنات إلا أنهم يحصلون على متعة وإشباع كبير في عرض أنفسهم بتباهي أمام البنات، كما يسعون للفت أنظارهن بأنماطهم السلوكية، وقد يضايقونهن لجذب انتباههن, والبنات من جانب آخر على الرغم من تظاهرهن بتجاهل الأولاد إلا أنهن يولن الانتباه إلى أنماط سلوكهم الغريبة المهرجة, وعادة ما يستجبن لمضايقتهم بالدموع والشكوى أو الصراخ, أو إلى التأثر منهم، والذي يؤدي بدوره إلى تشجيع مضايقة الأولاد لهن, كما أن البنات يأخذن نصيبهن كذلك من التفاخر, فهن يدركن أن الأولاد يعرفون أن آدائهن أفضل من الذكور خاصة في اختبارات الإنجاز الأكاديمي المدرسي، وهذا التحدي والتفاخر يمكن تلاميذ وتلميذات المدرسة الابتدائية من تأكيد ميولهم في الوقت الذي يكونون مشغولين فيه في بناء هويات دور جنسهم. ٢- كما أن أطفال المدرسة الابتدائية عادة ما يفكرون ويندهشون بالأمور الجنسية، فعندما يصل الأولاد إلى سن العاشرة والحادية عشرة، نجد لدهيم حب استطلاع شديد عن النواحي التشريحية الجنسية والفسيولوجية والحمل، والأمراض التناسلية, وبسبب مناقشة هذه الأمور بين أنفسهم فقط ولا يجرءون على أسئلة آبائهم أسئلة صريحة معقدة، فإن الكبار من حولهم بالتالي غالبًا لا يلاحظون الازدياد المفاجئ لميلهم في الأمور الجنسية, ومع ذلك فإن أي فرد يمكن أن يلاحظ كيف أن تلاميذ المدرسة الابتدائية يتجمعون بميل

стр. 422

واهتمام حول تمثال عار في متحف ما، متأملينه ومتلفظين بعضا من الكلمات غير المهذبة واللاذعة وقد يومئ ذلك إلى عدم إشباع حب استطلاعهم الجنسي. وأثناء السنوات الأخيرة من مرحلة المدرسة الابتدائية نجد البنات ينمو لديهن ميل إلى الرومانسية، ويقبلون على قصص الحب في المجلات والكتب والسينما والتليفزيون، كما ينمو لديهن حب رومانسي إلى النجوم، سواء كانوا في السينما أو لاعبي الكرة، وعادة ما يتكلمن عن هذا المحبوب سويًا لساعات ذاكرين جوانبه الإيجابية ونشاطاته ويحتشدون في بعض الأماكن لرؤيته, وعمومًا فإن الكمون النفسجنسي أثناء فترة الطفولة الوسطى عادة ما ينصب على الإرضاء أو السرور على نقيض النشاطات الجنسية الغيرية، كما أن هذا الميل الجنسي الغيري يستمر في النمو بصورة مضطردة أثناء تدرج السنوات الأخيرة من فترة الطفولة الوسطى.

стр. 423

رابعًا: العلاقات الأسرية إن الأهمية المتزايدة للمدرسة، ولجماعات الرفاق أثناء فترة الطفولة الوسطى، لا تقلل من أهمية العلاقات الأسرية، فالبيت مازال المكان الذي يطعم فيه الأطفال ويلبسون ويعنى بهم، بالإضافة إلى أن كثيرا من النشاطات الفردية ونشاطات جماعة أقران أطفال سن المدرسة الابتدائية تحدث كذلك داخل البيت, فقد يلعبون الكرة، ويقيمون نماذج للطائرات، ويقرءون ويشاهدون التيلفزيون، ويلعبون بدماهم أو يلعبون الشطرنج أو ما يستهويهم من ألعاب وهوايات. والأطفال الذين لا يمكنهم التمتع والإشباع أثناء تواجدهم في منازلهم وحول أسرهم، قد يشعرون باضطرابات معينة خاصة في نموهم الاجتماعي, فالأطفال الذين يشعرون بعدم حب آبائهم أو بنبذهم لهم عادة ما ينمو لديهم أحاسيس الغربة أو الاغتراب، وقد ينمون شعورًا شديدًا بعدم وجود جذور لهم Rootlessness وبالتالي يبحثون إلى أي مكان يلجئون إليه لكي يستريحوا ويكون ملاذًا وملجأ لهم، وفي حالات أخرى قد يمنع الطفل من دعوة أصدقائه بالمنزل وبالتالي قد يشعر الطفل بأنه شخص من الدرجة الثانية بين أصدقائه وذلك لأنهم دائمًا ما يلعبون في بيوت أخرى غير بيوتهم مع زملائهم إلا أنهم يشعرون بعدم قدرتهم على دعوة زملائهم بمنزلهم. وفي إحدى دراسات Level, I وآخر "١٩٧٤" عن التكيف بين أطفال المدرسة الابتدائية, أشار إلى أن الأطفال الذين تعرضوا إلى بعض من الاضطرابات الشديدة، في منازلهم كانوا أكثر ميلا من أقرانهم للاضطربات السلوكية، وعادة ما يطلبون مساعدة الأخصائي النفسي. ولحسن الحظ فإن معظم الأسر تتسم بالاستقرار إلى حد كبير، وبالتالي يكون الآباء والأبناء قريبين نفسيًا، ومدعمين بصورة متبادلة كل منهما للآخر, ومع ذلك فإن كل من الآباء وأطفال فترة الطفولة الوسطى يجب أن يعيدا النظر في أساليب تكيف كل منهما للآخر.

стр. 424

خامسا: الآباء لطفل المدرسة ... خامسا: تكيف الآباء لطفل المدرسة بمجرد أن يبدأ الطفل المدرسة، يجب على الآباء أن يتفهموا التحول الشديد في استقلاليته، والأمهات بصورة خاصة إلى إدراك وتفهم أن التحرر من الركائز المئزرة ويعتبر بمثابة مطلبًا ضروريًا لنمو شخصية واستقرار نمط تفكير أطفالهن. وهؤلاء الآباء الذين يجدون من الصعب عليهم أن يتقبلوا مفهوم وصول أطفالهم لسن المدرسة وبالتالي انفصالهم عنهم، قد يحاولون أحيانًا تأخير سن التحاقهم بالمدرسة قائلين "إنها صغيرة جدًا ولم تنضج، من الأحسن أن يبقى الطفل سنة أخرى بالمنزل"، وقد لا يشجعون ذهاب الأطفال للمدرسة وانتماءهم إليها أنك تبدو شاحب الوجه هذا اليوم أرى أن يبقى في المنزل اليوم لتأخذ قسطًا من الراحة، فمثل هذه الأفعال الأبوية خاصة من جانب الأم غالبًا ما تسهم إلى تكوين المخاوف المدرسية, وهي نوع من النمو غير السوي وسوف نناقشه فيما بعد. وإذا تقبل الآباء استقلال أطفالهم المتزايد وغيابهم عن المنزل، فإنهم قد يجدون سنوات الطفولة الوسطى، سنوات متعة وإشباع ليس بالنسبة لهم فقط ولكن بالنسبة لأطفالهم أيضًا Kestenberg, J؛ "١٩٧٠". ومطالب أطفال سن المدرسة قليلة نسبيًا، فهم لا يحتاجون إلى الإشراق الكامل القريب منهم كما هو الحال عند أطفال سن ما قبل المدرسة، كما أنهم من جانب آخر لا يكونون مصدر قلق ومجادلة للمزايا التي يتمتع بها الراشدون وذلك كما يفعل المراهقون، بالإضافة إلى أن أنماط إزعاجهم ومطالبهم ليست من النوع المقلق للآخرين من حولهم.

стр. 425

والعامل الآخر الذي يتطلب تكيفا من الآباء، هو أن يقروا مقدار الحرية والاستقلالية التي يجب أن تعطى لأطفال سن المدرسة، وبالتالي يجب توفيرها لهم، فالأطفال في هذا السن يحتاجون إلى استقلال كاف لنعمل على تشجيع تفردهم ومبادأتهم من جانب آخر, ولكنهم في نفس الوقت في حاجة إلى إشراف كامل لحمايتهم من الأخطار الجسمية ومن التأثيرات النفسية غير المرغوب فيها, وتشير الدراسات أن أطفال سن المدرسة الذين يحيون داخل منازل حياة كابتة قاسية بصورة مفرطة من آبائهم قد يصبحون متسمون بالانسحابية والامتثال الأكثر من اللازم فاقدون الحماس والابتكار، غير تلقائيين لا يشعرون بالسعادة غير منفتحين للأفكار الجديدة, أو قد يصبحون عدوانيين ثائرين رافضين لمبادئ وقيم آبائهم, كما أن الأطفال الذين يكونون في بيئة متساهلة بإفراط ويتسم الآباء بالتساهل كلية غالبًا ما يفشلون في تنمية ضوابط داخلية مناسبة ويميلون إلى الاندفاعية والتهور، وعادة ما يكونون غير مراعين لحقوق ومشاعر الآخرين بالإضافة إلى أنهم قد يتسمون باللااجتماعية Antisocial، أو معادون لمصلحة المجتمع Feshbach؛ "١٩٧٠". وعمومًا فإن ثمة أوامر "افعل" أو "لا تفعل" البسيطة التي كان الآباء يدربون بها طفل ما قبل المدرسة، ويجب أن تستبدل بصيغ أكثر تركيبًا أثناء مرحلة الطفولة الوسطى فالآباء يجب عليهم أن يقرروا مثلا إن كان في مقدور طفلهم ركوب دراجته في الشارع، أو يذهب للاستحمام في البحر أو النادي أو الذهاب بمفرده إلى السينما ... إلخ. أي يجب على الآباء أن يقيموا الحريات، وبقدر ما يستطيع الآباء إجراء هذه التحديات كمبدأ عام، فإن أطفال سن المدرسة عادة ما يستفيدون بصورة أكبر من إعطائهم حرية كبيرة كمكافأة لهم للتكيف الجيد الذي عرضوه ولتحمل المسئولية التي أبدوها في المواقف السابقة.

стр. 426

سادسا: إعادة تقييم أطفال سن المدرسة لآبائهم عادة ما نجد أطفال سن ما قبل المدرسة ينظرون إلى آبائهم على أنهم نماذج للفضيلة والقوة المطلقة والمعرفة الزائدة، وأفضل من أي آباء آخرين, إلا أننا نجد أطفال سن المدرسة الابتدائية يتحققون من أن آباءهم ليسوا إلا كائنات بشرية، حيث لا يمكنهم الإجابة عن كل تساؤلاتهم بالإضافة إلى أنهم لا يستطيعون تزويدهم بالأمور والأشياء الدنيوية التي غالبًا ما تتوق إليها قلوبهم فالآباء لا يتحكمون بصورة كاملة في

стр. 427

مصائرهم، ويتركونهم بمفردهم للعالم المحيط بهم، كما أن لآبائهم التزامات معينة, ومسئولون أمام القانون ورجال البوليس، كما أنهم قد يكونون معتمدين على بعض من أصدقائهم أو على آبائهم، كما أن طفل المدرسة الابتدائية يدرك أن الآباء قد يعوزهم في بعض الأحيان التفكير السليم، ويفقدون ضبط النفس ورباطة الجأش، كما أنهم في أحايين أخرى قد يكتئبون أو تدمع أعينهم في الاستجابة إلى بعض من الإحباطات الخفيفة وخيبة الأمل، كما قد يفشلون في تقييم ثمة أشياء مهمة في الحياة. وكلما تمكن أطفال سن المدرسة من إدراك هذه الحقائق الحياتية، كلما ساعدهم ذلك على التحرر من وهم الآباء، أي أن تصورهم يصبح فاقد البريق ولا يتصفون بالود وقد يدركون أنهم بمثابة عائق أمامهم، وفي هذا السن عادة ما يعقد الطفل المقارنة بين أبويه وآباء الأطفال الآخرين مثل قوله: إن والد "س" أكثر تسامحًا من والدي وأكثر نجاحًا وبريقًا, أو إن والد "أ" يسمح له بالذهاب إلى السينما أو النادي، فلماذا لا يسمح والدي بذلك؟ وجدير بالذكر فإن تحرر أطفال الطفولة الوسطى من وهم الآباء نادرًا ما يتجاوز المستوى اللفظي, فأطفال المدرسة الابتدائية بصورة عامة يحبون آباءهم ويحترمونهم على الرغم من انتقادهم لهم ودائمي الشكوى من الآباء, ونادرًا ما يسمحون لأي فرد أن يفعل ذلك، فأطفال سن المدرسة كثيرًا ما ينبرون للدفاع عن آبائهم إذا سمعوا أي فرد يقول أي شيء مهين عن آبائهم أو يهاجمهم, وعمومًا فإن ولاءهم وإخلاصهم ونعتهم بصفات حسنة تشير إلى وجود اختلاف بين ما قد يقوله هؤلاء الأطفال الصغار وعما يشعرون به حقيقة نحو آبائهم. وعمومًا فأن تحرر أطفال مرحلة الطفولة الوسطى من وهم الآباء وإلى حد ما مع الراشدين من حوله بصورة عامة عادة ما يظهر بصورة جلية في مرحلة المراهقين وتسمى بفجوة الجيل Generation Gap إلا أن حب معظم الأطفال الضمني لآبائهم واحترامهم إياهم يستمر كذلك في فترة المراهقة, إلا أن فجوة الجيل أكثر وضوحًا في الفترة الأخيرة وذلك كما سيتضح لنا فيما بعد.

стр. 428

سابعًا: النمو وتكامل الشخصية رأينا أن النمو عملية تغير وتوجيه للتغير، وبهذا الفهم لطبيعة النمو المعرفية الانفعالية والاجتماعية, وفي كافة مراحل تطور نمو الطفل لرعاية البيئة، خاصة الأسرة والمدرسة والمؤسسات التربوية المختلفة، وبقدر ما تتم هذه الرعاية وفقًا لفهم واع للطفل النامي وفلسفة واضحة لتوجيه النمو، يتم الهدف الأعظم الذي ينشده أي جماعة إنسانية وهو تكوين الشخصية الناضجة، وبذلك تتبلور أهداف المجتمع في توجيه مسار النمو نحو تنشئة الشخصية السليمة. ويعني مصطلح الشخصية، بنية وظيفة مركبة من المكونات الجسمية التشريحية، والعقلية المعرفية، والانفعالية، الوجدانية والاجتماعية في نظام متكامل يحدد أسلوب الفرد في الحياة وفي مواجهة المواقف المختلفة. ويمثل نمو الذات Self وحدة تطور نمو شخصية الطفل. ويذخر علم النفس بالعديد من الدراسات عن أهمية إدراك الذات في الحياة النفسية للفرد، وجد "جوسولين ١٩٦٢" في دراسة على بعض المراهقين والمرهقات, أن الذين يدركون أنفسهم بطريقة تختلف عن تلك التي بها يدركهم زملاؤهم، يميلون إلى أن يكونون منعزلين عن جماعة الرفاق, ويخلص إلى نتيجة تقرر أن جانبًا من الكيفية التي تجعل الفرد مقبولا من جماعة زملائه هو القدرة على "أن نرى أنفسنا كما يرانا الآخرون". كذلك وجد "روتنبرج-١٩٦٣" في دراسة على ١٦٨٤ طالبًا بالمدرسة الثانوية أن الأطفال الذين يعانون من بعض الاضطرابات يميلون إلى رؤية أنفسهم على أساس احترام للذات منخفض بدرجة واضحة عن الأطفال غير المضطربين. وتؤكد عديد من الدراسات "أولسن ١٩٥٩، أنجل ١٩٦٢"، الحقيقة بأن نمو الذات، مثل كل جوانب النمو، يأخذ مسارا محددًا منتظما بسبب الدفعات التي تهيؤها الاستعدادات الطبيعية للنمو الكامنة في النوع الإنساني، ووفقًا لهذه النظرية، يمكننا أن نتوقع أن الخطوط العامة

стр. 429

الأساسية لنمو الذات تتبع نماذج معينة مشتركة لدى كل الكائنات الإنسانية مع وجود تلك الاختلافات الحادثة فحسب نتيجة للتغيرات البيئية التي تقع على الفرد خلال عملية التنشئة الاجتماعية. ومن الأهمية بمكان دراسة تطور نمو الشخصية من زاوية فهم وإدراك الطفل النامي لنفسه وللآخرين كوسائل لاستثارة النمو في اتجاه الشخصية السليمة. مفهوم الذات: لم تلق مشكلة فهم الذات حلا إلى حد كبير بسبب صعوبة إجراء البحوث في مجال لم يتحدد بدرجة كافية، وفيه تكون طبيعة الأشياء موضع الدراسة في حالة تغير مستمرة، وعلى الرغم من ذلك، فقد شهدت السنوات الأخيرة بعض التقدم الحقيقي في دراسة مفهوم الذات، نذكر منها -على سبيل المثال- دراسات الدكتور حامد زهران ١٩٦٧ وغيرها ولكن معظم البيانات التي لدينا، عبارة عن بيانات حول طبيعة الذات أساسًا، هي نتائج البحوث الإكلينيكية البحث في مشكلات الأفراد الذين يعانون من درجات مختلفة من الاضطرابات الانفعالية والنفسية, فمثلا درس "روجرز وآخرين ١٩٥٤" الذات من خلال ملاحظة الاتجاهات ذات الصبغة الانفعالية نحو الذات، كما ظهرت من الأفراد الخاضعين لعلاج نفسي ومن خلال ملاحظة التغيرات في إدراك الذات التي تحدث خلال العلاج النفسي. ولعل كارل روجرز "١٩٥١" من أبرز علماء النفس المحدثين الذين تناولوا نظرية مفهوم الذات Self-Concept بالدراسة العلمية المنتظمة بهدف الكشف عن طبيعة الشخصية ومكوناتها ودينامياتها. يصور "روجرز" كل فرد على أنه مركزًا لعالم من الخبرة يتغير باستمرار، بعض منها يخبر بطريقة شعورية أو واعية ولكن معظمها لا يخبر هكذا والأفراد يفكرون ويشعرون ويعملون في استجابة لعالمهم ووفقًا للكيفية التي بها يخبرونه أو يدركونه، والطريقة التي بها يخبرون أو يدركون عالمهم تكون بالنسبة لهم "الحقيقة" أو "الواقع" وجانب من العالم كما يدرك بواسطة الفرد يصير بالتدريج متميزا عن بقية عالمه، وهذا يصبح الذات, فالذات هي ذلك الجانب المدرك ليكون داخل تحكم الفرد.

стр. 430

ولذلك ففي بعض الظروف يشعر الفرد بموضوعات أو أحداث توجد حقيقة خارج الجسم لتكون جانبًا من الذات خاصة وإذا كان الفرد يراها على أنها مهمة بالنسبة لصالحه أو رفاهيته، أو كما يقول علماء النفس إذا كان يحدث لديه "احتواء للأنا" فيها, وكلما تزايدات خبرة الفرد يبدأ في تنظيم استجاباته داخل نمط مرن "متغير" ولكنه نمط متسق يمكن معرفته, وهو ما يسميه روجرز بـ"تركيب الذات" أو "مفهوم الذت" فمفهوم الذات هو الطريقة التي بها ينظر الفرد إلى نفسه ويكون تفكيره وشعوره وسلوكه غالبًا متسقًا وفي انسجام مع مفهومه عن الذات وليست الأفكار والمشاعر والأفعال إلا مجرد طرقه وأسلوبه لمقابلة حاجاته كما يراها هو. مفهوم الحاجات: يسلم الاتجاه الدينامي في فهم السلوك الإنساني على أن لكل سلوك هدف هو مقابلة حاجات الفرد، والحاجة هي توتر أي عدم اتزان يتطلب نوعًا معينًا من النشاط المشبع، والحاجات قد تشبع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فالجوع مثلا، حاجة تعبر عن نفسها في السعي إلى الطعام، ولكن بعض الناس يشبعون هذا السعي فورًا عن طريق تدخين سيجارة، فبالنسبة لهم يمكن إشباع هذه الحاجة وقتيًا عن طريق إشباعات أكثر مما هو ممكن بالنسبة لغير المدخنين وعادة ما تكون الحاجات مركبة، فالتواترات التي يشعرها بعض الناس في وقت تناول الطعام "طعام الغذاء" لا تخف عن طريق تناول الطعام وحده، وليس الغذاء بالنسبة لهم إلا فرصة تقليدية لتناول الطعام والاتصال مع الآخرين ويشعرون بالإحباط إذا أكلوا وحدهم لأن الحاجة إلى الاتصال تترك غير مشبعة، وبالنسبة لمعظمنا لا نعني مجرد التغذية إشباع لحاجاتنا المرتبطة بوقت تناول الطعام، فالطعام ينبغي أن يعد ويقدم بطريقة مقبولة لمعايير جماعاتنا، أو يعتبر غير ملائم للتناول، إلا أنه حينما نضطر إلى الانتظار فترات طويلة دون طعام فإن الحاجة الخالصة للطعام من أي نوع يكون لها الأغلبية والأفضلية ويتم إشباعنا بأي نوع من الطعام سواء كان معدًا بطريقة ملائمة أو غير ملائمة. ويقرر "سنج وكومبز ١٩٤٩" أن الحاجة الإنسانية الأساسية هي "حفظ الذات الظاهرية والارتقاء, ويقول آخر: يكون كل سلوكنا من أفكار ومشاعر وأفعال وظيفيًا موجهًا نحو الاحتفاظ بذواتنا أحياء صحيحة ووظيفية وكذلك نحو تحسين موقفنا الإحيائي, ونعني "ذواتنا" في

стр. 431

هذا الصدد الأشخاص والأشياء، والعلاقات التي تكون مهمة بالنسبة لنا والتي نتحقق منها على أنها تخصنا. وهنا سوف نميز عدة مستويات أو مراحل في الحاجة الإنسانية كما حددها "سنج وكومبز"، ويستند النظام الذي سوف نستخدمه في هذا الصدد على نظرية "ماسلو" التي تتميز بأنها بسيطة وفي نفس الوقت تسمح بتمايز الحاجات وفقًا للمستويات العديدة من النضج الانفعالي, الاجتماعي. ويرى "ماسلو ١٩٥٤" الحاجات على أنها مرتبة وفقًا لنظام هرمي النفسية، وذلك كما أشرنا فيما سبق، ويمكن إيجازه فيما يلي. المستوى الأول: الحاجات الجسيمة الأكثر أساسية وتتمثل في السعي إلى الطعام والماء والهواء والدفء والإشباع الجنسي وهكذا. المستوى الثاني: الحاجات التي ترتبط بالأمن الفيزيقي وتتمثل في تجنب الأخطار الخارجية أو أي شيء قد يؤذي الفرد. المستوى الثالث: الحاجات التي ترتبط بالحب وتتمثل في الحصول على الحب، والعطف، والعناية والاهتمام، والسند الانفعالي بواسطة شخص آخر أو أشخاص آخرين. المستوى الرابع: الحاجات التي ترتبط بإقامة علاقات مشبعة مع ذات الفرد ومع الآخرين, وتتمثل في أن يكون متمتعًا بالتقبل والتقدير كشخص وأن يحظى باحترام الذات، وأن يكون محترمًا وأن يكون له مكانة وأن يتجنب الرفض أو النبذ أو عدم الاستحسان. المستوى الخامس: الحاجات التي ترتبط بالتحصيل أو الإنجاز بالتعبير عن الذات، أن يكون مبدعًا أو منتجًا، وأن يقوم بأفعال وتصرفات تكون مفيدة وذات

стр. 432

قيمة للآخرين وأن يحقق إمكاناته ويترجمها إلى حقيقة فعلية. وهناك نقطتان ينبغي الإشارة إليهما بالنسبة للنظام الذي رتبت فيه هذه الحاجات. أولا: تنظيم الحاجات وفقا لأهميتها بالنسبة للفرد فالحاجة إلى الهواء والماء مهمة بالنسبة لاستمرار الحياة ذاتها، بينما لا تكون الحاجة إلى المركز أو المكانة بنفس الأهمية السابقة. ثانيًا: تتوقف مقدرة الفرد على إشباع الحاجات "العليا" بطريقة متسقة على المدى الذي يكون فيه قادرًا على إشباع حاجاته الأكثر أساسية. فعلى سبيل المثال من الصعب على الفرد أن يعمل بكفاية إذا شعر أنه لا يحظى بالتقدير من جماعته أو إذا شعر بأنه غير مرغوب فيه أو غير محبوب، أي أن تقبلنا السوي للحب يمكن أن يعاق بالحاجات غير المشبعة للطعام أو الماء أو النوم. ويحدث تطور نمو شخصية الطفل على الإشباع الملائم لهذا النظام من الحاجات. وفي خلال مسار النمو، تخضع قدرات الطفل واتجاهاته وخصائص شخصيته، بصفة عامة للتغير والتعديل ومن هنا كانت إمكانية بناء شخصيات الأطفال حيث تنطلق من ركيزة أساسية لدى الكائن الحي الإنساني وهي قدرته المستمرة على أن يغير ويعدل من أنماطه السلوكية المختلفة، وبالتالي إمكانية التطور والارتقاء المتواصلين. وقامت "جاك ١٩٣٤" بدراسة السلوك المسيطر لدى بعض الأطفال في مجموعات، واختارات مجموعة من الأطفال في سن الرابعة ووضعت كل طفل مع عشرة من الأطفال الآخرين لكي تكشف ما إذا كان الطفل مسيطرًا عليه الآخرون في الموقف التجريبي، ولقد توصلت إلى أن الفارق الأساسي بين الطفل المسيطر والطفل غير المسيطر هو اختلاف في درجة الثقة بالنسبة التي يشعر بها كل طفل في المواقف التجريبية, ثم قامت هذه الباحثة بتدريب الأطفال غير المسيطرين على بعض الأشياء التي لا يعرفها الأطفال المسيطرون مثل تجميع من الأشكال الملونة, أو تعلم

стр. 433

إحدى القصص, كمهارات يتسلحون به, وأوضحت الدراسة أن الأطفال غير المسيطرين قد زاد لديهم الميل إلى السيطرة في نفس المواقف ومع نفس هؤلاء الأطفال, ويعلق "ستودارد ١٩٥٩" على دراسة السلوك المسيطر بأن "النتيجة الأساسية من هذه الدراسات بأن سمة السيطرة يمكن أن تتغير بوضوح إذا تعرض الطفل للقيام بمواقف تتضمن بناء الثقة أو هدمها". ويساعد تدريب الأطفال على بعض المهارات، وليس فحسب على بناء الثقة بالذات, ولكن أيضًا على تحرير طاقات الفرد من مناشط متعددة يقوم بها وتزويده بأسس الاتصال والتواصل مع الآخرين. ويستطيع الآباء والمربون، من خلال ما يوفرونه للأطفال من تدريبات وممارسات معينة، ومساعدة الأطفال على بناء مقومات الثقة بالنفس، وهذا بدوره يساعدهم على تحسين قدراتهم على القيادة مع غيرهم من الأطفال. ويعتبر تأثير مثل هذه التدريبات تراكميًا فالطفل، حينما يلقي بعض الثقة مع غيره من الأطفال في إحدى المهارات أو القدرات، يتشجع في محاولة لتحقيق ذاته فيما هو أكبر وفي مجالات أكثر تعددًا. ومن أهم ركائز إطلاق إمكانات الشخصية، وتحريرها، وتوظيفها, مدى ما يتوفر للطفل من إشباع لحاجاته الانفعالية, العاطفية من خلال الحب والتقدير الذي يحيط به الكبار, فمن أهم أركان الحياة الانفعالية لدى الطفل ما يهيئه له الكبار من آباء ومدرسين وغيرهم من ناحية وما يكنه هو لهم من الحب, وكل اعتداء موهوم أو حقيقي على ما يحبه الطفل يولد عنده غيرة شديدة أو عدم اتزان انفعالي, فالأطفال المنبوذون أو الذين يشعرون أنهم غير مرغوب فيهم أو غير محبوبين يحتمل أن يتردوا في الكثير من مشكلات التوافق النفسي. ومن المعروف أن بوادر الحب تظهر في الشهور القليلة الأولى من الحياة وبمرور الوقت تعمم هذه المشاعر إلى غيرها من موضوعات حب الأطفال إلى كثير من الأشياء والأشخاص حتى إذا ما أقبل على مرحلة المراهقة تكونت لديه درجات مختلفة من المحبة محورها بيته وأسرته

стр. 434

وجيرته ورفاقه والنظم التي تتفق مع ميوله وتختلف طبيعة هذا التعلق باختلاف الأوقات والظروف. وإذا كانت عاطفة الحب تستند إلى حاجة الطفل إلى السند والتأييد والمعاشرة، فإن تغير الميول بتقدم تطور نمو الطفل وتعلمه يلعب دورًا هامًا في تحديد أسلوب التعبير عن هذا الاستعداد والموضوعات التي يتجه إليها, فحب الطفل لوالديه يتأثر بما يحيطانه به من عناية ورعاية، كما أنه عن طريق الاتصال بالأشياء الجامدة في حياته اليومية، يكتسب شغفًا يلعبه أو ببعض الأدوات المنزلية أو غير ذلك من الأشياء التي يرى أنها أبلغ قيمة من سواها من الأشياء الجديدة والثمينة, وعندما ينضج الطفل جنسيًا، فإن الحنان والرغبة يصبحان عنصرين من عناصر محبته لأفراد الجنس الآخر كما أن إنجاب الأطفال يثير محبة تتضمن عناصر جديدة من الدوافع والمشاعر. وجميع مظاهر الحب سواء أكانت تعلقًا بإحدى الدمى أو ببعض الحيوانات الأليفة مثلا، أو بالأبوين أو الزوج أو الأطفال أو الزملاء أو الكلية أو الوطن تتضمن درجات متفاوتة من حب الذات, ومع ذلك فإن امتداد الحب من الذات إلى الغير يبدأ من حيث استعداد بعض الناس لتنمية ذلك الحب بدرجة تجعلهم يهبون أنفسهم لغيرهم فيسرون لما يلقاه هؤلاء من توفيق ويتجهون برفعتهم كغاية في ذاتها. ويثير هذا الاستعداد للحب أمور مألوفة لا حصر لها أثناء رعاية الأم لوليدها كما قد يثيره أحيانًا كارثة تحل بالبيت أو المجتمع، أو ما يقع من الأحداث الطارئة والكوارث القومية وهو بالغ الأثر كوقاية من الانحلال الاجتماعي. ويلعب الحب دورًا كبيرًا في حياة الطفل وفي دفع شخصيته نحو الاتزان والنضج الشخصي الاجتماعي, فمحبة الكبار عنصر هام لنمو الطفل نموًا سويًا, فالشخص يظل طيلة حياته تواقًا إلى اليقين بأنه مرغوب فيه وبأنه ينتمي إلى جماعة معينة ويستطيع الاعتماد على ولاء غيره من أعضاء الجماعة وإخلاصهم ومثل هذه المظاهر في فترة الطفولة لا تولد الرضى والأمن فحسب بل تزود الطفل بالقدرة أيضًا التي يحاول أن يبررها في الوقت الملائم، ولذلك فإن الطفل المحروم من الحب دون باقي الأفراد بالأسرة يكون في موقف يبعث على الرثاء وتتسرب في ذاته مشاعر العدوان التي قد تتجه نحو الذات أو نحو الآخرين.

стр. 435

ومن ناحية أخرى، قد يتخذ الإسراف في الحب والتعبير عنه بمظهر التدليل الزائد الذي يؤدي إلى تعطيل نشاط الطفل وإلى الحد من الكشف عن إمكاناته الكامنة وإطلاقها في واقع حياته العملية. ومثل هذه الحقائق عن أهمية الحب في حياة الطفل يؤكدها العديد من الدراسات النفسية والتربوية, فالطفل يبدأ حياته عاجزًا، لا حول له ولا قوة, ويظل معتمدا على غيره لسنوات طويلة، كما أن وجوده المادي وصحته النفسية يتوقفان على عناية الآخرين به, وليست فائدة الحب شيئًا غامضًا أو منفصلا عن حياة الطفل، بل إن محبة الكبار للطفل تعد شيئًا ملموسًا يدخل في دقائق حياته اليومية تظهر في أسلوب معاملته برقة والصبر على تضارب مطالبه مع سواها من الواجبات والميول "كرغبة أبويه في الاستمتاع بالنوم السريع", وفي مدى مداعبته وطريقة الإجابة على أسئلته عندما يكبر واحترام ميوله وتلبية رغباته في المساهمة في بعض نواحي نشاط الكبار. ومن الطبيعي أن نجد -كما يثبت ذلك الكثير من البحوث- نمو الأطفال الذين يعيشون في بيوت يسبغ عليهم أفرادها الرعاية والحنان، ويكون أفضل من نمو الأطفال الذين ينشئون في بيوت محطمة أو في مؤسسات أو ملاجئ عامة, وليس من المتعذر أن نذكر لماذا يكشف الأطفال الذين ينشئون في هذه المؤسسات عن اتجاهات دفاعية ويكونون أقل استعدادا لتوقع أو تقبل تودد الآخرين إليهم، وأكثر ميلا إلى الحذر والتردد والانسحاب في علاقاتهم، لكن الحاجة إلى الحب وما يترتب عليها من آثار بالغة الأهمية في نمو الأطفال لا تتخذ اتجاهًا واحدًا ولا تتم من ظرف واحد، فالأطفال أكثر حساسية لاتجاهات الكبار نحوهم يظهرون حبهم للكبار الذين يحيطونهم بالعناية والعطف. وكما أن محبة الكبار هامة للطفل, كذلك محبة الأطفال هامة للكبار، فقد تبين أن من أهم المتع التي ذكرها الآباء عند سؤالهم عن المتع المرتبطة بالإنجاب للأطفال وتنشئتهم، أشاروا إلى تلك التي تنجم عن صحبة الأطفال ومظاهر حبهم لأبويهم وما يتيحونه لهم من فرص لإسهامهم معهم في نشاط ودي مشترك، وهكذا لا تكون المحبة هامة للطفل فحسب بل ولسائر الأفراد أيضًا في شتى أوقات الحياة.

стр. 436

وتتجلى قيمة العلاقات القائمة على الحب -كما ذكرنا- في الاتجاه السيئ الذي يتخذه سلوك الطفل إذا كان في أيد غير عطوفة أو كان غير محبوب، فقد تبين من نتائج بعض الدراسات أن ضعف المحبة المتبادلة بين الآباء والأبناء قد يكون عاملا من عوامل نجاح أو غير ذلك من مظاهر السلوك اللااجتماعي أو المضاد للمجتمع، وربما كان أسوأ من ذلك مصير الأطفال الذين لا يتمردون أو يردون الإساءة، بل يتحملون آلامهم في صمت وعلى صورة قلق أو خوف، فكثير من الأطفال تنتابهم مخاوف ترجع إلى ما أصابهم من تهديد أو أذى, كما أن غير قليل منهم قد يبدون مخاوف تنطق بحاجاتهم إلى الثقة في علاقاتهم بغيرهم بما في ذلك من المخاوف المتصلة بالوحدة والنبذ. كذلك يتوق الأطفال إلى نيل الرضا والظفر بالمحبة من المدرسين وغيرهم من الكبار ممن يقومون مقام الآباء, ولا شك أن هناك كثيرا من التداخل بين خصائص المدرس القدير وخصائص الأب، فلقد طلب من التلاميذ في بعض البحوث أن يذكروا صفات المدرس الذي يؤثره كل منهم بالمحبة دون غيره، فجاءت نسبة كبيرة من الإجابات متضمنة خصالا يتحلى بها الشخص المحبب بوجه عام، كالمودة والعطف، والاهتمام الصادق بالأطفال، والعدالة المشوبة بالحزم. ومثل هذه الحقائق تكشف عن أنه من المفيد للمشرفين على شئون الأطفال في البيت والمدرسة والمعسكر والمستشفى وغيرها من الأماكن ألا يكتفوا بمجرد الشعور بالاهتمام بالأطفال بل عليهم أن يكشفوا عن ذلك في سلوكهم نحوهم، وليس معنى هذا، بطبيعة الحال, المحبة تكفي لحل جميع المشكلات, فالمدرس المحب لتلاميذه يحتاج إيضًا إلى قدر من إتقان التدريس، وصحيح أن حبه لتلاميذه يساعده في عمله ولكن هذا الحب في ذاته لن يجعل منه مدرسا ناجحًا بشكل آلي, كما لا ينبغي أن تحمل أهمية الحب الفرد على أن يفتعل التعبير عنه أو يحيط الطفل بجو مصطنع من المرح والطمأنينة، أو أن يؤدي باسم الحب أمورًا يقتضي صالحه أن يتعلم القيام بها بنفسه. وفي هذا السياق النمائي يأخذ تطور شخصية الطفل مسارًا محددًا.

стр. 437

فالطفل الوليد لا يكون له ذات، على النحو الذي حددناه لأنه غير قادر على أن يتبين الفروق بين نفسه وبيئته, فثدي الأم يعتبر كجزء منه مثل قبضة يده، ويتحقق بعد عدة شهور أن الثدي "يخص" أمه وأن "القبضة" تخصه هو، وهو يشبع حاجات المستوى الأول وفقًا لنمط مزاجه بعنف أو بدماثة بهدوء أو بضوضاء ... إلخ. وحينما يقع أو يسمع صوتًا عاليًا يدركه على أنه تهديد لحاجاته إلى الأمن الفيزيقي أو السلامة الفيزيقية "المستوى الثاني" ويستجيب بعويل الخوف أو الغضب وهو كثيرًا ما يستجيب لحاجاته من المستوى الأول بنفس الطريقة، ومن الطبيعي أنه حينما تلقى حاجات المستوى الأول أو الثاني عدم إشباع بصفة منتظمة فمن المحتمل تمامًا أن تتأثر صحة الطفل، فيقع بسهولة ضحية للمرض ويخفق في أن ينمو إلى المعدل السوي، إلا أننا كثيرًا ما نغفل تلك الحقيقة "أن الحاجة إلى الحب غالبًا ما تكون ضرورية كحاجات المستوى الأول والثاني". ويقرر "باكوين ١٩٤٩" عدة مظاهر عن أثر الحرمان العاطفي على الأطفال في مرحلة المهد. "يقدم للأطفال الذين يتراوح عمرهم أقل من ستة شهور ووضعوا في مؤسسات لبعض الوقت صورًا محددة تماما وكانت معالهما البارزة هي عدم الاكتراث، الهزال والشحوب، الخمول النسبي، السكون، اللااستجابية للمثيرات مثل الابتسام أو النواح، شهية غير مبالية الإخفاق في الوصول إلى الوزن المناسب على الرغم من تنوال وجبات تكون كافية تمامًا بالنسبة للطفل في المنزل, التبول والتبرز بكثرة, مظهر اللاسعادة، التعرض لنوبات الحمى، اختفاء عادات الامتصاص والرضاعة. ومن ناحية أخرى إذا تحقق لحاجات المستويات الثلاث الأول إشباعًا كافيا فإن الطفل السوي سوف ينمو ويزدهر. وعلى الرغم من صعوبة تحديد بداية ظهور الذات إلا أنه يمكن القول بأن ذلك يتم حينما يبدأ الطفل في أن يضحك لوالديه بعد ست إلى ثماني أسابيع من الميلاد, وربما حينما يشرع في تكشف مهده أو جسمه في أي حادث وأحيانًا خلال السنة الأولى من الحياة تبدو بعض ملامح كونه كيانًا منفصلا حيث يبدأ في التعرف على اسمه وهو يبدأ في

стр. 438

أن ينمي حاجات المستوى الرابع، كما تتضح من توقعه للأشياء من الأفراد الآخرين لأسرته ويتوقع أن أمه سوف تطعمه وأن والده سوف يلاعبه ويرفعه بين ذراعية في الهواء وأن إخوته وأخواته سوف يحاولون ملاعبته وإضحاكه أو سوف يحاولون إيذاءه، وهكذا. وتبدأ بعض الوظائف الأخرى للذات في النمو والازدهار فيتعلم الطفل في أن يستمتع بمجتمع الآخرين، يأخذ في التحقق من أنهم أشخاص مهمون بالنسبة له ومن أنه شخص مهم بالنسبة لهم ويكون حصوليًا أي يسعى للحصول على كل ما يحيط به، ويريد الأشياء لنفسه، يقبض على كل ما يقع في متناول يديه ويتعلق بها ويقاوم محاولات انتزاعها منه، يضع الأشياء في فمه لأنه لا زال يعمل بدرجة كبيرة على المستوى الأول من إشباع الحاجات ويصير الطفل واعيًا جدًا ببيئته الفيزيقية ويرغب كثيرًا في أن يكشفها وكلما نما ونضج يتكشف أنه يستطيع تكشفها، أولا: عن طريق النظر والاتصال وفيما بعد عن طريق الشعور والتلمس والتناول أو القبض، ثم عن طريق الزحف والحبو وإذ يقوم الطفل بهذه الاستكشافات يتعلم بالتدريج الفرق بين الذات واللاذات فإحساسه بالواقع وفقًا لمعايير الكبار يكون غير ملائم بدرجة كبيرة لأنه لا يعرف أن الأجزاء من بيئته يستطيع السير عليها، ولا يعرف ما الخطر والأمان ولا يعرف ما له وما ليس له. وعلى الرغم من أن هذه الاستكشافات قد ترضي الطفل في أنها تساعده على اكتشاف "من هو" فإنها سوف تؤدي به حقًا إلى صراع مع معايير جماعته فقد يكدر الطفل إحساسنا بأهمية بعض الأشياء أو المقتنيات في المنزل كأن يسحب الكتب من على الرف أو يلقي بالإناء من على المنضدة أو يلهو ويعبث في أوقات أو أماكن غير مناسبة. وهذا أمر مفهوم لأن سلوكه الدفاعي، تلقائي، ولم يخضع للكف بواسطة معيار التعقل أو المعنويات ومن المحتمل -إن آجلا أو عاجلا- أن يلقى عقابًا على هذه الأفعال وإذا أتى العقاب مبكرًا جدًا فسوف لا يفهم لماذا يعاقب ولكن إذا أتى حينما يكون قادرًا على ربط العقاب بكسر الأشياء أو إتلافها ربط العقاب بموضوع "العقاب" فسوف ينتقل إلى المرحلة الثانية من نموه ويكف عن الإتيان بهذه الأعمال كوسيلة لتجنب العقاب.

стр. 439

ويرى الطفل العقاب كتهديد لتركيبه الذاتي أو لمفهوم الذات فحتى الآن يدرك نفسه كموضوع لحب لا ينضب ولكن والديه الآن يمسكان بالحب عنه وتتعرض حاجاته للعطف فورًا للإحباط وقد يعرف أنهما قد يمسكان بالحب عنه إلى الأبد "إحساس الطفل بالزمن ضعيف كما أشرنا" لقد عبر والداه في الماضي عن حبهما له بواسطة الاحتضان والمعانقة أو الربت والملاطفة أو الكلمات الرقيقة ولكن كلماتهما الفظة ولكماتهما "أو صفعاتهما تبدو له الآن بما هو نقيض الحب.. النبذ والإهمال" فلتوقعاته للحب والأمان قد انقلبت رأسًا على عقب، ويحدث ارتباك في تركيب الذات لديه كلما حاول مواجهة هذا الموقف المربك. ومن السواء أن يتوافق الطفل مع هذه القيود الضرورية حيثما يكون ناضجًا بدرجة كافية ليكتشف ما يتوقعه والده منه مدمجًا التوقعات الوالدية في تركيب الذات لديه, ويبدي بعض الأطفال عدم رغبة في تقبل هذه القيود ولكن الكثير منهم لا يتقبلها بدون أن يمر خلال فترة أو أكثر من التمرد خلال هذه الفترة، يكون الطفل حقيقة في نضال ضد الضرورة التي تفرض عليه أن يغير من مفهومه لذاته والمعركة لا تنتهي إلا باستسلامه للواقع بأنه ينبغي أن يتقبل التغير. يخبر معظم الأطفال بعض الصراع الانفعالي في سياق تعلمهم التحكم في حوافزهم ويبدأ الطفل في العام الثاني أو الثالث من الحياة في تعلم أنه لا يستطيع أن يثق بنفسه في تتبع حوافزه، وإذا فعل ذلك فسوف يتردى في اضطراب مع أناس مهمين جدًا، مع والديه، ولكي يحمي نفسه مما يبدو له كفقدان مهدد للحب، وهو العقاب أو النبذ أو الإهمال فهو مضطر لأن يغير تركيب الذات بواسطة أن يدمج فيها شيئًا مما يوقفه في المرة التالية عن الإتيان بالأفعال التي تسبب عدم رضا الوالدين، وهو يحقق هذا التغيير عن طريق تبنيه لمعايير والديه وعن طريق تعديل توقعاته لنفسه وتبنيه لهذه المعايير مثل تلك الأحكام بأن بعض الأشياء خاطئة أو سيئة وغير متقبلة لتفسير سلوكه، وعليه أن يتوقع أنه سوف يفعل أشياء تكون خاطئة أو سيئة إذا لم يراع أن يضبط نفسه وحينما يسيء التصرف يشعر بالذنب ووخز الضمير لأنه لم ير إلا توقعاته ويشعر أنه قد أحط بنفسه، وقد يستجيب لذلك بعقابه لنفسه مباشرة كأن يستجيب لمشاعر الذنب بطريقته المميزة للتعبير عن الإحباط مثل ثورات الغضب، ولوم الآخرين. سرعة التقلب، السلبية، قضم الأظافر، التصرف بطريقة أصغر من سنه، وهكذا.

стр. 440

والضمير هو المصطلح الذي نستخدمه في لغتنا اليومية لوصف هذا الجانب الضابط المعاقب من تكوين الذات لدينا وهو ما لدى أصحاب التحليل النفسي "الأنا الأعلى" والضمير نموذج أو طريقة للاستجابة لأنفسنا نموذج يتعلمه الأطفال ممن هم أكبر منهم سنًا ويبدأ عقاب الضمير يحتل مكانة أكبر في ضبط سلوك الطفل أكثر من العقاب البدني الذي قد يتلقاه من والديه، ويصبح في بعض الأحيان مجرد التفكير في بعض التصرفات غير السلمية كافيًا لإثارة مشاعر الذنب ويؤدي الأمر ببعض الأطفال خاصة أولئك الذين يعيشون في بيوت مليئة بالقيود التي تقيد كل مناشطهم لأنهم يشعرون أنه من الأسلم لهم أن يفعلوا ذلك من أن يجروا لأنفسهم عدم الاستحسان سواء من ناحية ضميرهم أو من والديهم. وكلما أخذ تطور نمو الطفل نحو النضج تأخذ وظائف ضميره طباعًا أكثر إيجابية، وعلى الرغم من أن الضمير يستمر ليكون مصدرًا للذنب والقلق حتى لدى الأطفال الأسوياء، إلا أنه يقل تحريكه للاضطرابات السلوكية المميزة لطفل العامين والنصف من العمر، وكلما تعلم الطفل أن يعرف والديه أفضل وأن يدركهما بطريقة مختلفة يأخذ اتجاهه نحوهما في التغير وبالتالي يتكون ضميره، وطالما أن اتجاهه نحو ضميره "المعايير الوالدية الاستجوابية" ليس إلا نسخة مطابقة لاتجاهه نحو والديه، فإنه سوف يغير مشاعره نحو ضميره بقدر ما يغير مشاعره نحو والديه, ويبدأ في الإعجاب بطريقة سوية بالوالد الذي من جنسه، الأولاد بالأب والبنات بالأم، ويحاول الطفل مطابقة سلوكه بسلوك الوالد ويبدو الوالدين خلال هذه السنوات المبكرة، كأعمدة للقوة والاستقامة ويشعر الأطفال أنهم إذا فعلوا نفس الأشياء التي يفعلها الوالدان سوف يكونون أقوياء ولا يتعرضون للوم وتأنيب. وكلما يندمج الطفل مع جماعات اجتماعية خارج أسرته "كجماعة الرفاق.. المدرسة.. إلخ" يصير على اتصال بمجموعات جديدة من المعايير يدمجها في تركيب الذات لديه مثلما حدث بالنسبة للمعابير الوالدية في مرحلة مبكرة فهو الآن يجد نفسه مهمومًا بمشاعر الذنب ليس فقط كنتيجة "لكونه رديئًا"، ولكنه أيضًا كنتيجة لكونه "مختلفًا" ومشاعر الذنب تعبر عن نفسها كإحساس بالخجل عند التخلي عن الممارسات المقررة داخل الجماعة أو كخوف من أن يكون مختلفًا أو كخوف من أن يكون مهملا أو منبوذا من الآخرين إذا كان الفرد مختلفًا جدًا.

стр. 441

وهكذا فإن عمليات الشخصية، من مسايرة وضمير وشعور بالذنب، ليست إلا محاولات للذات لإشباع حاجات الفرد التي تتعلق بالاحتفاظ بعلاقات مرضية مع الآخرين، وفي حقيقة الأمر أن مشكلة الذات هي التوصل إلى أفضل الطرق لإشباع الحاجات الأساسية بدون مساس بحقوق الآخرين، وكلما أصبح الطفل أكثر قدرة على التحكم في حوافزه وتوجيهها فإنه يهيئ الطرق لتقبله كعضو فعال في المجتمع. ويرتبط نمو الشخصية ارتباطًا وثيقًا بتطور نمو الأبعاد المثالية أو المعنوية في تركيب الشخصية، فيما يعرف باللقاءات المثالية التي تقوم على نظام القيم والمثل والأخلاق بصفة عامة، وهناك علاقة وثيقة بين الشخصية والخلق Character في النطاق الكلي للشخصية فكلما نضجت الشخصية، كانت الأنماط السلوكية الخلقية أكثر نضوجًا. ويحدد "بيك وهافجرهست، ١٩٦٠" في دراستهما السيكولوجية وتكوين الخلق عوامل الشخصية التالية من الخلق. ١- الثبات المعنوي: وهو الميل إلى اتباع النظام الأخلاقي المعنوي القائم في جماعة من الجماعات الإنسانية، اتباعًا ينم عن إرادة في تقبل هذا النظام، وعن الرضا الخلاق. ٢- قوة الأنا: مركب من المقدرات أو الإمكانات للاستجابة للأحداث على أساس إدراكات دقيقة وانفعالات ملائمة، وأحكام تنم عن بصيرة وتعقل. ٣- قوة الأنا الأعلى: الدرجة التي عندها يتحقق للسلوك التوجيه عن طريق مجموعة المبادئ المعنوية الأخلاقية التي صارت جزءا من التكوين الداخلي للفرد أو وفقًا لهذه المبادئ. ٤- التلقائية: الميل إلى التعبير عن المشاعر والرغبات إلى عمل وسلوك بطريقة مباشرة.

стр. 442

٥- الودية والتصادق: اتجاه معمم للمحبة الدافئة والعميقة نحو الأشخاص الآخرين "وعكس هذا العداوة". ٦- مركب العداوة - الذنب: مركب من المشاعر العميقة للعداوة يرتبط بمشاعر قوية للذنب نحو الحفزات الداخلية. فالخلق المعنوي يقوم على الاتزان الناضج للأحكام التي تأخذ في الاعتبار المسئولية بالنسبة للفرد والآخرين والتي ترى الحقوق الفردية على أساس من التقدير الواضح لحقوق الآخرين والتي ترى علاقة السلوك الحاضر للفرد بمستقبله، أي أنه يتألف من الضبط الذاتي، والوعي بالذات والمهارة والبصيرة في الآخرين، والاستجابات لسلطة الوالدين، ولدور العبادة ولغير ذلك من الجوانب المعنوية من الثقافة, ويتقبل الطفل بالتدريج معايير الجماعة ونظمها، إذ تنمو قدراته لكي يتوافق سلوكه الأناني الاندفاعي مع هذه القيود والضوابط كما ينمو ضميرها في السلوك المعنوي, الأخلاقي بدرجة كبيرة, نتاج خبرته الاجتماعية العامة. وهناك عدة شروط أساسية لا بد من توافرها حتى يتحقق النمو الأخلاقي المعنوي السليم كما يلي: ١- أن يتحقق مستوى طيب -بقدر الإمكان- للصحة الجسمية، فالأطفال الأقوياء لديهم شجاعة أكثر لكي يقفوا على أقدامهم ولكي يقاوموا الإغراء. ٢- الشعور بالأمن العاطفي، والإحساس بأنه شخص محبوب مرغوب فيه، والإحساس بالزمالة والمشاركة، والإنشاء، وفي هذا الجو يتعلم الطفل أن "يحب جاره أو زميله" لأنه هو نفسه محبوب وليس هناك من حاجة لديه لكي يقوم بتعويضه عن الإحساس بالعزلة، أو من حاجة إلى القسوة أو العنف أو دافع الانتقام الذي يكمن غالبًا وراء الجناح. ٣- المجالات والفرص الملائمة للتعبير عن المغامرة والاستثارة والانفعال والتحرر من القلق.

стр. 443

٤- النظام المستمر في الضبط الذاتي حتى يصير قادرًا على زيادة معدل التحكم في الاندفاعات أو الحفزات الطفلية، ويتحقق هذا الجانب كإنجاز متزايد خلال مرحلة الطفولة. ٥- توسيع الآفاق الاجتماعية باستمرار حتى يتحقق له مقدرة متزايدة باستمرار لكي يعرف، ويتحلم، ويقدر ويفهم، وبالتالي يعتبر بطريقة فطنة حقوق الآخرين وواجباتهم ومزاياهم. ٦- الإلهام "وعادة ما يتهيأ بالممارسة الدينية" في الرغبة في الحق بقوة كافية حتى يجد الإشباع الجاد في الإتيان به. ومن المعروف أن إدراك الطفل الأول لما هو "صواب" أو "خطأ" هو ببساطة ما يسمح به لوالدين أو يمنعانه فهو محكوم في الطفولة المبكرة بما يطلق عليه "بياجيه ١٩٤٨" الواقعية المعنوية، حيث يكون العالم هو بالضبط ما يبدو أن يكون عليه، فليس هناك وجهات للنظر، ولا توجد نسبية، بل الأشياء تكون أبيض، أو أسود صواب أو خطأ، فما يقرره الوالدين يتشربه الأطفال كمعايير الصواب والخطأ والحلال والحرام، وغير ذلك مما تشربه من المعايير والأحكام الخلقية والمعنوية. ووفقًا لنظرية "بياجيه ١٩٤٨" يتعلم الطفل بالتدريج أن القواعد ليست حقيقة بطريقة واقعية ولكنها من صنع الناس ويمكن أن تتعدل لتلائم الظروف فمثلا تعلم أحد الأطفال أن يعود إلا المنزل مباشرة بعد انتهاء المدرسة، وهو قد يقبل هذه القاعدة على أنها قاعدة مطلقة، وفي أحد الأيام عاد إلى المنزل، وقد كانت الدنيا تمطر بغزارة وتوسخت ملابسه ولذلك عوقب على نقص حكمته، في أنه لم ينتظر بالمدرسة حتى ينتهي المطر وهكذا، فإن ما اعتقد الطفل أنه قد تقبله كقاعدة مطلقة، يرى أنه خاضع للتعديل وفقًا للظروف، ويستطيع الطفل في مرحلة أكثر نضجًا أو يدرك مرونة مواقف السلطة في ضوء المصالح "الأكبر" الذي يقع وراء معظم القواعد، وأن يدرك صحة أي عمل من الأعمال تكمن في روح القاعدة وتنفيذها بروحها أكثر من حرفيتها. ويتحقق للطفل في مرحلة لاحقة من النمو تطويع الأحكام المعنوية بواسطة اعتبارات العدالة، ففي المرحلة الأولى يتعلم الطفل أن

стр. 444

يكيف القاعدة لروح القاعدة في ضوء فائدتها بالنسبة للناس، ولكن كل الناس متساوون بدرجة مطلقة ويدرك الطفل -في مرحلة لاحقة- الأمور اللازمة لتحقيق العدالة الحقيقية، ولا يعتدي على أحد زملائه، لا يشاغب ولا يخرج على النظام، ولا يفتري على غيره ... إلخ. ولا يعتبر الانتقال من التقبل المطلق للقواعد الموضوعية إلى تعديل هذه القواعد أمرًا بسيطا، فالأطفال لا يتمثلون القواعد، والأحكام الخلقية، المعنوية التي تنتقل من حين لآخر على أنها مبادئ جاهزة الصنع، فكل طفل ينبغي أن "يعالج" هذه المبادئ بحيث تتكامل داخل حياته الخاصة في إطار حاجته الفردية وتوحده مع غيره من الناس في بيئته واحترامه لهم. فكثير من الأحكام الخلقية للأطفال في سن المرحلة الابتدائية وتكون في صراع مع أحكام والديهم أو مع الجماعة الثقافية المحيطة بهم ككل، ويرجع هذا إلى أن الأطفال لم يجعلوا هذه الأحكام والقواعد جزءًا من تكوينهم الذاتي العميق، والمعروف أن الأطفال في سن ما قبل المدرسة، وفي مرحلة المدرسة الابتدائية يكون لديهم مقدرة محدودة لتوسيع نطاق توحدهم أو تقمصهم مع الأشخاص الآخرين أو الاهتمام بهم, ولذلك تكون أحكامهم الخلقية وبدرجة كبيرة، وفي ضوء العالم كما يرى من خلال عيونهم في ضوء مكانة وسلطة والديهم أو فيما بعد، الكبار الآخرين، وكلما تنمو مقدرة الطفل على أن يوحد نفسه مع غيره أو أن يصير مهتمًا بالآخرين تنمو مقدرته على تقدير المواقف على أساس أوسع ويصير أقل اعتمادا على سلطة الراشدين، وحتى في بعض الأوقات أقل اعتمادًا على معظم أحكام زملائه وقواعدهم، وتنمو لديه القدرة على "تقدير" المواقف بنفسه. وينمي الأطفال بالتدريج ضبطًا كافيًا حيال حفزاتهم البدائية والأنانية حتى يمكنهم من العيش في جماعة بطريقة طيبة، ولا يعني هذا كبت الانفعالات والحوافز المرغوبة أو القيود المستحيلة لأي حافز أساسي، ولكن الدرس الذي ينبغي أن يتعلمه الطفل هو توجيهه للطاقة الانفعالية في مسالك تثبت فائدتها من الناحية الاجتماعية أكثر مما تتسبب عنه من تدمير, وأحد الجوانب اللازمة لنمو الضبط الذاتي هو تعلم مقاومة الإغراء والغواية، ولا يتعلم الأطفال ذلك عن طريق حمياتهم من كل

стр. 445

عوامل الإغراء، ولكنهم يتعلمون ذلك فحسب عن طريق مواجهة الإغراءات القوية المتزايدة، ويعتبر الاعتزاز الشخصي في نمو المسئولية الاجتماعية والخلقية للآخرين أحد الطرق للجمع بين الاندفاعات الأنانية والغيرية، ومن الأساليب الفعالة في هذا الصدد، ممارسة الشهامة والمروءة والكرم، وممارسة العمل في ظروف من المرح والبهجة, والتدريب على تقبل المديح والاستحسان، وفي بناء سمعة طيبة كشخص يمكن الاعتماد عليه. والأساس في ذلك هو نمو الضمير، أو ما يطلق عليه أصحاب التحليل النفسي مصطلح، "الأنا الأعلى" الذي يمثل في الشخصية كل أحكام ومعايير الوالدين ومجتمعنا الثقافي, أو يقول آخر: يمثل الرقيب الذاتي. ويشير "ملرتن ١٩٦٠" إلى أن الضمير ليس إلا ذلك الجانب من "الوراثة الاجتماعية لدى الفرد" ويقرر "كوهلبرج ١٩٦٢" أن الباحثين المعاصرين يعتبرون المعنويات أو الضمير على أنه مجموعة القواعد والأحكام الثقافية للإدارة والعمل الاجتماعي الذي تمثله الفرد لعالمه الداخلي وصار جزءًا من تكوينه الذاتي. ويميز "بيك وهافجرست ١٩٦٠" أربعة أنواع مختلفة للضمير تختلف اختلافًا كيفيًا وهي: ١- النوع الأول وهو الأكثر بدائية والأقل فاعلية ويتألف من مجموعة "النواهي" الفظة والقاسية وهي في أحسن حالاتها تعمل كطريقة كامنة بدون تفكر، وفي أسوأ حالاتها تكون غير متسقة داخليًا أو محبطة بدرجة يستحيل تتبعها. ٢- والنوع الثاني من الضمير هو مسايرة الأحكام والقواعد، مع إعطاء وزن أساسي للسلطة التي لا تزال متمركزة في الناس المحيطة به. ٣- ويتألف النوع الثالث من الضمير من كيان منظم من القواعد الخلقية المتحولة إلى داخل الفرد والتي تحتفظ باستقلالها الذاتي وهي لا تتأثر كثيرًا بما قد يقرره أشخاص آخرون كما لا تسمح لنفسها أن تسأل أو تختبر بواسطة الفحص، والتمحيص العاقل, وهي تؤلف معًا "الأنا الأعلى العصابي الطاغي" ويعتبر "فرويد" أول من وصفه.

стр. 446

٤- والنوع الرابع من الضمير هو تلك المجموعة الراسخة من المبادئ الأخلاقية المعنوية المستوعبة داخل الفرد، والتي يمكن أن تخضع للتساؤل والاختبار الرصين. يخلص "بينيت ١٩٦٠" الأبحاث والدراسات السابقة التي أجريت في مجال علم النفس في نمو الضمير أن قوة وثبات الضمير يعتمد اعتمادًا مباشرًا على قوة ومدى العلاقات المبكرة للطفل القائمة على المحبة، وينمو تكوين الضمير -وفقًا لهذه النظرية- من خلال التقمصات أو التوحدات الجزئية المتكررة للطفل مع شخص محبوب والتي عادة ما تحدث بعد أن يسحب مؤقتًا حبه الذي يتبع إحباط حوافزه الغريزية، وينتج عن هذا التقمص تغير الأنا لكي يضاهي الشخص المحبوب. وهناك اتجاهات في تفسير نمو الضمير، فالاتجاه الأول وهو نظريات التعلم التي تفسر نمو قوة الضمير في ضوء شروط التدعيم، أما الاتجاه الثاني وهو التحليل النفسي فيفسر قوة الضمير في ضوء ميكانزمات توجد الطفل مع النماذج الوالدية والاستحسان الوالدي، ويقرر "كولبرج ١٩٦٢" أن كلا هاتين النظريتين تذهبان إلى التأكيد على "القلق" أو "الذنب" على أنه الدافع الأساسي وعلى كل الحوافز مثل "الجنس" والعدوان وغير ذلك كتعبير عن الأخلاقيات. ويفترض الاتجاه الذي يستند إلى نظرية "التعلم" في تفسير اكتساب الأخلاقيات وتكوين الضمير أن النمو الأخلاقي المعنوي ليس إلا "عادات طيبة متعلمة خلال التلقين والتدريس" فالأنانية أو العادات السيئة عادة ما يمنع ممارستها وكثيرًا ما ترتبط بالعقاب ويفترض أصحاب هذه المدرسة أن السلوك الأخلاقي المتعلم في المنزل سوف يعمم على مواقف أخرى خارج المنزل لا تخضع للإشراف. ويقرر أحد الباحثين أنه قد توجد فروق وراثية في القدرة على الاقتران الشرطي وفي تعلم القلق المعنوي "إيزنك ١٩٦٠" وقد وجد باحثون آخرون أن إدخال نماذج توسيطية من الأفلام كانت ذات فاعلية في تعديل استجابات المفحوصين للإحباط اللاحق أكثر مما كانت لنماذج الحياة الواقعية "باندرورا وغيره ١٩٦٣".

стр. 447

وتختلف الدراسات في نتائجها بصدد علاقة أساليب النظام في المنزل بالنجاح من ناحية، أو بالقدرة على مقاومة الإغراء والغواية من ناحية أخرى, وقد وجد بعض الباحثين "جليوبك وجليوبك ١٩٥٠, باندورا ووالترز ١٩٦٣" أن أساليب النظم الأكثر بدائية, وعدم الاتساق، وعدم المعقولية كان يشيع استخدامها في بيوت الجانحين المراهقين أكثر من غير الجانحين. ومن ناحية أخرى, يخلص "بيك وهافجهرست ١٩٦٠" بعد دراسة متعمقة لسيكولوجية اضطراب الخلق أو نتيجة تقرر أن المثل الراسخ الجذاب لوالدين حكيمين محبين هو المؤثر والوحيد حقيقة الذي يخلق أطفالا ذوي خصائص غيرية, متعلقة بالواجب والمسئولية والحب والتواد، وهو الشكل الأرقى, كما يذهب هذان الباحثان في مستويات الأخلاقيات إلى بناء الإنسان على أساس من النمو والإشراق.

стр. 448

نظريات النمو أولا: مفهوم دورة حياة الإنسان ... نظريات النمو: أولا: مفهوم دورة الحياة الإنسان أشار عديد من الفلاسفة وعلماء النفس لوجهات نظر مختلفة في طبيعة دورة حياة الإنسان، فتشير إحدى وجهات النظر الشائعة إلى التناظر الوظيفي بين فصول السنة ومراحل حياة الإنسان فالربيع يمثل الفترة التي يحدث فيها النضج والإحساس بالقوة، ويومئ الصيف إلى فترة النضج والإنتاج العزيز، ويتمثل الخريف في فترة الحصاد وبلوغ الذروة، ويتم خلاله بذر البذور لأجيال تالية, ويشير الشتاء إلى فترة الخطى نحو النهاية والتدرج نحو الأقول ثم الموت، وكل فصل من هذه الفصول يكون جميلا في ذاته ويتصف بالتفردية، وحيث لا بد من الانتقال في فصل إلى الآخر التالي له فإن الفرد عندما يكمل دائرة معينة حينئذ يمهد الطريق للدائرة التالية لها. وجدير بالذكر فإن هذا التمثيل أو التناظر الوظيفي يكون من البساطة الشديدة حتى يمكنه وصف النمو الإنساني، ومع ذلك فإنه بطريقة شاعرية يجذب انتباه عديد من العلماء لدرجة أن اتخذه البعض

стр. 449

أساسًا لعديد من النظريات النمائية، فالنمو يتصف بالتوالي والتقدم، كما أنه يتبع نفس النموذج من جيل إلى آخر، كما يتسم بالدائرية بمعنى أنه كلما نضج جيل معين فإنه بالتالي يعزز الجيل اللاحق له، والآن هيا بنا نتأمل سويًا وبصورة أدق دورة حياة الإنسان إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

стр. 450

والمتأمل في الشكل السابق الذي يمثل دورة حياة الإنسان يلاحظ التقدم النمائي في اتجاه واحد وهو من الميلاد حتى الموت، وبالتالي يتبع تسلسل منتظم "فمرحلة الطفولة دائمًا ما تحدث قبل مرحلة البلوغ والمراهقة، والأخيرة تحدث قبل مرحلة الرشد وهكذا". ويشير الشكل رقم "١" إلى رسم تخطيطي لحياة الفرد موضحًا لأحداث مرتبطة بأعمار زمنية معينة.. وواضح أن نقطة النهاية غالبًا ما تقرر أو تحدد بالمتغيرات البيولوجية والفسيولوجية، ويلعب النضج البيولوجي دورًا رئيسيًا ومركزيًا، إلا أن دوره يتناقص من حيث الأهمية كلما انتقلنا من الحمل إلى الولادة، ومن الولادة إلى البلوغ، ومن البلوغ إلى الرشد, ثم إلى الشيخوخة. ولكن ما هي المتغيرات الأخرى غير البيولوجية التي تحدد معنى ودلالة الأحداث على مجرى الحياة؟ وما الذي يجعل هذه الأحداث من المعالم الهامة على طول دائرة الحياة؟ أحد التناظرات المفيدة في هذا المضمار يتمثل في تشبيه الحياة برحلة ذات عدد من الأماكن الهامة المشوقة، بالإضافة إلى وجود ملتقيات حاسمة عصبية على طول الطريق، فمنذ سنوات ماضية، عندما كان السفر والترحال بطيئًا، فقد كانت الطرق عادة ما تتميز بوجود معالم أو بمعلم يدل على المسافة بالأميال لكي يميز لكل ميل في الطريق، وهذه المعالم ذات أهمية لأن المسافرين كانوا ينتقلون نحو الهدف خلال الوقت، كما أن تقدمهم يقاس بكم أو بعدد الأميال التي يقطعونها في كل وحدة زمنية كاليوم على سبيل المثال، وليس بمستغرب أن نجد الإنسان يميل إلى تحديد أو معرفة تقدمه خلال دورة الحياة بطريقة متاشبهة بصورة كبيرة, فنحن على دراية ووعي بتقدمنا خلال العام الماضي، كما أن لدينا الإحساس بالتحرك ببطئ شديد أو بسرعة كبيرة على طول ممر الحياة تجاه أهدافنا والذي يعتمد في جوهره على قياس الزمن أو الوقت المستغرق، وعلى ذلك فإن مفهوم المعالم أو الأحداث الهامة التي تمثل مرحلة من مراحل حياة الإنسان في النمو الإنساني يعتبر مفهومًا مناسبًا إلى حد كبير، ويرجع ذلك بسبب أننا عندما نفكر في دورة الحياة التي ميزناها وحددناها بمعالم نمائية فإننا غالبًا ما نحتفل بتلك المعالم "والأحداث الهامة" مثل التخرج من الجامعة والزواج والإنجاب والتقاعد أو الإحالة إلى المعاش.

стр. 451

فهيا بنا نتعرف على تلك المعالم أو الأحداث الهامة التي ترتبط في ذاكرة الإنسان بصورة ذات دلالة، والعمر الزمني المرتبط بنقاط التحول تلك، أو المعلم الذي يميز كل مرحلة من مراحل النمو الإنساني. وعمومًا فإن سن الخامسة أو السادسة غالبًا ما يكون ذا دلالة ومعنى وذلك لأنه معلم يصف دخول الطفول المدرسة، وبداية فترة طويلة للتعليم والتدريب الرسمي داخل المجتمع. وهذا الحدث يتحدد بصورة أولية واجتماعية عن طريق العمر الزمني الذي يقبل فيه الطفل في مدرسة الحضانة أو المدرسة الابتدائية. والحدث الرئيسي الثاني والمرتبط بالسن يتمثل في بداية مرحلة البلوغ في سن الثانية عشر أو الثالثة عشر تقريبًا. وعلى الرغم من أن الثقافات بصورة عامة وخاصة المتقدمةى لا تحتفل بالبلوغ كطقس أو إجازة مرور وانتقال من فترة نمائية إلى أخرى، إلا أن الأنثروبولوجيين يشيرون إلى أن طقوس وشعائر بداية البلوغ ذات أهمية كبيرة في كثير من المجتمعات، حيث إنها تحدد نهاية مرحلة الطفولة وبداية مرحلة المراهقة. ففي بعض القبائل الهندية -على سبيل المثال- يجب أن يجتاز المراهق سلسلة من الاختبارات للتعرف على قوته وشجاعته والتي تبلغ ذروتها في الاحتفال بمركزه الجديد، كمحارب أو جندي أو مقاتل. وربما تكون استخراج البطاقة الشخصية أو رخصة القيادة في المجتماعات الحديثة من تلك الإمارات الانتقالية التي تشبه هذه الطقوس المرتبطة بفترة المراهقة في تلك المجتمعات, ومع بداية مرحلة المراهقة، وكثيرًا ما تستخدم فترة المراهقة، كمرحلة طويلة من التعليق وتأجيل النشاطات وهو نوع من التوقف المؤقت الذي يحدث فيما بين نهاية مرحلة الطفولة ومرحلة الرشد في المجتمع, حيث نجد الكبار قد يعاملون المراهقين أحيانًا كأطفال، وأحيانًا أخرى كراشدين. وبمواصلة دورة الحياة فإننا نجد سن الثامنة عشر يعتبر فترة عمرية هامة يرتبط بأحداث هامة تحدث أثناءها، حيث نجد الكثير من الحقوق والامتيازات الاجتماعية والقانونية تمنح للبالغين في هذا السن مثل استخراج رخصة القيادة وركوب السيارات، والحق الانتخابي والمحاكمة الجنائية كراشد. وعمومًا فإن هذا العمر يعتبر نقطة تحول هامة من الناحية الاجتماعية في دورة حياة الفرد، بمعنى أنه غالبًا ما يكون معلمًا لبداية سن الراشد بالمعنى الاجتماعي والقانوني، كما يحدث لكثير أنه شباب

стр. 452

الثامنة عشر حدثًا رئيسيًا ويتمثل في تكملة الدراسة الجامعية، وقد يتضمن ذلك ترك المنزل والانخراط في نمط مختلف من التعليم، وبالتالي الازدياد في الاعتماد على الذات, كما أننا نجد أنه بالنسبة للشباب الذين ينهون المدرسة الثانوية أو الفنية وينخرطون في مجالات العمل أو يشرعون في الزواج، حينئذ نجد أن هذا السن قد يتصف بالاشتراك الكامل في المجتمع كفرد راشد، وعمومًا فمن التعريفات المفيدة لبداية مرحلة الرشد يتمثل في تغيير الأدوار التي تحدث بدخول الفرد مجال العمل، وتكوين أسرة خاصة به، وبالنسبة للأفراد الذين يدخلون الجامعة نجد أن فترة توقف أو تعليق نشاطهم تمتد ما بين خمسة أو ست سنوات حتى ينتهوا من دراستهم الجامعية، وبالتالي نجد أن مرحلة تعليق النشاط بين مرحلة الطفولة والاشتراك الكامل في أدوار الراشدين قد يتأخر قليلا بالنسبة لهؤلاء الشباب, وعمومًا فإن مرحلة الرشد تتصف بتغير الأدوار من الطالب إلى العامل، ومن فرد أعزب إلى متزوج، ومن فرد في أسرة إلى رب أسرة، وهكذا. وقد يكون سن الثلاثين مرتبط ببعض الأحداث الهامة في تاريخ حياة الفرد، فقد يمثل هذا السن وسط العمر، على الرغم من أننا نلاحظ سن الأربعين والخمسين Neugarten & Others؛ "١٩٦٥"، حيث يشير "نيوجارتن" أن عينة دراسته من الذكور والإناث أشارت إلى أن العقد الثالث والرابع يمثلان سنوات تحمل المسئولية والإنجاز البارز في حياة الفرد، بالإضافة إلى أن الأحداث الرئيسية في حياة الفرد غالبًا ما تحدث خلال هذه الفترة. ولقد أيدت نتائج دراسة بيرن Birren؛ "١٩٦٩" ما ذهبت إليه نتائج دراسة "نيوجارتن" وآخرين حيث أشارت إلى أن التدهور الجسمي والفسيولوجي يرتبط بصورة كبيرة بوجود بعض الأمراض أكثر من ارتباطه بعمر زمني معين، فالتحول التدريجي نحو الانحدار يميل إلى أنه يعكس نمطًا لحياة الفرد نحو الاستقرار وعدم الرغبة في التنقل والترحال. وعمومًا فكثير من الأحداث الهامة غالبًا ما تقع في العقد الثالث والرابع من حياة الفرد، كالزواج والأبوة والترقي المهني وإنجاب الأطفال والتحاقهم بالمدارس، بالإضافة إلى موت أحد الوالدين لأحد الزوجين أو

стр. 453

كليهما، كما يحدث تحقيق لكثير من الإنجازات التي كان يتمنى الفرد تحقيقها خلال هذه المرحلة، وعلى الرغم من أن هذه الأحداث النمائية الهامة التي تمثل السنوات الوسطى -فترة الرشد- إلا أننا لا نجدها مرتبطة بصورة مؤكدة بالعمر الزمني، فقد تتأثر بالتوقعات الاجتماعية، مثل الوقت الملائم للزواج أو تغيير الوظيفة أو المهنة، أو كون الفرد قد أصبح جَدًا, وتشير نتائج دراسة نيوجارتن إلى أن الراشدين غالبًا ما يكون لديهم حدس في تمييز فترة وسط العمر حيث تختلف نوعيًا عن فترات العمر الأخرى. ويحدث حدثان مهمان في مرحلة الوسطى وهما انقطاع الطمث وبلوغ سن التقاعد، فتوقف الحيض وانخفاض إفراز هرمونات الجنس يحدث عند النساء ما بين ٤٥-٥٥ سنة، وعادة ما يحدد من الناحية الفسيولوجية، أما التقاعد أو الإحالة إلى المعاش على النقيض من ذلك حيث يحدد اجتماعيا ويعتبر معلمًا هامًا لمرحلة الرشد الوسطى, وغالبًا ما يحدد عن طريق قوانين الدولة "سن الستين أو الخامسة والستين", وقد ينظر إلى السنوات الأخيرة من الحياة بحدوث أحداث هامة كالإحالة على المعاش وأن يصبح الفرد جَدًا، وتشير نتائج الفرد دراسة نيوجارتن "١٩٧٤" أن هذه الفترة قد تعتبر بالنسبة للبعض فترة صحية جيدة، وأمن اقتصادي نسبي، والتخفف من الأعباء الاقتصادية والاجتماعية.

стр. 454

ثانيًا: بعض نظريات النمو تحاول نظريات النمو لدورة حياة الإنسان تفسير طبيعة عملية النضج ونماذج التغير التي تحدث عند الفرد منذ الميلاد حتى الموت, وتشير تلك النظريات إلى أن الراشدين يستمرون في النمو والتغير بعد فترة المراهقة وحيث إنه يفترض أن النمو يحدث في صورة تقدم متوال، فإن هدف تلك النظريات ينصب على تفهم طبيعة هذا التوالي، وتفسير سبب اضطراب النمو بالطريقة التي يحدث بها، بالإضافة إلى أننا نجد كثيرا من نظريات النمو تسعى إلى التعرف على الموضوعات العامة التي تندرج تحت تلك النماذج من النضج الإنساني بالإضافة لجميع الأفراد في أي مجتمع من المجتمعات الإنسانية, وغالبًا ما تشير تلك النظريات النمائية إلى صورة تسلسل المراحل النمائية والتي يتبع كل منها الآخر في توال معين.

стр. 455

وتتركز معظم نظريات النمو على عملية التفاعل بين عديد من العوامل حيث إن النمو الإنساني يتضمن العديد من التأثيرات البيولوجية والسيكولوجية والاجتماعية، إلا أننا نجد أن معظم نظريات النمو تصف عملية النمو عن طريق بعض المصطلحات العامة بصورة نسبية، كما أنها لم تستطع التوصل إلى تفسير قاطع، يرجع إليه تسلسل النمو في تلك النماذج التي وصفتها هذه النظريات، وبالتالي فلا توجد نظرية شاملة يمكنها إلقاء الضوء على سبب حدوث ثمة تغيرات معينة في النظام والصورة التي تحدث فيها، أو كيف يكون مدى تأثر التغيرات التي تحدث بالعوامل الاجتماعية والبيولوجية أو العوامل الفسيولوجية وبالإضافة إلى ذلك فإننا عادة ما نكون غير متأكدين، مما إذا كانت تلك التغيرات تحدث عند الأفراد في كل الثقافات أم لا, وعمومًا فإن هذه النظريات -على أحسن حال- قد تمكنت من وصف تفاعل النمو الثقافي والبيولوجي والنفسي. وسنناقش في ثنايا الصفحات التالية أربع نماذج لنظريات مختلفة لنمو دورة حياة الإنسان, وهي نظرية بوهلر Buhler, ويونج Jung وأريكسون Erihson، وريجل Riegel، ويجب أن تشير ابتداء إلى أن تلك النظريات على الرغم من أنها قد اعتمدت على الاستدلالات التي اشتقت من الملاحظات الإكلينيكية والتجريبية، إلا أنها مع ذلك لم تختبر بصورة دقيقة بواسطة الدراسات والمنهج التجريبي، غير أنها قد أشارت إلى أبعاد هامة لدورة حياة الإنسان، كما أنها جذبت الانتباه إلى نقاط التحول الهامة أثناء سنوات مرحلة الرشد, وقد تشير الأبحاث والدراسات اللاحقة أي من هذه النظريات أو اتحاد منها يكون ذا فائدة بصورة أكبر لتفهم النمو الإنساني, أو على الأقل سنوات أي مرحلة من مراحل الحياة، وسوف نشير كذلك إلى الكيفية والطرق التي تؤثر بها بعض المتغيرات على عملية النمو، مثل تأثير الثقافة والطبقة الاجتماعية. ١- نظرية بوهلر في النمو الإنساني: درست شارلوت بوهلر Charlotte Buhler وتلاميذها دورة حياة الإنسان من خلال السير الذاتية التي جمعت في عام ١٩٣٠، وطورت وتلاميذها طريقة لتحليل هذه السير الذاتية، للكشف عن التقدم المنتظم لمراحل الحياة على أساس التغير الذي يحدث في الأحداث والمهام والإنجازات أثناء دورة حياة الإنسان.

стр. 456

ولقد اهتموا كذلك بتأمل وفحص التماثل بين سياق الحياة -التي كشفت عنها دراسة سير الحياة- والسياق البيولوجي للحياة, وتمخضت هذه الدراسات عن كشف خمس مراحل بيولوجية. ١- النمو التقدمي أو التصاعدي، يستمر من الميلاد حتى سن الخامسة عشر. ٢- استمرار النمو، ويتمثل في انبثاق القدرة على التناسل الجنسي وتقع في الفترة ما بين ١٥ سنة، ٢٥ سنة. ٣- ثابت عملية النمو، وتقع ما بين ٢٥ سنة, ٤٥ سنة. ٤- فقدان القدرة على التوالد الجنسي، وتقع ما بين سن ٤٥، ٦٥ سنة. ٥- النمو التقهقري والضعف البيولوجي، ويحدث من سن ٦٥ سنة. وأشارت "بوهلر وتلاميذها" إلى خمس مراحل للحياة وذلك نتيجة لدراسة أربعمائة سيرة لحياة الأفراد, تتساوق مع تلك المراحل البيولوجية الخمس السابقة وهي.

стр. 457

إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

стр. 458

وجدير بالذكر, أن تلك الأعمار الزمنية المشار إليها في الجدول بمثابة أعمار تقريبية، وتعكس -بصورة جزئية- بعض الأعمار الاجتماعية المرتبطة ببعض الأحداث كالتقاعد أو الإحالة إلى المعاش في سن الستين, ويشير وصف فرنكل Frenkel أحد تلاميذ بوهلر للتدرج النمائي للإنسان كما يلي. إن الشخص اليافع، بمجرد أن يمر بمرحلة الطفولة، نجده يحاول أن يضع أول تخطيط لحياته، ويتخذ القرارات الأولى في مرحلة المراهقة أو بعدها بقليل, وفي هذا الوقت تبدأ المرحلة الثانية من الخبرة وتتصف بالواقعية, حيث نجده يرغب أن يتفاعل مع الواقع المحيط به، فهو يجرب مع زملائه الآخرين، وأيضًا يستكشف بعض المهن، كما يحدث توسيع وامتداد لمجال شخصيته، كما تتسم اتجاهاته بالاستقرار المؤقت خاصة في تحديد حياته المستقبلية. وفي نهاية المرحلة الثانية، عادة ما نجد اتجاهات الأفراد أكثر تبلورًا ووضوحًا نحو الحياة، كما نجد الحيوية والنشاط، أثناء المرحلة الثالثة ما تزال في أعلى درجاتها، كما يحدث في هذه الفترة عملية التخصيص والتعيين وبالتالي فإن هذا الوقت عادة ما يكون فترة ذروة بالنسبة للخبرات الشخصية للفرد. وقد تبدأ الأزمات أثناء الانتقال إلى المرحلة الرابعة، حيث نجد قدرات أو قوى الفرد النامية والمترعرعة تصبح في حالة من حالات التجمد أو التوقف، كما يجب عليه التخلي عن كثير من النشاطات، خاصة تلك التي تعتمد على القوة الجسمية أو المرتبطة بالحاجات البيولوجية، وعلى النقيض من تدهور الجانب البيولوجي والخبرات المرتبطة به، نجد تصاعدًا ذو فعالية لميول جديدة مرتبطة بالجوانب الانتاجية في الحياة. وفي نهاية المطاف، أثناء المرحلة الخامسة، نجد التقدم في العمر الزمني يرتبط بهواجس الموت، والشكوى من العزلة، وغالبًا ما يكون الفرد منشغلا بالتساؤلات والاستفسارات الدينية, وتتضمن هذه المرحلة الأخيرة خبرات ذات طبيعة استرجاعية وبعض الآراء ووجهات النظر المرتبطة بالمستقبل وعادة ما تكون متمركزة حول اقتراب الموت واسترجاع الحياة السابقة، كما أن استمرار التساوق والتوافق مع الحياة غالبًا ما يكون ضعيفًا أو متوقفًا Frenkel؛ "١٩٣٦".

стр. 459

وبصورة عامة، فإن وجهة النظر السابقة تشير إلى التوازن أو الاتساق بين العمليات البيولوجية للنضج، والتقدم نحو النهاية حيث يحدث اتساع لنطاق العمليات النفسية والاجتماعية، ثم بلوغ الذروة، ثم التقلص أو الانكماش في الأنشطة، والإنجازات، وغالبًا ما يكون العامل البيولوجي في قمة أو طليعة نمو الفرد النفسي والاجتماعي، ويصدق ذلك -بصورة خاصة- عندما يسمح الاعتماد على القدرات العقلية للشخص في الاستمرار أو مواصلة الكم المرتفع من الإنتاجية لعديد من السنوات بعد أن تكون القدرة الجسمية قد بدأت بالفعل في التدهور، وجدير بالذكر فإنه يحدث تباينات وتنوعات فردية هامة، حيث قد يصبح فرد ماذا إنتاجية عالية، أكثر مما يحدث في الفترة الأخيرة من حياته، ويصل إلى مرحلة الذروة النفسية والاجتماعية بعد سنوات عديدة من بلوغه فترة ذروته البيولوجية. والتعديلات التي أدخلتها، "بوهلر" "١٩٦٨" على نظريتها تشير وتؤكد على عملية صياغة الفرد لأهداف معنية "وبالتالي فإن هذا التتابع النمائي ينظر إليه أيضًا على أنه يعكس وجهات نظر مختلفة في وضع أهداف الفرد للمراحل المختلفة في ذروة حياته، فمثلا إن الأهداف تتخذ صورة الثبات التدريجي أثناء العشرين سنة الأولى من حياة الفرد، والتي تؤدي بالتالي بصورة نموذجية إلى تحقيق الذات أثناء فترة الذروة، كما أن بعض الأفراد الذين يتسمون بالحيوية، قد يعيدوا فحص وتأمل هذه الأهداف ويسعون إلى تحقيق أهداف جديدة أثناء المرحلة الرابعة من حياتهم، وعمومًا تميل الأهداف إلى الاستقرار والثبات بالنسبة لمعظم الأفراد، خاصة في النصف الثاني من الحياة، ولقد أوضحت دراسة كاهلن Kuhlen وجونسون Johnson؛ "١٩٥٢" تبدل الأهداف أثناء السنوات الوسطى لدى مجموعة من مدرسي المدارس العامة، وأوضحا وجود اختلافات جنسية وكذلك اختلافات عمرية، كالحصول على عمل مختلف، أو الترقي في التعليم مثلا. ويوضح "كوهلن Kuhlen؛ "١٩٦٤" في نظريته لنمو الإنسان فترة الذروة والانكماش بطريقة مختلفة إلى حد ما، حيث يفترض أن دوافع اتساع نطاق النمو "مثل الإنجاز، والسلطة، والابتكار، وتحقيق الذات" عادة ما يهيمن على سلوك الفرد أثناء النصف الأول من حياته، كما أنها يمكن أن تتغير خلال حياة الفرد بسبب إشباعها نسبيًا "كالحاجة إلى النجاح أو الحاجة إلى الجنس"، وكذلك بسبب انتقال الفرد إلى مراكز اجتماعية

стр. 460

جديدة "كأن يصبح أبا أو أمًا أو مديرًا لمؤسسة ... إلخ", ويشير "كاهلن إلى أن التقدم في العمر الزمني يحدث عملية تحول من الإشباعات المباشرة للحاجات إلى نوع آخر من الإشباعات يحصل عليها بطريقة غير مباشرة أو بطريقة بديلة، وعلى ذلك فإن دورة حياة الإنسان من الممكن وصفها بواسطة منحنى الاتساع ومنحنى الانكماش. ويصبح القلق والخوف -في النصف الثاني من الحياة- أهم مصادر الدافعية في نموذج "كاهلن", وقد يبدأ ذلك في منتصف العمر عندما يشعر الإنسان بانتهاء عملية التوسع أو الامتداد, وتقلص نشاطاته وبالتالي يبدأ في التأثر بالتدهور والفقدان الذي لا يمكن الفكاك منه؛ "كالأمراض الجسمية، وموت الأصدقاء، افتقاد فرص العمل", ولقد أشار "كاهلن" إلى عديد من الدراسات التي أوضحت أنه مع التقدم في العمر يشعر الأفراد بأنهم أقل سعادة كما ينظرون إلى ذواتهم بصورة أكثر سلبية، ويشعرون بفقدان الثقة بأنفسهم ما تتميز هذه المرحلة بازدياد أعراض القلق بين الأشخاص المسنين, ولقد أشارت النتائج أيضًا إلى أن المسنين عادة ما يكون تأثيرهم أضعف على النساء، كما أن المسنين من الطبقات الاقتصادية المرتفعة عادة ما يكون تأثيرهم أقل على النساء من الرجال المسنين في الطبقة الاقتصادية والاجتماعية الأقل. وبإيجاز فإن وجهة النظر هذه لنمو الراشدين تشير إلى أن دورة حياة الفرد يمكن أن ننظر إليها عن طريق اتجاهين عامين وهما، اتجاه امتداد أو اتساع النضج، واتجاه تقلص أو انكماش النضج, وقد ينظر إلى مرحلة الحياة الوسطى -في بعض الأحيان- بأنها تعتبر نقطة تحول رئيسية بين هذين الاتجاهين المتناقضين, ويحدد بوهلر Buhler نقطة التحول أثناء فترة تقييم الذات، والتي تقع في مرحلة الذروة أو الأوج في منتصف حياة الشخص "ما بين سن الأربعين وخمسة وأربعين", وجدير بالذكر فإن "كوهلن" لم يوضح نقطة التحول هذه بصورة واضحة، حيث أشار إلى أنها قد تنتج من إشباع دوافع النضج الامتدادي أو الاتساعي المبكر والتي تؤدي إلى ظهور دوافع أخرى، كما أنها قد تنتج عن الفقدان الجسمي أو الاجتماعي أو من الانغلاق في الموقف أو حتى تجاه وجهة النظر المتغيرة الناتجة من أنه قد عاش أكثر من نصف حياته، كما أنها قد تنتج من تفاعل العوامل الاجتماعية والعوامل البيولوجية والعوامل النفسية والتي قد تؤثر على الرجال والنساء، بصور مختلفة، كما تؤثر في الأفراد
следующие страницы →