Полный текст (737 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
ولقد اهتموا كذلك بتأمل وفحص التماثل بين سياق الحياة -التي كشفت عنها دراسة سير الحياة- والسياق البيولوجي للحياة, وتمخضت هذه الدراسات عن كشف خمس مراحل بيولوجية.
١- النمو التقدمي أو التصاعدي، يستمر من الميلاد حتى سن الخامسة عشر.
٢- استمرار النمو، ويتمثل في انبثاق القدرة على التناسل الجنسي وتقع في الفترة ما بين ١٥ سنة، ٢٥ سنة.
٣- ثابت عملية النمو، وتقع ما بين ٢٥ سنة, ٤٥ سنة.
٤- فقدان القدرة على التوالد الجنسي، وتقع ما بين سن ٤٥، ٦٥ سنة.
٥- النمو التقهقري والضعف البيولوجي، ويحدث من سن ٦٥ سنة.
وأشارت "بوهلر وتلاميذها" إلى خمس مراحل للحياة وذلك نتيجة لدراسة أربعمائة سيرة لحياة الأفراد, تتساوق مع تلك المراحل البيولوجية الخمس السابقة وهي.
стр. 457
إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
стр. 458
وجدير بالذكر, أن تلك الأعمار الزمنية المشار إليها في الجدول بمثابة أعمار تقريبية، وتعكس -بصورة جزئية- بعض الأعمار الاجتماعية المرتبطة ببعض الأحداث كالتقاعد أو الإحالة إلى المعاش في سن الستين, ويشير وصف فرنكل Frenkel أحد تلاميذ بوهلر للتدرج النمائي للإنسان كما يلي.
إن الشخص اليافع، بمجرد أن يمر بمرحلة الطفولة، نجده يحاول أن يضع أول تخطيط لحياته، ويتخذ القرارات الأولى في مرحلة المراهقة أو بعدها بقليل, وفي هذا الوقت تبدأ المرحلة الثانية من الخبرة وتتصف بالواقعية, حيث نجده يرغب أن يتفاعل مع الواقع المحيط به، فهو يجرب مع زملائه الآخرين، وأيضًا يستكشف بعض المهن، كما يحدث توسيع وامتداد لمجال شخصيته، كما تتسم اتجاهاته بالاستقرار المؤقت خاصة في تحديد حياته المستقبلية.
وفي نهاية المرحلة الثانية، عادة ما نجد اتجاهات الأفراد أكثر تبلورًا ووضوحًا نحو الحياة، كما نجد الحيوية والنشاط، أثناء المرحلة الثالثة ما تزال في أعلى درجاتها، كما يحدث في هذه الفترة عملية التخصيص والتعيين وبالتالي فإن هذا الوقت عادة ما يكون فترة ذروة بالنسبة للخبرات الشخصية للفرد.
وقد تبدأ الأزمات أثناء الانتقال إلى المرحلة الرابعة، حيث نجد قدرات أو قوى الفرد النامية والمترعرعة تصبح في حالة من حالات التجمد أو التوقف، كما يجب عليه التخلي عن كثير من النشاطات، خاصة تلك التي تعتمد على القوة الجسمية أو المرتبطة بالحاجات البيولوجية، وعلى النقيض من تدهور الجانب البيولوجي والخبرات المرتبطة به، نجد تصاعدًا ذو فعالية لميول جديدة مرتبطة بالجوانب الانتاجية في الحياة.
وفي نهاية المطاف، أثناء المرحلة الخامسة، نجد التقدم في العمر الزمني يرتبط بهواجس الموت، والشكوى من العزلة، وغالبًا ما يكون الفرد منشغلا بالتساؤلات والاستفسارات الدينية, وتتضمن هذه المرحلة الأخيرة خبرات ذات طبيعة استرجاعية وبعض الآراء ووجهات النظر المرتبطة بالمستقبل وعادة ما تكون متمركزة حول اقتراب الموت واسترجاع الحياة السابقة، كما أن استمرار التساوق والتوافق مع الحياة غالبًا ما يكون ضعيفًا أو متوقفًا Frenkel؛ "١٩٣٦".
стр. 459
وبصورة عامة، فإن وجهة النظر السابقة تشير إلى التوازن أو الاتساق بين العمليات البيولوجية للنضج، والتقدم نحو النهاية حيث يحدث اتساع لنطاق العمليات النفسية والاجتماعية، ثم بلوغ الذروة، ثم التقلص أو الانكماش في الأنشطة، والإنجازات، وغالبًا ما يكون العامل البيولوجي في قمة أو طليعة نمو الفرد النفسي والاجتماعي، ويصدق ذلك -بصورة خاصة- عندما يسمح الاعتماد على القدرات العقلية للشخص في الاستمرار أو مواصلة الكم المرتفع من الإنتاجية لعديد من السنوات بعد أن تكون القدرة الجسمية قد بدأت بالفعل في التدهور، وجدير بالذكر فإنه يحدث تباينات وتنوعات فردية هامة، حيث قد يصبح فرد ماذا إنتاجية عالية، أكثر مما يحدث في الفترة الأخيرة من حياته، ويصل إلى مرحلة الذروة النفسية والاجتماعية بعد سنوات عديدة من بلوغه فترة ذروته البيولوجية.
والتعديلات التي أدخلتها، "بوهلر" "١٩٦٨" على نظريتها تشير وتؤكد على عملية صياغة الفرد لأهداف معنية "وبالتالي فإن هذا التتابع النمائي ينظر إليه أيضًا على أنه يعكس وجهات نظر مختلفة في وضع أهداف الفرد للمراحل المختلفة في ذروة حياته، فمثلا إن الأهداف تتخذ صورة الثبات التدريجي أثناء العشرين سنة الأولى من حياة الفرد، والتي تؤدي بالتالي بصورة نموذجية إلى تحقيق الذات أثناء فترة الذروة، كما أن بعض الأفراد الذين يتسمون بالحيوية، قد يعيدوا فحص وتأمل هذه الأهداف ويسعون إلى تحقيق أهداف جديدة أثناء المرحلة الرابعة من حياتهم، وعمومًا تميل الأهداف إلى الاستقرار والثبات بالنسبة لمعظم الأفراد، خاصة في النصف الثاني من الحياة، ولقد أوضحت دراسة كاهلن Kuhlen وجونسون Johnson؛ "١٩٥٢" تبدل الأهداف أثناء السنوات الوسطى لدى مجموعة من مدرسي المدارس العامة، وأوضحا وجود اختلافات جنسية وكذلك اختلافات عمرية، كالحصول على عمل مختلف، أو الترقي في التعليم مثلا.
ويوضح "كوهلن Kuhlen؛ "١٩٦٤" في نظريته لنمو الإنسان فترة الذروة والانكماش بطريقة مختلفة إلى حد ما، حيث يفترض أن دوافع اتساع نطاق النمو "مثل الإنجاز، والسلطة، والابتكار، وتحقيق الذات" عادة ما يهيمن على سلوك الفرد أثناء النصف الأول من حياته، كما أنها يمكن أن تتغير خلال حياة الفرد بسبب إشباعها نسبيًا "كالحاجة إلى النجاح أو الحاجة إلى الجنس"، وكذلك بسبب انتقال الفرد إلى مراكز اجتماعية
стр. 460
جديدة "كأن يصبح أبا أو أمًا أو مديرًا لمؤسسة ... إلخ", ويشير "كاهلن إلى أن التقدم في العمر الزمني يحدث عملية تحول من الإشباعات المباشرة للحاجات إلى نوع آخر من الإشباعات يحصل عليها بطريقة غير مباشرة أو بطريقة بديلة، وعلى ذلك فإن دورة حياة الإنسان من الممكن وصفها بواسطة منحنى الاتساع ومنحنى الانكماش.
ويصبح القلق والخوف -في النصف الثاني من الحياة- أهم مصادر الدافعية في نموذج "كاهلن", وقد يبدأ ذلك في منتصف العمر عندما يشعر الإنسان بانتهاء عملية التوسع أو الامتداد, وتقلص نشاطاته وبالتالي يبدأ في التأثر بالتدهور والفقدان الذي لا يمكن الفكاك منه؛ "كالأمراض الجسمية، وموت الأصدقاء، افتقاد فرص العمل", ولقد أشار "كاهلن" إلى عديد من الدراسات التي أوضحت أنه مع التقدم في العمر يشعر الأفراد بأنهم أقل سعادة كما ينظرون إلى ذواتهم بصورة أكثر سلبية، ويشعرون بفقدان الثقة بأنفسهم ما تتميز هذه المرحلة بازدياد أعراض القلق بين الأشخاص المسنين, ولقد أشارت النتائج أيضًا إلى أن المسنين عادة ما يكون تأثيرهم أضعف على النساء، كما أن المسنين من الطبقات الاقتصادية المرتفعة عادة ما يكون تأثيرهم أقل على النساء من الرجال المسنين في الطبقة الاقتصادية والاجتماعية الأقل.
وبإيجاز فإن وجهة النظر هذه لنمو الراشدين تشير إلى أن دورة حياة الفرد يمكن أن ننظر إليها عن طريق اتجاهين عامين وهما، اتجاه امتداد أو اتساع النضج، واتجاه تقلص أو انكماش النضج, وقد ينظر إلى مرحلة الحياة الوسطى -في بعض الأحيان- بأنها تعتبر نقطة تحول رئيسية بين هذين الاتجاهين المتناقضين, ويحدد بوهلر Buhler نقطة التحول أثناء فترة تقييم الذات، والتي تقع في مرحلة الذروة أو الأوج في منتصف حياة الشخص "ما بين سن الأربعين وخمسة وأربعين", وجدير بالذكر فإن "كوهلن" لم يوضح نقطة التحول هذه بصورة واضحة، حيث أشار إلى أنها قد تنتج من إشباع دوافع النضج الامتدادي أو الاتساعي المبكر والتي تؤدي إلى ظهور دوافع أخرى، كما أنها قد تنتج عن الفقدان الجسمي أو الاجتماعي أو من الانغلاق في الموقف أو حتى تجاه وجهة النظر المتغيرة الناتجة من أنه قد عاش أكثر من نصف حياته، كما أنها قد تنتج من تفاعل العوامل الاجتماعية والعوامل البيولوجية والعوامل النفسية والتي قد تؤثر على الرجال والنساء، بصور مختلفة، كما تؤثر في الأفراد
стр. 461
من الطبقات الاجتماعية والاقتصادية المختلفة بطرق متباينة, والجدير بالذكر فإن "بوهلر" يشير أنه كلما حدث تبدل في الأهداف الموضوعة أو في الدافعية، فإن الإحساس بعدم تحقيق هدف معين يكون أكثر فعالية وأهمية من التدهور البيولوجي والجسمي، في استثارة سوء التكيف والتوافق عند المسنين, ولذلك فإن التعامل مع القلق والخوف أو التهديد عادة ما تكون واضحة -بصورة أكبر- في النصف الثاني من الحياة بينما دوافع النضج واتساع نطاق النمو قد تكون أكثر وضوحًا وبروزًا أثناء النصف الأول من الحياة وعمومًا فإن إحساس الفرد بأنه قد حقق "أو لم يحقق" أهدافه يؤدي به إلى إحساس التكامل والإشباع والعكس بالعكس,
ومن الجدير بالذكر فإنه يجب الإشارة إلى أن كثيرا من جوانب نظرية "بوهلر" ونماذج نظرية كهلن متشابهات بصورة كبيرة مع نتائج الدراسات المعاصرة في النمو التي تناولت فترة الشباب وفترة الرشد الوسطى، وأزمات فترة منتصف العمر.
٢- نظرية بونج لمراحل الحياة:
يجب الإشارة إلى أن وجهة نظر "بوهلر" في مراحل الحياة كانت نتيجة الدراسة التصنيفية والنظامية للسير الشخصية، كما أن مفاهيم "كوهلن" قد اعتمدت على الدراسة الأمبريقية الواسعة، إلا أن وجهة نظر "يونج" لمراحل الحياة قد اعتمدت -بصورة جوهرية- على أعماله الإكلينيكية ونظريته النفسية، فهو يبدأ مناقشته لمراحل الحياة بفترة الشباب، وهي الفترة التي تمتد من بعد المراهقة إلى السنوات الوسطى من الحياة "ما بين ٢٠، ٢٥ سنة", ولقد كان "يونج" مهتما بالمشكلات النفسية، وعلى الرغم من أنه قد يبدو من المستغرب إلا تتضمن نظريته فترة الطفولة، إلا أننا نجده يشير لتفسير ذلك أنه بينما يكون الطفل بمثابة مشكلة لوالديه ومعلميه والأطباء، إلا أنه لا يكون لديه أنماط من الشك وعدم الثقة في ذواتهم, ففترة الشباب تتضمن التخلي عن أحلام الطفولة، والتعامل مع الغريزة الجنسية ومشاعر الدونية، ويحدث في أثناء هذه الفترة اتساع أفق الحياة، كما يحدث التغير الهام الثاني في حياة الفرد تبعًا ليونج فيما بين ٣٥، ٤٠ سنة, ويوضح يونج وجهة نظره بقوله "أن التغير الذي يحدث في تلك الفترة غالبًا لا يكون تغيرًا شعوريًا أو عامًا، ولكنه بالأحرى أمارات وإشارات غير مباشرة والتي تبدو أنها تحدث داخل
стр. 462
اللاشعور وغالبًا ما تصاحب ببعض الأمور كالتغير البطيء في خصائص الفرد، وقد تظهر في ثمة حالات أخرى، سمات معينة تكون قد اختفت منذ فترة الطفولة، أو قد تبدأ ميول ورغبات في الضعف وأن تحل محلها رغبات أخرى جديدة، وكثيرًا ما تبدأ مبادئ الفرد وتحريمات التعلق أو التدلل خاصة المبادئ اللاأخلاقية أو التحريمات الأخلاقية، غير مرنة، كما تنمو بصورة جامدة حتى يشارف الفرد الخمسين من عمره، وبالتالي يعيش الفرد فترة جمود وحساسية مفرطة، وإذا وجدت تلك المبادئ الجامدة عادة ما تعرض الفرد للخطر وبالتالي يكون من الضروري التدخل الإرشادي والعلاجي لهذه الحالات.
ولقد نظر إلى الاضطرابات العصابية أثناء سنوات مرحلة الرشد، كمؤشر لنقل الفرد والمتاعب السيكولوجية من فترة المراهقة إلى سنوات مرحلة الرشد، مثلما تعكس الاضطربات العصابية في فترة الشباب، عدم قدرة الفرد على تجاوز فترة الطفولة وتخطيها, ويشير "يونج" إلى حدوث تغيرات غريبة مميزة وعميقة الجذور لدى المسنين, فقد يوجد الميل عند بعض الأفراد في التغيير إلى النقيض خاصة في الجوانب النفسية فمثلا قد يصبح الرجل المسن أكثر أنثوية, وقد تصبح المرأة المسنة أكثر ذكرية، ويستطرد يونج بقوله إلى وجود عملية تجمد أو عناد داخلي" تقدم وتقوي تقليص أو انكماش نشاطات حياة الفرد, وبصورة عامة فإننا لا نستطيع أن نحيى في خريف العمر تبعًا لنمط حياة فترة شباب العمر، حيث تصبح الأشياء التي كانت مهمة وعظيمة الأشياء التي كانت حقيقة في شباب العمر، ستصبح سرابًا خادعًا في خريف العمر.
وعمومًا يجب أن يكون هناك بعض الأغراض والأهداف في حياة الفرد، تستمر معه حتى السنوات الأخيرة من حياته، كالاهتمام والرعاية بالأطفال الصغار، ولكن ماذا تكون غرض وغاية الحياة بعد تحقيق ذلك؟ هل يكون غرض الحياة هو التنافس مع الشباب كما يحدث في كثير من الأحيان في المجتمع الحديث؟ ويشير يونج في الإجابة على ذلك السؤال المطروح، أننا نجد في المجتمعات البدائية غالبا ما يكون الأشخاص الكبار مصدر الحكمة وحفظة الأسرار والقوانين، حيث يعبر الميراث الثقافي للقبيلة عن ذلك، وعلى النقيض من ذلك نجد كبار السن في المجتمعات المتقدمة حيث يحدث لديهم فقدان الإحساس الواضح بمعنى وغرض الحياة، وبالتالي يتثبتون على مرحلة شبابهم بدلا من الانتقال على مراحل الحياة
стр. 463
التالية، ويشير يونج أن كثيرًا من المسنين يصلون إلى هذه المرحلة النمائية بمطالب غير مشبعة، ولا يستطيعون مقاومة الارتباط بالماضي، ولكن من الضروري أن يكون لهم هدف وغاية لمستقبل أيامهم، ولهذا يشير إلى أن الأديان السماوية عادة ما تقدم الأمل في حياة أخرى بعد الموت، وبالتالي تجعل الإنسان يحيى النصف الثاني من حياته بآمال وأهداف كما هو الحال في النصف الأول من الحياة. ويستطرد يونج بقوله: إن بعض الأفراد بسبب عدم اعتقادهم بوجود حياة بعد الموت، وعلى الأقل في الشك فيها، قد أصبحوا عرضة للقلق والوهن، مثل بعض الشباب الذين لا يستطيعون تطويق الحياة ومعانقتها، وبالتالي فإن الإيجابية تقتضي أن يكتشف الإنسان أن الموت هو غاية الحياة والنهاية الحتمية للإنسان، ويجب بالتالي أن يتحرر من الخوف والذعر منه، ويتخلص من الاعتقاد بأنه شيء غير عادي أو غير صحي يسلب الغرضية والغاية من النصف الآخر من حياة الإنسان، وسنلقي الضوء على ذلك في الفصول الأخيرة من هذا المؤلف إن شاء الله.
ويستطرد يونج بقوله: "إننا عادة ما نرى أن اهتمام الفرد في النصف الثاني من الحياة يتحول إلى صورة أو اتجاه روحي، أو إلى داخل الإنسان ذاته، وهذا التفجير الداخلي قد يساعد الأفراد على التوصل إلى تفهم معنى الحياة، وكمالها وبالتالي يجعل من الممكن بالنسبة لهم تقبل فكرة الموت، وسنرى تفصيل ذلك في الفصل الأخير من هذا المؤلف.
стр. 464
٣- نظرية فرويد للنمو النفسي الجنسي:
منذ أن فجر "فرويد" أفكاره في أن البواعث الجنسية -بالمفهوم الشامل- موجودة منذ الولادة، وبالتالي استمرارية النمو النفسجنسي, حيث وصف المراحل العديدة للنمو النفسي الجنسي باستفاضة وتفصيل كبير في كتابات التحليل النفسي، إلا أنني أود أن أشير إلى بعض الملامح الرئيسية الهامة في النظرية العامة للتحليل النفسي، وذلك قبل إلقاء الضوء على مراحل نظرية "فرويد" في النمو النفسجنسي.
١- إن اللذة الجنسية ليست فقط محدودة بالنشاط الذي يرتبط بصورة مباشرة بالأعضاء التناسلية، حيث توجد مناطق أخرى من الجسم تسمى بالمناطق الشبقية Erogenous Zones. وعند تلقيها للمثير المناسب فإنها بالتالي تعطي الإحساس بالمتعة الجنسية "كالغشاء المخاطي في الفم، وكالشرج".
٢- في كل فترة زمنية من نمو الفرد، نجد أن هناك منطقة واحدة من الجسم تميل إلى أن تحل محل المناطق الأخرى كمصدر للذة، فمن خلال المراحل النمائية السوية المختلفة للكائن البشري، نستطيع أن نرى تتابعًا مرتبًا كلما انتقل الفرد، من منطقة إلى أخرى، وذلك للحصول على غايته الجوهرية وهي اللذة، وجدير بالذكر أن هذا الترتيب متشابه عند جميع الأفراد، إلا أن توقيت ذلك يختلف فيما بينهم.
٣- إن السمات الشخصية للفرد يتأثر تكوينها ونموها بطبيعة تكوينه ونموه النفسي الجنسي، وهكذا فإن فشل الفرد في إحلال منطقة من الجسم المنطقة التالية في التتابع كمصدر للذة سيكون لذلك نتائج هامة على سمات شخصيته عند البلوغ.
وبصفة عامة فإننا نستطيع أن نلقي الضوء على معنى هذه المبادئ العامة، وذلك عن طريق وصف المراحل النفسية الجنسية في ترتيبها العادي من حيث الظهور.
أ- المرحلة الفمية Oral Stage:
لقد أكد "فرويد" أن الطفل يزاول عملية الرضاعة ليس فقط
стр. 465
ليحصل على الغذاء، ولكن لأن عملية الرضاعة لذة في حد ذاتها، ومتعة وفي الحقيقة فإن عملية الرضاعة من صدر الأم، يقال: إن لها سمة جنسية لكل من الطفل الرضيع وأمنه، الجنس إذن بالمعنى الفرويدي الواسع نستطيع أن نتعرف عليه أولا عن طريق الفم وليس الأعضاء التناسلية "وبمعنى آخر إن الجنس يتماثل أو يتطابق مع عملية الرضاعة"، وذلك حتى استثارة أغشية الفم في غياب التغذية، إذ إن الطفل الرضيع سيمتص تقريبًا أي شيء يصل إلى فمه، وبظهور الأسنان والتي تعطي الطفل القدرة على العض حينئذ يمكنه الحصول على اللذة من العض العدواني، وكذا من الامتصاص الحسي.
ب- المرحلة الشرجية:
فيما بين السنة الأولى والسنة الثالثة من حياة الوليد البشري، نجد أن النشاط الفمي يقل في أهميته النسبية نوعًا ما، ويصبح النشاط الشرجي أكبر من حيث الأهمية, ولقد أشار "فرويد" أن الطفل يتمتع بكل من عملية الطرد أو الاستبقاء ما بداخل أحشائه، ويستطرد "فرويد" بقوله إن الناشط الشرجي ممتع بصورة مباشرة، أو ممتع فسيولوجيًا، أي أن استثارة نهايات العصب الحساس في الأمعاء وحول فتحة الشرج تخلق أحاسيس لذيذة لدى الطفل، ولكن النشاط الشرجي يصبح أيضًا مركزًا للتفاعل بين الوالدين والطفل، فمثلا عن طريق تدريب الطفل على عملية التبرز، فإن الوالدين قد يزيدا من حساسية الطفل لهذه المنطقة، وقد يحصل على متعة إما بطرد أو استبقاء البراز وذلك يرجع إلى الاستجابات الوالدية لتدريبات تبرزه, والتبرز بصورة مناسبة ربما يجلب المكافأة وذلك عن طريق الثناء من والديه، أما إذا تبرز في وقت أو مكان غير مناسب "أو لم يتبرز على الإطلاق, فقد يكون ذلك بمثابة إحدى الطرق القليلة التي يعبر بها الطفل عن العداء لهم.
ج- المرحلة القضيبة Phallic Stage:
إن المرحلة الشرجية تمهد الطريق بدورها إلى تقوية الاهتمام بالأعضاء التناسيلة كمصدر أولي للإحساس بالمتعة، حيث إن السنوات ما بين ثلاثة إلى خمس أو ست سنوات لها تأثير في تقوية الإشباع الجنسي عن طريق لمس الطفل لأعضائه التناسلية، إذ إننا نلاحظ خلال هذه الفترة أن الطفل يجد متعة أساسها المداعبة باليد، حيث إنه لم ينضج فسيولوجيًا إلى الحد الذي يجعله قادرًا على الإيفاء بالممارسة للفعل الجنسي مع أفراد
стр. 466
الجنس الآخر, ومع الأهمية المتزايدة في استثارة الأعضاء التناسلية تنشأ ظروف سيكولوجية معينة، حيث إننا يجب الآن أن نضع في الاعتبار ما يسمى بقلق الخصاء, وحقد القضيب، وعقدة أوديب "عشق الابن لوالده من الجنس الآخر".
قلق الخصاء هو خوف الصبي، عندما يكتشف اللذة من الاستمناء Masturbation من أنه قد يفقد قضيبه وذلك باستئصاله عقابا له، إن الوالدين في محاولة منع الصبي من العادة السرية قد يكون عن طريق تخويفه وقد يدرك تحذيراتهم على أنها تحذيرات أو وعود بالخصاء.
والخصاء كإمكانية واقعية تتجسد في عقل الصبي عندما يلاحظ أن البنت ينقصها عضوا للذكورة، ويستنتج أنها قد عوقبت باستئصال أعضائها وربما يحدث ذلك بالنسبة له.
والبنت الصغيرة تبعًا لآراء "فرويد" على عكس ذلك، تتأثر بحسد القضيب وذلك عن طريق ملاحظتها أنها تنقصها مصدر اللذة الذي هو عند الصبي "عضو ذكورته"، ومن ثم فإنها تصبح حاسدة، إنها قد تستنبط أيضًا بأن أعضاءها قد استؤصلت بسبب بعض الأفعال الخاطئة التي أتتها.
وجدير بالذكر أنه إذا ما كون الصبي قلق الخصاء، أو أصيبت البنت بحسد القضيب، فإن سلوكهما قد يتأثر بصورة عميقة.
وخلال المرحلة القضيبية، فإن عقدة أوديب "أو عقدة أليكترا عند البنت" وحل كل منهما، يلعب دورًا جوهريًا في تحديد مجرى التكوين النفسي في المستقبل, هذا المفهوم معقد للغاية، ولكن الفكرة الجوهرية فيها يمكن إيجازها فيما يلي، إن الصبي يميل جنسيًا نحو أمه، وتميل البنت نحو أبيها، وبما أن مزاولة أو تحقيق مثل هذه العلاقات المحرمة من المحال، فإن الطفل يجب أن يتخلى عن الموضوع ويصبح موجه جنسيًا نحو شخصيات غير أبوية، وكيف يعمل الصبي أن يتداول مع مشكلته في هذا المجال، وجدير بالذكر أن هذا الأمر على أهمية كبيرة بالنسبة للنمو النفسي في المستقبل لدى "فرويد".
د- مرحلة الكمون Latency Stage:
مع اقتراب نهاية مرحلة الحضانة تتقلص الدوافع الجنسية في أهميتها تبعًا لوجهة نظر "فرويد" حيث تكبت الدوافع أو البواعث
стр. 467
الشهوانية نحو الوالدين، ويلقي الصبي بنفسه في تنمية مواهبه ومهاراته والتي تكون خالية نسبيا من التورطات الجنسية، ولقد كان اعتقاد "فرويد" أن هذه المرحلة من الكمون هي جزء من نمط بيولوجي فطري، إلا أن الدراسات التالية فشلت في تأكيد هذا الرأي, والواقع أن هناك أدلة تستحق الاعتبار والتي تشير إلى أن قدرًا كبيرًا من حب الاستطلاع والاستكشاف الجنسي تستمر خلال سنوات المدرسة الابتدائية، إلا أننا نرى أن الأطفال يصبحون مهرة جدًا في إخفاء هذا النشاط عن الآباء والمدرسين المعارضين لهذا النشاط.
هـ- المرحلة التناسلية Genital Stage:
بدخول الطفل مرحلة البلوغ، فإنه بذلك يدخل فترة نأمل أن تتوج بتكيف في النضج الجنسي الغيري، والشخص الذي يصل إلى هذه الحالة فقد وصل بتعبير "فرويد" بالتوافق النفسي الجنسي للمرحلة التناسلية، مثل هذا الشخص لا يحصل على الإشباع الأولي من الممارسات الفمية الشرجية، أو الإهاجة الذاتية، وأنه غير مقيد بقلق الخصاء أو بحسد القضيب، وغير قادر على إقامة علاقات جنسية مثلية شاذة وذلك بسبب حل عقدة أوديب أو عقدة ألكترا حيث يصل إلى لذته ومتعته الجنسية العميقة عن طريق المعاشرة الجنسية مع شريكه من الجنس الآخر والتي يحبها ويحترمها.
٤- نظرية أريكسون:
تعتبر نظرية "أريكسون" من أول النظريات التي تتعامل مع ارتقاء الفرد من الطفولة حتى الشيخوخة، وهي نظرية نفسية اجتماعية، ويبني "أريكسون" أفكاره على نظرية "فرويد" في التحليل النفسي ويعتبرها بمثابة حجر الأساس الذي يبني عليه كل ما تقدم في هيكل نظريته الكاملة، حيث يهتم "أريكسون" وكذلك "فرويد" بالعلاقة العاطفية بين الأفراد أكثر مما يهتما بالشخصية كما هي.
إن اضطراب الشخصية يعتبر اختلالا في التوازن اللبيدي في كل أهل المنزل، ومع نضج الطفل يؤثر على الأسرة بقدر ما تؤثر عليه، والمجتمع في حاجة المواليد من أجل استمراره، كما أن الوليد في حاجة للمجتمع من أجل تغذيته, إن الطفل الوليد يشعر بالمجتمع الأول مرة من خلال
стр. 468
جسمه، فالملامسات الجسمية ذات الدلالة هي أولى الأحداث الاجتماعية التي يواجهها الرضيع, وهي تكون بداية الأنماط النفسية لسلوكه الاجتماعي في المستقبل.
وعمومًا فإن نظرية "أريكسون" ركزت على ما يلي:
١- ركز "أريكسون" على منطقة الـ"أنا" Ego التي أشار إليها "فرويد" في نظرية التحليل النفسي أكثر من تركيزه على منطقة الـ"هي" ID، واهتم بصراع الإنسان من أجل الكفاح والسيطرة، ولكنه لم يعط نفس القدر من الاهتمام للغرائز كما فعل "فرويد".
٢- قدم "أريكسون" الطفل في علاقته بوالديه داخل الإطار الأسري، وركز اهتمامه على التفاعل بين أفراد الأسرة، بينما قدم "فرويد" الطفل في إطار واقعية مثلث الطفل, الأم, الأب.
٣- اهتم "أريكسون" بتحديد فرص النمو لدى الفرد لتعينه على التصدي للأزمات النفسية في الحياة، حيث ركز على الحل الناجح لأزمات النمو، وأن كل أزمة سواء كانت نفسية أم شخصية أم اجتماعية تؤدي إلى نضج الفرد في حين اهتم "فرويد" باللاشعور وبالمكبوتات وحذر من التدهور الاجتماعي للفرد إذا ما ترك فريسة للضغوط الداخلية الكامنة في اللاشعور والتي يكون لها دور أساسي في تحديد الأسباب المؤدية للمرض النفسي.
وبذلك يصف أريكسون نظريته في ثمة مراحل متتابعة من مراحل النمو، وتقع المراحل الثلاثة الأخيرة منها في مرحلة الرشد والشيخوخة والمراحل الخمس الأولى هي أساسًا إعادة تشكيل وامتداد لمراحل النمو النفسي، الجنسي لدى فرويد.
غير أن هذه المراحل بالنسبة لأريكسون هي مراحل دائبة الحركة، حيث إن الفرد لا يملك شخصيته أبدًا، بل هو دءوب على إعادة تنمية شخصيته.
ويركز "أريكسون" في كل مرحلة على كلمة حاسة Sense وذلك
стр. 469
لأن الشعور بالإنجاز أي تحقيق إحساس إيجابي بالفعل يعتبر من أهم العوامل الحاسمة لتحقيق مطالب النمو في المراحل التالية.
كما أن مفهوم الأزمة Crisis يلعب دورًا مهمًا في نظريته حيث إن كل مرحلة من مراحل النمو توجد بها فترة أزمة "أي نقطة تحول" Turning Point وهذه النقطة إذا ما تم التعامل معها بنجاح فإن المريض يبرأ ويشفى من سقمه، وبالتالي إذا ما تعامل الوالدان بنجاح مع طفلهما عند هذه النقطة فسيصلون به إلى بر الأمان ويتكون لديه إحساس إيجابي بانجاز مطالب نمو مرحلته التي يعيش فيها ويعمل على تحقيق مطالب النمو للمراحل التالية.
ويمكن اعتبار أن لكل مرحلة أزمة رأسية تنتهي بحل نفسي اجتماعي فردي، وأزمة أفقية تتطلب حلا على المستويين الفردي والاجتماعي لمشكلة القوى الدافعة، كما أن حياة الفرد تتخللها فترات خاصة من الأزمات أو نقطة تحول سواء كانت نقطة التحول في حياتنا أو في نمونا حيث تمر لحظات من التردد واتخاذ القرار في اتجاه النضج والتقدم والتكامل أو النكوص والتأخر.
ولقد استخدم "أريكسون" كلمة ضد Versus أو في مقابل للدلالة على وجود صراع حيوي بين قوتين متضادتين يولد تحديات للأنا لتنشط وتجد حلا ناجحًا مشتركًا لفض هذا الصراع في كل مرحلة من مراحل النمو، وتتولد حركة تصاعدية في معدل نضج الفرد، وهكذا ينتقل الفرد من مرحلة إلى مرحلة أخرى في تسلسل منتظم من النمو.
وقد تناول بعض المتخصصين نظرية "أريكسون" ومراحل النمو فيها باعتبارها نظرية نفسية، اجتماعية، في التحليل النفسي، وتناولها بعضهم مقارنة بمراحل النمو في نظرية "فرويد" للتحليل النفسي كنظرية نفسية جنسية في النمو.
стр. 470
مراحل النمو عند "أريكسون":
أولا: مرحلة المهد "أو الرضاعة" Infancy
الثقة مقابل فقدان الثقة Trust Versus Mistrust:
إن الأطفال الرضع في هذه المرحلة "خلال السنة الأولى من ميلادهم ينمون إحساسات نسبية بالثقة أو عدم الثقة في العالم المحيط بهم ويكون ذلك من خلال الأم حيث تلعب خبراتهم الأولى دورًا حاسمًا في هذه المرحلة، فالطفل يقابل المجتمع بفمه حيث يتلقى ويعطي الحب بفمه من خلال السلوك الانضمامي مع الأم حين تبرز البيئة من خلال ثدي الأم أو زجاجة الرضاعة البديلة، حيث إن الحب والدفء والحنان وبهجة الاعتماد تنتقل إلى الطفل عندما تضمه وتحتضنه أمه، فيشعر الوليد بالدفء والابتسامة العذبة، ويتنامى شعوره بالأمان.
كما يتم اختبار العلاقة بين الطفل وأمه مرة أخرى من خلال مرحلة العض وإحداث الألم مع بداية ظهور أولى الأسنان، والعض على ثدي الأم مما قد يسبب انسحاب الأم، ويتولد لدى الطفل إحساس جديد للإمساك والعض بحدة وبشكل أشد، ورغم ذلك فإن الأم تستجيب له ولاحتياجاته وتقوم برعايته.
ومن هنا، فإن كل نتيجة ناجحة لثقة الطفل بأمه نتيجة لكفاءتها في رعايته تؤدي إلى ثقته بنفسه وبالعالم من حوله، مما يؤدي إلى توليد توقعات أخرى مقبولة لخبرات ثقة جديدة.
ولذلك تكون حاسة الثقة الأساسية لدى الطفل بالتعارض أو مقابل حاسة فقدان الثقة الأساسي، وهي نقطة التحول إلى الفترة الحرجة في مرحلة نموه الأولى، وتقابل هذه المرحلة، المرحلة الفمية Oral Stage عند فرويد، وقد تحدث بعض المشكلات الشخصية لدى الفرد ويكون أساسها هو المرحلة الفمية المصية أو بلغة "أريكسون" مرحلة الإحساس بالثقة التي تكون الأم المؤثر الأساسي فيها.
стр. 471
٢- الطفولة المبكرة, الاستقلال الذاتي مقابل الخجل والشك:
Early Childhood-Autonomy Versus Shame and Doubt:
الأطفال في هذه المرحلة "من ٢-٣ سنوات" يرتقي لديهم النضج العضلي ويصاحب ذلك قدرتهم على الإمساك بالأشياء، وتركها، حيث إن الطفل في هذه المرحلة يتفاعل مع العالم من خلال إمساك الأشياء وإسقاطها، وكذلك أيضًا من خلال عمليات التدريب على التحكم في الإخراج, وتكون بذلك المنطقة الشرجية محورًا لجهود الطفل الجسمية والنفسية والاجتماعية، حيث إن التدريب على الإخراج يعكس العلاقة بين الطفل ووالديه، من حيث كيفية تأسيس القواعد المتفق عليها من الجانبين.
وهذا لا يتأتى من خلال قيام الأم بوظيفتها كما يجب نحو رعاية طفلها وثقتها فيه وموافقتها على الوقت والمكان المناسبين لتصريف فضلات طفلها وتقابل هذه المرحلة الشرجية Anal Stage عند فرويد.
كما أن الطفل في هذه المرحلة يجد صعوبة بالغة إذا وجد داخل حدود معينة محددة لنشاطه، فهو يريد أن يستطلع كل ما حوله بنفسه ويحقق إنجازات جديدة، ولذلك يركز "أريكسون" على النمو السوي للأنا التي تسمح للطفل بإدراك الحياة وتكامل استقلاله الذاتي، حيث إن تدريب الوالدين للطفل على نظام التواليت يؤدي إلى إحساسه بالثقة والسيطرة على النفس والاعتزاز بها دون أدنى فقدان لكرامته وبالتالي ينبع لديه إحساس قوي ودائم بالكبرياء والاستقلال الذاتي، وعلى عكس العجز العضلي والشرجي للطفل الذي يفقده السيطرة على نفسه ويولد لديه إحساسا بالاعتماد المفرط على الوالدين والذي يتبعه إحساس دائم بالخجل والشك.
ولذلك فإن المسئولية تقع على عاتق الأبوين من حيث معرفتهم وفهمهم لحدود نمو طفلهم وما يفترض منه أن يعمله وما لا يعمله لأنه لا يزال قابلا للتشكيل، وكذلك متى يمنحونه الحرية في بعض الجوانب ومتى يتشددون في جوانب أخرى، فينعكس ذلك على إحساس الطفل بالتسامح وتأكيد الذات وأيضًا منحه استقلالا تدريجيًا يؤدي إلى أن يكون نموه أكثر صحة.
ويرتبط إحساس الخجل أيضًا بخبرات الطفل عندما ينتصب واقفا لأول مرة ويجد نفسه صغيرًا، مترددًا بلا قوة في عالم الكبار.
стр. 472
وفي هذه المرحلة يطعم الطفل نفسه ويمشي ويرتدي ملابسه ويفتح الأشياء ويغلقها بمفرده، ويوضح "أريكسون" أن ميلاد طفل جديد على الطفل الموجود في الأسرة يعتبر منافسًا له ويقابله بالغيرة، ولذلك لأن هذا المولود الجديد الدخيل سوف يتطلب قدرًا كبيرًا من رعاية واهتمام الوالدين به، وبخاصة الأم.
٣- سن ما قبل المدرسة, المبادأة مقابل الذنب:
The Preschool Age-Initiatve Versus Guilt:
الأطفال في هذه المرحلة من "٣-٦ سنوات" يمرون بخبرات كثيرة تتعلق بالقابلية للحركة، فيتحركون كثيرًا، ويمشون, ويجرون، ويقفزون وبعض الآباء والأمهات يحدون حركة الأبناء خوفًا من إفساد ترتيب المنزل.
وترتقي اللغة والخيال بالطفل ويتعلم أن يخطط وينفذ ما خططه، ويتحرك من خلال اتجاهاته وأهدافه، فهو الآن يتعرف على الفروق بين الجنسين، ويطرح أسئلة كثيرة وبخاصة للوالدين، ويبدأ في خلالها في فهم الكثير من أسرار الحياة الماضية واللاحقة.
وهذا بالتالي يؤدي إلى توسيع دائرة مجالات أنشطته وخيالاته وخاصة إذا وجد الإجابة على أسئلة لدى الوالدين.
ومن هنا فإن النمو النفسي في هذه المرحلة يتركز على أن منظمات الهو والأنا والأنا العليا تعمل جاهدة على أن يكون هناك توازن متبادل داخل الفرد حتى يصير وحدة نفسية متكاملة، وشخصية لها حقوقها.
وينعكس ذلك على علاقة الطفل بوالديه لأن شعور الطفل النامي يتكون من خلال الأنا العليا للوالدين ومن تراثهما الثقافي الاجتماعي المنبثق من ثقافة المجتمع، وبالتالي ينمي الطفل ضميرًا واتجاهًا والديا يعمل على ملاحظة الذات وتوجيهها وكذلك عقابها حتى يحافظ على اتزانه.
إن ارتقاء الطفل الآن يساعده على القيام بأشياء كثيرة عما كان يقوم به من قبل وبالتالي يتولد لديه إحساس بالإنجازات الحقيقية، وأحيانا يتعرض للحظات يتولد فيها الخوف من الخطر والإحساس بالذنب.
стр. 473
وتقابل هذه المرحلة القضيبية Phallic Stage عند فرويد، وتظهر العقدة الأوديبية على المستوى اللاشعوري من خلال حب الولد لأمه، وكذلك عقدة ألكترا وهي حب البنت لأبيها، ويؤدي حب الطفل لأبيه من الجنس المخالف لأن ينشأ إحساس بالتنافس لدى الطفل مع أحد الوالدين من نفس جنسه، وسرعان ما يخاف الطفل ما تنافس هذا الوالد من أن يفقد حبه فيتوحد به ويتخذه نموذجا للذات العليا أو الذات المثالية محاولا تحقيق طموحات هذا الأب أو هذه الأم.
وكذلك يحتاج الطفل إلى أصدقاء يشتركون معه في التنفيس عن أزمات حياتهم من خلال مختلف الألعاب.
ومن هنا فإن وعي الوالدين وفهمهم لطبيعة نمو أطفالهم في هذه المرحلة يساعدهم على اختيار السلوكيات التربوية السليمة أثناء تنشئة الأبناء وذلك من أجل تحقيق مطالب نموهم "على سبيل المثال لا الحصر تصفية العقدة الأوديبية" كي يجتازوا أزمة هذه المرحلة بنجاح.
٤- سن المدرسة, الاجتهاد مقابل الشعور بالنقص أو الدونية:
The School Age-Industry Versus lnferiorit:
يميل أطفال هذه المرحلة من "٦-١٢" إلى نشاط متزايد نحو بذل أقصى جهد في انتاج أي عمل يقومون به، حيث إن إحساس الطفل بأنه لا يزال طفلا وأنه شخص غير كامل النمو كالكبار وأنه ليس على قدم المساواة معهم يولد لديه إحساس بالنقص.
إن سرعة النمو الجسمي تقل في هذه المرحلة ويعرف الطفل جيدًا حدوده النفسية والاجتماعية "وأنه كائن حي ينمو" والتي يتعامل من خلالها مع واقعه الذي يعيش فيه دون أن يفقد كرامته أو احترامه لذاته لأنه في هذا السن يكون قد تغلب على صراعه مع القوى الأوديبية، وهذه المرحلة تقابل مرحلة الكمون Larency Stage عند فرويد.
ويصل الطفل للنجاح الذي ينشده ويسعى إليه من خلال إحساسه بإجادة وإنجاز أي عمل يؤديه على أكمل وجه، ولا يتأتى ذلك إلا من خلال مسئولية الوالدين نحو تشجيع أبنائهم لإنجاز الأعمال التي يقومون بها وعلى درأ الفشل وتحويله إلى نجاح وإنجاز.
стр. 474
في هذه المرحلة تنتقل حركة اللعب إلى الإحساس بالعمل، حيث إن الطفل كان يلعب خلال نشاطاته ولم يوجه اهتمامه نحو النتائج، أما الآن فإنه يحتاج إلى القيام بالأشياء بشكل جيد حتى ينمي لديه إحساسه بالرضا عن أي عمل يؤديه، وإلا سوف تولد لديه إحساس بالنقص، فالطفل يدرأ الفشل بأي ثمن، فالخوف الكامن لديه من الفشل يؤدي إلى مضاعفة الجهد في العمل من أجل النجاح.
وطالما أن هناك توازنًا متبادلا بين الهو، والأنا، والأنا العليا، عند الطفل، فإنه يستطيع السيطرة الناجحة في حدود سنة على مهام الأنا، فسوف تظل الهو والأنا العليا في أمكان وداخل حدود آمنة.
في هذه المرحلة يميل الجنسان "أي كل من الأولاد والبنات" إلى الانفصال فيما يختص بعادات اللعب، كما أن اللعب يفقد أهميته عند الطفل في نهاية هذه المرحلة، وتتميز هذه المرحلة أيضًا بزيادة قدرة الطفل على الاستدلال والاستنتاج.
ويتخذ عالم الأقران أهمية كبرى بالنسبة للطفل، فهم ضروريون من أجل احترام الذات، وهم المعيار الذي يقيس به الطفل مدى نجاحه أو فشله ومن خلالهم أيضًا يحقق الطفل ذاته خارج نطاق الأسرة.
وباعتبار الوالدين هما المؤثر الأساسي على الطفل، فسلوكيات الإفراط الزائد في التدليل والاعتمادية الكلية عليهم ستتحول إلى الاعتمادية على المدرسة والمؤسسات الاجتماعية التي تساهم في تنشئة الأبناء.
٥- المراهقة الهوية مقابل اختلاط الهوية:
Adolescence-ldentity Versus Role Confusion:
المراهقون والمراهقات في هذه المرحلة من "١٢-١٨" سنة يعملون على إحداث تكامل وتنظيم للخبرات السابقة في شكل كل جديد، ولذلك فهم يتساءلون على أدوار ونشاطات من كانوا يتوحدون معهم ويتخذونهم نماذج يحتذى بها، فهم الآن يحاولون جاهدين القيام بأدوار جديدة، ومن ثم ينمو لديهم إحساس جديد بالهوية الذاتية مع العلم أنه توجد بعض الحالات المبالغة في التوحد "إلى فقدان الهوية" مع بعض الأبطال أو نجوم السينما أو القادة الموجودين في ثقافة المجتمع الذي ينتمي إليه الفرد, إن إحساس الفرد بذاتيته وهويته يساعده في سيطرته على مشكلات الطفولة التي تعرض لها.
стр. 475
وعندما ينضج الطفل تزداد سرعة نموه جسميًا في هذه المرحلة، والتغيرات النضجية الجديدة التي يتعرض لها تؤدي إلى تغيرات نفسية وبيولوجية، وحينئذ فإن ثقته في جسمه وسيطرته على وظائفه تتزعزع لأنه قد حدث خلل في التوازن بين منظمات الـ"هو" والـ"أنا" والـ"أنا العليا" ولذلك يجب على الفرد أن يستعيد هذا التوازن تدريجيًا بإعادة تقييم نفسه وإدماج قوى نفسية جديدة تساعده على إعادة توازنه.
ويطمئن الفرد لتقييمه لنفسه من خلال أقرانه الذين يمرون مثله بحالة تغير مستمر، وكل منهم يبحث عن ذاته وهويته، حيث أن تكرار المراهق لبعض الأشياء أثناء حديثه مع فرد من نفس جنسه "على سبيل المثال لا الحصر فمن الممكن أن يكرر الحديث الذي تم بين اثنين مراهقين أثناء رجوعهم من المدرسة أيضًا في التليفون بمجرد وصول كل فرد منهم إلى منزله وأيضًا اللغة الجديدة التي يبتدعونها بينهم وهي اللغة المخالفة للغة المقبولة في المجتمع الذي يمشون فيه، يعتبر هذا من قبيل وسائل البحث عن الهوية.
وهذه المرحلة تقابل المرحلة التناسلية Genital Stage عند فرويد.
ومن هنا فالعلاقة بين الفرد ووالديه هي علاقة عابرة، فالوالدان لا يدخلان في حياة الفرد في هذه المرحلة إلا بحكم تاريخهما الاجتماعي والنفسي المشترك, وفيما عدا ذلك يظلان هما الكبار الذين لهما أهميتهما في حياة الفرد.
إن الإحساس بالذاتية والهوية يشتمل على قدرة الفرد على إحداث تكامل بين خبراته الماضية واستعداداته ومهاراته التي نمت وكذلك الفرص المختلفة التي يقدمها له المجتمع، والثقافة من أجل الوصول إلى هذا التكامل، ولذلك فصعوبة الانتقال من الطفولة إلى المراهقة ثم إلى الرشد تتأثر بشكل قوي بالقيود والإمكانات المطروحة من قبل المجتمع والوالدين.
ويعاني الفرد في هذه المرحلة من اختلاط واضطراب الأدوار الخاصة بجنسه "هل هو طفل, طفلة, أو ذكر كامل, أنثى كاملة؟ "، وتتألق جاذبيته وهويته أمام الجنس الآخر، ويشعر بالعزلة والفراغ والقلق والتردد.
стр. 476
وله فلسفته وعقيدته الفكرية الخاصة به، ويعتبر مظهره هو مصب اهتمامه.
ومن هنا فإن المسئولية تقع على عاتق الوالدين في مساعدة أبنائهم لتحديد هويتهم وشغل أوقات فراغهم وكيفية اتخاذ القرار والبعد عن العزلة.
٦- الرشد المبكر الألفة مقابل العزلة:
Young Adulthood-Intimacy Versus Isolation:
يرى "أريكسون" أن تحقيق النضج النفسي للأفراد "الشباب البالغ" في هذه المرحلة "١٥-٣٥ سنة" يتطلب نموًا نفسيًا واجتماعيا مستمرًا وخاصة الألفة الاجتماعية مع الجنس الآخر تمهيدًا لاختيار شريك الحياة في العلاقة الزوجية, ليس هذا فقط بل أيضًا تكريس الجهود في اختيار الحياة في العلاقة الزوجية، بل واختيار المهنة المناسبة، فإذا لم تشبع هذه الجهود في الزواج أو اختيار العمل المناسب لقدرات الفرد أدى ذلك إلى أزمة نمو وإحساس بالانعزال في كل من مجالات الحب والعمل.
ففي هذه المرحلة تبلغ قوة هوية الأنا ذروتها النهائية عند التقاء القرينين، بحيث تكون هوية الأنا في أحدهما أكثر تجسيدًا لتكملة الآخر في بعض النقاط الأساسية المشتركة بينهما.
ومن هنا يكون القرينان قادرين على المشاركة معًا والالتزام والانتماء وتكوين علاقات اجتماعية إيجابية مع الآخرين وكذا علاقات حب ومودة بينهما تتوج بالزواج، وبدون مشاعر الالتزام هذه وكذا مشاعر الحب الحميمة بين القرينين يصبح الفرد منعزلا في بقائه أعزبًا وعاجزًا عن الإتيان أو الاحتفاظ بعلاقات إيجابية مع الآخرين لفترة طويلة، وهذه المرحلة تقابل استمرار المرحلة التناسلية عند فرويد Genital Stage Con-tinues.
٧- منتصف العمر, الانتاجية مقابل الركود:
Midle Age-Generativity Versus Stagnation:
يرى "أريكسون" أن التزام الأفراد في هذه المرحلة "منتصف العمر" من "٢٥-٦٠ سنة" بمشاعر الحب الحميمة تساعدهم على تأسيس وحدة
стр. 477
جديدة تقوم على الثقة والألفة المتبادلتين بين القرينين فيشمل ذلك المشاركة في إعداد منزل الزوجية لبدء دورة جديدة من النمو، ولا يتأتى ذلك إلا من خلال المشاركة في تقسيم العمل وتحديد المسئوليات داخل منزل الزوجية المشترك.
كما أن الانتاجية تشمل أيضًا اهتمام الزوجين ورعايتهما لأطفالهما، ولا تتوقف الانتاجية عند هذا الحد، بل تشمل أيضًا الاهتمام بالأفكار والنواتج الأخرى التي أنتجها الزوجان.
الإنتاجية مهمة للزوجين ولنا جميعًا من أجل الاحتفاظ بصحتنا وأفكارنا, وكذلك من أجل مثلنا ومبادئنا، وإذا لم يشترك الزوجان معًا في إعداد منزل الزوجية وفي اتساع دائرة اهتمامهما وإنتاجيتهما معًا سيقعان في براثن الملل والركود، وهذه المرحلة تقابل استمرار المرحلة التناسلية عند فرويد.
٨- السن المتقدم, التكامل مقابل اليأس:
Later Life-Integrity Versus Despair:
في هذه المرحلة من العمر "٦٠ سنة فما فوق" عندما ينجب الراشد ويقوم برعاية الجيل الجديد يكتسب رؤية وإحساسا بالتكامل، حيث يتقبل الراشد دورة الحياة الجديدة والفريدة بما فيها من إيجابيات وسلبيات من انتصارات وهزائم بما فيها من مظاهر تفوق ومظاهر رسوب، إن هذا يفضي ويعكس إحساسًا بالنظام والمعنى لديه وإلى تقبل الذات وتوافقه وتكيفه.
كما إن عدم توصل الراشد إلى درجة مقبولة من تقبل ذاته والتكيف معيًا فاحتمالات سقوطه في براثن اليأس تتزايد، ويشعر في هذا الوقت وتكيفه.
كما أن عدم توصل الراشد إلى درجة مقبولة من تقبل ذاته والتكيف معها، فاحتمالات سقوطه في براثن اليأس تتزايد، ويشعر في هذا الوقت بأن الحياة قصيرة، وينعكس ذلك على خوفه من الموت، ومدى احتقاره ورفضه للقيم وأساليب الحياة الأخرى، وهذه المرحلة أيضًا تقابل استمرار للمرحلة التناسلية عند فرويد.
وتتميز هذه المرحلة النهائية بتزايد وعي المرء بمحدودية الحياة, واقتراب الموت، والعمل الهام الذي يحدث أثناء تلك المرحلة هو تقييم الفرد لحياته ولإنجازاته، وليؤكد الفرد لذاته بأن حياته كانت عبارة عن خبرة أو
стр. 478
مغامرة ماضية أو مجموعة من الأحداث الماضية، وقد يكون ذلك شعور التكامل، ونقيض ذلك يتمثل في الإحساس باليأس والاشمئزاز، وهو الشعور أو الإحساس الوجودي باللامعنى، وإحساس المرء بأن حياته الكاملة كانت مفقودة أو مضيعة، أو يجب أن تكون على نقيض ما كانت عليه، والنضال الديالكتيكي بين هذين الإحساسين المتناقضين يتمثل في وجود التكامل في هذه الفترة، والإنتاج المعرفي، إن الشخص الذي يتسم بالتكامل والاهتمام النشط بالحياة نفسها في مواجهة الموت نفسه، عادة ما يصل إلى تكامل الخبرة وذلك على الرغم من تدهور الوظائف الجسمية والعقلية التي يشعر بها.
٥- بيك, وصقل وتنقيح نظرية "أريكسون":
قد يشار إلى أن المرحلتين الأخيرتين من مراحل نظرية "أريكسون" تتضمنان معظم السنوات الوسطى والأخيرة من دورة حياة الإنسان، وفي هذا المعنى فإنهما يميلان إلى أن يكونا أكثر عمومية في تركيزهما أو اهتماماتهما إذا ما قورنتا بالمراحل السابقة وعلى الرغم من أننا يمكن أن نقسمهما إلى مرحلة مبكرة وأخرى متأخرة بناء على عملية التداخل التي تحدث في كل مرحلة إلا أنهما مع ذلك سطحيتان وعامتان بصورة كبيرة، وهذه الأسباب جعلت بيك Peck يحاول تحديد المؤشرات والدلائل الحاسمة لفترة منتصف العمر وفترة الشيخوخة بصورة أكثر دقة، حيث اقترح سبعة مؤشرات رئيسية في هاتين المرحلتين، وتتمثل في التحديات الآتية:
١- أهمية الحكمة في مقابل أهمية القوة الجسمية.
توجد نقطة تحول أثناء الأربعينات من العمر، حيث يشعر الأفراد الذين يتعلقون بالقوى الجسمية بالإحباط كلما تدهورت هذه القوى إلا أن الأفراد الذين يهتمون باستخدام قدراتهم العقلية كمصدر أولي يبدو أنهم يعيشون بصورة أكثر إيجابية ونجاحًا.
٢- التنشئة الاجتماعية في مقابل الجنسية في العلاقات الإنسانية:
إذا أعيد تقويم الرجال والنساء كأفراد وكأزواج أو رفقاء تبعًا للعامل الجنسي نجدهم أقل فعالية إذا ما قورنوا بالمراحل السابقة، وبالتالي فإن العلاقات الشخصية المتبادلة قد تحدث حينئذ على مستوى أعظم من العمق في الفهم ويحدث تدعيمًا للعلاقات الزوجية خاصة أثناء تلك الفترة التي يترك فيها الأبناء المنزل ويستقلون بأنفسهم.
стр. 479
٣- المرونة النفسية في مقابل الجمود النفسي:
نقصد هنا تبدل أو تغير الانفتاح الانفعالي والعاطفي، فعندما يموت الآباء ويتفرق الأصدقاء، ويستقل الأبناء بذواتهم يمكن للأفراد أن يوسعوا من مجالات اهتماماتهم وفرصهم لتوسيع دائرة أصدقائهم، وأن يحاولوا تكوين علاقات عاطفية جديدة مع أبنائهم.
٤- المرونة العقلية في مقابل الجمود العقلي:
هل يمكن للفرد أن يستمر في الانفتاح والتقبل للخبرات والتفسيرات الجديدة، أم إن خبرات الفرد الماضية تملي عليه مجموعة من القواعد غير المرنة والتي تجعل الفرد متعلقًا في بحثه عن ثمة إجابات جديدة أو مختلفة للمشكلات الحالية.
يشير "بيك" Peck إلى حدوث مؤشرات ثلاثة رئيسية لدى المسنين.
أ- تمييز الأنا في مقابل الاستغراق في دور العمل، وتتمثل المهمة هنا في بناء مجموعة متنوعة من الأنشطة ذات القيمة، وبالتالي فإن في بناء مجموعة متنوعة من الأنشطة ذات القيمة، وبالتالي فإن افتقاد عمل معين "عند الإحالة على المعاش مثلا" أو افتقاد دور معتاد للفرد "كما في حالة استقلال الأبناء" يسمح لأنشطة أخرى هامة بالظهور حيث تمدهم بأحاسيس الرضا والإشباع.
ب- السمو الجسمي في مقابل الانشغال أو الاستغراب الجسمي، عادة ما نجد معظم المسنين يعانون من المرض وبدرجات متزايدة من الألم وعدم الراحة، ومع ذلك نجد بعض الأفراد ما يزال قادرا على الاستمتاع بالحياة بصورة كبيرة، والشعور براحة كبيرة في التفاعل الإنساني أو خلال الأنشطة الابتكارية والتي تؤدي بهم إلى تجاوز الضعف أو التدهور الجسمي للمسنين بمعنى من المعاني.
سمو الأنا في استغراق الأنا:
يحدث ذلك من خلال الأبناء والمساهمات الثقافية والعملية، ومن خلال الأصدقاء حيث تمد الأفراد إلى ما وراء نطاق ومدى حياتهم، والموت يحدث في نهاية المطاف كشيء محتوم متعذر الاجتناب "وقد يدرك كبار السن هذا المعنى لأول مرة في حياتهم" إلا أن بعض الأفراد يرون أن حياتهم كانت حياة مشبعة ويظهر ذلك في مستقبل أسرهم ولأفكارهم أو للأجيال المقبلة للأنواع الإنسانية.
стр. 480
٥- تحليل "ريجل" الديالكتيكي للنمو:
وجهة نظر مختلفة في طبيعة النمو الإنساني قدمت في المنحى الديالكتيكي الذي اقترحه كلوس ريجل Klaus Riegel؛ "١٩٧٦"، فبينما كانت معظم النظريات الأخرى للنمو والتي نوقشت تنظر إلى النمو كانت معظم النظريات من المراحل يتقدم الفرد خلالها، نجد ريجل يركز على العمليات النمائية للتغير، بمعنى أنه بدلا من افتراض أن النمو الإنساني يمكن تفهمه عن طريق دراسة فترات التوازن والاتساق, فقد أشار إلى أننا يمكننا دراسته أيضًا عن طريق التغير واللاتوازن.
ويرفض ريجل تفضيل السمات الثابتة، والقدرات، أو الكفاءات ويرفض كذلك تفضيل التوازن والاتساق أو الاستقرار, غالبًا ما توجد في ثنايا دراسات النمو الإنساني، ويشير ريجل إلى أنه يجب علينا أن نكرس على الأقل تأكيدات ومجهودات متساوية على قضية كيفية حدوث ونشأة المشكلات وكيفية تولد التساؤلات والاستفسارات، ولذلك نجده يركز على دراسة الأفعال والتفسيرات بدلا من دراسة عملية التوازن والاتساق في النمو، ونظر إلى العمليات النمائية بأنها حالة تدفق دائم غير متقطع، بدلا من النظر إليها بأنها عمليات تجريدية مستقرة ساكنة.
كما أنه يوافق على وجهة النظر التي تنادي بأن الكائنات الإنسانية ليست مجرد حزم أو مجموعات ثابتة مستقرة في توازن معين، ولا أنهم مجرد ردود فعل سلبية لميكانزمات شرطية، ولكنهم بالأحرى كائنات متغيرة في عالم متغير، وبالتالي فإن تحليل الوقت والتغير خلال الزمن تبعًا لوجهة نظر ريجل تعتبر شيئًا ضروريًا.
ويشير ريجل إلى وجود أربعة أبعاد رئيسية للنمو الإنساني هي، البعد البيولوجي الداخلي، والبعد السيكولوجي الفردي، والبعد السوسيولوجي الثقافي، والبعد المادي الخارجي.
وهذه الأبعاد تتفاعل باستمرار مع بعضها البعض، ومع عناصر أخرى داخل البعد الواحد، وبالتالي فإن كل منها قد يحدث تغيرًا ويثير مشكلات وتساؤلات ويؤدي إلى تحولات في دورة حياة الإنسان، وحيث إن النمو يتضمن التقدم خلال الزمن، فإننا نجد الفرد ينتقل في وقت واحد على طول هذه الأبعاد الأربعة الرئيسية أثناء دور الحياة، وجوهر المنحى
стр. 481
الديالكتيكي يتمثل في دراسة التزامن الذي يحدث لتلك الأبعاد الأربعة كلما درج الإنسان في مدارج النمو، وفي ذلك يشير ريجل بقوله.
إن التعاقب البيولوجي الداخلي يؤدي بالفرد، إلى الخروج خارج المنزل إلى العمل والزواج والأبوة ومعظم هذه الأحداث سواف تتزامن -بصورة كبيرة- مع التقدم أو التعاقب على طول الأبعاد الأخرى، فمثلا نجد كثيرًا من الأفراد يتزوجون عندما يبلغون درجة كافية من النضج، وعندما تكون إمكاناتهم النفسية تؤهلهم لذلك، ويكونون عازمين عليه، وعندما توجد الظروف الاجتماعية المناسبة فإنها بالتالي تساعد على إحداث ذلك وفي ثمة حالات أخرى قد لا يتحقق مثل هذا التزامن فقد يتزوج الفرد بدون أن يصل إلى مستوى من النضج الكافي، وقد يحقق البعض الآخر مستوى مناسب إلا أنهم يخفقون في إيجاد الشريك المناسب لهم، ولذلك فإننا نجد أن التعاقد البيولوجي الداخلي والبعد الفردي النفسي لا يكونان متزامنان -بصورة دائمة- مع الظروف الثقافية الاجتماعية، أو مع الظروف الخارجية المادية -فعلى سبيل المثال- مع التقاليد والقوانين الخاصة بالزواج، أو نقص الفرص المتاحة للزواج بعد الحرب مثلا.
وبصورة متشابهة، فإن تزامن هذه الأبعاد قد يدرس في تفاعل شخصية أو أكثر، مثل الأسرة أو في العلاقات بين الأفراد والجماعات الاجتماعية، وحتى الكوارث الطبيعية "البعد المادي الخارجي" وقد تنتج وتحدث فوضى لتزامن هذه الأبعاد بالنسبة للأفراد والجماعات والمجتمعات, والتي قد ينظر إلى كل منها بأنها تنمو بمرور الوقت.
وبسبب أن هذا التقدم أو التوازن الرباعي مركب ومعقد بصورة واضحة، كما أن التغير في بعد واحد لا يكون متزامنًا -بصورة دائمة- مع التغيرات التي تحدث في الأبعاد الأخرى، كما أنه عادة ما يوجد درجات من الصراع بين تلك الأبعاد، بالإضافة إلى ذلك فإن التغيرات الرئيسية التي تحدث في أي بعد من هذه الأبعاد سوف تودي إلى مواجهة أو تصادم بين ذلك البعد والأبعاد الأخرى، فإذا أدت تلك المواجهة إلى إعادة تنظيم الأبعاد الأخرى، حينئذ يمكن النظر إليها باعتبارها فترة من التحول النمائي, ولذلك فإن فترة التزامن النسبي عبر الأبعاد الأربعة قد تتبع بتغيرات هامة في واحد أو أكثر من هذه الأبعاد, وهذا يحدث عندما
стр. 482
لا يوجد بين هذه الأبعاد تزامن نسبي، وبالتالي يؤدي ذلك إلى محاولة لإعادة بناء التزامن، وعندما يكون ذلك ممكنا حينئذ تكتمل عملية التحول وبالتالي تكون تلك المرحلة مستقرة، ومهيئة لتحول جديد كلما بدأ بعد من تلك الأبعاد الأربعة المتفاعلة مرة أخرى لإحداث تقدم مع أي من الأبعاد الأربعة، ويوضح ريجل وجهة نظره بقوله.
تحدث التغيرات الحاسمة كلما -حدث صراع بين اثنين من هذه التعاقبات أو التتابعات، أي عندما ينهار الاتساق ولا يحدث التزامن وهذه الظروف المتناقضة تكون أساس التعاقبات النمائية، وتحدث الهضاب المستقرة من التوازن والاتزان والاستقرار عندما تكتمل المهام أو المطالب النمائية أو التاريخية إلا أن تلك المطالب سواء النمائية أو التاريخية لا تكتمل أبدًا.
ففي اللحظة التي يبدو فيها أن الاكتمال قد تحقق حينئذ تنشأ تساؤلات جديدة وشكوك وتساؤلات داخل الفرد وداخل المجتمع، فالكائن الإنساني والمجتمع وحتى الطبيعة الخارجية لا تكون أبدًا في حالة استقرار أو سكون وحتى في حالات اللااستقرار هذه فإنها نادرًا ما تكون في صورة تزامن كامل وعلى الرغم من ذلك فإن هذا التزامن يبقى هو الهدف المأمول، حيث يمكن أن يتحقق فقط من خلال المجهودات الإنسانية المستمرة، حيث لا يوجد اتساق ثابت مكون بصورة قبلية.
ولقد توفي ريجل قبل أن يتمكن من إثبات هذه المفاهيم والأفكار المثيرة إلى ما وراء صياغتها الأولية، وبدأ علماء آخرون في القيام ببعض من الدراسات التمهيدية على هذا التحليل الديالكتيكي للتغير والتزامن الذي يحدث في الأبعاد المتنوعة داخل عملية النمو مثل Daran & Reese؛ "١٩٧٧"، إلا أن هذا المنحى ما يزال في حاجة إلى عديد من الدراسات الأخرى حتى يمكن التأكد منه واعتباره إطارًا مفيدًا في تحليل النمو الإنساني، وعلى أي حال فإن إطار رجيل قد أمدنا بوجهة نظر هامة لدراسة النمو الإنساني بالإضافة إلى إشارته، إلى أن وجهة النظر التقليدية للنمو باعتباره تسلسل من المراحل قد يكون غير مناسب لتفهم الطبيعة المركبة لعمليات النمو، خاصة أثناء مرحلة الرشد.
стр. 483
بعض مشكلات النمو ووسائل مواجهتها:
تشير منتسوري بأن صفحة التاريخ التي تسرد قصة مآثر الإنسان بوصفه عقلا مفكرًا جديرة بأن تفتح وتقرأ، فهي صفحة تحكي قصة الطفل في مواجهته ما يحفل به عالمه عادة من متناقضات ومقدار ما يتعرض له من هيمنة من جانب الكبار الذين يحرصون على تربيته وتوجيهه ولكنهم لا يفهمونه في معظم الأحيان.
وينطوي رأي منتسوري على جانبين لهما أثرهما الأكبر في حياة الطفل هما:
١- الصراع الحاصل بين دوافع الفرد وبين البيئة التي تضم هذا الفرد، وهذا يقتضي أن يعمل الفرد على إخضاع دوافعه ونوازعه لمتطلبات البيئة المحيطة به، وهذا الصراع ميسور حاله في الغالب, إذ ليس من المتعذر الكشف عما يدفع الفرد وهو في طور النمو من أسباب مقلقة تحمله مع محاولة تجاوز حدود البيئة المرسومة اجتماعيًا.
٢- ولكن هناك ما هو أعمق مما سبق، ويتمثل في ذكرايات الطفولة التي لا تمثل الصراع بين الإنسان وبيئته الاجتماعية الراهنة التي يعيش فيها فحسب، وإنما هي ذكريات تنطوي على جوانب الصراع بين رغبات الطفل وروادع الراشدين بوجه عام, وأقربهم إليه الأبوان أول الأمر. وهذا معناه أن الضرورة تقتضي بأن يتسع نطاق النظرة إلى الطفل وجعلها تشمل آفاقا أرحب تتناول حياة الإنسان ككل، الإنسان في واقعه الذي يحياه مع التركيز في الوقت ذاته على الحياة النفسية للطفل، وذلك لأن المشكلة إنما تتناول حياة الإنسان ككل، الإنسان في واقعه الذي يحياه، مع التركيز في الوقت ذاته على الحياة النفسية للطفل وذلك لأن المشكلة إنما تتناول حياة الفرد ابتداء منذ الولادة، بيد أن هذا لا يعني وضع حد لمشكلات الطفولة فهي قائمة وما أكثرها وجدير بالراشدين ألا يندهشوا أو يصمدوا حينما يرون بعضها متمثلة في سلوك بعض الأطفال، فهي مشكلات قد ترجع إلى الخصائص العامة للنمو، ومنها ما ينم عن لون من ألوان الانحراف النفسي الذي يجب العمل على تفاديه قبل استشرائه.
ويجب على الراشدين من حول الطفل والمراهق أن يميزوا بين ما هو
стр. 484
من عداد الأمور الاعتيادية في حياة الطفل أو المراهق، وبين ما هو انحراف يستدعي العلاج، والمسألة قد لا تخلو من صعوبة تذكر في كثير من الأحيان، ولا يمكن الإشارة إلى جميع الاحتمالات التي تظهر في حياة الطفل من الناحية الجسمية أو النفسية ولكن يمكن الإشارة هنا إلى بعض من تلك المشكلات التي تجابه الآباء والمدرسين في نمو أطفالهم ومراهقيهم، وكيف يمكنهم التعامل مع هذه المشكلات، وإن كنا سوف نشير إلى مشكلات النمو في كل مرحلة على حدة، فليس معنى ذلك انفصالهما في الواقع، فالشخصية الإنسانية كما تعلم توضع اللبنات الأولى لها في فترة الطفولة, وما يؤثر في الطفولة يؤثر بالتالي على جميع فترات النمو نجد أن النمو الإنساني يتسم بالاستمرارية فكثير من مشكلات الطفولة نجد لها امتدادًا في فترة المراهقة والرشد، بالإضافة إلى المشكلات التي تظهر لمقتضيات النمو في كل مرحلة.
أولا: بعض مشكلات النمو في فترة الطفولة
١- التغذية Feeding:
إن عادات الأكل والنوم والإخراج متصلة مباشرة برفاهة الطفل البدنية, فإذا درب على هذه العادات تدريبا صحيحًا في الوقت المناسب حق لنا أن نوقن بأن الأساس الذي تقوم عليه الصحة العقلية والبدنية قد تم وضعه، فتلك هي أولى العادات التي تتطلب الانتباه, ذلك لأنه في هذه العمليات الفسيولوجية البسيطة تقع الأخطاء المبدئية في تربية الطفل، إما بإهمال أهميتها إهمالا مطلقًا أو بالمبالغة في الاضطراب والقلق من ناحية الصعوبات التي تنجم عنها.
وتشير الأبحاث السيكولوجية إلى أن كثيرًا من العادات المرزولة ومن اعوجاج الشخصية التي كثيرًا ما نشاهدها في مطلق المراهقة وثيق الصلة في بدايته بالعجز عن إجادة هذه العادات الأساسية الثلاثة وهي: الأكل, النوم, الإخراج، والتي تتصل اتصالا مباشرًا بحياة الطفل العضوية, ولذلك يجب أن يعنى الآباء بهذه العادات عناية دقيقة.
ومن أولى المصاعب التي تواجه الأم صعوبة مزدوجة هي تقديم الغذاء الملائم للطفل حديث الولادة، وعونه على تكوين عادات حسنة لتناول هذه الغذاء في خير الأوقات حتى تكون أكثر توافقًا مع حاجاته البدنية.
стр. 485
وليس هناك في الجسم عضو واحد يتأثر تأثرًا مباشرًا بالانفعال أكثر من تأثر القناة الهضمية المعدية به, فالطفل إذا غضب أو استشعر الوحدة، أو اشتد انفعاله في اللعب أو الخوف لا يستطيع أن يهضم الطعام أو يتمثله,
لهذا يجب أن ينظر الوالدان إلى كافة هذه العوامل، إذ لا يمكن ضمان الصحة العقلية والبدنية للطفل إذا أثار أي اضطراب في تناول الطعام سواء بالكلام أو بالفعل، فكثيرًا ما تجذب انفعالات الآباء، واضطرابهم انتباه الطفل إلى قيمة نفسه، وتبعث عنده شعورًا لذيذًا بالقوة وتوحي له أن ساعة تناول الطعام فرصة سائحة لاجتذاب الانتباه إليه والاهتمام بأمره.
وتحل مشكلة الطعام عند الأمهات إلى نظرنا إلى الأسس الآتية.
أ- كمية الطعام التي يتناولها الصغير.
ب- الطريقة والميعاد التي يتناول بها طعامه.
ج- قدر ما يبذله الوالدان من الطاقة والجهد في دفع الطفل إلى تناول الغذاء الكافي له، فإذا عرفنا أن بالطفل نزعات نحو القوة والظهور، وأن الأساليب التي يشبع بها تلك الميول ساذجة محدودة لم يكن مما يبعث عن العجب أن نرى الصغار يلجئون إلى هذه الطرق لفرض أنفسهم علينا، وقد يغيب عن الأم تماما أن ابنها الصغير عندما يأكل أو يرفض الأكل مثلا يستطيع بذلك أن يسيطر على جانب كبير من نشاطها لكنه مع ذلك يشعر بقوته وسطوته ويحس بما تبعثه هذه القوة في نفسه من رضا.
وليس من أمر أكبر أهمية من تكوين العادات الحسنة في تناول الطعام من الحالة العقلية للطفل, لهذا ينبغي أن نبذل كل جهد لبعث الهدوء، والسرور في نفسه وصرفه عن أي أمر آخر غير الطعام.
ومن الخير قبل أن يتم تكوين آداب المائدة تكوينا طيبًا أن يأكل الطفل وحيدًا حتى يستطيع بدون حضور جمع من المهتمين به أن يتعلم كيف يتناول الطعام بنفسه، فإذا سكبه أو نثر جانب منه هنا وهناك أثناء تعلمه هذا، لم يكن في ذلك ضرر كبير.
стр. 486
فإذا لم يستطع الصغير لسبب ما أن يتناول ما أمامه من طعام أو رفض تناوله فلا ينبغي إرغامه أو التحدث مع الأمر مع الآخرين في حضوره.
ومن الخير أن يعرف الصغير أنه إذا تعلم كيف يأكل بهدوء وعلى منوال لائق أمكنه أن يجلس مع الكبار على المائدة، فقد يدفعه ذلك إلى الجهاد في سبيل إتقان آداب المائدة.
ومن اللازم بالطبع أن يكون طعام الصغير بسيطًا مغذيًا سهل الهضم وأن يقدم إليه بكميات صغيرة، والانتظام في تقديم الطعام للطفل أمر عظيم الأهمية لا للأسباب الفسيولوجية فحسب، بل لأسباب أخرى تتعلق بميعاد الطعام إذا أكل كان أو لا.
كذلك ينبغي ألا نستعجل الطفل أثناء الطعام ولا نترك له من الوقت ما يشجعه على العبث به إذ لا تتطلب أي وجبة عادية من الطفل أكثر من نصف ساعة في الغالب، فإذا لم ينته منه خلال ذلك فليؤخذ الطعام من أمامه دون أي تعليق وليصرف عن المائدة.
ولنتذكر مرة أخرى أن وقت الطعام لا ينبغي أن يكون فرصة ينتهزها الطفل للظهور بمظهر الفرد ذي الأهمية الممتازة.
٢- النوم Sleeping:
يذكر لنا هولت هوفلاند Holf, A. Howland أن النوم أهم ما يشغل الطفل خلال شهور السنة الأولى إذ يبلغ ذلك من عشرين إلى اثنين وعشرين ساعة في اليوم الواحد, ولا يصحو إلا بتأثير الجموع أو عدم الراحة أو الألم، وعند نهاية الأشهر الستة قد ينقص ساعات النوم الفعلية إلى ست عشرة ساعة أو أقل ويكون، هذا النقص تدريجيًا حتى سن الرابعة ويرجع أن تكون اثنا عشر ساعة كافية للإبقاء على صحته البدنية.
وعمومًا تتصل عادات النوم الطيبة بصلة وثيقة بانتظام التغذية واضطربات النوم أو التغذية كفيل بأن يبعث الاضطراب في الآخر.
ويذكر لنا هولت Holt أنه ينبغي البدء بغرس عادات النوم الطيبة
стр. 487
منذ المولد، إذ ينبغي أن يألف الطفل منذ مطلع حياته أن يوضع في مهده أثناء صحوة وأن ينام دون أن يعينه أحد على ذلك، ولا ضرورة إلى أرجحته أو إلى غرس عادات أخرى من هذا النوع؛ لأن في هذا أذى له، كما لا ينبغي أن يترك الطفل ينام على ثدي مرضعته، أو بحمله الزجاجة في فمه، مما يؤذي الطفل إيذاء لا شك فيه كل الطرق الأخرى لبعثه إلى النوم كإعطائه حلمة من المطاط لمصها، ذلك لأننا إذا لجأنا إلى مثل هذه الوسائل تعود الطفل ألا ينام بدونها.
ويلزم أن نضيف أمرًا آخرًا، هو أنه لا بد من أن يثبت في ذهن الطفل أن فترة النوم هي الوقت الذي ينبغي أن يبقى فيه وحيدا وأن وجود من يصاحبه أو يسليه كالكتب والألعاب لا يتفق والنوم، وأنه لا يستطع الحصول على هذه الأشياء إذا لجأ إلى الصياح والعويل.
ويخشى كثرة من الأطفال من حين إلى حين خلال سنواتهم الأولى إذا خرج أهلهم أن يتركوهم وحدهم نائمين ثم لا يعودون، أو أن يتخلصوا منهم، وتزيد تلك الأشكال من الخداع, هذا النوع من الخوف الذي يتردد في نفوس الأطفال، فإن كان من اللازم أن يخرج الوالدان من المنزل بعد أن ينام الطفل فمن الخير أن يلتزمًا الأمانة في إخباره بما سوف يحدث.
وينبغي القول بأن الاحتياطات الزائدة التي يتخذها كثير من الآباء لتهيئة أحسن الظروف للطفل، قد تكون في نفسها العامل الأساسي الذي يسبب زيادة حساسيته وشدة إرهابها في مقتبل حياته.
وعمومًا ينبغي أن ينام الطفل وحيدًا بعد السنة الثانية من عمره كلما أمكن ذلك، ولا يسمح لطفلين بالنوم سويًا إلا إذا كان من جنس واحد، ويجب أن تعتبر القيلولة جزء مهم في دستور نوم الطفل، حتى سن الخامسة وإلى ما بعدها، إذا أمكن الإبقاء عليها ذلك لأن التعب من أهم العوامل التي تسبب الأعراض العصابية في الأطفال، فالطفل المتعب يغلب عليه أن يكون كثير الغضب والسخط كثير التأفف من الطعام، وقليل الرضا بوجه عام.
جملة القول أن النوم أمر لا يمكن إيفاؤه حقه ذلك لأن عمل أجهزة
стр. 488
البدن المختلفة وما نسميه بحالة الصحة وما فيها من جلاء العقل واتزان الانفعالات يمكن أن تضطرب جميعها إذا اضطرب نوم المرء، ولو غرسنا في نفوس أطفالنا ما ينبغي من العادات الطيبة في صدر حياتهم لأمكن أن نجنبهم بذلك كثيرا من الاضطرابات والقلق والهلع الذي يرتبط بالأرق في حياتهم المقبلة.
٣- التبول اللاإرادي Enuresis:
تكمن قدرة الطفل على التحكم في عملية التبول النهاري في الشهر الثامن عشر أما عملية التبول الليلي فيتم عادة التحكم فيها في المدة التي تقع بين منتصف العام الثالث ونهايته "٢.٥: ٣ سنوات".
هذا هو التطور الطبيعي لعملية التبول في الطفل العادي، إلا أننا نلاحظ في بعض الحالات أن الطفل يتعذر عليه التحكم في عملية التبول حتى سن كبيرة، تصل أحيانًا إلى السابعة أو الثامنة، وقد تمتد أحيانًا إلى ما بعد ذلك.
ولقد أشار هولت Holt أن البول في أكثر الحالات ما هو إلا عادة متصلة على الأغلب بعادات أخرى تدل على أن بجهاز الطفل العصبي عدم استقرار أو حساسية بالغة.
وعمومًا، نجد أن إصابة الطفل بالتبول اللاإرادي، يتضافر فيها، عاملان.
أ- عامل استعدادي، يتصل بالتكوين العضوي أو الوظيفي للجهاز البولي.
ب- عامل نفسي، ينشأ بسب البيئة وما فيها من خبرات مؤلمة واضطرابات انفعالية حادة.
ونجد أن كثيرًا من الآباء يميلون إلى اتخاذ خبراتهم التي يذكرونها عن أيام طفولتهم هاديًا يرشدهم إلى ما ينبغي أن ينتظروه من آبنائهم.
وعمومًا إذا تخطى الطفل سن الثالثة دون أن يتعود الاحتفاظ بجفاف ملابسه كان هذا أمر يستدعي الاهتمام حقًا، ولا بد حينذاك من
стр. 489
أن يوضع له نظام يستبعد أي إسراف في التوتر العقلي كلما أمكن ذلك، كما يلزم أن تحدد ساعات معينة لنوم الطفل ويقظته.
وأولى خطوات العلاج وأهمها هو بعث الطفل إلى العمل على التخلص من هذه العادات، ولا يمكن إطلاقًا أن يؤدي العقاب إلى تكوين هذا الموقف بل ينبغي أن نعرض المشكلة على الطفل باعتباره أمرًا يمكن تحقيقه وفي وسعه القيام به، إما إذلاله فلا ينفع في شيء ولا يساعده البتة في القضاء على تلك العادة، بالإضافة إلى أن الكبار يستطيعون مساعدة الطفل باللين والإقناع وأيضًا في استبعاد كثرة السوائل وملاحظة الطفل ليلا وإيقاظه إن لزم الأمر، وأن ينبهونه إلى الذهاب إلى دورة المياه.
ويجب دراسة كل حالة من الحالات بمفردها وأن يقوم بهذه الدراسة شخص يجيد معرفة حياة الأطفال العقلية والنفسية، كما ينبغي ألا يغيب عن أذهاننا أن هذه العادة قد ترجع إلى ضعف كامن في الجهاز البولي، فلا بد من عرض الطفل على أخصائي لمعرفة سبب هذه الظاهرة عند الأطفال.
٤- مص الأصابع وقضم الأظافر:
مص الأصابع من أكثر العادات شيوعًا بين الأطفال وهي عادة تنتج عن سلسلة محكمة التنظيم من الحركات العضلية، وينفع الطفل نفعًا كبيرًا في مطلع حياته، كما أنها رد فعل طبيعي غريزي، والفرق الوحيد بين مص الطفل لثدي أمه ومصه لأصابع يديه أو قدميه هو أن الفعل الأول مفيد لذيذ معًا, بينما الثاني على لذته لا منفعة فيه، بل هو يؤدي أحيانًا إلى تشويه الفك أو الأصابع.
وقد يبدأ مص الأصابع أو أي جزء آخر من أجزاء البدن منذ الميلاد، وقد يبقى حتى الخامس أو السادسة من العمر، وتقل هذه العادة تسببًا بعد السابعة، فإذا أعملنا جهدنا للقضاء على هذه العادات السيئة ويجب أن نذكر أن سوءها يرجع أكثره إلى اعتبارها منافية لآداب اللياقة، كريهة المنظر, فإذا أردنا القضاء عليها كانت أولى الخطوات وأهمها أن يتخذ الوالدان موقفًا معقولا بإزاء هذه العادة، وعمومًا فإن الآباء والأمهات خاصة أكثر تعرضًا للإسراف في النفور من هذه العادات والخجل من وجودها في أبنائهم، وهم يأخذون المشكلة على منوال شخصي جدًا.
стр. 490
وكثيرًا ما يسألك الناس عما إذا كان مص الأصابع لا يؤدي إلى بعض الانحراف الجنسي أو هو دلالة على الانحلال الخلقي، وكل ما يمكن أن نجيب به هو أنه إذا كان مص الأصابع دلالة على الرغبات الجنسية فلنعتبر هرش الرأس وتنظيف الأنف من هذا القبيل كذلك، وأنه إذا سلمنا بهذه النظرية وجب أن يكون إدراكنا للنشاط الجنسي مباينا تمام التباين للرأي والذي يقول به أكثر الناس ذكاء ورجاحة في الوقت الحاضر.
وهذه العادات عامة الشيوع بين الأطفال والمألوف أن تكون أمورًا عابرة مؤقتة، لا تستقر في شخصية الفرد، ومع هذا ينبغي أن نذكر أنه إذا لم يمكن التخلص منها واستمرت ممارستها بعد السن التي توجد فيها عادة، كانت دلالة تثبت أن نمو الطفل قد توقف إذ هي ليست إلا أعراض للفجاجة العقلية أو الوجدانية.
فإذا ظهرت عادة المص أمكن أن ينفع المنع الجزئي الموقف نفعًا كبيرًا في اقتلاعها، فإن استعمال سوار عادي من القماش بالنشا إذا ربط ربطًا محكمًا حول الكوع يمنع الطفل من ثني ذراعه ووضع أصابعه في فمه.
وهناك طريقة أخرى للعلاج عنيفة إلى حد ما وهي تلويث أصابع الطفل بأي دواء كريه الطعم، إلا أنه إذا أقنعنا الطفل وخلقنا فيه الرغبة في التغلب على العادة الكريهة التي يقوم بها قيامًا لا شعوريًا أمكن أن تكون النتيجة مرضية ناجحة.
ومع هذا، فإن هذه العادة عند الأطفال العصابيين ليست سوى عرض من الأعراض العامة في هذه الأحوال ننصح بعدم استخدام أية طريقة من طرق المنع لأنها تؤدي إلى مقاومة بدنية، كما أن العصيان العقلي الذي يثور بنفس الطفل يزيد من اضطرابه العصبي العام، الذي ينبغي أن ينصرف إليه اهتمامنا قبل أي شيء آخر.
وقلة حنان الأم على أولادها أيضًا قد يؤدي إلى ظهور مثل هذه العادات ويبدو أنه من الحكمة عند ظهور هذه الخلفة أول الأمر أن نقلل من أهميتها ما أمكن ذلك بأن نعمل على ألا يجني الطفل شيئًا باتخاذه هذا السلوك بل أن ندبر الأمر حتى يؤدي إلى إيقاع الخسارة به، وأهم من هذا كله ألا نناقش مسلكه البتة على محضر منه.
стр. 491
وليس من الحكمة في شيء أن نغزي الطفل ونرشوه حتى يقلع عن إحدى العادات، لأنه سرعان ما يفسر تلك الطرق على أنها دلالة على ضعف والديه في استغلال ما يلمسه من قلقهما عليه ومع هذا فإنه يحق لنا على الدوام أن نلجأ إلى الطفل في صراحة وأمانة.
وهناك من الأطفال من يبتغي السلوى من ذلك فعندما تسوء الصلات بين الطفل والدنيا التي يعيش فيها، والمشكلة هنا ليست مشكلة أساسية إذ هي ليست سوى عرض من أعراض حالة عقلية ينبغي دراستها دراسة عميقة.
عمومًا يجب ألا نبالغ في أهمية هذه العادة؛ لأن الطفل سيستمد من هذا الأمر جانبا من الرضا اللاشعوري، ثم سرعان ما يعرف كيف يستغل هذا الاهتمام بأمره، وأشد ما يقوي العادة في الطفل تكرار نهيه عنها، وهذا أقرب طريق لدفعه إلى العناد والمقاومة ومما يستلزم كثيرًا من المهارة واللباقة قدرًا كبيرًا من حسن الفهم والتصرف أن نلتمس الطرق والوسائل للقضاء على هذه المشاكل بطريق غير مباشر أي بتحويل نشاط الطفل إلى سبل إخرى دون إدراك منه لذلك، فإذا أحسنا اختيار تلك السبل فسرعان ما تحل الميول الجديدة محل القيمة، وسرعان ما تختفي هذه العادة.
٥- السلوك العدواني Aggressive Behavior:
لعل السلوك العدواني لدى الأطفال هو إحدى المشكلات الأساسية التي تؤدي إلى إصابة الوالدين في المنزل بالضيق والانزعاج.
ففي دراسة كورنر Koener؛ "١٩٤٩" لعشرين طفلا تتراوح أعمارهم بين الرابعة والسادسة في إحدى دور الحضانة، ما يدل على العلاقة القائمة بين سلوك العدوان للأطفال من ناحية وما ينالونه من محبة وعطف من والديهم من ناحية أخرى، إلا أن النتائج كانت تشير بوجه عام إلى أن الأطفال الذين كانوا يحظون بكافيتهم من محبة الوالدين وعطفهما كانوا يعبرون عن عدوانهم تعبيرًا قويًا في مواقف اللعب، وتعبيرًا واقعيًا في مواقف الحياة الحقيقية، وقد فسرت هذه النتيجة بأن هؤلاء الأطفال إنما عمدوا إلى كبت عدوانهم إزاء مواقف الحياة احتفاظًا بمحبة والديهم، ولكنهم لم يجدوا بأسًا من التعبير عن هذه الميول العدوانية وتفريغها في
стр. 492
مواقف اللعب، بينما تبين أن الأطفال الذين حرموا هذه المحبة الوالدية كان البعض منهم على العكس, ذا ميول عدوانية قوية إزاء مواقف الحياة وميول عدوانية ضعيفة، إزاء مواقف اللعب كما كان البعض الآخر ذوي ميول عدائية قوية إزاء جميع المواقف، وهذا معناه أن ما تعرض له هؤلاء الأطفال من حرمان وإعاقة أدى إلى نشأة العدوان لديهم في استجاباتهم لمختلف المواقف على السواء أو لمواقف الحياة الواقعية تعبيرًا عن سخطهم وضجرهم.
والأم أهم مصادر الإعاقة وما يؤدي إليه من عدوان لدى الأطفال فهي التي تتولى حماية الطفل وإبعاده عن الأخطار، كما أنها تتولى عملية تشكيله اجتماعيًا وما تتضمنه هذه العملية من أمر ونهي.
ومجمل القول أن عدوان الطفل ينبغي ألا ينظر إليه نظرة إلى أمر غير مرغوب فيه على الأطلاق، بل إنه أمر ضروري لازم، وإن كان يحتاج إلى قدر من الضبط والتوجيه والإحاطة بالمحبة والرعاية.
٦- السلوك الانسحابي:
السلوك الانسحابي مشكلة أبلغ خطرًا من مشكلة السلوك العدواني، فالطفل قد يعمد إلى الانزواء والانطواء والسلبية، بدلا من العدوان والفاعلية والنشاط، ودرجة الخطر هنا أن الطفل الذي يتسم بطابع الانطواء والسلبية قد ينال من البيئة التي يعيش فيها القبول والتشجيع على اعتبار أن الانطواء طاعة وامتثال وأن العدوان انحراف وتمرد ولذلك فإن بذور هذا السلوك حينما تجد لها منبتًا في هذه المرحلة من النمو يسهل عليها بعد ذلك أن تنمو وتفصح عن نفسها في شخصية غير سوية في المستقبل.
والسلوك الانسحابي يرجع أصلا إلى سوء التكيف بين الطفل والبيئة التي يعيش فيها، وعدم كفاية إمكانيات البيئة في إشباع الحاجات النفسية للطفل مما يؤدي إلى أن يكون للطفل عالمه الخاص الذي يقيمه في خياله ويشتق منه إشباعًا لا يتوفر له في العالم الواقعي.
ولكي نجنب الطفل أن يقوم بهذا السلوك المنحرف، علينا أن نعنى بإشباع حاجاته من المحبة والتقدير والاحترام وأن نعنى بتعرف إمكانياته
стр. 493
وحدودها حتى لا نتوقع منه إلا ما هو في هذه الحدود وأن نقلل ما أمكننا من قيوده، وأن نتيح له قدرًا كافيًا من الحرية، وأخيرًا ألا نضيق بسلوكه العدواني إطلاقًا، بل نتيح له متنفسًا ملائمًا من التوجيه والرعاية.
٧- الانحرافات السلوكية:
يتعرض بعض الأبناء إلى نوعين من المشكلات تبدو أعراضهما على شكل سلوك مضاد للمجتمع بما في ذلك السلوك الخارج على القانون ومن أهم مظاهر هذه الانحرافات ما يلي.
أ- جرائم الأحداث، كالسرقة والنشل.
ب- وهناك بجانب ذلك انحرافات أقل خطورة، كالهروب من المنزل والمدرسة والتشرد والكذب والتخريب والتمرد.
ويطلق على مظاهر الانحرافات السابقة بقسميها الاصطلاح "جناح الأحداث" وسنأخذ بعض الأمثلة التوضيحية للانحراف، وما يجب أن نسلكه تجاه هذا النمط السلوكي لدى أولادنا.
أ- السرقة:
الأمانة أمر مكتسب ولا يورث، فالطفل إذا لم يدرب في محيط العائلة على التفرقة بين ما يخصه وما يخص غيره، كان من الصعب أن نتوقع منه أن يكون أكثرًا تمييزًا بين ما يحق له وما لا يحق خارج المنزل، على أنه ينبغي ألا نغفل ذلك الميل الطبيعي الذي يدفع الطفل إلى عدم الاكتراث بحقوق الآخرين فيما يملكون.
وينبغي أن يدرك الطفل منذ أول فرصة ممكنة ما نعنيه ببعض المعايير الاجتماعية مثل "الأمانة" وليس أجدى من تحقيق هذا من احترام حقوق الطفل فيما يمتلك من أدوات خاصة ومن تخويله حق التصرف المشروع في ذلك ما استطعنا إلى ذلك سبيلا ولا ينبغي أن نتصرف في شيء من ممتلكات الطفل الخاصة دون رضاه وموافقته.
وعمومًا يعتمد الأطفال على البيئة التي يعيشون فيها في تكوين موقفهم الخلقي بإزاء الحياة قدر اعتمادهم عليها في اللغة التي يتكلمونها أو الملابس التي يتخذونها، وإذا نحن ذكرنا أن كل نزعات الطفل الأساسية
стр. 494
في مطلع حياته تنحو نحو إشباع رغباته أي أنه يسعى في الحصول على اللذة والقوة والمكانة، إذا نحن تذكرنا ذلك لزم أن نتوقع منه أن يشرع في العمل على امتلاك كل ما يقع تحت متناول يده منذ سن مبكرة، وأن يكون ذلك وجهًا من أكثر وجوه نشاطه منافاة لأوضاع المجتمع.
وقبل أن يستطيع الطفل بوقت طويل فهم العلة التي تمنعه من الحصول على كل ما يقع تحت متناول يده، يمكن تدريبه على احترام حق الملكية عن طريق التعود، ويمكن تعليمه أن أي خرق لهذه القاعدة لا بد أن يعتبر مخالفة وعصيان.
وعمومًا هناك كثير من الطرق المعوجة التي يقابل بها موقف السرقة غير أن أكثرها شيوعًا هما الوجهان الآتيان:
أ- إن فئة من الآباء يلوث شرفها الرفيع ما يوجه من اتهامات إلى الولد حتى إنهم ليقفون منه موقف الدفاع، ينفون عنه التهمة رغم كل الأدلة التي تثبت ارتكابه إياها، وهم في هذا لا يجروون على بحث المسألة بحثًا بعيدًا عن التحيز، يبتغي منه الوصول إلى الحقيقة، بل إن أسهل السهل لديهم هو إنكار وقوعها أصلا.
ب- الفئة الثانية من الآباء فهم أولئك الذين يذهلهم ويطير رشدهم أن قد رزقوا ابنا أصبح لصا في السابعة أو الثامنة.
ولكن لا جدوى من التصرف على هذا النحو أو ذلك سواء أكان ذلك بروح وكيل النيابة أم بلسان المحامي الذي يدافع عن موكله، فإن موقف الوالد لا ينبغي أن يقتصر على استقصاء الحقيقة والبحث عن وقائع الحال، بل ينبغي أن يكون بجانب ذلك موقف الاهتمام الحق بالأسباب والبواعث قدر الاهتمام بالواقعة.
فقد تكون السرقة غاية في ذاتها، فإذا هو في محاولته يرمي إلى إشباع رغبته، وتيسر عليه هذا السبيل، ولم يفتضح أمره فقد يلجأ إلى استخدام هذه الطريقة بالذات لسد كثير من حاجاته.
وفي بعض الأحيان تتخذ السرقة وما يرتبط بها من موقف انفعالي
стр. 495
غاية في ذاته والسرقة في هذه الفئة من الحالات مشكلة سيكولوجية، ذلك لأن الأسباب التي تقوم عليها كثيرًا ما تكون خافية على الطفل كل الخفاء لأنها تعمل مخبأة، في اللاشعور، فقد تكون للأخذ بالثأر مثلًا، ويلجأ إليها الطفل كرد فعل بدائي يقوم على الثورة والانتقام ممن اعتدى عليه مثلا، أو الانتقام لأن السرقة كثيرًا ما تستخدم كطريقة لتسوية الحساب عن ظلم حقيقي أو وهمي يلحق بالطفل أو يخيل إليه أنه لحق به.
ولا يمكن أن يكون هناك علاج واحد مفتن لأية حالة، لذلك كان أهم ما ينبغي عمله لحل هذه المشكلة أن نقف على الغاية التي تحققها السرقة في حياة الطفل الانفعالية، وأن نبذل عنذئذ ما استطعنا من جهد لعون الطفل على إشباع هذه الرغبة الانفعالية على وجه يرضاه هو ويقبله المجتمع.
وسواء أكانت السرقة مجرد وسيلة نحو غاية يعمل الطفل على تحقيقها أم كانت غاية في نفسها فلا بد أن نعمل على إلا يجني الطفل من سرقته إلا الخسارة، أي إنه على الآباء أن يدبروا الأمر حتى لا تحقق السرقة الغاية التي كان يبتغي منها، ولا يجب إذلال الطفل بل يجب تشجيعه على مواجهة المشكلة في صراحة وجلاء.
وليس من الحكمة أن ندفع الطفل إلى الشعور بأنه لم يعد لدينا من الثقة فيه شيء يسمح بالعودة إلى القيام بما نكلفه به، وليس من الحنكة أيضًا أن نسرف في استغلال انفعالات الطفل كأن نقول له إن إثمه كان صدمة عنيفة نزلت بأبيه وأمه، فليس لهذه المواعظ إلا أثر تافه إذا أعدنا ذكرها بعد انتهاء الحكاية أول مرة، بل من الخير أن نواجه المشكلة على أنها تبعد عن روح العدل وأصول اللعب النظيف وأنها لا تؤدي إلى منفعة له بل تفقده أصدقاء ولا تبعث في نفسه الرضا.
فليس هناك ما يدعو إلى قلق الآباء من سرقات الأطفال التافهة إذا هم واجهوا المشكلة في جلاء وصراحة، ولم يتركوا انفعالهم بشأن هذه المسألة يغلب اتزانهم وحسن تصرفهم.
عمومًا فلا بد للوالدين إن أرادوا تنشئة أبنائهم على الأمانة أن يجتمع لهما ما ينبغي من حسن الفهم والاهتمام والصراحة جميعًا.
следующие страницы →