Полный текст (737 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
وليس من الحكمة في شيء أن نغزي الطفل ونرشوه حتى يقلع عن إحدى العادات، لأنه سرعان ما يفسر تلك الطرق على أنها دلالة على ضعف والديه في استغلال ما يلمسه من قلقهما عليه ومع هذا فإنه يحق لنا على الدوام أن نلجأ إلى الطفل في صراحة وأمانة.
وهناك من الأطفال من يبتغي السلوى من ذلك فعندما تسوء الصلات بين الطفل والدنيا التي يعيش فيها، والمشكلة هنا ليست مشكلة أساسية إذ هي ليست سوى عرض من أعراض حالة عقلية ينبغي دراستها دراسة عميقة.
عمومًا يجب ألا نبالغ في أهمية هذه العادة؛ لأن الطفل سيستمد من هذا الأمر جانبا من الرضا اللاشعوري، ثم سرعان ما يعرف كيف يستغل هذا الاهتمام بأمره، وأشد ما يقوي العادة في الطفل تكرار نهيه عنها، وهذا أقرب طريق لدفعه إلى العناد والمقاومة ومما يستلزم كثيرًا من المهارة واللباقة قدرًا كبيرًا من حسن الفهم والتصرف أن نلتمس الطرق والوسائل للقضاء على هذه المشاكل بطريق غير مباشر أي بتحويل نشاط الطفل إلى سبل إخرى دون إدراك منه لذلك، فإذا أحسنا اختيار تلك السبل فسرعان ما تحل الميول الجديدة محل القيمة، وسرعان ما تختفي هذه العادة.
٥- السلوك العدواني Aggressive Behavior:
لعل السلوك العدواني لدى الأطفال هو إحدى المشكلات الأساسية التي تؤدي إلى إصابة الوالدين في المنزل بالضيق والانزعاج.
ففي دراسة كورنر Koener؛ "١٩٤٩" لعشرين طفلا تتراوح أعمارهم بين الرابعة والسادسة في إحدى دور الحضانة، ما يدل على العلاقة القائمة بين سلوك العدوان للأطفال من ناحية وما ينالونه من محبة وعطف من والديهم من ناحية أخرى، إلا أن النتائج كانت تشير بوجه عام إلى أن الأطفال الذين كانوا يحظون بكافيتهم من محبة الوالدين وعطفهما كانوا يعبرون عن عدوانهم تعبيرًا قويًا في مواقف اللعب، وتعبيرًا واقعيًا في مواقف الحياة الحقيقية، وقد فسرت هذه النتيجة بأن هؤلاء الأطفال إنما عمدوا إلى كبت عدوانهم إزاء مواقف الحياة احتفاظًا بمحبة والديهم، ولكنهم لم يجدوا بأسًا من التعبير عن هذه الميول العدوانية وتفريغها في
стр. 492
مواقف اللعب، بينما تبين أن الأطفال الذين حرموا هذه المحبة الوالدية كان البعض منهم على العكس, ذا ميول عدوانية قوية إزاء مواقف الحياة وميول عدوانية ضعيفة، إزاء مواقف اللعب كما كان البعض الآخر ذوي ميول عدائية قوية إزاء جميع المواقف، وهذا معناه أن ما تعرض له هؤلاء الأطفال من حرمان وإعاقة أدى إلى نشأة العدوان لديهم في استجاباتهم لمختلف المواقف على السواء أو لمواقف الحياة الواقعية تعبيرًا عن سخطهم وضجرهم.
والأم أهم مصادر الإعاقة وما يؤدي إليه من عدوان لدى الأطفال فهي التي تتولى حماية الطفل وإبعاده عن الأخطار، كما أنها تتولى عملية تشكيله اجتماعيًا وما تتضمنه هذه العملية من أمر ونهي.
ومجمل القول أن عدوان الطفل ينبغي ألا ينظر إليه نظرة إلى أمر غير مرغوب فيه على الأطلاق، بل إنه أمر ضروري لازم، وإن كان يحتاج إلى قدر من الضبط والتوجيه والإحاطة بالمحبة والرعاية.
٦- السلوك الانسحابي:
السلوك الانسحابي مشكلة أبلغ خطرًا من مشكلة السلوك العدواني، فالطفل قد يعمد إلى الانزواء والانطواء والسلبية، بدلا من العدوان والفاعلية والنشاط، ودرجة الخطر هنا أن الطفل الذي يتسم بطابع الانطواء والسلبية قد ينال من البيئة التي يعيش فيها القبول والتشجيع على اعتبار أن الانطواء طاعة وامتثال وأن العدوان انحراف وتمرد ولذلك فإن بذور هذا السلوك حينما تجد لها منبتًا في هذه المرحلة من النمو يسهل عليها بعد ذلك أن تنمو وتفصح عن نفسها في شخصية غير سوية في المستقبل.
والسلوك الانسحابي يرجع أصلا إلى سوء التكيف بين الطفل والبيئة التي يعيش فيها، وعدم كفاية إمكانيات البيئة في إشباع الحاجات النفسية للطفل مما يؤدي إلى أن يكون للطفل عالمه الخاص الذي يقيمه في خياله ويشتق منه إشباعًا لا يتوفر له في العالم الواقعي.
ولكي نجنب الطفل أن يقوم بهذا السلوك المنحرف، علينا أن نعنى بإشباع حاجاته من المحبة والتقدير والاحترام وأن نعنى بتعرف إمكانياته
стр. 493
وحدودها حتى لا نتوقع منه إلا ما هو في هذه الحدود وأن نقلل ما أمكننا من قيوده، وأن نتيح له قدرًا كافيًا من الحرية، وأخيرًا ألا نضيق بسلوكه العدواني إطلاقًا، بل نتيح له متنفسًا ملائمًا من التوجيه والرعاية.
٧- الانحرافات السلوكية:
يتعرض بعض الأبناء إلى نوعين من المشكلات تبدو أعراضهما على شكل سلوك مضاد للمجتمع بما في ذلك السلوك الخارج على القانون ومن أهم مظاهر هذه الانحرافات ما يلي.
أ- جرائم الأحداث، كالسرقة والنشل.
ب- وهناك بجانب ذلك انحرافات أقل خطورة، كالهروب من المنزل والمدرسة والتشرد والكذب والتخريب والتمرد.
ويطلق على مظاهر الانحرافات السابقة بقسميها الاصطلاح "جناح الأحداث" وسنأخذ بعض الأمثلة التوضيحية للانحراف، وما يجب أن نسلكه تجاه هذا النمط السلوكي لدى أولادنا.
أ- السرقة:
الأمانة أمر مكتسب ولا يورث، فالطفل إذا لم يدرب في محيط العائلة على التفرقة بين ما يخصه وما يخص غيره، كان من الصعب أن نتوقع منه أن يكون أكثرًا تمييزًا بين ما يحق له وما لا يحق خارج المنزل، على أنه ينبغي ألا نغفل ذلك الميل الطبيعي الذي يدفع الطفل إلى عدم الاكتراث بحقوق الآخرين فيما يملكون.
وينبغي أن يدرك الطفل منذ أول فرصة ممكنة ما نعنيه ببعض المعايير الاجتماعية مثل "الأمانة" وليس أجدى من تحقيق هذا من احترام حقوق الطفل فيما يمتلك من أدوات خاصة ومن تخويله حق التصرف المشروع في ذلك ما استطعنا إلى ذلك سبيلا ولا ينبغي أن نتصرف في شيء من ممتلكات الطفل الخاصة دون رضاه وموافقته.
وعمومًا يعتمد الأطفال على البيئة التي يعيشون فيها في تكوين موقفهم الخلقي بإزاء الحياة قدر اعتمادهم عليها في اللغة التي يتكلمونها أو الملابس التي يتخذونها، وإذا نحن ذكرنا أن كل نزعات الطفل الأساسية
стр. 494
في مطلع حياته تنحو نحو إشباع رغباته أي أنه يسعى في الحصول على اللذة والقوة والمكانة، إذا نحن تذكرنا ذلك لزم أن نتوقع منه أن يشرع في العمل على امتلاك كل ما يقع تحت متناول يده منذ سن مبكرة، وأن يكون ذلك وجهًا من أكثر وجوه نشاطه منافاة لأوضاع المجتمع.
وقبل أن يستطيع الطفل بوقت طويل فهم العلة التي تمنعه من الحصول على كل ما يقع تحت متناول يده، يمكن تدريبه على احترام حق الملكية عن طريق التعود، ويمكن تعليمه أن أي خرق لهذه القاعدة لا بد أن يعتبر مخالفة وعصيان.
وعمومًا هناك كثير من الطرق المعوجة التي يقابل بها موقف السرقة غير أن أكثرها شيوعًا هما الوجهان الآتيان:
أ- إن فئة من الآباء يلوث شرفها الرفيع ما يوجه من اتهامات إلى الولد حتى إنهم ليقفون منه موقف الدفاع، ينفون عنه التهمة رغم كل الأدلة التي تثبت ارتكابه إياها، وهم في هذا لا يجروون على بحث المسألة بحثًا بعيدًا عن التحيز، يبتغي منه الوصول إلى الحقيقة، بل إن أسهل السهل لديهم هو إنكار وقوعها أصلا.
ب- الفئة الثانية من الآباء فهم أولئك الذين يذهلهم ويطير رشدهم أن قد رزقوا ابنا أصبح لصا في السابعة أو الثامنة.
ولكن لا جدوى من التصرف على هذا النحو أو ذلك سواء أكان ذلك بروح وكيل النيابة أم بلسان المحامي الذي يدافع عن موكله، فإن موقف الوالد لا ينبغي أن يقتصر على استقصاء الحقيقة والبحث عن وقائع الحال، بل ينبغي أن يكون بجانب ذلك موقف الاهتمام الحق بالأسباب والبواعث قدر الاهتمام بالواقعة.
فقد تكون السرقة غاية في ذاتها، فإذا هو في محاولته يرمي إلى إشباع رغبته، وتيسر عليه هذا السبيل، ولم يفتضح أمره فقد يلجأ إلى استخدام هذه الطريقة بالذات لسد كثير من حاجاته.
وفي بعض الأحيان تتخذ السرقة وما يرتبط بها من موقف انفعالي
стр. 495
غاية في ذاته والسرقة في هذه الفئة من الحالات مشكلة سيكولوجية، ذلك لأن الأسباب التي تقوم عليها كثيرًا ما تكون خافية على الطفل كل الخفاء لأنها تعمل مخبأة، في اللاشعور، فقد تكون للأخذ بالثأر مثلًا، ويلجأ إليها الطفل كرد فعل بدائي يقوم على الثورة والانتقام ممن اعتدى عليه مثلا، أو الانتقام لأن السرقة كثيرًا ما تستخدم كطريقة لتسوية الحساب عن ظلم حقيقي أو وهمي يلحق بالطفل أو يخيل إليه أنه لحق به.
ولا يمكن أن يكون هناك علاج واحد مفتن لأية حالة، لذلك كان أهم ما ينبغي عمله لحل هذه المشكلة أن نقف على الغاية التي تحققها السرقة في حياة الطفل الانفعالية، وأن نبذل عنذئذ ما استطعنا من جهد لعون الطفل على إشباع هذه الرغبة الانفعالية على وجه يرضاه هو ويقبله المجتمع.
وسواء أكانت السرقة مجرد وسيلة نحو غاية يعمل الطفل على تحقيقها أم كانت غاية في نفسها فلا بد أن نعمل على إلا يجني الطفل من سرقته إلا الخسارة، أي إنه على الآباء أن يدبروا الأمر حتى لا تحقق السرقة الغاية التي كان يبتغي منها، ولا يجب إذلال الطفل بل يجب تشجيعه على مواجهة المشكلة في صراحة وجلاء.
وليس من الحكمة أن ندفع الطفل إلى الشعور بأنه لم يعد لدينا من الثقة فيه شيء يسمح بالعودة إلى القيام بما نكلفه به، وليس من الحنكة أيضًا أن نسرف في استغلال انفعالات الطفل كأن نقول له إن إثمه كان صدمة عنيفة نزلت بأبيه وأمه، فليس لهذه المواعظ إلا أثر تافه إذا أعدنا ذكرها بعد انتهاء الحكاية أول مرة، بل من الخير أن نواجه المشكلة على أنها تبعد عن روح العدل وأصول اللعب النظيف وأنها لا تؤدي إلى منفعة له بل تفقده أصدقاء ولا تبعث في نفسه الرضا.
فليس هناك ما يدعو إلى قلق الآباء من سرقات الأطفال التافهة إذا هم واجهوا المشكلة في جلاء وصراحة، ولم يتركوا انفعالهم بشأن هذه المسألة يغلب اتزانهم وحسن تصرفهم.
عمومًا فلا بد للوالدين إن أرادوا تنشئة أبنائهم على الأمانة أن يجتمع لهما ما ينبغي من حسن الفهم والاهتمام والصراحة جميعًا.
стр. 496
ب- الكذب:
يعد الكذب بوجه عام انحرافًا نفسيًا، وكثيرًا ما تشبه الأكاذيب بالرداء الذي يخفي معالم النفس، وهناك ضروب شتى وأنواع مختلفة من الأكاذيب ولكل منها مغزاه وما يرمي إليه فهناك الكذب الاعتيادي وهناك الكذب المرضي, ولقد حاولت مدرسة التحليل النفسي معالجة الكذب القهري الذي يقترن عادة بالهستيريا، وذلك حينما يصبح الكذب عادة مستحوذة على نفسية الشخص وتصبح لغته نسيجًا من الأكاذيب، ويعزى الفضل كذلك إلى العلاج النفسي في توجيه الاهتمام إلى أكاذيب الأطفال والكذب الذي يحاول الطفل إتيانه والذي قد لا يكون متعمدًا أول الأمر ثم يتفاقم في خطورته حتى يصبح لا شعوريًا، بعد ذلك، ويجب أن ندرك جيدًا أن ما نتبينه من حقائق مذهلة تعكس كذب الطفل إنما ترجع في الواقع إلى ضرب من ضروب الارتباك العقلي الذي عقدته ودعمته الاضطرابات الانفعالية التي وجدت في مواقف حياته.
وقد يكون الكذب عند الطفل اختلافًا محضًا، مستمدًا، من وحي الخيال، ويكون القصد منه إيهام الآخرين بقبوله لغرض بريء هو المتعة النفسية أولا، ولجلب اهتمام الآخرين والاستثارة بانتباههم ثانيًا، ومثل هذا اللون من الكذب لا يرمي الطفل من ورائه خداع الآخرين أو تضليلهم.
وليس الغرض منه الحصول على منفعة شخصية خاصة فقد يذكر لك الطفل مثلا بأن أباه رجل رياضي ماهر وأنه قد أحرز العديد من الأوسمة كما يستعد لخوض مباريات دولية مقبلة، ولعلك تصدقه، ولكن يتضح لك فيما بعد بأن كل ما ذكره الطفل لم يكن إلا من نسيج خياله مترجمًا إلى كذبة محكمة ولكن لا هدف له من كل هذا سوى الحصول على المتعة النفسية التي حملته على ما صوره في ذهنه، ولعلها رغبة تراوده كم تمناها لو استطاع أن تكون له القوة الجسمية والشهرة الزائعة، ولما أدرك عجزه عن بلوغها، ولما أيقن أنها بعيدة المنال لجأ إلى وحي الخيال للتعبير عن تلك الحاجة النفسية.
وقد يكون الكذب عند الطفل أحيانًا نتيجة لما يتعرض له من مواقف جديدة في حياته، فمثلا قد يعمد الطفل إلى اختلاق أكاذيب أحيانًا عندما يفارق البيت لأول مرة في حياته، فعندما يرسل إلى الحضانة أو إلى المدرسة الابتدائية يشق عليه الأمر، ويجد من الصعوبة عليه فراق الأم، بل تكون بالنسبة إليه صدمة أحيانًا ما لم يكن قد تمت تهيئته لذلك
стр. 497
منذ فترة بعيدة قبل إرساله إلى الحضانة أو المدرسة على حين غرة ففي هذه الحالات يعمد الطفل إلى حبك أكاذيب يذكر مثلا بأنه وجد المربية في الحضانة قاسية ولا تحبه، أو أن المدرس شديد قاس بحيث لا يمكنه احتمال مثل هذه القسوة.
ويلجأ الطفل أحيانًا إلى الكذب لحماية نفسه من هجوم الكبار عليه، وينشأ مثل هذا النوع من الكذب عادة لدى الأطفال الذين لا تتمثل فيهم قوة الشخصية وممن تعودوا الاستكانة أو الخنوع بدلا من تنمية الثقة بالذات عندهم، ومثل هذا الضرب من الأطفال يصوغون الكذبة لوقتها خالية من المحتويات الخيالية بعيدة عن التزويق فيأتونها وكأنها حقيقة فتكون الكذبة وكأنها فعل انعكاسي دفاعي تولد لتوه، وعادة ما يثور الآباء أو المدرسون، ناسين أو متناسين بأن الطفل جاء بذلك ليتقي غائلة النقمة المحتملة وما عساه أن يتعرض له من اتهامات وتهديدات تكال إليه، ووصمه بالضعف والكذب كلها في الحقيقة تعبر عن الاعتراف الصريح بأن تلك الجوانب من الكذب إنما تكشف عن وجود مركب النقص لدى الطفل والذي قد يكون الكبار في الغالب السبب في توليده في نفس الطفل البريء، ويتخلى الطفل عن هذا النوع من الكذب متى ألف البيئة المحيطة به، وكانت التعليمات والنصائح صريحة واضحة مشفوعة بالقدوة الحسنة.
ومن بين مساهمات نظرية التحليل ما قدمته من تفسير عما يصيب النفس البشرية وما يلجأ إليه من وسائل تغلف به ذاتها أحيانًا، فقد أماطت هذه النظرية اللثام عن أن ما تعمد إليه النفس من تعمية كوسيلة دفاعية وإن لم تكن مرغوب فيها قط إنما يقصد منه التكيف اللاشعوري Unconscious Adaptaion، وما التعمية هذه إلا كذب الإحساس وكذب الجانب الوجداني ويصوغ الطفل الكذب لظنه أنه يحميه، وبالتالي بالتناقض والتناحر يعتملان ضمن إطار ذاته، فيدرك أنه لا طاقة له على احتمال الصراع الناشئ في نفسه وفي فكره فيجد أنه لا بد للنفس من التكيف الذي يتخذ أشكالا شتى لعل أهمها.
١- اللجوء إلى الكذب الذي يحاول الطفل أن يلبسه ثوب الحقيقة وأن يضفي عليه رداء الواقع، وهنا تكون المسألة قد ازدادت تعقيدًا وهذا الكذب المخيف الذي يختفي في مجاهل النفس اللاشعورية.
стр. 498
٢- اللجوء إلى الأوهام.
٣- الانسحاب من الواقع كليًا.
٤- نشوء الحالات العصابية وسائر الأمراض النفسية المحتملة الأخرى.
٥- التناقض الوجداني.
ثانيًا: بعض مشكلات النمو في فترة المراهقة:
١- السلوك العدواني Aggressive Behavior:
يكثر انتشار هذا النمط السلوكي بين المراهقين، ويتمثل في مظاهر كثيرة منها التهريج في الفصل والاحتكاك بالمعلمين وعدم احترامهم والعناد والتحدي وتخريب أثاث المدرسة والفصل وعدم الانتظام في الدراسة واستعمال الألفاظ البذيئة.
ولا يمكن إرجاع هذا السلوك العدواني إلى عامل بالذات، بل ترجع غالبًا هذه الأنماط السلوكية إلى عوامل كثيرة متشابكة منها عوامل شخصية وأخرى اجتماعية، فقد يكون أحد العوامل المسئولة عن هذا السلوك بين المراهقين هو عجز الوالدين عن سياسة وتوجيه المراهق، أو فشل المراهق في الحصول على المحبة والتقدير من الكبار في المنزل أو عدم احترامهم لوجهة نظره ومعاملته كالطفل، وقد يرجع العدوان إلى فشل المراهق في تحقيق ذاته أو فشله في الدراسة، أو فشله في كسب عطف المعلم ومحبته له، مما يجعله يعادي السلطة ممثلة في أوامر المدرسة ونظمها ويعادي السلطة ممثلة في المعلم.
وقد يرجع العدوان أيضًا لإحساس المراهق بعدم قبوله اجتماعيًا، إما لعيب ظاهر فيه، أو لقبح في منظره، أو لعدم توافقه اجتماعا مع أقرانه أو مع الأفراد من الجنس الآخر، فنسلك هذا السلوك العدواني كي يفرض ذاته ويعادي المجتمع.
وعليه يمكن أن نرجع هذا السلوك العدواني إلى العديد من الظروف الشخصية والبيئة المؤثرة التي تسبب عادة عدم إشباع حاجات المراهق النفسية، فالنقص في الأمن في المنزل والمدرسة والنقص في المحبة في المنزل والمدرسة وعدم إشباع حاجة المراهق للتقدير والاحترام وللمعاملة ككبير في المنزل والمدرسة، وعدم إعطائه الحرية, كل ذلك له دون شك أثر واضح في السلوك العدواني للمراهق في المنزل والمدرسة.
стр. 499
ويجب على الآباء والمعلمين أن يشبعوا هذه الحاجات النفسية التي يحتاج إليها المراهق، وعليهم أن يفهموا نفسيته ومطالبه, ويقدروها التقدير المناسب، كما عليهم أن يتعاونوا لإيجاد بيئة صالحة في المنزل حيث يفخر بها المراهق ويعتز، وفي المدرسة حتى يحس المراهق بأن هناك أفراد آخرون يحبونه ويحترمونه ويهتمون بشئونه خارج نطاق المنزل، وهم الكبار من حوله في المدرسة وفي المجتمع بصفة عامة.
٢- الجناح Delinquency:
تنتشر ظاهرة الجناح بين بعض المراهقين في المدراس الإعدادية والثانوية، والجناح درجة شديدة أو منحرفة من السلوك العدواني، حيث يبدو على المراهقين تصرفات تعتبر ذات دلالة عن سوء الخلق والفوضى والاستهتار، وقد يصل بها الحال إلى الجريمة، وكثيرًا ما نسمع عن عصابة من الطلبة اشتركوا في سرقة أو قتل أو ... إلخ من الأعمال الخارجة على القانون, وقد يظهر الجناح في صورة الاعتداء المادي على المعلم أو الأب أو قد يظهر في الانحراف الجنسي، وإدمان المخدرات وإيذاء النفس، وقد يصل الحال في بعضها إلى الانتقام من الفرد نفسه بالانتحار.
ونرجع الجناح لعدة عوامل منها عدم قدرة المراهق على التكيف تكفيًا سليمًا في المنزل أو المدرسة، أو لضعف قدرة المراهق العقلية، أو لعاهة جسمية واضحة، أو لفشله المتكرر في الدراسة، أو لضعف في صحته العامة، أو نتيجة لمعاناته من قلق انفعالي أو لعدم إشباع لحاجاته النفسية ... إلخ.
ويقدم لنا صموئيل مغاريوس بعض العوامل التي تؤثر في المراهقة الجانحة:
١- مرور بعض المراهقين بخبرة شاذة مريرة أو اصطدامهم بصدمات عاطفية عنيفة.
٢- انعدام الرقابة الأسرية أو تخاذلها أو ضعفها أو التدليل الزائد للمراهق.
٣- القسوة الشديدة في معاملة المراهقين في الأسرة وتجاهل رغباتهم وحاجات نموهم.
٤- الصحبة السيئة مع الجيران أو مع الأقران في المدرسة.
٥- التأخر الدراسي وارتباطه بضعف القدرة العقلية.
стр. 500
٦- الحالة الاقتصادية السيئة.
٧- العوامل العصبية الاستعدادية أو الاختلاف في التكوين الغددي.
ويتطلب مواجهة مشكلة الجناح تفهم العوامل المسئولة عن هذه الظاهرة ثم محاولة تعديل هذه الظروف أو تلك العوامل، ويفضل تلافي وصول المراهق لمرحلة الجنوح, فالوقاية في هذا المجال أفضل كثيرًا من علاج حالات منحرفة قد تتطلب الوقت الطويل مع احتمال قلة الوصول إلى نتائج لعدم التمكن من إخضاع الظروف المسيطرة على المراهقين.
ويربط كثير من علماء النفس Singer؛ "١٩٧٤" الجناح بشعور الاغتراب الذي يعتري المراهق، فالجانج يميل إلى أن يكون من أسرة ذات سياسة صارمة أو تتبع التساهل واللين الزائدين في التعامل مع المراهق، كما أن آباء المراهقين الجانحين عادة ما نجدهم لا يتسمون بالاتساق في تربية الطفل وتنشئته.
٢- أحلام اليقظة Day Dreams:
أحلام اليقظة من الوسائل الشائعة عند المراهقين للهروب من المواقف التي لا يستريحون إليها، وذلك الاتجاه إلى عالم الخيال.
ويلجأ كل فرد تقريبًا في بعض الأوقات إلى أحلام اليقظة وليس ثمة خطر في التجاء المراهق إليها، هذا إذا لم يكن يفضل هذه الأحلام على الصلات السوية مع زملائه، وإذا لم يكن يلتمس فيها وسائل للتهرب من الصراعات الداخلية وما يشعر به من نقص، كما أن اختلاق الأقاصيص ليس سوى أحلام يقظة كلامية، ويمكن تعريفها بأنها محاولة من جانب الفرد لدعم اعتباره لذاته وللحصول على ما يبغي من تقدير وذلك بتلفيق القصص التي ترفع من قدره ومكانته وتضفي أصالة وعراقة على أسرته، وهو يبالغ على وجه العموم فيما له من أهمية، ونسيج القصص كوسيلة لتعويض الإحساس بالنقص أقل خطرًا من أحلام اليقظة ذلك أنه يمكن اكتشافها قبل أن تتعمق جذورها في شخصية الفرد.
والمراهق الذي يحلق في سماء الخيال، قد يكون أقل مضايقة للكبار من المراهق الذي يلجأ إلى ثورات الغضب وأنواع السلوك الأخرى، ولكن هذه الخيالات قد تكون في الواقع أكثر خطرًا على نموه العقلي، وينبغي
стр. 501
مساعدة الفتيان والفتيات على إدراك أنهم يستطيعون نيل ما يصبون إليه من تقدير بالنشاط والعمل، على نحو أفضل مما يستطيعونه بالطرق التي لا تجدي كأحلام اليقظة مثلا.
٤- الانطواء Introversion:
تتضح هذه السمة في بعض المراهقين في المدارس الإعدادية والثانوية ويظهر المراهق المنطوي رغبته الشديدة في العزلة، والسلبية والتردد، والخجل والاكتئاب ولا يوجد لهذا النمط من المراهقين نشاط خارجي مع المجموعة، وما عدا النشاط الانطوائي مثل قراءة الكتب، خصوصًا الدينية، وغيرها، وكتابة المذكرات التي تعبر في الغالب عن نزعاته وانفعالاته ونقده للمجتمع الذي يعيش فيه.
ويشغل تفكير المراهق في هذه الحالة المشكلات الروحية فيتأمل فيها أو قد يتأمل الطبيعة ويتغزل فيها، وقد يركز على العمل التحصيلي لينجح ويتميز المراهق المنطوي أيضًا بأحلام اليقظة، وقد يسرف في الاستمناء "العادة السرية" لإزالة ما يشعر به من توترات وكبت جنسي ويعاني من الصراع بين نزعاته ورغباته وبين القيم والمثل وتعاليم الدين.
وترجع أسباب الانطواء في الغالب إلى عوامل أسرية، منها عدم تفهم الأبوين لرغبات المراهق وحاجاته، بل تجاهلها وإهمالها لتلك الحاجات نتيجة التزمت الشديد في المنزل، كذلك تؤثر ثقافة الوالدين تأثيرًا كبيرًا في انطواء المراهق، فهناك أسر تعتبر مجالات النشاط الرياضي والاجتماعي والفني مضيعة للوقت، وعلى الطالب أن يحصل دروسه فقط ويذاكر لينجح، وكذلك قد ترجع بعض الأسباب إلى حالة الأسرة من الناحية الاقتصادية، فالأسرة الفقيرة والتي ترسل أطفالها إلى المدرسة بالكاد لا يمكن لها أن تشبع حاجات المراهق من ملبس ومصروف ونشاط خارجي واشتراك في مجال الترفية أو الرياضية ... إلخ، وبالتالي تنتج مراهقًا مكتئبًا منعزلا.
ويمكن للمعلم أن يواجه هذه الظاهرة بتنشيط ميل المراهق للاندماج في أكثر من مجال، ومحاولة إشراكه في أعمال جمعية، وتكليفه بجمع بيانات واستفسارات مع أفراد آخرين لغرض الدراسة واشراكه في مواقف حماسية، كمشاهدة مباريات الفصول، أو فريق التمثيل، كما يفضل معرفة مسببات هذا الانطواء في المنزل والظروف التي أدت إليه، وتنمية ما
стр. 502
يراه المعلم في التلميذ من مقدرة في مجال معين، حيث ينمو هذا الميل فيبرز المراهق، حينذاك يحس بالرضا والفخر والثقة بنفسه.
ويمكن أن نلخص واجبات المعلم في تناوله لهذه المشكلات في أن يقوم بالملاحظة الأعراض والتأكد منها، ثم تفهم المسببات المسئولة عن وجود تلك الظاهرة، وأخيرًا عليه أن يقوم بدور التوجيه المناسب بالاشتراك مع المنزل إذا تطلب منه الأمر ذلك، ولعل رواد الفصول في المدارس الإعدادية والثانوية يكونون أقدر من غيرهم على معرفة هذه المشكلات لكثرة اختلاطهم بتلاميذهم وتفاعلهم معهم كما يستطيع الأخصائي الاجتماعي والنفسي المساهمة بنصيب في عمليات التوجيه الاجتماعي والإرشاد النفسي وبالتالي يقل إلى حد كبير المشكلات التي يعانيها مراهق والتي يمكن تلافيها قبل أن تستفحل ويصعب مواجهتها.
٥- الانحرافات الجنسية Sexual Deviations:
يذكر لنا دوجلاس توم، أن كثيرًا من ضروب الصراع العقلي وأنواع الشذوذ التي نلقاها في الكبار والصغار على السواء ترجع مباشرة أو تصطبغ بالمواقف والخبرات السيئة في الأمور الجنسية، وعمومًا ليس هناك طوال العمر من قوة أكبر من تلك القوة إلحاحًا في سبيل الظهور على أي شكل من الأشكال، كما أنه ليس هناك أي قوة غيرها تلقي من عنت الجماعة والأسرة والفرد في التضييق على حريتها وأحاطتها بالقيود قدر ما تلقي الميول الجنسية من عنت وتقييد.
فمن مظاهر هذه الانحرافات الجنسية المثلية "اللواط والسحاق" والاتجاه نحو موضوعات مادية "التعلق الجنسي بالأشياء التي يستعملها الجنس الآخر"، أو قد يتجه هذا الانحراف نحو الذات "الاستنماء المفرط، النشاط الجنسي الزائد، والنرجسية أو عشق الذات", وقد تأخر مظهر الاستعراض الجنسي، أو إلى مظهر السادية أو الماسوكية أو قد تتجه إلى الاغتصاب وجماع الأطفال، إلى ما شابه ذلك من الألوان المختلفة من الانحراف الجنسي.
وقد يرجع سبب هذا الانحراف إلى الاضطرابات الفسيولوجية ونقص التربية الجنسية أو انعدامها، والاضطرابات الوراثية, وقد ترجع إلى أسباب نفسية مثل الصراع بين الدوافع والغرائز وبين المعايير
стр. 503
الاجتماعية، وبين الرغبة الجنسية وموانع الاتصال الجنسي، والإحباط الجنسي الكبت، واستحالة الإعلاء، والنكوص الانفعالي، وعدم الشعور باللذة والسعادة في الحياة مما يدفع الفرد إلى الجنس كمصدر للذة.
هنا يلقي على المربين مهمة إقناع المراهق بالأضرار النفسية للانحراف والشذوذ، عن طريق التوجيه النفسي للشباب، وتحذير الشباب من أخطار الانحراف الجنسي تحذيرًا مبنيًا على أس علمية لا على مجرد الخوف وتشجيع الميلو والهوايات العملية، وأيضًا عن طريق العلاج السلوكي كما أن التربية الدينية والخلقية للشباب تسهم مساهمة فعالة في تعديل هذا الانحراف لدى مراهقينًا.
اغتراب المراهقين والشباب:
يستأهل هذا الموضوع نظرًا لأهميته مؤلفًا خاصًا، نلقي الضوء فيه على الاغتراب كظاهرة فلسفية ونفسية واجتماعية، وأسبابها ومظاهرها، وما يمكن فعله لمواجهتها، ولكنني شعرت بضرورة التعرض للاغتراب باعتباره أحد المشكلات الهامة التي يجاببها المراهقين والشباب في عصرنا الحديث، مرجئًا تفصيل ذلك لمؤلف آخر نوعد به القارئ إن شاء الله.
وعمومًا فإن كثيرًا من دراسات علم نفس النمو تشير إلى أن ثقافة المراهقين والشباب عادة ما تكون منفصلة عن ثقافة الراشدين، ودائمًا ما يكون عالمهم في نزاع وصراع مع عالم الراشدين من حولهم، وعادة ما يشار إلى ثقافة المراهقين والشباب بأنها تتسم بالتكاسل والإسراف وشيوع المفاسد كاستخدام العقاقير، والإصرار على الإشباعات الفورية والأخلاق السيئة وعدم احترام السلطة ونبذ القيم التقليدية، وقد يعزي هذا الاغتراب الذي يشعر به المراهقين والشباب إلى عديد من العوامل أهمها.
١ غياب القيم الدينية والإنسانية في حياة المراهقين والشباب.
٢ الفجوة بين ثقافة المراهقين والشباب وثقافة الراشدين من حولهم.
٣ النفاق والرياء وتأليه الفرد أمام المراهقين والشباب.
٤ صياغة الآخرين لنموذج حياة المراهقين والشباب.
٥ عدم قدرة المراهقين والشباب على تحقيق ذواتهم. وبالتالي عدم قدرتهم تقبل ذواتهم.
٦ عدم أحساس المراهقين والشباب بالحرية المسئولية سواء عن أنفسهم أو مصائرهم.
стр. 504
٧- افتقاد المراهقين والشباب معنى لوجودهم، لافتقادهم أهداف الحياة التي يحيوها.
٨- التناقضات الموجودة داخل مجتمع الراشدين من حولهم، جعل المراهقين والشباب يفتقدون المثل الأعلى الذي يمكنهم أن يتحذوا به.
ويوضح شكل رقم "١" العوامل المتعددة التي قد تؤدي بالمراهقين والشباب للإحساس بالغربة عن ذواتهم والغربة عن مجتمعهم من حولهم.
إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
стр. 505
ويصف أصحاب المذهب الوجودي إنسان القرن العشرين في عزلته واغترابه بأنه غريب عن الله وغريب عن الآخرين وغريب عن نفسه، ويدفعه الإطار الاجتماعي الذي يعيش فيه إلى إدراك هذه العزلة الوجودية أو الاغتراب الوجودي إلى وقوعه صريعًا للقلق الوجودي ومن ثم للاضطراب النفسي.
ولقد اختفت كثير من القيم التي كانت سائدة في حياة الناس، بل وكان لها وجود حقيقي فيما مضى مثل التآزر والتعاطف والتواد والتراحم والمحبة وسيطرت على العلاقات بين الناس قيم غريبة عن الإنسان وأصبحت العلاقة بين فردين تحدد بمدى ما يأخذ كل من الآخر، أصبحت الوصولية قيمة وأطلق عليها الجذب الاجتماعي حتى يخدع الإنسان نفسه، وارتدى النفاق والرياء ثوبا جديدًا يسمى بالمجاملة وأصبح الإنسان وسيلة بعد أن كان غاية, وهكذا يتحدث الوجوديون عن الإنسان وحياته، واختلفوا فيما بينهم في طريقة حل مشكلة الإنسان، رأى فريق منهم أن عودة الإنسان من اغترابه يكون في حريته في اختيار قيم تحدد إطاره في الحياة, وتعطي معنى لحياته وتجنبه استمرار الحياة في هذا الفراغ الوجودي الذي يعاني منه ويرون أن سكن الإنسان في العودة إلى الله والأديان، أما الفريق الآخر فينادي بضرورة إدراك الإنسان بأنه يعيش حياة بلا معنى, بلا هدف, حياة تتشكل في سلسلة من المتناقضات والتناقضات وعليه أن يعيشها أو يعايشها كما تأتي بها الرياح، ويمثل الفريق الأول كيركجورد ومارسيل وياسبرز، أما الفريق الثاني فيمثله نيتشه وسارتر والبير كامي.
وتشير نتائج دراسة Friedenberg؛ "١٩٧١" أن اغتراب المراهقين والشباب قد يعزى إلى بعض العوامل منها على سبيل المثال المعاملة الوالدية سواء كانت كابتة أو متساهلة، كما أن خبرات العالم من حولهم السريع في تغيره وتطوره جعلتهم غير قادرين على تفهم من حولهم خاصة أقرب الناس لديهم, بالإضافة إلى فترة التدريب والتعليم الطويلة بين مرحلتي الطفولة والرشد, والتي عادة ما توجد في المجتمع التكنولوجي المعقد، فعادة ما نرى عدم تعاطف المراهقين مع ما يرونه من أشياء تقع تحت أنظارهم، كما يشعرون باللاقلق والاضطراب نتيجة رؤيتهم الزيف من حولهم وانتشار النفاق داخل جيل الراشدين، وعدم محاولة الكبار تفهمهم والعمل على حل المشكلات التي تواجههم.
стр. 506
كل هذه الأفكار المنتشرة بين مجتمع المراهقين عادة ما تعمق ثورتهم وعصيانهم، وبالتالي تعمق الفجوة بين الأجيال، ولقد نوقشت هذه الظاهرة في عديد من المؤلفات والتي نشرت فيما بين ١٩٦١ فتشير نتائج دراسة Colemen؛ "١٩٦٧" بأننا في حاجة إلى وسيلة لكي نجلب بها المراهقين إلى المنزل، ونحن في أمس الحاجة إلى وسيلة أخرى لتخفيض وتقبل المتناقضات داخل مجتمع المراهقين، ويشير كل من Feuer & Mead بأن الراشدين يجب عليهم أن يجدوا بعضا من قنوات الاتصال بينهم وبين المراهقين وأن يزيلوا هذه الفجوة الجيلية، ولقد علق Fridenberg على ذلك بقوله: "إن الشباب عادة ما ينظرون إلى أحاسيسهم ومشاعرهم على أنها بمثابة الموجه والمرشد لهم إلى عمل ما هو صائب بالنسبة إليهم، وإلى أن ينظروا إلى متطلبات المجتمع من حولهم على أنها تعتبر بمثابة مشكلة والتي لا يمكن ولا يجب أن تفهم أو يقترب منها بالوسائل العقلانية.
وتشير نتائج دراسة جوتليب Gottlieb؛ "١٩٦٤" بأن الفجوة لا توجد فقط بين ثقافة المراهقين أو الشباب أنفسهم، ويستطرد بقوله بأننا يجب أن نعترف بعدم توفر ثقافة متجانسة التكوين للمراهقين والشباب، وبالتالي فعادة ما نجد ثقافة مراهقينا وشبابنا تتضمن العديد من العناصر الثقافية غير المتجانسة, وبالتالي فإن المراهقين والشباب عادة ما يميلون إلى التفكير والأداء بطرق مختلفة وتشير كوفر Kovar؛ "١٩٦٨" في دراستها على ١٥١ مراهقة من خلفيات ثقافية متشابهة أن اغتراب المراهقين والمراهقات قد يعزى إلى قصور عملية التوجيه والإرشاد، وتمكنت في دراستها من التعرف على خمسة اتجاهات مختلفة نحو الآباء والقيم الاجتماعية نوجزها فيما يلي:
١- توجيه الرفاق Peer Oriented.
٢- توجيه الراشدين Adult Oriented.
٣- الجنوح Delinquency.
٤- البوهيمية الفوضوية Anarchie Bohemian.
٥- الاستقلالية Autonomous.
وتستطرد كوفر بأننا يمكننا أن نجنب المراهقين والمراهقات من الصور المختلفة للاغتراب عن طريق عملية التوجيه والإرشاد سواء داخل الأسر أو
стр. 507
في المدرسة، وبالتالي نساعدهم على تخطيط مستقبلهم وإدراك ذواتهم داخل بيئاتهم.
ومن جانب آخر، فإن هناك دراسات تشير أن أغلب المراهقين والشباب يسيرون في تناسق مع آبائهم ويدعمون قيم الراشدين من حولهم، فدراسة Offer, ودراسة Douvan؛ "١٩٧٥" تشيران أن معظم المراهقين عادة ما يحترمون آباءهم ويميلون إلى التشبه بهم ويتخذون منهم مثالا في حياتهم كما اتضح أن أغلب الشباب عادة ما يكونون في حالة من حالات الإشباع والرضا داخل منازلهم، وينظرون إلى الآباء كأشخاص موثوق بهم ويعول عليهم كما ينظرون إلى أمهاتهم كأشخاص متعاطفة معهم متفهمة لهم، وعلى الرغم من أن بعض المراهقين نادرًا ما يضعف رباط الحب داخل الأسرة أو أن يؤدي بالآباء والمراهقين إلى حالات من الصراع والعداء.
وفي دراسة مسحية على المراهقين فيما بين ١٣، ١٨سنة، أجريت بواسطة Meissner؛ "١٩٦٥" وجد أن ما يقرب من ٨٩% من المراهقين أشاروا إلى أنهم كانوا سعداء داخل أسرهم، وأشار ما يقرب من ٧٤% إلى أنهم يشعرون بالفخر والاعتزاز بآبائهم، كما أن دراسة Lesser & Kandil أشارت إلى أن ما يقرب من ١١% فقط من المراهقين لعينة الدراسة قد شعروا بأنهم بعيدون عن أمهاتهم، وما يقرب من ٢٢% عبروا بأنهم بعيدون عن آبائهم بينما باقي عينة الدراسة شعروا بأنهم قريبون من أبويهم.
وفيما يتعلق بالقيم، فالأدلة تشير أن المراهقين والشباب عادة ما يشعرون بإحساس قوي بالمسئولية الاجتماعية والخلقية، أكثر من إحساس الإشباع لرغباتهم الفورية, كما أن أغلبية الشباب عادة ما تدعم قيم آبائهم ومجتمعهم أكثر من نبذهم لها، فالشباب والمراهقين عادة ما يتقاسمون ويشتركون في معاييرهم وآدابهم السلوكية مع ما لدى الآباء وحتى هؤلاء الذين وجد أنهم يشيرون إلى وجهات نظر غير متناسقة مع العرف وقواعد السلوك المألوفة اتضح أن الغالبية العظمى من هؤلاء يفعلون ذلك في تناسق مع الأنماط السلوكية لآبائهم ولا يعتبر سلوكهم ثورة أو عصيان على من حولهم، ولا يتسمون بالاغتراب عن مجتمعهم كما يدعى عليهم، كما أن هناك أقلية من المراهقين، والشباب، الذين وجد لديهم الشعور بالاغتراب عرضًا من أعراض الاضطرابات النفسية، ولهذا السبب نجد كثيرًا
стр. 508
من علماء النفس الاجتماعي يشيرون أن ثورة وعصيان المراهق والفجوة الجيلية ما هي إلا خرافة من الخرافات على الأقل فيما يتعلق للأغلبية الساحقة من المراهقين والشباب ويستطرد وينر Weiner؛ "١٩٧٦" بقوله أن هذه المفاهيم عادة ما نجد لها الاستمرارية والدوام، فعادة ما يكون المراهقون الذين يسببون المتاعب والاضطراب بمثابة موضوعات شيقة لوسائل الإعلام المختلفة، كما أننا عادة ما نميل إلى الاستماع وإلى قراءة الأشياء السيئة أكثر مما نفعل ذلك بالنسبة للموضوعات الحسنة فيما يتعلق بسلوك المراهقين والشباب، وبالتالي يعطينا انطباعًا مشوهًا عن عدد المراهقين والشباب الذين يكونون في نزاع وصراع مع آبائهم ومجتمعهم من حولهم.
ومهما كانت نتائج الدراسات في ظاهرة الاغتراب، إلا أننا يجب أن نشير إلى أنه حتى الدراسات التي تنكر انتشارها إلا أنها تعترف بوجودها، وعزوها إلى عديد من الظروف التي يحياها المراهقون أو الشباب سواء داخل أسرهم أو في مجتمعهم بصورة عادية فيجب علينا أن نوفر لهم المثال في الأسر والمجتمع معًا ونساعدهم على تكوين مفاهيمهم لذواتهم وإدراكهم للآخرين من حولهم، ونرشدهم من جانب آخر إلى تخطيط مستقبلهم، حتى يكون لحياتهم معنى وقيمة بالنسبة لهم.
وعمومًا فكما وعدت القارئ أن هذه ليست إلا عجالة في ظاهرة نفسية جد خطيرة, وعادة ما تواجه المراهقين والشباب خاصة في فترات الانتقال أو التحول الثقافي والحضاري التي تطرأ على المجتمعات وسيتبع ذلك بمشيئة الله بمؤلف آخر عن ظاهرة الاغتراب سواء من جوانبها النفسية والاجتماعية والفلسفية والأساليب الممكن اتباعها لعلاج هذه الظاهرة حتى نقي المراهقين والشباب من مغبة اغترابهم سواء عن ذواتهم أو مجتمعهم.
стр. 509
الممارسات المدرسية ودورها في توجيه النمو:
إذا كان المنزل يضطلع بمسئولية وضع أساس بناء شخصية الطفل، إلا أن الطفل، بدخوله المدرسة تكون صورته عن ذاته غير محددة وفي موضع اختيار، ومن ثم يمكن أن تتغير أو تتعدل بدرجة كبيرة عن طريق الخبرات المنظمة والهادفة التي تهيؤها المدرسة كمؤسسة تربوية، والمعروف أن المدرس خاصة في السنوات الأولى من حياة الطفل المدرسية يصير بالنسبة للطفل أبا بديلا وشخصية هامة مؤثرة، والمدرس الذي يتجاوز اهتمامه حدود المادة الدراسية إلى النمو المتكامل للأطفال في ظل رعايته وتوجيهه يهيئ جوًا نفسيًا يسود فيه الأمان والتقبل وتحقيق الذات, ويساعد على تهيئة الظروف الفعلية لممارسة المبادئ العملية للنمو السوي والصحة النفسية.
الجو المدرسي:
يساعد الجو المدرسي الذي يتسم بالتقبل والأمان والحرية على تهيئة المواقف والظروف التي تساعد على النمو الأفضل للتلاميذ، ففيه يقوم المدرس بتقبل التلميذ كما هو, وهذا التقبل يقوم على معرفة وفهم إمكانيات التلميذ، وبالتالي تكييف العملية التعليمية، وفقًا لذلك, وفي نفس الوقت يساعد التلميذ على النمو لأن أحد وظائفه الأساسية كمدرس هي مساعدته على إنماء إمكاناته, ويتحقق هذا النمو حيثما تتوفر الحرية, وبالتالي يتعرض النمو للكف في حالة الضبط المتكرر المتتابع, ولا يعني ذلك إلغاء الضبط من النظام المدرسي, كذلك تؤدي الحرية الزائدة والتساهل الزائد إلى إثارة الفوضى في سلوك التلاميذ. فالتلميذ يحتاج إلى أن تكون مواقف الفصل المدرسي والمناشط المدرسية المختلفة منتظمة إلى حد ما، وإلى أن يعرف ما هي القواعد التي ينبغي السير عليها وأن يتوقع العقاب في حالة تحطيم هذه القواعد، فمن الأهمية أن يتعلم الطفل تقبل حدود السلوك التي تفرضها الحياة الواقعية، وبمعنى آخر، فإن ما يحتاجه الطفل هو مزيج من الحرية والضبط.
وتتحدد حرية الطفل داخل الفصل المدرسي بحرية الآخرين، فينبغي أن يتعلم احترام حقوق زملائه, وتتاح للطفل داخل المجتمع المدرسي مهارات العمل الاجتماعي, وممارسة الأدوار الاجتماعية المختلفة، أدوار القيادة والتبعية، ممارسة الأسلوب الديمقراطي عن طريق عمليات
стр. 510
الأخذ والعطاء مع الآخرين، والتدريب على ممارسة المسئولية، وهكذا من مقومات النضج الاجتماعي.
والجو المدرسي الذي يقوم على الوحدة والتضامن الاجتماعي ووضوح الرؤية داخل العلاقات الاجتماعية البناءة داخل الجماعات المدرسية يتيح الفرصة لنشر الاتجاهات النفسية السليمة نحو الذات ونحو الآخرين أما الجو المدرسي الذي يقل فيه الاتصال بين المدرسين والتلاميذ كجماعة متكاملة الأدوار يؤدي إلى أن ينشأ عند أعضاء هذه الجماعة سواء إدراك وسواء تأويل وسوء فهم، بل وإلى ظهور روح العداوة بين بعضهم البعض, ولكن حينما يقوم هذا الجو على الاتصال والتواصل، يميل التلاميذ والمدرسون إلى تكوين إدراكات واقعية ومشاعر إيجابية نحو بعضهم البعض, وحينما يتوفر للتلاميذ إدراك واضح لأهداف مشتركة، وشعور بالتماسك، ويرون بعضهم البعض بصورة حسنة فإن مخالطيهم يميلون إلى الإتيان باتجاهات وأنماط سلوكية تتميز بالتقبل والتأييد المتبادل بين بعضهم البعض أما اتصالات التلاميذ التي تتم في جو مدرسي يسود فيه انعدام الأهداف المشتركة وضعف روح الفريق ورؤية الجانب السيئ في الشخص الآخر,
كل هذا ينتج عنه اتجاهات وسلوك يغلب عليها عدم التقبل، وعدم التأييد بين بعضهم البعض.
ويميل الجو المدرسي الذي تسيطر عليه قيادة تتسم بالتزمت الصارم إلى إنتاج أنماط من السلوك والاتجاهات بين الأفراد تتميز بالعدوانية وإلى حدوث ظاهرة كبش الفداء، وترك الجماعة بينما تميل القيادة الديمقراطية إلى إنتاج أنماط سلوكية واتجاهات تتسم بالتعاون، وعدم النقد الهدام، وبالبقاء في الجماعة، ويميل التلاميذ إلى أن يندمجوا بدرجة أكبر في خبرة ما حين يسهمون في التخطيط لها، وتكون لديهم الفرصة للتعبير عن مشاعرهم حيالها ويسمعون مشاعر غيرهم نحوها، وتكون لديهم بعض المسئولية الفعالة في تنفيذها, بينما يميل التلاميذ إلى مقاومة تلك الخبرات التي لايستمتعون في تخطيطها، أو في التعبير عن مشاعرهم نحوها، أو في مسئولية تنفيذها، أو يظهرون عدم التحمس لتبنيها.
ويميل التلاميذ إلى أن ينجذبوا نحو الأنشطة التي يرون فيها فرصًا طيبة لإشباع حاجاتهم ويشعرون بالتوحد معها, بينما يميل التلاميذ إلى ألا ينجذبوا نحو الأنشطة التي يرون فيها فرصة ضعيفة لإشباع حاجاتهم ولا يشعرون بالتوحد معها.
стр. 511
ويميل التلاميذ إلى الشعور بالارتياح والأمان في المواقف حينما يدركون أنفسهم على أنهم ذو قيمة ويدركون الآخرين على أنهم يمثلون قوى ودية نحوهم, بينما يميل التلاميذ إلى الشعور بعدم الارتياح وبعدم الأمان في المواقف حينما يدركون أنفسهم على أن قيمتهم ضئيلة ويدركون الآخرين على أنهم يمثلون قوى غير ودية نحوهم.
وإذا كان الفصل المدرسي يمثل الوحدة الأساسية للمجتمع المدرسي، فما الذي يميز الفصل المدرسي الذي تشيع فيه مقومات النمو السليم للأطفال؟
١- كمية التقبل أو الرفض داخل الجماعة ويشير ذلك إلى مدى العاطفة الإيجابية أو السلبية في الفصل المدرسي أو درجة الجو الذي يتسم بالصداقة في مقابل الجو الذي يتسم بعدم الصداقة, وهذا ما يكتشفه المدرسون عن طريق عمل دراسة سوسيومترية "دراسة العلاقات الاجتماعية بين الأفراد" عن عدد أعضاء الفصل الذين يحبون بعضهم بعضًا، وإلى أي حد يعتقدون أن المدرس يحبهم وإلى أي حد يحبهم المدرس بالفعل, وهنا يكون الافتراض بأن غلبة تقبل الاتجاهات والسلوك تعد أكثر صحية من غلبة رفضها.
٢- كمية العمل التعاوني أو العدواني داخل الجماعة، ويشير إلى مدى الحركة الإيجابية أو السلبية مع الآخرين أو ضدهم، أو إلى درجة تقديم المعونة في مقابل القوة أو التهديد أو الإكراه أو الأذى, ويكتشف المدرسون ذلك حينما يوجهون إلى الطلاب أسئلة عن إلى أي حد يدركون أنفسهم، والأطفال الآخرين، والمدرس من حيث الالتفاف حوله أو التفاف الآخرين حوله، وهنا يكون الافتراض بأن غلبة الأعمال التعاونية تعد أكثر صحية من غلبة الأعمال العدوانية.
٣- كمية الاندماج في عمليات الفصل المدرسي أو الانسحاب منها، ويشير ذلك إلى مدى الحركة الإيجابية أو السلبية نحو الآخرين أو بعيدا عنها، أو درجة المشاركة في مقابل الانعزال والهروب، ويقيس المدرسون ذلك حين يبحثون عن عدد التلاميذ الذين يبدون على أنهم جزء من خبرة الفصل المدرسي أو يشعرون بذلك، وهنا يكون الافتراض بأن وجود اندماج الطالب يعد أكثر صحية من وجود الانسحاب.
стр. 512
٤- كمية الشعور بالارتياح أو القلق في الفصل، ويشير ذلك إلى مدى الشعور بالارتياح أو التوتر أو إلى درجة المشاعر والأنماط السلوكية الهادئة في مقابل المشاعر والأنماط السلوكية العصبية, وأحد طرق تقويم المدرسين لذلك عن طريق تقديم فرص للطلاب للتعبير عن السعادة أو الشقاء بالنسبة لإجراءات الفصل والطلاب الآخرين، والمدرس والموقف العام بالفصل وهنا يكون الافتراض بأن غلبة مشاعر الارتياح تعد أكثر صحية من غلبة مشاعر القلق.
النظام المدرسي:
تنشأ مشكلات النظام في الفصل المدرسي من إحباط بعض الحاجات الأساسية لدى الطفل والطفل الذي يستجيب لهذا الإحباط بعدوان صريح يؤدي إلى إثارة الاضطراب داخل جماعة الفصل المدرسي، ومع المدرس، ومع قيادة المدرسة بصفة عامة، وهنا يصبح الطفل حالة من مشكلات النظام المدرسي، أما الطفل الذي يستجيب للإحباط بعدوان موجه نحو الذات نادرا ما يصبح حالة مشكلة، ولكنه يخبر اضطرابًا أكبر في نظام الشخصية من الطفل الذي يأتي برد فعل نضالي موجه ضد الآخرين.
وليس من الصعب تحديد أسباب سوء التصرفات التي تبدو من بعض الأطفال، فكل طفل تحركه الحاجة إلى النجاح، ولذا فإذا كانت بعض المواد الدراسية صعبة للغاية, فإنه يشعر بالإحباط ويدفعه التوتر المصاحب للإحباط إلى إثارة بعض الاضطراب أو التحدي الذي قد يأخذ شكل إزعاج المدرس أو إتلاف كتبه أو مقعده المدرسي، ويدفعه إلى النضال ضد بيئته، وهكذا فإن تكييف مضمون البرامج الدراسية لقدرات التلاميذ وإمكاناتهم ويساعد على حل الكثير من مشكلات النظام المدرسي.
ويحتاج الطفل إلى الاعتراف بقدراته من مدرسيه ومن زملائه, وإذا كان هناك بعض الأفراد الذين يحصلون على إشباع تام من معرفة أنهم قد أتوا بعمل طيب إلا أن معظم الأفراد، يرغبون في أن المحيطين بهم يعترفون بإنجازاتهم ومثل هذه النزعات تزكي مشاعر الجدارة أو الكفاءة الشخصية لديهم فالرغبة في الحصول على مكانة اجتماعية لا تعني بالضرورة أن الفرد يتوقع أن يكون مرموقًا، فما يحتاجه هو الشعور بأن الآخرين يحبونه لما هو عليه، المدرس القادر على فهم هذه الحاجة الانفعالية يستطيع أن يشبعها لدى التلاميذ باختلاف مستوياتهم
стр. 513
وشخصياتهم, فلا يحاول التقليل من شأن أي تلميذ, بل يسعى دائمًا إلى مساعدة كل منهم على الاحتفاظ باحترام ذاته, فالعلاقة بين المدرس والتلميذ ينبغي أن تتم بشكل يجعل التلميذ يشعر بالأمان انفعاليا, فيكون الجو العام للفصل المدرسي باعثًا في الاسترخاء والصداقة، والمدرس بفهمه للحاجات النفسية للتلاميذ، فإنه يضعها في اعتبارها عند مزاولة الأعمال المختلفة بالفصل ولا يلجأ إلى أساليب النظام إلا حينما تكون هناك ضرورة تستدعي ذلك لصالح الجماعة، كذلك فإنه لا يلجأ إلى استخدام الخوف كوسيلة للضبط، لأن الشعور بعدم الأمان يخلق مشكلات سلوكية واضحة.
التحصيل الدراسي:
تعتبر معرفة المدرس بحقائق الفروق الفردية واستخدام هذه المعرفة في العملية التعليمية أمرًا ضروريًا إذا كان المدرس يسعى إلى تحقيق أهداف النمو لدى الأطفال تحت رعايته وتوجيهه, وعلى الرغم من أن الفروق الفردية لا تتحدد فحسب بالناحية العقلية، إلا أنه من الأهمية بالنسبة للمدرس أن يتحقق من أن تلاميذه لا يتساوون في إمكاناتهم العقلية, ففي الصف الخامس الابتدائي يتراوح معدل العمر العقلي بين عشرة وأربعة عشر عاما بل وحتى بين عشرة وستة عشر عامًا, ولذا فإن تبني المدرس لهدف أكاديمي عام يتلاءم مع المستوى المتوسط لكل التلاميذ من شأنه أن يؤدي إلى إحباط التلميذ الأقل ذكاء والتلميذ الأكثر ذكاء.
إن الحاجة إلى التحصيل أو الإنجاز تكون قوية لدى كل تلميذ وتتطلب وجهة نظر الصحة النفسية إشباع هذه الحاجة, الأمر الذي يفرض أن يكون اهتمام المدرس بالتلميذ بطريقة فردية وفقًا لمستوى إمكاناته ولخصائصه الشخصية. حتى يستطيع زيادة معلوماته وإنماء ثبات الانفعال لديه والاحتفاظ باحترامه لذاته.
والتلاميذ الذين تحبط لديهم الحاجة إلى التحصيل أو الإنجاز في الفصل المدرسي يستجيبون للموقف بطرق مختلفة، فبعضهم قد يأتي باستجابة عدوانية وبالتالي يؤدي إلى اضطراب في النظام المدرسي، والآخر قد يتخذ اتجاه السلبية واللامبالاة، بينما يعكف البعض على أحلام اليقظة وقد تؤدي خبرات الفشل ببعض التلاميذ إلى ترسيب انطباعات العجز والدونية في نفوسهم بما يؤدي إلى إيذاء الأنا.
стр. 514
وتمثل الامتحانات أهمية خاصة بالنسبة لجو الصحة النفسية بالمدرسة فإذا كانت الامتحانات جزءا أساسيًا من البرنامج التربوي، فإن اتجاهات المدرسين والتلاميذ نحو الامتحانات تحتل أهمية بالغة للصحة النفسية، فلا ينبغي أن يعطي المدرسون انطباعًا بأن الامتحانات تستخدم كأسلحة وبأنها شيء يبعث على الخوف والرهبة فبدلا من ذلك ينبغي أن يكون واضحًا للتلاميذ أن الامتحانات ليست إلا وسائل لمساعدة كلا من التلاميذ والمدرسين على تكشف إلى أي حد قد حققوا تقدمًا في اكتساب المعارف والمهارات، كما أنها وسائل تستخدم كمشروع تعاوني بينهم.
ولكن كثيرًا ما يساء استخدام الامتحانات، لأن اتجاه الكثيرين نحو الامتحانات يكون كما لو أن كل امتحان يصير أزمة في حياة الطفل ولذا قد يكون رد الفعل الانفعالي للامتحان عميقًا بدرجة يخبر معها أعاقات انفعالية تؤدي إلى كف استدعاء الحقائق التي يعرفها بالفعل, ولذلك فإن الامتحانات بالصورة الخاطئة التي تتم بها تمثل فترات من التوتر التي تؤدي إلى تعطيل الاضطراد في عملية النمو.
ومن غير المرغوب فيه من وجهة نظر الصحة النفسية أن نتوقع من التلاميذ أو حتى من المدرسين أن يكون أداؤهم تاما كاملا, فالتحصيل في الفصل المدرسي يكون دائمًا نسبيًا, وبالتالي ينبغي ألا يوجه التلميذ ليكون هدفه الكمال أو أنه يفعل أفضل من تلميذ آخر, ولكن بدلا من ذلك يكون هدفه زيادة حصيلة معلوماته حتى يستطيع أن يتعامل مع بيئته بطريقة أفضل.
ومن هنا، ليس من السليم توقيع العقاب على التلاميذ لأنهم لم يقوموا بإنجاز عملهم على الوجه الأكمل، لأن الفشل خبرة سيئة، كما أن الفشل يكون خبرة أسوأ إذا صوحب بالعقاب، فأفضل محرك للعمل السليم والإنجاز الطيب هو النجاح, وبقدر ما يخبر الطفل النجاح، بقدر ما يأتي بأداء وإنجاز أفضل, ولذا ينبغي أن تخطط المدرسة برنامجها بحيث يستطيع كل طفل أن يخبر سلسلة من النجاحات الأكاديمية, فالنجاح يؤدي إلى النجاح، لأنه يمثل خبرة بناءة، كما أنه يصير في حد ذاته دافعًا إيجابيًا للتحصيل والإنجاز ويؤدي النجاح المستمر إلى التكامل وإلى الثقة بالنفس.
стр. 515
الكتاب المدرسي:
يقوم الكتاب المدرسي بدور كبير في التكوين العقلي.. المعرفي للأطفال، وفي التأثيلر على نموهم وسلوكهم، فالكتاب المدرسي يسهم في نمو المهارات الأكاديمية عند الطفل، بما يؤثر أيضًا في نموه الاجتماعي وفي اتجاهاتهم الاجتماعية.
ولقد قام فريق من الباحثين بدراسة أثر ما يقرأه الأطفال على تطبيعهم اجتماعيًا، في هذه الدراسة حللت جميع القصص الواردة في كتاب القراءة بالصف الثالث الابتدائي، ولقد وجد هؤلاء الباحثون أن كتب القراءة تعالج فئات مختلفة للسلوك بحيث تشجع دوافع معينة, وتحث على تجنب دوافع أخرى.
وكانت أنماط السلوك التي أثيبت إثابة متكررة في هذه القصص هي البناء "أي القيام بإنتاج مادي أو ذهني" والاستمتاع الحسي "أي الاستمتاع باللذة الحسية والسعي وراءها" والابتهاج "أي الفرح والحماس والتفاؤل" ... والحصول على التعضيد "أي محاولة الحصول على الحماية والمشاركة الوجدانية أو المساعدة من شخص آخر", والتواد "إظهار المودة والنوايا الطيبة نحو الآخرين والرغبة في بذل الجهد لمعاونة أي فرد يحتاج إلى العون"، والتحصيل "أي الطموح أو الجهد في نجاح مادي أو ذهني أو اجتماعي".
ومن ناحية أخرى، تعرضت أنماط السلوك التالية للعقاب بتكرار أكبر خلال هذه القصص، الاحتداد المزاجي، والعصيان الفاضح والعدوان اللفظي والجسمي والنبذ "أي مشاعر عدم المبالاة نحو الآخرين ومضايقتهم واحتقارهم، وأعمال التجنب والإهمال" وتجنب الأذى "أي الحساسية والخجل والارتباط الاجتماعي.
أي أن مادة كتب القراءة, تزود الأطفال بدروس تشجعهم على تنمية دوافع معينة وتحثهم على إضعاف دوافع أخرى بطريقة يحتمل أن تؤدي إلى توافق أكثر إشباعًا مع المجتمع.
стр. 516
المدرس:
يمثل المدرس محور النظام التربوي، وأكثر العاملين فيه أهمية وخطورة لأن تحقيق الأهداف التي ينشدها المجتمع من تربية النشء يتوقف عليه بدرجة كبيرة, وهذا يستلزم بالضرورة توفر خصائص أو صلاحيات تربوية وشخصية معينة لدى المدرس، ويحدد "رانكن" الخصائص التالية للمدرسين الأكفاء.
أكفاء من ناحية تأثيرهم الطيب على صحة التلاميذ النفسية من خلال رعايتهم المدرس الذي يحب الأطفال والشباب, وقد يبدو هذا حقيقة لا تستحق ذكرها لأنها أمرًا أساسيًا، ولحسن الحظ، يميل معظم المدرسين إلى حب تلاميذهم، إلا أنه يوجد البعض من المدرسين ممن لا يتوفر لديهم هذا الشرط.
"المدرس الذي يكون هو نفسه متوافقا بدرجة سلمية ومتمتعًا بالصحة النفسية ومن ثم يجسد الصحة النفسية لتلاميذه في عمله التربوي".
"المدرس الذي يكون على إلمام طيب بقوعد الصحة النفسية وعلاقتها بالتربية".
"المدرس الذي يكون على فهم واع بمبادئ تطور نمو الأطفال وبمظاهر النمو، وبأصول توجيه التغيرات الحادثة في عملية النمو، والذي يستطيع استخدام الطرق المختلفة لمعرفة التلاميذ كأفراد ولمعرفة حاجاتهم".
"المدرس الذي يزود الفصل المدرسي بمناخ يهيئ إلى تحقيق الصحة النفسية والارتقاء بها".
"المدرس الذي يستطيع التعرف على مشكلات التلاميذ وتحديدها ويعرف كيف يساعدهم ويوجههم".
وقد تناولت دراسات عديدة بالبحث سلوك المعلم وجو الجماعة، وخرجت بنتائج تؤكد بأن المدرسين المسيطرين العدائيين يؤثرون تأثيرًا عكسيًا على التوافق الحسن للتلاميذ وعلى إعاقة النمو بصفة عامة، بينما يساعد المعلم غير المعاقب والمشوق للتلميذ على التوافق الحسن وعلى اضطراد عملية النمو في أحسن صورها.
стр. 517
من هذه الأمثلة تلك السلسلة من الدراسات التي قام بها، "أندرسون وأندرسون وزملاؤهما"، من عام ١٩٦٣ حتى عام ١٩٥٤ تناولت.
"طبيعة العلاقة بين سلوك الأطفال وتفاعلهم مع المعلمة المسيطرة والمعلمة المتكاملة اجتماعيًا, وقد اهتم هؤلاء الباحثون باختيار فرضين شعروا بإمكانية تطبيقهما على العلقلات بين المعلم والطفل.
١- الفرض الأول: ويطلق عليه "فرض دائرة النمو"، وهو أن السلوك المتكامل "أي العطاء والأخذ بطريقة ديمقراطية" عند شخص يؤدي إلى زيادة السلوك المتكامل عند الآخرين.
٢- الفرض الثاني: ويطلق عليه فرض الدائرة الفاسدة، وهو أن "السلوك المسيطر التسلطي عند شخص يميل إلى إثارة السيطرة عند الآخرين.
ولقد رأى هؤلاء الباحثون في ملاحظاتهم للتفاعلات بين المعلمة والتلميذ أي سلوك المعلمات المسيطر يتمثل في أنماط سلوكية مثل استخدام القوة وإلقاء الأوامر للتلاميذ وتهديدهم وتوبيخهم, الإحراج والإصرار الجامد على المسايرة, ومن ناحية أخرى, تمثلت الأنماط السلوكية التكاملية في "الموافقة" والدعوة إلى النشاط وسؤال الطفل عن ميله ومشاركته وجدانيًا, والاشتراك معه في النشاط.
وقد تبين من بعض هذه الدراسات أن الأطفال الذين تعلموا على يد معلمة أكثر تكاملا وديمقراطية قد سلكوا سلوكًا أكثر تكاملا عند مقارنتهم بالأطفال الذين تعلموا على يد معلمة أكثر سيطرة، كما أتوا بتصرفات تعبر عن التلقائية والمبادأة والاتجاهات الاجتماعية البناءة في اتصالاتهم بغيرهم، وأيدت النتائج الفرض القائل بأن التكامل عند المعلمة يؤدي إلى سلوك متكامل عند الطفل.
ومن ناحية أخرى أبدى الأطفال الذين يتعلمون على يد معلمة مسيطرة سلوك عدم المسايرة, أي أن السيطرة تحث على المقاومة، وأبدى تلاميذ المعلمة المسيطرة اهتمامًا وتحمسًا أقل بعملهم، وانغمسوا بدرجة أكبر في نشاطات مثل التلفت حولهم والهمس لزملائهم، وإذا كان من
стр. 518
الأهداف التربوية التي ينبغي أن يعمل المعلم على تحقيقها, خفض الصراع بين التلاميذ في حجرة الدراسة وزيادة الوئام بينهم، فإن هذا البحث قد أظهر أن المعلمة المسيطرة تفسد هدفا من أهداف التربية التي تريد تحقيقه.
ولقد تتبع الباحثون هؤلاء المعلمين والأطفال بعد مضي سنة أخرى، وقد وجد أن المعلمات ينهجن في سلوكهن على نفس المنوال عاما بعد آخر. أما الأطفال فإنهم من ناحية أخرى لم يبق سلوكهم على نفس الوتيرة, إذ أظهروا مرونة أكبر، واستجابوا استجابات تتسم بالسيطرة عندما كانت معلمتهم مسيطرة، كما استجابوا استجابات تدل على التكامل عندما كانت المعلمة متكاملة الشخصية.
وهكذا تكشف نتائج هذه الدراسات أن سلوك التلاميذ يعتمد بدرجة كبيرة على سلوك معلماتهم، وأن المعلمات اللاتي يستخدمون الأسلوب الديمقراطي مع أطفالهم يكافأن بما يجدنه من تعاون أكبر من تلاميذهن وبما يبدونه من تلقائية في السلوك واهتمام ومبادأة، ومن ناحية أخرى. فإن المعلمات اللاتي يحاولن إجبار تلاميذهن على الامتثال لأوامرهن عن طريق الأساليب الدكتاتورية العدوانية يشجعن تلاميذهن على المقاومة بدرجة أكبر, تلك المقاومة التي تأخذ مظاهر مختلفة تبدو في صورة همس إلى الزملاء، الشخبطة في الرسم بينما يفكر في شيء آخر، شرود الذهن، المعارضة المباشرة أو التحدي والمواجهة الصريحة وبصفة عامة، تساعد المعلمة المتكاملة تلاميذها على إشباع حاجاتهم بدرجة أكبر وبالتالي تعرضهم للإحباط بدرجة أقل.
أما المعلمة المسيطرة فهي من ناحية أخرى نتيجة لقصور اهتمامها بحاجات الطفل وضيق أفقها في تصور السلوك المقبول والناتج اجتماعيًا، تعرض جهود الطفل لإشباع حاجاته للصد مرات أكثر، ولما كان الصد والإحباط قد ينتج عدوانًا، فإن المعلمة المسيطرة يغلب أن تصبح هدفًا للكراهية والعداء، بدلا من أن تكون مصدرًا للثواب، وعلى هذا, يحتمل أن تواجه صعوبات أكبر في محاولاتها لغرس الاستجابات العدوانية الظاهرة عند تلاميذها وذلك باستخدام التخويف والعقاب, ولكنها عاجزة عن غرس الرغبة الموجبة للتعاون وإقامة علاقات ناضجة قائمة على الأخذ والعطاء.
стр. 519
فالمدرس ينبغي أن يحب بإخلاص تلاميذه بدون ما اعتبار لنقائصهم، وتمثل هذه المشاعر نحو التلاميذ أمرًا ضروريًا بالنسبة للتدريس الفعال وبالنسبة لتحقيق العلاقات الصحية داخل الفصل المدرسي، وإذا لم تتضح من المدرس مشاعر الحب لتلاميذه، فيغلب أن تصير استجابات التلاميذ أشبه باستجابات الأطفال الذين يلقون النبذ والإهمال من والديهم,
ويرتبط بهذه الصلاحيات اللازمة للمدرسة، الحساسية للعلاقات الإنسانية، وعلى الرغم من صعوبة تحديد المقصود بهذا المصطلح على وجه الدقة إلا أن "روجرز" يصف الشخص الذي تعوزه هذه الحساسية على أنه الشخص الذي لا يبالي تمامًا باستجابات الآخرين, والذي لا يتحقق من أنه ما يبديه من ملاحظات تسبب للآخرين سرورًا أو ضيقا، والذي لا يدرك العداوة أو الصداقة التي توجد بينه وبين الآخرين أو بين بعض أصدقائه، فالشخص الذي يتمتع بحساسية للعلاقات الإنسانية يلاحظ بسرعة ردود أفعال الآخرين نحوه أو نحو شخص آخر, وهو يستجيب للأمزجة, المختلفة ويعرف كيف يتكيف معها, ومن الأهمية بمكان أن يتمتع المدرس بهذه الحساسية، فبدونها لا يتحقق لديه الفهم الكافي والسليم لشخصيات تلاميذه ولعل أفضل طريقة لاكتشاف سمات الشخصية التي ينبغي أن يتمتع بها المدرس هو أن نستقي ذلك من تلاميذ المرحلة الثانوية والعالية عن موضوع، بتجميع ١٤.٠٠٠ خطاب من تلاميذ المحرة الثانوية والعالية عن موضوع، المدرس الذي ساعدني أفضل. وقد قام الباحثون بتحليل الاستجابات وحدد السمات التالية حسب ترتيب أهميتها.
١- الاتجاه التعاوني الديمقراطي.
٢- الشفقة والاهتمام بالفرد.
٣- الصبر.
٤- الاهتمامات الواسعة.
٥- الاهتمام بالمظهر الشخصي الذي يبعث على الجاذبية.
٦- العدالة واللاتحيز.
٧- روح الدعابة والمرح.
٨- الخلق الطيب والسلوك المتزن.
٩- الاهتمام بمشكلات التلاميذ.
١٠- المرونة.
١١- تأكيد ذوات التلاميذ ومدحهم عند اللزوم.
١٢- الكفاءة العالية في تدريس مادة من المواد.
стр. 520
وكذلك قام "وتي" بتحديد الخصائص التالية غير المرغوبة في شخصية المدرس:
١- الطباع السيئة وعدم التحمل.
٢- عدم العدالة والميل إلى التحيز.
٣- عدم الميل للاهتمام بالتلميذ أو بقضاء وقت لمساعدته.
٤- عدم معقولية المطالب.
٥- الميل إلى أن يكون كئيبًا وغير صدوق.
٦- الميل إلى التهكم والاستهزاء والسخرية.
٧- المظهر غير الجذاب.
٨- عدم الصبر وعدم المرونة.
٩- الميل إلى الكلام بطريقة مفرطة أو مطولة.
١٠- الميل إلى عدم إعطاء فرصة للتلاميذ للتعبير عن أنفسهم.
١١- التعالي والغرور.
١٢- نقصان روح الدعابة والمرح.
وتكشف المقارنة بين الخصائص الإيجابية والسلبية في شخصية المدرس بوضوح أن التلميذ يستجيب بطريقة تعكس مدى ما يحققه المدرس من قواعد الصحة النفسية, ولذا يشعر التلميذ بأن المدرس قوة بناءة في حياته إذا كان يحترم شخصية التلميذ ويفهم حدود إمكانات هذا الطفل النامي ويخلق جوا عاما من الأمان.
وإذا كان أطفالنا يقضون في المدرسة فترة كبيرة من عمرهم تمثل أهم الفترات وأحرجها من حيث التعلم وبناء الشخصية, فمن الأهمية البالغة أن ينشئوا في ظل توجيه أشخاص على درجة طيبة من التوافق النفسي. وبالتالي ينبغي اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لاجتذاب الأشخاص الأفضل تكاملا وذكاء لمهنة التعليم، وتوفير كافة الظروف التي تجعل من هذه المهنة السامية رسالة نبيلة ونشاطا خلافًا تزاوله شخصيات قادرة لها خصائصها المتميزة الراقية.
стр. 521
الباب الثالث: المراهقة
مدخل
...
الباب الثالث: المراهقة
أولا: طبيعة المراهقة
المراهقة Adolescence مرحلة من النمو تقع بين الطفولة والرشد، مرحلة نمائية يتحول فيها الطفل من عالم الطفولة إلى عالم الكبار.
ولا يعني مصطلح "مراهقة" البلوغ والشباب كمرادفات، حيث إن المراهقة تعني التغيرات المتميزة الجسمية والعقلية والانفعالية والاجتماعية، التي تتم في فترة العقد الثاني من العمر "ولذا يطلق أحيانًا على المراهقين مصطلح Teen-Agers ما بين الطفولة وسن النضوج, ويعني البلوغ Puberty الجانب العضوي للمراهقة من حيث نضوج الوظيفة الجنسية, ويحدد هاريمان البلوغ بأنه مرحلة من مراحل النمو الفسيولوجي العضوي التي تسبق المراهقة، وتحدد نشأتها وفيها يتحول الفرد من كائن لا جنسي إلى كائن جنسي قادر على أن يحافظ على نوعه باستمرار سلالته, بالتالي نستطيع أن نعرف البلوغ بأنه نضج الغدد التناسلية واكتساب معالم جنسية جديدة، تنتقل بالطفل من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الإنسان الراشد.
أما الشباب فعادة ما يتمثل في الجانب الاجتماعي للمراهقة، وخاصة في نهايتها، وقد يتسم بمناقضته للجيل الذي وصل فعلا إلى النضج الحقيقي، والشباب يعتبر بمثابة فترة من النمو يندفع خلالها الكائن الذي صار مالكًا لكل إمكانايتها نحو من سبقوه في حماس وصبر نافذ ليتخذ لنفسه مكانًا داخل مجتمع الراشدين.
وإذا كان النمو عملية متصلة مستمرة، فإن مسار النمو يأخذ من حوالي سن ١٢: سن ١٣ معدلات أسرع وتغيرات أعمق ومظاهر أكبر، فعند بدايات هذه المرحلة مع البلوغ، عادة ما يأخذ الاتزان الجسمي والنفسي في الاحتلال النسبي، وتطرأ تغيرات عضوية عميقة تعطي للجسم بنية وقوة متزايدة وأشكالا أكثر وضوحًا وتظهر الوظيفة التناسلية، وتختفي العادات الطفلية وتبرز اهتمامات وميول جديدة تشهد في وجود رغبة في توسيع أفق الحياة الذي كان يقتصر من قبل في أغلب الأحيان على نطاق الأسرة والمدرسة وتزداد أحلام اليقظة في هذه المرحلة إلى الحد الذي قد تصبح معه عائقًا لتكيف المراهق النفسي والاجتماعي.
стр. 522
وإذا كانت المراهقة بعد البلوغ تتسم بصفة عامة بعدم الاستقرار أو حتى القلق, وقد يعاني فيها المراهق من انحرافات مزاجية ومن عدم الاتزان الجسمي، ويشعر فيها بإحساس التقدم في تعثر نحو مستقبل غير مضمون، بواسطة التطور حيث يزداد الكيان النفسي رسوخًا، والحياة العقلية ثبوتًا، وينمو الاهتمام بنوع الدراسة أو المهنة التي يستخدها المراهق لنفسه، ويأخذ المراهقون في التحول إلى شباب يتطلع بشغف إلى المستقبل، تحركه أمال ومطامح هائلة لما يرد عليه في عالم الكبار الراشدين.
ونظرًا لما تتصف به هذه المرحلة من خصائص ومستويات متميزة للنمو، أبرزها أنها مرحلة تغير جذري وسريع وينسحب على كافة مظاهر النمو، وأنها مرحلة انتقالية حرجة، فقد اختلفت نظريات علماء النفس في محاولة تفسير طبيعتها وحقيقتها.
فالمراهقة هي الميلاد النفسي وهي الميلاد الوجودي للعالم الجنسي، وهي الميلاد الحقيقي للفرد كذات متفردة، وهي مزاج من شيء في سبيله إلى الخلع والانتهاء وهو الطفولة ونقيض في سبيله إلى الارتداد والنماء وهو الرشد، وإذا نظرنا إلى الأجيال في تعاقبها لرأيناها تتواصل يقطعها بين الجيل والجيل مفصل المراهقة، وهو مفصل واصل فاصل معنا، والمراهق في مرحلته الانتقالية هذه يتحدى طفولته في ثقة مطلقة بالذات، ويثور على عالم الكبار محاولا تجريد الراشدين وآراءهم من كل ثقة، فيرفع الاستقلالية المسرفة في وجه التبعية والتسلطية ليصل إلى تبعية متبادلة، والبلوغ في نظرة تدفق لمدد هائل من الطاقة الجنسية الغامرة التي تصبغ العالم بالجنسية، ومن ثم فهو صدمة تحطم الاتزان النفسي وينشأ عصاب صدمي يبرز عدة أعراض انفعالية مثل سرعة القابلية للتهيج ونوبات الغضب وسرعة القابلية للتعب دون جهد يذكر وعدم القدرة على تركيز الانتباه ونوبات القلق وأحلام اليقظة, ويحاول المراهق إقامة الاتزان النفسي من جديد مجربًا كل الإمكانيات وكافة الحلول ويناوب الدفاع والإشباع فيمر بمرحلة من التوافق الكاريكاتوري المتخبط وبين السطحية والضحالة والضدية يقف عند البطولية الرجولية والخلاعة الأنثوية.
стр. 523
وعمق، ومن أن هناك خصائص عامة ثابتة تميز الأفراد في هذه المرحلة نموهم ومن بينها مثلا تمردهم على آبائهم وثوراتهم على مدرسيهم وعلى أنها فترة عصبية في النمو يشوبها القلق والتوتر والأزمات النفسية الحادة بالنسبة لجميع المراهقين, ولذا يعتبرها "مندوس" فترة من الحياة المتشنجة، ويعتبرها بوهلر فترة سلبية.
وكان لكتابات "ستانلي هول" خاصة, التي وصف فيها المراهقة بأنها فترة عواصف وتوتر وشدة، وأنها مرحلة ميلاد جديد" أكبر الأثر في إشاعة هذه النظرة المتشائمة المستسلمة إلى المراهقين ومشكلاتهم.
ولكن ما شهده علم النفس من اتساع في نطاق البحوث والمشاهدات التي أجريت على المراهقين في حضارات وثقافات متعددة، قد أوضح أن للمراهقة أشكالا وصورًا متعددة، وأنه ليس بالضرورة أن تأخذ المراهقة هذا الشكل المتأزم المضطرب، فلا تكاد توجد خصائص عامة ثابتة لسلوك جميع المراهقين، وإنما هناك ظواهر سلوكية تتأثر باتجاهات العصر والثقافة المحيطة وثقافة مجموعات المراهق الخاصة، إلى جانب عوامل أخرى يختص بعضها بالمراهق نفسه والآخر لظروفه وعلاقاته الاجتماعية.
وتشير الدراسة الرائدة لصمويل مغريوس عن "المراهق المصري" أن هناك أربعة أشكال عامة للمراهقة في مصر.
المراهقة المتكيفة:
وتكون أميل إلى الهدوء النسبي والاتزان الانفعالي، وعلاقة المراهق بالآخرين طيبة، ولا أثر للتمرد على الوالدين أو المدرسين، وحياة المراهق غنية بمجالات الخبرة بالاهتمامات العملية الواسعة التي يحقق عن طريقها ذاته وحياته المدرسية موفقة في أغلب الأحيان، وهو يشعر بمكانته في الجماعة وبتوافقه فيها، ولا يسرف في أحكام اليقظة أو غيرها من الاتجاهات السلبية، ولا يكثر التهم أو يطيل التفكير في مشكلات ذاتية. ولا تستولي المسائل الدينية والفلسفية على تفكير المراهق إلا في النادر، وأما الشكوك الدينية وموجات التردد، فلا تأخذ صورة حادة وقد لا يتعرض لها إطلاقًا, فالمراهقة هكذا تنحو نحو الاعتدال في كل شيء ونحو الإشباع المتزن وتكامل الاتجاهات.
стр. 524
ومن العوامل المؤثرة في هذا الشكل للمراهقة, المعاملة الأسرية المعقولة التي تنطوي على سماح الوالدين بنصب وافر من الحرية, وعلى تفهم حاجات المراهق واحترام رغباته، وقد نجح آباء هؤلاء المراهقين في توفير جو من الثقة بينهم وبين آبنائهم بحيث تسنى للمراهق أن يصارح أباه عن بعض مشكلاته الانفعالية، فيوجهه أبوه في حدود استطاعته, وهنا كان يشعر المراهق بتقدير أبويه واعتزازهما به, وقد اقترن هذا التقدير بالتقدير في مواطن أخرى، مثل مجموعة الأقران أو الأصدقاء أو المدرسين أو أهالي القرية أو الحي، واحتل النشاط الرياضي الاجتماعي مكانة خاصة في حياة هؤلاء المراهقين فكان دعامة أساسية في جعل مراهقتهم سعيدة مشبعة، وكان النجاح الدراسي من مصادر رضا المراهق عن نفسه وتقدير الآخرين له, وفي حياة هؤلاء المراهقين قدر واف من المسئولية الاجتماعية وفرص كافية للاستقلال والاعتماد على النفس والتخفف من رقابة الأسرة.
٢- المراهقة الانسحابية المنطوية:
المراهقة في هذا الشكل أسيفة مكتئبة بالإنطواء, والعزلة والشعور بالنقص وليس للمراهق مخارج ومجالات خارج نفسه، عدا أنواع النشاط الإنطوائي مثل قراءة الكتب الدينية وغيرها, وكتابة المذكرات التي يدور أغلبها حول انفعالاته وتقدمه للصور المحيطة، والمراهق مشغول بذاته ومشكلاته، كثير التأمل في القيم الروحية والأخلاقية وإلى نقد النظم الاجتماعية والثورة على تربية الوالدين وتنتابه الهواجس الكثيرة وأحلام اليقظة التي تدور حول موضوعات حرمانه من الملبس أو المأكل أو الجنس أو المركز المرموق، وهو يسرف في الاستنماء تخلصًا مما يشعر به من ضيق وكبت ونتيجة لعدم ميله إلى مجالات عملية خارج نفسه كالرياضة أو النشاط الاجتماعي.
٣- المراهقة العدوانية المتمردة:
كثيرًا ما تكون اتجاهات المراهق ضد الأسرة والمدرسة وأشكال السلطة، وتتسم كذلك المحاولات الانتقالية ومخاولات التشبه بالرجال والأساليب الاحتيالية في تنفيذ رغبات المراهق ومآربه، وقد يلجأ في ذلك إلى التدخين وتصنع الوقار في المشي والكلام وإطلاق الشارب واللحية أحيانًا واختراع قصص المغامرات، والهروب من المدرسة، والمحاولات الجريئة مع الجنس الآخر، ويقترن بذلك شعور المراهق بأنه مظلوم وبأن مواهبة وقدراته غير مقدرة ممن يحيطون به.
стр. 525
وتتفق العوامل المسئولة عن هذين الشكلين "٢، ٣" فالمراهقة في التربية الضاغطة المتزمتة يمكن أن تنتج شخصية منكمشة منطوية على نفسها أو شخصية ثائرة عدوانية.
٤- المراهقة المنحرفة:
وتأخذ صورة الانحلال الخلقي التام أو الانهيار النفسي الشامل وتتفق عوامل هذا الشكل مع الشكلين السابقين، مع اشتداد في درجة هذه العوامل ومع إضافة عوامل أخرى كما أن بعض المراهقين قد مر بخبرة شاذة مريرة أو صدمة عاطفية عنيفة لونت تفكيرهم ووجدانهم لبعض الوقت بلون قاتم متشائم, وانعدام الرقابة الأسرية وتخاذلها وضعفها والقسوة الشديدة في معاملة المراهق وتجاهل رغباته وحاجاته والتدليل الزائد، وتكاد الصحبة السيئة أن تكون عاملا مشتركًا, واقتران التوحد مع جماعة الرفاق بعيوب التربية في المنزل والمدرسة.
والنظرية المقبولة في المراهقة والتي تتفق مع نتائج هذه الدراسة هي أن المراهقة تتأثر في تكيفها بنوعين من الاعتبارات.
أ- اعتبارات النمو الفائق السرعة والتغيرات المختلفة المرتبطة بالتطور نحو الرجولة أو الأنوثة.
ب- اعتبارات الثقافة المحيطة وثقافات المجموعات التي يدور المراهق في فلكها, بما يميزها من قيم ومثل وأنواع الضوابط الاجتماعية، وعلى نتاج التفاعل والاحتكاك بين هذين النوعين من الاعتبارات أي بين مراهق متطور وبيئته الاجتماعية، تتوقف سمات المراهقة ومعالمها في حالة فرد معين، ويتأثر هذا التفاعل بطبيعة الحال بعناصر من خبرات المراهق السابقة وبنائه الجسمي النفسي.
стр. 526
أولا: نظريات المراهقة
وقبل أن نتعرض إلى أهم جوانب النمو في فترة المراهقة نود أن نلقي عجالة على بعض النظريات التي قيلت في سيكولوجية المراهقة فالمراهقة يمكن أن توصف بأنها مرحلة من مراحل الحياة كما يمكن أن يطلق عليها نتاج تاريخ الخبرات المتعلمة، كما أن المراهقة في مجتمعنا ترتبط بمشكلات معينة تختلف عن تلك الموجودة في مجتمعات أخرى. وعمومًا فلقد نظر إلى مرحلة المراهقة من عدة اتجاهات يمكن أن نوجزها فيما يلي:
١- اتجاهات المرحلة المعتمدة Stage- Dependent Approaches:
يشير علماء نظرية المرحلة المعتمدة أو التابعة أن هذه الفترة تتمركز حول بحث المراهق المستمر عن هويته Identity أو ذاتية "أريكسون" Erikson، ويشير كوهلبرج Kohlberg؛ "١٩٧٠" أنها تومئ إلى انتقال المراهقة إلى الأخلاق التقليدية "أي المتفقة مع قواعد العرف والسلوك المرعية" في عمل القرارات.
ويشير Keniston؛ "١٩٧٠" إلى المشكلات الرئيسية للمراهق كالتوتر الذي ينمو بين الذات والمجتمع، ورفض تقبل المسئولية والخوف من النمو، إلا أن جماعة المراهق الثقافية Peerculture تعمل على التخفيف من حدة المشكلات التي تواجه المراهق وتشبع حاجاته إلى الانتماء والقرب، ويستطرد Keniston أن المراهقين في حاجة إلى الانتباه والرعاية من ثقافة الراشدين، وبواسطة الانتباه إليهم وتدعيمهم تمكنهم من العثور على ذواتهم ويتقدمون إلى مرحلة الرشد التالية بسلام.
٢- مناحي أو اتجاهات التعلم Leaening Approavhes:
تتصف المراهقة بالانسحاب من معايير ثقافة الراشدين، وتبعًا لنظرية التعلم فإن هذا الانحساب غالبًا ما يحدث عن طريق سلوك لا اجتماعي غير مرغوب فيه، وقد يظهر من خلال تقبل ثقافة جماعة الرفاق والتي تعتمد على خبرات تعلم الفرد وكما سنرى فيما بعد عندما نتكلم عن مشكلات المراهقة، أن السلوك الاغترابي والجناح أثناء فترة المراهقة عادة ما يرتبط باتجاهات والديه القاسية وعدم الاتساقية من قبل الوالدين وعمومًا فإن هذه النماذج الوالدية بالإضافة إلى وسائل الإعلام يمكن أن تسهم في تعلم السلوك غير المرغوب فيه للأطفال الصغار وكذا للمراهقين، فالأمهات اللاتي يتسمن بالعقاب المستمر للأطفال يملن إلى تعويق النمو السوي لدى أطفالهن, كما أن الأطفال الذين يقضون وقتًا طويلا في مشاهدة نماذج البرامج التليفزيونية العنيفة والعدوانية يميلون بصورة أكبر إلى استخدام
стр. 527
نفس هذه النماذج العدوانية فيما بعد عندما يشعرون بالإحباط في المواقف الحياتية, ولقد أشار بعض السيكولوجيين أن السلوك العدواني الذي يتعلم بهذه الطريقة عادة ما يكون مستقرًا بدرجة عالية بمرور الوقت، فدراسة Eron, Et al؛ "١٩٧٤" تشير إلى أن الطفل العدواني يميل إلى أن يكون مراهقًا عدوانيًا، وبصورة مماثلة نجد الطفل الذي يتسم بالخجل ولا يشعر بالإشباع أو لا يكون سعيدًا، يميل إلى أن يصبح مراهقًا منسحبًا غير سعيد.
٣- منحى الاتجاهات الثقافية:
هل سلوك المراهق الذي نشاهده يعتبر بمثابة جزءًا ضروريًا للنمو في سائر المجتمعات؟ أم أنه انعكاس لخبرات تعليمية خاصة للمراهقين داخل ثقافة معينة؟ ولقد أشار الأنثروبولوجيون الثقافيون مثل Mead & Benedict إلى أن المراهقة ليست فترة أزمة في كل المجتمعات, ففي المجتمعات التي نجد فيها مبادئ قواعد الكبار محددة بوضوح, وحيث لا توجد فيها مجالا كبيرًا للاختيار أمام المراهق، فإننا نجد الآباء والمراهقين يميلون إلى تقاسم نفس القيم والقرارات فيما بينهما، وتشير نتائج دراسات ronfenb renner؛ "١٩٦٧" أن الأطفال والمراهقين الروس يتقاسمون قيم متشابهة مع آبائهم أثناء هاتين الفترتين بصورة أكبر مما وجد عند الأطفال والمراهقين الأمريكيين.
ويرجع السبب الأساسي في هذا الاختلاف إلى أن سلوك المراهقين الذين ينمون في مجتمعات تكون فيها أدوارهم المستقبلية محددة سلفًا يختلفون بصورة جوهرية في سلوكهم عن سلوك المراهقين الذين يكون لديهم مجموعة كبيرة من الخيارات, وتعدد لأدوار التي يؤدونها وقد يبدو أنه كلما تدرج المجتمع نحو التصنيع ووفر الفرص الأكثر لأدوار مهينة مختلفة، فإن التوترات بين الآباء والأبناء أثناء فترة المراهقة يبدو أنها تزداد، ويشير Levy؛ "١٩٤٩" أن قدرة الشباب على العثور على فرص عمل خارج المنزل نتيجة التمدين الحضاري التي نعيشها وجد أن المراهقين قد أصبحوا أقل اعتمادًا على الأسرة.
ومصدر آخر من مصادر الصراع للمراهقين، تبعًا لمواجهة النظر الأنثروبولوجية هي غياب ما يسمى بالشعائر Rites of Pessage كما يشير كل من Bendict؛ "١٩٣٨" Knepler؛ "١٩٦٩" حيث
стр. 528
نجد الآباء يتصفون بثنائية المشاعر Ambivalent نحو مراهقيهم، نحو مركزهم الاجتماعي والسلوك الفعلي لأولادهم، فمثلا قد يشير الآباء لمراهقيهم بأنهم قد كبروا بصورة كافية لكي يحملوا بعضا من المسئولية حول شئون الأسرة، وفي نفس الوقت يرفضون إعطائهم بعض الأشياء كالسيارة مثلا، أو أن يمكثوا في حفل ما إلى منتصف الليل، وكثير من الدراسات النفسية قد أشارت أن المراهقين على الرغم من إعطائهم الحرية في التفاعل مع جماعاتهم، إلا أنهم يعاملون من جانب آخر كأطفال داخل منازلهم Kandel؛ "١٩٦٩".
ولقد أشارت بعض الدراسات أن هناك اهتماما زائدا بنبذ الاعتمادية وتعزيز الاستقلالية عند المراهقين، إلا أن ذلك قد يؤدي بالمراهقين إلى الشعور بالإحباط، فأثناء هذه الفترة يتعلم المراهق أن المركز الاجتماعي يأتي فقط من خلال العمل والكفاءة الذاتية، وقد يشعرون بالإحباط لعدم دخولهم ميدان العمل بعد، وبالتالي يؤدي بهم إلى نبذ قيم الراشدين من حولهم.
ويشير Conger وآخرون "١٩٧١" إلى أننا في حاجة إلى أن ننظر بصورة ملية إلى العلاقات الأسرية المتغيرة والأدوار الوالدية المعاصرة والتغير الاجتماعي السريع، فإن ذلك سيؤدي إلى تفهم عميق للمراهق والراشد، مؤداه إلى أننا يجب أن نبدأ منذ البداية، ويجب أن ندرس الطفولة واحتياجاتها ونلاخظ كل خطوة في نمو الطفل وتفاعله مع عالمه المحيط به، وبهذه الطريقة فقط يمكننا أن نحل كثيرًا من غموض وألغاز الأنماط السلوكية الإنسانية في فترة المراهقة.
بعد هذه المعالجة في نظريات المراهقة، نبدأ الآن في تأمل أهم التغيرات الجسمية والعقلية التي تطرأ على المراهقين، فعادة ما نجد أثناء فترة المراهقة المبكرة "من سن ١١، ١٤" حدوث تغيرات جسمية وفسيولوجية وعقلية تحول الأطفال إلى راشدين صغار، ويلي ذلك فترة تسمى بالمراهقة الوسطى "١٤، ١٨" سنة نجد أثناءها يتكيف المراهقون لذواتهم الجسمية والعقلية الجديدة وكذلك إلى وقائع حياة المراهقة يلي ذلك المراهقة المتأخرة أو الشباب والتي عادة ما تبدأ "من سن ١٨، ٢١ تقريبًا" وتعتبر بمثابة فترة انتقال يصبح أثناءها المراهق عضوًا في مجتمع الراشدين.
وسوف تتمركز مناقشتنا التالية على المراهقة المبكرة، حيث إنها من أكثر الفترات التي بحثت من النواحي النفسية والعقلية والشخصية، ومع ذلك فسوف نلقي الضوء كذلك على الصورة العامة للمراهقة الوسطى والمتأخرة وما نود أن نؤكده هنا أن فترة المراهقة فترة نمو حق معقدة مركبة ذات مراحل فرعية والتي تختلف كثيرًا الواحدة منها عن الأخرى، كما وجدنا ذلك في مرحلة الرضاعة والطفولة المبكرة والطفولة الوسطى.
стр. 529
ثانيًا: التغيرات الجسمية والفسيولوجية
أثناء سنوات فترة الطفولة الوسطى تميل الزيادة في نمو الطول والوزن وهيئة الجسم إلى أن تكون تدريجية وبطيئة إلا أننا نجد في بداية فترة المراهقة تغيرات نمائية سريعة ومفاجئة في حجم الجسم، وتغيرات في نسب الجسم ونموا سريعًا مفاجئًا في الغدد التناسلية، والخصائص الجسمية التي تميز النضج الجنسي, وكثيرا من التغيرات التي تحدث أثناء فترة المراهقة تكون متماثلة متشابهة عند البنين والبنات، كما توجد خصائص جنسية نوعية أخرى فالذكور على سبيل المثال يحدث لديهم زيادة ملحوظة في القوة البدنية وأنسجة العضلات، في حين نجد الإناث تنمو لديهن أنسجة دهنية بصورة أكبر حيث تساعد على استدارة أجسامهن، ومن الممكن افتراض أن هذه التغيرات تعتبر انعكاسًا لعملية التكيف التطوري، فقوة الذكور عادة ما تؤهلهم إلى الاصطياد والحرب والغزو والإغارة، كما أن هيئة الإناث وشكلهن تجذب الذكور إليهن وتميل بهن إلى التزاوج وبالتالي يؤكدان بقاء النوع الإنساني، ولكننا نجد أن هذه الاختلافات الجنسية بين الذكور والإناث خاصة في المجتمعات الصناعية عادة لا تكون ذات أهمية أو دلالة كبيرة كما نجدها في المجتمعات الأقل تقدمًا.
والبنات عادة ما تبدأ لديهن فترة المراهقة قبل الأولاد بما يقرب من عام أو عامين، كما يصلن إلى عملية اكتمال النضج قبل الذكور, وهذا يفسر لنا ظاهرة الطول والوزن في نهاية فترة الطفولة المتأخرة، فعادة ما نجد البنات أطول من البنين وأثقل منهم وزنًا وأكثر نضجًا من الناحية الجنسية، وفي بداية المراهقة نجد الذكور يبدءون في اللحاق بالإناث وبعد ذلك يصبحوا أثقل وزنًا وأطول قامة من البنات.
стр. 530
وتشير الدراسات أن التغيرات الجسمية في فترة المراهقة تعزى عادة إلى حركة الهرمونات وهي المواد الكيميائية المتفردة التي تفرزها الغدد، فبعض الهرمونات تفرز لأول مرة أثناء فترة المراهقة في حين نجد أخرى تزيد من كمية إفرازاتها, وعمل هذه الهرمونات تبعًا لطرق مختلفة، إلا أنها تثير بصورة عامة المستقبلات في واحد أو أكثر من الأعضاء أو الأنسجة ويشير Tanner؛ "١٩٧٢" أن الهرمون الواحد يمكن أن يكون له عددًا من الأغراض والتأثيرات، فالتستوسترون Testosterone هرمون ذكري تفرزه الخصية يؤثر في كثير من المستقبلات في خلايا القضيب، وجلد الوجه، وفي غضاريف ومفاصل الكتف وأجزاء معينة للمخ، وغير واضح بدقة حتى الآن كيف تنجز هذه الهرمونات عملها، وعلى الرغم من أن علم الغدد الصم الحديث قد خطا خطوات كبيرة في تفهمنا لهذه الغدد، إلا أننا سوف نحدد في ثنايا الصفحات التالية مناقشتنا للتأثيرات المختلفة للإفراز الهرموني المتزايد الذي يحدث أثناء مرحلة المراهقة.
تغير حجم الجسم وشكله:
على الرغم من أننا يمكن أن نقارن النتائج النهائية للنمو الجسمي عند كل من البنين والبنات، إلا أنه توجد اختلافات فيما يتعلق بسرعة هذا النمو وبدايته لدى كل منهما بالإضافة إلى طول فترته أو أمده لديهما.
الذكور:
تشير نتائج دراسات Tanner؛ "١٩٦٢" أن النضج في بناء جسم الإنسان وحجمه يبدو أنه يسير خلال دورات أثناء العقدين الأولين من حياة الكائن الآدمي، فالدورة الأولى تبدأ بعد الحمل وتمتد حتى نهاية السنة الثانية تقريبًا، حيث نلاحظ نموًا سريعًا في حجم الجسم, ويصل ذلك إلى ذروته في منتصف فترة الحمل, وبعد ذلك ينخفض معدل النضج تدريجيًا ويبطئ أثناء السنة الأولى والثانية للطفولة المبكرة, وتبدأ الدورة النمائية الثانية منذ السنة الثانية من حياة الوليد البشري وتصل إلى ذروتها في سن الثانية والنصف، وبعد ذلك تنخفض ببطء وتدريجيًا حتى سن السابعة وتبدأ الدورة الثالثة في سن السابعة أو الثامنة تقريبًا، وتسرع تدريجيًا وتبلغ ذروتها أثناء السنوات الأولى بعد العاشرة، وبعد ذلك نرى انخفاضًا تدريجيًا في معدلات النضج وأثناء ذلك وعند بلوغ ذروة النضج في هذه الدورة، تسمى بالنمو المفاجئ لنضج المراهقة حيث تحدث تغيرات
следующие страницы →