Полный текст (737 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
أولا: نظريات المراهقة
وقبل أن نتعرض إلى أهم جوانب النمو في فترة المراهقة نود أن نلقي عجالة على بعض النظريات التي قيلت في سيكولوجية المراهقة فالمراهقة يمكن أن توصف بأنها مرحلة من مراحل الحياة كما يمكن أن يطلق عليها نتاج تاريخ الخبرات المتعلمة، كما أن المراهقة في مجتمعنا ترتبط بمشكلات معينة تختلف عن تلك الموجودة في مجتمعات أخرى. وعمومًا فلقد نظر إلى مرحلة المراهقة من عدة اتجاهات يمكن أن نوجزها فيما يلي:
١- اتجاهات المرحلة المعتمدة Stage- Dependent Approaches:
يشير علماء نظرية المرحلة المعتمدة أو التابعة أن هذه الفترة تتمركز حول بحث المراهق المستمر عن هويته Identity أو ذاتية "أريكسون" Erikson، ويشير كوهلبرج Kohlberg؛ "١٩٧٠" أنها تومئ إلى انتقال المراهقة إلى الأخلاق التقليدية "أي المتفقة مع قواعد العرف والسلوك المرعية" في عمل القرارات.
ويشير Keniston؛ "١٩٧٠" إلى المشكلات الرئيسية للمراهق كالتوتر الذي ينمو بين الذات والمجتمع، ورفض تقبل المسئولية والخوف من النمو، إلا أن جماعة المراهق الثقافية Peerculture تعمل على التخفيف من حدة المشكلات التي تواجه المراهق وتشبع حاجاته إلى الانتماء والقرب، ويستطرد Keniston أن المراهقين في حاجة إلى الانتباه والرعاية من ثقافة الراشدين، وبواسطة الانتباه إليهم وتدعيمهم تمكنهم من العثور على ذواتهم ويتقدمون إلى مرحلة الرشد التالية بسلام.
٢- مناحي أو اتجاهات التعلم Leaening Approavhes:
تتصف المراهقة بالانسحاب من معايير ثقافة الراشدين، وتبعًا لنظرية التعلم فإن هذا الانحساب غالبًا ما يحدث عن طريق سلوك لا اجتماعي غير مرغوب فيه، وقد يظهر من خلال تقبل ثقافة جماعة الرفاق والتي تعتمد على خبرات تعلم الفرد وكما سنرى فيما بعد عندما نتكلم عن مشكلات المراهقة، أن السلوك الاغترابي والجناح أثناء فترة المراهقة عادة ما يرتبط باتجاهات والديه القاسية وعدم الاتساقية من قبل الوالدين وعمومًا فإن هذه النماذج الوالدية بالإضافة إلى وسائل الإعلام يمكن أن تسهم في تعلم السلوك غير المرغوب فيه للأطفال الصغار وكذا للمراهقين، فالأمهات اللاتي يتسمن بالعقاب المستمر للأطفال يملن إلى تعويق النمو السوي لدى أطفالهن, كما أن الأطفال الذين يقضون وقتًا طويلا في مشاهدة نماذج البرامج التليفزيونية العنيفة والعدوانية يميلون بصورة أكبر إلى استخدام
стр. 527
نفس هذه النماذج العدوانية فيما بعد عندما يشعرون بالإحباط في المواقف الحياتية, ولقد أشار بعض السيكولوجيين أن السلوك العدواني الذي يتعلم بهذه الطريقة عادة ما يكون مستقرًا بدرجة عالية بمرور الوقت، فدراسة Eron, Et al؛ "١٩٧٤" تشير إلى أن الطفل العدواني يميل إلى أن يكون مراهقًا عدوانيًا، وبصورة مماثلة نجد الطفل الذي يتسم بالخجل ولا يشعر بالإشباع أو لا يكون سعيدًا، يميل إلى أن يصبح مراهقًا منسحبًا غير سعيد.
٣- منحى الاتجاهات الثقافية:
هل سلوك المراهق الذي نشاهده يعتبر بمثابة جزءًا ضروريًا للنمو في سائر المجتمعات؟ أم أنه انعكاس لخبرات تعليمية خاصة للمراهقين داخل ثقافة معينة؟ ولقد أشار الأنثروبولوجيون الثقافيون مثل Mead & Benedict إلى أن المراهقة ليست فترة أزمة في كل المجتمعات, ففي المجتمعات التي نجد فيها مبادئ قواعد الكبار محددة بوضوح, وحيث لا توجد فيها مجالا كبيرًا للاختيار أمام المراهق، فإننا نجد الآباء والمراهقين يميلون إلى تقاسم نفس القيم والقرارات فيما بينهما، وتشير نتائج دراسات ronfenb renner؛ "١٩٦٧" أن الأطفال والمراهقين الروس يتقاسمون قيم متشابهة مع آبائهم أثناء هاتين الفترتين بصورة أكبر مما وجد عند الأطفال والمراهقين الأمريكيين.
ويرجع السبب الأساسي في هذا الاختلاف إلى أن سلوك المراهقين الذين ينمون في مجتمعات تكون فيها أدوارهم المستقبلية محددة سلفًا يختلفون بصورة جوهرية في سلوكهم عن سلوك المراهقين الذين يكون لديهم مجموعة كبيرة من الخيارات, وتعدد لأدوار التي يؤدونها وقد يبدو أنه كلما تدرج المجتمع نحو التصنيع ووفر الفرص الأكثر لأدوار مهينة مختلفة، فإن التوترات بين الآباء والأبناء أثناء فترة المراهقة يبدو أنها تزداد، ويشير Levy؛ "١٩٤٩" أن قدرة الشباب على العثور على فرص عمل خارج المنزل نتيجة التمدين الحضاري التي نعيشها وجد أن المراهقين قد أصبحوا أقل اعتمادًا على الأسرة.
ومصدر آخر من مصادر الصراع للمراهقين، تبعًا لمواجهة النظر الأنثروبولوجية هي غياب ما يسمى بالشعائر Rites of Pessage كما يشير كل من Bendict؛ "١٩٣٨" Knepler؛ "١٩٦٩" حيث
стр. 528
نجد الآباء يتصفون بثنائية المشاعر Ambivalent نحو مراهقيهم، نحو مركزهم الاجتماعي والسلوك الفعلي لأولادهم، فمثلا قد يشير الآباء لمراهقيهم بأنهم قد كبروا بصورة كافية لكي يحملوا بعضا من المسئولية حول شئون الأسرة، وفي نفس الوقت يرفضون إعطائهم بعض الأشياء كالسيارة مثلا، أو أن يمكثوا في حفل ما إلى منتصف الليل، وكثير من الدراسات النفسية قد أشارت أن المراهقين على الرغم من إعطائهم الحرية في التفاعل مع جماعاتهم، إلا أنهم يعاملون من جانب آخر كأطفال داخل منازلهم Kandel؛ "١٩٦٩".
ولقد أشارت بعض الدراسات أن هناك اهتماما زائدا بنبذ الاعتمادية وتعزيز الاستقلالية عند المراهقين، إلا أن ذلك قد يؤدي بالمراهقين إلى الشعور بالإحباط، فأثناء هذه الفترة يتعلم المراهق أن المركز الاجتماعي يأتي فقط من خلال العمل والكفاءة الذاتية، وقد يشعرون بالإحباط لعدم دخولهم ميدان العمل بعد، وبالتالي يؤدي بهم إلى نبذ قيم الراشدين من حولهم.
ويشير Conger وآخرون "١٩٧١" إلى أننا في حاجة إلى أن ننظر بصورة ملية إلى العلاقات الأسرية المتغيرة والأدوار الوالدية المعاصرة والتغير الاجتماعي السريع، فإن ذلك سيؤدي إلى تفهم عميق للمراهق والراشد، مؤداه إلى أننا يجب أن نبدأ منذ البداية، ويجب أن ندرس الطفولة واحتياجاتها ونلاخظ كل خطوة في نمو الطفل وتفاعله مع عالمه المحيط به، وبهذه الطريقة فقط يمكننا أن نحل كثيرًا من غموض وألغاز الأنماط السلوكية الإنسانية في فترة المراهقة.
بعد هذه المعالجة في نظريات المراهقة، نبدأ الآن في تأمل أهم التغيرات الجسمية والعقلية التي تطرأ على المراهقين، فعادة ما نجد أثناء فترة المراهقة المبكرة "من سن ١١، ١٤" حدوث تغيرات جسمية وفسيولوجية وعقلية تحول الأطفال إلى راشدين صغار، ويلي ذلك فترة تسمى بالمراهقة الوسطى "١٤، ١٨" سنة نجد أثناءها يتكيف المراهقون لذواتهم الجسمية والعقلية الجديدة وكذلك إلى وقائع حياة المراهقة يلي ذلك المراهقة المتأخرة أو الشباب والتي عادة ما تبدأ "من سن ١٨، ٢١ تقريبًا" وتعتبر بمثابة فترة انتقال يصبح أثناءها المراهق عضوًا في مجتمع الراشدين.
وسوف تتمركز مناقشتنا التالية على المراهقة المبكرة، حيث إنها من أكثر الفترات التي بحثت من النواحي النفسية والعقلية والشخصية، ومع ذلك فسوف نلقي الضوء كذلك على الصورة العامة للمراهقة الوسطى والمتأخرة وما نود أن نؤكده هنا أن فترة المراهقة فترة نمو حق معقدة مركبة ذات مراحل فرعية والتي تختلف كثيرًا الواحدة منها عن الأخرى، كما وجدنا ذلك في مرحلة الرضاعة والطفولة المبكرة والطفولة الوسطى.
стр. 529
ثانيًا: التغيرات الجسمية والفسيولوجية
أثناء سنوات فترة الطفولة الوسطى تميل الزيادة في نمو الطول والوزن وهيئة الجسم إلى أن تكون تدريجية وبطيئة إلا أننا نجد في بداية فترة المراهقة تغيرات نمائية سريعة ومفاجئة في حجم الجسم، وتغيرات في نسب الجسم ونموا سريعًا مفاجئًا في الغدد التناسلية، والخصائص الجسمية التي تميز النضج الجنسي, وكثيرا من التغيرات التي تحدث أثناء فترة المراهقة تكون متماثلة متشابهة عند البنين والبنات، كما توجد خصائص جنسية نوعية أخرى فالذكور على سبيل المثال يحدث لديهم زيادة ملحوظة في القوة البدنية وأنسجة العضلات، في حين نجد الإناث تنمو لديهن أنسجة دهنية بصورة أكبر حيث تساعد على استدارة أجسامهن، ومن الممكن افتراض أن هذه التغيرات تعتبر انعكاسًا لعملية التكيف التطوري، فقوة الذكور عادة ما تؤهلهم إلى الاصطياد والحرب والغزو والإغارة، كما أن هيئة الإناث وشكلهن تجذب الذكور إليهن وتميل بهن إلى التزاوج وبالتالي يؤكدان بقاء النوع الإنساني، ولكننا نجد أن هذه الاختلافات الجنسية بين الذكور والإناث خاصة في المجتمعات الصناعية عادة لا تكون ذات أهمية أو دلالة كبيرة كما نجدها في المجتمعات الأقل تقدمًا.
والبنات عادة ما تبدأ لديهن فترة المراهقة قبل الأولاد بما يقرب من عام أو عامين، كما يصلن إلى عملية اكتمال النضج قبل الذكور, وهذا يفسر لنا ظاهرة الطول والوزن في نهاية فترة الطفولة المتأخرة، فعادة ما نجد البنات أطول من البنين وأثقل منهم وزنًا وأكثر نضجًا من الناحية الجنسية، وفي بداية المراهقة نجد الذكور يبدءون في اللحاق بالإناث وبعد ذلك يصبحوا أثقل وزنًا وأطول قامة من البنات.
стр. 530
وتشير الدراسات أن التغيرات الجسمية في فترة المراهقة تعزى عادة إلى حركة الهرمونات وهي المواد الكيميائية المتفردة التي تفرزها الغدد، فبعض الهرمونات تفرز لأول مرة أثناء فترة المراهقة في حين نجد أخرى تزيد من كمية إفرازاتها, وعمل هذه الهرمونات تبعًا لطرق مختلفة، إلا أنها تثير بصورة عامة المستقبلات في واحد أو أكثر من الأعضاء أو الأنسجة ويشير Tanner؛ "١٩٧٢" أن الهرمون الواحد يمكن أن يكون له عددًا من الأغراض والتأثيرات، فالتستوسترون Testosterone هرمون ذكري تفرزه الخصية يؤثر في كثير من المستقبلات في خلايا القضيب، وجلد الوجه، وفي غضاريف ومفاصل الكتف وأجزاء معينة للمخ، وغير واضح بدقة حتى الآن كيف تنجز هذه الهرمونات عملها، وعلى الرغم من أن علم الغدد الصم الحديث قد خطا خطوات كبيرة في تفهمنا لهذه الغدد، إلا أننا سوف نحدد في ثنايا الصفحات التالية مناقشتنا للتأثيرات المختلفة للإفراز الهرموني المتزايد الذي يحدث أثناء مرحلة المراهقة.
تغير حجم الجسم وشكله:
على الرغم من أننا يمكن أن نقارن النتائج النهائية للنمو الجسمي عند كل من البنين والبنات، إلا أنه توجد اختلافات فيما يتعلق بسرعة هذا النمو وبدايته لدى كل منهما بالإضافة إلى طول فترته أو أمده لديهما.
الذكور:
تشير نتائج دراسات Tanner؛ "١٩٦٢" أن النضج في بناء جسم الإنسان وحجمه يبدو أنه يسير خلال دورات أثناء العقدين الأولين من حياة الكائن الآدمي، فالدورة الأولى تبدأ بعد الحمل وتمتد حتى نهاية السنة الثانية تقريبًا، حيث نلاحظ نموًا سريعًا في حجم الجسم, ويصل ذلك إلى ذروته في منتصف فترة الحمل, وبعد ذلك ينخفض معدل النضج تدريجيًا ويبطئ أثناء السنة الأولى والثانية للطفولة المبكرة, وتبدأ الدورة النمائية الثانية منذ السنة الثانية من حياة الوليد البشري وتصل إلى ذروتها في سن الثانية والنصف، وبعد ذلك تنخفض ببطء وتدريجيًا حتى سن السابعة وتبدأ الدورة الثالثة في سن السابعة أو الثامنة تقريبًا، وتسرع تدريجيًا وتبلغ ذروتها أثناء السنوات الأولى بعد العاشرة، وبعد ذلك نرى انخفاضًا تدريجيًا في معدلات النضج وأثناء ذلك وعند بلوغ ذروة النضج في هذه الدورة، تسمى بالنمو المفاجئ لنضج المراهقة حيث تحدث تغيرات
стр. 531
ملحوظة في حجم الجسم وشكله لدى المراهقين:
ويختلف العمر الذي تحدث فيه طفرة النمو عند الذكور والإناث، كما يؤثر فيه بعض العوامل الأخرى مثل الوراثة ومركز الزيادة النمائية في حجم الجسم تتأثر أيضًا بهذه العوامل سابقة الذكر، وعادة ما تعزى طفرة النمو في هذه الفترة إلى عدد من الهرمونات المختلفة التي تنظم النمو، وتبعًا لذلك فإننا نرى الحجم النسبي لبعض الذكور والإناث سوف يتغير بصورة ذات دلالة إذا ما قورنوا بأقرانهم، والطفل الذي يكون في طول زملائه أثناء فترة الطفولة, عادة ما يكون متساويًا معهم في الطول تقريبًا عند وصوله إلى Tanner؛ "١٩٦٢" أن ما يقرب من ٣٠% من طول الراشد يحدث أثناء طفرة النمو التي تحدث في فترة المراهقة، والشكل رقم "١" يوضح معدل نمو الطول للبنين والبنات مع بداية فترة المراهقة.
إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
стр. 532
كما أن أجزاء الجسم تختلف في سرعة نموها، فالنمو يميل أن يكون سريعًا في مناطق انتهاء الأعصاب ويتحرك بعد ذلك إلى الجذع "النمو الذنبي" فأيدي المراهق ورجليه عادة ما تكون متساوية لما لدى الراشد، وبعد أن تصبح أيدي المراهق ورجليه في حجمها الكامل يتشعب النمو بعد ذلك إلى الفخذين، وتقدم نمائي متشابهة يحدث للأيدي والسواعد، ويحدث نمو القلب الرئتان والمعدة والكليتين والجهاز العضلي وحجم الدم في صورة متزايدة وتصل إلى حجمها النهائي ما بين ١١: ١٥ سنة، كما نرى تزايد في نمو القدرة الوظيفية للجهاز التنفسي والجهاز الهضمي والجهاز الدوري أثناء فترة المراهقة.
ويجب أن نشير أن بعض أجزاء جسم المراهق لا تشترك في طفرة النمو هذه، فالرأس والمخ مثلا تصل إلى ٩٠% لحجمها عند الراشد في سن الخامسة، كما أن الأنسجة الليمفاوية للون والأمعاء تزداد تدريجيًا في حجمها مع بداية فترة المراهقة، وبعد ذلك تقل تدريجيًا من حيث الحجم كما أن الوجه كذلك يستمر في النمو أثناء هذه الفترة، حيث يصبح الفك والأنف أكبر عن ذي قبل وذلك لارتباط النمو فيهما بمنطقة الرأس العليا والتي تكون قد حصلت على نموها وحجمها الكامل.
الإناث:
تشير الدراسات أن الإناث يصلن إلى ذروة نموهن وتحدث عندهن طفرة النمو الجسمي في سن الثانية عشر تقريبًا، وعادة ما يسبقهن الذكور بما يقرب من عامين تقريبًا، كما أن النمو عند البنات يحدث في صورة ذنبية كذلك "من الرأس إلى الأطراف"، إلا أنهن يختلفن عن الذكور حيث يكن أكثر سمنة حول أذرعهن وأرجلهن من الذكور، ولذلك فإن أوردتهن عادة لا تكون ظاهرة, وفيما يتصل بنمو الجذع عند البنات، تبقى الأكتاف أرفع، في حين نجد مفاصل الفخذين تصبح أعرض وأكثر استدارة مما نجده عند الذكور، إلا أن الذكور تكون أكتافهم أعرض وأقوى، وتبقى أفخاذهم أرفع مما عند الإناث, وتشير نتائج دراسات Tanner كذلك أن زيادة السمنة تحت الجلد عند الإناث تعرض فقد النمو النسبي في العضلات الذي نجده عند الذكور، وبالتالي فإلاناث عادة ما يمتلكن نسبة مئوية أعلى في سمنة أجسامهن أكثر مما نجده عند الذكور, ونادرًا ما يكن لديهن قوة في عضلاتهن التي نراها عند الذكور فيما عدا حالة الفتيات الرياضيات، وفيما يتعلق بأحجامهن، فإن الذكور يكون لديهم قلوب
стр. 533
ورئتان كبر، وقدرة أكبر على حمل الأكسجين في الدم، وقوة أكبر في تعادل النواتج الكيميائية الخاصة بتدريب العضلات مثل الحامض اللبني Lacitc Acid، وعمومًا فإن هذه الاختلافات قد تكون نتيجة تمايز الوظائف التطورية عند الرجال والنساء.
نمو الخصائص الجنسية الأولية والثانوية:
يوجد نمطان من التغيرات تحدث في الجهاز التناسلي أثناء فترة المراهقة المبكرة، فالأعضاء التناسلية تزداد من حيث الحجم وفي نهاية النمط الأول تصبح فعالة في أداء وظيفتها عند كل من الذكور والإناث، حيث نجد الذكور يفرزون الحي المنوي بينما تنتج الإناث البويضات المخصبة، كما تحدث تغيرات في الخصائص الجنسية الثانوية في الجهاز التناسلي والأعضاء العرقية والغدد الدهنية وعضلات الحنجرة وتسمى الفترة التي تحدث أثناءها نمو تلك الخصائص الجنسية الأولية والثانوية بالبلوغ Puberty، وعلى الرغم من أن تتابع هذه العملية يكون متشابهًا عند الذكور والإناث, إلا أن تفاصيل هذه العملية تختلف اختلافًا ذات دلالة بينهم وسنرى ذلك في عرضنا القادم.
الذكور:
العلامة الأولى للبلوغ بين الذكور عادة ما تكون النمو التدريجي لوعاء الخصيتين "الصفن" والخصيتين معًا، مع ظهور التجعيد على الصفن ويصبح كيس الصفن قاتم اللون، ويبدأ شعر العانة في الظهور في هذا الوقت تقريبًا أو بعد ذلك بقليل، كما يحدث زيادة من حيث الطول والحجم لعضو الذكورة، وعلى الرغم من أن هناك اختلافات فردية بين المراهقين إلا أننا عادة ما نلاحظ قدرة المراهق على القذف المنوي الأول بعد عام من ظهور أوجه النمو سابقة الذكر Tanner؛ "١٩٦٢".
ونمو الخصائص الجنسية الثانوية يتبع نفس التعاقب بين جميع المراهقين تقريبًا، فشعر الإبطين يظهر عادة بعد ظهور شعر العانة، ويصاحب ذلك ظهور شعر الوجه، ونموذج شعيرات دقيقة في البداية على جانبي الشفة العليا، وبعد ذلك ينمو الشعر على الشفة بأكملها، ويظهر
стр. 534
الشعر فيما بعد على الخدين، ويبدأ بعد ذلك في النمو على طول جابي الذقن وأسفلها، كما أن شعر الجسم "الصدر والأرجل" يبدأ كذلك في النمو في نفس الوقت الذي ينمو فيه شعر الإبطين إلا أنه قد يستمر حتى نهاية فترة المراهقة، والاختلافات الفردية في كمية الشعر التي تظهر ترجع بصورة كبيرة إلى العوامل الوراثية إلا أنه قد تكون هناك أسباب تعجل أو تأخر نمو شعر الجسم ولكنها ما زالت غير معروفة حتى الآن.
كما أن الحنجرة تصبح أكبر في حجمها، ويحدث نموًا للأحبال الصوتية كما يحدث في نفس الفترة انخفاض تدريجي في طبقة الصوت، إلا أن هذا الانخفاض ليس ثابتًا مطردًا مع ذلك، وعمومًا فإن طبقة صوت الراشد عادة لا تكتمل إلا بنهاية فترة المراهقة المتأخرة، كما أن جرس الصوت "وهي النوعية التي تمكنا من تمييز الأصوات من نفس طبقة الصوت من أخرى" يعتمد على حجم تجويف الفم والأنف، وتغير الجرس يحدث كلما ازداد حجم الفم والأنف أثناء فترة البلوغ Tanner, J؛ "١٩٧٢".
ويوجد نمطان من التغير عادة ما تحدث أثناء فترة المراهقة.
أ- نضج الغدد الدهنية.
ب- نضج الغدد العرقية "خاصة في المناطق الإبطية والتناسلية".
فالغدد تفرز مادة دبقة "دهنية" والتي يمكن أن تتراكم وتنتج البثور على الوجه، وهذه بدورها من الممكن أن تثير المنطقة المحيطة بها وتنبثق خارج الجلد في هيئة حب الشباب كما أن الغدد العرقية والتي تنمو بسرعة كبيرة وأثناء البلوغ عادة ما تسبب رائحة غير طيبة.
الإناث:
عادة ما نجد أول علامة لبلوغ ظهور برعم الصدر ويلي ذلك مراحل خمسة لنمو الصدر, فعند بعض الإناث يظهر شعر العانة قبل ظهور برعم الصدر، ولكن بين ثلثي الفتيان عادة ما يسبق ظهور برعم الصدر شعر العانة، بالإضافة إلى كبر حجم الرحم والمهبل وشفري عضو التأنيث كما يحدث البظر في نفس الوقت الذي ينمو فيه الصدر.
стр. 535
ومما لا شك فيه فإن الشيء الأكثر إثارة للبنات في بداية البلوغ هو نزول الطمث لأول مرة عند البلوغ، وتوجد أسباب مختلفة يعزى إليها التباين في وقت الطمث الأول، فحوالي ٥٠% من الإناث البيض في أمريكا يصلن إلى ذلك ما بين ١٢، ١٤ سن وحوالي ٨% يصلن إليه ما بين ١٤.٥: ١٦.٥، وأقل من ٢% يصلن إليه قبل سن العاشرة أو بعد السادسة عشرة.
وتنمو عند الإناث الخصائص الجنسية الثانية بنفس التتابع الذي نجده عند الذكور، إلا أنها تكون أقل ظهورًا مما عند الذكور، فالشعر على سبيل المثال سواء في الجسم أو الإبطين يكون أقل، وجدير بالذكر فإنه توجد اختلافات فردية واسعة حيث نجد بعض الفتيات لديهن شعر في أجسادهن أكثر من بعض الشباب، كما يحدث عند كل من الذكور والإناث خشونة في جلد أجسامهم خاصة جلد الفخذين وأعلى الساعدين، إلا أن ذلك يكون أقل وضوحًا عند الإناث.
وتشير بعض دراسات سيكولوجية المراهقة أن الذكور والإناث في العصر الحديث خاصة في الدول المتقدمة صناعيًا مثل الولايات الأمريكية وأوربا واليابان والصين عادة ما يخبروا أو يصلوا إلى البلوغ, وبالتالي النمو المفاجئ للمراهقة بما يقرب من سنتين مبكرين عن أقرانهم في دول أخرى، وقد يكون هناك عدد من العوامل تفسر هذه الظاهرة، إلا أن أكثرها إثباتًا هي عامل التغذية وعامل العناية الطبية وعلى ذلك فإن المراهقين في الدول النامية حيث لا توجد التغذية المناسبة كما أن معايير الصحة ليست مرتفعة بما يقدم من العناية الطبية فمن المحتمل أن يكون سن البلوغ وبالتالي سنوات المراهقة متأخرة نسبيًا عما هو موجود في الدول الأكثر تقدمًا.
стр. 536
ثالثًا: النمو العقلي
إن التغيرات المثيرة التي تحدث في النمو أثناء فترة المراهقة المبكرة غالبًا ما تقترن بتغيرات مثيرة متساوية تحدث في النمو العقلي, ويصف بياجيه هذا النمو العقلي خاصة مع بداية المراهقة بما يسمى بالعمليات الصورية Formal Operations فالمراهقين الصغار عادة ما يكونون قادرين على التعامل مع متغيرات كثيرة في نفس الوقت، ويكون في مقدورهم إدراك المجاز والاستعارة والتعبير بالابتسام ويفكرون في الأمور والأشياء ويبنون الأمثلة لأنفسهم، بالإضافة إلى إمكانهم تفهم المعكوسية للأشياء والأشياء المتناقضة مع الحقيقة، ويمكنهم تفهم الوقت التاريخي للثقافات المختلفة، وهذه التغيرات التي تحدث في قدرات المراهق العقلية يمكن وصفها بصورة كيفية وكذلك بصورة كمية، فمن الجانب الكمي فهناك مؤشران يبدوان على أهمية خاصة.
أ- ما يسمى بالقدرة على التمييز أو المفاضلة.
ب- تقدم مجرى النمو العقلي، والذي كان يعتقد في أنه يصل إلى ذروته في فترة المراهقة وبعدئذ يميل إلى الانخفاض التدريجي.
كما أن الجوانب النوعية في تفكير المراهق لم تكتشف بصورة مكثفة كما هو الحال في فترة الطفولة، حيث نجد أعمالا تجريبية قليلة في النمو اللغوي والتذكر والإدراك في فترة المراهقة، إذا ما قورنت بمثيلتها في فترة الطفولة، كما أن كثيرًا من الدراسات التي أجريت على تفكير المراهقين قد ركزت على نمط التفكير السببي للمراهقين وكذلك على حل المشكلة، وسوف نتأمل سويًا في ثنايا الصفحات التالية بعضا من هذه الدراسات بالإضافة إلى بعض المسائل المتعلقة بالتفكير الإجرائي الصوري وسوف نختتم بالإشارة إلى بعض النتائج ذات الفعالية في التوصل إلى نمط التفكير الإجرائي الصوري.
اختبارات الذكاء:
مما يجدر الإشارة إليه، أن المراهقين عادة ما يكون لديهم خبرة في إجراء الاختبارات، كما أن أداءهم إلى الاستقرار والثبات بصورة واضحة, وذكاء المراهق يمكن مع ذلك أن يسبب في بعض الأحيان مشاكل معينة، فالمراهق الذي يتصف بالذكاء المرتفع قد يفسر أسئلة اختبار الذكاء بصورة أكثر تركيبًا مما هي عليه بالفعل أو قد يستخدم مواقف الاختبار للتعبير عن موقف اجتماعي أو سياسي معين.
وعمومًا فعند قياسنا النمو العقلي عادة ما نطرح تساؤلين.
أ- ما مدى قدرات الشخص أثناء فترة المراهقة؟
ب- ما طريقة نمو القدرات العقلية أثناء فترة المراهقة وبعدها؟
стр. 537
العمر التمايزي:
إحدى وجهات النظر لفهم طبيعة القدرات العقلية تسمى بنظرية العمر التمايزي الافتراضي Age Differentiation Hypothesis وتشير إلى أن قدرات الطفل العقلية في جوهرها منفصلة غير مترابطة، إلا أنه أثناء الطفولة المبكرة نجد هذه القدرات تصبح تدريجيًا متكاملة ومترابطة داخل عدد من قدرات قليلة منظمة بصورة عالية، وأثناء فترة المراهقة تصبح القدرات العقلية مرة أخرى متصلة بالتمايزية، وبالتالي تصبح قدرات أساسية بصورة أكبر مما كانت عليه أثناء مرحلة الطفولة كما يشير بعض الباحثين كذلك FitzGerald, J.& Others إلى وجود مرحلة تمايزية أخرى أثناء مرحلة الرشد المتأخرة، حيث تصبح القدرات العقلية ملتحمة إلى حد ما داخل نموذج أقل تمايزًا.
وهذا العمر التمايزي الافتراضي لا يعتبر بمثابة اهتمام أكاديمي فقط ولكنه ينعكس كذلك في مناهج مدارسنا، فنجد أطفال المدرسة الابتدائية يأخذون عددًا من القدرات كالحساب والقراءة والعلوم والدراسات الاجتماعية، ولكننا نجد في المدارس الثانوية يصبح لدى المراهقين مدى أوسع لفرص الاختيار حيث يتضمن المنهج اللغات الأجنبية والدراسات الأدبية والرياضيات والإحياء وما إلى ذلك.
وما زال يوجد تضارب بين نتائج الدراسات، فبعضها يشير إلى وجود التمايز أثناء فترة المراهقة، في حين يعتقد آخرون بعدم وجوده في قدرات المراهق Horn, J.L؛ "١٩٧٦" وجدير بالذكر فإن كل من هاتين الوجهتين المختلفتين يمكن أن تسهم وتؤدي إلى مناهج ووسائل تعليمية مختلفة، وجدير بالذكر فإن العمر التمايزي الافتراضي لا يمكن أن يتقبل بصورة كلية، أو ينبذ بصورة كاملة، ففي رأينا أنه توجد احتمالية حدوث بعض أنواع التمايز إلا أنها ليست للمدى الذي أشار إليه Baletes وآخرون "١٩٧٢".
تقدم النمو العقلي:
تشير دارسات النمو العقلي، أن القدرات العقلية في الزيادة طوال الحياة، ولكنها تصل إلى ذروتها أثناء فترة المراهقة الوسطى وبعد ذلك تأخذ في الانخفاض التدريجي Terman, L؛ "١٩١٦" ووجهة
стр. 538
النظر هذه اعتمدت على المعايير الأولية لاختبار استانفورد بينية حيث يظهر أن الذكاء يبلغ ذروته في سن السادسة عشر تقريبًا، ولقد طبقت عديدًا من الاختبارات أثناء الحرب العالمية الأولى على الجنود وتشير النتائج أن معدل ذكاء الجند والضباط لم يحدث فيه تغير عما كان عليه في سن الثامنة عشر.
وظهرت دراسات مناقضة لما أتت به نتائج تيرمان بينيه حيث يشير كل من Baltes & Others؛ "١٩٧٢", Schaie, k؛ "١٩٧٢" أن الذكاء لا ينخفض بتقدم العمر الزمني ولكنه قد يتحسن كذلك، وإحدى التفسيرات التي يعزى إليها هذا التناقض لنتائج دراسات الذكاء يمكن أن يعزى إلى منهج الدراسة، فتلك الدراسات التي أشارت إلى أن الذكاء ينخفض بعد المراهقة، غالبًا ما اعتمدت على طريقة المقطع العرضي Cross-Sectional حيث اختبرت بواسطتها أفرادًا في مستويات عمرية مختلفة في نفس الوقت، وبالتالي أشارت نتائج دراسات هذه الطريقة أن الراشدين قد يكونون في مستوى منخفض في معدلات أدائهم على الاختبارات العقلية من المراهقين، إلا أننا يجب أن نشير إلى أن إخفاق الكبار في الدراسات السابقة لا يرجع إلى النمو العقلي لديهم بقدر ما يرجع إلى أنهم لم يحظوا بنفس التعليم الذي حظي به المراهقون في الوقت الحديث, وعلى نقيض ذلك نجد دراسات أخرى قد أشارت أن الذكاء يستمر في الازدياد من خلال النضج الذي يطرأ على الكائن الإنساني، وهذه الدراسات عادة ما كانت تعتمد على الطريقة الطولية والتي يختبر فيها نفس الأفراد بصورة متكررة عبر الوقت.
وهناك تفسير آخر لتعارض النتائج في دراسات النمو العقلي مؤداه أن اختبارات الذكاء عادة ما تقيس نمطين من الذكاء، واحد منهما يصل إلى ذروته أثناء فترة المراهقة في حين الآخر يستمر في الزيادة مع ازدياد العمر الزمني Horn, JL؛ "١٩٧٠" Cattel, R؛ "١٩٧٠" ويسمى النوع الأول بالذكاء السلس أو المرن Fluid Intell وهو يتضمن العمليات العقلية الضمنية "كالتي وصفها بياجيه" والتي يمكن أن تعزى إلى كل من الوراثة والنضج، بالإضافة إلى الخبرة والنمط الثاني والذي يعرف بالذكاء المتبلور "محدد الشكل" Crystalized Intell ويشتمل على المعرفة والمهارات التي تكون متطلبة أثناء عمليتي التطبيع الاجتماعي والتثقيف Acculturatin.
стр. 539
وتشير نتائج دراسات Cttel, R؛ "١٩٧١", Horn, J؛ "١٩٧٠", Horn, J؛ "١٩٧٥" أن الذكاء المرن أو السلس يصل إلى ذروته أثناء فترة المراهقة وبعد ذلك يميل إلى الانخفاض في حين نجد الذكاء المتبلور "محدد الشكل" يستمر في الازدياد بصورة عامة, والشكل رقم "٢" يوضح ذلك تبعًا لوجهة نظر Horn, J. L؛ "١٩٦٧".
وجدير بالذكر فالتعميمات عن الذكاء المرن أو السلس والذكاء المتبلور "محدد الشكل" يجب أن تحدد كذلك، ولا تؤخذ بصورة عامة، فالقدرات الخاصة والمعرفة التي يمكن للفرد الوصول إليها من خلال النضج تعتمد على مستوى قدرات الشخص العقلية، ومدى قدرته على الابتكار، وكذلك على عمله ومهنته بالإضافة إلى حالته الصحية العامة حيث تشير نتائج دراسات Horn؛ "١٩٧٦" أن الأشخاص الأذكياء يحتفظون بمعدل عقلي وظيفي بصورة أطول من هؤلاء الأشخاص الذين لا يتسمون بالذكاء، كما أن الأشخاص الذين كانت مهنهم أكاديمية مصبوغة بصبغة عقلية، عادة ما يحتفظون بمهاراتهم العقلية واللفظية بصورة أطول من الأشخاص الذين يعملون في ميادين أخرى، وكما أشار هويتهد Whitehead.
"إن التخيل عادة ما يكون أكثر فعالية وتأثيرًا ونشاطًا ما بين سن التاسعة عشر والخامسة والثلاثين, ونحن غالبًا ما نحتفظ بالسير به قدمًا بعد ذلك، بغض النظر عما نخبره بعد من إخفاق"، والتاريخ الإنساني حافل بذلك فالأعمال الابتكارية الأصلية لثمة رجال مثل بياجيه وفرويد وروسو وراسل تؤيد أن هناك كثيرًا من الناس لهم غزارة في العطاء وفيض من المعرفة العقلية الجياشة بعد أن تخطوا الخامسة والثلاثين من عمرهم.
التفكير الصوري الإجرائي ومظاهره:
ينبثق التفكير وفقًا لبياجيه من التذويت التدريجي للأفعال وعلى ذلك فإن التفكير الحقيقي "بمعنى التعامل العقلي أو التجريب لمعطيات البيئة" لا يظهر حتى سن السادسة أو السابعة من عمر الطفل، عندما تصبح الأفعال مذوتة بصورة كاملة، وكما أشرنا فيما سبق أن نمط تفكير الأطفال منذ السادسة أو السابعة وحتى حوالي العاشرة أو الحادية عشر
стр. 540
يسمى بنمط تفكير العمليات العيانية أو المحسوسة Concrete Operations، وهذا النمط يختلف بصورة جوهرية عن نمط التفكير الذي ينبثق أثناء فترة المراهقة "ما بين الحادية والرابعة عشر" والذي يسمى بالتفكير الصوري.
وسوف نتأمل سويًا التفكير الصوري المنطقي، وبعد ذلك سنرى كيف يظهر في تفكير المراهقين، كما سنتأمل بعض تطبيقات التفكير الصوري الإجرائي في المعارف الاجتماعية للمراهقين، ومفاهيمهم عن ذواتهم ووجهات نظرهم في الأفراد الآخرين.
منطقية التفكير الصوري الإجرائي:
من المفيد أن نتأمل نمط التفكير الصوري الإجرائي داخل محتوى العمليات العيانية أو المحسوسة، فإن نظام العمليات الحسية العيانية يشبه التفكير المنطقي ما دامت توجد به مجموعة من العناصر "كالموضوعات أو العلاقات أو الصفات"، بالإضافة إلى وجود بعض العمليات "كالإضافة إلى الجمع، والطرح وهكذا"، مع مجموعة من المبادئ أو العناصر المتحدة، وأحد هذه المبادئ يسمى بالاستبدال Commutivity وبغض النظر عما إذا كانت عناصر الموقف تتحد أم لا، فإن النتيجة سوف تكون نفسها، فمثلا، أ + "ب + جـ١" = "أ + ب" + جـ.
والمبدأ الثاني يتمثل في الهوية Identity أو التماثل فلكل عنصر في موقف ما يوجد عنصر مماثل له مثل: أ - أ = صفر، أو أ = أ, والمبدأ الثالث يتمثل في التركيب Compostion, ويعني أن اتحاد عنصرين في موقف ما سوف ينتج عنصر ثالث مثل، أ + ب = جـ, والمبدأ الرابع يتمثل في التناول العكسي للموضوعات أو المعكوسية Reversibillty ومؤداه أن كل عملية في الموقف توجد عملية أخرى معكوسة ثانية والتي يمكن أن تبطل كلية تأثيرات الأولى، ولكي نوضح ذلك أ + ب = جـ، ولكن ج - أ = ب، ج - ب = أ.
ويمكن أن يقال أن الطفل لا يكون على دراية بنظام العمليات العيانية إلا أننا يمكن أن نستدل عليها من أدائه، وينطبق نفس الشيء بالنسبة للنظام الإجرائي الصوري, وفي الحقيقة فإن مفهوم بياجيه عن الذكاء
стр. 541
اللاشعوري متشابه إلى حد ما مع مفهوم فرويد عن اللاشعور الوجداني Affective فلقد وجد فرويد أن كل شخص يعيش حياة غنية بالرغبات والدوافع والتخيلات، ويكون على حد أدنى من الدراية بكل هذه الأشياء، ويشير بياجيه إلى مفهوم قريب من مفهوم فرويد، في أن الشخص يعيش حياة معرفية، غنية، ويستخدم فيها أنظمة مركبة من العمليات المنطقية بدون دراية فعلية منه.
وبمجرد أن يحصل الطفل العمليات العيانية "الحسية" نجده يستطيع استخدامها داخل فئات معينة، فمثلا إذا عرف الطفل أن عدد الأطفال يساوي جمع عدد الأولاد + عدد البنات، أو أن ج = أ + ب "جمع" حينئذ سيعرف تلقائيًا أن جـ - أ = ب "معكوسية" ويعني أن أ - أ = صفر "هوية" ويعني أ + ب = جـ، وهي نفسها مثل ب + أ = جـ "استبدالية" ودلالة هذا التحليل المنطقي لتفكير الأطفال نجد أنه يمكننا من التنبؤ بالموقف الكامل للأدوات المترابطة المتفردة للشخص.
عندما ننتقل إلى نظام العمليات الصورية، فإن المنطق يصبح أكثر تركيبًا وتعقيدًا، وفي الحقيقة يصبح منطق خبري أو افتراضي Propositional Logic وهذا النوع من المنطق يعتبر بمثابة النظام المنطقي الثاني والذي يستفيد من النظام الأول ويمدنا بمدى أكبر ومرونة أعظم في التفكير, ومنطق العمليات الصورية عادة ما يكون دالا للمنطق الإجرائي والذي يستخدم في الجبر والرياضة، كما أن كلا من المنطق الإجرائي والرياضيات تعتبر بمثابة وسائل تمكن الفرد من التفاعل مع موضوعات العالم الخارجي، كما أن العمليات المنطقية الصورية والجبر من جانب آخر تعتبر بمثابة وسائل وأدوات تمكن الفرد من التفاعل الرمزي، وهي خطوة أسمى من العالم الواقعي.
وبواسطة العمليات الصورية كذلك يمكن أن يكتسب الفرد عن طريقها مستوى جديدا من الإحساس أو الشعور، وعلى الرغم من أن المراهقين قد لا يكونون على دراية بالمنطقية التي تكون وراء عمليات تفكيرهم النامي، إلا أنهم يمكنهم أن يعكسوها ويصوروا أفكارهم وعمليات تفكيرهم كذلك، حيث يمكنهم التفكير في التفكير، وعلى ذلك فإن المراهقين يمكنهم تفهم التعبير عن اتحادات أو تركيبات كثيرة والتي قد لا تحدث في الواقع ويشير كل من lnhelder & Biaget؛ "١٩٥٨" أن
стр. 542
الشخص يكون قادرًا على بناء الاحتمالات والأمثلة المتناقضة مع المواقف الحقيقية الواقعية، والتي قد تكون منطقية إلا أنها ليست واقعية.
ولكي نوضح احتمالات أو إمكانيات التفكير الصوري الإجرائي تفترض أنك دخلت مطعمًا، وقدمت لك قائمة الطعام، حيث تحتوي على المشهيات وأطباق رئيسية، وأصناف حلوى وأنواع شراب، حينئذ يكون لديك عدد من البدائل الاختيارية والتي يمكن أن تقدم كما يلي.
"يأمر بشيء واحد":
١- لا يأمر بشيء.
٢- يأمر بالمشهيات فقط.
٣- يأمر بالطبق الرئيسي فقط.
٤- يأمر بالحلوى فقط.
٥- يأمر بالشراب فقط.
"يأمر بشيئين":
٦- يأمر بالمشهيات والطبق الرئيسي.
٧- يأمر بالمشهيات والحلوى.
٨- يأمر بالمشهيات والشراب.
٩- يأمر بالطبق الرئيسي والحلوى.
١٠- يأمر بالطبق الرئيسي والشراب.
١١- يأمر بالحلوى والشراب.
"يأمر بثلاثة أشياء":
١٢- يأمر بالمشهيات والطبق الرئيسي والشراب.
١٣- يأمر بالمشهيات والطبق الرئيسي والحلوى.
١٤- يأمر بالمشهيات والشراب والحلوى.
١٥- يأمر بالطبق الرئيسي والشراب والحلوى.
"يأمر بأربعة أشياء":
١٦- يأمر بالمشهيات والطبق الرئيسي والحلوى والشراب.
وقدرة الفرد أن يضع في اعتباره كل هذه الاتحادات السابقة تتطلب
стр. 543
تفكيرًا إجرائيا صوريًا، وأحد المشكلات التي يجابهها الأطفال في المطاعم تتمركز في وجود بدائل وخيارات كثيرة يجب عليه التعامل معها، وعادة ما يفضل الأطفال قوائم الطعام البسيطة حيث يكون من السهل أن يتعاملون معها.
والمراهق بدوره يمكنه استخدام العمليات الصورية مع إشارات لفظية والتي قد يكون لها مراجع واقعية أو لا يكون لها ذلك، وعمومًا فإن القدرة على تركيب واتحاد الاقتراحات أو الافتراضات يكشف عن إمكانات هائلة للتفكير حيث تكون متطلبة لجميع المساعي والمحاولات العملية وعلى ذلك فعندما يريد الباحث بناء نظرية أو إجراء تجربة ما، فعليه أن يضع في اعتباره كثيرًا من المتغيرات في وقت واحد، ويفكر في تغيير بعضها بينما يحتفظ بالأخرى في حالة ثابتة وهذه هي الطريقة الوحيدة التي تمكن الباحث من أن يصبغ الافتراضات بصورة تجريبية.
اللغة والذاكرة:
لم تجر دراسات تصنيفية كثيرة على النمو اللغوي وقدرات التذكر عند المراهقين إذا ما قورنت بالدراسات التي أجريت على الأطفال، وفيما يتعلق بالنمو اللغوي فيمكن افتراض أن النمو يستمر في عدد المفردات والجمل والتركيب البنائي للجمل وكذلك في استعمالات الجمل المتعددة على الأقل حتى فترة المراهقة الوسطى "بناء على مقاييس بينيه ووكسلر للذكاء"، بالإضافة إلى ذلك فالمراهقون نتيجة نمو العمليات الصورية عندهم يبدءون في تفهم الجوانب الصورية للغة، وبعد ذلك تفهم القواعد اللغوية وبناء الجمل أو الإعراب وتشير نتائج دراسات Munsnger & Douglass؛ "١٩٧٦" على التوائم المتماثلة بوجود ازدياد مضطرد في فهم تركيب وبناء الجمل في مرحلة المراهقة المبكرة.
وأحد جوانب النمو اللغوي عند المراهقين التي درست كذلك هي مدى فهم الاستعارة والتشبيه في اللغة, ويبدو أن هاتين العمليتين تتطلبان تفكيرًا صوريًا إجرائيًا حتى يمكن فهم الاستعارة أو المجاز حيث تعتبر بمثابة رمزًا لرمز، وبالتالي تكون العلاقة فيها تصورية أو مجردة، وجدير بالذكر فإن المراهق عادة ما يستطيع تفسير الاستعارة أو المجاز اللغوي حيث تشير نتائج بعض الدراسات أن أطفال ما قبل المراهقة تمكنوا منها بالإضافة إلى أن نجاحهم فيها كان مرتبطًا بصورة عالية بنجاحهم في
стр. 544
اختبار التفكير الصوري الإجرائي، ولقد أيدت نتائج دراسات كل من Ash, Nerlove؛ "١٩٦٠"، Polio & Polio؛ "١٩٧٤" ما أشارت إليه نتائج الدراسة السابقة.
ولقد أجريت دراسات قليلة نسبيا على نمو الذاكرة عند المراهقين إذا ما قورنت بالدراسات التي أجريت على الأطفال, وتشير دراسات Mandler وآخر "١٩٦٧" أنه كلما تقدم الأطفال في أعمارهم الزمنية فإنهم ينمون بصورة متزايدة مخططات تذكرية جيدة وذات فعالية، ويبدو أن هذا الميل يستمر في المراهقة حيث نجد العمليات الصورية عادة ما تستخدم لتطوير المخططات التذكرية, وجدير بالذكر فإن اتساع مدى الذاكرة يزداد بصورة ملحوظة أثناء فترة المراهقة، والذاكرة الأحسن والأقوى سواء كانت عند المراهقين أو الراشدين عادة ما تعزى إلى القدرة الأفضل على التصنيف وتنظيم المعلومات.
السلوك الاحتفاظي Consevation Behavior:
إن مفهوم ثبات وبقاء الأشياء "كالحجم والعدد والطول والكمية والمسافة والجوانب وهكذا، عادة ما نجد الأطفال يتمكنون منها في فترة الطفولة المتأخرة عند وصولهم إلى مستوى العمليات الحسية للتفكير, إلا أن بعض المفاهيم الأخرى مثل الكتلة Volume يبدو أنها تتطلب عمليات صورية عالية، ولقد وجد كل من بياجيه وانهلدر أن الأطفال لا يمكنهم تفهم الاحتفاظ بالكتلة حتى سن الحادية عشر أو الثانية عشر.
وتشير دراسات Elkind, D؛ "١٩٦٢" أن نسبة كبيرة من المراهقين وطلاب الجامعة لم يتمكنوا من التوصل إلى تفهم الاحتفاظ بالكتلة، ولقد دعمت دراسات أخرى أجراها Hobbs, S؛ "١٩٧٣" النتائج سابقة الذكر، حيث طبق على مجموعات من المراهقين والراشدين، بالإضافة إلى أن اكتساب العمليات الصورية أو على الأقل تطبيق هذه العمليات على جوانب معينة للواقع ويجب أن نشير أن مفهوم الكتلة له مستويات عديدة من التجريد، وأن تلك الدراسات التي أجريت على المراهقين والراشدين قد فاقت أغلب المستويات التجريدية حيث تعاملت مع مبدأ استمرارية الكتلة Continous volume وهي الفراغ المملوء بمادة متصلة أو مستمرة مثل السوائل أو الصلصال، إلا أن الكتلة غير المتصلة Discontinuous وتعتبر بمثابة الفراغ المملوء بواسطة مبدأ الاحتفاظ أو الثبات, وعموما فإن مفهوم
стр. 545
الكتلة يشبه المفاهيم الأخرى يمكن أن تفهم على مستويات متعددة، وفي فترة المراهقة عادة ما نجد مفهوم الاحتفاظ بالكتلة المستمرة أو المتصلة في متناول المراهقين.
التفكير التجميعي أو التوحيدي Combinatorial Thining:
أحد الأشكال الجديدة للتفكير والتي تصبح ممكنة مع التفكير الإجرائي الصوري مثل قائمة المأكولات التي قدمت في مثالنا السابق ولكي نتأمل كيف ينمو هذا النمط من التفكير لدى الأطفال والمراهقين انظر الشكل رقم "٤", والذي يمثل مثالا عمليا من أعمال بياجيه وانهلدر الأصلية، وسنورد فيما بعد مقتطفات من تفكير الأطفال في مستويين عمريين مختلفين التي قدم إليهم هذه المشكلة.
ولقد قدم كل من انهلدر وبياجيه كثيرا من الأمثلة من هذا النوع موضحين أن الأطفال عادة ما يكون لديهم صعوبة في إجراء العمليات الصورية المتعددة Multiple، حيث إنهم يفكرون في تركيب أو تجميع سائلين، إلا أنهم لا يفكرون تلقائيا في اتحاد ثلاثة سوائل مختلفة مرة واحدة مع "ج"، وحتى عند اقتراح هذه الوسيلة عليهم نجد لديهم صعوبة في التعامل مع اتحادات متعددة بطريقة منتظمة، وعموما فإن الصغار في مستوى العمليات الإجرائية الصورية يمكنهم تفهم أن سائلين أو ثلاثة سوائل يمكن أن تتحد في وقت واحد، فالعمليات الصورية إذن تمد الشخص بطرق للاكتشاف أو بناء الفروض بالإضافة إلى طرق لاختيار الفروض، إلا أننا نجد في فترة المراهقة أن كلا من طرق الاكتشاف وكذلك طرق التحقق أو الإثبات تصبح موحدة.
وجدير بالذكر فإن نتائج كل من انهلدر وبياجيه سابقة الذكر قد دعمت بنتائج دراسات أخرى، ففي دراسة طولية أجراها Neimark "١٩٧٢" على أطفال ومراهقين في توقع الاتحادات أو التركيبات الممكنة لأربع أعمدة ملونة مختلفة أخذت "صفر"، "١"، "٢"، "٤". وعلى الرغم من أن معظم المراهقين تجاهلوا احتمالية "صفر" إلا أنهم تمكنوا من إدراك مجموعة ما لموضوعات غير المتصلة أو غير المستمرة عادة ما تكون أسهل.
стр. 546
إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
ويوضح الرسم مسألة المواد الكيميائية اللونية وعديمة اللون، حيث توجد أربعة قارورات متشابهة تحتوي على سوائل عديمة الرائحة، وهي:
١- حامض كبريتي مخفف بالماء.
٢- ماء.
٣- مادة ممزوجة بالأكسجين.
٤- سلوفات.
وتقدم للحالة كوبان أحدهما يتكون من سائلي القارورة ١ + ٢. والكوب الأخرى تتكون من السائل رقم "٢". وتلاحظ الحالة أن الفاحص يضيف عددا من نقاط سائل القارورة "ج" إلى كل من هذين الكوبين، والسائل الذي يتكون بالكوب ١ + ٢ يصبح عندئذ أصفر اللون، ويطلب من الحالة أن تعيد إنتاج اللون مستخدمة كل القارورات الخمسة أو بعض منها.
стр. 547
اخلط قارورة رقم "٤" + ج, وبعد ذلك ٢ + ج، ١ + ج، ٣ + ج، وأعطيت الحالة الأكواب مرة أخرى وأعاد تكرار خلط السوائل ١ + ج، ٢ + ج ... إلخ، وأعطي له كوب آخر متسائلين هل يمكن أن يفعل شيء آخر، وخلط ١ + ٤ + ج، وبعد ذلك ٢ + ٢ + ج، وعندما أشيرت على الحالة أن لديه أشياء أخرى يمكن تركيبها، وضعت الحالة السائل ١ + ج في الكوب، وفي محاولة أخرى لتركيب اللون وضع السائل ٢ + ٤ + ج وبعد ذلك أضاف إليهم السائل ٣ وحاول مرة أخرى مع ٤ + ٢ + ج، الخمسة عشرة الاحتمالية الباقية كانت أن الأطفال الصغار وجد أن في إمكانهم إحداث التغير الأساسي في ترتيب الأشياء، وبالتالي يمكنهم تنظيم العناصر الهامة والعناصر غير الهامة. والحالات التي كانت في دراسة نيومارك، كانت في الصف الرابع وأمكنها إنتاج اتحادات وتبديلات خاصة في الترتيب، وفي الصف السادس وجد أن نصف الأطفال أمكنهم إنتاج اتحادات ولكن لم يحدث ذلك في تعديل أو تبديل ترتيبات الشيء.
الوعي بالتبديلات التصورية:
يبدو من المعقول أن نفترض أن الأطفال الصغار عند مستوى العمليات الإجرائية الصورية في التفكير يتصورون عالمهم بصورة مختلفة إلى حد ما عما نجده لدى أطفال العمليات ما قبل الإجرائية أو العيانية, الحسية، فأطفال ما قبل الإجرائية يميلون إلى رؤية الأشياء عن طريق سماتها الدالة مثل قولهم "الدراجة الهوائية لها عجلات"، والأطفال الذين يمرون بمستوى العمليات العيانية يميلون إلى أن يصوروا الأشياء عقلانيا عن طريق كيفية وظيفتها كقولهم مثلا "الدراجة للركوب"، وأخيرا يميل المراهقون إلى التفكير عن الأشياء بلغة المفاهيم العامة "الدراجة مركبة ذات عجلتين".
وجدير بالذكر فإن الإنسان عادة ما يميل إلى التفكير في المستوى الأقل وبالتالي فإننا لا نفكر دائما في المستوى الأعلى الذي يمكننا أن نصل إليه فالراشدون الذين يمكنهم التفكير بصورة تصورية غالبا ما نجدهم يفكرون بصورة إدراكية أو وظيفية، ويعجب كثير من الدارسين كيف أن الأطفال والمراهقين كذلك يغيرون بسهولة من نمط التصور المهيمن والسائد على تفكيرهم إلى طريقة أدنى في بعض الأحيان وإلى طريقة أعلى في أحايين أخرى، وعمليا فإن الأطفال الصغار قد يكونوا غير قادرين على التحور والتبدل إلى المستوى الأعلى لأن ذلك يتطلب قدرات لا يمتلكونها،
стр. 548
إلا أن الأطفال الأكبر والمراهقين يمكنهم التفكير بمستوى أقل من مستوياتهم.
وتشير نتائج دراسات Elkind؛ "١٩٦٦" في دراسة تلك الظاهرة السابقة حيث استخدم مفهوم إنتاج الواجبات والذي يطلب فيه من الأطفال والمراهقين أن يفكروا ويتأملوا بعض الأفكار المرتبطة بصور أو بكلمات أو بأشياء مثل تفاحة حقيقية، صورة لتفاحة, كلمة تفاحة. وأشارت النتائج أن المراهقين كانوا أكثر قدرة على استدعاء أفكار أكثر كانت مرتبطة بالكلمات وكذلك للصور والأشياء الأخرى، ومع ذلك فقد وجد أن الأطفال قد إنتجوا مفاهيم أكبر تتصل بالصورة وبالأشياء أكثر من الكلمات, وعموما فإن كثيرا من الدراسات قد أثبتت ما افترض عن وعي المراهق بالتبديلات التوجيهية التصورية.
стр. 549
النمو الخلقي:
تشير نتائج دراسات كولبرج أن كثيرا من أوجه النمو الخلقي للفرد يحدث أثناء فترة المراهقة والشباب، ويستطرد أن أهم موضوعات ومسائل النمو الخلقي قد ألقي عليها الضوء مثل العلاقة بين النمو الخلقي والسلوك الفعلي وتأثير التدريب على التفكير الخلقي، والميكانزمات المتضمنة في الانتقال من مرحلة نمو خلقية إلى مرحلة أخرى.
وجدير بالذكر فإن هناك دراسات كلاسيكية توضح العلاقة بين التفكير الخلقي والسلوك أجراها كل من Hartshorne and May؛ "١٩٢٨، ١٩٣٠" حيث عرفت الأخلاقية على أنها مجموعة من السمات ذات القيمة التبجيلية كالأمانة والصدق والضبط الذاتي، كما توجد اتساقية ضعيفة بين الأنماط السلوكية الخلقية لدى الأطفال، فالطفل قد يكون أمينا في موقف معين إلا أنه لا يكون كذلك في موقف آخر، كما أن إدراك الطفل الصغير حقيقة الصواب لم يكن مرشدا أو موجها لسلوكه، كما أشارت النتائج إلى وجود علاقة ضعيفة أو عدم وجود علاقة بين انتماء الأطفال المدرسة الأحد أو الكنيسة وبين سلوكهم الأخلاقي.
وجليا فإن الأخلاقية عادة لا تكون محددة بأنماط سلوكية معينة، فمن وجهة النظر النمائية، فإن ما يحدد سلوك الشخص في أي موقف خلقي معين يتوقف على مدى تفهمه للموقف، ويعتمد ذلك على مستوى الفرد النمائي بالإضافة إلى اعتماده على طبيعة الموقف الذي يمر به الفرد, فتساؤل فرد ما لماذا يفعل ذلك؟ يعتبر ذلك بمثابة ضرب جوهري وحاسم للتقييم الخلقي للفعل، كما أنه من الضروري عندما نضع مستوى الشخص الخلقي في الاعتبار فإننا بالتالي يمكن أن نجري تنبؤات معقولة عن أفعاله الخلقية وسنعود مرة أخرى للتحدث في النمو الخلقي للمراهق فيما بعد.
стр. 550
دلائل التفكير الإجرائي الصوري:
إن نتائج دراسات انهلدر وبياجيه عن التفكير الإجرائي الصوري Formal Operational قد أدى إلى عديد من الدراسات، كما وسع من تفهمنا لكيفية تفكير المراهقين, إلا أنه في نفس الوقت كان عاملا لكثير من التساؤلات مثل: ما علاقة هذا النمط من التفكير بالعمليات المعرفية الأخرى؟ وهل من الممكن أن يتأثر هذا النمط من التفكير بالتدريب؟ وكيف يصل الشخص إلى هذه المرحلة من التفكير؟ كثير من المشاكل والتساؤلات كان نتيجة كتابات انهلدر وبياجيه عن هذا التفكير الإجرائي الصوري، وسنتأمل سويا الإجابة عن بعض هذه التساؤلات سابقة الذكر.
عمومية العمليات الصورية:
أشرنا فيما سبق أن بعض المراهقين والراشدين الصغار لا يصلون إلى مرحلة العمليات الصورية أو أن هؤلاء ببساطة لا يطبقونها في مفاهيم الحجم؟ ويتضمن هذا التساؤل من الجانب المنهجي وجود ثمة اختبارات مقبولة عالميا يمكن بواسطتها قياس العمليات الصورية، ولكن لا توجد مثل هذه الاختيارات، كما أن الإخفاق في أداء اختبار معين قد يعني أن لا شخص إما أنه ليس لديه العمليات الصورية، أو قد يعني بأنه لم يطبقها لمفهوم معين.
ولقد أعاد بعض الباحثين تجارب بياجيه وانهلدر ووجدوا أن المراهقين لا ينجحون في الأعمار التي أشار إليها كل من بياجيه وانهلدر في أداء بعض من الاختبارات فمثلا أعاد Dale؛ "١٩٧٠" تجربة الكيماويات
стр. 551
التي وصفت فيما سبق وأشارت النتائج إلى أن أقل من ٧٥% للعمر ١٥ سنة التي اختبرت كانت ناجحة "في حين أشارت نتائج بياجيه وانهلدر أن أكثر من ٧٥% من الشباب يمكنهم حل هذه المشكلة", كما أن تجربة البندول أشارت إلى نتائج مماثلة, فقد أشارت نتائج دراسة Jakson؛ "١٩٦٥" أن أقل من ٥٠% من أعمار ما بين ١٢ و١٥ سنة تمكنوا من حل التجربة بنجاح "في حين أشارت نتائج تجربة بياجيه وانهلدر أن أكثر من ٧٥% من الحالات في نفس العمر الزمني السابق نجحوا في حل هذه المسألة.
وعموما، فعندما نقيم هذه النتائج، بالإضافة إلى الدراسات الأخرى في ثبات أو بقاء الحجم Volume، نجد بياجيه قدم ثلاثة تفسيرات ممكنة لهذه النتائج:
أ- أن بعض الأفراد ينمون بمعدلات أكثر انخفاضا عن الآخرين وبالتالي فإنهم لا يصلون للعمليات الصورية حتى منتصف أو نهاية فترة المراهقة.
ب- إن إحراز العمليات الصورية ليس عاما أو شاملا ولكنها تقدم أحد الطرق الاختبارية في توضيح القدرات العقلية التي تحدث وتظهر في فترة المراهقة.
ج- إن معظم الأشخاص يحرزون العمليات الصورية إلا أنهم يختلفون في جوانب المحتوى أو المضمون الذي يظهرون في ثناياه هذه العمليات، وعموما فمن الممكن أن يرجع إخفاق بعض الباحثين الكشف عن العمليات الصورية إلى الاختبارات المطبقة ولا يرجع إلى الحالات نفسها.
ومما هو جدير بالذكر فإن الأطفال المتخلفون عقليا "والذين تكون نسبة ذكائهم أقل من ٧٥" لا يصلون أبدا إلى العمليات الصورية Inhelder؛ "١٩٧٦"، وعلى ذلك فإنها ترتبط بالذكاء وبالنضج وتتصف بالتركيب والتعقيد، وبالتالي فإن العمر الزمني وحده ليس كاف للوصول إلى العمليات الصورية.
стр. 552
الاتساق الفردي في التفكير الإجرائي الصوري:
يفترض أن الشخص الذي يظهر نمط التفكير الإجرائي الصوري في أحد الجوانب قد يظهره في جوانب أخرى، ولكن لا نجد هذه الحالة بالضرورة، فبمجرد أن يحرز الشخص العمليات الصوتية، فإنه لا يستطيع أن يطبقها بصورة فورية أو أوتوماتيكية على جميع الجوانب التصورية الأخرى، فإن ذلك يستأهل وقتا لتعلم تطبيقها "على قائمة الطعام بالمطعم في المثال السابق، وكذلك في تجارب الكيمياء التي أشير إليها".
ويمكن بواسطة التحليل العاملي باعتباره أحد الطرق التي يحدد بها مدى العمليات الصورية لشخص ما، ففي هذه الوسيلة يطبق على مجموعة من الحالات كثيرا من الاختبارات وتحلل النتائج لكي نرى إن كان يوجد عديد من الأبعاد العامة، فمثلا فإن الاختبارات المتنوعة التي استعملها كل من بياجيه وانهلدر لقياس العمليات الصورية، فهل هي حقيقة يمكنها ذلك؟ وتشير دراسات Bart؛ "١٩٧١" أن كثيرا من الباحثين طبقوا وسيلة التحليل العاملي لبطاريات مهام أو واجبات العمليات الحسية والصورية، وبصورة عامة وجدوا عمليات منطقية أو واجبات العمليات الحسية والصورة، وبصورة عامة وجدوا عملية منطقية اعتبروها عاملا منطقية اعتبروها عاملا عاما "شاملا" يتضمن مهام وواجبات بياجيه المتنوعة، وعلى الرغم من أن مهام بياجيه تقيس القدرات المنطقية المقارنة، إلا أننا قد نجد من أن مهام بياجيه تقيس القدرات المنطقية المقارنة، إلا أننا قد نجد شخصا واحدا لا يؤدي بصورة متساوية في جميع هذه المهام أو الواجبات.
تأثير التدريب على التفكير الإجرائي الصوري:
إلى أي مدى يمكن أن تعزز العمليات الصورية بواسطة التدريب؟ وأحد الطرق في الإجابة على هذا التساؤل تتمركز في أن تختار الجماعات ذات خلفيات تجريبية مختلفة، بمعنى أن يأخذ الباحث جماعات تتنوع في كمية التعليم الشكل "الرسمي" وأن يقارن أداؤها في مهام وواجبات العمليات الصورية الإجرائية, وبصورة عامة فإن الاختلافات الكبيرة في طريق التدريس تؤدي إلى وجود هذه الفروق، حيث وجد أنه كلما تلقت الحالات كما تعليميا أكبر "ثانوي أو جامعي" كلما كانت أكثر ميلا إلى التعبير عن العمليات الصورية Graves؛ "١٩٧٢", Papalia؛ "١٩٧٢", Goodnow؛ "١٩٦٩", وبطبيعة الحال فإن مستوى الفرد التعليمي يرتبط كذلك بالذكاء، والعلاقة التي توجد بين كمية التعليم والعمليات الصورية يعني ذلك أن الأطفال والمراهقين الأذكياء عادة ما يكونون أميل إلى تحقيق العمليات الصورية عن الأطفال والمراهقين الأقل ذكاء.
стр. 553
وتشير دراسات Neimark؛ "١٩٧٥" عن تعليم الأطفال والمراهقين التفكير بالمستوى الإجرائي الصوري، أن التدريس أو تعليم العلوم العلمية قد لا يفيد كثيرا في تعلم هذا النمط من التفكير، حيث حاول بعض الباحثين تدريب بعض الحالات على مقاييس بياجيه, وأشارت النتائج إلى أنه على الرغم من أن بعض الأطفال والمراهقين قد أظهروا تحسنا ملحوظا في مهام وواجبات نوعية معينة، إلا أن آخرين لم يظهر لديهم ذلك، كما أن الحالات التي كانت تتصف بالاسترخاء Reflective أظهرت أداء أفضل في هذه العمليات الصورية أكثر من الحالات التي كانت مدفوعة Impulsive وقد يعزى ذلك إلى أن العمليات الصورية تعمل على تحرير الحالات من ضغوط المثيرات البيئية وعلى أي حال فإن هذه العمليات الصورية ترتبط بجوانب أخرى للوظيفة العقلية ومتضمنة النمط المعرفي.
النتائج الوجدانية للتفكير الإجرائي الصوري:
حتى هذه النقطة فإننا قد ناقشنا النمو المعرفي كما لو أنه غير مرتبط بانفعالات المراهقين ومع ذلك فإن الانفعالات النموذجية للمراهقين يمكن فقط أن تفهم فهما كاملا داخل مضمون أو محتوى التفكير الإجرائي الصوري، ويرجع ذلك إلى أن هذا النمط يسمح للشخص الصغير إلى دخول أو اقتحام عالم الأفكار المثالية، النظريات، والاحتمالات، وتشير إلى مدى قدرة المراهقين على المقارنة بين الممكن والواقعي في كثير من الجوانب الحياتية التي يتضمنها جزئيا على الأقل عدم الرضا أو عدم الإشباع والتي غالبا ما تحيط بهؤلاء الصغار وتحاصرهم في بعض الأحيان.
стр. 554
رابعا: هوية المراهق وقيمه الخلقية
عادة ما نجد الأطفال يحيون هنا والآن، ويهتمون بالعالم كما يجدونه ويتعلمون كيفية التفاعل مع هذا العالم المحيط بهم، إلا أننا نجد المراهقين عادة ما يكونون قادرين على فهم وإدراك الأشياء ليس فقط كما تكون عليه، ولكن بالإضافة كما يجب أن تكون عليه سواء في المنزل أو المدرسة أو في عالمهم الفسيح، بالإضافة مع أنفسهم, وعموما فإن إدراك التناقضات بين الواقع والمثالية عادة ما يغذي عدم الرضا عند المراهقين, ففي مرحلة المراهقة بالذات نجد بعض المراهقين يشعرون بالإكراه على البحث عن الآباء الحقيقيين، والأطفال الذين يشعرون بالإشباع والسعادة
стр. 555
فيما مضى، والبهجة والجرأة هذا من جانب والأطفال المضطربين من جانب آخر، أو ذوي نقص معين غالبا ما نجدهم في مراهقتهم يخبرون هذا الاكتئاب أو الانشراح الأول الذي صادفهم في حياتهم المبكرة.
كما أن إدراك المراهقين بالتناقض بين المثال والواقع غالبا ما يجعلهم متمردين, عاصين, فقد يجد المراهقون المواقف المثالية مرغوب فيها بصورة عالية ومن جانب آخر يجدون موقفهم الواقعي غير محتمل، ومع ذلك فغننا نلاحظ أن كثيرًا من أنماط تمردهم أو ثورتهم غالبًا ما يكون في صورة لفظية، إذ قد نجدهم يصادقون لفظيا على العوامل الإنسانية إلا أنهم يفعلون القليل لإنجازها وتحقيقها, كما أن عدم رضائهم الشديد عن أبويهم عادة لا يؤدي إلى انفصالهم عن أسرهم أو يذهبوا بعيدا وفقا لرغباتهم، وبسبب وجود هذا التناقض بين قدرة المراهق على تصور المثل وبين درايتهم بكيفية تحقيقها أو إنجازها بالفعل فإننا عادة ما نجدهم يتسمون بالعناد الشديد، والكذب والمراوغة في مطالبهم, وجديد بالذكر فعند نهاية فترة المراهقة وعندما تكون مثلهم مرتبطة بأفعال مناسبة فقد نجدهم أكثر تسامحا واحتمالا للمجتمع بصورة عامة ولآبائهم بصورة خاصة، أو قد يأخذون على عاتقهم القيام ببعض الأعمال لإنجاز وتحقيق مثلهم كالعمل في حركات التحرير أو العمل في مشروعات الخدمة العامة وهكذا.
المراهق والذات:
يشير بياجيه أن التفكير الإجرائي الصوري في مرحلة المراهقة يؤثر كذلك على اتجاهات المراهقين نحو ذواتهم, حيث يمرون بحالات استبطان ويقومون بعملية تحليل ونقد لذواتهم، وعادة ما يفعلون ذلك باتزان ورباطة جأش حيث يعتبرون التفكير الآن بمثابة شيء خاص وبالتالي لا يكون لزاما عليهم أن يتقاسموا أو يشتركوا في أنماط تفكيرهم مع الآخرين, كما نجدهم على نقيض الأطفال حيث يمكن أن يحتفظوا بالمواجهة "المظهر الكاذب" والذي يخبئ أحاسيسهم ومشاعرهم الحقيقية عن الآخرين.
واهتمام المراهقين الجديد هذا بذواتهم غالبا ما يعزى إلى تمركزهم العقلي حول ذواتهم Intellectual Egocentrism ويعني عدم القدرة على التمييز بوضوح بين ما يفكرون فيه وما يفكر الآخرين فيه, ففي المواقف
стр. 556
الاجتماعية نجد المراهقين الصغار عادة ما يشعرون كما لو أنهم في مرحلة مغايرة عن الآخرين، ويعتقدون أن كل الأفراد الآخرين يلاحظون ويقيمون أداءهم، وعلى ذلك فإن أنماط أفعالهم غالبا ما تكون على مستوى المستمع الخيالي Imaginary Aduience وهذا الإحساس الذي ينتابهم قد يرجع إلى وعيهم بذواتهم التي يتصف بها صغار المراهقين، فعندما يقف المراهق الصغير أمام المرآة لساعات عادة ما يتصور كيف سيكون رد فعل المشاهدين إليها، وعندما يذهب المراهقون سويا ويشكلون جماعة فيما بينهم ينتاب كل منهم إحساس بأنه ممثل لنفسه حيث إن المشاهدين ينظرون إليهم فرادا وليسوا جماعات.
وتشير نتائج دراسة Elkind؛ "١٩٦٧" أن النتيجة الطبيعية لهذه العلمية "المشاهد المتخيل" والتي يمكن أن تسمى بالأخلاق أو التلفيق الشخصي personal Fable حيث نجد المراهق دائما ما يشعر بأنه مركز انتباه الآخرين، ونجده يشعر بحب شخص خاص جدا, والمراهق الصغير عادة ما يشعر أن خبراته متفردة، كما أن أي شخص لم يخبر أحاسيس ومشاعر متساوية لما خبره هو, فقد نستمع إلى قول أحدهم مثلا "إنك لا تعرف كيف يكون شعور المرء عندما يكون في حالة حب" أو "أنك لا تعرف كيف أمقت هذا الشيء"، ما هي إلا تعبيرات نموذجية لاختلافات أو تلفيقات المراهق الشخصية, كما نجدهم في هذه المرحلة يعتقدون أن الأفراد الآخرين يكبرون ثم يموتون، إلا أن ذلك لن يحدث بالنسبة لهم، ويمكن أن يؤدي بهم شعورهم هذا إلى متاعب كثيرة، فالمراهق قد يشعر أنه لن يصبح مدخنا أو مدمنا إلا أنه يكتشف بأنه ليس حصينا أو ذا مناعة كما كان يعتقد.
وتوجد عدة نتائج لتمركز الذات عند المراهقين يمكن إيجازها فيما يلي:
١- قد تعزى عملية التمركز جزئيا إلى قوة وسلطة جماعة الرفاق، فعادة ما نجد المراهقين يهتمون للغاية باستجابات الآخرين عن ذواتهم خاصة جماعة رفاقهم لدرجة أننا قد نجدهم يفعلون أشياء كثيرة والتي تتناقض مع تنشئتهم السابقة، وتتعارض مع ميولهم الخاصة العزيزة لديهم.
стр. 557
٢- كما أن أحاسيس ومشاعر المراهقين بأنهم في مرحلة نمائية معينة قد يساعدنا على تفسير بعض من مناوراتهم ودهائهم لجذب الانتباه إليهم، فعادة ما نرى في هذه المرحلة أنماط سلوك ونماذج ملابس غريبة وشاذة.
٣- ونتيجة أخرى لتمركز الذات لدى المراهقين، فإننا عادة ما نلاحظ أن علاقات المراهقين التفاعلية الشخصية غالبا ما تكون ضحلة قليلة العمق وذات أمد قصير, كما أن نموذج ولع المراهقين غالبا ما يعزى إلى رغبة المراهق إلى عمل أي شخص كمثال له، والحقيقة التي يعزى إليها عدم دوام واستمرار النماذج التي تتخذ كمثال للمراهق إلى إدراكه بأنه لا يوجد كائن آدمي يعتبر كمثال حقيقي ولكننا نجده في فترة لاحقة يسعى إلى تكوين افتتان أو ولع جديد، وغالبا ما تبني الصداقة في هذه المرحلة وفقا للميول الذاتية أكثر مما تبنى على أساس الميول المتبادلة والاهتمامات المشتركة، فالفتاة الجميلة قد تصادق فتاة أخرى أقل منها جمالا وهنداما حتى تبرز عليها بالمغايرة كما أن الفتاة عادية الجمال قد تكون سعيدة مبتهجة بارتباطها بصداقة فتاة لافتة جذابة.
وجدير بالذكر فعادة ما نجد في اتجاه نهاية فترة المراهقة الاخفاض التدريجي لهذا النمط من استخدام أو استغلال سمة التمركز حول الذات، فالمراهق يأتي إلى التحقيق إلى أن الأفراد الآخرين يفكرون عن ذواتهم ومشكلاتهم الخاصة أكثر مما يفكر فيه أو يفعله بنفسه، ومع انخفاض تمركز الذات عند المراهق يوجد تجديد للتفردية، بالإضافة إلى وجود حرية جديدة من الاتساقية لجماعة الرفاق حيث نجد العلاقات البيشخصية "التفاعلية الشخصية" تصبح مبنية على الميول المشتركة المتبادلة أكثر من الميول الذاتية والاختلاق أو التلفيق الشخصي حيث يدرك المراهق أن زملاءه وأصدقاءه يتقاسمون، ويشتركون معه في أحاسيس ومشاعر متشابهة وأيضا في تخيلات مشتركة، كما نجد المراهق عادة ما يصبح أكثر استرضاء للمجتمع أو استمالة إليه ولأسرته كذلك، وعادة ما يحدث ذلك بإنجاز بعض أنواع الأعمال الإنتاجية "الواقعية" والتي تكون بمثابة الجسر الذي يبنيه بين المثال والواقع، فالعمل المنتج يوحد الأفكار والأفعال ويمكن المراهق من النظر إلى المستقبل بدون يأس أو قنوط للحاضر, كما أنه تعتبر علامة انتقال من فترة المراهقة إلى فترة الرشد أي من الانعزال الشخصي إلى التكامل الاجتماعي كما أشار بذلك آريك أريكسون.
стр. 558
الهوية والقيم والاغتراب:
إن الطلب الرئيسي لفترة المراهقة يتمركز في إيجاد إجابة عملية للسؤال التالي، من أنا؟ أو من أكون؟ who Am I? وعلى الرغم من أن الجنس البشري قد شغل بالإجابة عن هذا التساؤل في عديد من القرون، إلا أنه فقط منذ سنوات قليلة قد أصبح محط اهتمام وتركيز علماء النفس والتحليل النفسي، بالمراهق الذي لديه إحساس قوي وحقيقي عن هوية الأنا يرى نفسه كفرد متفرد مستقل، والحقيقة فإن كلمة فرد Individual كمرادف لكلمة شخص person تتضمن الحاجة إلى أن يدرك الفرد نفسه كشيء منفصل ومتفرد عن الآخرين، بغض النظر إلى أي مدى يشترك فيه مع الآخرين في دوافعهم وقيمهم واهتماماتهم، وكذلك الحاجة إلى الإحساس باتساق الذات الذي يؤدي إلى الشعور بالتكامل، وترتبط بصورة وثيقة بالحاجة لرؤية الفرد لنفسه كشيء مميز عن الآخرين, وعموما فعندما نتحدث عن تكامل الذات فإننا نشير إلى كلا من التميز أو التفرد عن الآخرين ووحدة الذات في ثمة تكامل عملي لحاجات ودوافع وأنماط الاستجابة لفرد ما, ولكي نصل إلى معنى واضح لهوية الأنا، فمن الضروري أن يدرك الفرد ذاته على أنها تتميز بالاتساق بمرور الزمن, فالفرد يحتاج إلى أن يكون على دراية بالاتساق الذي يربط بين ما كان بالأمس وما هو موجود اليوم.
والفرد لكي يخبر التكاملية يجب أن يشعر بالاستمرارية المضطردة بين ما كان عليه أثناء فترة طفولته الطويلة وما سيكون عليه في المستقبل المتوقع، ويتضمن ذلك التساوق بين ما يدرك حقيقة ذاته وبين الطريقة التي يدركه بها الآخرون وما يتوقعونه منه، فإن أي تأثيرات نمائية يمكن أن تسهم في الإدراكات الواعية الواثقة بالنفس كشيء مميز ومنفصل عن الآخرين وكشيء متسق ومتكامل بصورة معقولة، وكشيء له استمرارية بمرور الوقت, كل ذلك يسهم بصورة كبيرة للمعنى الشامل لهوية الأنا, وبنفس الدليل فإن التأثيرات التي قد تعوق أيا من تلك الإدراكات الذاتية، تدعم ما أشار إليه أريكسون بانتشار الهوية Identity diffusion أو ما يفضل أريكسون استخدامه بتشتت الهوية، حيث يعني فشل الفرد في تحقيق التكامل والاستمرارية لصورة الذات.
وقد تتباين المجتمعات في تحقيق الهوية والشعور بالقيمة للمراهق أو الشاب، فتؤكد البعض منها على نمو الفرد كفرد بدلا من كونه عضوا
стр. 559
في بعض الجماعات، وبالتالي تؤكد على الاعتماد على النفس والاستقلالية وفي مجتمعات أخرى يكون التركيز على تحقيق الهوية والشعور بالقيمة من خلال علاقات الصداقة الراسخة مع الآخرين ولكونه عضو في نظام اجتماعي راسخ.
مشكلات الهوية في فترة المراهقة:
يجد كثير من المراهقين أنفسهم يلعبون أدوارا تتغير وتتبدل من موقف لآخر، وقد ينتابهم القلق على "أي" من هذه المواقف يمثل ذواتهم بصورة حقيقية, كما يجربون بصورة واعية أدوارا مختلفة على أمل أن يجدوا واحدا من الأدوار ملائما ومناسبا لهم, ولقد سألت أحد المراهقين كان لديه أكثر من طريقة في الكتابة: لماذا لا تتخذ طريقة واحدة بدلا من تلك الطرق المتعددة؟ وكانت إجابته: كيف أكتب بطريقة واحدة فقط إلا عندما أعرف من أنا! وعموما فإن البحث عن الهوية يصبح جادا خاصة في هذه المرحلة من النمو، فالتغيرات التي تحدث أثناء سنوات الطفولة الوسطى, هي إلى حد كبير تدريجية ومنتظمة بدون تنقلات فجائية من يوم لآخر ومن شهر لآخر.
والمراهق عموما يواجه عدد كبير من التغيرات النفسية والجسمية والجنسية المتشابكة، ويواجه أيضا بمتطلبات عقلية واجتماعية ومهنية جديدة ومتنوعة, ومما لا يدعو للدهشة، فإن المراهقين يهتمون بالكيفية التي يظهرون بها في عيون الآخرين بالمقارنة إلى ما يعتقدونه في أنفسهم، ويهتمون كذلك بالتساؤل عن كيفية الربط بين الأدوار والمهارات التي شربت لهم مبكرا ومطالب المستقبل, وعموما فإن التوصل إلى معنى محدد لهوية الفرد يعتمد -إلى حد ما- على قدرة المراهق على تصور ذاته بصورة مجردة، فالقدرة على التفكير الصوري تساعد المراهق في بحثه عن "هويته" ولكنها في نفس الوقت تزيد من صعوبة ذلك البحث وتلك الأشكال المعرفية ليست في جوهرها متناقضة، ولكنها مكملة لحاجات المراهق لكي ينمي إحساسا بهويته؛ لأنه من خلال العلاقات الممكنة التي يمكن أن يتصورها المراهق نجده يعمل سلسلة من الاختبارات الدقيقة لتعهداته الشخصية، المهنية، الجنسية، والأيديولوجية.
стр. 560
التباين في تكوين الهوية:
كنا نناقش تكوين الهوية كما لو كانت موحدة بصورة نسبية، فإما أن ينجح المراهق في تكوينها أو يفشل، والحقيقة فإن الموضوع أكثر تعقيدا وتركيبا من ذلك, فأنماط تكوين الهوية قد تتباين بدرجة كبيرة بين مجموعة معينة من المراهقين، أو مجموعات من المراهقين، نتيجة لعديد من التأثيرات تتراوح من علاقات الوالدين بالطفل إلى الضغوط الثقافية، أو ضغوط الثقافات الفرعية بالإضافة إلى معدلات التغير الاجتماعي, ففي المجتمع البدائي حيث يوجد فقط عدد محدد من الأدوار الممكنة للمراهقين، وحيث أن التغير الاجتماعي الذي يحدث يكون طفيفا من جيل إلى آخر، فإن تكوين الهوية قد يكون مهمة سهلة نسبيا يمكن إنجازها بسرعة، وعلى النقيض من ذلك ما يحدث في المجتمعات المتقدمة سريعة التغير، حيث يوجد عديد من الاختيارات والفرص حينئذ قد يكون تكوين الهوية مهمة عسيرة وطويلة، وحتى داخل نطاق مجتمع معين فإن الهويات قد تكون متماثلة أو متغايرة، فالفرد قد يبحث عن الأدوار الشخصية والاجتماعية والمهنية التي من المتوقع أن تدعم بواسطة المجتمع,
والبحث عن الهوية قد يحدث ويتبلور في فترة مبكرة أو يمتد إلى ما لا نهاية، ولقد عبر أريكسون عن ذلك بقوله: إن بلورة الهوية عبارة عن تعطيل في عملية تكوين الهوية، فإنها تثبت غير ناضج لصورة الذات عند فرد ما، ولهذا فإنها تتداخل مع نمو قدرات وإمكانات أخرى لتحديد مفهوم الذات لدى الفرد، وبالتالي نجد الفرد لا يظهر كل ما يستطيع أن يكون عليه، فالمراهقون الذين يواجهون بعدد كبير جدا من الاختيارات يمرون خلال فترة طويلة باختلاط أو تشوش هويتهم عندما لا يستطيعون أن يقرروا من هم؟ وماذا يريدون أن يكونوا عليه؟
وفي بعض الحالات، نجد أن مشكلة تحديد الهوية تحل إلى حد كبير عن طريق عدد من المحاولات والخطأ، وقد ينتج أحيانا هوية ليست محددة بوضوح واتساق وتتسم بالكلية فقط ولكنها أيضا تتسم بالجدية والغنى والتنوع في مصادرها, وفي بعض حالات أخرى نجد الفرد لا ينمي إحساس محدد واضح لهوية الأنا، وبالتالي تظهر لديه أزمة مرضية طويلة للهوية، ولا يحقق أي ولاءات أو ارتباطات متناسقة, وتدعم الدراسات ذلك, إذ تشير أن كثيرا من المراهقين والشباب الذين يعانون من انتشار أو خلط لهويتهم، عادة ما يكونون غير راضين عن طريقة آبائهم
стр. 561
في الحياة، كما أننا لا نجد واحدا منهم يستطيع أن يكون إيجابيا في تكوين حياة خاصة به.
وعموما فإن هذه التباينات في تكوين الهوية قد تظهر بين كثير من المراهقين في عصرنا الحديث، والرأي العام الشائع يشير إلى أن فترة الخلط والتشوش الحادة في التعرف على الهوية تتميز باضطرابات وتغييرات انفعالية مفاجئة، وهذا ما يميز هذه الفترة العصبية أو الحادة لتشوش الهوية وبالتالي تعوق التعرف على الذات, وجدير بالذكر فإن الدلائل المادية ونتائج الدراسات تشير إلى أننا نميل إلى المبالغة في ترديد مدى خطورة أزمة الهوية بين الشباب.
علاقات الوالد بالمراهق وتكوين الهوية:
إن بناء مفهوم ثابت للهوية قد يصبح ميسورا وسهلا بواسطة عدد من العوامل أو العناصر، إن العلاقة المكافئة بين الطفل أو المراهق وكل من الأبوين، فالأب من نفس الجنس الذي يقدم نموذجا شخصيا واجتماعيا مؤثرا, والذي يجده الطفل أو المراهق مكافئ للهوية، والأب من الجنس المخالف الذي يكون مؤثرا ويظهر تأييده للنموذج المقدم عن طريق الأب من نفس الجنس، فإن الشاب أو المراهق الذي ينشأ في مثل هذه البيئة عادة ما يكون لديه إدراك إيجابي ومحدد لذاته، ويكون أقل ميلا في أن يواجه صراعات في إدراك ذاته والمتطلبات الداخلية للاقتراب من النضج الجنسي والمتطلبات الخارجية للمجتمع.
وتشير الدراسات النفسية أن المراهقين الذين أعطوهم آباؤهم الرعاية الكافية، يدركون أنفسهم بأن لديهم أدوارا متسقة بصورة كبيرة إذا ما قورنوا بهؤلاء المراهقين الذين لم يعطوا الرعاية الكافية من قبل والديهم, حيث يرون أنفسهم كأنهم يستجيبون بطرق متشابهة مع والديهم وأصدقائهم ومعارفهم, كما أن شعور المراهق بهوية الأنا قد يكون قويا عندما يكون سلوك كل من الوالدين تجاهه متسقا، وعندما ينظر إلى الأب على أنه قوي ولكن يتسم بالود والمحبة، ويمارس ضبطا معتدلا، وعندما تدعم الأم عملية تقمص الابن لأبيه، كما أن تجنب الأم أن تكون من النوع المتطفل أو الملح في طلب الأشياء يدعم هذه العملية عند الأبناء، وقد أشارت الدراسات كذلك أن مركز هوية الأنا، والتغيرات في المكانة أو المركز تتغير وتتنوع بالصورة التي يتم فيها الاستقلال عن الأسرة، وكذلك درجة تركيب وتعقيد المستوى الثقافي والاجتماعي العام.
стр. 562
نموذج الجنس والهوية الجنسية:
إن السلوك الملائم للذكور والإناث لا يحتاج إلى التطابق الصارم لمقولبات وأدوار الجنس التقليدية التي لا تتغير، كما أن الهوية الجنسية لفرد ما والتي تمثل في التقبل الانفعالي لطبيعة الفرد البيولوجية كذكر أو أنثى تبدأ في فترة مبكرة من الحياة، وتعتبر مكونا هاما في إدراك الفرد لهويته الشخصية, وتناقضات الهوية الجنسية قد تخلق مشاكل جوهرية في نمو معنى محدد ومكافئ لهوية الأنا, ويجب أن نميز في هذا المقام بين الهوية الجنسية والتوجه الجنسي، فالأشخاص ذوو الجنسية المثلية سواء من الذكور أو الإناث ينظرون إلى أنفسهم على أنهم ينتمون إلى نفس جنسهم البيولوجي، على الرغم من أن انجذابهم الجنسي موجه إلى حد كبير إلى أفراد من نفس جنسهم "وهذا بالطبع ليس هو الشأن مع هؤلاء الأفراد الذين يريدون التحويل الجنسي الحقيقي، حيث ينظرون إلى أنفسهم على أنهم أعضاء من الجنس المناقض لجنسهم، إلا أنهم لسوء حظهم صبوا في قالب جسمي غير مناسب لهم.
وعموما، فإن الهوية الجنسية الموجبة -كالهوية الكلية- تدعم عن طريق تقديم نموذج للتقمص من الأب من نفس الجنس، ويدعم هذا التقمص من الأب من الجنس الآخر، إلا أننا يجب أن نؤكد هنا أن التطابق مع الأب من نفس الجنس، ونموذج دور جنس هذا الأب لا يعني بالضرورة تبني أدوار جنسية تقليدية ثابتة، والنمو النسبي لصراع الهوية الجنسية الحر "كما ميزت عن الأدوار الجنسية التقليدية"، فإن الأشكال الخارجية التي يتخذها سلوك الدور أقل أهمية إذا ما قورنت بنوع التقمص الأبوي الذي يبنى على أساسه، وعلاوة على ذلك فإن سلوك الدور يمكن أن يتنوع بصورة كبيرة طالما كان مشتقا من الطبيعة البيولوجية كذكر أو أنثى، فالمراهقة التي تتطابق مع أم تقليدية، والفتاة التي تتطابق مع أم تتسم بالتوكيدية لذاتها والعقلانية بدرجة كبيرة قد يحققان صراعا حرا "أي صراعا سويا" Free Conflict نسبيا في عملية التوافق وإحساسا قويا بهوية الأنا، ومن ناحية أخرى فإن الفتاة التي تبني دور سلوكها الجنسي على أم نابذة رافضة لهويتها البيولوجية الحقيقية "مثلا ترفض طبيعتها الجنسية، أو قدرتها على حمل الأطفال، أو التي تتسم بالعدوانية لأعضاء جنسها أو الجنس المخالف لها" قد تجد صعوبة في بناء مفهوم ثابت وآمن لهوية الأنا.
وتشير نتائج الدراسات في هذا المجال إلى الأهمية الأولية للنمو داخل
стр. 563
أسرة متفاعلة حانية وحسنة التكيف النفسي، حيث يقدم كل من الأبوين نماذج لمستويات القيم الأساسية، حيث يقدم الأب من نفس الجنس شكلا مكافئا للتطابق, ففي هذا الجو -حتى وإن كانت أدوار الجنس الأبوية تقليدية إلى حد ما- نجد الأطفال والمراهقين لا ينمون أنماطا واتجاهات لأدوار الجنس مبالغ فيها أو نكوصية، ولا ينمون نقائض لدور الجنس، مجسما للأشكال الأكثر سلبية وغير المناسبة للنماذج التقليدية من الجنس الآخر, وعموما فإن هذا الجو العائلي الصحي، عادة ما نجد الذكور والإناث لأبوين يتسمان بالمرونة، والنمطية أو الصرامة الأقل لأدوار جنسهم, يتسمون بالأمن وأقل اضطرابا في نمو هويتهم الشخصية.
جملة القول فإننا يجب أن ننمي لدى المراهق الميل للتوكيدية والاعتماد على نفسه والاعتداد بذاته ويجب أن يكون المراهق قادرا على أن يرتبط بأناس آخرين، وأن يكون حساسا لحاجاتهم وأن يكون مهتما بمساعدتهم بالإضافة إلى تقبل المراهق للمساندة العاطفية، وبالتالي فإن الهدف النهائي لأي عملية تنشئة أسرية يجب أن تسمح للمراهق أن ينمي ذاته ويحققها وبالتالي ينمي مواهبه كإنسان وذلك بالاتساق مع حقوق الآخرين.
نمو الأخلاق والقيم:
فترة المراهقة -أكثر من أي فترة أخرى في حياة الإنسان- تركز الاهتمام على الأخلاق والقيم والمعايير، كما أن قدرات المراهقين على التأمل والتفكير تدعم الوعي الكبير بالأسئلة والاستفسارات المرتبطة بالقيم والأخلاق, ومن جانب آخر فإن المطالب التي تلقي عن طريق المجتمع على كاهل المراهق متغيرة بمعدل كبير، وهذا في حد ذاته يتطلب منه إعادة تقييم مستمر للقيم والمعتقدات الأخلاقية خاصة في عصرنا الحديث في مجتمع مليء بالضغوط المتصارعة المتناقضة، وقيم كقيمنا, وتحت هذه الظروف، فإن مشكلة تنمية شعور محدد قوي بالهوية لا يمكن فصله عن مشكلة القيم، فإذا أردنا للمراهقين أن يحققوا بعضا من الثبات في تصورهم لذواتهم، وأن يتحلوا بالموجهات الداخلية للأفعال وسط عالم متغير، يجب بالتالي أن يكونوا مخلصين لبعض القيم الأساسية، على الرغم من أنهم قد يضطرون لاعتناق طريق جديدة لتحقيق هذه القيم لكي تواجه الأوضاع المتغيرة.
стр. 564
وكما أشار إريسكون Erikson، أنه بدون تنمية القدرة على الإخلاص، فإن الفرد إما أن يكون لديه، "أنا ضعيفة Weak Ego وإما أن يرتبط في أحضان مجموعة منحرفة معلنا إخلاصه وولائه لها.
النضج المعرفي والنمو الخلقي:
يصبح التفكير الأخلاقي التقليدي بارزا في فترة المراهقة، وذلك كلما اقترب من مرحلة العمليات الصورية، ويعني ذلك التوجه إلى خصائص المراهق الطيب، ويدرك المراهق أن السلوك القويم "الحسن" هو الذي يرضي الآخرين ويدعم بواسطتهم، وبالتالي نجده يسعى لكي يكون لطيفا مهذبا مع الآخرين حتى يحظى بالتقبل منهم، وقد يتسع هذا الاتجاه ليشتمل التكيف نحو السلطة والمبادئ الثابتة، وتدعيم النظام الاجتماعي، فالسلوك القويم يتكون من عمل الواجب، وإظهار الاحترام للسلطة، والحفاظ على النظام الاجتماعي لذاته، وبالتالي فإن اهتمام المراهق في هذه المرحلة لا يكون منصبا على كيفية الاتساق والتوافق مع النظام الاجتماعي, ولكن أيضا يتسع إلى كيفية الحافظ وتدعيم وتبرير قيام هذا النظام، وعموما فإننا نجد مع بداية مرحلة المراهقة، ونمو التفكير الإجرائي الصوري يميل المراهق إلى الوصول إلى مراحل ما بعد المرحلة التقليدية للنمو الخلقي، والتي تتسم بدفعة قوية نحو المبادئ الأخلاقية المجردة التي يمكن أن تطبق في كل زمان وكل مكان، وليست مقصورة على مجموعة اجتماعية معينة.
وقد يكون المراهق -عند هذه النقطة- غير قادر على تبني وجهات النظر بدون توجيه استفسارات عن المعتقدات الاجتماعية أو السياسية لوالديه، مع الاعتقاد بالتفرد لشعوره بأن أبوابه لديهما معتقدات خاصة ويعتقد المراهقون بأن كل الأشخاص الذين يفكرون بطريقة صحيحة يجب عليهم بالضرورة أن يشاركوهم معتقداتهم أي معتقدات آبائهم، كما أنهم "المراهقون" يفكرون في السلوك الأخلاقي في ارتباطه بالحقوق العامة والمعايير التي اتفق عليها ورسخت في المجتمع, وينشأ عند المراهق أيضا مبدأ جديد هو نسبية القيم والآراء الشخصية والتأكيد المتسق على القواعد الإجرائية للتوصل إلى الاتفاق الجمعي في الرأي.
وكلما تقدم المراهق في مدارج النمو، كلما ازداد توجهه نحو الاهتمامات الداخلية وازداد بالتالي ضمير الفرد، فقد يصبح أقل توجها نحو الآخرين، وأكثر توجها نحو الداخل، إلا أنه ما يزال مفتقدا للمبادئ.
стр. 565
العقلية أو العامة الواضحة, وبينما نجد العديد من المراهقين لا يتعدون نطاق هذه المرحلة إلا أن البعض قد يستمر في التقدم لتحقيق ما رآه كولبرج Kohloberg على أنه أعلى مرحلة للتفكير الأخلاقي، والتي نجد فيها الفرد يبذل جهدا لصياغة مبادئ أخلاقية مجردة تحتكم إلى القدرة المنطقية على الفهم والعمومية والاتساقية، فعلى سبيل المثال فقد يكون الاعتقاد في قدسية الحياة الإنسانية مبني على أساس أنها تمثل قيمة عامة لاحترام ذاتية الفرد، فإن مثل هذه المبادئ لا تبنى فقط على الاستحسان أو التصديق الاجتماعي ولكنها بالأحرى لا تبنى فقط على الاستحسان أو التصديق الاجتماعي ولكنها بالأحرى تعتمد على مدى اتساقية المعايير الخلقية الداخلية، والفرد ذو المبادئ يتطابق مع هذه المبادئ حتى يتجنب إدانة أو تجريم ذاته, فعندما نسأل المراهق، عما إذا كان يحق للزوج سرقة الدواء غالي الثمن ويباع في السوق السوداء من تاجر الأدوية المستغل، وذلك لكي ينفذ حياة زوجته, فقد يجيب المراهق ذو ستة عشر ربيع أن الزوج طبقا للقانون الوضعي قد فعل شيئا خاطئا ولكن طبقا لقانون الطبيعة أو القانون الديني فإن تاجر الأدوية خاطئ، والزوج معذور بما أقدم عليه، والحياة الإنسانية أسمى من الكسب المادي، فبغض النظر عن الإنسان الذي يشرف على الموت، وإن كان غريبا فإن واجب الإنسان أن ينقذه من الموت, وعموما فلقد أظهر الشباب فوق السادسة عشر تفكيرا واضحا يلتزم بالمبادئ الأخلاقية، وكانوا قادرين على التفكير الصوري، فالوصول إلى مرحلة ملائمة من القدرة على التفكير والتأمل تكون ضرورية، إلا أنها ليست شرطا كافيا للوصول إلى المرحلة الخلقية المثالية أو المتطابقة.
لقد كان تأكيدنا الرئيسي -حتى هذه المرحلة- على العوامل التي تجعل المراهق أكثر حساسية في تساؤلاته المرتبطة بالقيم الأخلاقية والتي تؤثر في صقله، وبالتالي يصبح قادرا على تصور وتفهم المشاكل الأخلاقية، إلا أنه يوجد جانب آخر لهذا النمو الواسع لموضوع القيم يتركز في الكيفية والطريقة التي ينعكس فيها التفهم المعرفي على السلوك، فالشخص قد يكون في استطاعته تصور وتفهم الموضوعات الأخلاقية المعقدة والمركبة، وأن يكون لديه المنهج أو الطريقة الأخلاقية الصحيحة التي سوف يسلك تبعا لها، ولكنه قد لا يستطيع أن يسلك بطريقة متسقة متناغمة مع هذا المنهج أو الطريقة، ففي إحدى الدراسات وجه سؤالا لبعض الأطفال والمراهقين مؤداه لماذا يجب على الناس اتباع القواعد؟ وبعد ذلك وجه إليهم سؤال، لماذا تتبع أنت المبادئ؟ ففي الإجابة على
следующие страницы →