العلم اليقيني، والمدبرون يتابعون كيدهم، ويعلمون بنتيجته على وجه اليقين, فقولهم: ﴿مَا شَهِدْنَا﴾ كذب واضح؛ لأنهم دبروا، وخططوا، وأخذوا يتابعون التنفيذ، ويوجهون من كلفوهم بالقتل.
ولكن القدر الإلهي كان أسبق منهم، فلقد جاء أشقاهم وعقر الناقة، وقتلها فنزل وعيد الله فيهم بعد ثلاثة أيام، إذا جاءتهم صيحة عالية، ارتجت لها الأرض، فماتوا جميعا، وهم جاثمون على ركبهم، ونجى الله صالحا والمؤمنين معه، وأبقى بيوتهم خالية لتشهد عليهم، ولتكون عبرة للأجيال من بعدهم، يقول الله تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ، فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ١، وبعد أن نجى الله صالحا ﵇ والمؤمنين معه، شدوا رحالهم إلى بيت الله الحرام حاجين، فعن ابن عباس ﵁ قال: لما مر النبي ﷺ بوادي عسفان حين حج قال: "يا أبا بكر، أي وادٍ هذا؟ " قال: وادي عسفان، قال: "لقد مر به هود، وصالح ﵉ على بكرات، خطمها الليف، وأزرهم العباء، وأرديتهم النمار، يلبون ويحجون البيت العتيق" ٢.
يقول ابن كثير: يقال: إن صالحا انتقل إلى حرم الله، فأقام به حتى مات، ودفن به، وقيل: بل عاش فترة في رملة فلسطين بالشام, حتى مات ودفن بها، والله أعلم ...
стр. 107
النقطة الثالثة: ركائز الدعوة في قصة صالح
الركيزة الأولى: طبيعة التمدين
...
"النقطة الثالثة": "ركائز الدعوة في قصة صالح"
تتشابه ركائز الدعوة في قصة صالح ﵇ مع ما استفيد من قصة هود مع قومه، ولعل ذلك راجع إلى تماثل القبيلتين أرومة، وموطنا، ورقيا، فكلتاهما من العرب العاربة، وسكنوا جزيرة العرب، وهناك تشابه بين حضارتيهما، في الزراعة، والصناعة، والعمران، والسعة.
ولقد ركز صالح على العقيدة كسائر الرسل ﵈ وبدأ بها، وكان له منهج في الدعوة يشبه منهج هود إلى حد بعيد؛ ولهذا أكتفي بهذه الإشارة, وأورد بعض الركائز التي لم أتكلم عنها من قبل ...
الركيزة الأولى: طبيعة التمدين
المتحضرون من البشر أصحاب رقي عقلي، وبسبب هذا الرقي يتمكنون من تسخير بعض الآيات الكونية لما يريدون، وبسبب رغد العيش الذي يعيشون فيه يصابون بالترف، ويتفننون في ألوان المتع، ويبدعون في إشباع شهواتهم.
والمتصور أن يفكر أصحاب الحضارة بعقولهم في ألوان حياتهم، وفي النعم التي يتمتعون بها، وينظروا إلى ذلك نظر تأمل وتدبر، ويبحثوا عن حقيقتها، وموجدها، وعن حق هذا الموجد القدير، لكن الواقع يبين أن أهل الحضارات غالبا تبطرهم النعم وتشغلهم ببريقها عن البحث والنظر، ويلعب الشيطان بعقولهم، ويصور لهم أن ما هم فيه بسبب علمهم، وعملهم، وقوتهم، فيسارعون إلى تصديقه، ويمتلئون كبرا وغرورا، ويعيثون في الأرض فسادا، وهذا ما حدث من قبيلة "ثمود".
فكل حضارتهم من عطاء الله، فالماء ينزل عليهم مدرارا، والأرض تنبت الزرع جيدا، والأنعام تتوالد وتكثر، والخيرات حولهم متنوعة، ولم يسألوا أنفسهم: من الذي يقدر على هذا؟ وهل أصنامهم تقدر على شيء من ذلك؟
стр. 108
وهل يمكنهم خلق شيء من هذا؟ ولو أعملوا عقولهم، وسألوا أنفسهم: من أنشأنا؟ من مكننا من الأرض؟ من وجهنا لفعل ما عملنا؟ إنه رب العالمين.
الأسئلة كثيرة تتصل بالنفس، وبالكون، وبسائر المخلوقات.... لو سألوها لأنفسهم، وتدبروا في الإجابة عنها لاقتربوا من الخير والإيمان, ولكن العقل حين يلعب به الهوى, وتسيطر عليه الشهوة، ويوجهه إبليس يصاب بالعمى، ويهنأ بالضلال، وهو نفس ما حدث مع ثمود، يقول الله تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ ١، كانوا مستبصرين يمكنهم النظر السليم، والتدبر الواعي، لكن الشيطان زين لهم وأغواهم، فكرههم في الحق، وأبعدهم عن الهداية، وتلك طبيعة أهل الرقي والمدنية، وأصحاب الحضارات، يتصورون أنفسهم الجديرين بقيادة العالم، وينظرون نظرة دونية إلى غيرهم.
وها هي ثمود واحدة منهم:
- تعودت الإسراف بلا عقل.
- أحبوا الرفاهية، واللهو، والعبث بلا خجل.
- تخلقوا بالكبر والغرور والإفساد.
- تخيلوا أنفسهم فوق الناس.
- وثقوا في فكرهم، وعقلهم.
ولما جاءهم صالح لم يستفيدوا منه، وظلوا على ضلالهم وطغيانهم، ولم يستجيبوا للنصح والإرشاد.
وهذه الطبيعة المتأصلة في أهل الحضارة يجب أن تكون معلومة للدعاة.
стр. 109
إن الحضارة المادية المعاصرة في الشرق، أو في الغرب, تتصور نفسها الفريدة في الرقي والمدنية، وتتخيل غيرها من المؤمنين لا حضارة لهم؛ ولذلك يحاول أصحابها وضع أنظمة تحكم العالم بقيادتها، ليسير بمنهجهم، ونظمهم، والواقع يختلف عن ذلك تماما، فهي حضارة مادية، قائمة على إشباع الهوى، وإرضاء الشهوات، وهي تعادي الدين، وترفض منهج الله لعباده، وتتباهى بالوضعية الحسية، والسيادة المطلقة للعقل.
إنها حضارة مغرورة ضيعت مزاياها بغرورها، وحولت مكاسبها الإنسانية إلى عوامل ضارة بالآخرين، وبنفسها.
стр. 110
الركيزة الثانية: دعوة أهل الحضارة
أشرنا إلى بعض الصفات التي يتميز بها أهل الحضر، والتي تدفعهم إلى اتخاذ مواقف متعارضة مع النصح والإرشاد.
والسؤال هنا: هل لدعوتهم إلى الله طابع معين؟
ونبادر بإجابة مجملة تؤكد على ضرورة وجود طابع خاص لدعوة أهل الحضر، والملأ، والأغنياء، وذوي السلطان؛ لأنهم جميعا من قبيل واحد، ولا يصح التعامل معهم بأسلوب غيرهم.
فلا بد من دراسة الواقع الذي يعيشونه، ومعرفة الحياة التي يحيونها، والوقوف على بعض مشاكلهم، واهتماماتهم.
ولا بد من معرفة عقائدهم، ودياناتهم، ومستوى التزامهم الأخلاقي، والسلوكي، والمذهبي، ومنهج العلاقات السائدة في أوساطهم، وبذلك يمكن تحديد الإيجابيات والسلبيات الموجودة لديهم.
وبذلك تبدأ الدعوة مستفيدة بالإيجابيات، تؤيدها، وتبين قيمتها، وضرورة التمسك بها, والبحث عن موجدها.
стр. 111
ومع الاستفادة بالإيجابيات يكون نقد السلبيات بهدوء؛ بالسؤال عنها، ومعرفة فوائدها، وضررها، ولِمَ التمسك بها؟ وبعد ذلك يكون النقد المباشر الصريح.
ولا بد في دعوتهم من إبراز دورهم، وتقدير شخصياتهم، ووصفهم بالخصائص الطيبة فيهم؛ لإيجاد تعاطف متبادل معهم، يمكن الداعية من البلاغ ويدفعهم إلى الاستماع والتجاوب.
ولا بد من الأدب في خطابهم وإن تشددوا، فهم يملكون البطش والقوة، والناس يعظمونهم، والداعية في نفس الوقت يمثل عمليا الدعوة التي ينادي بها، وعليه أن يتصور نفسه طبيبا يعالج المرضى.
وعلى الداعية أن يأخذ براهينه من حياتهم ومعاشهم؛ لأن ذلك أقرب للفهم وأدعى للإجابة، كما أن إنكاره للواقع غير ممكن؛ لأنه مشاهد محسوس.
وعلى الداعية أن يقدم القضايا المهمة في دعوته؛ لأنها أساس لغيرها، وغيرها لا يغني عنها.
إن هذا ما فعله صالح ﵇ ويجب أن تستفيد به الدعوة خلال مسيرتها بين الناس.
إن فريقا من هؤلاء الناس، لهم عقول واعية، ونفوس طيبة، وكل ما يبعدهم عن الحق أخطاء رأوها من بعض الدعاة، أو صورها لهم أصحاب الغايات الخبيثة من المحيطين بهم، من الجنة والناس. إن الملأ من قوم صالح ﵇ بعد الدعوة, انقسموا إلى فريقين:
فريق منهم آمن بالدعوة واقتنع بها، وتحول بعد إيمانه إلى داعٍ يدعو لما آمن به، ويخاصم الآخرين حوله، ويدافع عن عقيدته، ويتبع صالحا فيما يبلغهم به عن الله تعالى.. وفريق آخر استمر في الكفر، والضلال.
стр. 112
هذا, والتاريخ يقدم صورا لأصحاب حضارات آمنوا بالدعوة الإلهية، ونصروها، وأسسوا لها أمما ودولا، ونشروا الدين في أماكن عديدة١.
جاء في دعوة الأنبياء: "انظر كيف يذكر القرآن قوم هود بأنه جعلهم خلفاء من بعد قوم نوح، ويذكر قوم صالح بأنه جعلهم خلفاء من بعد عاد، ومكنهم في الأرض، وجعلهم أصحاب حضارة وقوة، وذلك أسلوب من أساليب التربية، وضرب من ضروب الدعوة والعظة، يبين فضل الله عليهم بأن عمهم بإحسانه، وجعلهم أجلاء عظماء في شئون الحياة، ووسائل العمران، ولا ينبغي لمن كرمهم الله هذا التكريم أن يلوثوا أنفسهم بالمعاصي، بل اللائق بهم أن يكرموا أنفسهم حيث أكرمهم الله تعالى".
ويقول: "وكثيرا ما انتفع الناس بالدعوة من ناحية ما في نفوسهم من عظمة، تراهم يعفون عن المحرمات؛ لأنها لا تليق مع عظمتهم، ولا تتناسب مع منزلتهم في الحياة"٢.
وقد نجح بعض الدعاة باتباع هذه الطريقة التي تحتاج أولا إلى اكتشاف الاستعدادات النفسية، والظروف الاجتماعية، وكرم الأصل والآباء، وركزوا عليها، وقالوا للمسرف: لا يليق بك أن تجاري السفلة في معاصيهم، وكيف تكون سافلا, وأبواك لهما من المجد والخلق ما يعلمه الناس، لا بد أن ترفع اسم أبيك، وتلزم نفسك وأهلك، وانظر إلى المستقبل البعيد واعمل له..
إنه منهج سديد بعون الله تعالى ...
стр. 113
إبراهيم ﵇
مدخل
...
٦- إبراهيم ﵇:
نشأ الإنسان راشدا، وبدأ مع آدم ﵇ وذريته أمة، موحدة، مؤمنة، ومكن الله للناس في الأرض, فأسسوا الحضارات، وأقاموا المدنيات, وعاشوا حياة مليئة بالخيرات، وعمتهم نعم الله وآلاؤه، وظهرت النهضة المادية في مختلف نواحي الحياة. لكن تاريخ الإنسان بالنسبة لدين الله مؤسف، فهو دائما يرتدّ عن الحق، ويزين له إبليس الضلال.
إن البشر لم يمكثوا طويلا بعد آدم ﵇ حتى اخترعوا آلهة صنعوها بأيديهم، وعبدوها من دون الله تعالى.
والعجب أن يصنع الإنسان جمادا بيده، أو يشكله بإرادته، ثم يتصوره إلها، يعبده ويدعوه، وينتظر منه جلب نفع أو دفع ضر، لكن هذا العجيب هو الذي حدث، فلقد عبد قوم نوح، وقوم عاد، وقوم صالح الأصنام، واتخذوها آلهة من دون الله تعالى.
ويبدو أن الإنسانية خلال رقيها المادي كانت تتقدم ماديا، وتنتكس دينيا, وذلك واضح مع إبراهيم عليه السلام١.
فلقد أقام إبراهيم ﵇ في أماكن عديدة، وعاشر أقواما كثيرين، وشاهد تنوعا في الضلال والكفر، مما يؤكد على هذا التلازم العكسي بين الرقي المادي، والضلال الديني.
стр. 114
دعا إبراهيم ﵇ قومه إلى الله؛ ليضع الدين في موضعه، وحاول أن يقود الناس إلى الله بمنهج الله؛ ليستقيم أمر الحياة، ويتحقق التوازن الطبيعي للأمور, في إخضاع المخلوق للخالق، وصرف النعمة في طلب المنعم، وليستمر العبد الضعيف في إمرة سيده العظيم، صاحب الفضل العميم.
وكان ما كان مع إبراهيم ﵇ وهو ما سنؤرخ له في النقاط التالية.
стр. 115
" النقطة الأولى": "التعريف بإبراهيم ﵇ "
إبراهيم ﵇ رسول الله، أحد أولي العزم، وُلد "بكوثى"١ التابعة لـ "بابل", ووالده هو "آزر" كان يعمل نجارا، يصنع الأصنام، وينحت التماثيل، يعبدها، ويتاجر فيها، وكان لقومه الكلدانيين حضارة ومدنية. عرفوا نظام الملك، وحكمهم ملك اشتهر بالظلم والجبروت، ادعى الألوهية، وقال للناس: أنا إلهكم أحيي وأميت، فأطاعه الناس، وألّهوه مع أصنامهم وأوثانهم، هذا الملك هو "النمرود بن كنعان".
وقد رزق الله إبراهيم الرشد، والعقل السليم منذ بلوغه؛ ولذلك لم يشارك أباه وقومه في ضلالهم وإفكهم، وكان يناقشهم في أصنامهم، ويبين لهم أنها لا تضر, ولا تنفع، ولا تسمع، ولا تبصر ويتساءل معهم متعجبا: كيف تكون هذه آلهة تعبد؟
فلما بلغ أربعين سنة، وصار قادرا على المواجهة، متمكنا من الدعوة والإرشاد, كلفه الله بتبليغ الرسالة، ودعوة قومه إلى التوحيد، ونبذ الآلهة التي يعبدونها من دون الله.
стр. 116
دعا إبراهيم ﵇ الأقرب إليه، والأهم للدعوة؛ ولذلك نراه يدعو أباه، و"النمرود بن كنعان" كما دعا عامة الناس، وكان لكل من هؤلاء معه أحداث وأحاديث.
أخذ إبراهيم ﵇ في تغيير وسائله في دعوة قومه، حتى وصل إلى تكسير أصنامهم قطعا صغيرة، وترك الصنم الكبير بعدما وضع المعول في رأسه، وسأله قومه، وحاكموه، وأصدروا حكما بتحريقه في النار، وأعدوا له عدة، ولكن الله أخزاهم بأن جعل النار عليه بردا وسلاما، ونجاه الله من التحريق.
بعدما تيقن إبراهيم ﵇ عدم إيمان قومه هاجر إلى حيث أمره الله تعالى، واصطحب معه زوجته سارة، وابن أخيه لوطا، وأباه تارح، وسار بركبه حتى نزل ببلاد الشام، وأقام بـ "حران" التابعة للكنعانيين، ونزل قحط ببلاد الشلام، فخرج إبراهيم منها ومعه سارة، وذهبوا إلى مصر، وحاول ملك مصر الاعتداء على سارة لحسنها وجمالها، إلا أن الله حفظها منه وجعله يهبها هاجر، ويروي البخاري بسنده عن أبي هريرة "أن إبراهيم ﵇ لما نزل بمصر، وكان فيها جبار من الجبابرة، فقيل له: ههنا رجل معه امرأة من أحسن الناس, فأرسل إلى إبراهيم وسأله عنها وقال: من هي؟ قال إبراهيم: هي أختي, وأتى إبراهيم سارة، وقال لها: ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، وإن هذا سألني فأخبريه أنك أختي، فأرسل إليهما, فلما دخلت عليه، ذهب يتناولها بيده فأخذ، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله فأطلق, وتكرر منه ذلك، وفي الثالثة دعا بعض حجابه وقال له: إنك لم تأتني بإنسان وإنما أتيتني بشيطان، وأخدمها هاجر, فأتت إبراهيم وهو قائم يصلي ... فأومأ بيده: مهيم؟ قالت: رد الله كيد الكافر في نحره، قال أبو هريرة: تلك أمكم يا بني ماء السماء"١.
стр. 117
عاد إبراهيم بزوجته وجاريتها هاجر إلى الشام، ونزل قريبا من مكان بيت المقدس، وكانت سارة عقيما؛ ولذا وهبت جاريتها هاجر لإبراهيم لتلد له، فلما حملت وولدت إسماعيل تألمت سارة وغارت منها، وطلبت من إبراهيم أن يسكنها وولدها بعيدا عنها، فأخذ إبراهيم هاجر وولدها إسماعيل، وتركهما في مكان صحراوي لا شيء فيه، حدده الله له، وهو المكان الذي نشأت فيه مكة بعد ذلك.
وإبراهيم ﵇ يعرف بـ "أبي الأنبياء"؛ لأن الله تعالى جعل في ذريته النبوة والكتاب، إذ انحصر النور في ذريته، وانقسم إلى قسمين: قسم ذهب إلى هاجر فولدت ابنه إسماعيل ﵇ ومنه تناسل العرب, ومن ولد إسماعيل جاء خاتم الرسل محمد ﷺ وقد كان ﷺ أشبه الخلق بجده إبراهيم ﵇ يقول ﷺ : "رأيت ليلة أُسري بي أبي إبراهيم, وأنا أشبه ولده به" ١.
والقسم الثاني ذهب إلى سارة, فولدت إسحاق ﵇ ومن إسحاق ولد يعقوب ﵇ وهو "إسرائيل" وذريته هم بنو إسرائيل، ومنهم كان أنبياء بني إسرائيل جميعا.
وهكذا انحصرت النبوة في ذرية إبراهيم, ﵇ ...
ونظرا لفضل إبراهيم ﵇ ادعى كل قوم جاءوا بعده، أنهم على ملته، وأنهم أولى الناس به، يروي ابن عباس أنه: "اجتمع عند النبي ﷺ وفد نصارى نجران وعدد من أحبار اليهود، فتنازعوا في إبراهيم، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا، ونحن أولى الناس به، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيا، ونحن أولى الناس به، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ٢".
стр. 118
وبذلك ينكر الله على اليهود والنصارى قولهم: إن إبراهيم منهم ولهم، وعرفهم أن رسولهم جاء بعده، وكتابهم نزل بعده، فمن أين لهم أن يجعلوه منهم؟!
وبين لهم الحقيقة بوضوح, فقال سبحانه: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١.
إن إبرهيم ﵇ كان حنيفا مسلما، بريئا من الشرك والشركاء، وأولى الناس به الذين اتبعوه في دينه وإسلامه، وأولهم محمد ﷺ والمؤمنون معه، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢.
والإسرائيليون الآن يدَّعون ملكية فلسطين، وبيت المقدس بدعوى أنهم ورثوها عن إبراهيم ﵇ وهذه مزاعم مردودة، فإبراهيم ﵇ جد للعرب، كما هو جد للإسرائيليين، وقد نزل في الشام ضيفا على العرب أصحاب هذه البلاد، فهم أولى بها.
وقد اختبر الله إبراهيم ﵇ ببعض التكاليف فقام بها، وأتمها، وظهرت جدارته بما اختصه الله به، وقد شهد له الحق وزكاه، وأثنى عليه في آيات كثيرة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ ٦.
стр. 119
وقال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ ١، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢.
وإبراهيم ﵇ أسوة حسنة في كل مجال، وبخاصة في الطاعة والانقياد؛ لأنه ﵇ لما رُزق بإسماعيل من هاجر تعلق قلبه به فغارت سارة، وطلبت أن يسكن هاجر وولدها بعيدا عنها، فاستجاب لطلبها، وكلفه الله تعالى أن يضعهما في مكان صحراوي، حدده له، هو مكان البيت الحرام بمكة، فذهب بهما إليه راضيا بأمر الله وترك لهما بعض الماء والسقاء، وقفل راجعا من حيث أتى، فتعلقت هاجر بثيابه وقالت له: آلله أمرك بهذا؟ فقال لها: نعم ... فقالت: إذًا لا يضيعنا.
ترك إبراهيم ولده البكر في مكان قفر، ورجع إلى الشام مطيعا لأمر الله، راضيا بقضائه فيه، يروي البخاري بسنده أن إبراهيم بعدما انطلق وقف عند الثنية حيث لا يرونه، واستقبل بوجهه البيت، ورفع يده وقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ ٣.
واستجاب الله دعاءه، إذ بعدما نفد الماء والطعام الذي تركه إبراهيم، جعل الغلام يتلوى، فانطلقت أمه تبحث عن الماء، أو عن منقذ لهما، وحتى لا ترى وليدها يتألم، صعدت على الصفا أقرب جبل إليها، ونظرت في الوادي خلفه فلم تجد شيئا، فجرت إلى المروة فلم تجد شيئا, فرجعت إلى الصفا ثم إلى المروة هكذا سبع مرات، ثم نظرت إلى وليدها, فإذا بالملك عنده يبحث بجناحه حتى ظهر ماء زمزم، فعادت إليه، وشربت، وسقت وليدها ... ٤.
стр. 120
وأخذ الطير يتجمع فوق المكان، فعلم قوم من قبيلة جرهم العربية أن به ماء، فاستأذنوا من هاجر في الإقامة، فأذنت لهم، وأنست بهم، وبدأت الحياة تدب في المكان, وتزوج إسماعيل ﵇ امرأة من الجراهمة، وتعلم العربية، ومنه تناسل العرب بعد ذلك, فهم العرب المستعربة١.
وارتبطت قلوب الناس بمكة، ورغب الكثير في الإقامة بها، ورزق الله أهلها من كل الثمرات والخيرات.
وطاعة إبراهيم ﵇ لله واضحة؛ لأنه لما أمره الله بترك ولده الوحيد في صحراء جرداء لم يتردد، وأسرع بالطاعة والتسليم، واكتفى بالدعاء له، واثقا بالله تعالى.
ومن صور الطاعة والانقياد عند إبراهيم ﵇ أن ولده إسماعيل هذا لما شب ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ وصار قادرا على العمل في المعاش، وطلب الرزق، كلف الله إبراهيم بأمر جديد هو ذبح ولده إسماعيل، وهو وحيده الذي ليس له غيره، أجاب، وامتثل، وأطاع ربه، وعرض الأمر على إسماعيل تطييبا لقلبه، وتهوينا عليه، فوافقه إسماعيل محتسبا، صابرا ... يصور القرآن الكريم حوار إبراهيم وإسماعيل ﵉ ويبين استسلامهما معا لأمر الله، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ ٢.
قمة عالية من الإيمان، وطاعة مطلقة لله، ونكران للذات في مقام العبودية لله, أب يذبح ولده بيده، وولد يستسلم لأبيه؛ تنفيذا لأمر الله، إنها الطاعة والانقياد.
ونجح إبراهيم ﵇ في امتحان الله، وفدى الله تعالى إسماعيل بكبش عظيم
стр. 121
يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ١.
أي: عندما استسلم إسماعيل للذبح وتشهد، وكبر إبراهيم عند مرور السكين على رقبته، جاء أمر الله بنجاة إسماعيل. يقول السدي وغيره: أمر الله السكين أن لا تقطع شيئا, فصارت كالإسفنج يمر على البدن.
ونادى الله إبراهيم أن قد حصل المقصود من اختبارك وطاعتك بصورة بينة ظاهرة، ورأى إبراهيم أمامه كبشا أبيض, أعين، أقرن، أرسله الله تعالى إليه مع ملائكته ليذبحه، ويفدي به ولده المطيع إسماعيل.
ذبح إبراهيم ﵇ الكبش, وضحى به تنفيذا لأمر الله تعالى، وافتدى بذلك ولده الوحيد، البكر "إسماعيل" الذي عُرف بـ "الذبيح"٢.
стр. 122
وشاء الله تعالى أن يبنى مسجد في الأرض، على أساس المسجد الحرام الذي بنته الملائكة أول مرة، فعرف إبراهيم بمكانه، وأمره أن يشيده فيه، بمساعدة ولده إسماعيل، فذهب إبراهيم إلى مكان البيت الذي أظهره الله له فوق أكمة مرتفعة, بجوار زمزم وأخذ في البناء، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ ١, وقال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ٣.
فكان إبراهيم ﵇ يبني البيت، وإسماعيل يأتيه بالحجارة، ولما ارتفع البناء، وضع إسماعيل حجرا ليقف عليه إبراهيم ﵇ فغاصت قدمه فيه، وكان هذا الحجر ملصقا بحائط الكعبة إلى عهد عمر بن الخطاب ﵁ فأخره ﵁ عن البيت قليلا؛ لئلا يشغل الطائفون المصلين عنده، ووضعه حيث مكانه الآن.
إن المسلمين الصادقين، أتباع محمد ﷺ هم أولى الناس بإبراهيم؛ لأن محمدا ﷺ دعا إلى ما دعا إليه إبراهيم, ﵇.
وقد جعل الله تعالى الحج فريضة إسلامية؛ ليعيش المسلمون ذكريات إبراهيم, وإسماعيل، وهاجر، وهم يعبدون الله ليقتادوا بهم في الطاعة والانقياد.
كما أن المسلمين في كل مكان يتجهون إلى البيت الحرام في صلواتهم كل يوم إيمانا بالله، وارتباطا بهذه الذكريات.
стр. 123
ولحكمة أرادها الله تعالى, أقام إبراهيم البيت على أسسه الأولى؛ ليكون للمسلمين بعد ذلك حرما آمنا، وبيتا يطيعون الله فيه، وكان من الممكن أن يكلف إبراهيم ﵇ ببناء بيت المقدس أو ببناء غيره ... لكنها حكمة الله وإرادته.
وقد عاش إبراهيم ﵇ مع سارة في "حبرون", وهي مدينة الخليل الحالية, يذكر ياقوت الحموي أن إبراهيم ﵇ لما ماتت زوجته "سارة" اشترى موضعا لقبرها، ودفنها فيه، فلما مات ﵇ دفن في نفس القبر١.
رحم الله أبا الأنبياء إبراهيم، ووفق المسلمين لحسن التأسي والاتباع.
стр. 124
" النقطة الثانية": "الأماكن والأقوام التي التقى بهم إبراهيم ﵇ "
تنقل إبراهيم ﵇ في أماكن عديدة، وعايش أقواما مختلفين، وشاهد مذاهب كثيرة.
فلقد وُلد ونشأ في بلدة "كوثى" أو "أور" من أرض بابل، من أعمال الكلدانيين، وتزوج سارة ابنة عمه.
عاش الكلدانيون في موطنهم بأرض بابل, وهي في مكان العراق الحالية، وكان لهم حضارة ومدنية، وعرفوا النظام الملكي، حيث ملكهم "النمرود بن كنعان".
وقد اتخذ الكلدانيون آلهة متعددة؛ فعبدوا الأصنام، والأوثان، والنجوم، والأشخاص.
وادعى "النمرود" الألوهية، وقال للناس: أنا أحيي وأميت, فصدقوه، واتخذوه إلها لهم مع الآلهة الأخرى.
وكثرة آلهة القوم، واشتغالهم بصناعتها، والمتاجرة فيها دليل على توغلهم في الفساد، والضلال.
دعا إبراهيم ﵇ قومه إلى توحيد الله وعبادته، ونبذ الشرك والشركاء، لكنهم أبوا، وأصروا على ضلالهم، فتركهم إبراهيم وهاجر إلى مكان آخر, أمره الله به وعينه له.
ترك إبراهيم موطنه وهاجر منه ومعه الذين آمنوا بدعوته، وهم: زوجته سارة، وابن أخيه لوط، ونزل بأرض الكنعانيين، وأقام بـ "حران" قريبا من دمشق الحالية.
وكان الكنعانيون يعبدون الكواكب، ويضعون على كل باب لبيوتهم هيكلا لكوكب يعبدونه، وكانوا يتوجهون ليلا إلى القطب الشمالي.
стр. 125
وكان لآلهتهم أعياد، وطقوس، وقربات، يقومون بها لكسب نفع، أو دفع ضر.
لقد أقام إبراهيم ومن معه بأرض الشام مدة من الزمن، حتى نزل ببلاد الشام قحط شديد أدى إلى أن يرحل إبراهيم ومعه سارة إلى مصر، ودخلا قرية يحكمها جبار من الجبابرة.
وكان المصريون يعبدون الأشخاص، والأصنام، والأنعام، إلا أن إبراهيم ﵇ لم يمكث مع المصريين طويلا، فرحل منها بعد أن نجى الله سارة من طغيان الجبار، ومحاولة اعتدائه عليها، وأهداها هاجر حين أخافه الله منها.
ورجع إبراهيم إلى بلاد الشام مرة ثانية قريبا من بيت المقدس، وتنقل بين قراها, فسكن بلدة السبع وحفر بها بئرا، وبنى مسجدا، وسكن ببلدة بين الرملة وإيليا هي مدينة الخليل الحالية، وكانت تسمى "حبرون", وبينها وبين بيت المقدس مسيرة يوم.
واستقر إبراهيم في بلاد الشام ومعه زوجته، وجاريتها هاجر، ومعهما لوط وزوجته، وعن هذه الإقامة يقول الله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ ١، وهذه الأرض هي أرض بيت المقدس؛ لقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢.
ولم يستمر لوط ﵇ مع إبراهيم ﵇ في منطقة بيت المقدس، بل تركها وذهب إلى "سدوم" التي تقع شرقي البحر الميت, حيث بلغ الناس دعوة الله، وكان قريبا من إبراهيم، ﵇.
стр. 126
وبعد عودة إبراهيم وزوجته من مصر، وهبت سارة جاريتها هاجر لإبراهيم لتلد له ولدا، فلما تزوجها حملت وولدت إسماعيل, فتعلق قلب إبراهيم بولده، فغارت سارة وتألمت، وطلبت من إبراهيم أن يسكنها وولدها بعيدا، فأمره الله بإسكانهما مكانا هو مكان مكة المكرمة الحالية.
رحل إبراهيم ﵇ إلى بلاد الحجاز، وأسكن هاجر وإسماعيل في مكان اختاره الله له، ثم عاد إلى الشام, وكان يزور ولده إسماعيل وأمه هاجر، حيث مقامهما في بلاد الحجاز، بين الحين والحين، كما كان يزور لوطا في قرية "سدوم", وهي إحدى قرى "غور زغر" وكان أهلها كفارا فجارا.
وصار لإبراهيم ﵇ جيش قوي ببيت المقدس, وتبعه ملوك بيت المقدس, واستقر بها صلوات الله وسلامه عليه.
وحينما نعلم أن إبراهيم ﵇ أرسل لقومه خاصة، فعلينا أن ندرك أن المراد بقوم النبي هم أهله الأقربون، والمقيمون معه، والمتكلمون بلغته، وبذلك يتضح أن قوم إبراهيم ﵇ الذين دعاهم هم الكلدانيون، والكنعانيون، ومن عاش معهم وتكلم بلغتهم.
стр. 127
النقطة الثالثة: حركة إبراهيم ﵇ بالدعوة
مدخل
...
"النقطة الثالثة": "حركة إبراهيم ﵇ بالدعوة"
تحرك إبراهيم ﵇ بالدعوة في كل مكان ذهب إليه، وتصدى للضلال والكفر، وحاول مخلصا أن يخرج الناس من الظلمات إلى النور، وينقذهم من الغواية إلى الهداية.
دعا كل من اختلط بهم، دعا أباه وقومه في بابل، وملكهم النمرود، ولما رحل إلى الشام دعا عبدة الكواكب والأصنام، وكان له مع كل فريق مواقف خالدة ونظرا لتنوع المواقف، واختلاف المواجهة، وتعدد طرق الحوار ومناهج الدعوة في كل موقف، سأتحدث عنها موقفا موقفا.
стр. 128
١- حركة إبراهيم بالدعوة مع أبيه:
آزر هو أبو إبراهيم ﵇ واسمه في التوراة "تارح" وربما كان هذا لقبه.
عمل آزر بصناعة التماثيل من الخشب، ونحتها من الحجارة، وكان يعطيها إبراهيم ليبيعها، يروي ابن الأثير أن إبراهيم ﵇ كان يعرضها على الناس, ويقول: من يشتري من لا يضره، ولا ينفعه، فلا يشتريها أحد، وكان يأخذها وينطلق بها إلى النهر, فيصوب رءوسها فيه, ويقول: اشربي، اشربي, استهزاء بها١ ... لأن الله أعطاه الرشد، وسعة العقل قبل النبوة٢، فأدرك ما في تأليه الأصنام وعبادتها من ضلال، فقال ما قاله، وفعل ما فعله بها، ومن دلالة رشده في تصرفه عند بيع الأصنام أنه لم يعص أباه، ولم يقل كذابا، ولم يغش أحدا، ولم يترك واجبا ... !!
فلما بلغ مبلغ الرسالة، وكلفه الله بالتبليغ, بدأ بدعوة أبيه برا به؛ لأن من البر إرشاد الأب إلى ما فيه سعادته في الدنيا والآخرة، وقد أحسن الوالد لابنه بتربيته والإنفاق عليه, وواجب على الابن رد هذا الإحسان بدعوته إلى الحق، وجذبه إلى صراط الله المستقيم.
وحتى يقطع اعتراض الناس إذا اعترضوا, وقالوا: لماذا لم تدع أباك إلى ما تدعونا إليه، ولو كانت دعوتك خيرا لبدأت بأبيك وأهلك؟!
стр. 129
وحتى لا يتصور أحد أن الإنسان غير مسئول عن دعوة آبائه لمقامهم ومنزلتهم، بل هو بذلك يعد مسئولا إن ترك دعوتهم وإرشادهم.
وقد تناول القرآن الكريم دعوة إبراهيم ﵇ لأبيه في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا، يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا، يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا، يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ ١.
هذه الآيات قد وضحت الكثير عن إبراهيم ﵇ وعن دعوته؛ لأنها بينت:
- أخلاقه, ﵇.
- ومنهجيته في دعوة الأقربين.
- ووسيلته وأسلوبه في دعوته أباه.
أما أخلاقه ﵇ فهي أخلاق الرسول الداعية، إنه محب لأبيه يمتلئ قلبه خوفا من أي أذى يلحقه، ولو كان مسا خفيفا رقيقا؛ ولذلك فهو ينصحه، ويحاول معه أن يثير دوافع التدبر، والتفكير بكل رفق، وهو ﵇ يقدر أباه، وينزله منزلته، فيبدأ حديثه باللفظ المعبر عن التقدير والإخلاص، ومناداته بقوله: ﴿يَا أَبَتِ﴾ ، ويكرره إبرازا لأدبه وحسن خلقه، ومن المعلوم أن في النداء تعظيما، وفي لفظ الأب حنانا وقربى.
стр. 130
ومن خلقه ﵇ مراعاة مقام الأبوة، ببيان أن التوجه بالدعوة ليس استعلاء، وإنما هو علم أتاه من الله، ورسالة تحمل مسئوليتها، ومنافع عديدة يتمنى لأبيه أن يظفر بها.
وعن منهجيته في دعوة أبيه نلحظ من الآيات الوضوح التام، والبصيرة الكاملة لكافة جوانب الدعوة، فهو يدعو إلى عبادة الله، النافع، الضار، العليم، الخبير، ويعلم أن أباه يعبد الأصنام التي يصنعها بيده ولا فائدة من ورائها ... ويدرك أن الشيطان هو الذي يزين للناس الشرك وعبادة الأصنام، ويعمل جاهدا لتكوين حزبه الضال على أساس الولاية بين أفراده لتستمر طاعتهم له، ويصعب عليهم ترك أصحابهم وضلالهم، وبذلك يتمادون في الضلال والكفر.
وقد واجه أباه مواجهة مباشرة بهذه الحقائق، وعلم رده وموقفه.
ومن أساليبه في دعوة أبيه، استعمال أسلوب الاستفهام؛ لأنه يوقظ انتباه المستمع، ويدفعه إلى التفكير، ويشركه في اكتشاف الإجابة، فيخلص لها، ويلتزم بها لصدورها من قناعته.
ويذكر له حقيقة ترضي الأب وهي اكتساب الابن للمعارف الجديدة، والوصول إلى علم مفيد، وإعجاب الأب بابنه يرضي، وحالة الرضا بداية الفهم والسماع.
ويبين لأبيه أن الله هو الرحمن؛ ولذلك فطاعة الشيطان الداعي إلى الشرك عصيان لله، وقد تؤدي المعصية إلى عذاب من الله، وهو أمر يخافه إبراهيم على أبيه, ولو كان مسا خفيفا، ولذلك فهو ينصحه.
وماذا كان موقف الأب من دعوة ابنه له؟
لم يؤمن آزر، ورد على إبراهيم بقسوة وشدة, وقال: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ ١.
كبر في نفسه أن ينصرف إبراهيم عن عبادة الأصنام, وكان يتمناها له، صناعة، وتجارة، وعبادة، وهدده بالرجم بالحجارة وباللعن والسب، وأمره أن يهجره زمنا
стр. 131
طويلا، ينسيه ما سمعه منه، وأملا في أن يعود إبراهيم عن دعوته، وتركه إبراهيم ﵇ أيضا مؤملا هو الآخر في إيمانه، وقال له: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا، وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ ١.
وترك إبراهيم أباه، وودعه في أمن وسلام، واستمر يدعو الله له، ويستغفره أملا في إيمانه، فلما تبين له أنه لن يؤمن تبرأ منه، ومن آلهته، واعتزله وابتعد عنه وعن آلهته؛ لأن ظهوره معهم يضعه في صورة الراضي عن دينهم، وأفعالهم، وهذا لا يجوز؛ لأن على المنكر مقاطعة صاحب المنكر ما دام لا يسمع لنصح أو إرشاد.
стр. 132
٢- حركة إبراهيم بالدعوة مع الملك:
ادعى النمرود الألوهية، وقال للناس: أنا أحيي وأميت، وتحكم في أرزاقهم وحياتهم، وعاث في الأرض فسادا، فلما جاءه إبراهيم ﵇ بدعوة التوحيد، وتسليم الأمر لله رب العالمين، لم يرض بهذا، وأخذ يجادل في الدفاع عن ذاته إلها للناس.
يصور القرآن الكريم دعوة إبراهيم للملك, وحواره معه في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ١.
стр. 133
فقد أنعم الله على النمرود، وآتاه الملك في بابل، وكان عليه أن يسارع إلى توحيد الله وعبادته؛ شكرا لنعمه، وازديادا لفضل الله، لكنه كفر وتجبر، وأبى ترك مزاعمه وافتراءاته، قال لإبراهيم: من ربك؟
قال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت.
قال النمرود: وأنا أحيي وأميت!
ومع اختلاف مراد كل منهما من الإحياء والإماتة؛ لأن النمرود يقصد أنه قد يأتي برجلين تحتم قتلهما، فإذا أمر بتنفيذ القتل في أحدهما فقد قتله، وإن أمر بالعفو عن الثاني فقد أحياه، كما يعني أنه إذا حبس رجلين بلا طعام ولا شراب، وأطعم أحدهما وسقاه فقد أحياه، وإن ترك الثاني بلا زاد ولا ماء حتى يموت فقد قتله.
أما مراد إبراهيم ﵇ فهو يعني التحكم في الروح التي بها الحياة في الإنسان يحيا بوجودها, ويموت بسلبها, ولا تحكم لإنسان ما في هذه الروح.
كان يمكن لإبراهيم أن يجادل النمرود, ويبين أن مراده ممكن لأي إنسان، ولا يصح في مجال العقيدة أي تدليس وظن؛ لأنها تعتمد على اليقظة العقلية، والبيان القاطع.
كان ﵇ يمكنه ذلك، لكنه آثر قطع الجدل والمراء، وطلب منه أمرا آخر له صلة بالإماتة والإحياء، والإيجاد والإعدام.
قال له: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ ، فعجز النمرود عن الرد، وسكت مضطرا؛ لأن الشمس تأتي وتغرب في فلكها منذ أن خلقها الله تعالى، ولا يمكن للنمرود أن يدعي لنفسه شيئا في حركتها؛ لأنها أسبق منه في الوجود والحركة.
﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ ، وباء بغضب الله، ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ .
стр. 134
يبين الرازي في التفسير أن النمرود بعد عجزه عن المواجهة لجأ إلى التهديد، وقال لإبراهيم: لئنك تزعم أن ربك يحيي الموتى, فاسأله أن يحيي لنا ميتا، وإلا قتلتك.
فطلب إبراهيم من الله رؤية كيفية إحياء الموتى؛ ليطمئن قلبه من ناحية الملك الذي هدده بالقتل ... يقول الله عن هذا: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ١.
فأخذ إبراهيم ﵇ الطيور الأربعة، وقطع لحومها، وريشها، وخلطها، وقسمها أربعة أقسام، ووضعها على أربعة أجبل، ثم دعاها إليه، فجاءته الطيور الأربعة حية كما كانت، فأثبت إبراهيم ﵇ أمام النمرود قدرة الله على الإحياء، وقطع عليه الجدل في هذه المسألة، فرضي إبراهيم، واطمأن.
وهذا التفسير الذي ارتآه الفخر الرازي وغيره هو الأولى٢ بالقبول؛ لأنه يدفع مقالة أعداء الحق، الذين زعموا أن طلب إبراهيم يدل على شكه، وأيضا فإن إبراهيم ﵇ رسول الله الموصوف بالصلاح، والرشد، واليقين، والحلم، والإنابة, والصديقية، وكان أمة، وإماما، وشاكرا، وهو الذي وفى.
إبراهيم هذا لا يحتاج إلى دليل لينتقل من علم اليقين إلى عين اليقين ...
ولِمَ يكون الدليل المطلوب إذا قلنا: إن إبراهيم طلبه لنفسه, في رؤية كيفية إحياء الموتى بالذات؟! والأدلة أمامه كثيرة ... كل هذا يرجح ما ذهب إليه الرازي.
стр. 135
وأيضا حين نتأمل في سؤال الرجل الذي مر على القرية وهي خاوية, قال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ ١ ... فسؤاله بـ ﴿أَنَّى﴾ هو سؤال عن الكيفية، كما سأل إبراهيم بـ "كيف" ... إلا أن الله عاقبه لكونه كان شاكا في قدرة الله على إحياء الموتى وبعثه مرة أخرى، وقد عاقبه الله بأن أماته مائة عام ثم بعثه، وأراه حماره وقد عاد للحياة؛ ولذلك قال الرجل معلنا إيمانه بعد ذلك: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١، مصدرا قوله بالفعل المضارع ﴿أَعْلَمُ﴾ الدال على الحدوث والاستمرار٢.
أما إبراهيم ﵇ فسؤاله كان لتحدي النمرود ومناظرته؛ ولذا لم تكن معه عقوبة، وختمت الآية بفعل الأمر ﴿وَاعْلَمْ﴾ ليوجه النمرود، آمرا إياه بالإيمان، وليعلم أن الله عزيز حكيم، فهو سبحانه غالب لا يغلب، يقدر لكل أمر ما يناسبه بدقة، يقول للشيء كن فيكون، ولن يقال: إن إبراهيم ﵇ هلع من النمرود؛ ولذا طلب من ربه ما طلب بل هو خوف عادي، والخوف العادي طبيعة بشرية، وإبراهيم طلب من الله تعالى مستسلما لإرادته، مطمئنا بقدرته، راضيا بما يقضي له، وهو اليقين عينه، وهو الإيمان المطلوب.
إن خوف إبراهيم حذر لا بد منه، وطلبه من الله نجاح للدعوة، ولو كان إبراهيم ﵇ الذي يفزع، ويرتعد، ويجبن لخاف من النار يوم أن وضع فيها.
المهم هنا ملاحظة انتقال إبراهيم ﵇ بالدليل مع الملك، فترك ما فيه جدل ومراء إلى دليل مفحم، يحقق المطلوب بأسلوب موجز، وبطريق مستقيم.
стр. 136
٣- حركة إبراهيم بالدعوة مع عبدة الأصنام:
كانت الأصنام من معبودات قوم إبراهيم، اتخذوها آلهة، ووضعوا لها طقوسها يتقربون بها، معتقدين أنها تضر وتنفع، وأقاموا لها المعابد والبيوت، وزينوا الأصنام والأوثان؛ ليقصدها الناس عابدين، راجين.
وكانت الأصنام والأوثان صناعة رابحة، وتجارة مثمرة، وقد رأينا أن آزر كان يصنعها، ويتاجر فيها.
وكما واجه إبراهيم أباه بالدعوة، وكما واجه الملك بالحجة، واجه قومه كذلك، فدعاهم إلى التوحيد، ونبذ عبادة الأصنام والبعد عن الضلال والكفر.
وقد اتبع إبراهيم ﵇ في دعوة عبدة الأصنام منهجا دقيقا، محكما ...
بدأ ﵇ بعرض أصول الدعوة، وإظهار المطلوب منهم بإيجاز، قال لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١.
وبذلك حدد قضيته معهم في كلمات قصيرة، وبين لهم أنها الخير لحياتهم ومستقبلهم، فخيرية التوحيد حقيقة بينة، لكل من له عقل ينظر به إلى المخلوقات بتدبر ونظر.
ثم انتقل إلى استثارة عقولهم، وإيقاظ الجانب الإدراكي المعرفي لديهم، وذلك بالسؤال الذي يجعلهم يفكرون في إجابته ولو لأنفسهم، قال لهم: ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ ؟ ٢, ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ ؟ ٣، ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ ؟ ٤.
стр. 137
إن هذا السؤال يبحث عن معرفة حقيقة الآلهة، وقدرتها، ومدى صلاحيتها لأن تؤله وتعبد، لكن القوم هربوا من الإجابة، وردوا على إبراهيم بأنها مواريث الآباء، وأنهم مقلدون لهم، قالوا له: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ ١, ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ٢.
فانتقل بهم إلى أسئلة أخرى لكشف عجز الأصنام والأوثان، حتى يبعدهم عن تأليهها، وعبادتها، قال لهم: قال تعالى: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ ؟ ٣، ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ ؟ ٤, ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ ؟ ٥.
وهذه الأسئلة تشير للإجابة البدهية التي تؤكد هوان معبوداتهم، وضلال معتقدهم, وخطأهم؛ لأن ما يصنعه الإنسان بيده حادث، ولا يجوز أن يكون الحادث المصنوع إلها أبدا.
وكذلك فمن الأمور المسلمة لديهم أن الأصنام والأوثان، لا تسمع، ولا تبصر، ولا تشعر، إنها لا تضر، ولا تنفع، فهي جماد لا يتحرك، صماء لا تعقل، عاجزة عن فعل أي شيء مهما كان ضئيلا، فكيف بعد ذلك تعبد من دون الله تعالى؟
ومرة أخرى يحاولون صرف إبراهيم عن قضية رسالته، فيقولون له: ﴿أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ ٦.
والمقلدون في مقالتهم هذه يتصورون إبراهيم ﵇ لاهيا، عابثا، يلعب معهم بمقالته لهم، وليس هو كذلك أبدا!!
стр. 138
يقول الزمخشري: "ما أقبح التقليد، وما أعظم كيد الشيطان حين يستدرج المقلدين إلى تقليد آبائهم في عبادة الأوثان، وهم يعتقدون أنهم على شيء، مجادلون لأهل الحق عن باطلهم"١.
فانتقل ﵇ بعد ذلك إلى التفصيل في بطلان عقيدتهم؛ لأن الإله المعبود يجب اتصافه بالحياة، والسمع، والبصر، والعلم، والإرادة، والقدرة، وبكافة صفات الكمال ليسمع الدعاء، ويجيب المضطر، ويرزق الناس، ويسير الكون كله بإرادته وقدرته، ويعلم كل شيء مهما كان خافيا، ويملك أمر الدنيا والآخرة؛ ليصرف الحياة، ويحاسب الناس، ويجازي المحسن بإحسانه خيرا، ويعاقب المسيء على إساءته عذابا وضرا.
تؤكد البداهة العقلية ضرورة تميز الإله الحق بهذه الصفات؛ ولذا وضح إبراهيم لقومه أن أصنامهم لا تملك أية صفة من هذه الصفات، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٢.
فبين لهم ﵇ بأن معبوداتهم مصنوعة بأيديهم، واتخاذها آلهة تعبد بأسماء معينة من اختراعاتهم وأكاذيبهم، وهي لا تملك عطاء، ولا تقدر عليه، وهي في وجودها محتاجة لغيرها.
فكيف تعبد إذًا؟!! ولِمَ تخشى وتتقى إذًا؟!!
إن الله هو الإله الحق، يدعوهم إبراهيم إلى عبادته وحده، ونبذ كافة الشركاء من دونه؛ لأنه سبحانه متصف بكل كمال يليق به، فهو
стр. 139
- الخالق لكل موجود, فهو: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١، ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ٢.
- وهو صاحب الفضل والإنعام على كل مخلوق، فهو: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ ٣, ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٤.
- وإليه المرجع والمآب، فهو سبحانه: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ، وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ، رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ، وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ، وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ٥.
- وهو الذي يستحق العبادة وحده؛ لتدوم النعم وتزيد: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٦.
ومع كل هذا التوضيح والبيان، تمسك القوم بأصنامهم، وأصروا على ضلالهم، وتيقن إبراهيم ﵇ أن القوم منصرفون عنه وعن دعوته، فترك
стр. 140
حوارهم، ومواجهتهم، ولجأ إلى إثبات عجز الأصنام عمليا عسى أن يكون العمل أجدى من مجرد الكلام لو كانوا يعقلون. وخطط لما أراد، يقول الله تعالى عن خطة إبراهيم تلك: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ، مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ، فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ، فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ ٢.
والآيات تبين ما فعله إبراهيم ﵇ فقد أقسم للناس وأكد لهم أنه سيكيد للأصنام بعد رجوعهم إلى بيوتهم، فلما رجعوا إلى بيوتهم ذهب إبراهيم إلى بيت أصنامهم ووجد عندها طعاما تركه القوم للآلهة تأكل منه، وتباركه، فقربه إبراهيم للأصنام، مستهزئا، ساخرا وهو يناديهم: ألا تأكلون؟ ما لكم لا تنطقون؟ ثم أحضر فأسا وكسر بها أصنامهم، وقطعها جذاذا إلا كبيرهم، فقد تركه، وعلق الفأس برقبته؛ ليؤكد لهم عمليا فساد عقيدتهم، وهوان آلهتهم؛ لأنها لا تنفع ولا تضر, ولا تعقل ولا تنطق, ولا تدفع عن نفسها شيئا ... !!
وفوجئ الناس بتكسير الآلهة، وعظم الفعل على جهالة الجبابرة، فعزموا على أن ينتقموا لأصنامهم من هذا الجاني الذي أهان دينهم، وكسر أصنامهم، ووضعهم في حال ضعف وضياع.
وبدل أن يراجعوا أنفسهم، ويتركوا عبادة الأصنام؛ لأنها لو كانت آلهة حقيقية لحفظت نفسها, وهزمت هذا المعتدي، ولأخبرتهم بهذا الذي بيّت لها ولهم، بدل هذه المراجعة أخذتهم العزة بالإثم، واجتهدوا في كشف الفاعل ومعاقبته.
... وكانت محاكمة إبراهيم ﵇ بواسطة سلطة الضلال ...
стр. 141
سألوا الناس عن فاعل هذه الجريمة؛ لمعاقبته على فعلته الشنيعة الظالمة، وطلبوا من الجمهور أن يبلغهم بالمجرم إذا علموا عنه شيئا، فأجاب الناس بأن شخصا يسمى إبراهيم يذكر هذه الأصنام بسوء، ولا يعترف بألوهيتها، ويدعو إلى نبذ عبادتها.
فجمعوا الناس، وأحضروا إبراهيم أمامهم؛ لينال العقوبة على رءوس الأشهاد, وحتى يكون عبرة لهم جميعا.
وبدأت المحاكمة:
سألوا إبراهيم ﵇: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ ١؟
أجاب ﵇ وهو يشير للأصنام بالأصبع الأكبر بيده اليمنى، قال تعالى: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ ٢.
فتحيّر الملأ، وعجزوا عن الرد، وفقدوا الجواب أمام الجماهير المحتشدة، وتداولوا في الأمر، واعترفوا بهوان الأصنام، لكن إبليس دفعهم بالعزة الآثمة، وقوّى فيهم الضلال والهوى، فردوا على إبراهيم بإجابة تؤكد ما ينادي به، وتعترف بدليله، ومع ذلك لم يؤمنوا، قال تعالى: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ، ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ ٣.
ووجد إبراهيم ﵇ نفسه في موقف مفيد للدعوة حيث الجماهير تتابع، وتسمع، والملأ المعارض يعترف بأن الأصنام لا تنطق، وبالتالي فهي لا تسمع، ولا تنفع, ولا تضر.
стр. 142
هنا أخذ إبراهيم ﵇ يعلن خطأهم، ويعلي دعوة الحق أمامهم, قال ﵇: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ، أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ١.
أسقط في أيديهم, ولما لم يتمكنوا من المواجهة لجئوا إلى الظلم والتحكم، شأن كل ظالم جبار يحمي سلطانه، وعزته، بقوة البطش والتخويف؛ لأن قوة العدل لا تسانده، وقوة الحق ليست معه، قال تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ ٢، وظنوا أنهم بهذا سيعلو شأنهم, وتحترم آلهتهم.
وإنما اختاروا القتل بالتحريق ليساهم الجميع في القتل، ولأنه أكثر إيلاما من القتل بوسائل أخرى، وحتى يكون مشاهدا للقاصي والداني، وجندوا الرأي العام بمختلف وسائلهم ... وبنوا بناء ضخما, وجمعوا الحطب، وصبوا عليه الزيت, وأشعلوا النار، وأحضروا المنجنيق وقذفوا به إبراهيم بعد أن قيدوه، وربطوه.
وهكذا أحكموا الكيد والتدبير ...
يذكر الزمخشري في الكشاف أن القوم لما أرادوا إحراق إبراهيم حبسوه شهرا، وبنوا بيتا عاليا كالحظيرة، وجمعوا أصناف الخشب الصلاب، وملئوا الرأي العام بكراهية إبراهيم حتى إن المرأة لتمرض فتقول: إن عافاني الله لأجمعن حطبا لإبراهيم، وصار كل شخص يقول لأخيه: اقتلوه أو حرقوه، ثم أشعلوا نارا عظيمة كادت الطير تحترق في الجو من وهجها، ثم وضعوا إبراهيم في المنجنيق مقيدا، مغلولا، ورموه في النار٣.
لكن الله غالب على أمره، فرد كيدهم في نحورهم، وكشف عوراتهم
قال تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ ٤.
стр. 143
واستجابت النار لخالقها، فكانت سلاما على إبراهيم، ولم تحرق منه إلا القيد والرباط، ورأى الناس مكان النار وقد اخضر زرعه، وإبراهيم يتنزه، ويتنعم وسطه ... ونجا إبراهيم ﵇ من كيد أعدائه ...
وبقي الناس على ضلالهم وكفرهم؛ لأن إبراهيم لم يطلب من الله استئصالهم، ولأن حكمة الله قضت باستمرارية العمران، والبشرية، في الأرض تمهيدا لمجيء الرسالة الخاتمة التي تتجه إلى الناس في كل زمان ومكان يحملها إلى الخلق محمد ﷺ وأتباعه من بعده إلى يوم القيامة.
стр. 144
٤- حركة إبراهيم بالدعوة مع عبدة الكواكب:
بعد أن نجى الله إبراهيم ﵇ من النار، وعدم تأثر قومه بهذه المعجزة, واجههم بما هم عليه، قال تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ١، ووضح لهم سر تمسكهم بالضلال, وهو أنهم جعلوا الأوثان وسيلة تجمع عبادها في مودة وتعاون؛ ولذلك ارتبطت بعواطفهم، وأعمت عقولهم، وأبصارهم.
ثم تركهم، ورحل من ديارهم، وقد أمره الله بالهجرة إلى بلاد الشام ومعه لوط وزوجته، يقول تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ ٢. والأرض المقصودة هي بلاد الشام، ونزل إبراهيم ﵇ في "حران" موطن العرب "الكنعانيين".
стр. 145
كان الكنعانيون يعبدون الكواكب، ويصنعون الهياكل والتماثيل التي ترمز لها، وكانوا ينسبون الحوادث إليها، ويتصورونها تضر وتنفع؛ ولذلك رسموا رموزها على أبواب بيوتهم، وكان الواحد منهم يعبد عددا من الآلهة، بعضها في الليل، والآخر في النهار١ ... وهكذا عاش إبراهيم ﵇ فترة بين الكنعانيين، تعلم لغتهم، وشاهد عاداتهم ودياناتهم، وعرف ما هم عليه في حياتهم نشاطهم، ولم يرض بشيء من فسادهم وضلالهم.
إن إبراهيم ﵇ صناعة ربانية، يقول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ ٢. إن الله عرف إبراهيم ﵇ به، وأراه بالبصر والبصيرة، أنه -سبحانه- الرب المالك للسموات والأرض وما فيهما، من شمس وقمر ونجوم، وجبال وأشجار وسهول، وأن الكل مقهور تحت الملكوت الأعلى، مفتقر إلى الله في وجوده، واستمراره، وكافة شئونه، وبذلك كان إبراهيم ﵇ من الموقنين باستحالة وجود إله غير الله تعالى٣.
لم يرتض إبراهيم ﵇ أن يترك الناس على ضلالهم، ويستمر في عزلته، بل قام في أصحاب الكواكب يدعوهم إلى الله تعالى ... ولاحظ ﵇ أن الكواكب تختلف عن الأصنام من عدة نواحٍ:
فالكواكب تتحرك وتسير في فلك منتظم، بينما الأصنام لا حراك لها، وتبقى في الموضع والصورة التي وضعت فيها.
- الكواكب تتخذ مدارا علويا سماويا, بينما الأصنام جماد في الأرض.
- الكواكب تتكون من عناصر مجهولة, وهي لبعدها تجعل الإنسان يذهب في تحليلها كل مذهب، بينما الأصنام معلومة التكوين والتركيب.