← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 10752

دعوة الرسل عليهم السلام

أحمد أحمد غلوش

Полный текст (652 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

سألوا الناس عن فاعل هذه الجريمة؛ لمعاقبته على فعلته الشنيعة الظالمة، وطلبوا من الجمهور أن يبلغهم بالمجرم إذا علموا عنه شيئا، فأجاب الناس بأن شخصا يسمى إبراهيم يذكر هذه الأصنام بسوء، ولا يعترف بألوهيتها، ويدعو إلى نبذ عبادتها. فجمعوا الناس، وأحضروا إبراهيم أمامهم؛ لينال العقوبة على رءوس الأشهاد, وحتى يكون عبرة لهم جميعا. وبدأت المحاكمة: سألوا إبراهيم ﵇: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ ١؟ أجاب ﵇ وهو يشير للأصنام بالأصبع الأكبر بيده اليمنى، قال تعالى: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ ٢. فتحيّر الملأ، وعجزوا عن الرد، وفقدوا الجواب أمام الجماهير المحتشدة، وتداولوا في الأمر، واعترفوا بهوان الأصنام، لكن إبليس دفعهم بالعزة الآثمة، وقوّى فيهم الضلال والهوى، فردوا على إبراهيم بإجابة تؤكد ما ينادي به، وتعترف بدليله، ومع ذلك لم يؤمنوا، قال تعالى: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ، ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ ٣. ووجد إبراهيم ﵇ نفسه في موقف مفيد للدعوة حيث الجماهير تتابع، وتسمع، والملأ المعارض يعترف بأن الأصنام لا تنطق، وبالتالي فهي لا تسمع، ولا تنفع, ولا تضر.

стр. 142

هنا أخذ إبراهيم ﵇ يعلن خطأهم، ويعلي دعوة الحق أمامهم, قال ﵇: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ، أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ١. أسقط في أيديهم, ولما لم يتمكنوا من المواجهة لجئوا إلى الظلم والتحكم، شأن كل ظالم جبار يحمي سلطانه، وعزته، بقوة البطش والتخويف؛ لأن قوة العدل لا تسانده، وقوة الحق ليست معه، قال تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ ٢، وظنوا أنهم بهذا سيعلو شأنهم, وتحترم آلهتهم. وإنما اختاروا القتل بالتحريق ليساهم الجميع في القتل، ولأنه أكثر إيلاما من القتل بوسائل أخرى، وحتى يكون مشاهدا للقاصي والداني، وجندوا الرأي العام بمختلف وسائلهم ... وبنوا بناء ضخما, وجمعوا الحطب، وصبوا عليه الزيت, وأشعلوا النار، وأحضروا المنجنيق وقذفوا به إبراهيم بعد أن قيدوه، وربطوه. وهكذا أحكموا الكيد والتدبير ... يذكر الزمخشري في الكشاف أن القوم لما أرادوا إحراق إبراهيم حبسوه شهرا، وبنوا بيتا عاليا كالحظيرة، وجمعوا أصناف الخشب الصلاب، وملئوا الرأي العام بكراهية إبراهيم حتى إن المرأة لتمرض فتقول: إن عافاني الله لأجمعن حطبا لإبراهيم، وصار كل شخص يقول لأخيه: اقتلوه أو حرقوه، ثم أشعلوا نارا عظيمة كادت الطير تحترق في الجو من وهجها، ثم وضعوا إبراهيم في المنجنيق مقيدا، مغلولا، ورموه في النار٣. لكن الله غالب على أمره، فرد كيدهم في نحورهم، وكشف عوراتهم قال تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ ٤.

стр. 143

واستجابت النار لخالقها، فكانت سلاما على إبراهيم، ولم تحرق منه إلا القيد والرباط، ورأى الناس مكان النار وقد اخضر زرعه، وإبراهيم يتنزه، ويتنعم وسطه ... ونجا إبراهيم ﵇ من كيد أعدائه ... وبقي الناس على ضلالهم وكفرهم؛ لأن إبراهيم لم يطلب من الله استئصالهم، ولأن حكمة الله قضت باستمرارية العمران، والبشرية، في الأرض تمهيدا لمجيء الرسالة الخاتمة التي تتجه إلى الناس في كل زمان ومكان يحملها إلى الخلق محمد ﷺ وأتباعه من بعده إلى يوم القيامة.

стр. 144

٤- حركة إبراهيم بالدعوة مع عبدة الكواكب: بعد أن نجى الله إبراهيم ﵇ من النار، وعدم تأثر قومه بهذه المعجزة, واجههم بما هم عليه، قال تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ١، ووضح لهم سر تمسكهم بالضلال, وهو أنهم جعلوا الأوثان وسيلة تجمع عبادها في مودة وتعاون؛ ولذلك ارتبطت بعواطفهم، وأعمت عقولهم، وأبصارهم. ثم تركهم، ورحل من ديارهم، وقد أمره الله بالهجرة إلى بلاد الشام ومعه لوط وزوجته، يقول تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ ٢. والأرض المقصودة هي بلاد الشام، ونزل إبراهيم ﵇ في "حران" موطن العرب "الكنعانيين".

стр. 145

كان الكنعانيون يعبدون الكواكب، ويصنعون الهياكل والتماثيل التي ترمز لها، وكانوا ينسبون الحوادث إليها، ويتصورونها تضر وتنفع؛ ولذلك رسموا رموزها على أبواب بيوتهم، وكان الواحد منهم يعبد عددا من الآلهة، بعضها في الليل، والآخر في النهار١ ... وهكذا عاش إبراهيم ﵇ فترة بين الكنعانيين، تعلم لغتهم، وشاهد عاداتهم ودياناتهم، وعرف ما هم عليه في حياتهم نشاطهم، ولم يرض بشيء من فسادهم وضلالهم. إن إبراهيم ﵇ صناعة ربانية، يقول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ ٢. إن الله عرف إبراهيم ﵇ به، وأراه بالبصر والبصيرة، أنه -سبحانه- الرب المالك للسموات والأرض وما فيهما، من شمس وقمر ونجوم، وجبال وأشجار وسهول، وأن الكل مقهور تحت الملكوت الأعلى، مفتقر إلى الله في وجوده، واستمراره، وكافة شئونه، وبذلك كان إبراهيم ﵇ من الموقنين باستحالة وجود إله غير الله تعالى٣. لم يرتض إبراهيم ﵇ أن يترك الناس على ضلالهم، ويستمر في عزلته، بل قام في أصحاب الكواكب يدعوهم إلى الله تعالى ... ولاحظ ﵇ أن الكواكب تختلف عن الأصنام من عدة نواحٍ: فالكواكب تتحرك وتسير في فلك منتظم، بينما الأصنام لا حراك لها، وتبقى في الموضع والصورة التي وضعت فيها. - الكواكب تتخذ مدارا علويا سماويا, بينما الأصنام جماد في الأرض. - الكواكب تتكون من عناصر مجهولة, وهي لبعدها تجعل الإنسان يذهب في تحليلها كل مذهب، بينما الأصنام معلومة التكوين والتركيب.

стр. 146

- الكواكب تفيد الإنسان بالضوء والحرارة، وتساعده في السير والحركة، بينما الأصنام خالية من أية فائدة. - لا يمكن للإنسان أن يتحكم في الكواكب وهو مع الأصنام صانعها، وبائعها، والمتحكم فيها. هذه الفروق جعلت إبراهيم ﵇ يبطل عبادة الكواكب بمنهج، وبأسلوب يختلف عن طريقته في إبطال عبادة الأصنام، يقول أبو السعود: إن إبراهيم ﵇ سلك طريقة في بيان استحالة ربوبية الكواكب تختلف عن طريقته في بيان استحالة ربوبية الأصنام؛ لأن ربوبية الكواكب أخفى بطلانا واستحالة، فلو استعمل مع عبدتها طريقته مع عبدة الأصنام لتمادوا في المكابرة والعناد، وللجّوا في طغيانهم يعمهون١. يصور القرآن الكريم طريقة إبراهيم ﵇ في إبطال عبادة الكواكب بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ، فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢. فهو ﵇ لم يبدأ ببيان بطلان ألوهية الكواكب كما فعل مع عبدة الأصنام, وإنما أخذ يركز على غياب الكواكب وأفولها؛ ليعرفهم أن الإله لا يغيب ولا يفنى؛ لأن المغيب والفناء نقص لا يليق بمعبود.

стр. 147

وكان يمكنه لو ركز على طلوع الكوكب إثبات بطلان ألوهيتها؛ لأن الطلوع دليل الحدوث، وفي الطلوع احتياج للفاعل الصانع، ولكنه ﵇ تركه، وركز على الأُفُول؛ لأن الأفول يدل على الزوال والتغير، والزوال والتغير علامات نقص تخرج صاحبها عن حد الكمال, فلا يصح أن يكون الآفل ربا وإلها. واستدلال إبراهيم ﵇ بالأفول مكنه من مجاراة القوم في معتقدهم، وإقبالهم على مناظرته، وقد تحيروا من أفول الآلهة، فأتاهم إبراهيم ﵇ من حيث تحيرهم، واستدل عليهم بما اعترفوا بصحته وذلك أبلغ في الاحتجاج١. لما رأى إبراهيم الكوكب، قال معهم: هذا ربي، فلما أفل قال: لا أحب الآفلين؛ لأن الإله لا يتغير، ولا يفنى. فلما رأى القمر طالعا, قال معهم: هذا ربي، فلما أفل طلب الهداية من ربه الحق؛ لأن ألوهية القمر ضلال وضياع. فلما رأى الشمس طالعة جارى الناس وقال: هذا ربي هذا أكبر؛ لأن الناس كانوا يعتقدون أن الشمس ملك الفلك، ورب الأرباب، يقتبسون منه الأنوار، ويقبلون منه الآثار، فلما أفلت تبرأ من شركهم، وأعلن إيمانه بالله الواحد الأحد، خالق السموات والأرض. والمجاراة عند إبراهيم ﵇ منهج تربوي، وقوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ كان بلسانه فقط؛ لأن الله أراه منذ البداية ملكوت السموات والأرض، فلا رب له سواه، وكان يطلب منه الهداية خلال المجاراة. يقول الشهرستاني: "وطلب الهداية من الرب هي غاية التوحيد، ونهاية المعرفة، والواصل إلى الغاية والنهاية كيف يكون في مدارج البداية؟؟ "٢.

стр. 148

والمتبرئ من شرك القوم دليل على اقتناعه بعقيدته، فهو وإن جاراهم فلحاجة قصدها، وغاية عمل لها ... والتبرؤ من كفرهم, وعباداتهم في النهاية دليل قصده منذ البداية، وإن لا لاستغرق الأمر عنده كثيرا من العمل والأجل. ومن فطانة النبوة قوله لما رأى الشمس: ﴿هَذَا أَكْبَرُ﴾ ؛ لأن هذا التعبير يبطل تأليه الكواكب والقمر؛ لأنها أصغر تزول بوجود الأكبر، وأيضا ففي العبارة شهادة حق عندهم تجعلهم يثقون في رأيه، ويسلمون بعدله ونصفته، فإذا ما تبرأ منها بعد ذلك لزوالها صدقوه، وكانوا معه. لكن عبدة الكواكب استمروا على ضلالهم، ولم يأبهوا بدعوة إبراهيم, وأخذوا في مجادلته وحاولوا تخويفه من آلهتهم؛ ولذلك تركهم ﵇ بعدما أدى واجبه، وقال لهم ما حكاه الله عنه، قال تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ١.

стр. 149

النقطة الرابعة: ركائز الدعوة في قصة إبراهيم ﵇ مدخل ... "النقطة الرابعة": "ركائز الدعوة في قصة إبراهيم ﵇" نظرا لتنوع البيئات والأقوام الذين دعاهم إبراهيم ﵇ فقد كثرت الدروس والعبر التي تستفاد من قصته ﵇. ولأهمية إبراهيم في تاريخ الدعوة، قال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ ١، وإني أحاول مستعينا بالله تعالى أن أوضح بعض جوانب الأسوة في دعوة إبراهيم ﵇ في إطار الركائز التالية، وذلك بإيجاز اعتمادا على سبق ورودها في القصة.

стр. 150

" الركيزة الأولى": "شخصية مبلغ الدين " يعتبر إبراهيم ﵇ شخصية مثالية في مجال الدعوة إلى الله تعالى، فهو ﵇ كمل إيمانه بالله تعالى، ووصل فيه إلى حد العلم الواضح, واليقين التام، وبذلك صار متمكنا من نقل الإيمان إلى غيره، ومن المعلوم أن فاقد الشيء لا يعطيه، ولا يتصور أن يكمل الناقص غيره أبدا، يقول الله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ يفسر العلماء هذه الآية, فيوضحون أن ﴿إِذْ﴾ ظرفية، ومعنى الآية: أرسلنا إبراهيم لقومه وقت أن صار قادرا على مخاطبة قومه، وتكميلهم بما أرسل به. والكمال الإيماني عند إبراهيم ﵇ واضح في سيرته كلها، فقد واجه قومه في بابل، وعرفهم بالله، الواحد، الأحد، المتصف بكل كمال، المتحكم في كل أمر وإليه المرجع والمآب. يروى أنه لما ألقي به في النار, جاءه جبريل ﵇ وسأله: ألك حاجة؟ فرد عليه: أما إليك فلا, وأما إلى الله فعلمه بحالي يغني عن سؤالي. ونجاه الله من النار، وأمره بالهجرة من موطنه، فأطاع ربه: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ وحط رحله في المكان الذي حدده الله له. ولما رُزق بإسماعيل في شيخوخته تعلق بولده الوحيد البكر، وحينئذ أمره الله تعالى بإسكانه مكانا قفرا، خاليا من النبات، والماء، والناس, فأطاع ربه، وأسكن ولده وأمه هاجر في مكان مكة الحالية طاعة لله تعالى، وقفل راجعا إلى الشام حيث إقامته مع سارة زوجته الأولى، لقد تركهم بجسده وعايشهم بعقله وعواطفه، يروى أنه ﵇ لما وصل عند

стр. 151

الثنية١، وقف في مكان يراهم منه ولا يرونه، ونظر إليهم ودعا الله لهم بما أورده القرآن الكريم. ولما شب إسماعيل، وصار قادرا على السعي والعمل, أمر الله إبراهيم ﵇ بذبحه فأطاعه، وأخبر إسماعيل بأمر الله فأطاع إسماعيل أيضا، وأسلما الأمر لله، وأخذا في التنفيذ، إلا أن الله تعالى أنزل كبشا من الجنة؛ ليذبح فداء لإسماعيل. إن إبراهيم ﵇ قدوة إيمانية عالية؛ ولذلك جعله الله للناس إماما، واختصه وبنيه بالنبوة والكتاب إلى يوم القيامة. وقد ربط الله تعالى أمة محمد ﷺ بإبراهيم ﵇ فهم يتجهون في صلاتهم إلى الكعبة التي بناها إبراهيم، ويعيشون حياة هاجر وإسماعيل في فريضة الحج، وهم يطوفون بالبيت، ويسعون بين الصفا والمروة، ويتضلعون من ماء زمزم، ويضحون في عيدهم الكبير، يفعلون ذلك عساهم أن يستفيدوا بعظمة هذه الأسوة في قصة إبراهيم ﵇ ويعملوا بها. إنه ﵇ كان عارفا بكل من دعاهم إلى الله تعالى، فهو يعرف لغتهم، ومذاهبهم، وعاداتهم، ومكان تجمعهم؛ ولذلك خاطبهم بلسانهم، وفهم ردودهم، وحاورهم، وكان ﵇ يخاطب كل فريق في تدينه, ومذهبه، أيا كان إلهه وضلاله, ومن هنا كانت دعوته لأبيه غير دعوته للملك، غير دعوته لعبدة الأصنام والكواكب وغيرهم؛ لأنه لو ابتعد بدعوته عن واقع القوم ما اهتم به أحد، ولعاش في واديه بعيدا عن الناس. لقد كان ﵇ يستدل بالأدلة المفهومة، المتصلة بالناس، وأصنامهم وضلالهم؛ ولذلك لم يتمكنوا من الرد على تساؤلاته، وإنما كانوا يلجئون إلى التهديد والعدوان بعيدا عن موضوع الحوار.

стр. 152

وقد أُوتي ﵇ فطنة في الدعوة، وعبقرية في الجدل والحوار، وقد سبق عرض مواقفه مع أبيه ومع النمرود, وكيف جارى عبدة الكواكب حتى انتهى معهم إلى استحالة ألوهية النجوم والكواكب، وموقفه في تكسير الأصنام، وحديثه عن هوانها برهان فطنته التي جعلت الناس يقولون بما قاله في الأصنام، ونطقوا بكل وضوح: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ . ومن فطنته ﵇ أنه تخلص من المواقف الصعبة، بإجابات صادقة، فهمها أعداؤه على وجه يرضيهم، من ذلك قوله لجبار مصر عن سارة: إنها أختي، فصدقه الجبار مع أنه ﵇ كان يقصد أخته في الإيمان؛ لأنها زوجته. ولما كسر الأصنام وسأله الناس: ﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا﴾ ؟ أشار بأصبعه الكبير نحو الصنم الكبير، وقال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ يقصد أصبعه، وفهم الناس أنه يقصد الصنم الكبير. وقوله لعبدة الكواكب: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ على وجه المجاراة، مع أنه يعرف حدوثها وعدم صلاحيتها للربوبية، وقد ضمن كلامه ما يشير إلى صدق عقيدته من اللحظة الأولى.

стр. 153

" الركيزة الثانية": "منهجية الدعوة إلى الله " بتتبع دعوة إبراهيم ﵇ نستنبط خطة دقيقة، تصور منهجا كاملا في حركة الدعوة يعتمد المبادئ التالية: ١- التخلية قبل التحلية: يقصد العلماء بهذا المبدأ تطهير الإنسان ظاهرا وباطنا من صور الفساد، وألوان الضلال على اختلافها؛ ليتسنى له الانتقال إلى الصواب والهدى في أمن وهدوء؛ لأن الإنسان الواحد لا يجتمع فيه الأضداد حين تتحد جهاتها، فهو لا يكون كافرا ومؤمنا في وقت واحد، وبدين واحد. وحينما يجمع الإنسان المتعارضين يصاب بالقلق والاضطراب، ولا يكون مخلصا لواحد منهما؛ ولذلك كانت إزالة الكفر وهو ما يعرف بالتخلية أولا أمرا واجبا, وبعده يغرس الإيمان وهو ما يعرف بالتحلية ... إن الكوب الواحد لا يمتلئ بالنجاسة والطهارة معا في وقت واحد، وحتى نملأه بالماء الطاهر يجب أن ننظفه من الماء النجس أولا. هذا المبدأ منهج أساسي عند علماء التربية، والنفس, والاجتماع؛ لما فيه من فائدة وأثر. اتبع إبراهيم ﵇ هذا المبدأ؛ ولذلك كان يبدأ مع من يدعوهم ببيان فساد ما هم عليه من دين، يقول الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ . ويبدأ مع عَبَدَة الكواكب بمجاراتهم في عبادتهم؛ لينتهي بهم إلى بيان فسادها ... وبعد ذلك يدعوهم إلى الإيمان بالإله الحق الذي أرسله لهم.

стр. 154

٢- مراعاة أوليات لها أهميتها: تتضمن عملية الدعوة جوانب عديدة، تحتاج من القائم بالبلاغ إلى معرفتها، فهناك موضوع الدعوة، وأساسياته: العقيدة، والشريعة، والأخلاق، وفي موضوع الدعوة تظهر أمور تحتاج إلى التركيز، وتفرض نفسها لأهميتها ليبدأ بها حامل الرسالة ... وهناك المدعوّون، وهم طبقات وأفراد، وبعضهم أولى من غيره بدعوته أولا، وبعده يكون الآخرون. كما توجد الوسائل والأساليب، وهي متنوعة، عديدة، إلا أن بعضها أحق بالبدء به من غيره ... وهكذا. ولذلك صار معلوما أن للدعوة أوليات يجب ملاحظتها بالبدء بالأهم، ثم بالمهم ... وهكذا، وقد لاحظ إبراهيم ﵇ هذه الأوليات فبدأ بها.... فلقد بدأ بدعوة الملك؛ لما له من مقام وتأثير في الناس، وخص أباه بالدعوة مع أنه واحد من عبدة الأصنام ... ثم كانت بعد ذلك دعوته إلى الناس. ومع موضوع الدعوة كان ينادي في الناس بالتوحيد الخالص؛ لأنه أول قضايا الدعوة وأهمها، ومن وحد أطاع واستسلم، ومن ناحية الوسيلة كان يبدأ بالمواجهة المباشرة، ثم يكون الاستفهام والجدل والمجاراة. وكان ﵇ يفضل استخدام الأساليب العاطفية التي ترقِّق القلوب, وتصنع الألفة والمودة، فيناديهم بقوله: ﴿يَا أَبَتِ﴾ ، ﴿يَا قَوْمِ﴾ ، وكان إذا يئس من إيمانهم يتبرأ منهم ومن آلهتهم، ويعلن لهم ضيقه وسقمه، ويكيد لهم ولأصنامهم، ويكسرها، ويهينها. وحوادث القصة تشير إلى مراعاة الأوليات؛ لما لها من فائدة في الدعوة إلى الله تعالى.

стр. 155

٣- التوافق مع الواقع: عاش إبراهيم ﵇ مع الواقع وهو يدعو إلى دين الله تعالى, فهو ﵇ يلاحظ ما للملك من مقام وسلطان، فلا يصطدم به ولا يماريه، وإنما يلجأ إلى دليل موجز مقنع لم يتمكن الملك من الرد عليه. كان يمكن لإبراهيم ﵇ أن يبين للملك ضعفه وعجزه وحاجته إلى خالقه ... ومع ذلك تركه إلى ما ذكر من دليل مراعاة لوضعية الملك، وإرضاء لمنزلته ... مع التزام بالحق، وتوافق مع الواقع. وكان لإبراهيم ﵇ مع أبيه نفس المسلك فلم يصرح بضلاله، ولم يصطدم مع مشاعره، وإنما وجه إليه عددا من الأسئلة في أسلوب رقيق، تبين مراده، وتحافظ على مقام البر بأبيه، وحتى حين أراد أن يواجهه بضلاله أشرك القوم معه, فقال: ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ . إن التعامل مع الواقع فن يجب المحافظة عليه في كل وقت؛ لتتلاءم الدعوة مع كل زمان ومكان.

стр. 156

" الركيزة الثالثة": "وسائل دعوة إبراهيم " استعمل إبراهيم ﵇ كافة الوسائل التي تمكنه من تبليغ دين الله للناس الذي أرسل إليهم به. فلقد استفاد بوسيلة الاتصال الشخصي, ويراد بها التوجه إلى أشخاص معروفين، ومخاطبتهم فردا فردا. وللاتصال الشخصي فائدة، وهو أن الداعي يطلع على أثر دعوته فيمن يخاطبه، ويمكنه مناقشته في الشبه التي يثيرها معه ... ومن فوائده أنه يدفع العقل إلى التفكير والنظر بعيدا عن الجماعة. استفاد إبراهيم ﵇ بهذا الأسلوب فدعا أباه، ودعا الملك على ضوء ما فهمنا من القرآن الكريم. وتوجه إبراهيم ﵇ إلى الناس بوسيلة الاتصال الجمعي، ويراد به مخاطبة جمهور من الناس بواسطة، أو بغيرها، سواء كان اجتماعهم وفق نظام وخطة, أو بصورة تلقائية دعا إبراهيم ﵇ قومه وهم مجتمعون في يوم عيدهم، وبين لهم هوان آلهتهم وفسادها. ودعا إبراهيم ﵇ بالوسيلة العملية بعد أن كسر الأصنام، ووضح لهم أنها آلهة لا تنفع نفسها، ولا ترد عدوانا يقع عليها، ودعاهم إلى ترك عبادتها، وعبادة الله وحده. ولما خاطب عبدة الكواكب, اتخذ من الكواكب نفسها وسيلة توضيحية تشرح عدم استحقاقها للعبادة أبدا. والمجاراة فن ناجح في الدعوة إلى الله تعالى، وهو أن يسلم الداعية للمخاطب ظاهرا بما يؤمن به، ويجعل نفسه شريكا له في معتقده، ثم يأخذ في التساؤل عن هذا المعتقد؛ ليظهر حقيقته، ويوضح مدى قربه أو بعده عن الحق. لقد اتبع الغزالي هذا المنهج حينما شك في كل المذاهب، وأخذ يناقش أصحاب كل مذهب بأسئلة يظهر بها فساد المذهب, حتى وصل إلى المذهب الحق، ووضع منهج الإنقاذ من الضلال. وهذا لون من المجاراة ... اتبع إبراهيم ﵇ هذا المنهج مع من دعاهم إلى الله، وقد أورده القرآن الكريم للعبرة والفائدة.

стр. 157

" الركيزة الرابعة": "أساليب الدعوة " بمراجعة آيات القرآن الكريم وهي تتحدث عن دعوة إبراهيم ﵇ نرى استعمال إبراهيم ﵇ لعدد من الأساليب، وأهمها أسلوب الاستفهام؛ فلقد استعمله في خطاب أبيه، ومناقشة عبدة الأصنام، واستعمله مع ابنه إسماعيل حين سأله عن الذبح وقال له: ﴿مَاذَا تَرَى﴾ ؟ إن الاستفهام يرد للإنكار، وللتقرير، وللتعجب، كما يرد للبحث عن الحقيقة، وهو في كل أحواله مفيد؛ لأنه يحرك عقل طرفي النقاش حول البحث عن غاية السؤال وإجابته، ويجعل كل طرف يبرز ما لديه من فكرة يراها صحيحة، وقد يقدم الاستفهام دليلا مقنعا؛ لأن المسئول إذا عجز عن الإجابة, فقد يسلم بما يريده السائل، ويرضى بفكرته. ولذلك فإنه أسلوب يحتاج إلى فطنة حامل الرسالة؛ ليختار من الأسئلة ما يحرك المشاعر، ويظهر الحق. ومن أمثلة فطنة إبراهيم ﵇ مع استفهاماته قوله: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ ؟ ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ ؟ ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ؟ فهذه أسئلة يعرفون إجابتها؛ لأنهم يصنعون الأصنام بأيديهم، وينحتونها في مصانعهم، ويبيعونها للناس، ويعبدونها معهم بعد أن يطلقوا عليها أسماء الآلهة من عند أنفسهم؛ ولذلك فإن السؤال حينئذ إنكار قوي لتأليه الأصنام، وضرورة إعمال العقل، وتوجيه السؤال في هذا المجال أسلوب حسن في الدعوة.

стр. 158

ومن الأساليب التي استعملها إبراهيم ﵇ في الدعوة مجاراة الخصم، واستدراجه نحو الإيمان؛ لأن الاستدراج يوهم المشاركة في الاعتقاد، والتوحد في السلوك، وحينئذ يلتقي الداعي والمدعو في تفهم القضية، ويقبلان على اكتشاف حقيقتها. والإنسان عموما يحب من يشاركه في الدين، وينفتح قلبه له؛ لأنهما معا في مسار واحد، والمجاراة تحقق هذا لحامل الدعوة. جاء إبراهيم للناس، وعرفهم بأنه رسول الله، وطلب منهم أن يشتركوا معه في التوجه للإله، فلما رأى كوكبا ... أخبرهم أنه معهم في عبادته، وقال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ ... ثم تبرأ منه لأُفُوله وزواله؛ لأن الزائل لا يصلح للألوهية ... ثم انتقل من الكوكب إلى القمر، وإلى الشمس ... وأخيرا تبرأ من كل آلهتهم لهوانها وزوالها، وبذلك كانت الحجة معه عليهم. ومن أساليب إبراهيم ﵇ في الدعوة أنه كان ينتقل في الموقف الواحد، من دليل لدليل آخر إذا رأى جدلا، ومماراة من القوم؛ لأنه يركز على قضيته، فكل ما يفيدها يأتي به. ولو نظر لنفسه لاعتز بمقالته، ودافع عنها, ولكنه ﵇ عاش لرسالته، ووفى ما عليه، وآتاه الله أجره في الدنيا، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ١.

стр. 159

لوط ﵇ النقطة الأولى: التعريف بقوم لوط ... ٧- لوط ﵇: لوط ﵇ ابن أخي إبراهيم ﵇ نشأ معه في بابل، واستمع له، وصدقه وآمن بدعوته، وهاجر معه إلى "حوران", ولما هاجر إبراهيم إلى مصر انتقل لوط إلى "سدوم" وهي قرية تقع شرق النهر في غور الأردن على البحر الميت، وهو بذلك كان قريبا من مقام إبراهيم ﵇ بعد عودته من مصر. والحديث عن لوط ودعوته يحتاج إلى دراسة النقاط التالية: "النقطة الأولى": "التعريف بقوم لوط" قوم لوط هم أهل "سدوم"؛ لأنه عاش بينهم، وتكلم بلسانهم، واتخذ بلدهم سكنا له وموطنا١. عبد قوم لوط عددا من الآلهة، إلا أنهم استغرقوا في إشباع شهواتهم وملذاتهم، واخترعوا في الإشباع الجنسي ما لم يعرفه أحد قبلهم، فكان الرجل يأتي الرجل سعيدا بفعلته، مع أنه شذوذ معارض للفطرة. وقد أعطاهم الله تعالى كثيرا من نعمه وآلائه، فأخذوها ووضعوها في غير موضعها؛ ولذلك وصفهم الله تعالى فقال: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾ ٢.

стр. 160

ولتجمع أهل القرية على فعل الخبائث, أسند الله الفعل إلى القرية؛ لبيان تمكن أهلها في السوء، مع أنه فاحشة، ينكرها العقل السليم، ويأباها الذوق والعفاف، لكنهم لسوئهم كانوا يفعلونها جهرة، وبلا حياء أو تحرج، حتى إنهم شيدوا الأندية لإتيان الفاحشة فيها بصورة جماعية، يقول الله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ ١. وسيطرت هذه الفاحشة على نشاطهم وحياتهم، لدرجة أنهم كانوا يرصدون الطرق؛ أملا في العثور على رجل وافد يشبعون معه شهوتهم. استمروا على ما هم عليه حتى أتاهم لوط ﵇ ودعاهم إلى التوحيد، وترك ما هم عليه من فاحشة، وعدوان. لم يهتموا بالدعوة، وكفروا بالله، واستمروا في غيهم حتى نزل بهم أمر الله؛ فأهلكهم ودمرهم. وكما غيروا الفطرة، وقلبوها على غير وجهها، قلب الله عليهم قريتهم وجعل عاليها سافلها، ونجى الله لوطا ﵇ ومن آمن به.

стр. 161

" النقطة الثانية": "التعريف بـ "لوط" ﵇ " آمن لوط ﵇ برسالة عمه إبراهيم، وهاجر معه إلى بلاد الشام، واستقر في "سدوم" بعد عودة إبراهيم ﵇ من مصر. وتزوج من عرب "سدوم" وتكلم بلسانهم، فهم قومه الذي بعث فيهم. أرسله الله إلى "سدوم" وما حولها من القرى؛ ليدعوهم إلى التوحيد الخالص، ويبعدهم عن الفحشاء التي سيطرت عليهم ... وكان للوط ابنتان من زوجته، آمنتا بدعوته، واتبعتاه في الطاعة لله والانقياد لرب العالمين. أما زوجته فلم تؤمن بدعوته، وكانت مع قومها تنقل لهم أخباره ﵇ وتعرفهم بمن ينزل عليه من الضيوف ليتمكنوا منهم، ويشبعوا شهواتهم؛ ولذا فقد هلكت مع الهالكين. واستمر الإيمان منحصرا في بيت لوط وحده، يقول الله تعالى: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ١. وقد مدح الله لوطا، وبيَّن منزلته العالية وقدره السامي، فقال تعالى: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾ ٣ وكان ﵇ على رأس المؤمنين الذين نجوا من هلاك الظالمين.

стр. 162

" النقطة الثالثة": "حركة لوط ﵇ بالدعوة " لما بلغ لوط ﵇ الأربعين, أرسله الله تعالى إلى قومه في "سدوم" ليصلح دينهم وحياتهم، فبدأ ﵇ يبين لهم ما يدعوهم إليه، وهو توحيد الله تعالى وإخلاص العبادة له، ووضح لهم أنه أخ لهم أمين، مخلص في دعوتهم، يعمل على تحقيق الخير والسعادة لهم بلا أجر أو مقابل؛ لأنه سينال أجره من الله الذي أرسله، قال لهم ما حكاه القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١. وهكذا دعاهم في هدوء ورفق، وبين لهم بصدق وأمانة، ولكنهم كذبوه وهددوه بالطرد، واتهموه بالعدوان على سلوكهم، وطلبوا منه أن يبتعد عن الناس، ومن أقوالهم له: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ ٢، ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ٣, ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ٤. كذبوا دعوته، وهددوه بالطرد، وأمروه بالبعد عن الناس، وجعلوا التطهر تهمة يستحق فاعلها الطرد والإخراج من القرية، والنفي من البلاد. واستمر لوط ﵇ في دعوة قومه، وأخذ في توضيح ضلالهم، وفساد ما هم عليه، وبين لهم أن انهماكهم في الفاحشة هو الذي أفسد عقولهم، وأضلهم عن الصواب. وأخذ في دعوته طريقة الاستفهام ليوقظ مشاعرهم، وينبه عقولهم إلى ما عساه قد غاب عنهم، قال لهم: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ ٥.

стр. 163

وهو سؤال بسيط، لكنه يبين بعدهم عن الفطرة السليمة، وشذوذهم المخالف لأسباب الوجود، فقد أوجد الله الحياة على أساس تزاوج الذكر والأنثى، وسار على ذلك أمر الناس إلى يومهم هذا، فما بالهم يشذون, ويأتي الذكر مثيله؟!! وبين لهم ﵇ أن فعلهم عدوان وظلم, حيث قال: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ ١. وعرفهم أن ذلك إسراف وجهل، ومضاد للفطرة، وكله فحش وضياع، قال لهم: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ ٢, قال تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ٣. ووضح لهم أن التمادي في هذه الفاحشة قطع للنسل، وعدوان على الرجال، وقتل للحياء ... وسوف يتحملون وزره، ووزر من يأتي به إلى يوم القيامة؛ لأنهم المخترعون له، ولم يسبقهم أحد إلى فعله، قال لهم ﵇: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ، أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ٤، بين لهم, ونصحهم، وخوفهم من عذاب الله ... في الدنيا، وفي الآخرة ... لكن ... القوم أعموا أبصارهم، وبصائرهم، واستهزءوا به، وردوا عليه: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ٥.

стр. 164

وظنوه كاذبا ولم يأبهوا به وبدعوته، فاتجه لوط لربه قائلا: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ ١. ضيوف لوط: أراد الله ابتلاء قوم لوط قبل إهلاكهم، فأرسل إلى لوط ﵇ عددا من الملائكة، في صورة رجال حسان، أتوه سائرين على أرجلهم، بعد أن مروا على إبراهيم ﵇ أولا، وبشروه وزوجته سارة بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب. ولما رأى لوط ضيوفه خاف عليهم، وتألم لعجزه عن صد قومه عنهم، وأسرعت زوجته إلى الناس تخبرهم بمجيء ضيوف لوط، وتصف لهم محاسنهم وجمالهم, فجاءه الرجال مسرعين لقضاء شهواتهم، ورغباتهم الشاذة. وعرض عليهم ﵇ أن يتزوجوا بناته بطريقة شرعية, قال تعالى: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ ٢. ردوا عليه بكل استهتار وكبر، قال تعالى: ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ ٣. فقال لهم ﵇: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ ٤, فعرفهم لجوءه إلى الله، وأنه لو تمكن من ردهم بقوة الناس لفعل، لكنه يستسلم لله، ويعتمد عليه، وهنا طمأنته الملائكة، وعرفته أنهم رسل من الله جاءوا لإهلاك القوم الظالمين، قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا

стр. 165

إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ ١. وسار لوط ﵇ ومن آمن معه في جزء من الليل، وعند الصبح جاءتهم صيحة، ورفع الله القرية فجعل عاليها سافلها، ورماهم بحجارة من سجيل، فأهلكهم جميعا، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ ٢، لقد أنزل الله عليهم الحجارة، معلمة من الله، على كل حجر اسم من سيقتله، وكانت العقوبة مساوية لجرمهم، في صيغتها وشدتها, فإنهم غيروا الفطرة، وقلبوا الحقائق، وعبدوا غير الله، وأتوا الذكران، وتفاخروا بالفسق، فكانت عقوبتهم انقلاب القرية عليهم، وإهلاكهم وهم جلوس بواسطة أحجار صغيرة تلقى على رءوسهم، وهي السجيل المنضود، وإبقاءهم عبرة لغيرهم. وما زالت قريتهم "سدوم" باقية حيث كانت، عند البحر الميت؛ للتذكر والاعتبار، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٣. وهكذا ... أهلك الله قوم لوط بعقوبة تتناسب مع ضلالهم وفسادهم.

стр. 166

النقطة الرابعة: ركائز الدعوة في قصة لوط الركيزة الأولى: العلاقة بين الدعاة ... "النقطة الرابعة": "ركائز الدعوة في قصة لوط" تمدنا قصة لوط ﵇ ودعوته لقومه بعدد من الدروس والعبر، نشير إلى أهمها في الركائز التالية: الركيزة الأولى: العلاقة بين الدعاة بعث لوط ﵇ في "سدوم", وهي مجموعة قرى تقع في شرق النهر، وبعث إبراهيم في قومه عند بيت المقدس غرب النهر، وكانت المسافة بينهما قصيرة

стр. 167

قطعتها الملائكة مشيا حتى أتوا لوطا ﵇. فلوط وإبراهيم ﵉ بعثا في وقت واحد، وكان إبراهيم يتتبع أخبار لوط ويتمنى له النجاح والفوز؛ ولذا حينما أخبرته الملائكة بإهلاك أهل "سدوم" خاف على لوط، ونبه الملائكة إلى وجود لوط في القرية، فطمأنوه، وقالوا له ما حكاه الله تعالى في قوله سبحانه: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ ١. هذا التواصل والتناصر يجب أن يكون أساس التعامل بين دعاة اليوم؛ ليستفيد كل بما عند أخيه من تجربة، وعلم، وخبرة؛ لأن نجاح الواحد نجاح للآخر. ولا يصح مطلقا أن يكون التنافس، والتضارب موجودا بين الدعاة ... إن جميع الدعاة يخدمون دينهم، ولن ينجحوا في أداء مهمتهم إلا بالحب والتعاون والموالاة.

стр. 168

الركيزة الثانية: منطق أعداء الحق: من دعوة لوط ﵇ نرى أعداء الحق، وجرأتهم على الباطل، والتبجح به، وفقدانهم كل ألوان الحياء في الأقوال والأفعال، حيث نراهم يوجهون الاتهامات المخترعة للوط، ويصورون المزايا سوءا، ويقلبون العفة والطهر إلى خطأ وعدوان. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ١، فجعلوا الطهارة جريمة، ونظروا إلى العفة كأنها عامل من عوامل التخلف، والإضرار بالمجتمع؛ ولذلك حذروا لوطا من دعوته للطهارة والعفة، وإلا طردوه من "سدوم" وأخرجوه منها، قال تعالى: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ

стр. 169

يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ ١، واتهموا لوطا ﵇ بأنه يفسد الناس، وينشر بينهم السوء بدعوته، وتساءلوا منكرين: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ٢، أنكروا عليه اتصاله بالناس بعدما نهوه عن ذلك، مع أنه يتصل بهم داعيا إلى الخير، هاديا إلى الصراط المستقيم ... وبلغ من وقاحتهم وجرأتهم، أنهم كانوا يأتون المنكر علانية، بلا حياء، ولما علموا بقدوم ضيوف لوط، أتوه مسرعين؛ لينالوا بغيتهم، قائلين للوط بعدما عرض الزواج ببناته، قال تعالى: ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ ٣، وكأن الشذوذ صار حقا معروفا لهم، وعليه أن يسلم به، ولا يعارضهم. إن أعداء الدعوة اتهموا لوطا ﵇ سَفَها منهم، بما يلي: ١- ملازمته للطهر والعفة، ودعوته إلى التمسك بهما، جريمة منكرة. ٢- دعوة لوط الناس إلى التوحيد وعبادة الله، دعوة إلى الفساد، والفرقة. ٣- اتصال لوط بالناس، وتحريضهم على نبذ الأصنام، وترك المنكرات، يعد إساءة للنظام. هذا هو منطق أعداء الدعوة، يلبسون الباطل ثوب الحق، ويعتمدون على سلطانهم وبطشهم، وما دروا أن الله منفذ وعده وهو على كل شيء قدير. وعلى الدعاة أن يتمسكوا بقضيتهم، ويدعوا إليها، بخلق، ولين، ويتحملوا كل هذه السفاهات بصبر، وعزيمة، وقد واجه لوط ﵇ تهديد قومه له وللمؤمنين، وبين لهم أن الباطل لن يكون حقا أبدا، والجريمة هي الجريمة, والشذوذ مرفوض بالشرع والعقل، ولذلك هو يرفضه، ويدعو قومه إلى البعد عنه، كما قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ، رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ٤.

стр. 170

الركيزة الثالثة: الاهتمام بعلاج المرض وأسبابه دعا لوط ﵇ قومه إلى التوحيد، لكنه رأى فيهم انصرافا إلى الشهوة، واستغراقا في الهوى، الأمر الذي حول نشاطهم إلى الفسق والشذوذ. وكانت لهم أصنامهم، لكنها كانت هامشية في حياتهم ونشاطهم؛ ولذلك ركز لوط ﵇ على المرض المتفشي فيهم، وأخذ يبين لهم مساوئه عساهم أن يبتعدوا عنه، فهو سوء في نفسه، وسبب لبعدهم عن الله تعالى، وتركهم عبادة خالقهم . إن مسلك لوط ﵇ هو ما يعرف بالتخلية أولا قبل التحلية، وهو منهج حسن في دعوة الناس إلى الله تعالى، ينتهي بهم إلى توحيد الله تعالى بصدق وإخلاص. ودعوة لوط ﵇ إلى ترك ما هم فيه من شذوذ، ليس بعيدا عن دعوتهم إلى التوحيد؛ لأن الالتزام بالفطرة التي خلق الله الناس عليها يتصل تلقائيا بمقتضى الاعتقاد في الله وحكمته، ولطف تدبيره؛ ولذا كان الانحراف عن الفطرة متصلا بالانحراف عن العقيدة الصادقة، وبعدا عن منهج الله للناس.

стр. 171

الركيزة الرابعة: أساسيات في الدعوة نلحظ في دعوة لوط ﵇ بعض الأساسيات الاجتماعية التي توجد في حياة الناس, وفي مجال الدعوة، وأهمها: ١- ارتباط الشذوذ الخلقي بالانحراف الديني، والعكس بالعكس تماما، في كل مكان وزمان. فلقد أدى إهمال الدين في عصر النهضة الأوروبية إلى ظهور نظريات الانحراف الفكري والخلقي ممثلة في نظرية فرويد، ونظرية دارون، ونظرية ماركس.. لأن أصحابها وضعوا أنفسهم في موضع الله وأخذوا يشرعون، وينظمون للناس. ٢- المعاندون لدين الله تعالى يعملون ابتداء على إفساد الأخلاق؛ ليتسنى لهم القضاء على الدين كله بعد ذلك، ومن وسائلهم اتهام الطهر والعفاف بالعدوانية والتخلف، كأن يجعلوا حجاب المرأة سببا لنشر الرذيلة، وينادوا بتحرير المرأة،

стр. 172

وهم أول من يعرف أن الاختلاط أدى إلى نشر الرذيلة والشذوذ، وسوء الخلق بين الرجال والنساء على حد سواء. ٣- ضرورة استعلاء المؤمن بما هداه الله إليه، مع التيقن بأن الحق كله معه فيستمسك به؛ ليدوم مع الصواب والخير، قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١. ٤- ضرورة تحديد الأمراض الاجتماعية، وإبراز أخطارها أمام الناس؛ ليبتعدوا عنها، وحتى لا يتمكن أعداء الحق من تزيينها، وزخرفتها أمام الجمهور. إن قوم لوط لم يتمكنوا من جريمتهم إلا بعد أن زيّنها الشيطان لهم؛ ولذلك ورثوها لأبنائهم، وكانوا يتسابقون إليها حبا، واعتزازا. ٥- أهمية مواجهة الأمراض الاجتماعية بالعقوبة المناسبة؛ لأن القائمين بهذه الأمراض يبذلون جهدهم لإحيائها ونشرها، وإذا لم يرتدعوا فلن ينتهوا؛ ولذلك وجب القضاء عليهم بالعقوبة المناسبة. ٦- الحاجة شديدة إلى تعاون أجهزة التوجيه، ومؤسسات تكوين الرأي العام للعمل معا في خطة موحدة؛ لصيانة المجتمع من الأمراض الضارة؛ لأن تفكك الأجهزة يضر ولا يفيد، ويعطي ذريعة لأهل الهوى ليستمروا في ضلالهم.

стр. 173

شعيب ﵇ مدخل ... ٨- شعيب ﵇: واصل الموكب العظيم من رسل الله دعوة الأقوام إلى دين الله تعالى؛ ليبقى الخير في الأرض، وليستمر الناس على ذكر بالحق، وطريق الله المستقيم، ومن هؤلاء الرسل شعيب ﵇. ويبدو أن دعوة شعيب ﵇ كانت بعد دعوة لوط بمدة وجيزة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ ١. فقوم لوط, وما حدث معهم قريب من قوم شعيب زمانا ومكانا. يرى بعض المؤرخين أن نسب شعيب ينتهي إلى الكلدانيين، يقول ابن عساكر: "أم شعيب بنت لوط, وكانت ممن آمن بإبراهيم وهاجر معه إلى الشام"٢. وعلى هذا تكون دعوته بعد لوط مباشرة، وفي زمن معاصر لإسماعيل وإسحاق ولدي إبراهيم ﵈. ويؤيد ذلك التصور الجغرافي للعالم العربي يومذاك، فإبراهيم ﵇ في فلسطين، ولوط في "سدوم"، وشعيب في "معان"، وإسماعيل في الحجاز واليمن, وبذلك تكون دعوة الله شاملة للجزيرة العربية وبلاد الشام. والحديث عن شعيب ﵇ ودعوته, يقتضي التحدث في النقاط التالية:

стр. 174

" النقطة الأولى": "التعريف بشعيب ﵇ " شعيب ﵇ نبي عربي، بعثه الله تعالى لقومه من العرب العاربة، وقد تميز شعيب ﵇ بالفصاحة والبلاغة، وحسن التوجيه والبلاغ، يقول عنه ﷺ : "أربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر" ١. وكان بعض السلف يسمي شعيبا ﵇ خطيب الأنبياء؛ لما اشتهر به من دقة وفصاحة، وبلاغة في دعوة قومه لدين الله تعالى، وكان رسول الله ﷺ إذا ذُكر شعيب قال: "ذاك خطيب الأنبياء" ٢. وكانت بعثته إلى قومه قبل زمن موسى ﵇ وهنا نلاحظ أن إسماعيل ﵇ كان رسولا إلى عرب جنوب الجزيرة العربية, وتشمل الجراهمة وهم أهل مكة، والعماليق، وأهل اليمن، بينما شعيب كان رسولا إلى عرب شمال الجزيرة العربية، حيث كانت مدين تسكن المكان الذي يتوسط بين مكة وفلسطين قريبا من "تبوك" الحالية، منذ زمن بعيد، وذهب بعض المفسرين إلى أن شعيبا كُف بصره لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ ٣, قالوا: إن ضعفه بسبب العمى، وقد رده الله إليه سبحانه وتعالى٤. ولما أصر قومه على الكفر، رحل شعيب والمؤمنون معه إلى مكة، وأقاموا بها حتى جاءتهم منيتهم فدفنوا بمكة، يذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه أن شعيبا ومن آمن به ماتوا ودفنوا بمكة، وقبورهم غربي الكعبة بين دار الندوة ودار بني سهم.

стр. 175

" النقطة الثانية": "التعريف بقوم شعيب " أرسل الله شعيبا ﵇ إلى قومه مدين، وهي قبيلة عربية تسكن في "معان" الواقعة بين الشام والحجاز. وقد سكن بينهم شعيب بعد هجرته من أرض "بابل", وأتقن لغتهم؛ فصار واحدا منهم. وقد أنعم الله على "مدين" بنعم عديدة، أشار إليها قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ وهذه الكثرة بعد القلة شاملة لعددهم, ولمعاشهم، وكافة جوانب حياتهم. فلقد كانوا عددا قليلا فصاروا شعبا عريضا، وكانوا ضعفاء فصاروا قوة يقعدون للناس بكل طريق، وكانوا فقراء فصاروا أغنياء، يعملون ويتصرفون في نتاج بساتينهم بالبيع والشراء. وكان لهم في مجال التجارة سبق وتفوق، وكان موقع قراهم سببا لهذا التفوق حيث تروح القوافل, وتغدو محمَّلة بألوان التجارات صيفا وشتاء. ومع هذه النعم السابغة كفر القوم بالله، وأشركوا معه آلهة أخرى، وعبدوها من دونه . وشاع فيهم الفساد، وشمل معاملاتهم وأخلاقهم، ومن صور فسادهم: ١- التطفيف في الكيل والميزان، فكانوا إذا اشتروا مكيلا أو موزونا استوفوه، وإذا باعوه أنقصوه. ٢- بخس الناس حقوقهم, والبخس أعم من التطفيف؛ لأنه يشمل المعدود، والغش، والحيل، وإنقاص ما للآخرين، والتعدي على كافة الحقوق المادية والمعنوية.

стр. 176

٣- الظلم وأكل أموال الناس بالباطل، والبغي بغير الحق، والعدوان على الأنفس والأعراض، وإفساد الأخلاق بنشر الفواحش والآثام ما ظهر منها وما بطن، وهدم العمران بالجهل وعدم النظام، وإنقاص الحقوق، واللهو، والعبث، والعدوان. ٤- صَدّ الناس عن الخير والاستقامة، ويروي ابن عباس: أن مدين كانوا يجلسون في كل طريق ليخبروا المارَّة بأن شعيبا كذاب، ويخوفونهم إن اتبعوه، وقد يراد بالصراط الذي اتخذوه وسيلة للصد عن الحق أي وسيلة تمكنهم من ذلك حسية أو معنوية، ولا مانع من إرادة المعنيين معا. ٥- محاولة تشويه الحق، وتحويل الدين إلى منهج معوجّ وفق ما يشتهون ويريدون، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ . ولهذا بعث الله لهم أخاهم شعيبا يدعوهم إلى التوحيد وحسن المعاملة ومكارم الأخلاق، فكان ما كان منهم. يشير القرآن الكريم إلى أن شعيبا ﵇ أُرسل لقبيلة مدين الذي هو منهم، يقول الله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ , فهو أخوهم، كما يشير إلى أنه أُرسل لقبيلة أخرى عرفت بأصحاب الأيكة, كانت تجاور "مدين" وتشبهها في العروبة، والضلال، والفساد، يقول الله تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ . يذهب قتادة وغيره من المفسرين إلى أن أصحاب الأيكة ليسوا هم مدين، مستدلين بدليلين: الأول: أن الله قال مع مدين: "أخوهم شعيب", ولم يذكر ذلك مع أصحاب الأيكة. الثاني: أن الله أهلك مدين بالصيحة، وأهلك أصحاب الأيكة بالظلة، فهما قبيلتان مختلفتان.

стр. 177

وقد رأى بعض العلماء أنهما قبيلة واحدة, وأن الأيكة شجرة عبدها مدين، واتخذوها إلها من دون الله تعالى، وأن الله تعالى لم يذكر مع أصحاب الأيكة الأخوة؛ لأنه لا يناسب ذكر الأخوة مع ذكر إلههم "الأيكة". والذي أراه -والله أعلم- أنهما قبيلتان عربيتان سكنتا شمال الجزيرة العربية, جاءهم شعيب ﵇ بدعوة الله؛ لأن التطور البشري بدأ يظهر في تجمع الناس على فكر واحد، وبخاصة من تجاور منهم، وقد سبق شعيب ﵇ بإرسال إسماعيل ﵇ إلى الجراهمة، والعماليق، وأهل اليمن، وهم قبائل متعددة. دعا شعيب قومه مدين، وأصحاب الأيكة، ووضح لهم الطريق وحاورهم، وبين لهم، لكنهم استمروا على ضلالهم، فأهلكهم الله تعالى، ونجّى الله تعالى شعيبا والمؤمنين معه.

стр. 178

" النقطة الثالثة": "حركة شعيب ﵇ بالدعوة " اختار الله شعيبا ﵇ للرسالة، وكلفه بدعوة قومه، فأخذ في تنفيذ أمر الله له، ونادى في قومه بما كلف به. وبالنظر في حركة شعيب ﵇ وهو يدعو قومه, نراه يسلك منهجا حكيما في توجهه للناس. فهو -أولا- يعرض قضيته الأساسية، ويدعو قومه إلى التوحيد وعبادة الله تعالى وحده, قائلا لهم ما حكاه الله عنه: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ١.

стр. 179

وقال لأصحاب الأيكة ما قاله لمدين، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ ١. نراه ﵇ يقرن بدعوة التوحيد الدعوة إلى الإيمان باليوم الآخر، من باب ترغيب الناس فيما ينتظرهم، ويذكرهم بالحساب ليستقيم سلوكهم. ثم أخذ -ثانيا- يقدم الأدلة المؤيدة للدعوة، الشاهدة على أحقية الله بالعبادة وحده، قال لهم ما حكاه الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ ٢. ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٣. يبين لهم ﵇ أن الله خلقهم، وخلق الأجيال السابقة جميعا، وقد بارك لهم في كل ما خلق، وزاده كثرة وبركة، وها هي آيات الله تبين لهم صدق دعوته لهم ﵇، وعليهم أن يتدبروا في عاقبة الأمم التي سبقتهم ليعتبروا، وحتى لا يحل بهم ما حل بالأمم السابقة. ثم ينتقل ﵇ -ثالثا- إلى توجيههم نحو إصلاح معاملاتهم وأخلاقهم بعد فسادها وضلالها؛ ذلك لأن دين الله تعالى لا يفرق بين طهارة القلب، وطهارة السلوك، فلا بد لعباد الله المخلصين أن يطهروا قلوبهم بعقيدة التوحيد، وينظفوا جوارحهم وأخلاقهم بمنهج الله الواحد، وبذلك يستند الوجود كله إلى أصل ثابت هو الإيمان بالله تعالى، والصدق في عبادته، والتوجه إليه.

стр. 180

دعاهم ﵇ إلى إصلاح المعاملة والأخلاق, فقال لهم ما حكاه الله عنه: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ، وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ، بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ ١. وقد بين لهم ﵇ ما في سلوكهم من عدوان؛ لخلوّ معاملاتهم من العدل، ولإنقاصهم حقوق الناس، ولنشرهم الفساد في الأرض، وصدهم الناس عن الإيمان، وقطع الطريق على المارَّة، وأمرهم أن يغيروا هذا المسلك السيئ، ويوفوا الناس حقوقهم، كيلا, ووزنا، وعدا، ولا يعتدوا على حقوق الآخرين، ويتركوا الفساد في الأرض، وليس من حقهم ولا يليق بهم أن يجلسوا في الطرقات؛ ليقطعوا سبيل المارة ويبعدوهم عن الحق، واتباع شعيب ﵇ وقال لهم: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٢. وقد نبههم ﵇ أنهم في غنى عن فعل هذه المظالم، وأنهم لا يحتاجون مالا يأخذونه ظلما من الناس بلا حق، فقال لهم: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ ٣، فهم أغنياء، وما أعطاهم الله يكفيهم وزيادة، وليس لهم حاجة
следующие страницы →