يشرف على الموت، ومع ذلك كان يدعو الله تعالى لهم قائلا: "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون".
هـ- تحتاج الدعوة إلى ضرورة التوجه إلى الناس بلا تفرقة بينهم، بسبب لون, أو جنس، أو مال، أو جاه، وهذا ما فعله نوح ﵇ حينما طلب منه الملأ من قومه أن يبعد عنه الفقراء، قال هم: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ .
إن هذه النقاط المنهجية تمثل خطة ضرورية لنجاح الدعوة إلى الله تعالى ...
و وكان لنوح ﵇ وسائله وهو يدعو قومه إلى الله، ويراد بالوسائل الطرق التي تحمل الفكرة، وأسلوبها، سواء كانت بشرية، أو بآلات غير بشرية، كالرسالة المكتوبة، أو الصورة الهادفة ... وهكذا.
وقد استفاد نوح ﵇ بما أمكنه من وسائل ...
فقد كان ﵇ يواجههم مباشرة، ويكرر لهم الدعوة، وذلك مستفاد من فعلهم الذي قال الله عنه: ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ , فهم لضِيقهم برؤية نوح أمامهم كانوا يغطون وجوههم بأطراف ثيابهم، حتى لا تقع عيونهم على رؤيته حين اقترابه منهم.
ونراه يستعمل وسائل الاتصال التي يتحدث عنها الإعلاميون المعاصرون، فيتصل بهم اتصالا شخصيا، ويواجههم فرادى، وهو المقصود من وقوله تعالى: ﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ لأن السرية المرادة هنا، هي مخاطبة الأفراد واحدا واحدا، بصورة علنية؛ لأن المفهوم العام للسرية لا يتفق مع مفهوم الدعوة والتبليغ.
واتصل بهم ﵇ اتصالا جماعيا، فهم قومه يعرفهم، وكان يأتيهم في تجمعاتهم، وفي أعيادهم، ومناسباتهم المختلفة، وهو المقصود من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ﴾ ودعاهم ﵇ جماهيريا، وهو دعوة الجمع الغفير الذي
стр. 72
يمكنه التوجه إليهم، وهذا هو المقصود من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾ .
وكانت مكارم أخلاقه ﵇ وسيلة عملية تعرفهم بدين الله تعالى، وحسن تأثيره في الخلق والسلوك.
ز- خاطبهم ﵇ بأساليب متعددة ...
فاستعمل معهم أسلوب الحكمة ويراد به القول الموجز الدال على معناه بعبارة قصيرة، دقيقة، ومنه الطلب المباشر المحدد ومثاله في قوله لهم: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ ، ومن الأساليب الحكيمة أسلوب عرض الآيات الكونية والإنسانية؛ لأنها تدل على مرادها بصورة دقيقة لا يمكن ردها، ومن علامات الحكمة في الآيات الكونية والإنسانية أنها وإن تضمنت المعاني الكثيرة, فإنها تأتي في كلمات قليلة, انظر قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ ، فإنها تشتمل على كلمات قليلة، وكل كلمة تشتمل على المعاني الكثيرة، فوجه السؤال وجعله خاصا بهم لقوله: ﴿مَا لَكُمْ﴾ ويحدد التهمة وشناعتها بقوله: ﴿لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ ، وهي تهمة تتجلى في مفهومهم بصور عديدة. إنهم يصنعون الأصنام، ويعبدونها، ويتوجهون إليها، ويتركون الله تعالى ولا يوقرونه، مع أنه تعالى أكرمهم ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ أي: على مراحل عديدة، فمن نطفة، إلى علقة، إلى جنين، إلى مولود، إلى أن يموت، كل ذلك بقدر الله وعلمه، ومع ذلك لا يوقرونه.
إن هذه الكلمات، والآيات، لا يمكن للقوم أن يردوا عليها لوضوحها، ولكنهم استمروا على الكفر معارضين لدين الله بلا حجة, أو بيان.
ومن الأساليب التي توجه بها نوح ﵇ إلى قومه الموعظة الحسنة، ويراد بها الأسلوب المشتمل على المعاني المثيرة، التي تخاطب العواطف، وتجذب النفس، وأساس هذا الأسلوب الترغيب والترهيب؛ لأن الترغيب يعمل على التزيين
стр. 73
والإغواء، وتحقيق التعاطف والمودة مع الدعوة، وذلك خطاب للروح والوجدان, وبخلاف الترغيب يكون الترهيب، فهو قائم على تخويف المستمع من خطأ يفعله ليبتعد عنه، والترغيب والترهيب واضح في أسلوب نوح ﵇.
وتعد الأساليب البيانية من قبيل الموعظة؛ لأنها تركز الصور اللفظية العديدة حول معنى واحد لإقناع المستمع به.
ومن الموعظة الحسنة الاستفهام، والحوار، وإبطال دليل المعارضين.
وبتتبع قصة نوح ﵇ في القرآن, نرى العديد من صور الخطاب والبيان ...
стр. 74
الركيزة الثالثة: أثر الإيمان
الإيمان بالله تعالى، والاستجابة الصادقة لدعوة الرسول، من أهم عوامل تأليف القلوب، وتحقيق الوحدة بين المؤمنين؛ لأن هذا التآلف جزء من الإيمان نفسه، وحين يعجز المؤمن عن تحقيقه في ذاته، فعليه أن يتهم نفسه بضعف الإيمان؛ لأنه لو صدق في إيمانه لشعر بأخيه المؤمن جزءا متمما لإيمانه، فالمؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر، يقول النبي ﷺ : "مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مَثَلُ الجسد الواحد, إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" ١.
وفي قصة نوح ﵇ ما يؤكد قوة الرابطة الإيمانية، وضرورتها للتآلف، وتحقيق التماسك بين المؤمنين؛ لأنها لو فُقدت فلا قيمة لأية رابطة، وبخاصة مع المؤمنين، يقول الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢.
стр. 75
إن رابطة الإيمان تربط القلوب، وتوحِّد الأجساد، وتقوى بمعونة الله تعالى؛ ولذلك فهي دائمة مستمرة في الدنيا وفي الآخرة، وأصحابها هم المفلحون، وهم حزب الله، أما أعداء الله فهم منقطعون عن المؤمنين، لا مودة معهم، فهذا ابن نوح ظل على كفره ولم يدخل الإيمان قلبه, فأغرقه الله مع الكافرين، ولم يَقْبَل طلب نوح فيه، وقال له: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ ١؛ ذلك أن نوحا ﵇ طلب من ربه أن ينجي له ولده, فعرفه الله بانقطاع الصلة به؛ بسبب عدم إيمانه، ولفظ الآية صريح في عدم جدوى رابطة النسب إذا انتفت رابطة الإيمان.
وكما أغرق الله تعالى ابن نوح بسبب عدم إيمانه، أغرق كذلك زوجته بسبب عدم إيمانها هي الأخرى، وجعلها الله مثلا للكافرات، ولحكمة أرادها الله تعالى جعل زوجة نوح وولده من الكافرين؛ ليهلكا مع المغرقين، وليعلم كل إنسان بعدهما أن الإيمان هو طريق النجاة، وأنه صانع القرابة الحقيقية، فالزوجة الكافرة، والابن الكافر، ليسا من أهل الزوج المؤمن، والأب المؤمن؛ لأن الكفر يفرق بينهما، أما الإيمان فإنه العروة الوثقى بين المؤمنين، وهو الصلة القوية الدائمة بينهم.
ولعل قوة الإيمان في التأثير ترجع إلى أنه يتم بناء على اقتناع ورضى، بينما غيره من العوامل يتم بطريقة عفوية لا دخل للإنسان فيه، وأيضا فإن الإيمان عامل يزداد بالإخلاص فيه، أما العوامل الأخرى فهي ثابتة لا تقبل الزيادة، يقول الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٢.
стр. 76
ومن أثر الإيمان إقامة مجتمع نظيف المشاعر، نظيف التفكير، نظيف العمل والتعامل، ويكفي أن كل فرد فيه يؤدي واجبه، وينال حقه بصورة سهلة وتلقائية.
إن أفراد المجتمع المؤمن يتعاونون على البر والتقوى، وتتكافأ دماؤهم, ويسعى بذمتهم أدناهم، لا فرق بين كبير وصغير إلا بالتقوى.
إن أفراد المجتمع المؤمن يحافظ كل منهم على أخيه؛ ماله، وعرضه، ونفسه, وأماناته؛ طاعة لله تعالى.
ومن أثر الإيمان تحقيق النصر في النهاية للمؤمنين، كما وعد الله تعالى وهو يقول: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١.
وقد نصر الله تعالى نوحا ﵇ وأتباعه، ونجاهم من الغرق وحقق للمؤمنين وعده، وحقق للكافرين وعيده.
ولا يمكن لعقل أن يتصور الكيفية التي سينجو بها نوح ﵇ وأتباعه قبل وقوعها لقلتهم وضعفهم، لكنها حدثت بقدرة الله تعالى، وبعدها قال الله لجنده: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ٢.
إن النصر الإلهي للمؤمنين حقيقة مؤكدة، وقد رأيناه مع نوح وقومه، ويستعجل بعض المؤمنين نصر الله تعالى، ويتصورونه بمجرد إيمانهم، ومع رجائنا سرعة إتيان النصر، إلا أننا نشير إلى أن النصر يأتي لقوم يستحقونه بعد اختبارهم بالبلاء، وامتحانهم بالمصائب، والخوف، والجوع, ونقص الأموال والثمرات، وإيقاع الأذى بهم من أعداء الله تعالى.
стр. 77
إن الابتلاء ضرورة حتمية، وللنصر وقته الذي حدده الله تعالى؛ ولذا قال لنوح ﵇: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ١.
ومن أثر الإيمان بقاء ذكر أصحابه في الدنيا، واستمرار الخير في ذريتهم، وهذا ما تحقق لنوح ﵇ وأتباعه، يقول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ، وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ، سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ ٢.
وهذا أمر له أهميته في الحياة البشرية؛ لأن الإنسان يتعلق بذريته، ويتمنى الخير لهم من بعده، ولا يتحقق ذلك على وجه الحقيقة إلا بالإيمان والتقوى، يقول الله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ ٣.
ولعل من أعظم ثمرات الإيمان ما يناله المؤمن بعد لقائه ربه من روح، وريحان، وجنة نعيم، وفي كل ذلك ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
стр. 78
الركيزة الرابعة: حاجة الدعوة إلى المصير
...
الركيزة الرابعة: حاجة الدعوة إلى الصبر
الدعوة إلى الله تعالى في أمسّ الحاجة إلى الصبر، والتحمل، وعدم اليأس؛ لأن أعداء الدعوة كثيرو العدد من الجِنة والناس، وأيضا فإن الدعوة للجديد تحتاج إلى التدرج، والتلقين المستمر، والرعاية الدائمة شأن تربية الطفل الصغير، فإنه يحتاج إلى مداومة الرعاية، وتنوعها، حتى يتأقلم مع الحياة.
ونوح ﵇ استمر يدعو هذه المدة الطويلة صابرا، محتسبا، عساه يزرع بذرة تنمو بعد سنوات، وما كان ييئسه أبدا، ما يراه من أعداء الله في الأرض.
стр. 79
هود ﵇
مدخل
...
٤- هود ﵇:
تكاثرت ذرية نوح ﵇ وتوزعت في البلدان، وانقسمت إلى قبائل متعددة، وكوَّنت شعوبا كثيرة.
ومع تباعد الزمان بعد نوح ﵇ نسي الناس دعوته، وأغواهم إبليس وجنوده، فبعدوا عن الحق، واتخذوا من الأصنام والأوثان آلهة، عبدوها من دون الله تعالى.
ومن هذه القبائل كانت "عاد" التي ظهر كفرها، وبان ضلالها، فأرسل الله إليهم أخاهم هودا ﵇ يبلغهم دعوة الله، ويهديهم إلى الدين الحق، ويدلهم على صراط الله المستقيم١.
وكان لهود ﵇ مع قومه وقفات مشهودة، سجلها القرآن الكريم لتبقى تاريخا حيا على الزمن كله، يقدم الدروس والعِبَر لأصحاب العقول والأبصار.
والكتابة عن هود ﵇ وقومه في إطار تاريخ الدعوة, تحتاج إلى دراسة النقاط التالية:
стр. 80
" النقطة الأولى": "التعريف بقوم هود "
قوم "هود" هم قبيلة "عاد" وهود ﵇ واحد من القبيلة، فهو أخوهم، يعرف أحوالهم، ودينهم، والمشاكل التي يعايشونها، ويتكلم بلغتهم ولهجتهم، ويدرك واقعهم، وأمانيهم، وحاجاتهم.
و"عاد" قبيلة عربية، من العرب العاربة، سكنت جنوب جزيرة العرب، في منطقة الأحقاف الواقعة بين عمان وحضرموت، أنعم الله على هذه القبيلة بطيب العيش، ورغد الحياة، فتمكنوا من إقامة حضارة راقية, مزدهرة، شاملة لصور عديدة من الرقي، والمدنية.
ففي المجال الزراعي أمدّهم الله بالماء، فأسسوا البساتين، وحفروا الأنهار والعيون، وربوا الماشية والدواب، يذكرهم الله بذلك، وهو يدعوهم، يقول تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ، وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ ١.
وفي المجال الصناعي، شيدوا المصانع الضخمة، تمدهم بالقوة، وتسهل لهم الحياة. يوضح الله لهم هذه النعمة, فيقول سبحانه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ ٢.
وكان لهم في مجال العمران باع طويل, لدرجة أنهم تفردوا بحضارتهم المعمارية, يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ ٣.
стр. 81
وتميزوا بضخامة البدن، وقوة الجسم، وطول القامة، كما يدل عليه قوله تعالى:
﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ ١.
﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ ٢.
﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ ٣.
فهم لطولهم يشبهون النخلة الخالية من فروعها التي تقطع ورقها، وبدل أن تستفيد القبيلة بما أفاء الله عليها من نعم في أبدانهم ومدنيتهم, انتكست في أخلاقها ودينها. فلقد اتصفت القبيلة بالكبر، والغرور، والظلم، والعدوان، يقول الله تعالى عن أخلاقهم: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ ٤.
يذكرهم الله تعالى بعدوانهم، وطغيانهم، وظلمهم للضعفاء، فيقول تعالى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ ٥.
وقد ضلوا ضلالا كبيرا في دينهم، فهم أول من اتخذ الأصنام بعد قوم نوح، صنعوها، وعبدوها من دون الله تعالى، وضيعوا حق الله، وأنكروا القيامة والبعث، وقالوا: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ٦، فنطقوا بمذهب الدهريين، الذين يقولون: ما هي إلا أرحام تدفع، وأرض تبلع، والأمر أنف، وليس في الأمر خالق قدير.
стр. 82
إن التفوق المادي والحضاري الذي عاشته عاد, صاحبه سوء أخلاقهم وفساد دينهم، وتغلغلهم في الكفر والضلال.
لقد تخيلت عاد أن تفوقهم سبيلهم إلى التحكم في الآخرين، وتوجيه الناس كما يريدون، وظنوا أن من حقهم السيطرة على الأفكار والعقول، وعملوا على أن تسود آلهتهم كل من يخالطهم بما فيهم أخوهم هود، ولكنه ﵇: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ١، فتبرأ من آلهتهم وأشهد الله تعالى على هذه البراءة، كما أشهدهم أيضا؛ ليعلموا أنه ليس على دينهم، وضلالهم.
стр. 83
" النقطة الثانية": "حركة هود بالدعوة "
اختار الله تعالى هودا من بين عاد، وأنزل عليه الوحي، وكلَّفه بتبليغ الرسالة لهم، فصدع بالأمر، قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ ١.
فربط العبادة بضرورة التوجه بها لله الواحد؛ لأن عبادة غيره شرك لا يصح أبدا.
وبين لهم ﵇ أنه واحد منهم مهتم بمصلحتهم، وسعادتهم، ووضح لهم أنه رسول الله إليهم، وأنه ناصح أمين يبلغهم رسالة الله ودينه، لا يأخذ منهم أجرا ولا نفعا، فأجره على الله، وهو سبحانه مبتغاه ومقصده، قال لهم:
﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ ٢.
стр. 84
وقال لهم: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.
وقدم لهم من الأدلة والبراهين التي تعرفهم بالله، وبصفاته، وتوضح لهم ضرورة التوجه بالعبادة لله تعالى، وتبين لهم أن الله هو خالقهم، والمنعم عليهم، وهو سبحانه الذي أعطاهم كافة ما هم فيه من قوة، وصحة، ومدنية، وحضارة, والواجب التسليم بذلك؛ لأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وكل شيء بيده , قال لهم ﵇: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ ٢.
قال تعالى: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ، وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ٥.
دعاهم إلى الله بالحسنى، وعرفهم بالله الذي خلقهم, ورزقهم، وملأ الكون والحياة بالبراهين الدالة عليه سبحانه، وهم يرونها، ويتمتعون بخيراتها.
стр. 85
وكان ﵇ رفيقا بهم، حليما في خطابهم، وهو يذكرهم بعذاب الله تعالى، فبيّن لهم أنه يخاف عليهم، وأنه يتمنى نجاتهم وفوزهم برضى الله تعالى، حتى لا تنزل بهم العقوبة إن لم يؤمنوا برسالته، ويتبعوا دعوته.
تمسكت عاد بضلالها، وأخذوا يردون على هود في عتوّ، واستكبار، ولم يسلموا بوحدانية الله تعالى، وأعلنوا أن عبادة آبائهم للأصنام، وللآلهة المتعددة هي دينهم، ولن يحيدوا عنه أبدا, وقالوا له: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ١.
وزعموا في استعلاء الجاهل أنه لم يقدم لهم دليلا مقنعا يبعدهم عن الشرك، وقالوا له: ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ٢، ولم يتأثروا بدعوته، ولا بالآيات التي ذكرها.
وأخذوا يسبّونه، ويشتمونه، ويتهمونه بخفة العقل والكذب، قال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ٣، وصدقوا أنفسهم في أكاذيبهم، وتصوروا لأصنامهم قدرة تنفع وتضر, وقالوا له: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ ٤، واستمروا في ضلالهم وكفرهم، فتبرأ هود ﵇ منهم ومن آلهتهم، وكرر عليهم وعيد الله تعالى بعذابهم إن لم يؤمنوا.
стр. 86
وأكدوا له أنهم لن يؤمنوا مهما دعاهم، وكرروا زعمهم بأنهم لن يعذبوا، وقالوا لـ "هود": ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ، إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ، وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ١.
فرد عليهم هود ﵇ معلنا كلمة النهاية معهم, قال تعالى: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ ٢، وتوقف هود عن دعوتهم ووعظهم، وتركهم حتى حاق بهم وعد الله تعالى ...
يوضح القرآن الكريم ذلك العذاب الذي نزل بهم في قوله تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ، مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ، سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ، فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ ٤.
ويقول المؤرخون: لما عتت عاد، وأصرت على كفرها وضلالها، واستهزأت برسول الله إليهم، أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين، فأرسلوا وفدا مكونا من سبعين رجلا على رأسهم "قيل بن عنز" إلى مكة ليستسقوا عند بيت الله الحرام، واستقبلهم بظاهر مكة معاوية بن بكر، الذي تربطهم به خئولة، ومصاهرة، ومودة ... وبعد
стр. 87
مقامهم عنده شهرا مضوا إلى الحرم١ فقال قيل: اللهم اسق عادا ما كنت تسقيهم، فأنشأ الله ثلاث سحابات بيضاء، وسوداء، ثم نادى منادٍ من السماء: أن يا قيل اختر سحابة منها لنفسك، ولقومك، فاختار السوداء، فنودي: أن اخترت رمادا أرمدا، لا يبقي من عاد أحدا، لا والدا ولا ولدا، إلا جعلته همدا، فخرجت السحابة على عاد في وادٍ يقال له: المغيث، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ، تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ ٢.
وهكذا أهلكهم الله بالريح العقيم التي تقضي على كل شيء، وقد استمر هبوبها سبع ليال وثمانية أيام بشدتها، وقوتها بلا انقطاع، حتى أهلكت الكفار جميعا وأبقتهم صرعى جلوسا في أماكنهم كجذوع النخل, وقد تقطع ورقها ... ٣.
ونجى الله هودا ومن آمن به، وصدق وعد الله، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ ٤.
стр. 88
النقطة الثالثة: ركائز الدعوة في قصة هود
الركيزة الأولى: العقيدة أساس الدعوة
...
"النقطة الثالثة": "ركائز الدعوة في قصة هود"
بعث هود ﵇ لقبيلة متحضرة، تعيش حياة الرقي والمدنية؛ ولذلك يمكن الاستفادة بمنهجيتها في التعامل مع المدنيات الأخرى، والدروس المستفادة منها تعد ركائز للدعوة الإلهية، في كل زمان ومكان.
وسوف أتناول الحديث عن الركائز التالية:
الركيزة الأولى: العقيدة أساس الدعوة
دعا هود قومه، وطلب منهم تصحيح العقيدة، أساس الإيمان، وبين لهم أن العقيدة السليمة تحتاج إلى توحيد الله تعالى في ألوهيته وربوبيته، وهذا يقتضي منهم أن تكون عبادتهم، وتوجههم لله فقط، وترك عبادة الأصنام والأوثان؛ لأن عبادة غير الله صرف للعمل في غير وجهه، وإضاعة للوقت، والوقوع في الكفر والضلال، وذكّرهم بنعم الله فيهم، فهو زادهم في الخلق بسطة، وأمدهم بأنعام وبنين وجنات وعيون، وأعانهم على تشييد الأبنية ذات العماد التي لا نظير لها، وأعطاهم القوة التي تمكنهم من السيطرة والغَلَب. إن هذا كله من آلائه ونعمه التي تحتم عبادته؛ شكرا على العطاء، وطلبا للمزيد، وصرفا للنعمة فيما خلقت له, بمنهج الخالق المنعم.
وركز لهم على أدلة الخلق، والإبداع، والدقة، وهو يدعوهم إلى عبادة الله وحده؛ لأنهم يعلمون أن الأصنام لا تضر, ولا تنفع؛ ليلزمهم بعبادة الضار، النافع، وهو الله ، فله الأمر كله، وإليه يرجعون, فكان خطابه مفهوما، معقولا، يعيش مع حياتهم.
ولكن متى كان للطغيان عقل!!!
стр. 89
إن القوة المادية مع الكفر ضلال كبير، تجعل أصحابها يتصورون مقدرتهم على التحكم في كل الماديات، والمعنويات، بل ويظنون قدرتهم على تكوين العقول، وتوجيه كافة شئون الحياة، هكذا شأن الطغيان في كل زمان ومكان!!
إن قوم هود واجهوا هودا بضلالهم هذا، واستمر هو في دعوتهم إلى العقيدة الصحيحة أساس الإيمان، ولم يتأثر بمعارضتهم، ولم يضعف أمام وعيدهم ﵇.
وللمرء أن يتساءل عن السر في تركيز هود ﵇ على التوحيد والتدليل عليه, ولم يبرز بقية أركان العقيدة كما ركز على التوحيد، وأدلته.
والأمر سهل؛ لأن الدعوة الإلهية تركز على الإيمان بالله، وتقدمه على غيره؛ ولذلك ركز هود ﵇ على دعوة التوحيد لشيوع الشرك والأصنام في الناس.
وأيضا, فإن القوم لو آمنوا بالله وحده، وخصوه بالعبادة دون سواه، فإن بقية الأركان تأتي تبعا، وبصورة تلقائية.
ومع ذلك, فإن هودا ﵇ ذكرهم بالرسالة في قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ , وذكرهم بالآخرة بقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وعلى هذا, فالدعوة إلى التوحيد شاملة لكل أركان العقيدة ...
стр. 90
الركيزة الثانية: المترفون هم أعداء الدعوة
أدى الترف بـ "عاد" إلى الكبر، والاستعلاء، وتصوروا أنفسهم فوق الناس أجمعين، وأبوا أن يكون هود ﵇ رسولا إليهم.
ووصل بهم الضلال إلى السخرية بهود ودعوته، واتهموا عقله وخلقه، وتمسكوا بما هم عليه من كفر، وأخذوا يجادلون في آلهتهم بلا دليل من العقل أو الشرع، معتمدين على قوتهم، وجاههم، وغناهم، وعلى ما لهم بين الناس من تقدير.
إن الذين واجهوا هودا بالرفض، والجدل، هم الملأ، والمراد بهم علية القوم الذين امتلأت خزائنهم بالأموال، وملئوا المجالس حديثا، وريادة، وتوجيها، وملئوا عقول العامة بالضلال والفساد.
стр. 91
الركيزة الثالثة: الرسول قدوة للدعاة
...
الركيزة الثانية: المترفون هم أعداء الدعوة:
أدى الترف بـ "عاد" إلى الكبر، والاستعلاء، وتصوروا أنفسهم فوق الناس أجمعين، وأبوا أن يكون هود ﵇ رسولا إليهم.
ووصل بهم الضلال إلى السخرية بهود ودعوته، واتهموا عقله وخلقه، وتمسكوا بما هم عليه من كفر، وأخذوا يجادلون في آلهتهم بلا دليل من العقل أو الشرع، معتمدين على قوتهم، وجاههم، وغناهم، وعلى ما لهم بين الناس من تقدير.
إن الذين واجهوا هودا بالرفض، والجدل، هم الملأ، والمراد بهم علية القوم الذين امتلأت خزائنهم بالأموال، وملئوا المجالس حديثا، وريادة، وتوجيها، وملئوا عقول العامة بالضلال والفساد.
стр. 92
وأوحى الله إليه بأن القوم لن يؤمن منهم أحد بعد ذلك ...
ب- استمر مستمسكا بالخلق الكريم طوال دعوته، وكان يقابل السيئة بالحسنة، والعدوان بالعفو، والغضب بالحلم، وكان ﵇ إذا رد شتائمهم يردها بأسلوب مهذب، وكلمات رقيقة، ينفي التهمة ولا يتهم ... فهم يتهمونه بالسفه، والجنون, والضلالة، فيرد عليهم قائلا: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.
ج- ركز خلال دعوته على قضيته، وفصل لهم في شأنها كل شيء، وناقشهم في معارضاتهم، وقدم لهم الأدلة والبراهين وفق مداركهم، وكان إذا تحدث معهم تحدث في معاشهم، ونشاطهم، ورقيهم، وحضارتهم، وربط ذلك بالخالق، الموجد، صاحب الفضل في ذلك كله، ومن أقواله لقومه ما حكاه الله عنه، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ ٤.
стр. 93
وهكذا استمر هود ﵇ يدعو، ويبرهن عن صدق دعوته ...
ونلاحظ أنه ﵇ جعل براهينه حياة الناس، والنعم التي يرفلون فيها، ووضح كافة الجوانب في معاشهم، حتى يعتبروا، لكنهم لم يؤمنوا، واستمروا على كفرهم.
د- لم يضعف، ولم ينهزم أمامهم، وظل يعمل واثقا بنصر الله له، وترجع شجاعته وهو يتحدى الجمع الغفير بقوة، رغم أنه فرد واحد، يرجع ذلك إلى ثقته في الله وتوكله عليه، وقد بين لهم سر قوته فيما حكاه الله عنه: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١, فهو سبحانه بيده الحكم، والأمر كله له، ومن يتوكل عليه فهو حسبه، وجدير بمن يتوكل على الله أن يتبدل خوفه أمنا، ويصير ضعفه قوة، ويشعر بعزة الله وجلاله، وعظمته وهو يواجه الأهوال والمصاعب.
هـ- خوف القوم هودا بآلهتهم, فقال لهم: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ٢, وعرفهم بأنه لا يخاف كيدهم، وتآمرهم جميعا، فقال لهم: ﴿مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ ٣.
و واجه هود قومه مواجهة مباشرة، وناقشهم في أفكارهم، واستفاد بكل الوسائل التي أمكنه الاستفادة بها وهو يدعوهم إلى الله تعالى.
стр. 94
الركيزة الرابعة: ضرورة الدين للحضارة:
الحضارة المادية تحتاج إلى سيطرة منهج الله على مسارها ونظامها: لكي تحقق المأمول من ورائها، وبذلك تنمو، وتزدهر، وتحقق السعادة، وتنشر السلام؛ لأنها حينئذ حضارة طيبة في أساسها، وهيكلها، وامتدادها، تعيش بالحق، وتعمل له، وتهدف إليه.
стр. 95
إن الحضارة المادية إذا بعدت عن منهج الله، وتحكمت فيها الأهواء والأنانية والشهوة، فإنها تكون وبالا على أصحابها، وبرهانا على اضمحلالها وزوالها.
وها هي حضارة " عاد" نمت وترعرعت في إطار الشهوات والأطماع, فأصابت أهلها بالكبر والغرور، وأخذوا يتيهون بها، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ جحدوا في غمرة ضلالهم قدرة الله، وتصوروا أنفسهم الأشد قوة، وضلوا بذلك ضلالا بعيدا, وكان ضياع حضارة "عاد" وتدميرها، مع هلاكهم وإبادتهم ...
إن هذه سنة إلهية لا تتغير، وعلى العاقل أن ينظر في كل الحضارات، ويبحث عن أسباب انهيارها، وسوف يجده بإذن الله تعالى في هجر دين الله تعالى، وترك منهجه الذي شرعه لعباده، وذلك درس للإنسان على الزمن كله.
стр. 96
الركيزة الخامسة: ضعف الإنسان وقدرة الله
يحتاج الإنسان دائما إلى تذكر خالقه، والرجوع إليه، والتزام العبودية الخالصة مع الخضوع لكافة لوازمها.
إن القيام بحق العبودية يؤدي إلى التذكر والمعرفة، ويحقق الخشوع والخضوع، ويوجد التوكل والتقوى، ويجعل العبد ربانيا، ومن الصالحين، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ
стр. 97
يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ١.
وبتحقق العبودية تتجلى قدرة الله تعالى في خاطر العبد بصورة دائمة، فلا يرى إلا الله، ولا يلمس إلا قدرته، وإذا تذكر ذاته شعر بالضعف التام أمام القدرة المطلقة للخالق العظيم.
إن الإنسان العاقل يدرك ضعفه من واقعه. إنه في كل حياته محتاج، محتاج في طعامه وشرابه، في نومه وراحته، في عمله وسعيه، في بكائه وضحكه، في صحته ومرضه، في نفسه وزوجه وولده، هذا الضعف حقيقة بشرية، وهو مدخل الإنسان للإيمان بقدرة الواحد الأحد.
والعاقل هو الذي يعلم ذلك، ويلتزم بحد الإيمان وطاعة الله، وحينئذ يهبه الله قوة تعينه على الخير، ويساعد بها المحتاجين، ويكون عامل بر وبركة للناس جميعا من حوله.
إن عادا رُزقوا قوة فكفروا بها، وظلموا، فكان هلاكهم، وكانت نهايتهم.
стр. 98
صالح ﵇
مدخل
...
٥- صالح ﵇:
اختار الله تعالى صالحا ﵇ للرسالة، وبعثه إلى قومه "ثمود" يدعوهم إلى التوحيد، ويُبصرهم بمنهج الله تعالى؛ ليتركوا ما هم فيه من ضلال وكفر، ويَذَروا عبادة الأصنام التي عبدوها من دون الله تعالى.
وصالح ﵇ هو أول مَنْ تسمى بهذا الاسم، وكان من أشرف قومه نسبا، وأرومة، عرف بالصدق، والأمانة، والرشد، وحب الخير، لكن قومه انقلبوا عليه لما أخذ في دعوتهم إلى الله تعالى.
عاش قوم صالح في منطقة "الحجر"، وهي منطقة مكونة من جبال ضخمة، إذا رآها الرائي ظنها متصلة، فإذا توسطها رأى كل قطعة منها جبلا مستقلا، قائما بنفسه، وهي جبال عالية لا يصعدها أحد إلا بمشقة شديدة، وهذه الجبال محاطة بالرمال المتحركة.
والمنطقة قليلة الماء، وسُميت بثمود لذلك؛ لأن الثمد قلة الماء. في هذه المنطقة الشاقة، وجدت القبيلة، وعاشت بنعم الله تعالى، فلما دعاهم صالح تمسكوا بضلالهم، وعتوا عتوا كبيرا، ولم يتبعوا صالحا ﵇ حتى حَلَّ بهم الهلاك والدمار.
وفي النقاط التالية سنتحدث عن أهم القضايا التي يقصدها علم تاريخ الدعوة من قصة صالح ﵇.
стр. 99
" النقطة الأولى": "التعريف بقوم صالح "
قوم صالح ﵇ هم قبيلة "ثمود" وهي قبيلة عربية، تشبه قبيلة "عاد" في نواحٍ عديدة، فهي من العرب العاربة، سكنت شمال جزيرة العرب في منطقة تعرف بـ "الحجر" الواقعة بين الحجاز والشام، واشتُهرت بحضارتها الزاهية، في جوانب الحياة المختلفة.
فلهم حضارتهم الزراعية؛ حيث الجنات، والعيون، والزروع المختلفة والنخيل بثمره الوافر، وفوائده الكثيرة.
وكانت لهم حضارتهم العمرانية، فقد أسسوا الأبنية الفارهة، حيث كانوا يسكنون في الصيف بيوتا أقاموها في أعالي الجبال، وفي الشتاء يسكنون في بيوت نحتوها في باطن الجبال.
إن البيوت المنسقة المنحوتة تحتاج إلى رقي علمي، وتقدم صناعي تمكنت منه قبيلة ثمود.
وكانوا يتمتعون بطاقة عقلية متقدمة, يقول الله عنها: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ ١ أي: يتمكنون من البصر، والنظر، والتدبر، إلا أن الشيطان زين لهم أعمالهم وألهاهم بالشهوات، وصدّهم عن الحق، فكفروا بأنعم الله، وعبدوا الأصنام من دون الله تعالى.
وكان الأولى بهم أن يستفيدوا بقدراتهم العقلية, لكنهم وجهوها في الجدل العقيم، ومحاولة الرد على دعوة صالح ﵇ بالمزاعم الباطلة، والشبهات الزائفة.
стр. 100
ويبدو أن قبيلة ثمود تقدمت في مدنيتها عن عاد؛ لأنهم اتخذوا مجلسا مكونا من تسعة أشخاص، يقودهم سياسيا وينميهم، ويتقدم بهم للأمام، لكن هذا المجلس أفسد بدل أن يصلح، وأضل بدل أن يهدي، يقول الله تعالى عن ذلك: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ ١.
وقد اتخذ فساد قبيلة ثمود صورا شتى ...
فهم في الجانب الديني اتخذوا الأصنام آلهة، وعبدوها، وتعلقوا بها حبا، وإخلاصا، وقدموها على هداية الله، يقول تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٢.
ومن الناحية الأخلاقية أسرفوا في البذخ، والفساد، وبنوا بيوتا فارهين، وأطاعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ... وتخلق الملأ منهم بالكبر والغرور حتى دفعهم كبرهم إلى الكفر بالدعوة الإلهية، والسخرية من صالح وأتباعه الضعفاء؛ ولذلك استمروا على الكفر حتى أهلكهم الله بالطاغية.
стр. 101
" النقطة الثانية": "حركة صالح بالدعوة "
اختار الله صالحا للرسالة، وبعثه إلى قومه خاصة، يدعوهم إلى الحق، وإلى صراط الله المستقيم.
فبدأ ﵇ بدعوتهم إلى الركن الأساسي في الدعوات الإلهية جميعا, وهو الإيمان بالله، إلها معبودا، وربا رازقا معينا، وقال لهم ما حكاه الله سبحانه وتعالى
стр. 102
في القرآن الكريم: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ١، ومن هنا كانت بداية الدعوة، فهو أخوهم، وهم قومه، والرائد لا يكذب أهله، ودائما يكون بين الأهل صدق، ومناصحة، وقضيته التي يدعوهم إليها واضحة، وهي عبادة الله وحده ونبذ عبادة غيره، والتصديق بكل ما يتصل بهذا الأصل من أركان أخر؛ كالإيمان بالرسالة والملائكة والوحي المنزل واليوم الآخر بكل ما فيه من أحوال وأهوال، ومواقف..
دعاهم إلى ذلك، وقدم دليل الإيمان مركزا على النعم الإلهية التي يتمتعون بها، ويلمسونها، ويعايشونها، ومن أهمها ما قاله الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ٢, وقال تعالى: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ، فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ، وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ ٣. إنها نِعَم عظيمة، متعتهم بالحياة، ويسرت معاشهم، وكان عليهم أن يشكروا خالقها، وموجدها، ومبدعها، ويعبدوه وحده. كان عليهم أن يدركوا ذلك بعقولهم التي وهبها الله لهم، لكنهم بدل أن يؤمنوا كفروا, قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ ٤، والآية تبين دور الشيطان في صدّهم عن الحق، فعارضوا
стр. 103
وأخذوا في رد دعوة صالح ومناقشته ...
أعلنوا تمسكهم بعبادة الأصنام؛ لأنها عبادة آبائهم، يصنعونها بأيديهم، ويأخذونها في سفرهم، ثم يعبدونها متى شاءوا، وكيف شاءوا!! ولم يتصوروا رسالة لبشر منهم؛ ولذلك أنكروا دعوة صالح وقالوا: إن الرسالة لا تكون لبشر, قال تعالى: ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ ١، وقالوا له: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ٢.
ولم يقفوا عند رد الرسالة وعدم الإيمان بها، بل أخذوا في سبه وإيذائه..
اتهموه بالسحر, وقالوا له: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ ٣.
ورموه بالكذب, وقالوا: ﴿أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ ٤.
وذكروا له خيبة أملهم فيه, وقالوا: ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ٥؛ لأنهم كانوا يرجون الاستفادة برشده، ويتمنونه كاهنا لأصنامهم؛ ولذا أنكروا كل ما دعاهم إليه ﵇.
رد صالح ﵇ آراءهم، وبيّن لهم أنه لا يسألهم أجرا، ولا يكلفهم شيئا، وأنه ناصح لهم أمين مخلص، وأعلن لهم ثقته برسالته، وأكد صدقه في دعوته، وسألهم سؤالا محددا، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ ٦؟ فلم يجبه أحد؟
стр. 104
وطلبوا منه آية تثبت لهم صدقه، فأخذ عليهم الميثاق أن يؤمنوا بدعوته حين ظهور المعجزة المؤيدة له، لكنهم لم يلتزموا جميعا بما اتفقوا معه عليه، جاء في الكامل لابن الأثير أن ثمود قالوا لصالح: اخرج معنا في يوم عيد لهم فأرنا آية، تدعو إلهك لها، وندعو آلهتنا أن لا يستجاب لك، فإن أستجيب لك اتبعناك، وإن لم يستجب لك اتبعتنا ... فوافقهم على ذلك، ودعوا أصنامهم، وقالوا لصالح: ادع ربك يخرج لنا من هذه الصخرة "وعينوها" ناقة جوفاء عشراء، فإن خرجت صدقناك، فلما خرجت صدقه سيد قومه، وطائفة معه، ولم يؤمن الآخرون١.
وقال لهم صالح: ﴿وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ ٢. إنها ليست مملوكة لأحد، فاتركوها في أي أرض لا مالك لها منكم تأكل منها، ولا تمسوها بأدنى سوء، والماء بينكم وبينها قسمة، قال تعالى: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ٣، وعرفهم أنهم إن مسوها بسوء, فسيحل عليهم عذاب قريب، يهلكهم بعد ثلاثة أيام من الإساءة إليها.
وبظهور الناقة المعجزة انقسمت ثمود إلى فريقين؛ فريق آمن برسالة صالح، وصدق بالله، وأخذ يدافع عن إيمانه بالحجة والبرهان، وفريق استمر على ضلاله وكفره، وعناده، وأبى الكافرون أن تستمر الخصومة فكرا وجدلا، وإنما دفعهم الكبر إلى شتم صالح والمؤمنين معه, قال تعالى: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ٤.
стр. 105
وأخيرا أعلنوا إصرارهم على ما هم فيه: ﴿وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ١.
فرد عليهم وعرفهم بأن الله تعالى مطلع على كل أعمالهم وأحوالهم، وهو سبحانه يفعل بهم ما يشاء، ويعاقبهم كما يريد، ومتى يريد، ثم سألهم سؤالا عساهم يفكرون في المصير الذي سيحل بهم، قال لهم: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ٢.
وهذا كلام يقصد به ﵇ أن يثير في نفوسهم النظر، والتدبر؛ ليتفكروا في الدعوة ومصيرهم.
لكن الضلال صدهم عن الحق، وأبعدهم عن الصواب, وأخذوا يدبرون لقتل صالح ومن معه، على أن يتم القتل سرا، لا يكشفه أحد.
ووضع خطة القتل أولو الرأي منهم، وكانوا تسعة, وهم الرهط المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ ٢، والتسعة هم تسعة رجال، وقيل: بل هم تسع جماعات.
أقسم هؤلاء التسعة على تنفيذ اتباعهم الخطة ليلا؛ لمباغتة صالح وقتله، ومباغتة المؤمنين معه وقتلهم كذلك، على ألا يخبروا بذلك أحدا، فإن سُئلوا عن القاتل يجيبون: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ ٣، وبذلك يضيع دم القتلى هدرا، ويدعون الصدق لأنهم دبروا، ولم يشاهدوا، مع أن المدبر للجرم إثمه مضاعف؛ لأنه مدبر للجريمة، وراضٍ بها، ونفى علمهم بالقتل كذب في حد ذاته؛ لأن الشهادة تنبني على
стр. 106
العلم اليقيني، والمدبرون يتابعون كيدهم، ويعلمون بنتيجته على وجه اليقين, فقولهم: ﴿مَا شَهِدْنَا﴾ كذب واضح؛ لأنهم دبروا، وخططوا، وأخذوا يتابعون التنفيذ، ويوجهون من كلفوهم بالقتل.
ولكن القدر الإلهي كان أسبق منهم، فلقد جاء أشقاهم وعقر الناقة، وقتلها فنزل وعيد الله فيهم بعد ثلاثة أيام، إذا جاءتهم صيحة عالية، ارتجت لها الأرض، فماتوا جميعا، وهم جاثمون على ركبهم، ونجى الله صالحا والمؤمنين معه، وأبقى بيوتهم خالية لتشهد عليهم، ولتكون عبرة للأجيال من بعدهم، يقول الله تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ، فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ١، وبعد أن نجى الله صالحا ﵇ والمؤمنين معه، شدوا رحالهم إلى بيت الله الحرام حاجين، فعن ابن عباس ﵁ قال: لما مر النبي ﷺ بوادي عسفان حين حج قال: "يا أبا بكر، أي وادٍ هذا؟ " قال: وادي عسفان، قال: "لقد مر به هود، وصالح ﵉ على بكرات، خطمها الليف، وأزرهم العباء، وأرديتهم النمار، يلبون ويحجون البيت العتيق" ٢.
يقول ابن كثير: يقال: إن صالحا انتقل إلى حرم الله، فأقام به حتى مات، ودفن به، وقيل: بل عاش فترة في رملة فلسطين بالشام, حتى مات ودفن بها، والله أعلم ...
стр. 107
النقطة الثالثة: ركائز الدعوة في قصة صالح
الركيزة الأولى: طبيعة التمدين
...
"النقطة الثالثة": "ركائز الدعوة في قصة صالح"
تتشابه ركائز الدعوة في قصة صالح ﵇ مع ما استفيد من قصة هود مع قومه، ولعل ذلك راجع إلى تماثل القبيلتين أرومة، وموطنا، ورقيا، فكلتاهما من العرب العاربة، وسكنوا جزيرة العرب، وهناك تشابه بين حضارتيهما، في الزراعة، والصناعة، والعمران، والسعة.
ولقد ركز صالح على العقيدة كسائر الرسل ﵈ وبدأ بها، وكان له منهج في الدعوة يشبه منهج هود إلى حد بعيد؛ ولهذا أكتفي بهذه الإشارة, وأورد بعض الركائز التي لم أتكلم عنها من قبل ...
الركيزة الأولى: طبيعة التمدين
المتحضرون من البشر أصحاب رقي عقلي، وبسبب هذا الرقي يتمكنون من تسخير بعض الآيات الكونية لما يريدون، وبسبب رغد العيش الذي يعيشون فيه يصابون بالترف، ويتفننون في ألوان المتع، ويبدعون في إشباع شهواتهم.
والمتصور أن يفكر أصحاب الحضارة بعقولهم في ألوان حياتهم، وفي النعم التي يتمتعون بها، وينظروا إلى ذلك نظر تأمل وتدبر، ويبحثوا عن حقيقتها، وموجدها، وعن حق هذا الموجد القدير، لكن الواقع يبين أن أهل الحضارات غالبا تبطرهم النعم وتشغلهم ببريقها عن البحث والنظر، ويلعب الشيطان بعقولهم، ويصور لهم أن ما هم فيه بسبب علمهم، وعملهم، وقوتهم، فيسارعون إلى تصديقه، ويمتلئون كبرا وغرورا، ويعيثون في الأرض فسادا، وهذا ما حدث من قبيلة "ثمود".
فكل حضارتهم من عطاء الله، فالماء ينزل عليهم مدرارا، والأرض تنبت الزرع جيدا، والأنعام تتوالد وتكثر، والخيرات حولهم متنوعة، ولم يسألوا أنفسهم: من الذي يقدر على هذا؟ وهل أصنامهم تقدر على شيء من ذلك؟
стр. 108
وهل يمكنهم خلق شيء من هذا؟ ولو أعملوا عقولهم، وسألوا أنفسهم: من أنشأنا؟ من مكننا من الأرض؟ من وجهنا لفعل ما عملنا؟ إنه رب العالمين.
الأسئلة كثيرة تتصل بالنفس، وبالكون، وبسائر المخلوقات.... لو سألوها لأنفسهم، وتدبروا في الإجابة عنها لاقتربوا من الخير والإيمان, ولكن العقل حين يلعب به الهوى, وتسيطر عليه الشهوة، ويوجهه إبليس يصاب بالعمى، ويهنأ بالضلال، وهو نفس ما حدث مع ثمود، يقول الله تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ ١، كانوا مستبصرين يمكنهم النظر السليم، والتدبر الواعي، لكن الشيطان زين لهم وأغواهم، فكرههم في الحق، وأبعدهم عن الهداية، وتلك طبيعة أهل الرقي والمدنية، وأصحاب الحضارات، يتصورون أنفسهم الجديرين بقيادة العالم، وينظرون نظرة دونية إلى غيرهم.
وها هي ثمود واحدة منهم:
- تعودت الإسراف بلا عقل.
- أحبوا الرفاهية، واللهو، والعبث بلا خجل.
- تخلقوا بالكبر والغرور والإفساد.
- تخيلوا أنفسهم فوق الناس.
- وثقوا في فكرهم، وعقلهم.
ولما جاءهم صالح لم يستفيدوا منه، وظلوا على ضلالهم وطغيانهم، ولم يستجيبوا للنصح والإرشاد.
وهذه الطبيعة المتأصلة في أهل الحضارة يجب أن تكون معلومة للدعاة.
стр. 109
إن الحضارة المادية المعاصرة في الشرق، أو في الغرب, تتصور نفسها الفريدة في الرقي والمدنية، وتتخيل غيرها من المؤمنين لا حضارة لهم؛ ولذلك يحاول أصحابها وضع أنظمة تحكم العالم بقيادتها، ليسير بمنهجهم، ونظمهم، والواقع يختلف عن ذلك تماما، فهي حضارة مادية، قائمة على إشباع الهوى، وإرضاء الشهوات، وهي تعادي الدين، وترفض منهج الله لعباده، وتتباهى بالوضعية الحسية، والسيادة المطلقة للعقل.
إنها حضارة مغرورة ضيعت مزاياها بغرورها، وحولت مكاسبها الإنسانية إلى عوامل ضارة بالآخرين، وبنفسها.
стр. 110
الركيزة الثانية: دعوة أهل الحضارة
أشرنا إلى بعض الصفات التي يتميز بها أهل الحضر، والتي تدفعهم إلى اتخاذ مواقف متعارضة مع النصح والإرشاد.
والسؤال هنا: هل لدعوتهم إلى الله طابع معين؟
ونبادر بإجابة مجملة تؤكد على ضرورة وجود طابع خاص لدعوة أهل الحضر، والملأ، والأغنياء، وذوي السلطان؛ لأنهم جميعا من قبيل واحد، ولا يصح التعامل معهم بأسلوب غيرهم.
فلا بد من دراسة الواقع الذي يعيشونه، ومعرفة الحياة التي يحيونها، والوقوف على بعض مشاكلهم، واهتماماتهم.
ولا بد من معرفة عقائدهم، ودياناتهم، ومستوى التزامهم الأخلاقي، والسلوكي، والمذهبي، ومنهج العلاقات السائدة في أوساطهم، وبذلك يمكن تحديد الإيجابيات والسلبيات الموجودة لديهم.
وبذلك تبدأ الدعوة مستفيدة بالإيجابيات، تؤيدها، وتبين قيمتها، وضرورة التمسك بها, والبحث عن موجدها.