٣- الظلم وأكل أموال الناس بالباطل، والبغي بغير الحق، والعدوان على الأنفس والأعراض، وإفساد الأخلاق بنشر الفواحش والآثام ما ظهر منها وما بطن، وهدم العمران بالجهل وعدم النظام، وإنقاص الحقوق، واللهو، والعبث، والعدوان.
٤- صَدّ الناس عن الخير والاستقامة، ويروي ابن عباس: أن مدين كانوا يجلسون في كل طريق ليخبروا المارَّة بأن شعيبا كذاب، ويخوفونهم إن اتبعوه، وقد يراد بالصراط الذي اتخذوه وسيلة للصد عن الحق أي وسيلة تمكنهم من ذلك حسية أو معنوية، ولا مانع من إرادة المعنيين معا.
٥- محاولة تشويه الحق، وتحويل الدين إلى منهج معوجّ وفق ما يشتهون ويريدون، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ .
ولهذا بعث الله لهم أخاهم شعيبا يدعوهم إلى التوحيد وحسن المعاملة ومكارم الأخلاق، فكان ما كان منهم.
يشير القرآن الكريم إلى أن شعيبا ﵇ أُرسل لقبيلة مدين الذي هو منهم، يقول الله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ , فهو أخوهم، كما يشير إلى أنه أُرسل لقبيلة أخرى عرفت بأصحاب الأيكة, كانت تجاور "مدين" وتشبهها في العروبة، والضلال، والفساد، يقول الله تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ .
يذهب قتادة وغيره من المفسرين إلى أن أصحاب الأيكة ليسوا هم مدين، مستدلين بدليلين:
الأول: أن الله قال مع مدين: "أخوهم شعيب", ولم يذكر ذلك مع أصحاب الأيكة.
الثاني: أن الله أهلك مدين بالصيحة، وأهلك أصحاب الأيكة بالظلة، فهما قبيلتان مختلفتان.
стр. 177
وقد رأى بعض العلماء أنهما قبيلة واحدة, وأن الأيكة شجرة عبدها مدين، واتخذوها إلها من دون الله تعالى، وأن الله تعالى لم يذكر مع أصحاب الأيكة الأخوة؛ لأنه لا يناسب ذكر الأخوة مع ذكر إلههم "الأيكة".
والذي أراه -والله أعلم- أنهما قبيلتان عربيتان سكنتا شمال الجزيرة العربية, جاءهم شعيب ﵇ بدعوة الله؛ لأن التطور البشري بدأ يظهر في تجمع الناس على فكر واحد، وبخاصة من تجاور منهم، وقد سبق شعيب ﵇ بإرسال إسماعيل ﵇ إلى الجراهمة، والعماليق، وأهل اليمن، وهم قبائل متعددة.
دعا شعيب قومه مدين، وأصحاب الأيكة، ووضح لهم الطريق وحاورهم، وبين لهم، لكنهم استمروا على ضلالهم، فأهلكهم الله تعالى، ونجّى الله تعالى شعيبا والمؤمنين معه.
стр. 178
" النقطة الثالثة": "حركة شعيب ﵇ بالدعوة "
اختار الله شعيبا ﵇ للرسالة، وكلفه بدعوة قومه، فأخذ في تنفيذ أمر الله له، ونادى في قومه بما كلف به.
وبالنظر في حركة شعيب ﵇ وهو يدعو قومه, نراه يسلك منهجا حكيما في توجهه للناس.
فهو -أولا- يعرض قضيته الأساسية، ويدعو قومه إلى التوحيد وعبادة الله تعالى وحده, قائلا لهم ما حكاه الله عنه: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ١.
стр. 179
وقال لأصحاب الأيكة ما قاله لمدين، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ ١.
نراه ﵇ يقرن بدعوة التوحيد الدعوة إلى الإيمان باليوم الآخر، من باب ترغيب الناس فيما ينتظرهم، ويذكرهم بالحساب ليستقيم سلوكهم.
ثم أخذ -ثانيا- يقدم الأدلة المؤيدة للدعوة، الشاهدة على أحقية الله بالعبادة وحده، قال لهم ما حكاه الله تعالى:
﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ ٢.
﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٣.
يبين لهم ﵇ أن الله خلقهم، وخلق الأجيال السابقة جميعا، وقد بارك لهم في كل ما خلق، وزاده كثرة وبركة، وها هي آيات الله تبين لهم صدق دعوته لهم ﵇، وعليهم أن يتدبروا في عاقبة الأمم التي سبقتهم ليعتبروا، وحتى لا يحل بهم ما حل بالأمم السابقة.
ثم ينتقل ﵇ -ثالثا- إلى توجيههم نحو إصلاح معاملاتهم وأخلاقهم بعد فسادها وضلالها؛ ذلك لأن دين الله تعالى لا يفرق بين طهارة القلب، وطهارة السلوك، فلا بد لعباد الله المخلصين أن يطهروا قلوبهم بعقيدة التوحيد، وينظفوا جوارحهم وأخلاقهم بمنهج الله الواحد، وبذلك يستند الوجود كله إلى أصل ثابت هو الإيمان بالله تعالى، والصدق في عبادته، والتوجه إليه.
стр. 180
دعاهم ﵇ إلى إصلاح المعاملة والأخلاق, فقال لهم ما حكاه الله عنه:
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ، وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ، بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ ١.
وقد بين لهم ﵇ ما في سلوكهم من عدوان؛ لخلوّ معاملاتهم من العدل، ولإنقاصهم حقوق الناس، ولنشرهم الفساد في الأرض، وصدهم الناس عن الإيمان، وقطع الطريق على المارَّة، وأمرهم أن يغيروا هذا المسلك السيئ، ويوفوا الناس حقوقهم، كيلا, ووزنا، وعدا، ولا يعتدوا على حقوق الآخرين، ويتركوا الفساد في الأرض، وليس من حقهم ولا يليق بهم أن يجلسوا في الطرقات؛ ليقطعوا سبيل المارة ويبعدوهم عن الحق، واتباع شعيب ﵇ وقال لهم: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٢.
وقد نبههم ﵇ أنهم في غنى عن فعل هذه المظالم، وأنهم لا يحتاجون مالا يأخذونه ظلما من الناس بلا حق، فقال لهم: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ ٣، فهم أغنياء، وما أعطاهم الله يكفيهم وزيادة، وليس لهم حاجة
стр. 181
في أموال الناس؛ لأنهم لو آمنوا لسلكوا هذا المسلك الطيب من تلقاء أنفسهم، فما يعطيه الله كافٍ، وهو الخير كله.
لكن القوم لم يسمعوا ولم يؤمنوا، واستمروا في جهالتهم وضلالهم, وقاموا بالرد على شعيب ومواجهته بعدة صور:
فمرة يستميلونه بالمدح, قائلين له: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ ١، ظنا منهم أنه باحث عن مجد شخصي، وراغب في السلطان والتعظيم، لكنه ﵇ ليس من هذا الطراز، فهو رسول الله؛ ولذلك لم يتأثر بمديحهم.
وأخرى يتهمونه بالكذب في دعوى أنه رسول، وفي قوله: إن الله إله واحد، قائلين, ما حكاه الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ٢، فكذبوه في رسالته؛ لتصورهم أن الرسالة لا تكون لبشر؛ ولذلك عدوه واحدا من الكاذبين الذين يدعون الرسالة بين الحين والحين، فوضعوا أنفسهم في موطن الحكم على رسالة الرسول بلا بينة أو برهان، وذلك من ضلالهم، وعدوانهم.
ومرة يتهمونه بأنه مسحور، قائلين له: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ ٣، ولم يبينوا له من سحره؟ ولم يذكروا دلالة السحر في دعوته لهم, وهل المسحور يعرض قضية تتصل بالعقيدة والشريعة والأخلاق بهذه الصورة التي عرضها لهم؟
إن كل الدلائل تشير إلى كذب القوم, وضلالهم في هذه الدعوة.
ومرة يتصورونه جاهلا يمنعهم من حرية التصرف, فيقولون متهكمين كما قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ ٤، فهم بقولهم هذا يهزءون
стр. 182
بالصلاة وكأنها هي التي أضلت شعيبا، فجعلته ينادي بمخالفة الآباء، ويمنع حرية التصرف الاقتصادي، ويهزءون بشعيب؛ لأنه يأخذ دينه وصلاته من خياله لا من ربه، ويزعمون أن دعوته ليست نابعة عن اقتناع منه لتميزه بالرشد والحلم، والحليم الرشيد لا يقول مثل قوله ... وهذا من ضلال القوم وجهلهم؛ لأن من مقتضيات العقيدة الصحيحة اتباع المنهج الإلهي الصحيح في الشريعة، والأخلاق، أما الزعم بانفصال العقيدة عن أمور الحياة، ونظام الوجود، وألوان الأخلاق فهو باطل في دين الله تعالى.
وبعد كل هذه الاتهامات الضالة, انتقل القوم إلى التهديد، فلقد حكى الله عنهم ما قالوه له، قال الله تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ ٢.
فهو ﵇ في نظرهم ضعيف، أتباعه قليلون، ولولا عصبته وقرابته لرجموه، وها هم يعلنون له عزمهم على طرده من البلاد، وإبعاده عن إفساد العباد، هو ومن معه، إن لم ينته ويترك دعوته ويعد إلى ملتهم مكرها، لكنه ﵇ وضح لهم أنه لن يعود أبدا إلى ملتهم وضلالهم، بعد أن أنقذه الله تعالى، وآتاه رحمة من عنده، ورزقه رزقا طيبا، كما وضح لهم أنه يدعوهم إلى الحق الذي يؤمن به، ويثق فيه، ولا يصح لأصحاب الحق أن يخالفوا ما يدعون إليه؛ لأن مخالفة الحق كذب وافتراء على الله، لا يرتكبه الرسل والدعاة أبدا؛ ولذلك قال لهم ﵇
стр. 183
ما حكاه الله تعالى: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ ١.
يئس القوم من شعيب بعد تهديده؛ ولذلك لجئوا إلى قومه لإبعادهم عن شعيب، يقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ ٢.
قابلهم شعيب بأخلاق النبوة والدعوة، وبين لهم عدة أمور:
١- فهو ﵇ رسول الله إليهم، يدعوهم إلى الحق، وينصحهم بكل ما يحقق لهم الخير، بلا أجر يأخذه منهم، فليس له حاجة ليكذب عليهم، وعلى الله، قال لهم: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ ٤.
٢- وبين لهم أن الله عليم بأحوالهم وأقوالهم، وسيحاسبهم على انحرافهم هذا، قال لهم: ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ٥، ﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٦.
٣- ونصحهم حتى لا تكون عداوتهم له سببا في عدم الإيمان، وترك التفكير، وإهمال النظر، وعليهم أن يفكروا في الدعوة من كل نواحيها؛ في حقيقتها، وفائدتها, ومصير من يخالفها، معتبرين في ذلك بالأمم التي سبقتهم، قال تعالى
стр. 184
﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ ١، لكنهم لم يتأثروا بهذا التخويف، ولم يعتبروا بمصارع السابقين المعروفين لهم.
٤- عاتبهم في استخفافهم بحق خالقهم، وخوَّفهم من عبادة غير الله تعالى، قال لهم ما حكاه الله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ٢.
٥- أكد لهم ﵇ تمسكه بالعبودية الخالصة لله، والإقرار المطلق بحقه ؛ ولذلك فهو مستمر في دعوته, غير آبه بمعارضتهم، واثق بنصر الله وعونه، يسير بأمر الله ما دام في الحياة، قال لهم ما حكاه الله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ٣.
وأخيرا كانت المفاصلة الواضحة، حيث ظهر المؤمنون بإيمانهم، وتمسك المعارضون بكفرهم، وانقسم القوم إلى فريقين؛ قال فريق: الكفر لشعيب، ما حكاه الله تعالى: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ٤.
ورد عليهم شعيب ﵇ بقوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي
стр. 185
عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ ١، قال تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ ٢.
لقد أعلن لهم أنه نصحهم بصدق وأمانة، لكنهم قابلوا الدعوة بالجحود، والكفر.. وعليهم أن يترقبوا مصيرهم حين ينزل بهم العذاب، ولن يتألم أو يتأسف على هلاكهم؛ لأن ما سينزل بهم هو قضاء الله العادل في الكافرين.
وكانت النهاية مفجعة ...
نجى الله شعيبا والذين آمنوا معه، يقول تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ ٣.
أما الضالون المكذبون, فقد نزل بهم العذاب في صور عديدة فأهلكهم جميعا، يقول تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ ٥.
وقال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ٦.
стр. 186
إنه عذاب واحد، وإن اختلفت مسمياته، ذلك أنه أصابهم حر شديد، وانقطع عنهم الهواء سبعة أيام، فكان لا ينفعهم مع ذلك ماء، ولا ظل، ولا دخولهم في الأسراب، فهربوا من محلتهم إلى البرية، فأظلتهم سحابة، فاجتمعوا تحتها ليستفيدوا بظلها, فلما اجتمعوا جميعا تحتها، جاءتهم من السماء صيحة عالية، ارتجّت لها الأرض رجا عنيفا، فأزهقت الأرواح، وخربت الأشباح، وماتوا جميعا وهم جاثمون على ركبهم، وبذلك اجتمع في مماتهم جنود الله تعالى، التي سلطها عليهم, وهي: الظلة، والصيحة، والرجفة، وهكذا تعددت أسباب موتهم كما تعددت مفاسدهم وضلالاتهم, والله على كل شيء قدير.
стр. 187
النقطة الرابعة: ركائز الدعوة في قصة شعيب ﵇
الركيزة الأولى: المعرفة الشاملة بالمدعوين
...
"النقطة الرابعة": "ركائز الدعوة في قصة شعيب ﵇"
قصة شعيب مع دعوة الله غنية بالدروس، مليئة بالعبر والفوائد، وهي تمدنا بالركائز الدعوية التالية:
الركيزة الأولى: المعرفة الشاملة بالمدعوّين
من أساسيات دعوة شعيب ﵇ التوجه إلى قوم يعرف عنهم كل شيء؛ عقيدتهم، ومعاملاتهم، وأخلاقهم؛ ولذلك نراه يعايش هذه الحقائق حين الدعوة، حيث يحدد لهم جوانب الضلال والفساد بدقة، ويبين أوجه الخطأ فيه، ويدعوهم إلى الحق بالدليل والبرهان.
فلقد بين لهم ﵇ أن الله الذي يدعوهم لعبادته وحده، مستحق لذلك، فهو خالقهم، ورازقهم، وأمرهم كله بيده، وليس هناك ما يدعوهم إلى الظلم في البيع والشراء، والتعدي على الناس، وسلب الحقوق، وصد العامة عن الإيمان، ومحاولة تشويش الحق بخلطه بالباطل، وكل هذه حقائق يقر بها الناس؛ ولذلك لم يردوا
стр. 188
عليه فيها، وإنما تركوها، وأخذوا يجادلون في مسائل جانبية من حيث قلة أنصاره، وتهديده بالطرد، والسخرية به، شأن المفسدين في كل وقت.
إن المناقشة الموضوعية التي تقصد الحق تصل إليه بسهولة ... أما هؤلاء المفسدون فكانوا يسلكون مسلكا غوغائيا، لا يفيد في الحوار أبدا ... لكن شعيبا ﵇ كان لهم بالمرصاد, فكلما شوَّشوا رد عليهم, وأخذهم إلى دعوته وقضيته.
стр. 189
الركيزة الثانية: تكامل المنهج الإلهي
في دعوة لوط ﵇ وجدناه ينادي بالتوحيد، ويركز بعده على ضرورة ترك ما هم فيه من شذوذ, والتخلق بأخلاق الله.
ومع شعيب ﵇ رأيناه ينادي بالتوحيد ويركز بعد ذلك على فساد القوم في معاملاتهم وأخلاقهم. وفي هذا بيان في ضرورة إيمان الناس بالمنهج الإلهي بصورة متكاملة، بلا فصل بين العقيدة والشريعة والأخلاق، فلقد أنزل الله لكل أمر قدره، وعرف البشر بالعقيدة الصحيحة، والشريعة الربانية، والخلق الكريم، وأنزله وحيا على لسان رسله ... ومن هنا فلا مجال لمؤمن أن يأخذ جانبا ويترك غيره؛ لأن ترك الثاني إهمال للأول في الحقيقة، يقول سيد قطب: "لا تستقيم عقيدة التوحيد في القلب ثم تترك شريعة الله في المعاملة والخلق، ولا يمكن أن يجتمع التوحيد والشرك في شخص واحد"١.
وكيف يكون الإنسان موحدا في عقيدته, مشركا في عمله وسلوكه؟!!
من هنا نعرف سر توجهات لوط وشعيب ﵉ في الدعوة, وتركيزهما على إصلاح العقيدة والشريعة والأخلاق.
وفي ذلك درس لأولي الألباب ...
стр. 190
الركيزة الثالثة: منطلقات الدعوة
نلحظ في دعوة شعيب ﵇ دقة توجهه بالدعوة إلى الناس، فلقد اتبع منهجا مؤثرا, له قيمته في تحقيق الألفة، وكسب المودة.
من ذلك أنه أخذ يناديهم بلفظ محبب معبر، قائلا لهم: ﴿يَا قَوْمِ﴾ ، ومن المعلوم أن الرائد لا يكذب أهله، وابن العشيرة يحميها، ويدافع عن مصالحها؛ ولذا فإظهار روح القومية عامل يقرب القلوب، ويحقق المودة، ويؤدي إلى الاستماع والفهم، ويجعل الحوار مثمرا مفيدا.
ومن أمثال هذه الكلمات المفيدة في الخطاب: ﴿يَا أَبَتِ﴾ ، ﴿يَا ابْنَ أُمَّ﴾ , ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ ... ﴿يَا بُنَيَّ﴾ ؛ ولذلك كان من دقة شعيب أن ناداهم حين دعوتهم بهذا النداء المفيد.
ومن ذلك التعامل بحسن الخلق، ولين الجانب، فهو برغم أن دعوته موجهة إلى بطلان عقيدتهم ومعاملاتهم، كان يبين لهم أنه ناصح أمين، يحب الخير لهم، ويدعوهم لما فيه الفوز والفلاح، وحينما كانوا يشتدون في الرد على دعوته قائلين، ما حكاه الله تعالى عنهم: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ، وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ، كان يلاطفهم في الخطاب، ويقول لهم ما حكاه الله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ١.
стр. 191
ويقول لهم في لين ورفق، ما حكاه الله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ ١.
ومن ذلك التعامل مع الناس بواقعية، فهو من الناس ولهم أخطاؤهم؛ ولذلك ترفق معهم في الخطاب، ودعاهم إلى التوبة ليغفر لهم, وحصر دعوته في الباطل الذي يعيشون فيه، وهو الشرك، وسوء المعاملة، وإفساد الناس.
ومن حكمته أنه ﵇ كان يعبر عن طلبه بصورة مباشرة، وموجزة، وواضحة؛ ولذلك نرى تصوير القرآن الكريم لدعوة شعيب يأتي في كلمات موجزة.
وقد بين ﵇ لهم الآثار المترتبة على موقفهم من الدعوة, حيث رغبهم في الطاعة، وخوفهم من المعصية بصورة مفصلة مركزة، ولكنهم استمروا على ضلالهم، ولم يتأثروا بما قيل لهم، وقالوا له: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ٢....
فأنزل الله بهم وعيده وأهلكهم جميعا.
стр. 192
٩- إسماعيل ﵇:
بلغ إبراهيم ﵇ من العمر ستا وثمانين سنة، ولم يرزق بولد، فدعا ربه:
﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ١.
فاستجاب الله دعاءه وبشره بالولد عقب دعائه، يقول تعالى:
﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ ٢ ...
وحتى يتحقق قدر الله، وتوجد هذه البشارة في أرض الواقع، وهبت سارة لإبراهيم أمتها "هاجر" المصرية فتزوجها، وحملت بـ "إسماعيل" وولدته في أرض الشام، بجوار بيت المقدس حيث مقام أبيه، في قرية "حبرون" وهي مدينة "الخليل" الحالية.
لكن سارة رأت تعلق قلب إبراهيم بولده، فتألمت وغارت، وطلبت من إبراهيم أن يسكن هاجر وولدها بعيدا عنها، وأوحى الله لإبراهيم ﵇ أن يحقق لسارة طلبها، وعرفه بالمكان الذي يسكن فيه هاجر وولدها.
رحل إبراهيم ﵇ بهاجر وإسماعيل صوب الجنوب، حتى وصل إلى وادٍ جاف، لا زرع فيه ولا ضرع، ولا ماء ولا نماء، ولا ثمر ولا شجر، وأنزلهما فيه، وترك لهما قليلا من الزاد والماء، وقفل راجعا من حيث أتى، فتعلقت هاجر به وهي تناديه: يا إبراهيم, أين تذهب وتتركنا؟ من يحمينا؟ من يسقينا؟ من يطعمنا؟ تناديه وتكرر النداء ... ثم قالت له: آلله أمرك بهذا؟!
стр. 193
قال إبراهيم ﵇: نعم ...
فأجابته هاجر ﵂ وقالت: إذًا لا يضيعنا١.
ورفع إبراهيم يده إلى السماء, وهو يقول: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ ٢.
واستجاب الله دعاء إبراهيم ﵇ ونبعت زمزم، وجاءت أفواج من الجراهمة، وسكنوا المكان فتأسست مكة المكرمة.
تعلم إسماعيل العربية، وصار رجلا يافعا، واختبره الله تعالى بأن أمر أباه إبراهيم ﵇ بذبحه، فلما أخبره أبوه بذلك استسلم له، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ ٣.
وأسلم نفسه لأبيه لينفذ ما أمره الله به، وقال له: يا أبت اشدد وثاقي، وحدّ الشفرة, وتلني للجبين، حتى لا تقع عينك على عيني، فتأخذك الرحمة والشفقة دون تنفيذ أمر الله, وخذ ثيابي، وأقرأ على أمي مني السلام ... خضع إسماعيل ﵇ صابرا مخلصا، ففداه الله بذبح عظيم.
وقد تزوج إسماعيل ﵇ من الجراهمة زوجتين، طلق الأولى، وأمسك بالثانية؛ لأنه بعدما تزوج الأولى جاء إبراهيم ﵇ من الشام ليتفقد أحواله وأمه، فوجد أن هاجر ﵂ قد ماتت، وأن إسماعيل قد تزوج، فسأل عن بيته، حتى إذا جاءه لم يجد إلا زوجته، فسألها: أين إسماعيل؟ قالت: خرج يبتغي رزقا ...
стр. 194
فسألها: كيف عيشتكم؟ قالت: نحن بشر وسوء حال، فقال لها: إذا جاء إسماعيل فأقرئي ﵇، وقولي له: غير عتبة بابك، فلما رجع إسماعيل فكأنما شعر بشيء، فقال لها: هل زارنا أحد؟ قالت: نعم، وأخبرته بما جرى، فقال لها: ذاك أبي يأمرني بطلاقك، فطلّقها وألحقها بأهلها ... ثم تزوج بأخرى من الجراهمة أيضا، فجاء إبراهيم مرة أخرى فلما سألها عن عيشتها؟ قالت: نحن بخير وسعة، والحمد لله ... قال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم، قال: ما شرابكم؟ قالت: الماء، قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء ... ثم قال لها: إذا جاء زوجك فأقرئي ﵇، وقولي له: ثبت عتبة بيتك ... فلما رجع إسماعيل أخبرته زوجته بما جرى، فقال لها: ذاك أبي يأمرني بالإمساك بك١.
وأمسك إسماعيل ﵇ بزوجته الثانية، ورزق منها بالذرية، وبث الله منهما أمة العرب، ومن أمة العرب جاء محمد ﷺ .
فلئن كان إسحاق هو أبو الإسرائيليين، فإن إسماعيل هو أبو العرب.
وقد ساهم إسماعيل مع إبراهيم في بناء الكعبة على القواعد التي وضعتها الملائكة ... وبعد أن أتما بناءها دعوا الله ربهما، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢.
واستجاب الله الدعاء، فنشأت مكة قرية جديدة، سكنها أبناء إسماعيل الذين كونوا أمة جديدة هي أمة العرب، وجعل الله الكعبة البيت الحرام قبلة للعالم كله، تتعلق بها القلوب والعقول، ويقصدها الناس رجالا وركبانا من كل فج عميق.
стр. 195
كان إسماعيل ﵇ نبيا يدعو قومه الجراهمة، والعماليق، وأهل اليمن بدين الله تعالى، مخلصا لربه، حليما صابرا في خلقه، ملتزما بكل ما أوحى الله به إليه، صادقا في كل ما دعا به ﵁ وأرضاه, يقول الله تعالى عن إسماعيل ﵇: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا، وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ ١.
ويلاحظ هنا أن إسحاق ﵇ وُلد ونشأ في بلاد الشام، قريبا من بيت المقدس، وهي مسكونة بأهلها الكنعانيين، وتناسل منه يعقوب ﵇، ومن يعقوب جاء يوسف ﵇ وإخوته، وقد انتقلوا جميعا إلى مصر، وعاشوا بها إلى زمن موسى ﵇.
أما إسماعيل فقد نشأ في أرض صحراوية غير مملوكة لأحد، أحياها هو وبنوه بماء زمزم، وصاروا ملاكها، وأصحابها.
وكانت العظمة في أبناء إسماعيل أن اختار الله منهم خاتم الأنبياء، محمدا ﷺ رسولا إلى العالم كله، بدين الإسلام الناسخ لكل الأديان، الصالح بإذن الله إلى يوم القيامة، يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٢ ...
فإسماعيل ﵇ هو جد نبينا ﷺ . يروي مسلم بسنده عن وائلة بن الأسقع ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم" ٣.
стр. 196
وعاش إسماعيل عمره في مكة، ولما جاءته المنية دفن ﷺ بها١.
يذكر المؤرخون أن إسماعيل ﵇ دفن مع هاجر في حجر إسماعيل بمكة، لكن ذلك لم يثبت بحديث مرفوع، ولو كان كلام المؤرخين صحيحا لاشتهر الخبر لما له من صلة بالإسلام، فالمسلمون يحجون إلى مكة، ويتخذون حجر إسماعيل مصلى تستحب الصلاة فيه، وهذا لا يجوز إن كان قبرا، لإسماعيل ﵇.
стр. 197
إسحاق ﵇
مدخل
...
أنبياء بني إسرائيل ﵈:
انحصرت النبوة بعد إبراهيم ﵇ في ذريته، يقول تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ ١، ويقول سبحانه: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ٢، وانشطرت النبوة بولديه إسماعيل وإسحاق ﵉ إلى شطرين، وجاء الشطر الأول من إسماعيل حيث نشأ العرب، وخُتمت النبوات بمحمد ﷺ النبي العربي الأمي.
وجاء الشطر الثاني من إسحاق, إذ ولد له يعقوب المعروف بإسرائيل ومن ذرية إسرائيل "يعقوب" جاء أنبياء بني إسرائيل، وهم: يوسف، وأيوب، وذو الكفل, ويونس، وموسى، وهارون، وإلياس، واليسع، وداود، وسليمان، وزكريا، ويحيى، وعيسى، عليهم جميعا سلام الله وبركاته.
ومن أنبياء بني إسرائيل من أرسل لغير الإسرائيليين كـ "يونس" ﵇ الذي أرسل إلى أهل "نينوى" وهم ليسوا من أبناء يعقوب, إلا أن أغلب الأنبياء بعد يوسف ﵇ بعثوا إلى بني إسرائيل.
ويبدو أن أنبياء بني إسرائيل كان يكمل بعضهم بعضا, فليس أحدهم ناسخا لمن سبقه، وإنما كان يأتي بجديد يتمم رسالة الله لقومه، يحيي ما نسي، ويصحح ما حرف، ويشرع لما جد.
стр. 198
ولعل ما تميز به الإسرائيليون من حب للمادة، وميل للسيطرة والاستعلاء، ورغبة في الخلود والدوام كان ينسيهم تعاليم الله، ويدفعهم إلى الاختراع والتحريف، ويبعدهم عن الروحانيات السامية، والأخلاق الفاضلة.
ولذلك اقتضت حكمة الله تعالى بتتابع الرسل فيهم؛ لإيقاظهم، وإبراز الدعوة الإلهية بينهم بصفائها، وصدقها، وأخلاقها، يقول الرازي: وقد دام الخلق على دين أولاد إسحاق أكثر من أربعة آلاف سنة١.
إن القرآن الكريم لم يعرض مع أنبياء بني إسرائيل جوانب الدعوة جميعا، وإنما أبرز مع كل نبي جانبا معينا يفيد المجتمع والناس، حتى إذا عشنا مع سائر الأنبياء نرى صورة متكاملة للدعوة من ناحية الحركة بالدعوة، والركائز المفيدة فيها.
وقد درج المؤلفون في دعوات الله وهم يكتبون عن أنبياء بني إسرائيل الاكتفاء بأهمهم, كيوسف وموسى وعيسى ﵈ لتوسع الجوانب التي أوردها القرآن الكريم عنهم، ووضوح دعوتهم إلى قومهم.
ولكني أوثر هنا وأنا أكتب في تاريخ الدعوة أن أتناول بالكتابة كل أنبياء بني إسرائيل ما دام قد ذكرهم القرآن الكريم؛ أطيل الكتابة عن من ورد ذكرهم مطولا، وأختصر مع من ذكروا باختصار، وبذلك أتناول سائر جوانب الدعوة في بني إسرائيل وفي غيرهم، وأستنبط من سير أنبيائهم الدروس والعبر.
وإنه لمهم أن أعيش مع أصول الإسرائيليين، وأتعرف على طبائعهم، وأخلاقهم، وعاداتهم، وأديانهم عسى أن تتضح أمامنا طبائع اليهود المعاصرين، الذين يعيشون بيننا في مواجهة تحتم ضرورة التعامل معهم بوعي، وفهم، وحذر،
وإني لأرجو من الله التوفيق والسداد ...
стр. 199
١٠- إسحاق ﵇:
التعريف بإسحاق ﵇:
تزوج إبراهيم ﵇ من ابنة عمه سارة، واستقرا بجوار "بيت المقدس" بعد ترحال من بلدهما "كوثى" إلى "حوران" إلى مصر، وقد بلغ سن إبراهيم مائة وعشرين عاما، وبلغت سارة التسعين، ولم تنجب بعد لعقمها، وفجأة جاءت الملائكة لإبراهيم تبشره بولد تلده "سارة"، وعن هذه البشارة يقول الله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ ١ ...
كانت سارة تقوم بخدمة ضيوف زوجها، وتسمع حديثهم من وراء ستر، فضحكت تعجبا من هؤلاء الضيوف الذين لا يأكلون، ولا يمدون أيديهم للطعام، وقيل: ضحكت سرورا بالبشرى التي حملتها الملائكة لها؛ لأنها علمت أنها ستنجب "إسحاق", وستعيش حتى ترى ولده "يعقوب"، وقيل: ضحكت بمعنى حاضت.
ولقد اصطفى الله تعالى إسحاق، وكلفه بالرسالة، واختاره ليسير على خطا أبيه إبراهيم ﵇ يقول الله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ، وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ، وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ ٢.
стр. 200
فإسحاق ﵇ نبي، ومن الصالحين، هداه الله إلى الدين المستقيم، واختاره لنفسه، وجعله إماما للناس يدعوهم إلى الخير، ويهديهم بأمر الله إلى الدين الحق، ووفقه لإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والمحافظة على كافة جوانب العبادة الصحيحة، التي تسعده في الدنيا، وتذكره بالآخرة، وتجعله من الأخيار الذين اصطفاهم الله تعالى، يقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١.
ويقول سبحانه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ، وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ ٢.
يصف النبي ﷺ إسحاق ﵇ في الحديث الذي رواه عبد الله بن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق" ٣.
وقد رُزق إسحاق ﵇ بولدين هما يعقوب وعيصو، و"يعقوب" هو المعروف بـ "إسرائيل" ومنه تناسل الإسرائيليون جميعا، أنبياء وشعبا، إلا أنهم لم يستمروا في بلاد الشام، فلقد ألفوا حياة البادية والتنقل، إلى أن ولي يوسف ﵇ أمر الخزائن والمال في مصر، وجاء إخوته فعرفهم, وقال لهم: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٤، و ﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ٥.
стр. 201
وهكذا ترك الإسرائيليون الشام لأصحابها، ونزلوا بمصر متمتعين بسلطان يوسف ومكانته، واستمروا على ذلك حتى هربوا منها مع موسى ﵇.
إلا أن إسحاق ظل مقيما طوال حياته في أرض الشام بقرية "حبرون"١ التي هي من أرض كنعان، ولقي ﵇ ربه عن عمر يبلغ مائة وثمانين سنة٢، ودفن مع أبيه إبراهيم ﵇ في المغارة التي دفن بها من قبل.
стр. 202
١١- يعقوب ﵇:
يعقوب ﵇ هو بشرى الله لإبراهيم حين جاءته الملائكة، وبشرته بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب.
وقد اشتهر بمسمى "إسرائيل" ومعناها في العربية "عبد الله", وعن زواج يعقوب وأولاده يروي ابن كثير أن يعقوب ﵇ اختلف مع أخيه عيصو، فاشتكى إلى أمه وأبيه، فنصحاه أن يذهب إلى خاله بـ "حران" ويبقى عندهم مدة، ويتزوج إحدى بناته، فلما قدم على خاله بـ "حران"، وجد له ابنتين، فخطب الصغرى لجمالها، واشترط خاله أن يمهرها برعي الغنم سبع سنين، فلما أتمها أنكحه خاله الكبرى؛ لأن من عادتهم أن لا تتزوج الصغرى قبل الكبرى، وقال له: إن أردت الصغرى فاخدمني سبع سنوات أخرى لتتزوجها أيضا، وكان الجمع بين الأختين سائغا في ملتهم، فلما انتهت المدة الثانية تزوج الصغرى، ووهب خال يعقوب لكل من بنتيه جارية، فدخل يعقوب بالبنتين والجاريتين, ورزقه الله منهم اثني عشر ولدا١، منهم يوسف الذي عاش عمره في مصر، بعد أن ألقاه إخوته في الجب، وقد عاد يعقوب بزوجاته إلى ديار أبيه عند الكنعانيين.
وكلف الله يعقوب بالرسالة وبعثه إلى قومه، وكان يوصي أبناءه بدين الله تعالى، يقول سبحانه: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٢ ...
стр. 203
وقد تميز يعقوب ﵇ بالحلم، والصبر، والاعتماد المطلق على الله تعالى، فهو ﵇ قابل غياب يوسف وأخيه بقوله: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ ١.
وكان يوجه أبناءه برفق وناة، ويتعامل مع أخطائهم بمنهج النبوة، فهو يعلم ما بنفوسهم وطبائعهم؛ ولذلك نراه يقول ليوسف حينما أخبره برؤياه: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ٢.
ويقول لأبنائه حينما جاءوه بقميص يوسف ملوثا بالدم: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ ٣.
ولما غاب عنه ابنه الثاني, قال لإخوته: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٤.
ولما تجلت الحقائق, وجاءه أبناؤه قائلين له: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ ٥.
رد عليهم بقوله: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٦.
стр. 204
وكان آخر وصاياه لأولاده حين حضرته الوفاة أن يتمسكوا بعبادة الله تعالى، يقول سبحانه: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ١ ...
ولقي ربه راضيا مرضيا، ومات بأرض مصر عند ابنه يوسف، ثم نقل جسده بعد ذلك، ودفن مع إسحاق وإبراهيم ﵇.
وقد ذكروا أنه لما مات يعقوب ﵇ بكى عليه أهل مصر سبعين يوما، وأمر يوسف الأطباء فطيبوه، ثم ذهب به إلى أهله في فلسطين، ودفنوه في المغارة الكائنة بـ "حبرون" مع أبيه وجده, عليهم الصلاة والسلام٢.
стр. 205
يوسف ﵇
مدخل
...
١٢- يوسف ﵇:
يوسف ﵇ من رسل الله وأنبيائه إلى بني إسرائيل, وهو ابن يعقوب ﵇ تميز بكرم المحتد، وكرم الخلق، وكرم السلوك، روى البخاري بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ سئل: من أكرم الناس؟
قال: "أتقاهم لله".
قالوا: ليس عن هذا نسألك.
قال: "أكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله".
قالوا: ليس عن هذا نسألك.
قال: "فعن معادن العرب تسألونني. الناس معادن, خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" ١.
ويوسف كلمة عربية، يرجع أصلها إلى الحزن والأسف، وهو اسم يتناسب مع حياة يوسف ﵇ المليئة بالمحن والمشاق.
وقد جاءت قصته مفصلة في سورة واحدة سميت باسمه هي سورة "يوسف", ومن قراءتنا للسورة نلحظ أنها تنحو بالقصة منحى متفردا، فهي تتحدث عن يوسف، ومولده، ونشأته، وحياته، وأخلاقه، وموقفه من إخوته، وهكذا حتى تنتهي به عزيزا في مصر، وواليا على خزائنها، ومعه قومه إلى أن يموت.
стр. 206
إنها تشبه السيرة الذاتية المعاصرة، وهي تطبيق لمنهج القرآن في إيراد قصص أنبياء بني إسرائيل حيث يختص كل نبي بلون معين، وجانب خاص؛ لأنهم جميعا كانوا يدعون لدين الله الواحد، يكمل بعضهم بعضا، ويتممه.
والحديث عن يوسف, يحتاج إلى عدة نقاط:
стр. 207
النقطة الأولى: التعريف بالمجتمع التي عاش فيه يوسف ﵇
...
"النقطة الأولى": "التعريف بالمجتمع الذي عاش فيه يوسف ﵇"
لما تزوج يعقوب ﵇ ببنتي خاله وجاريتيهما، رزقه الله عددا من الأبناء، ومنهم كان يوسف من زوجته "راحيل" التي وافتها المنية بعد ولادة يوسف بمدة وجيزة ... وتطورت الأحداث مع يوسف، فألقاه إخوته في الجب، إلى أن أخرجته إحدى القوافل التجارية من الجب، وباعته لعزيز مصر، وقضى حياته في مصر إلى أن لقي ربه.
وكانت مصر في هذا الوقت تحت حكم "الرعاة"١, الذين عاصروا إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ﵈ وعلموا شيئا عن دينهم.
والرعاة هم الهكسوس، وكانت مدة حكمهم في مصر أكثر من قرن ونصف, ومن حديث القرآن عنهم خلال ذكره لقصة يوسف ﵇ نلمح بعض خصائص المجتمع المصري.
- فهو مجتمع غير موحِّد، لا يعرف الله على وجه الحقيقة؛ ولذلك لم يكن يوسف ﵇ على دينهم، وذلك مفهوم من قول يوسف ﵇ لأصحابه في السجن: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ، وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ ٢.
стр. 208
- وهو مجتمع يعرف شيئا عن دين الله الذي نقل إليهم من جيرانهم، وبخاصة أن الحكام لم يكونوا من الفراعنة، مدعي الألوهية؛ ولذلك تركوا الديانة المصرية القديمة، وبحثوا عن دين آخر، فأخذوا من جيرانهم بعض ما عندهم، وهو قدر لا يكفي في دين الله تعالى.
ندرك هذه اللمحات الدينية من قوله تعالى حكاية عن النسوة: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ ١ ... فهن يعرفن الله، ويعرفن الملائكة.
ومن حكاية قول العزيز لامرأته: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ ٢، فهو يعرف الاستغفار والتوبة.
ومن حكاية قول امرأة العزيز: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ ٣، فهي تعرف أن الهادي هو الله، وأن كيد الخائن إلى بوار، بأمر الله تعالى.
وقد ساعدت هذه اللمحات يوسف ﵇ في نشر دعوة الله، حينما ولي الأمر في مصر بعد ذلك، ومكن لقومه بني إسرائيل.
- تميز المجتمع المصري بنظام سياسي متقدم، ففي الوقت الذي عاش جيرانهم في بداوة نجدهم يعرفون نظام الملك، وولاية العهد، والوزارات، والدواوين العديدة، وقد تولى يوسف ﵇ بعد خروجه من السجن ولاية الأموال والأقوات يوزِّعها على المصريين، وعلى أهل البقاع المجاورة، وقد رأينا إخوة يوسف يأتون إلى مصر من أرض كنعان للحصول على القوت.
стр. 209
- تميز المجتمع المصري بالسبق العلمي, وبخاصة في مجال العلم بتعبير الرؤى، ولأمر أراده الله تعالى نجد في سورة يوسف عددا من الرؤى وتعبيراتها؛ نجد رؤيا يوسف، ورؤيا أصحابه في السجن، ورؤيا الملك، وقد تحققت دلالاتها، واستفيد عمليا بما دلت عليه.
ومن دلالة السبق العلمي ما يُستفاد من الآيات الآتية التي اشتملت عليها سورة يوسف: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ ١، ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ ٢. ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي﴾ ٣، ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ٤، ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ ٥, ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ ٦.
- تميز المجتمع المصري بمدنية راقية, حيث كان للنسوة اجتماعاتهن، وآراؤهن ... وكان لهن سلوك مدني متقدم في الطعام والشراب، كما هو مفهوم من لقاء النسوة بامرأة العزيز، وإعداد المائدة العامرة، وتقديم السكاكين ليأكلن بها، وعاش يوسف في هذا العصر، واستفاد بإيجابياته، ونجاه الله تعالى من سلبياته ... فتربى في بيت الملك، وتعلم، وعرف، فلما بدأت سلبيات الترف تظهر أمامه، قضى الله عليه بدخول السجن، فبقي فيه يدعو الناس لعبادة الله وحده، ولم يخرج من السجن إلا بعد إعلان براءته.
стр. 210
ويبدو أن الملك لما أدخل يوسف السجن كان يتابع أخباره إعجابا به وبأخلاقه، وبالضرورة سمع عن دعوته حيث أعجب بها، بلا إعلان حتى لا يغضب كهنة الأصنام، وعبدة الأوثان وغيرهم؛ ولذلك كان شديد الترحيب بيوسف حين جاءه من السجن وقال له: ﴿قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ .
وهكذا مكن الله ليوسف، فتولى أمر خزائن الأرض، وصار حاكما في مصر، ولعل هذا الوضع ساعده على نشر دعوة التوحيد بين الناس.
ولما جاء بنو إسرائيل إلى مصر تعاونوا مع الهكسوس، ولم يندمجوا في المجتمع المصري، وكانوا للرعاة عونا على المصريين؛ ولذلك لما استردّ الفراعنة زمام الأمور مرة أخرى في الأسرة الثامنة عشرة أخذوا في مقاومة الإسرائيليين، وديانتهم، وتمكنوا من طردهم من مصر في زمن موسى ﵇-١, ذلكم هو المجتمع الذي عاش فيه يوسف ﵇ حتى لقي ربه.
стр. 211
النقطة الثانية: التعريف بيوسف ﵇
مدخل
...
"النقطة الثانية": "التعريف بيوسف ﵇"
وهب الله يعقوب ﵇ اثني عشر ولدا، أحدهم يوسف ﵇ وقد تزوج يعقوب ﵇ عددا من النسوة، ورُزق من راحيل بولدين، فليوسف أخ شقيق، والباقون إخوة لأب، وأخو يوسف الشقيق هو "بنيامين"، وترتيب يوسف بينهم الثاني عشر، وقد تميز منذ صغره بسعة العقل، وسلامة الخلق، وكان محل حب أبيه لنجابته، وصغره، ويتمه بموت أمه، وزاد من حب أبيه له الرؤيا التي رآها،
стр. 212
وقصها له، وعنها يقول الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ ١ ...
وقد فهم يعقوب ﵇ من هذه الرؤيا البشارة بنبوة يوسف ﵇ وعلم أن أمر الرسالة سينتقل من بعده له، فنصحه بعدم إخبار إخوته بهذه الرؤيا منعا للكيد، ومحافظة على المودة والألفة.
وإخوة يوسف الأحد عشر هم الأسباط، وعنهم عبرت الرؤيا بالكواكب، أما القمر فهو أبوه، وأما الشمس فهي أمه، أو خالته.
وقد راعت أقدار الله يوسف ﵇ وأحاطته العناية الإلهية، فنشأ متمتعا بجمال فائق، عبر عنه النسوة بقولهن: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ ٢, وصار يضرب به المثل في الجمال.
يذكر السهيلي أنه كان على النصف من حسن آدم؛ لأن آدم بلغ نهاية الحسن٣ ...
وجاء في بعض الروايات أن أهل مصر أصابهم الجفاف في عصر يوسف، فكانوا ينسون جوعهم بالنظر إلى يوسف تلذذا بجماله وحسنه٤، يقول النبي ﷺ : "رأيت يوسف ليلة أسري بي في السماء الرابعة" فقيل: كيف رأيته؟ قال: "كالقمر ليلة البدر" ٥.
وتميز يوسف ﵇ بالرشد والفهم، يقول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ٦.
واشتهر بصدق المعاملة، والإخلاص في عبادة الله، والاعتراف بالمعروف يسدى إليه، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ ٧.
стр. 213
﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ١.
وعرف بالعدل، والإنصاف، والصبر، والتحمل، وعفة اللسان، ونبل الأخلاق، فكان هو هو بخلقه وشخصيته في كل أحواله، رغم تقلبها الواضح، وتنوع انقلابها وتحولها، فتارة هو في الجب، وأخرى في بيت العزيز ... ومرة في السجن، وأخرى واليا لخزائن أرض مصر.
وقد عاش ﵇ حتى تحققت رؤياه، ومات بأرض مصر ودفن بها، ثم نقل جثمانه إلى فلسطين في زمن موسى ﵇، يدل على ذلك ما رواه أحمد في مسنده عن أبي موسى الأشعري أن بعض الصحابة سألوا رسول الله ﷺ عن عجوز بني إسرائيل.
فقال ﵇: "إن موسى ﵇ حين أراد أن يسير ببني إسرائيل ضل عنه الطريق، فقال لبني إسرائيل: ما هذا؟ قال له علماؤهم: إن يوسف ﵇ حين حضره الموت أخذ علينا موثقا من الله أن لا نخرج من أرض مصر حتى ننقل عظامه معنا، فقال موسى: أيكم يدري أين قبر يوسف؟ قالوا: ما علم أحد قبره إلا عجوز بني إسرائيل, فأرسلوا إليها، وأتوا بها, وسألوها عن قبر يوسف ... فانطلقت بهم إلى بحيرة فيها ماء، فأمرتهم أن يجففوا ماءها، فلما جففوها حفروا بها واستخرجوا منها عظام يوسف، فلما أقلوه معهم من أرض مصر، إذا الطريق مثل ضوء النهار" ٢.
وتحتاج الإحاطة التفصيلية بنشأة يوسف ﵇ ومعرفة أطوار حياته إلى دراسة موضوعات رئيسية في قصته، وأهمها:
стр. 214
١- يوسف وإخوته.
٢- يوسف في بيت العزيز.
٣- يوسف في السجن.
٤- يوسف والحكم.
٥- يوسف وبنو إسرائيل.
وسأتناولها فيما يلي ...
стр. 215
أولًا: يوسف وإخوته
رأى إخوة يوسف اهتمام يعقوب ﵇ به أكثر منهم، وتمكن الشيطان من نفوسهم، فملأها بالحسد والحقد، وأنساهم حق الأبوة، وحق الأخوة، وقدر الله عليهم أن يكونوا كذلك، فكبر في نفوسهم أن يميل قلب أبيهم ليوسف الصغير أكثر من ميله لهم، وهم كبار ورجال، يمثلون عصبة قوية.
كبرت هذه الأحاسيس في نفوسهم، وسيطرت على حياتهم، فقال بعضهم لبعض: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ١.
قالوا ذلك وأنساهم الشيطان أن الحب القلبي عطاء إلهي لا يملكه الإنسان، وأما العدل العقلي والمادي الذي يملكه الإنسان فلا تقصير فيه من أبيهم٢، ومع ذلك رأوا أن أباهم على خطأ واضح، وفكروا في تصحيح هذا الخطأ ...
قال قائل منهم: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ ...