النقطة الثانية: التعريف بيوسف ﵇
مدخل
...
"النقطة الثانية": "التعريف بيوسف ﵇"
وهب الله يعقوب ﵇ اثني عشر ولدا، أحدهم يوسف ﵇ وقد تزوج يعقوب ﵇ عددا من النسوة، ورُزق من راحيل بولدين، فليوسف أخ شقيق، والباقون إخوة لأب، وأخو يوسف الشقيق هو "بنيامين"، وترتيب يوسف بينهم الثاني عشر، وقد تميز منذ صغره بسعة العقل، وسلامة الخلق، وكان محل حب أبيه لنجابته، وصغره، ويتمه بموت أمه، وزاد من حب أبيه له الرؤيا التي رآها،
стр. 212
وقصها له، وعنها يقول الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ ١ ...
وقد فهم يعقوب ﵇ من هذه الرؤيا البشارة بنبوة يوسف ﵇ وعلم أن أمر الرسالة سينتقل من بعده له، فنصحه بعدم إخبار إخوته بهذه الرؤيا منعا للكيد، ومحافظة على المودة والألفة.
وإخوة يوسف الأحد عشر هم الأسباط، وعنهم عبرت الرؤيا بالكواكب، أما القمر فهو أبوه، وأما الشمس فهي أمه، أو خالته.
وقد راعت أقدار الله يوسف ﵇ وأحاطته العناية الإلهية، فنشأ متمتعا بجمال فائق، عبر عنه النسوة بقولهن: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ ٢, وصار يضرب به المثل في الجمال.
يذكر السهيلي أنه كان على النصف من حسن آدم؛ لأن آدم بلغ نهاية الحسن٣ ...
وجاء في بعض الروايات أن أهل مصر أصابهم الجفاف في عصر يوسف، فكانوا ينسون جوعهم بالنظر إلى يوسف تلذذا بجماله وحسنه٤، يقول النبي ﷺ : "رأيت يوسف ليلة أسري بي في السماء الرابعة" فقيل: كيف رأيته؟ قال: "كالقمر ليلة البدر" ٥.
وتميز يوسف ﵇ بالرشد والفهم، يقول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ٦.
واشتهر بصدق المعاملة، والإخلاص في عبادة الله، والاعتراف بالمعروف يسدى إليه، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ ٧.
стр. 213
﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ١.
وعرف بالعدل، والإنصاف، والصبر، والتحمل، وعفة اللسان، ونبل الأخلاق، فكان هو هو بخلقه وشخصيته في كل أحواله، رغم تقلبها الواضح، وتنوع انقلابها وتحولها، فتارة هو في الجب، وأخرى في بيت العزيز ... ومرة في السجن، وأخرى واليا لخزائن أرض مصر.
وقد عاش ﵇ حتى تحققت رؤياه، ومات بأرض مصر ودفن بها، ثم نقل جثمانه إلى فلسطين في زمن موسى ﵇، يدل على ذلك ما رواه أحمد في مسنده عن أبي موسى الأشعري أن بعض الصحابة سألوا رسول الله ﷺ عن عجوز بني إسرائيل.
فقال ﵇: "إن موسى ﵇ حين أراد أن يسير ببني إسرائيل ضل عنه الطريق، فقال لبني إسرائيل: ما هذا؟ قال له علماؤهم: إن يوسف ﵇ حين حضره الموت أخذ علينا موثقا من الله أن لا نخرج من أرض مصر حتى ننقل عظامه معنا، فقال موسى: أيكم يدري أين قبر يوسف؟ قالوا: ما علم أحد قبره إلا عجوز بني إسرائيل, فأرسلوا إليها، وأتوا بها, وسألوها عن قبر يوسف ... فانطلقت بهم إلى بحيرة فيها ماء، فأمرتهم أن يجففوا ماءها، فلما جففوها حفروا بها واستخرجوا منها عظام يوسف، فلما أقلوه معهم من أرض مصر، إذا الطريق مثل ضوء النهار" ٢.
وتحتاج الإحاطة التفصيلية بنشأة يوسف ﵇ ومعرفة أطوار حياته إلى دراسة موضوعات رئيسية في قصته، وأهمها:
стр. 214
١- يوسف وإخوته.
٢- يوسف في بيت العزيز.
٣- يوسف في السجن.
٤- يوسف والحكم.
٥- يوسف وبنو إسرائيل.
وسأتناولها فيما يلي ...
стр. 215
أولًا: يوسف وإخوته
رأى إخوة يوسف اهتمام يعقوب ﵇ به أكثر منهم، وتمكن الشيطان من نفوسهم، فملأها بالحسد والحقد، وأنساهم حق الأبوة، وحق الأخوة، وقدر الله عليهم أن يكونوا كذلك، فكبر في نفوسهم أن يميل قلب أبيهم ليوسف الصغير أكثر من ميله لهم، وهم كبار ورجال، يمثلون عصبة قوية.
كبرت هذه الأحاسيس في نفوسهم، وسيطرت على حياتهم، فقال بعضهم لبعض: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ١.
قالوا ذلك وأنساهم الشيطان أن الحب القلبي عطاء إلهي لا يملكه الإنسان، وأما العدل العقلي والمادي الذي يملكه الإنسان فلا تقصير فيه من أبيهم٢، ومع ذلك رأوا أن أباهم على خطأ واضح، وفكروا في تصحيح هذا الخطأ ...
قال قائل منهم: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ ...
стр. 216
لكن اقتراح القتل لم يكن مسلما لديهم؛ لأنه جريمة قتل يباشرونها بأنفسهم, وإخفاؤها والخلاص منها أمر صعب، وفعلها لا يليق بهم.
ولذلك كان الاقتراح التالي وهو ﴿اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ ومعناه: أن يرموه في صحراء قاحلة؛ ليموت بعيدا عنهم إما بالجوع، أو بالعطش, أو بافتراس الوحوش الضارية ...
والاقتراح الثاني لا يقل وحشية عن الاقتراح الأول, فكلاهما إزهاق للروح، وسفك للدم.
ومن ألاعيب الشيطان بهم، أن زين لهم تآمرهم، فعللوه برغبتهم في إبعاد أبيهم عن ضلاله، وبأنهم سوف يتوبون، ويكونون من عباد الله الصالحين، وسهل لهم الشيطان الجرم بتقديم العزم على التوبة قبل ارتكاب الإثم؛ لئلا يتراجعوا.
يصور الله تعالى هذا التآمر بقوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ ١.
لكن واحدا منهم توسط في الرأي، واقترح رأيا به يبعد يوسف عن أبيهم، وفي نفس الوقت يعيش في أرض بعيدة مجهولة، قال تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ ٢، رضوا هذا الرأي واتفقوا عليه، وبدءوا في التنفيذ ...
ذهبوا لأبيهم وطلبوا منه أن يرسل يوسف معهم للرعي والعمل، فلم يوافق على طلبهم لصغر سنه، فذكروا له أنه لن يعمل، وأنهم سيتركونه يلعب، ويجري، ويتنزه، ويستأنس بأمثاله من الصغار.
فبين لهم أنه لا يصبر على فراق ولده الصغير، وبعده عنه يحزنه، وأيضا فهو يخاف عليه من الذئب لصغره، والبرية ملأى بالذئاب.
стр. 217
تعهد الأبناء لأبيهم بالمحافظة عليه، وأكدوا أمامه أنهم يحبون له ما يحبونه لأنفسهم، وهم جماعة لا يقدر الذئب عليهم، ولا خير فيهم إن غلبهم الذئب وأكله.
فوافق يعقوب ﵇ على إرساله معهم، يصور القرآن الكريم الحوار بين يعقوب وبنيه، فيقول سبحانه: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ، أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ، قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ، قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ ١.
وأخذوا يوسف معهم، وذهبوا به إلى بئر يرتاده السيارة من التجار للتزود بالماء، وعزم جمعهم على تنفيذ ما اتفقوا عليه، فألقوه في الجب، ونزل جبريل فحمله، ووضعه في جانب من البئر بحيث لا يصل إليه الماء، وبشره بالفرج، وعلو الشأن، وأنه سينجو، وأن الله سيجمعه بأبيه وإخوته بعدما يمكن له في الأرض، يقول تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ٢.
وجاءوا لأبيه بقميصه الذي خلعوه منه، وعليه بعض الدم، وقالوا له: إنا شغلنا بالرمي والسبق عن يوسف، فأكله الذئب، وحاولوا إخفاء جرمهم بأن جاءوا متأخرين ليلا على غير عادتهم، وبالبكاء الحار لفراقه، وبقميصه الملوث بالدم، يقول تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ، قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ، وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ ٣.
стр. 218
لكن يعقوب ﵇ لم يصدقهم في مقالتهم له؛ لأنه رأى من القرائن والأحوال ما يؤكد كذبهم, ومنها:
- رؤيا يوسف ﵇ تؤكد أنه لن يموت هكذا.
- أخذوا يوسف ليلعب، وإذا بهم يعتذرون بلعبهم دونه.
- زعموا أن الذئب أكله، والذئب لا يأكل ضحيته كلها، بل يكتفي بقطعة منها.
- لو تصورنا أن الذئب أكله، فهل يأكله كله في مرة واحدة؟
- جاءوا بالقميص سليما وعليه دم، وهذا لا يتصور؛ لأن الذئب يمزق القميص وهو يقتل ضحيته.
- في حديثهم إشارة إلى الكذب, قالوا: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ ١.
- رأى ﵇ في تأخرهم، وبكائهم الخداع، والتحايل، وعدم الصدق.
أسلم يعقوب ﵇ أمره لله صابرا، وقال لهم: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ ٢.
وجاءت قوافل التجار، وأناخت بإبلها بجانب البئر، وأرسلوا ساقيهم لينزع لهم الماء، فلما أدلى الوارد دلوه تعلق يوسف بالحبل، وشده الوارد، فلما رآه استبشر، وقال: هذا غلام، وعرف التجار بالأمر، فكتموا خبر العثور عليه، وجعلوه بعضا من بضاعتهم التي أحضروها من بلاد الشام إلى مصر، وباعوه بثمن رخيص؛ لأنهم لم يتكلفوا فيه ثمنا، ولم يهتموا بشأنه مخافة ظهور قومه، واسترجاعه منهم.
واشتراه عزيز مصر ورباه ... وكان ما كان حتى تولى ﵇ أمر الخزائن لتميزه بالحفظ، والعقل، وسعة النظر.
стр. 219
وتمر الأيام، ويعم القحط أرض كنعان، ويأتي إخوة يوسف ليمتاروا لقومهم من خزائن يوسف: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ١.
عرفهم لأنه فارقهم رجالا، وأنكروه لأنهم فارقوه صبيا، وهو الآن عليه أبهة الملك، ورونق الرئاسة، وعنده الخدم والحشم، وأما هم فحالهم لن يتغير.
أعطاهم ما طلبوا، وأمدهم بالطعام والعدة التي يحتاجون إليها في سفرهم، فلما حدثوه بالعبرية، قال لهم: من أنتم؟ وما شأنكم؟ قالوا له: نحن أبناء يعقوب نبي الله، وقد رزقه الله اثني عشر رجلا، هلك واحد منا في البرية وبقي أحد عشر ... قال لهم: أنتم عشرة, فأين الحادي عشر؟ قالوا: هو شقيق من هلك لأبيه وأمه، وهو أخ لنا من أبينا، وتركناه مع أبيه ليتسلى به لأنه أحبنا إليه ... هنا قال لهم يوسف ﵇: ائتوني بأخيكم هذا لأعطيكم ما تطلبون بعد ذلك، فإن لم تأتوني به، فلن أعطيكم شيئا، ولن أسمح لكم بدخول البلاد، فوعده بأنهم سيطلبون ذلك من أبيهم، ويؤكدون له الحاجة الماسة لإحضار أخيهم معهم٢.
وأمر يوسف فتيانه بأن يضعوا أثمان الحبوب التي دفعها إخوته في رحالهم، وكانت هذه الأثمان منتجات صناعية كالنعال والثياب وغيرها.
ولما عادوا لأبيهم، وفتحوا متاعهم، وجدوا مع الطعام بضاعتهم التي اشتروا بها، وقد ردت إليهم، دليلا على كرم عزيز مصر، واهتمامه بهم، فعرضوا الأمر على أبيهم، وطلبوا منه أن يرسل أخاهم معهم ليمتاروا, وبخاصة أنهم يتعاملون مع ملك كريم، يعطيهم مجانا، يطعمون قومهم, ويدخرون بضاعتهم، ويزدادون كيل بعير لأخيهم، ويحافظون عليه، وذلك في مدة قصيرة يسيرة٣, قال لهم أبوهم
стр. 220
﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ ١.
أعطوا العهد لأبيهم، فقال لهم حين هموا بالسفر إلى مصر بأخيهم: ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ٢.
وقد أمرهم بذلك حتى لا تصيبهم العين، فنفذوا طلب أبيهم، ودخلوا من عدد من الأبواب، ووصلوا إلى الملك فقرب أخاهم إليه، وعرفه بأنه أخوه يوسف، وعليه أن يصبر ولا يحزن.
وجهزهم بجهازهم، ووضع الصواع في رحل أخيهم سرا، ولما هموا بالرحيل نادى منادي الملك، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ، قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ، قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ٣.
أنكر إخوة يوسف اتهامهم بالسرقة، وردوها عنهم, وقالوا: ﴿مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ ٤.
فرد جنود الملك: ما جزاء السارق إذا ثبتت عليه سرقة الصواع؟
стр. 221
فرد إخوة يوسف ﵇ جزاؤه في شريعتنا أن يسترق سنة، وهلموا بالبحث، فمن وجد في رحله الصواع فالرق جزاؤه.
واستمر يوسف في تحقيق غرضه بحيلته تلك، قال تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ ١.
ومكن الله ليوسف بهذه الحيلة، حيث أجرى عقوبة شريعة يعقوب بإبقاء أخيه سنة كاملة؛ لأن شريعة ملك مصر كانت تقضي بالضرب والغرامة فقط ... وهنا قال إخوة يوسف له: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ ٢, وأرادوا بأخيه يوسف٣، فأسرها يوسف في نفسه ولم يظهر لهم تألمه من مقالتهم.
وحاول إخوة يوسف أن يخففوا عن أبيهم، فاقترحوا على الملك أن يطلق سراح أخيهم، ويأخذ أحدهم مكانه مراعاة لظروف أبيهم الشيخ الكبير، فرفض يوسف لأن ذلك يخالف الشرع والعدل.
وأصر يوسف على الرفض، فأمرهم كبيرهم بأن يرجعوا لأبيهم، ويقصّوا عليه ما حدث، على أن يبقى هو في أرض مصر، حتى يأذن له أبوه بالعودة، أو يقضي الله له٤.
стр. 222
وجاءوا إلى أبيهم يؤكدون له حادثة السرقة، وهم شهود عليها، ومعهم في الشهادة رجال القوافل، وأهل القرية، والكل يؤكد صدق ما قلناه لك.
ومع صدق أبناء يعقوب ﵇ في حديثهم مع أبيهم هذه المرة، فإنه ﵇ يرد عليهم قائلا لهم: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ١.
إنه ما زال يأمل في عودة الغائبين إليه جميعا، وهم: يوسف وأخوه وكبيرهم الذي بقي في مصر.
وأعرض عنهم أبوهم، وتولى بعيدا، أسفا على يوسف، وانقلب سواد عينه بياضا من شدة البكاء، وتنوع الغيظ الذي يكتمه.
فتعجب أبناؤه من ذكره يوسف بعدما طالت الأيام به، وكبر سنه، وأشرف على الموت والهلاك، وواجهوه بهذه المشاعر، قائلين له: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِين﴾ ٢.
رد عليهم يعقوب بأنه يشكو أمره لله، وأمله ورجاؤه كله فيه، وعليهم أن يرجعوا ويبحثوا عن يوسف وأخيه بلا يأس أو قنوط، فرحمة الله واسعة، لا ييئس منها إلا الكافرون، قال تعالى: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٣.
стр. 223
فلما جاءوا يوسف، دخلوا عليه، وقالوا له: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِين﴾ ١.
فرد عليهم يوسف, ﵇: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ ٢.
هنا ظهرت لهم الحقيقة، وانكشف المخبوء، وتعجبوا قائلين له: ﴿قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٣.
وهنا عادوا إلى أنفسهم، وتذكروا هذا الماضي البعيد، واعترفوا له بخطئهم، وطلبوا منه العفو والصفح، وقالوا له ما حكاه الله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ ٤.
فعفا عنهم، وأحسن إليهم، قال تعالى: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ٥.
وهكذا ...
تعارف الإخوة على يوسف وأخيه، وعادوا لأبيهم يحملون له البشرى، ويعرفونه بكل ما حصل معهم.
стр. 224
ثانيًا: يوسف في بيت عزيز مصر
حينما أخذ التجار يوسف صغيرا من الجب، ذهبوا به إلى مصر، وباعوه بثمن زهيد.
شاءت إرادة الله تعالى أن يكون الذي اشتراه هو وزير مصر الأول؛ ليتحقق له ما قضى به .
وكان يلقب وقتذاك بـ "العزيز"، ولم يكن للعزيز ولد، فأخذ يوسف لزوجته وقال لها: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ ١.
فبدل الله يوسف بالجب قصر الملك؛ ليتمتع فيه بكرم المنزلة، وطيب الطعام، وحسن الملبس، والاطلاع على أمور الناس، وأحوال المعاش، وليتعلم ما يعرفه أمثاله من أبناء الملوك والأمراء.
وكانت أمنية العزيز من تبني يوسف أن يساعده في مهامه، أو يتخذه وزوجته ولدا يئول إليه الأمر من بعده.
ورحبت امرأة العزيز بهذا الصغير، واهتمت بتربيته، واعتنت بتعليمه، وسرعان ما أحبه كل من عاشره من خدم وحشم القصر، لما كان يتمتع به من جمال باهر، وأدب رفيع، وطاعة سريعة.
وقد تأثرت زوجة العزيز بيوسف، وتعلق قلبها به، وشغفت بالحياة معه، فكانت تتزين أمامه، وتظهر مفاتنها ومحاسنها لتميله إليها، لكنه لم يلتفت إلى شيء من هذا، واستمر مستمسكا بالعفة والطهارة، والخلق الكريم.
انتقلت زوجة العزيز من التعريض للتصريح، وأعدت العدة لتنال من يوسف ما تشتهي، وتبغي، قال تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ ٢.
стр. 225
نعم ... هو في بيتها، شاب أعزب، يعيش تحت سيف العبودية، يجد نفسه أمام أميرة شابة، جميلة، تتهيأ له، وتعد المكان، وتطلب منه أن يستجيب لطلبها وقد تهيأت له واستعدت، وتكرر الطلب منها مرات متعددة.
لم يتأثر يوسف بهذه المغريات، وإنما تذكر ربه فاستعاذ به من أي سوء، وتذكر العزيز الذي أكرم مثواه، فقال لها على الفور: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ١.
أي: أعوذ بالله معاذا مما دعوتني إليه، وزوجك هو سيدي، وربي، الذي أكرمني ورباني، فكيف أخونه في أهله، وأجيبك إلى ما تريدين، وفي الاستجابة لك ظلم وعدوان على حق الله، وحق الناس، ولا يفوز الظالم بخير أبدا٢.
وبهذا الموقف من يوسف ﵇ تظهر أخلاقه بوضوح، فهو مؤمن، صاحب عقيدة، يستعيذ بالله تعالى، ويسأله المعونة في أداء حق سيده، الذي أكرمه، وأحسن مثواه, ولا يصح التعدي على حقوق الآخرين أبدا.
ويكبر الأمر في نفس امرأة العزيز، وتحس بطعنة توجه لكبريائها، فلا هي حققت غرضها، ولا هي تعففت، فتهم بضرب يوسف، ويهم هو بالدفاع عن نفسه، فيتذكر حقها عليه فيجري بعيدا عنها، وتجري وراءه وتلحق به، وتقطع ثيابه من دبر حين أدركته قريبا من الباب.
وعند وصولهما إلى الباب يجدان العزيز عنده، وعندئذ تحاول المرأة تبرئة نفسها، وتتهم يوسف بمحاولة الإساءة إليها، والفتك بها، وطلبت ضرورة مجازاته بالسجن، أو بالتعذيب؛ لينال جزاء جرأته على سيدة القصر، وامرأة العزيز،
стр. 226
وعن هذا الموقف يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ، وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيم﴾ ١.
وجد العزيز نفسه أمام قضية خطيرة تهمه ... تدعي امرأة العزيز أن يوسف أراد بها الفاحشة، وينفي يوسف التهمة عن نفسه، ويذكر الحقيقة: ﴿رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ , ويحتكم العزيز إلى حاكم للقضاء من أهل زوجته، وإليه الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ , وسمى القاضي شاهدا لما يحتاج إليه من التثبت والتأمل والتصور الصحيح للواقع كأنه رآه، وكان القاضي من أهلها، قيل: هو ابن عمها، أو ابن خالها، أو مستشار الملك، ويرى السهيلي أنه طفل تكلم في المهد حيث ذكر النبي ﷺ شاهد يوسف ضمن من تكلموا في المهد، وكان القاضي عادلا حكيما، قال للملك: إن كان القميص قطع من أمام فهي صادقة؛ لجذبها القميص وهو مقبل عليها، وإن كان القميص قطع من دبر فهي كاذبة؛ لقطعها القميص وهو يجري منها.
قال الشاهد: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ
стр. 227
الصَّادِقِينَ﴾ ١.
نظر الملك إلى القميص، فلما رآه قد من دبر علم الحقيقة، وتأكد من صدق يوسف وبراءته، فقال ليوسف ولزوجته، ما حكاه الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ، يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ ٢، أراد الملك بذلك ستر الموضوع بتركه، والتوبة عنه، والاستغفار له، لكن أمر النساء لا يبقى سرا أبدا.
وسرعان ما أخذ النسوة يتحدثن عن امرأة العزيز، وشغفها بحب يوسف، وخيانتها لزوجها، وتفريطها في طهارتها، سمعت امرأة العزيز بحديث النسوة، وأرادت إحاطتهن بما لم يحطن به ليعذرنها، فدعتهن إلى طعام، وأجلستهن على المقاعد الوثيرة، وسلمت كل واحدة سكينا تستعمله في أكلها، وبدل أن تحضر لهن الطعام أخرجت يوسف إليهن بحسنه وجماله، فلما رأينه سحرن به، وقطعن أيديهن بالسكاكين، وهن لا يدرين، وقالوا جميعا: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ ٣، حينئذ أبدت امرأة العزيز عذرها، قال تعالى: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ ٤, يرى يوسف هذا الموقف فيعلن بكل وضوح، أن السجن أحب إليه من ارتكاب ما يدعونه إليه، ويسأل الله تعالى أن يصرف عنه كيد النسوة ليبقى طاهرا، نظيفا.
стр. 228
ثالثًا: يوسف في السجن
بعدما ظهرت براءة يوسف, رأى العزيز سجنه مدة، يتصور الناس بها براءة زوجته، وإدانة يوسف فيما اتهم به.
والتقى في السجن بصنوف من الناس، وتعامل معهم بخلقه وطهارته، واشتهر بينهم بالأمانة، وصدق الحديث، وحسن السمت، وكثرة العبادة، ومعرفة التعبير، والإحسان إلى المسجونين بعيادة مريضهم، والقيام بحاجاتهم فأحبوه، وأخذوا برأيه ومشورته١.
ودخل السجنَ فتيانِ أحدهما ساقي الملك، والثاني خبازه؛ لأنهما اتهما بمحاولة دس السم للملك في طعامه وشرابه، ولما لقيا يوسف تعارفا عليه، وتعلقا به كسائر الترلاء ... ثم إن كلا منهما رأى مناما وجاء إلى يوسف ليؤوله له.
رأى أحدهما أنه يعصر للملك عنبا، وكانوا يسمون العنب خمرا، ورأى الثاني أنه يحمل فوق رأسه خبزا تأكل الطير منه، وطلبا من يوسف ﵇ أن يؤول لهما ما رأيا لما يعرفان عنه من الصدق، والعلم، والتعبير.
وكان يمكن ليوسف أن يعرفهما بتأويل ما رأيا مباشرة، لكنه ﵇ وجدها مناسبة حسنة للدعوة إلى الله تعالى.
قال للرجلين: إنه يعرف تأويل الرؤيا، وسيخبرهما بما سيئول إليه أمرهما، وعلى أي تدل أحلامهما، وسيرد على استفتائهما، وقدم لهما برهانا على مدى معرفته، وهو أن يخبرهم بطعامهم قبل أن يجيء إليهم، وذلك أمر عجيب يدل على معرفته المعجزة، وأخبرهم بطعامهم قبل أن يأتيهم، وصدق في قوله لهم، وأخذ في بيان سر معارفه،
стр. 229
قال تعالى: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ ١.
وهذا أمر يجعل الفتيين يفكران في حقيقة هذا الرب، الذي علم يوسف هذا العلم، وجعله يتميز عن سائر الناس، إنه علم غيبي نافع، وكأني بهم يسألون: من هذا الرب؟ وهل هو غير إله المصريين, ومن أتباع هذا الرب؟
يتابع يوسف ﵇ حديثه عن دينه فيقول للفتيين، ما حكاه الله تعالى: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ، وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ ٢.
فيعرف مستمعوه من مقالته أنه ليس على دين الرعاة؛ لأنهم لا يؤمنون بالله حقا، ولكنه على دين آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وهم الرسل المشهورون بالصدق، وتعليم قومهم الدين الحق.
وعرفهم أن دينه ودين آبائه يقوم على التوحيد، وإبطال الشرك، وعبادة الله وحده؛ لأنه لا يليق بعاقل أن يعبد آلهة يتخذها من الحجر، أو الشجر، أو المعادن, أو من غيرها.
وأخذ يوسف بعد ذلك في بيان أدلة التوحيد، وأدلة إبطال الشرك بصورة مقارنة وسهلة، قال لهم كما قال تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ٣.
стр. 230
وهو سؤال إنكاري يحمل مراد يوسف، فالله الذي أعبده واحد، ذل كل شيء لعز جلاله، وعظمة سلطانه، بينما الآخرون يتخذون عددا من الآلهة لا تضر أبدا، ولا تنفع مطلقا، فأيها أحق بالعبادة: إله واحد قادر، أم آلهة متعددون لا تنفع ولا تضر, ولا تملك من أمر نفسها شيئا؟ قال لهم ما حكاه الله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ١.
فالله وحده صاحب السلطان، والقدرة، والبراهين تشهد له، بينما آلهة القوم من اختراعات الناس، وأكاذيبهم، وعليهم أن يعلموا أن القضاء، والتصرف, والحكم بيد الله، والملك كله له يفعل ما يشاء ويريد، وعليهم أن يعلموا بضرورة التلازم بين توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، وذلك يقضي بتوجه العبد لله بالعبادة والرجاء؛ لأنه النافع الضار، وليس للآلهة المزعومة شيء من ذلك أبدا، فكيف تكون آلهة مع الله؟!
وبذلك ختم دعوته مبينا أن الدين الذي يعرفهم به هو الدين الحق، وهو الصراط المستقيم، الخالي من العوج، الذي يسعد صاحبه ويكتب له الخير في الدنيا وفي الآخرة، ويلاحظ أن يوسف ﵇ استفاد من تقدير الناس له, فجعله سببا وصلة إلى دعائهم إلى التوحيد، والإسلام، وبخاصة بعدما لمح من سجية الفتيين حب الخير، والإنصات له، والإقبال على دعوته٢.
стр. 231
ويبدو أن يوسف ﵇ كان يباشر الدعوة داخل السجن ويطبقها عمليا؛ ولذلك رأينا تحول المجتمع إلى دين يوسف ﵇, يدل على ذلك قول امرأة العزيز قبيل خروج يوسف من السجن، كما حكاه الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ، وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
إنها تصور الله بصفاته، فهو الذي يهدي، وهو الرحمن، وهو الغفور الرحيم, وكل هذه صفات يقر بها المؤمنون بالله.
وبعد أن عرض على أصحابه دعوته، عبر لهما الرؤيا، ودلّهما على ما تشير إليه، وهي أن من رأى نفسه يعصر خمرا، فسوف يخرج من السجن، ويعود إلى سيده ليسقيه خمرا كما كان، وأما الثاني فسوف يعاقب بالصلب، ويترك حتى تأكل الطير من رأسه، ورغبة في الخروج من السجن, قال يوسف للفتى الذي ظن أنه ناجٍ من الموت: اذكرني عند الملك، وحدثه عن براءتي، عسى أن يتذكر، ويصدر قرارا بالإفراج عني ... لكن الملك لم يتذكر، والفتى الناجي لم يذكر، فلبث يوسف في السجن بضع سنين، قال تعالى: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ ٢.
ولما أراد الله إخراج يوسف من السجن أجرى الحوادث نحو مراده بحكمة ودقة، فرأى الملك رؤيا فزع منها، رأى: ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ ٣, وطلب من
стр. 232
وزرائه، وأولي الأمر عنده أن يفسروا له ما رأى، فردوا عليه بأن ما رأى ليس حلما، وإنما أخلاط في الدم، وأغاليط يراها النائم انعكاسا لظروف نفسية وحياتية؛ ولذلك فليس لها معنى تدل عليه، إنها أضغاث أحلام.
هنا يتذكر ساقي الملك الذي نجا، وخرج من السجن، يتذكر صاحبه يوسف، وما عرف به من قدرة على التأويل، وعلم بالتعبير، فيخبر الملك بتمكنه من تعبير هذه الرؤيا؛ لأنه يعرف رجلا في السجن عنده علم بالتعبير، هو يوسف، قال لهم الساقي: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ ١، فأعدوا له العدة، وأرسلوه إلى يوسف في سجنه، وسهلوا له مقابلته، وجاء الساقي إلى يوسف وطلب منه متلطفا وقال: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ ٢، ناداه باسمه العلم، وبالصفة التي عرف بها بين كل من عامله، وهي الصدق، وطلب تعبير رؤيا الملك، وقصها عليه بالتفصيل، ففسرها له يوسف ﵇ وعرفه أن البقرات السبع السمان، والسنبلات السبع الخضر، عبارة عن سبع سنوات متصلة يعملون فيها بجد واجتهاد، ويرزقون خلالها ثمرا طيبا، وقمحا وفيرا، وعليهم أن يأخذوا ما يكفيهم، ويدخروا الباقي في سنبله حتى لا يصاب بالسوس؛ لينفعهم خلال سبع سنوات تعقب السبع الأولى، حيث فيها تجدب الأرض وينقطع المطر، ويشتد الأمر على الناس, فيأكلون مما ادخرتم لهم في السنوات السبع الأولى.
وبعد ذلك تأتي سنة يعم خيرها، ويتنوع ثمرها، ويفيض ماؤها، ويكثر نتاج الزرع والضرع، ويعودون خلالها إلى ما كانوا يعصرون من قبل، لكن الأمر يحتاج إلى تعامل دقيق، ورعاية حكيمة، طوال هذه المدة.
стр. 233
يحكي القرآن الكريم عرض الرجل رؤيا الملك على يوسف, فيقول سبحانه: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
كما يحكي القرآن الكريم تفسير يوسف لهذه الرؤيا, فيقول سبحانه: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ ٢.
يعود الساقي إلى الملك بتأويل الرؤيا، فيسر الملك بهذا التفسير، لكنه يقف أمام بعض التساؤلات:
- الرؤيا تشتمل على سبع صالحات، وسبع طالحات، وتفسيرهما بالوفرة والجدب أمر مسلم، لكن من أين جاء الحديث عن السنة التي يكون فيها المطر والعصير؟
- وأيضا إذا كان الماء والمطر سببا لكل حياة، فلم عودة الناس إلى ما كانوا يعصرون على وجه الخصوص؟
- من أين جاء يوسف بعلم تعبير الرؤيا دون الآخرين، وقد نشأ بينهم، وتعلم علومهم؟
- ومع تسليم الملك بصدق التعبير، فإنه رأى أن الأمر يحتاج إلى إدارة حكيمة، وأمينة، تسير بالمجتمع إلى الخير، وفق الخطة التي رآها في حلمه، وكما فسرها لهم يوسف ﵇.
فكر الملك في كل هذا، ورأى تميز يوسف بالعلم، وإخلاصه في النصح وما كان لمثله أن ينصح وهو مسجون ظلما، لكنه ﵇ نصح مخلصا؛ لينقذ
стр. 234
المصريين وغيرهم، من سنوات القحط، والجوع.
ويبدو أن الملك كان على شيء من دين سماوي، وكان قد سمع عن نشاط يوسف ﵇ في دعوة الناس داخل السجن، فصدق بكل ما سمع، ورأى أن يكل الأمر ليوسف؛ ليدير شئون الزراعة، وتوزيع الميرة، في أرض وادي النيل، ويتولى خزائن مصر في المرحلة القادمة.
فأمر بالإفراج عنه، وجاء رسول الملك لإخراج يوسف من السجن لمقابلة الملك، وجاء رسول الملك إلى يوسف أولا، وأخبره بقرار الملك، لكن يوسف رفض الخروج إلا بعد أن يتحقق من براءته من التهمة التي أودع بسببها في السجن، وطلب من الرسول أن يسأل الملك زوجة العزيز، ويسأل النسوة اللاتي قطعن أيديهن في القصر، وبذلك يعلم الجميع براءته، ويعيش معهم نظيف السمعة، طاهر الخلق, خالصا، صادقا.
يحكي القرآن موقف الملك ورد يوسف عليه، بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ ١.
أحضر الملك النسوة، وزوجة العزيز، وسألهن: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ ٢.
هذه شهادة النسوة، وفيها يعلنَّ براءة يوسف من أي سوء.
أما زوجة الملك فقد اعترفت أمام الجميع اعترافا تفصيليا، يظهر الحق كاملا، ويبين براءة يوسف، وتقر بذنبها، وتتوب إلى الله، آملة أن يعرف يوسف أنها برأته في غيبته، ولم تخنه بشهادة زور ضده، وعللت سبب اعترافها المفصل بأمور:
стр. 235
الأول: أنها تخاف من عقوبة الله تعالى إن كذبت عليه؛ لأن الحقائق التي تؤمن بها أن الله لا يهدي كيد الخائنين.
الثاني: إظهار ضعف نفسها، والنفس أمارة بالسوء، وهي بذلك الإعلان تردع النفس, وتؤدبها، وتوجهها نحو الأخلاق الفاضلة لتكون متمتعة برحمة الله.
الثالث: تطمع بتوبتها، وإقرارها في غفران الله ورحمته؛ لأنه غفور رحيم.
يوضح الله تعالى شهادة امرأة العزيز التفصيلية، فيقول سبحانه: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ، وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
ويبدو أن الملك وزوجة العزيز قد دخلا في دين يوسف على نحو ما ذكرت قبل، وكما يظهر من الألفاظ التي لا ينطق بها إلا موحد يعرف الله تعالى.
وبعد ظهور براءة يوسف ﵇ جاءه الرسول وأخرجه من السجن إلى عالم الحرية الواسع.
стр. 236
رابعا: يوسف والحكم
...
سقط
стр. 237
وإنما سأل ولاية خزائن الأرض، والإشراف على الأهراء التي يجمع فيها الغلات؛ ليدخر فيها من السنوات الطيبات للسنوات العجاف، التي أخبرهم بشأنها، ويتصرف بالأحوط والأصلح، والأرشد.
وقد أراد الله ليوسف ﵇ ذلك، فمكّن له في مصر، ووضعه على خزائن الأرض ليكون مقصد الناس وقت الجدب، يطلبون منه، ويعطيهم، ويدعوهم إلى الله تعالى.
ولا يمكن تصور أن يوسف ترك أمر الدعوة؛ لأنه لم يتركها وهو في السجن, فكيف يتركها بعد أن صار متمكنا ذا سلطان وجاه؟
وفي قصة مؤمن آل فرعون ﵇ ورد ذكر يوسف ﵇ وبيان أنه دعا المصريين إلى عبادة الله وحده، وأظهر لهم المعجزات الدالة على صدقه، يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ ١. فهم في زمن موسى ﵇ كانوا يعرفون أن يوسف ﵇ بعث فيهم، ودعاهم إلى الله، وجاءهم بالمعجزات، لكنهم لم يؤمنوا به.
إن القصة لم تتحدث بالتفصيل عن دعوة يوسف ﵇ لأنها في السورة تتخذ مسارا آخر، لتحقيق غرض يفيد الدعوة والدعاة، وعساه ﵇ كان يكتفي بالدعوة العملية، وبالإشارات الموحية في بعض الأحيان، وبالتوجيه الواضح حين يقتضيه المقام ... فمن الناحية العملية كان صاحب خلق، ودين، وحسن معاملة.
ومن ناحية الإشارات نقرأ ما ذكره للناس، مبينا إيمانه بالله الواحد الأحد.... ومن ناحية التوضيح رأينا ما فعله في السجن.
стр. 238
خامسًا: يوسف وبنو إسرائيل
خرج يوسف من السجن، وصار محل ثقة الملك، ويبين ابن كثير أن الملك كان يسمى "الريان بن الوليد"، وأن وزيره الأول هو "أطفير" الذي اشترى يوسف ورباه، وهو زوج من راودت يوسف ﵇.
أراد يوسف أن يصلح الناس في معاشهم ودينهم، فطلب من الملك أن يوليه الخزائن، فاستحسن الملك ما طلب، وعزل أطفير، وولى يوسف مكانه، وبعدها هلك أطفير بمدة وجيزه، فزوج الملك يوسف زوجة العزيز، فلما دخل بها قال لها: أليس ذلك خيرا مما كنت تريدين؟
فقالت: أيها الصديق لا تلمني, فإني كنت امرأة جميلة، ناعمة في ملك ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك على ما رأيت ورأى النسوة١.
وتولى يوسف وزارة مصر الأولى، وتزوج زليخا فوجدها عذراء، فولدت له أولادا.
وقد اشتهر يوسف بالعدل، والإنصاف، والصدق، وإعانة الضعفاء فأحبه الجميع، ويقال: إن الملك آمن بدعوة يوسف، وسلم الأمر له، فصار كل شيء في مصر تحت حكمه٢: ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ والملك راضٍ عنه.
ومما يدل على أن يوسف ﵇ صار متمكنا في كل جوانب الحياة في مصر, أنه تعامل مع إخوته منفردا، ولم يرجع لرئيس معه في محاكمة أخيه، أو مناقشة إخوته، أو إحضار أهله جميعا إلى مصر.
стр. 239
يروي الفضل بن عياض مصورا سلطان يوسف ﵇ أن امرأة العزيز وقفت على ظهر الطريق حتى مر يوسف بسلطانه فقالت: "الحمد لله الذي جعل الضعفاء ملوكا بطاعته، وجعل الملوك صغارا بمعصيته"١.
ومضت السنوات الأولى، وجاء الجدب والقحط، فورد الناس على يوسف من سائر الأقاليم، يمتارون لأنفسهم وعيالهم، فكان لا يعطي الرجل أكثر من حمل بعير في السنة، وكان ﵇ لا يشبع نفسه، ولا يأكل هو والملك، والجنود، إلا أكلة واحدة في وسط النهار، حتى يتكافأ الجميع.
كان يوسف ﵇ رحمة من الله تعالى على أهل مصر، وعلى من جاورهم, وكان أبناء يعقوب ﵇ أعرابا، يعيشون في البادية، ويتنقلون حيث العشب والماء, فلما نزل القحط بالناس حل الجدب ببني إسرائيل؛ ولذلك جاء أبناء يعقوب يمتارون من مصر، وكان ما كان بين يوسف ﵇ وإخوته على نحو ما ذكرت.... وأخيرا أعطاهم قميصه، وقال لهم: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٢، ذلك أن أباه يعقوب ﵇ قد كف بصره؛ لكثرة بكائه على فراق يوسف وأخيه، وكان دائما يذكرهما.
ولما غادرت القافلة ومعها قميص يوسف أرض مصر، هاجت ريح حملت رائحة القميص إلى يعقوب، فقال لمن معه: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ، قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ ٣، عرف ريح يوسف ولم يقطع به؛ حتى لا يتهم من بنيه وقومه بالجري وراء الأماني والأحلام، وجاء حامل القميص فألقاه على وجهه فعاد إليه بصره، وهنا قال لإخوته: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ٤.
стр. 240
فطلبوا من أبيهم أن يغفر لهم، واعترفوا بخطئهم فسامحهم، وأخبرهم بأنه سيدعو الله لهم ويستغفره, فهو سبحانه الغفور الرحيم، يقول الله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ، قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ١.
وجاء الإسرائيليون جميعا إلى مصر مع نبيهم يعقوب، وكان عددهم يقترب من أربعمائة رجل وامرأة، وعاشوا بمصر مكرمين.
يذكر ابن كثير أن إخوة يوسف حملوا أهلهم جميعا، ورحلوا بهم من بلاد كنعان قاصدين أرض مصر، فلما علم يوسف باقترابهم خرج لتلقيهم، وأمر الملك أمراءه، وأكابر الناس بالخروج مع يوسف لتلقي نبي الله يعقوب ﵇ وأهله، ويقال: إن الملك خرج بنفسه مع يوسف للترحيب بالركب القادم، ولما وصلوا إلى البلدة قال لهم يوسف: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ٢.
وعاش الإسرائيليون في مصر متمتعين بقوة السلطان، وعزة يوسف ﵇ قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ٣.
ويبدو أن الإسرائيليين عاشوا في عزلة عن المصريين، وحافظوا على كافة خصائصهم النفسية، والمادية، والبدوية.... إلخ.
стр. 241
ولذلك بقي المجتمع مكونا من طبقتي المصريين والإسرائيليين، المتباعدتين عن بعضهما حتى بعث الله موسى ﵇ وأرسله رسولا إلى المصريين، وبني إسرائيل معا.
ومن عجائب المقارنات أن المصريين خرجوا مع الملك، ويوسف لاستقبال بني إسرائيل يوم مجيئهم، وعند خروجهم تخفوا، وأخذوا معهم ذهب المصريات، بلا حق لهم فيه، وهو الذهب الذي صنعوا منه العجل ليكون لهم إلها.
ويختلف المؤرخون في عدد الإسرائيليين يوم خروجهم من مصر، وبعضهم يذكر أنهم بلغوا أكثر من سبعمائة ألف, مما يعني أنهم عاشوا مدة طويلة في أرض مصر.
стр. 242
النقطة الثالثة: ركائز الدعوة في قصة يوسف ﵇
مدخل
...
"النقطة الثالثة": ركائز الدعوة في قصة يوسف ﵇
قصة يوسف ﵇ مليئة بالدروس، غنية بالعبر والعظات؛ ولذلك ختم الله السورة بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ١.
ودروس القصة هي ركائز للدعوة والدعاة، يجب اتخاذها أسوة، وقدوة.... وأولو الألباب هم أسبق الناس إلى الاستفادة من قصص القرآن الكريم، وهدى الله تعالى.
وإني -بعون الله تعالى- أبرز من قصة يوسف الركائز التالية:
стр. 243
" الركيزة الأولى": تربية الرسول الداعية
نشأ يوسف ﵇ في بيت النبوة، وتعلق به قلب أبيه، وبخاصة بعدما أدرك ما سيكون عليه شأنه من منزلة دينية واجتماعية، وكان يهتم به كثيرا، ويوجهه نحو معالي الأمور، ومكارم الأخلاق، ويعرفه بالله تعالى، من ذلك أنه لما قص يوسف ما رآه عليه، قال له ما حكاه الله تعالى: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ، وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ١.
فلقد رأى رؤياه وهو صغير، يقول وهب: رأى يوسف وهو ابن سبع أن إحدى عشرة عصا طوالا غرزت في الأرض كهيئة الدائرة، وأن عصا صغيرة وثبت عليها حتى ابتلعتها، ورأى رؤية الكواكب وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وفي كل مرة يأتي لأبيه يقص له ما رأى؛ لقوة ما يشعر به من حب وثقة، لأن أباه كان يحيطه بالحنان والرحمة، ويتعامل معه بأخوة وتقدير بعيدا عن الغلظة والقسوة٢، وكان يوجهه نحو ما يحسن خلقه، ودينه، وسلوكه.
ومن التوجيهات التربوية الحسنة المستفادة من الآيات ما يلي:
١- تحذير الولد من أسباب الضرر، وذلك أمر له أهميته في التربية، وعلى الآباء أن يُولوا هذا الجانب عناية خاصة؛ لأن أدوات التوجيه عديدة، وكلها تتجه للولد منذ مولده للتأثير فيه، وأغلبها يهتم بتقديم القيم الفاسدة، ونشر أخلاقيات لا تتناسب مع تعالم الإسلام، وكرامة الإنسان.
стр. 244
وكثير من الآباء يهملون توجيه الأبناء في طفولتهم، ظنا منهم أن الوقت لم يحن بعد للتوجيه، والإرشاد، فيتركون الأطفال يلعبون، ويأخذون من هنا ومن هنا، ويفاجأ الآباء بأبنائهم يتمردون على القيم الحسنة، والأخلاق الطيبة، بسبب إهمالهم، وتربيتهم في الوقت المناسب.
لقد أثبت علم النفس أن الطفل يبدأ في اكتساب الخلق والسلوك بعد مولده مباشرة، من أمه وأبيه؛ ولذلك وجب على الآباء أن يعايشوا أبناءهم ويقتربوا من مشاكلهم وقضاياهم، فهم مسئولون عن أبنائهم، يقول النبي ﷺ : "إن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه، حفظ أم ضيع، حتى يسأل الرجل عن أهل بيته" ١, ويقول ﷺ : "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول" ٢.
ولذلك نعيش مع يعقوب ﵇ وهو يحنو على يوسف، ويحاوره، وينصحه، وكان توجه يوسف إلى أبيه تلقائيا يقص عليه ما رأى، ويسعد برأيه وتوجيهه.
استمع يعقوب لرؤى يوسف الصغير، ولم يعلق عليها بتفسير، وإنما أدرك منها المنزلة العالية التي سينالها يوسف من بين إخوته، ولذلك نصحه بأمور محددة:
الأول: لا تخبر إخوتك بالرؤيا حتى لا يتآمروا عليك، ويتخلصوا منك، حسدا وحقدا، من عند أنفسهم؛ لأن النفس أمارة بالسوء، وهذه حقيقة بشرية، حيث تتملك النفس غير المؤمنة، أنانية طاغية، تدفعها لارتكاب أعمال سيئة، ضد من يتمتع بنعم وافرة، وخير واضح؛ ولذلك يحسن بالإنسان المؤمن إذا أتاه فضل من الله أن يستره ويخفيه؛ لأن المحروم من هذا الفضل يتحول إلى حاسد، حاقد.
وقد رأى يعقوب من بنيه مدى ألمهم، من تصورهم أن يوسف أحب إليه منهم؛ ولذلك كان تحذيره.
стр. 245
وعلى الإنسان أن يعلم عداوة إبليس للناس، ويعلم أنه يستغل النفوس الضعيفة، يوسوس لها، ويحرضها على المعصية، ويزين لها السوء.
الثاني: دعوة الولد إلى الاستقامة في الخلق والسلوك، عسى أن يختاره الله، ويوفقه لاكتساب المعارف والعلوم الدينية، وقد دعا يعقوب ﵇ يوسف إلى ذلك قائلا له: إن الله سبحانه كما أراك مستقبلك قادر على اصطفائك، واختيارك، وتعليمك، وإتمام نعمته عليه بالنبوة؛ لتكون امتدادا لفضل الله الذي جعله لأبويك من قبل إبراهيم، وإسحاق ﵉.
وفي تذكير يعقوب ﵇ ليوسف ﵇ بآبائه الرسل، عامل تربوي، يجعله يسير على هداهم، ويتمنى لنفسه أن يكون رسولا مثلهم، فالإنسان يعتز بآبائه، ويتمنى أن يتشبه بهم، ويسعد كثيرا بالتواصل المتين مع أصوله وقبيلته، ولكن.... هل هذا مناسب لعقلية الطفل الصغير؟
الإنسان في مرحلة الطفولة شديد التعلق بأبيه، سريع التأثر به، يحب ملازمته ويتمنى أن يكون معه دائما.
ويمكن للوالد أن يوجه ولده الصغير إلى القيم الدينية، والاجتماعية، بأسلوب سهل، يستطيع الصغير أن يتصوره.
وقد وجه يعقوب ﵇ يوسف الصغير إلى الله، وبين له أن الله كما أراه الرؤيا الصالحة, فإنه يديم خيره، وفضله عليه بالعلم، والطاعة, والنبوة.
وقد تم له ما عمل له، فتفوق يوسف في العلوم، وبخاصة في تأويل الرؤيا، وتنظيم أمور المعاش، وإقامة العدل، والالتزام بالصدق والأمانة، والمحافظة على حق الله وحق الناس، يقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
стр. 246
لَا يَعْلَمُونَ، وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ١.
وقد عاش يوسف مؤمنا بالله تعالى، مطيعا له سبحانه، ملتجئا لجنباته في كل حالاته، حيث نراه يستعيذ بالله من فعل السوء، ويدعو الله ليصرف عنه كيد النسوة, وفي نهاية قصته يقر بنعمته عليه، وعلى أهله، وعلى الناس أجمعين، ويقول: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ٢.
وهكذا يعدد كافة النعم التي عاشها، وتمتع بها إخوته، وأهله، ويشكر الله على عطائه، وفضله.
стр. 247
" الركيزة الثانية": أخلاق الرسول الداعية
تعلم يوسف من أبيه ﵇ الخلق الكريم، والأدب الفاضل، وقد تجلى ذلك في مراحل حياته جميعا.
ومن أخلاقه التي تميز بها ﵇ طهارته، وعفته، وقد رأيناه يوم أن راودته التي هو في بيتها، وهيأت نفسها له، وكررت ذلك معه، وبذلت كل ما أمكنها.
ورغم أنه شاب, له طاقته وقوته، لم يضعف أمام سيدة تميزت بالجمال والجاه، وإنما لازم الطهارة والعفة، وحاول أن يوقظ فيها العقل والخلق، وهو يقول لها ما حكاه الله تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ , يبين لها ﵇ أسباب عدم استجابته لرغباتها، وهي في نفس الوقت أسباب لها يجب
стр. 248
أن تمنعها عما سعت إليه.
فالسبب الأول: وهو الاستعاذة بالله، واللجوء إليه، تبعد المستعيذ عن الفاحشة؛ لأنه حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
والسبب الثاني: وهو مراعاة حق الرب إن أراد به الله، فهو إلههما، وإن أراد به السيد فهو زوجها، ومراعاة حق الرب تقتضي أن يبتعدا معا عن المعصية.
والسبب الثالث: وهو الاعتراف بالفضل الذي يقتضي عدم الإساءة لصاحبه، وكلاهما قد أكرم الرب لهما في حياتهما, ومعاشهما.
والسبب الرابع: وهو أن حقائق الوجود البشري تؤكد أن المعتدي على حق غيره, يبوء بالإثم والخسران، وهي لهما معا.
وهكذا واجه يوسف دواعي الغواية التي فعلتها المرأة وهي: المراودة، وغلق الأبواب، والتهيؤ، بدواعيه إلى العفة وهي خوف الله، والمحافظة على عرض سيده الذي أكرمه، ومخافة الخسران والبوار.
وظل يوسف متمسكا بطهارته بعدما تجمعت النسوة، واشتركن مع زوجة العزيز في المراودة، وهددنه بالسجن، والهوان, والإذلال، وقال لهن متضرعا إلى ربه: قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ ١.
إن اختلاط الرجل بالمرأة, والخلوة بالأجنبية من أكبر عوامل الإفساد، ونشر الفاحشة؛ ولذلك كان الإسلام قاطعا في تحريم هذا الاختلاط.
يروي البخاري بسنده عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم والدخول على النساء"، فقال رجل من الأنصار: أفرأيت الحمو؟ قال ﷺ : "الحمو الموت" ٢.
стр. 249
والحمو قريب الزوج كأخيه، وابن عمه ...
وآثار اختلاط الرجال بالنساء في المدرسة، أو في البيوت، أو في العمل، أو في غيرها ضارة جدا، وينبغي الإقلاع عنه.
ومن أخلاقه العفو والتسامح، فلقد اعتبر ﵇ اعتراف النسوة بخطئهن أمام الناس كافيا في حقه عليهن، ويوم أن عرف إخوته ما وصل إليه أمره سامحهم، وقال لهم: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ .
ومن أخلاقه بره بأبيه، وحرصه عليه، حيث نراه ﵇ يسارع بإرسال القميص إليه ليطمئن على أولاده، وأحضره على رأس أهله، واستقبله خارج المدينة، ورفعه على العرش، وأكرمه، وأكبره ﵇.
стр. 250
" الركيزة الثالثة": "الحرص على الدعوة "
عاش يوسف في السجن مدة، ومع ذلك لم ينس أنه صاحب عقيدة صحيحة, وأن عليه أن يوصلها للناس؛ ليؤمنوا بها، ويتحولوا إلى الالتزام بتعاليمها.
وهذا مسلك الداعية دائما مع دعوته؛ لأنه يعيش لها، وبها، ولا يرى لنفسه وظيفة سواها.
ونتصور يوسف ﵇ ينشر دعوته بين المسجونين، بعدما عرف بينهم بالصلاح والخلق الكريم.
صحيح أن القرآن الكريم عرض صورة واحدة للدعوة قام بها يوسف مع صاحبيه، لكني أعتبر هذه الصورة نموذجا لسلوكه في السجن مع الناس، وآثر القرآن ذكر هذا النموذج تصويرا لمسار يوسف مع الدعوة، ومعلما رئيسيا في حياته، وفي نفس الوقت ففيه الغناء لإعطاء تصور كامل عن منهج دعوته "﵇".