لَا يَعْلَمُونَ، وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ١.
وقد عاش يوسف مؤمنا بالله تعالى، مطيعا له سبحانه، ملتجئا لجنباته في كل حالاته، حيث نراه يستعيذ بالله من فعل السوء، ويدعو الله ليصرف عنه كيد النسوة, وفي نهاية قصته يقر بنعمته عليه، وعلى أهله، وعلى الناس أجمعين، ويقول: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ٢.
وهكذا يعدد كافة النعم التي عاشها، وتمتع بها إخوته، وأهله، ويشكر الله على عطائه، وفضله.
стр. 247
" الركيزة الثانية": أخلاق الرسول الداعية
تعلم يوسف من أبيه ﵇ الخلق الكريم، والأدب الفاضل، وقد تجلى ذلك في مراحل حياته جميعا.
ومن أخلاقه التي تميز بها ﵇ طهارته، وعفته، وقد رأيناه يوم أن راودته التي هو في بيتها، وهيأت نفسها له، وكررت ذلك معه، وبذلت كل ما أمكنها.
ورغم أنه شاب, له طاقته وقوته، لم يضعف أمام سيدة تميزت بالجمال والجاه، وإنما لازم الطهارة والعفة، وحاول أن يوقظ فيها العقل والخلق، وهو يقول لها ما حكاه الله تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ , يبين لها ﵇ أسباب عدم استجابته لرغباتها، وهي في نفس الوقت أسباب لها يجب
стр. 248
أن تمنعها عما سعت إليه.
فالسبب الأول: وهو الاستعاذة بالله، واللجوء إليه، تبعد المستعيذ عن الفاحشة؛ لأنه حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
والسبب الثاني: وهو مراعاة حق الرب إن أراد به الله، فهو إلههما، وإن أراد به السيد فهو زوجها، ومراعاة حق الرب تقتضي أن يبتعدا معا عن المعصية.
والسبب الثالث: وهو الاعتراف بالفضل الذي يقتضي عدم الإساءة لصاحبه، وكلاهما قد أكرم الرب لهما في حياتهما, ومعاشهما.
والسبب الرابع: وهو أن حقائق الوجود البشري تؤكد أن المعتدي على حق غيره, يبوء بالإثم والخسران، وهي لهما معا.
وهكذا واجه يوسف دواعي الغواية التي فعلتها المرأة وهي: المراودة، وغلق الأبواب، والتهيؤ، بدواعيه إلى العفة وهي خوف الله، والمحافظة على عرض سيده الذي أكرمه، ومخافة الخسران والبوار.
وظل يوسف متمسكا بطهارته بعدما تجمعت النسوة، واشتركن مع زوجة العزيز في المراودة، وهددنه بالسجن، والهوان, والإذلال، وقال لهن متضرعا إلى ربه: قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ ١.
إن اختلاط الرجل بالمرأة, والخلوة بالأجنبية من أكبر عوامل الإفساد، ونشر الفاحشة؛ ولذلك كان الإسلام قاطعا في تحريم هذا الاختلاط.
يروي البخاري بسنده عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم والدخول على النساء"، فقال رجل من الأنصار: أفرأيت الحمو؟ قال ﷺ : "الحمو الموت" ٢.
стр. 249
والحمو قريب الزوج كأخيه، وابن عمه ...
وآثار اختلاط الرجال بالنساء في المدرسة، أو في البيوت، أو في العمل، أو في غيرها ضارة جدا، وينبغي الإقلاع عنه.
ومن أخلاقه العفو والتسامح، فلقد اعتبر ﵇ اعتراف النسوة بخطئهن أمام الناس كافيا في حقه عليهن، ويوم أن عرف إخوته ما وصل إليه أمره سامحهم، وقال لهم: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ .
ومن أخلاقه بره بأبيه، وحرصه عليه، حيث نراه ﵇ يسارع بإرسال القميص إليه ليطمئن على أولاده، وأحضره على رأس أهله، واستقبله خارج المدينة، ورفعه على العرش، وأكرمه، وأكبره ﵇.
стр. 250
" الركيزة الثالثة": "الحرص على الدعوة "
عاش يوسف في السجن مدة، ومع ذلك لم ينس أنه صاحب عقيدة صحيحة, وأن عليه أن يوصلها للناس؛ ليؤمنوا بها، ويتحولوا إلى الالتزام بتعاليمها.
وهذا مسلك الداعية دائما مع دعوته؛ لأنه يعيش لها، وبها، ولا يرى لنفسه وظيفة سواها.
ونتصور يوسف ﵇ ينشر دعوته بين المسجونين، بعدما عرف بينهم بالصلاح والخلق الكريم.
صحيح أن القرآن الكريم عرض صورة واحدة للدعوة قام بها يوسف مع صاحبيه، لكني أعتبر هذه الصورة نموذجا لسلوكه في السجن مع الناس، وآثر القرآن ذكر هذا النموذج تصويرا لمسار يوسف مع الدعوة، ومعلما رئيسيا في حياته، وفي نفس الوقت ففيه الغناء لإعطاء تصور كامل عن منهج دعوته "﵇".
стр. 251
لو لم يكن يوسف مخلصا لدعوته لآثر الصمت، ولعاش في السجن حزينا، شاكيا، متأثرا بالآلام التي تلاحقه من إخوته، ومن النسوة، ومن الملك ... ولظل يسائل نفسه ... من أحق بالسجن, أنا أم هؤلاء؟
لكنه ﵇ لم يعش هذه الآلام، وإنما أسلم أمره الله، ورضي بقضائه وقدره، وأعلن ذلك لرفقائه في السجن, قائلا ما حكاه الله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ١.
إن معرفته بالله أسلمته لقدرته ، فالحكم كله له، وعلى الإنسان أن يستسلم لجلاله، ويفنى في عبادته، ويلازم دينه القويم، ومنهجه المستقيم. لقد تحول السجن في حياة يوسف إلى مدرسة متكاملة، أغنته عن الأهل والأصحاب.... وأمدته بالوقت الذي استثمره في التأمل، والطاعة، والعبادة، والدعوة، حيث اشتهر في السجن بالإحسان، والكرم، وحب الخير لرفقائه أجمعين، والإخلاص في أخذهم إلى الله، وتعريفهم بخالقهم، فهو واحد لا شريك له في ألوهيته، وربوبيته، وليس له ند، ولا يصح أبدا أن يتخذ الإنسان مع الله شريكا من هوى النفس، أو من ضلالات الناس.
والحكم والتشريع كله لله فقط، ولا يجوز مطلقا أن يقوم غيره بهذا الأمر، سواء كان فردا أو جماعة، حتى لا يكون شريكا لله في ألوهيته وحاكميته.
стр. 252
والعبادة بمفهومها الواسع تعني الخضوع المطلق، والطاعة الشاملة, ولا تكون إلا لله.
ويدرك العقل مدى الترابط بين هذه المفاهيم المستفادة من الآيات، فقصد العبادة لله نتيجة حتمية لكونه الحاكم الواحد، وهذا الحكم ملازم لوحدانيته، وقدرته.
إن الواحد القهار لا بد أن يكون حاكما، ولا بد أن يعبد وحده عن استحقاق وتمكن، ولا شيء لغيره من ذلك أبدا.
وكأني بـ "يوسف" ﵇ حينما جاءه رسول الملك ليخرجه من السجن، وهو يقول له: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ كأني به يفضل حياة السجن داعيا، مؤمنا، على الحياة خارج السجن متهما منبوذا، فلما ظهرت براءته خرج ﵇ إلى عالم الحرية, يطلب حقه إفادة للناس: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ .
стр. 253
" الركيزة الرابعة": منهجية الدعوة
تقدم قصة يوسف منهجية عالية في الدعوة إلى الله تعالى, في أمرين رئيسيين:
الأمر الأول: التدرج في الوصول للغاية١.
المفاجأة تؤدي إلى الدهشة، والتغيير الكلي لا يتم دفعة واحدة؛ ولذلك يرى علماء التربية ضرورة التدرج في التعليم والتربية، مع تقديم السهل من قضايا الدعوة على
стр. 254
غيره، والانتقال من البدهيات والمسلمات إلى ما يحتاج لدليل وبرهان.
والطبيب حين يعالج مريضه في تقديم الدواء تبعا لتقبُّل المريض، واستعداد بدنه.
وعلى الدعاة أن يسلكوا هذا المسلك؛ ليحققوا لدعوتهم نجاحا، وتمكنا في قلوب الناس.
وقد اتبع يوسف ﵇ هذا الأسلوب مع من التقى بهم، وقد اشتملت قصته على نماذج لهذا التدرج.
فهو ﵇ حين عرض عليه صاحباه ما رأيا، وطلبا منه تفسيرها لهما، أخذ يدخل إلى نفسيهما مدخلا لطيفا، رفيقا، متدرجا حيث بدأ بتأكيد الثقة في علمه, وأخذ ينبئهما بالطعام الذي سيأتيهما قبل إتيانه.
وبعدها بين لهما أن هذا العلم جاءه من ربه، الذي يعبده، ويؤمن به، وبالضرورة سيتساءل صاحباه: ما دينه؟ وما ربه؟
وهو على الفور يوضح لهما أنه ليس على دين الناس، إن دين الناس باطل، فهم يكفرون بالله، ولا يؤمنون باليوم الآخر.... أما دينه فهو دين إبراهيم وإسحاق ﵉ القائم على التوحيد الخالص، والتوجه بالعبادة لله وحده, كل ذلك على وجه الحكاية, وهم يسمعون ...
ثم ينتقل مرحلة أخرى في شكل استفهام حول دينه ودين الناس, يوجهه لصاحبيه, قال تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ١.
إنه يخاطب فيهما الأخوة والصحبة، ويسألهما سؤالا لا يحتاج لجواب؛ لأنه أجاب عنه في حديثه الذي سبقه مباشرة، وإنما يقصد بالسؤال أن يفكروا في عقيدتهم, ويعودوا إلى فطرتهم، ويتجاوبوا مع أصالتها.
стр. 255
جاء في الظلال: "وهو سؤال يهجم على الفطرة في أعماقها، ويهزها هزا شديدا. إن الفطرة تعرف لها إلها واحدا، ففيم إذن تعدد الأرباب؟ إن الذي يستحق أن يكون ربا يعبد هو الله الواحد، ومتى توحد الإله فواجب أن يتوحد الرب.... وما يجوز لحظة واحدة أن يعرف الناس أن الله واحد، ثم يدينوا لغيره، ويتخذوه ربا من دون الله"١.
وبعدها ينتقل يوسف خطوة أخرى، فيتجه إلى بيان بطلان دين الناس، من ناحية أن آلهتهم التي يعبدونها صنعوها بأيديهم، وسموها بآلهة بزعمهم، وليس لها من دليل وبرهان ...
وأخيرا يصل إلى مبتغاه، مناديا بدعوته قائلا: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ...
وهكذا تدرج يوسف ﵇ في دعوة صاحبيه، ووصل إلى عرض دعوته في نهاية المطاف، ثم فسر لهما ما رأيا.
ومرة أخرى ...
نرى يوسف ﵇ مع إخوته, لقد التقى بهم ثلاث مرات، في المرة الأولى تحدث معهم وعرفهم، واشترط عليهم إحضار أخيهم ليمتاروا بعد ذلك، وفي المرة الثانية حضر أخوه فعرفه بنفسه، وتحايل لإبقائه معه، وفي المرة الثالثة عرفهم بنفسه وأعطاهم قميصه، وبعد ذلك جاءوه بقومهم أجمعين.
إنه تدرج معهم منعا للمفاجأة، وإظهارا لحقيقة النفوس، وحتى يكون مجيئهم جميعا لمصر مقبولا، ومن الجائز ألا يتحقق له ما أراد لو أعلنه لهم أول مرة.
стр. 256
وعلى الدعاة أن يستفيدوا بهذا الأمر المنهجي، وذلك بتحديد المرض الذي يريدون علاجه, واتباع خطة تدريجية في العلاج والتوجيه.
إن الخطبة الدينية يجب أن تتدرج في العرض والطلب، وتنتقل من فكرة إلى فكرة، في تدرج عقلي لتكون محل القبول والتأثير.
الأمر الثاني: القصة وسيلة للدعوة
القصة عمل فني متكامل، يقصد به التأثير في القارئ والمستمع، بعدما تجذبه إلى أحداثها، وشخوصها.
وتعد قصة يوسف ﵇ صورة متكاملة للقصة القرآنية، حيث نراها تضم ثروة من الحقائق والمعارف، وقدرا كبيرا من الإيحاءات والتوجيهات، وتنوعا في الأدلة والبراهين التي تثبت حقيقة الدين، وأحقيته في الاتباع.
إن مجرد تذكر يوسف ﵇ يجعل العقل يسبح في السورة من أولها إلى آخرها، وهو يتصور يوسف، طفلا، وسجينا، وواليا، وبين إخوته، وأهله، ومع النسوة، والملك.
إن القصة تجمع كافة العناصر بحيويتها، ونشاطها، فهي تصور المكان مع تنوعه، وتغيره، فهو الجب، والسجن، والقصر، والعرش.
وتصور الأشخاص بنفوسهم, وطبائعهم، فها هم إخوته بأوصافهم وصفاتهم، وها هو أبوهم وصلته بأبنائه، وها هي امرأة العزيز، وأصحابه في السجن، والعزيز.
وفي القصة العقد التي يتضح حلها بعد حوار، ونقاش، ولعل أشهرها رؤيا يوسف التي ظهر تعبيرها عمليا في نهاية القصة.
ولكن....
ما سر التأثير بالقصة؟
إن القصة تشد خيال المتابع لها؛ ليتعقب أحداثها، ويتنقل معها من موقف لآخر, وهي تجعل المتابع لها يشارك بوجدانه أبطال القصة، راجيا لهم الخير، أو رافضا عملهم، ومسلكهم.
стр. 257
وهي تثير الانفعالات النفسية للمتابع لها، وتحرك عالم اللاشعور لديه، وتجعله يتخذ موقفا من الذي يراه ويسمعه.
إن اتخاذ الموقف من أحداث القصة هو بداية التأثر بها، والاستفادة بالتوجيهات المقصودة منها.
والإسلام يدرك الميل الفطري للإنسان نحو القصة، ولذلك أوردها في القرآن للفائدة والعبرة.
والقصص القرآني أنواع ثلاثة:
النوع الأول: القصص التاريخي، وتشمل القصة التاريخية, الواقعية المقصودة بأماكنها، وأشخاصها، وحوادثها.... وهي كل قصص الأنبياء التي وردت متضمنة كافة العناصر الفنية الواقعية.
النوع الثاني: قصة النموذج الواحد مثل قصة ولدي آدم؛ لأنها تعرض نموذجا، واقعيا، وحيدا، قابلا للتكرار في كل العصور.
النوع الثالث: القصة التمثيلية، وهي التي تركز على الحدث وتسكت عن الأشخاص، مع قابليتها للتطبيق، وذلك مثل قصة أصحاب الجنتين١.
وقصص القرآن الكريم بكل أنواعه يقصد التأثير، وتحقيق غاية مقصودة، ولذلك يعرض الواقع كما هو، ويبرز الإيجابيات والسلبيات، مع التعليق الموجز عليها ليأخذ المتابع هدنة، يتمكن خلالها من الحكم والمشاركة بعقله، لا بعواطفه فقط.
إن المسلم وهو يتابع قصة يوسف ﵇ وهي قصة تاريخية, يجد نفسه بالضرورة أمام رأي يتخذه مع كل حدث، وكل شخصية، ومع الرأي يكون الموقف، ويكون التأثر.
стр. 258
والقرآن في قصصه يتخير من الأحداث ما يحقق غرضه؛ ولذلك نراه يسكت عن أحداث ومواقف، ويكتفي بغيرها، ومع ذلك تستمر جاذبيته ويبقى تأثيره، يقول الشيخ محمد عبده: "إن قصص القرآن الكريم لم يقصد سرد الوقائع مرتبة حسب أزمنتها، وإنما المراد بها الاعتبار والعظة، ببيان النعم متصلة بأسبابها، لتطلب بها، وبيان النقم بعللها لتتقى من وجهتها، ومتى كان هذا هو الغرض من السياق فالواجب أن يكون ترتيب الوقائع في الذكر على الوجه الذي يكون أبلغ في التذكير، وأدعى إلى التأثير"١.
إن على الدعاة أن يستفيدوا بقصص القرآن الكريم من ناحيتين:
أولاهما: الاستشهاد بمقاطع من القصة في دعوتهم الناس، كمقطع العفة في حياة يوسف ﵇ لأن هذا الاستشهاد يعد دليلا عمليا، عاشه الناس في عالم الواقع؛ ولذلك فهو بعيد عن الخيال، والأحلام.
والثانية: الاستفادة بالقصة القرآنية كرمز يساعد على توضيح المراد، ومعالجة الواقع، من غير حساسية أو تجريح؛ لأن ربطها بالقرآن الكريم يعد إبرازا لمبدأ مقرر شرعا.
لقد ألف الفيلسوف "بيدبا" كتابه "كليلة ودمنة" على ألسنة الحيوانات والطيور؛ ليصلح به الناس بعيدا عن الإثارة والتصادم، وقد استطاع تحقيق هدفه بهدوء، ولم يغضب أحدا.
والقصة القرآنية حين تخرج من جو القرآن الكريم يكون لها من السحر، وقوة التأثير، وسرعة التصديق ما ليس لغيرها من كلام الناس.
إن القصة مليئة بالتوجيهات المعبرة، والدروس المفيدة، وعلى الدعاة أن يستفيدوا من منهجية القصة، ويسلكوا مسلكها في الدعوة والتوجيه.
стр. 259
"الركيزة الخامسة": حقائق لا بد منها
هناك بعض القضايا التي وردت في قصة يوسف ﵇ أود أن أبينها بإيجاز:
الحقيقة الأولى: "العلاقات الأخوية"
الإخوة، وهم أبناء أب واحد، وينتسبون لعائلة واحدة، يمكن أن يدب الشقاق بينهم, وينتشر الحسد في قلوبهم، إلى الحد الذي يقتل فيه الأخ أخاه.
والقصة توضح أن ذلك الأمر يقع بين الناس لأسباب كثيرة, من أهمها:
١- البعد عن منهج الله تعالى؛ لأن البعد عن منهج الله يجعل الإنسان ماديا، أنانيا، يعمل لنفسه فقط، ولا يرضيه قضاء الله إن تفوق عليه غيره.
٢- إهمال القيم الأخلاقية التي تدعو إلى المودة، والحب، والتسامح، والعفو؛ لأن إهمال هذه القيم يؤدي إلى الكراهية والعدوان.
٣- انتشار الجهل؛ لأن الجهل يجعل صاحبه لا يعرف الحقيقة، وربما تصور العدل ظلما وهو لا يعرفه، ولعل لصاحبه عذرا، وهو يلومه.
٤- عدم غلق أبواب الشيطان للولوج إلى النفس؛ لأنه يوسوس بالعدوان، ويزين الضرر، وفتح الأبواب أمام الشيطان فرصة ينتهزها إبليس وجنوده.
٥- عدم تسوية الآباء بين أبنائهم، وقد رأينا كيف فعل الشيطان بقابيل، وبإخوة يوسف ﵇.
الحقيقة الثانية: "طلب الرئاسة"
نرى في قصة يوسف ﵇ أنه طلب الرئاسة، وزكى نفسه؛ لينال ما طلب، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ وهذا الواقع يؤدي إلى التساؤلات الآتية:
- كيف زكى يوسف نفسه؟
стр. 260
والله تعالى يقول: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ١.
- وكيف يطلب الرئاسة لنفسه, والنبي ﷺ يقول: "إنا لا نولي هذا الأمر من سأله, ولا من حرص عليه" ٢, ويقول لعبد الرحمن بن سمرة: "لا تسأل الإمارة" ٣؟
- وكيف يطلب يوسف الإمارة من سلطان كافر؟!
- ولِمَ ترك يوسف الاستثناء حيث قال: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ؟ ولم يقل: إن شاء الله؟
- وهل يجوز لأي مسلم أن يطلب الإمارة لنفسه, كما فعل يوسف ﵇؟
وللوقوف على الرأي في هذه التساؤلات، علينا أن ندرك أن المجتمع البعيد عن الدين يعلو فيه الفاسق، ويختفي فيه المؤمن، وحينئذ فلا مانع من أن يبرز المؤمن صفاته ليستفاد به، وقد علم يوسف أن إصلاح شأن الناس واجب عليه، وإيصال الحق لذويه، ومن هنا طلب القيادة، وزكى نفسه، لإصلاح المجتمع، وتبليغ دعوة الله تعالى.
ولا مانع من طلب الرئاسة من سلطان كافر؛ لأنها لن تنال إلا من هذا الطريق وقد ترك يوسف الاستثناء في حديثه، حتى لا يتصور الملك عجز يوسف؛ لأنه لا يفهم معنى الاستثناء المقصود، ومن الممكن تصور أن يوسف ﵇ استثنى في نفسه.
وطلب الرئاسة في الجو الذي طلبها فيه يوسف ضرورة دينية؛ لأن الجماهير لا تتحول إلى الدين الحق، إلا إذا سلمت أمامها مؤسسات التوجيه، وتلاقت في طريق
стр. 261
واحد، تبني ولا تهدم، تشيد الخير، وتقوض الفساد ولا تتناقض الآراء لرواد المجتمع الواحد ... وذلك لا يكون إلا بتولي يوسف الأمر كله، وقد تم له ما أراد، حيث ترك الملك له كل شيء، وتمكن يوسف من كل شيء.
وبهذا, لا لوم عليه في طلب الرئاسة, وتزكية النفس، وللمسلم أن يطلب رئاسة يقدر على الوفاء بها بطرق يرضى بها المجتمع الذي يعيش فيه، حتى إذا ما استجيب له يقوم بدوره مع الناس متآلفا، ودودا.
الحقيقة الثالثة: "تمني الموت"
في نهاية قصة يوسف ﵇ نقرأ قوله تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ ١.
فقد سأل ﵇ ربه حينما تمت النعمة عليه باجتماعه بأبويه وإخوته, وبما من الله عليه بالنبوة والملك ... دعا ربه أن يديم عليه نعمته في الآخرة, وأن يتوفاه مسلما، وأن يلحقه بالصالحين من إخوانه النبيين والمرسلين عليهم صلوات الله وسلامه.
والسؤال هنا:
هل يجوز ليوسف ﵇ أن يتمنى الموت وهو صحيح؟
وهل يجوز لأتباع محمد ﷺ هذا التمني؟
إن تمني الموت لا يجوز مطلقا، لا ليوسف، ولا لأي مسلم آخر.
ولذلك قال المفسرون: إن يوسف ﵇ طلب ذلك حين حضرته الوفاة، أو إنه طلب من ربه أن يتوفاه على الإسلام يوم يحين أجله، وذلك كما يقول الرجل وهو يدعو: اللهم أحيني مسلما، وأمتني مسلما.
стр. 262
وما ذهب إليه المفسرون أولى من قول بعضهم: إن ذلك كان جائزا في شريعة يوسف ﵇.
ومن المعلوم أن حياة الرسل للدعوة، فإذا ما تمت يقترب أجلهم، لقد شعر الصحابة بقرب أجل النبي ﷺ لما نزل قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ١، ولما نزلت سورة النصر سُر الصحابة وبكى ابن عباس، ولما سئل قال: هذا أجل رسول الله ﷺ .
وفي شريعة الإسلام لا يجوز للمسلم أن يتمنى الموت؛ لأن الموت يقطع العمل، وأما الحياة فإنها فرصة المؤمن يزداد بها خيرا، في شكره النعم، أو صبره على البلاء.
وإذا تعرض المسلم لضر أو أذى، فإن الله يجيز له الهجرة نصرة لدينه، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ ٢.
ومن هنا فقد نهى النبي ﷺ عن تمني الموت, حيث قال: "لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان ولا بد متمنيا الموت فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي, وتوفني إذا كان الموت خيرا لي" ٣.
أما إذا عمت الفتنة ولم يجد المرء لنفسه خلاصا منها, فإنه يجوز له أن يتمنى الموت؛ ولهذا قال علي بن أبي طالب ﵁ في آخر خلافته، لما رأى أن الأمور لا تجتمع
стр. 263
له، ولا يزداد الأمر إلا شدة قال: "اللهم خذني إليك فقد سئمتهم، وسئموني"، وقال البخاري ﵀ لما وقعت له الفتنة, وجرى له مع أمير خراسان ما جرى، قال: "اللهم توفني إليك".
وفي الحديث الصحيح: "إن الرجل ليمر بالقبر -أي: في زمن الدجال- فيقول: يا ليتني مكانك"؛ لما يرى من الفتن، والبلايا، والأمور الهائلة١.
الحقيقة الرابعة: عدم تعجل النتيجة
أوحى الله إلى يوسف وهو في الجب بما سيئول إليه أمره، وطال به الزمن، ولما جاءه إخوته، لم يتعجل إظهار الحقيقة، وإنما تدرج في الظهور لأخيه، وإخوته، وأبيه، وذلك أمر حسن في شئون الحياة الدنيا.
أما في شئون الدين فهو أشد حسنا، وأعظم أثرا؛ لأن التربية الهادئة المركزة تبني المبادئ على أساس متين، وتجعل البناء صلبا يتحمل الأنواء، والأعاصير, والزلازل.
والدين يواجهه أعداؤه في كل عصر ومصر؛ ولذلك لزم أن يكون قوي البناء متين الدعائم ...
وأيضا, فإن تعجل النتيجة والأثر، لا يحقق النتيجة المأمولة، وكثيرا ما يؤدي إلى التصادم، والانفعال، والعصبية، وهذا أمر لا يفيد الدعوة إلى الله تعالى.
стр. 264
أيوب ﵇
مدخل
...
١٣- أيوب ﵇:
أيوب ﵇ رسول الله إلى قومه الذي جاء ذكره في القرآن مختصرا.
و"أيوب" اسم أعجمي غير منصرف، وقيل: بل هو اسم عربي, ومعناه في العربية والعبرية: الرجوع إلى الله في كل حال، في المحنة والبلاء، والمنحة والرجاء....
وقد اتخذ بلاء أيوب ﵇ صورا عديدة، فقد ابتلاه الله تعالى بالنعم والخير، فشكر ربه المنعم، المتفضل، واستمر يذكره آناء الليل، وأطراف النهار، عابدا خاشعا ...
كما ابتلاه الله بالأذى، والضر، فصبر ورضي، واحتسب صبره ورضاه لله رب العالمين.
وبلغ من تحمله لقضاء الله وقدره، أنه لم يطلب من الله رفع الأذى لينال بالصبر رضوان الله تعالى.
وما طلب من الله النجاة إلا شفقة بزوجته بعدما رأى حالها ...
وقد تحمل أيوب ﵇ في بلائه فصبر، وظل راضيا بقضاء الله تعالى؛ ولذلك ففي قصته دروس وعبر.
والحديث عن أيوب ﵇ يتضمن النقاط التالية:
стр. 265
" النقطة الأولى": التعريف بـ "أيوب" ﵇
أيوب بن موص بن زراح بن إسحاق١, من ذرية إبراهيم ﵇ يقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ﴾ ٢, والضمير في ﴿ذُرِّيَّتِهِ﴾ يعود إلى إبراهيم ﵇ وأيوب نبي أوحى الله إليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ﴾ ٣.
وقد تزوج أيوب ابنة عمه، قيل: اسمها: رحمة بنت يوسف بن يعقوب٤، وكان مبعثه ﵇ بـ "حران"٥.
وقد مدحه الله تعالى, وأبرز صفاته الخيرة، فقال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ٦.
فلقد التزم ﵇ مقام العبودية، وأسلم أمره لله تعالى، وابتلي فصبر, وكان كثير التسبيح لله رغم ما كان فيه من بلاء.
لم يتحدث القرآن الكريم عن دعوة أيوب ﵇ واكتفى بالحديث عن خصائصه, وصفاته، وما ابتلي به.
يقول الحافظ ابن حجر: "وكان له البثنية٧, سهلها، وجبالها، وله فيها أهل ومال وولد، فسلب ذلك منه شيئا فشيئا، وهو يصبر ويحتسب، ثم ابتلي في
стр. 266
في جسده بأنواع من البلاء، فرفضه الناس إلا امرأته"١.
وقد استمر أيوب ﵇ في دعوة الناس إلى الله تعالى سبعين عاما، وكان فيها عظيم التقوى، رحيما بالمساكين, يكفل الأرامل والأيتام، ويكرم الضيف، وينصح بالحق في رفق ولين، ومن رفقه بقومه، وشدة تقواه أنه كان يمر بالرجلين يتنازعان فيذكران الله، فيرجع إلى بيته يكفر عنهما كراهية أن يذكرا الله إلا في حق، ومخافة أن يكبهما الله في النار٢.
وذات يوم قال أخ له لآخر: لو كان الله يعلم من أيوب خيرا ما ابتلاه بهذا البلاء، وسمعهما أيوب، فجزع من ذلك جزعا لم يجزع مثله قط، فقال لله: اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة شبعانا وأنا أعلم مكان جائع، فصدقني، فصدق من السماء، وهما يسمعان ... اللهم إن كنت تعلم أني لم يكن لي قميصان قط، وأنا أعلم مكان عارٍ فصدقني، فصدق من السماء، وهما يسمعان٣.
وهذه كلها شواهد حق على حسن خلقه، وصدقه في دعوة الناس التي استمرت سبعين عاما.
وبعد ذلك نزل به البلاء، ففقد ماله، وأهله، وولده، ولم يبق معه إلا زوجته، وأصيب بعد ذلك في بدنه حتى لم يبق في جسده عضو سليم.
وقد عاش أيوب ﵇ في البلاء مدة طويلة، اختلف العلماء في تحديدها، وأقلها في أقوالهم ثلاث سنين، وأكثرها ثماني عشرة سنة ... وقد قابل أيوب هذا البلاء بالصبر، والاستسلام لله، عبودية وخضوعا، قالت له زوجته: يا أيوب لو دعوت ربك لفرج عنك.... فقال لها: لقد عشت سبعين سنة صحيحا، فهل قليل لله أن أصبر على البلاء سبعين سنة٤؟
стр. 267
وكما اختلف العلماء في تحديد مدة البلاء، اختلفوا في صوره وأنواعه, وبخاصة ما كان في بدنه، ويذهبون في ذلك إلى آراء كثيرة، أوصلها الإمام القرطبي إلى خمس عشرة صورة.
والذي أراه -والله أعلم- أن الله ابتلى أيوب ﵇ فصبر حتى صار يضرب بصبره المثل، وكان مما ابتلى به المرض، وأراه مرضا لا ينفر الناس منه، ولا يلحق به نقصا في شخصه، فهو ﵇ رسول، مكلف بدعوة الناس، ولو كان به نقص ذاتي، أو مرض منفر، لاعتذر الناس به عند الله، وكان لهم عذرهم في أن الذي نفرهم هو المرض.
ولذلك فهو مرض لا ينفر، كالروماتيزم، وآلام العظام، والضعف العام، وهكذا ... والابتلاء متحقق بهذه الأمراض التي لا تنفر، كما يتحقق بغيرها، والضر به لشدته، ولمدته الطويلة، وحينما قال الله له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ ضربها، ولم يكن عاجزا.
وأي فائدة تترتب على إلقائه في مزبلة، أو امتلاء جسده بالدود، أو تقيح جسده، أو عبث الدواب به؟ لا فائدة في كل هذا؟ والأنبياء والرسل كرام عند الله تعالى.
ولذلك كان أيوب في أثناء بلائه يصدق من الله تعالى، ويكرم أمام الناس، يمدح الله تعالى أيوب ﵇ بصبره على البلاء، وصدقه في العبودية، واستمراريته على الذكر والتسليم، فيقول تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ .
انصرف الناس جميعا عن أيوب ﵇ ولم يبق معه إلا زوجته, فقد استمرت معه تخدمه وتساعده، وتعمل لدى الناس لتنفق عليه من أجرها ﵂ واستمرت على ذلك، حتى انصرف الناس عنها؛ خوفا من انتقال مرض زوجها إليهم، فعمدت إلى إحدى ضفيرتيها، وباعتها لإحدى بنات الأشراف، بطعام طيب وفير
стр. 268
ثم باعت الضفيرة الثانية وأنفقت ثمنها على أيوب، وأطعمته.
وأين إبليس في بلاء أيوب؟ وما دوره في الإضلال؟
لم يغب إبليس.... وإنما قام بدوره مع زوجته، حيث جاءها في صورة طبيب يصف لها دواء أيوب، فلما أتت زوجها تعرض عليه إحضار طبيب يشفيه، تألم منها لنسبتها الشفاء لغير الله، وضجرها من قدر الله، وأقسم ليضربنها.
وانطلق إبليس إلى رجلين صديقين لـ "أيوب" وقال لهما: احملا لـ "أيوب" خمرا، فإن شرب منه برئ, فلما أتياه، وعرضا عليه الخمر، قال لها: جاءكما الخبيث، كلامكما وشرابكما وطعامكما علي حرام، فقاموا من عنده.
وأتى إبليس إلى أيوب، ووسوس له، وأخبره بأن زوجته بغت بمال أنفقته عليه، فتألم وأقسم ليضربنها مائة سوط، فلما جاءته سألها عن مصدر المال الذي تأتي به، فكشفت له عن رأسها، وأخبرته بأنها باعت ضفيرتيها؛ لتنفق ثمنهما، وتطعمه.
يذكر المفسرون صورا عديدة لمحاولات إبليس مع أيوب, منها أن الله كلم إبليس, وأنه مكن له في السماء السابعة.
يورد القرطبي بعضا منها ثم يعقب برأي ابن العربي، وفيه أن ذلك كلام لا يصح؛ لأن الله أهبط إبليس من الجنة بلعنته، وسخطه، مطرودا من السماء إلى الأرض، ومحال أن يرقى بعد ذلك إلى مقام الأنبياء، وأما قولهم: إن الله كلمه، فمحال أن يكلم الله إبليس أو جنوده، وأما قولهم: إن الله سلطه على أيوب، وماله، وولده، فهو أمر متروك لإبليس وذريته مع الخلق جميعا، ولا حاجة لتوجيه خاص بأيوب، وأما قولهم: إن إبليس قال لزوجة أيوب: أنا إله الأرض فلو تركت ذكر الله، وسجدت لي لعافيت زوجك، فلا يصح؛ لأن هذا كلام لا يقبله مؤمن عادي، فكيف تسمعه
زوجة نبي مؤمنة؟! ١.
стр. 269
تألم أيوب ﵇ لحال زوجته حينما رأى رأسها، ورق لها، فسأل الله أن يكشف عنه الضر، والأذى؛ رحمة بزوجته.
ولما تم الأجل الذي قدره الله تعالى واتجه أيوب إلى ربه، وسأله كشف الضر، وقال ما حكاه الله عنه: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين﴾ ١, ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ ٢.
والمراد بالنصب: الضر الذي أصابه في بدنه، والمراد بالعذاب: الضر الذي أصابه في ماله وولده٣.
وقيل: النصب: الشر والبلاء ماديا أو معنويا كالوسوسة والشك، أما العذاب: فهو البلاء والشر المادي فقط٤.
ونلمح أدبه ﵇ مع ربه وهو يدعوه، إذ نراه ينسب الضر إلى الشيطان، ويسأله أن يرفعه عنه....
واستجاب الله لـ "أيوب" ﵇ وانفرجت الغمة، وذهب البلاء، وقال الله لأيوب: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ ٥.
أمره بأن يضرب الأرض برجله، فضربها ﵇ ضربة فنبعت عين، فأمره الله أن يغتسل منها، فاغتسل فذهب جميع ما كان في بدنه من الأذى، ثم أمره فضرب الأرض في مكان آخر فنبعت منه عين أخرى، وأمره أن يشرب منها، فلما شرب ذهب جميع ما كان في باطنه من السوء، وتكاملت العافية ظاهرا وباطنا٦ بعدما اغتسل من عين، وشرب من الأخرى.
стр. 270
وكافأه الله أيضا على صبره الجميل، بأن أعاد له أهله ومثلهم معه، يقول تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ١.
وللعلماء في إعادة أهله له, أقوال متعددة:
الأول: أن الله أحياهم بأعيانهم, وآتاه مثلهم في الدنيا، وينسب هذا القول إلى ابن عباس وابن مسعود ومجاهد ﵃.
الثاني: أن الله تعالى خيّره بين إحضارهم بذواتهم، أو تركهم في الجنة على أن يؤتى له بأمثالهم، فاختار بقاءهم في الجنة، وإحضار أمثالهم له في الدنيا.
الثالث: أوتي أجرهم في الآخرة، وأعطي أمثالهم في الدنيا٢.
ومع الآراء الثلاثة, فقد أوتي بأمثالهم، وضاعف الله في نعمه ... ومن عجيب قدر الله أن زوجته لما جاءته بعد أن اغتسل، وألبسه الله حلة من الجنة لم تعرفه، فقالت له: يا عبد الله, أين ذهب هذا المبتلى الذي كان ههنا؟ فوالله القدير ما رأيت رجلا أشبه به منك إذ كان صحيحا، فقال لها: فإني أنا هو، وأعاد الله لزوجته شبابها، وأنجبت له عددا من الأولاد.
وبالنسبة لقسمه الذي حلف فيه: ليضربنها، فقد علمه الله حيلة يبر بها قسمه، من غير إيذائها، رحمة به وبها، قال الله تعالى له: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ ٣.
فأخذ بيده حزمة من الحشيش الأخضر اللين، بها مائة عود صغير، وضربها به مرة واحدة خفيفة، وبذلك بر قسمه، ولم يؤذ زوجته.
стр. 271
وهكذا انتهت محنة أيوب، بعودة ما كان فيه من خير، وضاعف الله له العطاء، تكريما له.
يروي الحاكم أن أيوب ﵇ كان له أندران، أحدهما للقمح، والثاني للشعير، فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح، أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى على أندر الشعير الفضة حتى فاض.
يروي البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه: "بينما أيوب يغتسل عريانا، خر عليه رجل جراد من ذهب، فجعل يحثي في ثوبه، فناداه ربه: يا أيوب, ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب، ولكن لا غنى لي عن بركتك" ١.
فنزل عليه الذهب في شكل جماعات الجراد، فأخذ يجمعها، ويلتقطها في ثوبه ... فلما سأله الله عن عطائه إياه أقر له ﵇ بأنه أغناه، لكنه مع ذلك لا يستغني عن الزيادة رحمة من الله وبركة.
وهكذا عاش أيوب في النعم الوافرة، وخيرات الله الكثيرة، حتى لقي ربه عن عمر يزيد على تسعين عاما, ﷺ .
стр. 272
النقطة الثانية: ركائز الدعوة في قصة أيوب ﵇
مدخل
...
"النقطة الثانية": ركائز الدعوة في قصة أيوب ﵇
يمكننا أن نأخذ من قصة أيوب عددا من العبر، تعود إلى القائم بأمر الدعوة، وكأن الله تعالى فصل لنا هذا الجانب ليكون معلما لكل من يقوم بأمر الدعوة، يرى به ما سيقابله من مشاق، وما يحتاج إليه من صفات، وما يجب عليه من حسن معاملة وخلق؛ ليكون على بينة من طبيعة الناس، ومشاق الدعوة، وضرورة التبليغ.
وسأحاول إبراز أهم الركائز فيما يلي:
стр. 273
الركيزة الأولى: تكامل شخصيته مبلغ الدعوة
...
الركيزة الأولى: تكامل شخصية مبلغ الدعوة
مبلغ الدعوة، والقائم بشأنها، لا يحقق مراده من النجاح إلا إذا أخلص في سعيه، وكمل في ذاته.
وأول ما يحتاجه الداعية، أن يمتن صلته بالله، ويرضى بقضائه وقدره، في السراء والضراء.
وليعلم الدعاة أن: "أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلاه الله على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة" ١.
وإن الصبر ليعد الدليل الأوضح على قوة إيمان صاحبه، وصدقه في العبودية لخالقه، فالبلايا للمؤمن امتحان واختبار، يقول تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ٢.
وقد رأينا في قصص الأنبياء السابقين كثيرا من ابتلاء الله لهم، وصبرهم على ما قدره الله عليهم؛ ولذلك كان الصبر نصف الإيمان.
جاء في الحديث القدسي: "إذا وجهت إلى عبد من عبادي مصيبة في بدنه, أو ماله، أو ولده، ثم استقبل ذلك بصبر جميل، استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزانا، أو أنشر له ديوانا" ٣.
стр. 274
وقد رأينا أيوب ﵇ ابتلي في نفسه، وماله، وأهله، وولده، فلم يجزع أبدا، وظل على حسن التقوى، وجميل الصبر مدة طويلة، راضيا بقضاء الله فيه.
وحاجة الدعاة إلى الصبر ضرورة؛ لأنهم دائما يجابهون أعداء الله في الأرض، وكثيرا ما يتمكن الأعداء منهم، وحينئذ يكون الصبر ملاذهم ومأواهم، وهو الأسلوب الأمثل لإثبات قوة الحق، وإظهار صلابة الإيمان وعزته.
ولحكمة أرادها الله تعالى ابتلى الأنبياء جميعا بصور شتى من البلاء؛ ليكونوا الأسوة لدعاة الله من بعدهم....
ومن الصفات التي يجب أن يتحلى بها الداعية، أن يكون رفيقا بمن حوله ومعاشريه، وأولهم أهله وبنوه، فهم المجال الأقرب لدعوته، وإيمانهم دليل على صدق الدعوة.... ولذلك أمر الله تعالى رسوله محمدا ﷺ قائلا: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ ١.
وهذا أيوب ﵇ لما أقسم على أن يضرب زوجته مائة سوط، علمه الله أن يبر بقسمه، ولا يؤذي زوجته، ليتعلم كيف يكون رفيقا، رقيقا معها، ولم يأمر الله تعالى أيوب ﵇ بترك الضرب بالكلية، ليعلم أن من حق الزوج أن يؤدب زوجته في حدود الرفق والمودة، والرحمة، ويرى الشافعي أن هذا المخرج جائز في الإسلام في غير الحدود، ويوافقه أبو ثور وأصحاب الرأي٢.
ومما يساعد الدعاة على القيام بواجب الدعوة أن يكون بيته مثواه الآمن، وراحته، وسكنه؛ ليستعين بذلك على المشاق، والصعاب، التي يواجهها مع الناس.
لقد أرشد إبراهيم ولده إسماعيل ﵇ بطلاق زوجته الأولى لما رأى في أسلوبها ولقائها، ضجرا وتألما وشكاية من قدر الله تعالى.
إن القائم بأمر الدعوة إذا أدى حق الله، وحق الناس، وحافظ على ذلك تتكامل شخصيته، ويحقق لدعوته الخير والفلاح.
стр. 275
الركيزة الثانية: الثقة المطلقة في الله
حينما تشتد الخطوب، ويكثر البلاء، ويجد الداعية نفسه وحيدا، فريدا، عليه أن يركن إلى الله تعالى، ويستجير بمعونته ونصره، فهو سبحانه القادر على كل شيء، وبيده مقاليد السموات والأرض، وإليه يرجع الأمر كله، وهو سبحانه يقلب الليل والنهار، بما يشاء وبما يريد.
إن الثقة في الله تملأ القلب قوة، وتشحن النفس بالشجاعة والإقدام، وتجعل العقل يتيقن بما عند الله أكثر من يقينه مما في يد نفس صاحبه.
إن الصدق في الإيمان هو الذي يجعل المؤمن يقدم على الموت في سبيل الله ثقة بوعد الله تعالى١.
وهو الذي يجعل المؤمن يلازم الطاعة الخالصة، والدنيا من حوله تموج بالفتن، وتدعو إلى الضلال والهوى.
إن الدعاة إلى الله أجراء عند الله، أينما كانوا وحيثما حلوا, وكيفما أرادهم سيدهم أن يعملوا عملوا، وليس عليهم بعد ذلك التطلع إلى المصير.
وكذلك لم يكن عجيبا عند العقلاء ما نراه من أنبياء الله تعالى، وهم يستمرون في الدعوة إلى الله، بلا أتباع، وبلا أنصار من الناس؛ لأنهم اتبعوا ربهم، وانتصروا به وحده .
وأيوب ﵇ مَثَل أعلى في هذه الثقة، لم يذهب إلى طبيب يعالجه، ولم يلتمس طريقا يشفيه، ولما أراد الله له النجاة والشفاء أخذه إليه، فناداه قائلا: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ، وحينئذ أمره بالاغتسال في الماء الذي نبع له بعد أن ضرب الأرض بقدمه، وأعاد له ما أخذ منه، من أهل ومال، ومثله معه.
стр. 276
الركيزة الثالثة: الأخذ بالأسباب المشروعة
ليس بعيدا على الله أبدا أن يتم شفاء أيوب بلا عمل منه، لكن الله تعالى أمره أن يضرب الأرض بقدمه؛ لينبع الماء، ويغتسل منه ويشرب، وبذلك يزول ما ببدنه وباطنه من أذى.
لقد أمره الله تعالى بذلك ليتعلم هو والآدميون من بعده، أن الله تعالى يجري أقداره على أسباب يقوم بها الناس، حتى لا يتكلوا، فكأنه استعمل الدواء، فأشفاه الله من الداء، وصارت سنة في الناس أن يأخذوا بالأسباب، متوكلين على الله، يقول النبي ﷺ : "يا عباد الله تداووا؛ فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء" ١.
ومن الأخذ بالأسباب قول الله تعالى لمحمد ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢. إن الله تعالى قادر على أن ينصر رسوله بـ "كن" ولكنه أجرى النصر على الأسباب، فهيأ طائفة من المؤمنين يؤيدون رسول الله ﷺ وينصرونه، وحتى يعلم المسلمون على طول الزمن أن الإسلام يحتاج إلى جهد المسلمين، وصدقهم في الدفاع عنه.
وبالنظر في تاريخ الدعوة، نرى جريان القدر الإلهي على الأسباب البشرية غالبا, حتى لا يتكل الناس.
فالمجتهد يفوز، والكسول يخبو، والساعي إلى الحق يصل إليه ...
ومن الأخذ بالأسباب ومراعاة الواقع ما نراه من أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵁, فلقد أنكر عليه ابنه عبد الملك عدم إسراعه في إزالة الانحراف مرة واحدة, قال له: لا تعجل يا بني, فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين، وحرمها في الثالثة، وإني
стр. 277
أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة, فيدفعوه جملة، وتكون من ذا فتنة١, وفي هذا درس للدعاة.
стр. 278
الركيزة الرابعة: أهمية الدعاء
شرع الله للناس اتصالا عاجلا به، يلجئون إليه لتحقيق حاجاتهم، وهو الدعاء، والتوجه لله تعالى.
إن الدعاء الخالص هو العبادة الحقيقية؛ لأنه دليل تقدير العبد للمعبود، وثقته فيه.
والدعاة إلى الله تعالى أحوج الناس إلى هذا السبيل، وعليهم اللجوء إلى الله في السراء والضراء؛ ليديم لهم العطاء، ويتحقق لهم النصر، ويتمكنوا من نشر دين الله بصفائه بين الناس.
стр. 279
١٤- ذو الكفل ﵇:
وردت قصة ذي الكفل في آيتين من آيات القرآن الكريم في سورتي "الأنبياء" و"ص", يقول الله تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ ١، ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ﴾ ٢.
يرى بعض العلماء أن ذا الكفل ليس نبيا، ولكنه عبد صالح، تكفل لبني قومه أن يكفيهم أمرهم، ويقضي لهم حاجاتهم، ويحكم بينهم بالعدل وبالحق، ففعل ذلك فسمي بذي الكفل، وقيل: لأنه تكفل بأمر فوفاه، وقيل: لأنه تحمل ضعف غيره في العمل، وثوابه ضعف ثواب غيره أيضا، وينسب هذا الرأي لمجاهد، وقتادة٣.
ويذهب آخرون وعلى رأسهم الحسن وابن تيمية والرازي, والأكثرون إلى أنه ﵇ نبي من الأنبياء, مستدلين بما يلي:
١- إن الكفل اسم مفيد، ومعناه النصيب، وسماه الله بذلك على سبيل التعظيم, فوجب أن يكون الكفل هو كفل الثواب؛ لأن الله جعل عمله ضعف عمل غيره، وجعل ثواب عمله ضعف ثواب عمل غيره، وكان في زمنه أنبياء، وهذا يرجح كونه نبيا؛ لأنه لا يجوز أن يكون ثواب الرجل الصالح إن قلنا بعدم ثبوت نبوته أفضل من ثواب النبي، مهما كان العمل الذي كلف به.
стр. 280
٢- إن الله قرن اسمه وذكره باسم وذكر إسماعيل وإدريس ﵈ وهؤلاء أنبياء، فهو نبي مثلهم؛ لأن الغرض من الآية ذكر الفضلاء من عباده ليتأسى بهم الناس.
٣- إن السورة ملقبة بسورة الأنبياء, فكل من ذكره الله تعالى فيها، فهو نبي١.
يذكر الترمذي أن ذا الكفل من أنبياء بني إسرائيل, وبرغم أن الآيات لم تفصل في حركته بالدعوة، إلا أن الأوصاف التي أوردتها عنه ﵇ تدل على ملامح دعوته، وأهمها:
- ذو الكفل: حيث تكفل بما عهد إليه، ووفى بكل ما كلف به، وذلك دليل على قيامه بأمر الدعوة والبلاغ؛ لأنها موضوع رسالته التي كلف بها، والقضية التي بعث لها، وكان ﵇ يتكفل لكل إنسان بحاجته، فقصده أصحاب الحاجات، وبهذا سهل أمامه الاتصال بهم, ودعوتهم إلى الله تعالى.
- من الصابرين: وهذه صفة أساسية في نبوته، فبها يؤدي حق الله وحق الناس، ويتحمل كافة المعارضات والعداوات، التي توجه لشخصه، أو لكونه رسولا، أو لدعوته، من الضالين المكذبين على اختلافهم، وتنوعهم.
- من الأخيار: وخيرية الرسول دائما تكون لنفسه وللناس، وهو ينصحهم ويرشدهم، ويحاول إصلاح حياتهم وأخراهم، ويبصرهم بما يجب عليهم لله تعالى.
وهذه الملامح مستفادة من الصفات المذكورة، وأما بيان الوقائع الدالة عليها فلم يتكلم عنها المفسرون والمؤرخون، وكل ما فصل فيه البعض لا دليل عليه؛ ولذلك كان الاكتفاء بالإجمال أولى.
стр. 281
يونس ﵇
النقطة الأولى: التعريف بقوم يونس
...
١٥- يونس ﵇:
من رسل الله تعالى يونس ﵇ وهو من أبناء يعقوب ﵇ بعثه الله تعالى إلى غير الإسرائيليين، والحديث عنه يحتاج إلى عدة نقاط.
"النقطة الأولى": التعريف بقوم "يونس"
بعث الله يونس ﵇ إلى الآشوريين، الذين أسسوا لهم حضارة عرفت بهم، ونسبت إليهم، ويقع موطنهم حول نهر "دجلة" وروافده.
وأشهر مدنهم: آشور، وأريلا، والكلخ، ونينوى، وتقع هذه المدن في الجهة المقابلة لمدينة "الموصل" الحالية.
وقد نشأ الآشوريون في البادية، إلا أنهم تغلبوا على أهل المدينة، وأسسوا دولتهم، وحضارتهم.
وكان للآشوريين عاصمتان: آشور، وهي عاصمة فصل الشتاء، ونينوى، وهي عاصمة فصل الصيف.
وقامت حضارة الآشوريين على القسوة والحرب؛ ولذلك كانوا يأخذون الجزية من جيرانهم، ويبسطون نفوذهم على كثير من الشعوب.
وكانوا يعبدون أصناما لهم سموها بأسماء مدنهم، وجعلوا إلههم الأكبر هو آشور، وبه يسمى ملكهم، وكانوا يتوجهون بالعبادة لآشور "الملك"، ويتقربون إليه بالعطايا، ويسيرون على أوامره ونواهيه١.
стр. 282
وكانت دعوة يونس ﵇ للآشوريين، انطلاقا من عاصمتهم "نينوى" يدل على ذلك ما حدث مع رسول الله ﷺ يوم أن ذهب إلى "الطائف" حين التقى بـ "عداس" غلام بني ربيعة النصراني، حيث قدم عداس للنبي ﷺ قطف عنب, فمد النبي ﷺ يده إليه، وقال: "باسم الله" قبل أن يأكل، فقال عداس: إن هذا الكلام لا يقوله أهل هذه البلاد، فقال له النبي ﷺ : "من أي البلاد أنت؟ " فقال: أنا من نينوى ... فقال له النبي: "أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ " قال له عداس: وما يدريك ما يونس؟ فقال له النبي ﷺ : "ذلك أخي كان نبيا، وأنا نبي" ١.
دعا يونس ﵇ قومه إلى عبادة الله وحده، ونبذ ما هم عليه من خلق سيئ، وظلم، وعدوان على الناس.
ومن البدهي أن الله أمده بالمعجزة، ونزل عليه الوحي؛ لتحديد جوانب الدعوة التي أخذ يبلغها للناس.
لكن القوم أصروا على ضلالهم وفسادهم، وتمسكوا بعبادة الملوك والأوثان ... فلما طال الزمن وهم على ضلالهم، غضب يونس ﵇ من عنادهم، وأنذرهم بعذاب الله الذي سينزل عليهم لإصرارهم على الكفر والضلال، فلما ظهر العذاب فوق الرءوس فر من بلدهم، واتجه إلى الشرق حيث البحر والسفن؛ ليتمكن من السفر بعيدا عنهم.
لكن القوم بعدما تركهم يونس ﵇ خافوا من نزول ما خوفهم منه، وقذف الله في قلوبهم التوبة، والرجوع إلى الله تعالى، فلبسوا مسوح الرهبان، وفرّقوا بين كل بهيمة وولدها، وأخذوا يستغيثون بالله، ويتضرعون إليه ليكشف عنهم غضبه، وينزل عليهم رحمته، فاستجاب الله لهم، ورفع العذاب بعدما اقترب منهم، وأظلهم.
стр. 283
يصور الله تعالى موقف يونس ﵇ من قومه، وإيمان قومه من بعده، فيقول سبحانه: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ ١، ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ ٢، ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ ٣.
والآيات تشير إلى غضب يونس ﵇ من قومه، وفراره منهم، وأن القوم آمنوا بعد فراره فنفعهم إيمانهم، ورفع الله عنهم عذاب الخزي الذي كاد أن يحل بهم، ومتعهم في الحياة الدنيا، وسوف يمتعون في الآخرة بإذنه تعالى لإيمانهم, وتقواهم.
يقول ابن كثير: "وقد اختلف المفسرون في انتفاعهم بهذا الإيمان، في الدار الآخرة ... على قولين ... والأظهر من السياق انتفاعهم به؛ لإطلاق مسمى الإيمان عليهم، والإيمان ينقذ من عذاب الآخرة"٤, والله أعلم.
وأخذ يونس ﵇ دورته التي قدرها الله له، وعاد داعيا، وأرسله الله مرة أخرى، يقول تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ .
لكن هل هؤلاء المؤمنون هم قومه الذين فر منهم قبل ذلك، أم إنهم قوم آخرون؟؟!
يفترق العلماء في هذه المسألة إلى فريقين، وأميل إلى رأي من قال: إنهم ليسوا قومه السابقين لأسباب:
١- أن قومه السابقين آمنوا بعدما تركهم وفر منهم، أما هؤلاء فقد آمنوا
стр. 284
بعدما دعاهم لقوله تعالى: ﴿فَآمَنُوا﴾ .
٢- أن أقوامه السابقين كانوا جمعا غفيرا، أما هؤلاء فكانوا عددا قليلا في حدود مائة ألف أو يزيدون.
ولا مانع من أن يكون ﵇ أرسل لقومه المؤمنين، وأرسل إلى هؤلاء أيضا فآمنوا، فتمتع الجميع بنعيم الله في الدنيا حتى ماتوا، وسوف يتمتعون بنعيم في الآخرة بإذنه تعالى، والله هو الرحمن الرحيم.
стр. 285
" النقطة الثانية": التعريف بـ "يونس" ﵇
هو يونس بن متى، من أنبياء بني إسرائيل، أرسله الله للآشوريين، وكان ملكهم قد غزا بني إسرائيل، وسبى الكثير منهم، فبعثه الله إليهم؛ ليدعوهم إلى دين الله تعالى، ويرسل معه بني إسرائيل ليعودوا إلى ديارهم.
دعا يونس ﵇ أهل نينوى، لكنهم أصروا على كفرهم، وعبادتهم للأوثان، والأشخاص، فتركهم ﵇ وذهب مغاضبا.
يفسر العلماء ذهابه مغاضبا بما يليق بمقام النبوة بعدة أوجه:
الأول: أن المعنى ذهب مغاضبا من أجل ربه، والمؤمن يغضب لله إذا عصي أمره، وتركت طاعته.
الثاني: أنه غضب على قومه من أجل كفرهم، واشتد عليهم وفر منهم، ولم يصبر على أذاهم.
الثالث: أنه ترك الناس وذهب مغاضبا للملك الذي يتولى أمور الناس؛ لأنه لم يكن معه في دعوته لهم١, ووقف منه موقفا سلبيا.