← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 10752

دعوة الرسل عليهم السلام

أحمد أحمد غلوش

Полный текст (652 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

يونس ﵇ النقطة الأولى: التعريف بقوم يونس ... ١٥- يونس ﵇: من رسل الله تعالى يونس ﵇ وهو من أبناء يعقوب ﵇ بعثه الله تعالى إلى غير الإسرائيليين، والحديث عنه يحتاج إلى عدة نقاط. "النقطة الأولى": التعريف بقوم "يونس" بعث الله يونس ﵇ إلى الآشوريين، الذين أسسوا لهم حضارة عرفت بهم، ونسبت إليهم، ويقع موطنهم حول نهر "دجلة" وروافده. وأشهر مدنهم: آشور، وأريلا، والكلخ، ونينوى، وتقع هذه المدن في الجهة المقابلة لمدينة "الموصل" الحالية. وقد نشأ الآشوريون في البادية، إلا أنهم تغلبوا على أهل المدينة، وأسسوا دولتهم، وحضارتهم. وكان للآشوريين عاصمتان: آشور، وهي عاصمة فصل الشتاء، ونينوى، وهي عاصمة فصل الصيف. وقامت حضارة الآشوريين على القسوة والحرب؛ ولذلك كانوا يأخذون الجزية من جيرانهم، ويبسطون نفوذهم على كثير من الشعوب. وكانوا يعبدون أصناما لهم سموها بأسماء مدنهم، وجعلوا إلههم الأكبر هو آشور، وبه يسمى ملكهم، وكانوا يتوجهون بالعبادة لآشور "الملك"، ويتقربون إليه بالعطايا، ويسيرون على أوامره ونواهيه١.

стр. 282

وكانت دعوة يونس ﵇ للآشوريين، انطلاقا من عاصمتهم "نينوى" يدل على ذلك ما حدث مع رسول الله ﷺ يوم أن ذهب إلى "الطائف" حين التقى بـ "عداس" غلام بني ربيعة النصراني، حيث قدم عداس للنبي ﷺ قطف عنب, فمد النبي ﷺ يده إليه، وقال: "باسم الله" قبل أن يأكل، فقال عداس: إن هذا الكلام لا يقوله أهل هذه البلاد، فقال له النبي ﷺ : "من أي البلاد أنت؟ " فقال: أنا من نينوى ... فقال له النبي: "أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ " قال له عداس: وما يدريك ما يونس؟ فقال له النبي ﷺ : "ذلك أخي كان نبيا، وأنا نبي" ١. دعا يونس ﵇ قومه إلى عبادة الله وحده، ونبذ ما هم عليه من خلق سيئ، وظلم، وعدوان على الناس. ومن البدهي أن الله أمده بالمعجزة، ونزل عليه الوحي؛ لتحديد جوانب الدعوة التي أخذ يبلغها للناس. لكن القوم أصروا على ضلالهم وفسادهم، وتمسكوا بعبادة الملوك والأوثان ... فلما طال الزمن وهم على ضلالهم، غضب يونس ﵇ من عنادهم، وأنذرهم بعذاب الله الذي سينزل عليهم لإصرارهم على الكفر والضلال، فلما ظهر العذاب فوق الرءوس فر من بلدهم، واتجه إلى الشرق حيث البحر والسفن؛ ليتمكن من السفر بعيدا عنهم. لكن القوم بعدما تركهم يونس ﵇ خافوا من نزول ما خوفهم منه، وقذف الله في قلوبهم التوبة، والرجوع إلى الله تعالى، فلبسوا مسوح الرهبان، وفرّقوا بين كل بهيمة وولدها، وأخذوا يستغيثون بالله، ويتضرعون إليه ليكشف عنهم غضبه، وينزل عليهم رحمته، فاستجاب الله لهم، ورفع العذاب بعدما اقترب منهم، وأظلهم.

стр. 283

يصور الله تعالى موقف يونس ﵇ من قومه، وإيمان قومه من بعده، فيقول سبحانه: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ ١، ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ ٢، ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ ٣. والآيات تشير إلى غضب يونس ﵇ من قومه، وفراره منهم، وأن القوم آمنوا بعد فراره فنفعهم إيمانهم، ورفع الله عنهم عذاب الخزي الذي كاد أن يحل بهم، ومتعهم في الحياة الدنيا، وسوف يمتعون في الآخرة بإذنه تعالى لإيمانهم, وتقواهم. يقول ابن كثير: "وقد اختلف المفسرون في انتفاعهم بهذا الإيمان، في الدار الآخرة ... على قولين ... والأظهر من السياق انتفاعهم به؛ لإطلاق مسمى الإيمان عليهم، والإيمان ينقذ من عذاب الآخرة"٤, والله أعلم. وأخذ يونس ﵇ دورته التي قدرها الله له، وعاد داعيا، وأرسله الله مرة أخرى، يقول تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ . لكن هل هؤلاء المؤمنون هم قومه الذين فر منهم قبل ذلك، أم إنهم قوم آخرون؟؟! يفترق العلماء في هذه المسألة إلى فريقين، وأميل إلى رأي من قال: إنهم ليسوا قومه السابقين لأسباب: ١- أن قومه السابقين آمنوا بعدما تركهم وفر منهم، أما هؤلاء فقد آمنوا

стр. 284

بعدما دعاهم لقوله تعالى: ﴿فَآمَنُوا﴾ . ٢- أن أقوامه السابقين كانوا جمعا غفيرا، أما هؤلاء فكانوا عددا قليلا في حدود مائة ألف أو يزيدون. ولا مانع من أن يكون ﵇ أرسل لقومه المؤمنين، وأرسل إلى هؤلاء أيضا فآمنوا، فتمتع الجميع بنعيم الله في الدنيا حتى ماتوا، وسوف يتمتعون بنعيم في الآخرة بإذنه تعالى، والله هو الرحمن الرحيم.

стр. 285

" النقطة الثانية": التعريف بـ "يونس" ﵇ هو يونس بن متى، من أنبياء بني إسرائيل، أرسله الله للآشوريين، وكان ملكهم قد غزا بني إسرائيل، وسبى الكثير منهم، فبعثه الله إليهم؛ ليدعوهم إلى دين الله تعالى، ويرسل معه بني إسرائيل ليعودوا إلى ديارهم. دعا يونس ﵇ أهل نينوى، لكنهم أصروا على كفرهم، وعبادتهم للأوثان، والأشخاص، فتركهم ﵇ وذهب مغاضبا. يفسر العلماء ذهابه مغاضبا بما يليق بمقام النبوة بعدة أوجه: الأول: أن المعنى ذهب مغاضبا من أجل ربه، والمؤمن يغضب لله إذا عصي أمره، وتركت طاعته. الثاني: أنه غضب على قومه من أجل كفرهم، واشتد عليهم وفر منهم، ولم يصبر على أذاهم. الثالث: أنه ترك الناس وذهب مغاضبا للملك الذي يتولى أمور الناس؛ لأنه لم يكن معه في دعوته لهم١, ووقف منه موقفا سلبيا.

стр. 286

وأحسنها الرأي الأول.... وتدل هذه المغاضبة أيا كان المراد بها، على ضيق صدر "يونس", وأنه لما تحمل أمر النبوة قام به بمشقة وعسر؛ ولذلك لم يصبر على قومه، وكان يتوعدهم بالعذاب يحل بهم، فلما أظلّهم العذاب تركهم، ولكنهم تابوا فرفع الله العذاب عنهم، وعاتب الله يونس لأنه تعجل بتركهم١. وكان عليه ألا يتركهم إلا بإذن من الله تعالى، وألا يغضب أبدا.... يبين القرآن الكريم هذه الصفات في يونس ﵇ فيقول تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ ٢. حيث يأمر الله محمدا ﷺ ألا يكون كأخيه يونس في الغضب، والضجر, والعجلة، مع قومه، ويوم أن دعا ربه وهو في بطن الحوت كان مكظوما ... يقول ابن عباس ومجاهد: أي: مملوءا غما ... ويقول عطاء وأبو مالك: أي: مملوءا كربا ... يقول الماوردي: والفرق بينهما أن الغم في القلب "العقل"، والكرب في النفس "العواطف"، ولا مانع من إرادة المعنيين معا. خرج يونس من عند قومه، وذهب إلى البحر ليفر منهم بواسطة سفينة تقله بعيدا عنهم، فوجد سفينة مملوءة، فركبها، وسارت السفينة، وولجت بركابها في البحر، فلما جاءها الموج، ثقلت بمن فيها، وتوقفت في عرض البحر، فتشاور الركاب، واتفقوا على أن يقترعوا فيما بينهم، فمن أصابته القرعة، ألقوه في البحر؛ ليتخففوا منه، فلما اقترعوا وقع السهم على نبي الله يونس، فلم ينفذوها عليه، لصلاحه وخلقه، وأعادوا القرعة مرة ثانية وثالثة, وفي كل مرة تأتي عليه، فألقوه في الماء، حيث لا مناص من ذلك. ويجري القدر لتحقيق مراد الله تعالى، ويأتي حوت عظيم يلقمه، فيأمره الله تعالى بعدم أكل لحمه، أو تكسير عظمه، ويبتلعه الحوت، ويستقر "يونس" في بطنه حيا، فأخذ يسبح ربه، ويعبده، واتخذ من بطن الحوت مسجدا, واستغرق في الذكر

стр. 287

والتسبيح، والدعاء، ونادى ربه أن ينقذه من هذه الظلمات، وتاب عما كان منه ... بعدما رأى أنه تضايق في سعة الدنيا, فضيق الله عليه في بطن الحوت، يصور الله ذلك فيقول سبحانه: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ١. والآية تتحدث عن كونه ترك قومه غاضبا، وظن أن لن نقدر عليه، بمعنى: ألا نضيق عليه كقوله تعالى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ ٢ أو بمعنى الحكم والقضاء أي: لا نقضي عليه بالعقوبة٣، وسكن في بطن الحوت، وعاش ظلمة الليل وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، وتاب ﵇ عما خالف فيه من ترك دعوة قومه وعدم الصبر عليهم، وضجره من كفرهم، وسأل الله أن يفرج عنه ما هو فيه. لما محصه الله تعالى، وأدبه، وعلم صلاته، وتسبيحه أمر الحوت أن يقذفه على الساحل، فقذفه ضعيفا, نحيلا، يقول الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤، ونجاه الله تعالى إلا أنه كان عاريا يحتاج لستر، وظل، وطعام، وشراب، وأتم الله تعالى فضله عليه، يقول تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ، وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ ٥. والآية تشير إلى أنه ألقي في العراء وهو ضعيف, نحيل، وقد ﵁ وأكرمه بنعمه، يقول تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ ٦, فبنعمة الله التي أحاطته نبذ بالعراء وهو غير مذموم.... وقد

стр. 288

أنبت الله عليه شجرة من يقطين، واليقطين كل شجر ممتد على الأرض لا ساق له، وورقه كبير، ولذلك قال بعض المفسرين: أنبت الله عليه شجرة من القرع لكثرة ظلها، وصلاحية أكل ثمرها من أول طلوعه إلى آخره، ونفعه للطعام، والدواء، وعدم اقتراب الذباب منه، وهيأ الله لـ "يونس" دابة جبلية تسقيه من لبنها. وصار على هذا الحال حتى أصبح سليما، معافى، قويا. وأتم الله عليه نعمته, فكلفه بالرسالة مرة أخرى، وأرسله لقوم صدقوا به وأطاعوه، يقول تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ ١، ولا مانع أن يكونوا قومه السابقين، وحينئذ تكون دعوتهم من قبيل التذكير. ومن الممكن أن يكونوا قوما آخرين مع قومه وهو الأولى، والله أعلم ... ما نزل بـ "يونس" ﵇ تمحيص وتأديب؛ ولذلك كانت رحمة الله معه، وجرت أقدار الله لتحقيق مراده ، في إعادته لدعوة الناس، بعدما عاش هذه المدة سجينا في بطن الحوت. ولا ينبغي لأحد من الناس أن يتصور نقصا بـ "يونس" ﵇ فهو رسول الله ﵇ يقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه عنه ابن عباس ﵁ يقول: "ما ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس بن متى" ٢. ويقول الحافظ ابن حجر: "خص يونس بالذكر لما يخشى على من سمع قصته أن يقع في نفسه تنقيص له, فبالغ في ذكر فضله لسد هذه الذريعة"٣.

стр. 289

النقطة الثالثة: ركائز الدعوة في قصة يونس الركيزة الأولى: ضرورة الصبر والتحمل ... "النقطة الثالثة": ركائز الدعوة في قصة يونس تقدم قصة يونس ﵇ عبرا كثيرة في مجال الدعوة إلى الله تعالى، أجمل منها الركائز التالية: الركيزة الأولى: ضرورة الصبر والتحمل الإنسان مكون من جسد، وعقل، وعاطفة، ويرتبط بأي أمر يعايشه، سواء كان أمرا ماديا أو معنويا، فالإنسان يحب المكان الذي تربى فيه، ويحنّ إليه، ويتمنى رؤية أصدقاء الشباب والصبا، وإذا عشق فكرة، تفانى في خدمتها وتنميتها؛ ولذلك كان تغيير الإنسان أمرا شاقا؛ لأن التغيير يبعده عن أمور التصق بها. فإذا ما كان التغيير إلى دين جديد، كان أشق وأصعب؛ لأنه يغير العواطف، ويربطها بكل ما أحله الدين، ويبعدها عن كل ما نهى الله عنه، ويغير العقول، وينقلها من مجال الوهم, والضلال، وخرافة القيم المادية، إلى هدى الله، وإنسانية الدين، وقيم الخلق والحق، ويغير أعمال الجسد بالتكاليف العملية، التي توجه الجسد في كل حركاته وسكونه ... إنه تغيير يشمل الإنسان كله؛ ولذلك فهو يحتاج إلى محاولات عديدة، ومدة مديدة، وطاقة شديدة. إن القائم بدعوة الناس إلى الله، وهو يباشر عملية التغيير، عليه أن يكون صبورا على الناس، يتحمل صدهم، ويناقش آراءهم، ويقدم لهم دعوته بكل وسيلة ممكنة، وبمختلف الأساليب لإقناع الناس، وإدخالهم في دين الله تعالى. إن إبليس وجنوده يَحُولون بين الدعاة وبين الناس؛ ليبقى الناس في ضلالهم وكفرهم، وينصرف الدعاة عن تحقيق غاياتهم. وعلى الدعاة أن يوجِّهوا ردا كلما وجدوا صدا؛ لأنهم لو ضجروا وتألموا لحققوا لإبليس غايته، وما يعمل له.

стр. 290

وقد رأينا نوحا ﵇ يستمر في دعوته ألف سنة إلا خمسين عاما، ولم يفر من ملاقاة الناس إلا بعدما أمره الله تعالى. وإبراهيم ﵇ هاجر بأمر ربه بعد أن نجاه الله من النار، وفي قصة يونس درس في هذا المجال، فلقد ترك يونس القوم مغاضبا وفر إلى الفلك، فأدبه الله تعالى حتى أقر بالخطأ، وتاب إلى الله، فلما تاب أعاده الله سبحانه إلى ما كان عليه.

стр. 291

الركيزة الثانية: الإخلاص في العبودية يحتاج القائمون بأمر الدعوة إلى قوة تعينهم على مهام الدعوة ومشاقها، وتساعدهم في الوصول إلى القلوب والعقول، وليس هناك إلا الله ، فهو سبحانه العليم بالقلوب والخفايا، والقادر على تسخير الوجود كما يشاء، والهدى هداه، يوفق من يشاء للطاعة، ويحرم من يشاء من التقى والرشاد. ولذلك كانت حاجة الدعاة ماسة في نوال عون الله وتوفيقه، ولا يتم لهم ذلك إلا بإخلاص العبودية، والالتزام بحق المعبود في كافة الأحوال، والأقوال, والأعمال ... وبذلك يتمكن من القيام بواجب الدعوة، أما إذا أهمل الله في حياته، وعاش بعيدا عن الطاعة لله، فإنه يضر دعوته، وفاقد الشيء لا يعطيه، والظل يعوج باعوجاج أصله. إن الداعية يعمل لتحويل وجهة العباد إلى الله تعالى، ولا بد أن يكون في مقدمة المتوجهين، وبذلك يكون داعية بقوله، وعمله، وخلقه. وقد ذكر الله سبب قبول توبة يونس ﵇ يبين الله ذلك، فيقول : ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١.

стр. 292

وفي هذه الآية شرط الله لمن دعاه أن يجيبه، كما أجاب يونس، وينجيه كما نجاه، وهو قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١. يروي أبو داود في سننه عن سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ قال: "دعاء ذي النون في بطن الحوت: "لا إله إلا أنت, سبحانك إني كنت من الظالمين" لم يدعُ به رجل مسلم في شيء قط إلا استُجيب له" ٢. يقول الدكتور عبد الحليم محمود: "لقد كان يونس ﵇ مسبحا، أي: منزها لله تعالى، نادى ربه بدعوة في غاية الحق، إنها: أولا: توحيد: "لا إله إلا أنت". وثانيا: تنزيه: "سبحانك". وثالثا: اعتراف بالتقصير: "إني كنت من الظالمين" ٣. ولعل أقوى ما يربط العابد بربه مداومة الذكر، في تضرع وخشوع؛ لأنه بذلك يلتزم باب ربه، كسائل يلازم الباب لحاجته، فلا يلبث الباب إلا أن ينفتح، وينال مراده.... يقول النبي ﷺ : "ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم, وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ " قالوا: بلى يا رسول الله! قال ﷺ : "ذكر الله تعالى". فقال معاذ بن جبل: ما شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله٤. ويقول ﷺ : "ما من قوم يذكرون الله إلا حفّت بهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده" ٥.

стр. 293

موسى ﵇ النقطة الأولى: التعريف بقوم موسى ... ١٦- موسى ﵇: موسى١ ﵇ من أنبياء بني إسرائيل، أرسله الله تعالى لقومه وللمصريين، وهو من أولي العزم الذين خصهم الله بالعزم القوي، والصبر الجميل، والتحمل الشديد؛ ولذلك ففي قصته عبر وفوائد، وبخاصة أن أتباعه من بني إسرائيل ما زالوا يدعون تبعيتهم له، واليهود منهم يتصورونه خاصا بهم، والنصارى يتصورون عيسى ﵇ جاء على دين موسى ﵇ إلا أن الله رفع شأنه فاتخذه ابنا له، وصيره إلها معه. إن العالم المعاصر يموج بالتيارات العديدة، والمتعارضة من اليهود ومن غيرهم؛ ولذلك كان من الأفضل الإحاطة بقصة موسى ﵇ ودينه وأتباعه المعاصرين، وما هم عليه من عنصرية وأباطيل، ومما يحتاج لبيان توضيح الصلة بين أتباع موسى، واليهود الحاليين ليكون الحديث صادقا عن هؤلاء، وهؤلاء. وأسأل الله تعالى أن يوفقني في هذه الدراسة عن موسى ﵇ والتي أراها تحتاج إلى بحث النقاط التالية: "النقطة الأولى": التعريف بقوم موسى جاء يوسف ﵇ ببني إسرائيل جميعا مع أبيهم إلى مصر، من البادية,

стр. 294

وأسكنهم في حاضرة مصر، وغيرها من المدن المصرية، وعاشوا معه منعمين متمتعين بسلطان يوسف وعزته، وكان الرعاة "الهكسوس" هم ملوك مصر يوم مجيء آل يعقوب، فتعاون الإسرائيليون مع الرعاة، ولم يختلطوا بالمصريين، وعاشوا في عزلة بعيدا عن المصريين. وقد تمكن المصريون من طرد الهكسوس مع بداية حكم الأسرة الثامنة عشرة، فتغير حال الإسرائيليين، وانقلب وضعهم في المجتمع، وأخذ الفراعنة يتعاملون معهم كدخلاء، متعاونين مع الأعداء. وكان من نتيجة ذلك أن فراعنة الأسرة الثامنة عشرة أخذوا في تكليفهم بالأعمال الشاقة، وصنفوهم في الشغل, فصنف يبني، وصنف يحرث، وصنف يزرع ... ومن لم يكن له عمل فعليه الجزية، وهكذا ساموا الإسرائيليين ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾ . وقد أصدر فرعون ذلك الزمان قرارا بقتل أي ذكر يولد للإسرائيليين، وترك الإناث يعيشون. وسبب هذا القرار أن الكهنة والمنجمين أخبروا فرعون بأن مولودا من بني إسرائيل قد أظلنا زمانه الذي يولد فيه، يسلبك الملك، ويبدل الدين، ويخرجك من مصر١. وقيل: إن السبب هو أن الإسرائيليين كانوا يتدارسون فيما بينهم ما نقلوه عن إبراهيم ﵇ من أن الله سيخرج من ذريته غلاما، يكون هلاك ملك مصر على يديه، وذلك بعد أن أذاه ملك مصر في زوجته سارة٢. وقيل: إن السبب رؤيا رآها الملك من أن نارا أقبلت من نحو بيت المقدس, فأحرقت دور مصر جميعا وسكانها، ولم تضر بني إسرائيل، فأوَّلَها المعبرون بغلام إسرائيلي يولد، يدمر ملك فرعون مصر٣.

стр. 295

أخذ فرعون الحيطة بقراره، وأمر بتنفيذه بكل دقة ... وحدث أن قيل لفرعون: أفنيت النسل، وإنهم خولك وعمالك، فأمر أن يقتل الغلمان عاما ويستحيوا عاما، فولد هارون في السنة التي يستحيا فيها الغلمان١. يصور القرآن الكريم فرعون هذا الزمان وعمله، فيقول تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٢. وهكذا انقسم المجتمع المصري إلى قسمين رئيسيين هما: القسم الإسرائيلي: وهم أبناء يعقوب بعد أن كثر عددهم، وقد رأينا ما حل بهم بعد انتهاء حكم الرعاة، وبعدما أخذ فرعون يتعامل معهم على أساس أنهم أعداء الدولة والنظام، واتخذ من القرارات ما يكفل عدم تمكنهم من ملك مصر. القسم الثاني: الأقباط, وهم سكان مصر الأصليون، وعليهم يقوم نظام الملك، وقد خضعوا لجبروت فرعون الذي ادعى الألوهية، واتخذه المصريون ربهم الأعلى. إن فرعون تكبر وعلا، وقسم الشعب إلى طوائف, وفرق بين الناس ليعلو عليهم جميعا، إنه كان من المفسدين. وكان الإسرائيليون على دين يوسف ﵇ إلا أنهم غيّروا فيه, وبدّلوا، وأدخلوا فيه بعضا من ضلالات المصريين؛ ولذلك تشوه التوحيد لديهم، وأصبح خليطا من الشرك والتجسيد، ولم يبق معهم من دين آبائهم إلا مسماه فقط.

стр. 296

أما المصريون فكانوا يعبدون الأصنام، والأوثان، والحيوان، ويتخذون فرعون إلها أكبر؛ ولذلك كانوا جميعا محتاجين إلى رسول يدعوهم إلى دين الله الحق، وقد جاءهم موسى ﵇ بهذا الدين ومعه أخوه هارون ﵇.

стр. 297

النقطة الثانية: التعريف بموسى ﵇ مدخل ... "النقطة الثانية": التعريف بموسى ﵇ حياة موسى ﵇ متشعبة الجوانب، غريبة الأطوار، وقد أحاطه الله برحمته وقدرته؛ ليكون رسوله إلى المصريين وبني إسرائيل، وقال له : ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ ١، والتعريف به ﵇ يحتاج إلى مدارسة حياته في عدد من الجوانب؛ لنرى في كل جانب عجيبة من عجائب قدرة الله تعالى في عنايته بموسى ﵇ وذلك فيما يلي:

стр. 298

أولا: ولادة موسى حينما أصدر فرعون قراره بقتل ما يولد للإسرائيليين من الذكور، ووضع كل المحاذير حتى لا يفلت منهم أحد، وُلد موسى ﵇ والله غالب على أمره، فقدر أن يولد هذا المولود, ويربى في دار فرعون نفسه، وينشأ على فراشه، ويغذى بطعامه وشرابه، ثم يكون هلاكه في الدنيا والآخرة على يديه.... فالله فَعَّال لما يريد، وهو القوي العظيم. وحتى يتحقق قدر الله تعالى نرى الحوادث تسير بعَجَب مدهش، وبطريقة ناطقة بقدرة الله تعالى وحكمته، ذلك أن أم موسى حملت به، فأنكرت حملها على الناس، ولم يكتشفها أحد من زبانية الطاغوت، فلما وضعته ألهمها الله تعالى أن تتخذ تابوتا وتضعه فيه، فكانت ترضعه، وتضعه في التابوت مخافة أن يكتشفه أحد، وألهمها الله تعالى أن تضع التابوت في البحر أمام بيتها١, وتربط التابوت بحبل تمسك

стр. 299

بطرفه؛ لتتمكن من إرضاعه، وفي نفس الوقت تحميه من عسس فرعون وعيونه, وشاء الله أن ينقطع الحبل، وتتقاذف الأمواج التابوت، وتتحرك به بعيدا، وتأخذه إلى جوار قصر فرعون. ويعجب العقل أن تكون النجاة فيما هو مظنة الهلاك، ولكنه الله الذي قال لأمه: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ فألقته في اليم، وتحرك به الماء بعيدا عن عيونها وبيتها، فكاد قلبها أن ينخلع منها فرقا عليه، وتعلقا به. يذكر المفسرون أن الجواري التقطْنَ التابوت من البحر، وأخذنه مغلقا لسيدتهن "آسية بنت مزاحم"، فلما فتحته آسية رأت وليدا يتلألأ وجهه بالنور, والحسن، فأحبته، ورضيته لنفسها ولدا، فلما جاء فرعون هَمَّ بذبحه، فطلبت آسية منه أن يتركه، ويهبه لها، فرضي برجائها ليكون لها فقط، فليس له به حاجة. ووصل الولد إلى بيت فرعون، وأصبح مكفولا برعاية الملك، وزوجته.... يصور الله هذا الجانب من القصة، فيقول سبحانه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ، وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ١.

стр. 300

والوحي إلى أم موسى إلهام في القلب، يضعه الله فيه، فيقتنع به صاحبه ويطبقه١. وقد ألهم الله أم موسى بأمرين: ١- أن ترضعه عقب ولادته وتشبعه، ولا تفعل كما تفعل الإسرائيليات إذا ولدن ذكرا؛ لأنهن كن يقتلن أولادهن بأيديهن، أو يسلمنه إلى جنود فرعون ليذبحوه. ٢- إذا خافت عليه من جنود فرعون, فعليها أن تلقيه في البحر بعد أن تضعه في تابوت، وألهمها الله -سبحاته وتعالى- بأنه لن يصاب بأذى، وأن الله سيعيده إليها، وسيجعل الله له شأنا ومقاما، وسيكون رسول الله إلى الناس، وعليها ألا تخاف عليه من أي أذى، كالضياع والموت، ولا تحزن لبعده عنها، أو مخافة القتل. وتشير الآيات إلى التقاط آل فرعون لموسى من البحر، وتربيته في بيتهم، آملين أن يكون قرة عين لهم، وهم لا يشعرون أنه سيكون لهم عدوا وحزنا، وكأن القدر يقول لهم: "يا أيها الملك الجبار، المغرور بكثرة جنوده، وسلطة بأسه، واتساع سلطانه، قد حكم العظيم ، الذي لا يغالب، ولا يمانع، ولا تخالف أقداره، أن هذا المولود الذي تحترز منه، وقد قتلت بسببه من النفوس ما لا يعد ولا يحصى، لا يكون مرباه إلا في دارك، وعلى فراشك، ولا يغذى إلا بطعامك، وشرابك في منزلك، وأنت الذي تتبناه، وتربيه، وتتفداه، ولا تتطلع على سر معناه ... ثم يكون هلاكك على يديه؛ لمخالفتك ما جاء به من الحق المبين, وتكذيبك ما أوحي إليه, لتعلم أنت وسائر الحق، أن رب السموات والأرض

стр. 301

هو الفعال لما يريد, وأنه هو القوي الشديد، ذو البأس العظيم، ومالك الحول والقوة، وصاحب المشيئة التي لا مرد لها"١. وقد كاد الله لفرعون وهامان وجنودهما بهذا التدبير؛ لما كانوا عليه من الخطأ, والظلم، والعدوان. ولكن، هل يتحمل الجنود الآثام التي قاموا بها، بأمر من رؤسائهم؟ الآية تشركهم في الخطأ، وتجعلهم معاقبين به؛ لأنهم أداته المنفذة، ولولاهم ما تحقق له شيء.

стр. 302

ثانيا: رضاعة موسى وافق فرعون على المحافظة على الرضيع، ووهبه لزوجته "آسية بنت مزاحم"، فبدأت في البحث عن ظئر ترضعه بنفقة، لكنه لم يقبل ثديا، ولم يأخذ طعاما، فحاروا في أمره، واجتهدوا على تغذيته بكل ممكن فلم يفعل، فأرسلوه إلى السوق لعرضه على النساء عساه أن يرضع من إحداهن. وكانت أم موسى كلفت أخته "كلثوم" بتتبع أثره، ومعرفة أخباره من بعد، حتى لا يكشف أمره أحد، فلما رأته في السوق, وشاهدت إعراضه عن النساء قالت لهم: هل أدلكم على أهل بيت يهتمون به ويكفلونه، وهم له ناصحون.... فلما وصفتهم ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ سألوها: وما يدريك بذلك؟ لعلك تعرفين أهله؟ فقالت: لا، ولكني أردت، وهم للملك ناصحون، ودلتهم على أم موسى، فكلفوها بإحضارها، فأحضرتها لهم، والصبي يبكي في يد فرعون من الجوع، فدفعه إليها فقبل الصبي ثديها، ورضع منها ... فسألوا الأم: لِمَ ارتضع منك، ولم يرتضع من غيرك؟ قالت: إني امرأة طيبة الريح، طيبة اللبن، لا أكاد أُوتى بصبي إلا ارتضع مني، طلب فرعون من أم موسى البقاء في القصر لإرضاعه، فرفضت لحاجة زوجها وأولادها، فأعطوها الصبي بأجر تأخذه، وهكذا عاد موسى إلى أمه، واستقر أمرها

стр. 303

وسعدت بولدها، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ، فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ١. واطمأنت أم موسى على وليدها بعد أن أصابها الهلع يوم أن ألقته في البحر، حيث فرغ قلبها من كل شيء إلا من تذكر وليدها هذا، وقدر الله للصبي أن يعود لأمه، ترضعه في بيتها، وتأخذ أجرتها من مال فرعون، وتتمتع بحماية جنده، وسلطانه. وخاب حذر فرعون، وقام بتربية الغلام الذي يخاف مجيئه، ويعمل على قتله يوم مولده. نعم.... إنه الله رب العالمين.

стр. 304

ثالثا: تربية موسى أتم موسى مدة الرضاع عند أمه، وبعدها انتقل إلى بيت فرعون؛ لتشرف آسية على تربيته، وترعى شئونه، وصار معروفا بين المصريين أنه ابن فرعون، وكانوا يسمونه موسى بن فرعون، ويعرفون أن الإسرائيليين أخواله من الرضاع. وحدث وهو صغير أن كانت آسية تداعبه وتلاعبه، فناولته فرعون، فلما حمله أخذ الغلام بلحيته فنتفها، فهمّ بقتله لتصوره أنه هو هو، قالت آسية: إنما هو صبي لا يعقل، ووضعت أمامه ياقوتة حمراء، وجمرة نار، وقدمتهما لموسى الصغير، فمد يده وأخذ الجمرة، فحدثت عقدة لسانه، فدرأت عن موسى القتل بذلك١.

стр. 305

وكبر موسى ﵇ وصار له شأن في مصر، وكان يأكل مما يأكل فرعون ويلبس من ملبسه، ويركب مركبه، إلا أنه كان يحب العدل، وينفر من الظلم؛ ولذلك عز به بنو إسرائيل وأحبوه، وامتنع القبط عن إذلالهم، وتسخيرهم. وفي يوم ذهب موسى إلى أطراف مدينة "منف" ووصلها بعد نصف النهار، وقد أغلقت الأسواق أبوابها، ورجع الناس إلى بيوتهم، فوجد رجلين يقتتلان؛ أحدهما من شيعته، والآخر من عدوه، والمراد من شيعته أتباعه وأصحاب مذهبه؛ لأن الإسرائيليين كانوا على شيء من دين يوسف ﵇ وأما عدوه فهو العابد للأصنام؛ لأن الجميع كانوا يتصورون موسى ابنا لفرعون، ويفسرون تعاطفه مع الإسرائيليين بسبب رضاعته منهم. اقتتل هذان الرجلان فاستغاث الإسرائيلي بموسى، ورأى موسى أن القبطي معتدٍ، سبَّاب، شتم الإسرائيليين جميعا, فجاء إليه وضربه بقبضة يده, فقضى عليه ومات. يقول قتادة: أراد القبطي أن يسخر الإسرائيلي ليحمل حطبا فأبى، فشتمه, فاستغاث الإسرائيلي بموسى ﵇ ومن المعلوم أن إغاثة المظلوم دين في الملل كلها١. ولم يكن موسى يريد قتله، ولذلك ندم على فعله، وتاب لربه، وطلب من الله المغفرة، ووضح أن هذا من عمل الشيطان، وإغوائه ... يقول الله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ، قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٢.

стр. 306

وبهذا يعرف أن موسى ﵇ ضرب القبطي بقبضة يده، ووكزه بها، فمات بسببها، فلما قضى عليه، استغفر موسى ربه، وتاب إليه، فقبل الله توبته, إنه هو الغفور الرحيم. يتحدث المفسرون، والمؤرخون عن عمر موسى في هذا الوقت، ويوردون آراء كثيرة، تبعا لاختلافهم في المراد بالحكم، والعلم، الذي آتاه الله لموسى ﵇ وذكره في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ١، فمن يراه النبوة والفقه، يذهب على أن موسى قد بلغ مبلغ النبوة، وهو أربعون سنة، ومن يراه الفهم والإدراك، يذهب إلى أنه كان صغيرا لا يتجاوز ثلاثين عاما، ومنهم كعب الذي يذكر أن عمر موسى في هذا الوقت كان اثنتي عشرة سنة٢. وأرى -والله أعلم- أنه كان صغيرا؛ لأنه عاش عند مدين عشر سنوات على الأقل، وتزوج وعاد إلى مصر مرة أخرى، فأتاه الوحي حين عودته بسيناء في الوادي المقدس، وكلف بالرسالة عندها، وهذا يرجح أنه لم يتجاوز ثلاثين عاما وقت مقتل القبطي. وعند صباح اليوم التالي أصبح موسى خائفا، يسير بين الناس، ويترقب الأخبار والحوادث، وبينما هو كذلك إذا بالرجل الذي استنصره بالأمس يستغيث به مرة ثانية؛ لينصره على قبطي آخر يقاتله، فرد عليه موسى غاضبا: إنك سيئ التفكير، لا تقدر الأمور كما ينبغي، تشاد من لا تطيقه، وتجلب شر من لا تقدر عليه, وهذا ظاهر في مخاصماتك، ومشاجراتك ... سمع الإسرائيلي هذا اللوم العنيف من موسى، فاهتم في قتل القبطي، وخاف القبطي من وجود موسى فحذره من

стр. 307

مساعدة الإسرائيلي؛ حتى لا يقتله كما قتل نفسا أخرى بالأمس. يصور القرآن الكريم هذا بقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ، فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ ١. والآيات توضح أن الإسرائيلي استغاث بموسى، وأن موسى عنّفه، ويجب أن نعلم أن الذي أراد البطش بالقبطي هو الإسرائيلي وليس موسى، وإنما وجه القبطي كلامه لموسى مخافة أن يساعد الذي هو من شيعته؛ لأن حادثة الأمس صارت حديث المدينة، وأن الملأ علموا أن موسى هو القاتل، وأنهم يجدّون في البحث عنه في كل أرجاء المدينة للقبض عليه وقتله. أما القول بأن موسى أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما، أو بالذي هو من غير شيعته فبعيد، يقول الشيخ العدوي: "ومن البعيد جدا أن موسى يخطئ مرة في تشيعه للذي من شيعته، ويكون من وراء ذلك قتل رجل بدون ذنب، ثم يعاود الخطأ مرة ثانية، بعد يوم واحد من توبته"٢!! وكذلك من البعيد أن موسى يقابل الرجل الذي يستنصره في المرة الثانية ويعنفه بقوله: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ثم يساعده مرة أخرى. والحق أن مرجع الضمير في ﴿أَرَادَ﴾ للإسرائيلي، والضمير في ﴿قَالَ﴾ للقبطي. وأنقذ الله موسى من فرعون وملئه، بعدما جدّوا في البحث عنه لقتله

стр. 308

يقول تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ، فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ١. وهذا الرجل هو مؤمن آل فرعون، وهو ابن عم فرعون, لما علم بما قرره الملأ بحث عن موسى، جاءه من مكان بعيد مسرعا، وأخبره بأن الملأ يبحثون عنه لقتله جزاء على قتله القبطي، ونصحه بترك المدينة، والخروج من مصر بالكلية، حتى لا يقع في أيدي الناس. واستمع موسى لنصح الرجل، وخرج من المدينة إلى جهة المشرق، قاصدا بلاد مدين؛ لما يسمعه عن أهلها من الخير والفضل.

стр. 309

رابعا: موسى عند مدين خرج موسى ﵇ من المدينة خائفا يترقب، ولم يكن يعرف الوجهة التي يقصدها، ولذلك دعا ربه لينجيه من فرعون وملئه، ويهديه إلى الصراط المستقيم، ويوفقه لما فيه الخير والفلاح ... يقول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ ١، ومدين: اسم مدينة على بحر القلزم "الأحمر" تقع تجاه تبوك بين وادي القرى والشام، وسميت القبيلة باسم المدينة٢، وقيل: بل هو اسم قبيلة سكنت هذا المكان، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ وليس هو شعيبا الذي وجد في زمن موسى ﵇.

стр. 310

وأرى رجحان هذا الرأي؛ لأن شعيبا الرسول ﵇ جاء بعد لوط ﵇ لقوله تعالى: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ ، ولوط ﵇ كان معاصرا لإبراهيم ﵇ أما موسى ﵇ فقد جاء بعد أبناء أبناء يوسف، فبينه وبين إبراهيم خمسة آباء على الأقل هم: "يوسف بن إبراهيم بن يوسف الصديق ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم" ﵈، وعلى ذلك فشعيب صاحب موسى ليس هو شعيبا الرسول١، والله أعلم ... توجه موسى ناحية مدين، وجدّ في السير حتى وصل إلى منطقة فيها بئر ماء، فتوقف عندها ليستريح من هذا السفر الشاق، الطويل، وجلس تحت شجرة، ينظر للناس ويشاهد أحوالهم، فإذا هم عدد من رعاة الغنم والماشية، جاءوا بقطعانهم لتشرب الماء الذي تريد، ورأى فتاتين تقفان بعيدا عن البئر، وتمنعان غنمهما من الاقتراب نحو الماء، أو نحو أغنام الآخرين ... ولاحظ موسى أن الرجال يسقون غنمهم الماء صافيا، وما بقي من ماء البئر فهو لغنم الفتاتين ... ولاحظ أيضا أن البنات تتأخر في العودة؛ لأنهما تذودان غنمهما عن الماء؛ انتظارا لانتهاء الشباب من السقي. لاحظ موسى ذلك فسأل البنتين: ما خطبكما؟ وما هي الأسباب التي تدفعكما إلى التأخير؟؟ قالتا: لا نستقي أولا حتى لا نزاحم الرجال لضعفنا، وأبونا شيخ كبير، لا يمكنه أن يحضر معنا، وليس لنا أخ يأتي معنا، فأشفق موسى عليهما، وزاحم الرعاة، وغلبهم على الماء، وسقى للمرأتين غنمهما، فعادا مبكرتين إلى أبيهما، وأخذتا تحدثانه عن شهامة موسى ورجولته وقوته، وأنه شخص غريب عن مدين وربما يحتاج لعمل وإقامة.

стр. 311

تحدث شعيب مع ابنتيه، وموسى جالس تحت ظل شجرة عند البئر، يدعو الله تعالى أن يرزقه من الخير ليعيش عابدا، يتمكن من أداء ما وجب عليه، عن ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ ١. واستجاب الله لموسى دعاءه، وفكر شعيب في إحضار موسى ليعلم شأنه، ويكافئه على مساعدته لبناته، ويشكره على مروءته، ويتفق معه ليعمل عنده وفق شروط يرتضونها، فأرسل إحداهما لإحضاره، يقول الله تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ ٢. أرسل شعيب إحدى بناته إلى موسى، فجاءته ساترة وجهها بكُمّ درعها، وأبلغته دعوة أبيها ليذهب معها؛ ليعطيه أجر ما سقى لهما، فذهب معها، وقال لها: كوني ورائي، ودليني على الطريق يمينا أو يسارا، فإني لا أنظر أدبار النساء، فتيقنت من أمانته، كما رأت من قبل شهامته وقوته. وصل موسى إلى شعيب، وجلس معه، وحدثه في كل شئونه، وروى له كافة الأحداث التي تركها في مصر من قتل الأبرياء، وتسخير الضعفاء، واضطهاد المساكين, فقال له شعيب: أنت الآن

стр. 312

في ديار خارجة عن مملكة فرعون فاطمئن ولا تخف، وقدم له الطعام والمأوى ضيفا كريما، بعد أن رفض أخذ أجرة على مساعدته للنسوة. بعد أن اطمأن موسى عند شعيب، وطعم واستراح، قالت البنت التي دعته لأبيها: يا أبت استأجره، فهو قوي أمين، فعرض شعيب رؤيته عليه، واقترح عليه أن يتزوج واحدة من بناته، بعد أن يعمل لديه أجيرا مدة ثماني سنوات, وإن زادها إلى عشر فالزيادة تبرع محض، له أن يقبلها، أو يرفضها منعا للحرج والمشقة. وافق موسى على اقتراح شعيب، على أن يترك تحديد أي الأجلين الذي سيقضيه موسى لوقته، وله أن يختار أي الأجلين بلا لوم، أو عتاب. يقول الله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ، قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ ١. أتم موسى ﵇ المدة، ودخل بأهله، يروي ابن عباس أن النبي ﷺ سأل جبريل ﵇: "أي الأجلين قضى موسى؟ " فأخبره أنه قضى عشر سنين٢.

стр. 313

خامسا: تكليف موسى بالرسالة بعد أن أتم موسى ﵇ عمله عند شعيب، ودخل بزوجته، استأذن شعيبا أن يأخذ زوجته ويرجع إلى مصر لزيارة والدته وأقاربه، فأذن له، فخرج بأهله وغنمه, وصحبه في رحلة العودة إلى مصر زوجته وولدان له. تاه موسى وصحبه في الطريق، فنزلوا بوادي طوى، في طور سيناء.... وجاء الليل بظلامه الدامس، وبرده القارس، وجاء المخاض لزوجته، وأصبحوا في حاجة ماسة للنار، لأسباب عديدة:

стр. 314

- إنهم يحتاجون للنار يعدون بها الطعام، وبخاصة للأم التي ولدت. - ويحتاجون للنار تضيء لهم المكان؛ ليعرفوا أين هم، ويكتشفوا الحياة من حولهم. - ويحتاجون للنار يستدفئون بها من برد الشتاء الشديد. - ويحتاجون للنار ليعلم المارة أن ناسا هنا، فيأتون إليهم، ويستعينون بهم على معرفة الطريق إلى مصر. أخرج موسى زنده وقدحه، لكنه بدل أن يخرج نارا أظهر ضوءا فقط، وهنا أبصر موسى بجانب الطور من بعيد نارا، فقال لأهله: استمروا في مكانكم، وسأذهب إلى مكان النار، لأعرف خبر ما عندها، وعسى أن أتمكن من إحضار جمرة نار ملتهبة تستدفئون بها من البرد، وتستعينون بها في إعداد الطعام، والمؤانسة. عن هذه المرحلة، وحتى إقامة موسى وصحبه في طور سيناء يقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْ لِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ ١. والأجل الذي قضاه موسى هو المدة التي اتفق عليها مع شعيب، وجذوة النار قطعة منها، وهي القبس، أو الشهاب، ووعد موسى أهله بإحضار جزء من النار لحاجتهم إليه، ورجا أن يجد عند النار أناسا، يستهدي بهم عن الطريق إلى مصر. وذهب موسى ﵇ ناحية النار، واقترب منها، فإذا النار في شجرة، فوقف متعجبا من حسن ذلك الضوء، وشدة خضرة هذه الشجرة، فلا شدة حر النار تغير حسن خضرة الشجرة، ولا كثرة ماء الشجرة، ولا قوة الخضرة تغيران حسن ضوء النار، وحاول موسى ﵇ أن يختبر طبيعة هذه النار، فأهوى إليها بضغث

стр. 315

في يده فلم يحترق، وكان كلما اقترب منها ابتعدت عنه، وإن ابتعد اقتربت، ثم لم تزل تطمعه، ويطمعها، إلى أن وضح أمرها، وناداه الله وكلمه، وكلفه بالرسالة، يقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١. وحدد الله لموسى أصول الدعوة التي سيبلغ الناس بها، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى، وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى، إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي، إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى، فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ ٢. كلم الله تعالى موسى ﵇ من جهة الشجرة، وعرف من كلام الله تعالى عددا من القضايا: الأولى: عرفه الله بالمكان الموجود فيه وهو "الوادي المقدس"، وقد تجلى الله فيه وطهره، وأخرج منه الكفر والضلال، ويجب على موسى أن يحافظ على طهارة المكان وقداسته، ولله أن يفضل مكانا على مكان. الثانية: أمره الله بخلع نعليه وهو بالمكان المقدس احتراما له وتواضعا؛ لينال بركة المكان، يقول القرطبي: "والعرف عند الملوك أن تخلع النعال تواضعا، فكأن موسى أُمر بذلك على هذا الوجه"٣, ومن الجائز أن الأمر بخلع النعل كناية عن ضرورة تفريغ القلب من أمر الأهل والولد، والمعاش، وغيرها؛ ليتفرغ كليا للرسالة والدعوة.

стр. 316

الثالثة: اختاره الله للرسالة، وكلفه باستماع الوحي، فوقف موسى ﵇ وأخذ يستمع. روي عن وهب بن منبه، أنه قال: من أدب الاستماع سكون الجوارح، وغض البصر، والإصغاء بالسمع، وحضور العقل، والعزم على العمل, وذلك هو الاستماع كما يجب لله تعالى، وهو أن يكف العبد جوارحه، ولا يشغلها، فلا يشتغل قلبه عما يسمع، ويغض طرفه فلا يلهو قلبه بما يرى، ويحضر عقله فلا يحدث نفسه بشيء سوى ما يستمع إليه، ويعزم على أن يفهم، فيعمل بما يفهم١. قالوا: إن موسى ﵇ لما أمر بالاستماع، وقف على حجر، واستند إلى حجر، ووضع يمينه على شماله، وألقى ذقنه على صدره، ووقف يستمع٢. الرابعة: أخبره الله أن أول الدعوة توحيد الله تعالى في ألوهيته، وربوبيته، وأسمائه، وصفاته، فهو سبحانه واحد لا شريك له، وهو الواحد القهار. الخامسة: عرفه بحتمية قيام الساعة، وفيها يحاسب الله الناس جميعا؛ لتجزى كل نفس بما تسعى. السادسة: حذره الله من أعداء الله في الأرض؛ لأنهم يبذلون أقصى الجهد لصد الناس عن الإيمان، وهم في سعيهم ومحاولاتهم يبدءون بصرف الناس عن الطاعة شيئا فشيئا، ويستمرون معهم حتى يصرفوهم عن الدين بالكلية، وبذلك يكون الهلاك والموت، وعلى موسى أن يحذرهم حتى لا يردى. تعجب موسى مما رأى، ومما سمع عند من كان يظنه نارا.... لقد جاء يقصد لهبا، ونارا، فأخذ نورا، ورحمة ... وكان يتمنى أن يجد من يهديه لطريق مصر، فهداه الله إلى طريق إنقاذ الناس أجمعين. سُر موسى بما رأى وبما سمع، وشعر أن الأمر ثقيل، والمهمة شاقة، تحتاج إلى قوة وثقة وإيمان ويقين، فأمده الله تعالى ببعض الآيات التي تمكنه من القيام

стр. 317

بواجبه، يقول الله تعالى: ﴿مَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى، قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى، قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى، فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى، قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى، وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى، لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ ١. والآيات تشير إلى بداية وحي الله لموسى ﵇ ومع بداية الوحى يحتاج الرسول إلى معجزات، يتأكد بها من اختيار الله له، وكان ما رآه موسى ﵇ عند الشجرة كافيا، إلا أن الله تعالى أظهر له معجزتين أخريين تأكيدا لاختياره، وبرهانا على قومه، وقد علم الله عتوهم واستكبارهم، وتدريبا له على تلقي الوحي وتحمل التكاليف, وهاتان المعجزتان هما: المعجزة الأولى: معجزة العصا ... بدأ الله سؤال موسى عما بيمينه، والجواب هو العصا، لكن موسى أخذ يتحدث عن وظيفة العصا؛ حبا في إطالة الحديث مع ملك الوحي، أو مع الله، حيث قال: هي عصاي أملكها، وأتحامل عليها حين أمشي، وأضرب بها أغصان الشجر لتسقط فتأكلها غنمي، ولها منافع أخرى كثيرة ... وكأني بموسى ﵇ قد استشرف عظمة المقام، فأراد أن يسأله الله عن هذه المنافع الأخرى، ليطول الكلام، ويمتد اللقاء.... إلا أن الله أمره بإلقائها على الأرض، فألقاها، فإذا حية تسعى، خاف موسى من الحية، فأمره الله أن يأخذها بيده ولا يخاف منها، وسيعيدها الله عصا مرة أخرى كما كانت. المعجزة الثانية: أمر الله موسى ﵇ أن يضع يده تحت إبطه، وسوف يرى أنها ابيضّت بلا مرض ولا أذى، فإذا أراد أن يعيدها إلى حالتها الطبيعية فعليه أن يضعها مرة أخرى تحت إبطه، ويخرجها. اطمأن موسى ﵇ إلى اختيار الله له، وبدأ يتحرك للدعوة ويعمل لها.

стр. 318

سادسا: قيامه بالدعوة طلب موسى من ربه أن يجعل معه أخاه هارون وزيرا يعينه، ويشد أزره، فاستجاب الله له، وأمده بما طلب, وقام موسى بواجب التبليغ لفرعون وقومه، يدعوهم إلى التوحيد، وطاعة الله، ويطلب من فرعون أن يترك الإسرائيليين لشأنهم، وأن يرسلهم أحرارا إلى موسى ﵇ ليعيدهم إلى التوحيد الخالص الذي تعلموه من أنبيائهم، ويعيدهم إلى الأرض المقدسة، كما قام موسى ﵇ بالدعوة في قومه أيضا.... ولقي مشقة وعنتا، من هؤلاء، وهؤلاء، فقابلها ومعه هارون بصبر النبوة، وخلق الرسل، والثقة في عون الله وقدرته، وأيده الله بالمعجزات العديدة، في مواجهته للمصريين، وللإسرائيليين سواء بسواء. ويبدو أن غلبة الجانب المادي، والجدل الكلامي سمة مصريي هذا الزمان؛ ولذلك كانت معجزات موسى لهم حسية، وكثر الحوار والجدل مع موسى بلا نتيج. وكان الإسرائيليون يعيشون عبيدا للفراعنة، ولذلك لم يجادلوا موسى، وهم في مصر، وأظهروا له الطاعة والامتثال، ودائما كانوا يشكون له ما لقوه من فرعون، يصور الله تعالى شكاياتهم، فيقول سبحانه: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ ١، فلما نجوا من ذل فرعون، وانتقلوا إلى برية سيناء، ظهروا على حقيقتهم، وبان من مواقفهم مع موسى وهارون ﵉ ما في طباعهم من خصائص. فلقد جُبلوا على المادية، وألفوها، وتعلقوا بها؛ ولذلك طلبوا من موسى ﵇ أن يصنع لهم صنما يعبدونه، ويلازمونه, ويرونه وهم يعبدون، وطلبوا أن يروا

стр. 319

الله جهرة ... وعبدوا العجل الذي صنعه السامريّ. وفي طبعهم مخالفة من يعيشون معه، ولو إلى الأسوأ، فلقد طلبوا من موسى ﵇ أن يطعمهم البصل، والثوم، وغيرهما بدل المن والسلوى. وفيهم الجبن والخوف، فلقد استضعفوا هارون حين غاب عنهم موسى ﵇ فكفروا، وعبدوا العجل، فلما جاءهم موسى خافوا، ورجعوا إلى الدين مرة أخرى. ولما أمرهم موسى ﵇ أن يدخلوا بيت المقدس، رفضوا لأن فيها قوما جبارين. ولما طلب منهم موسى ﵇ أخذ الألواح بعزيمة وقوة، ترددوا، فلما هددهم بظلة الجبل، وخوفهم من سقوطها عليهم امتثلوا. ومن طبعهم نقض العهد والميثاق، فلقد أخذ الله عليهم الميثاق فنقضوه، ولم يلتزموا. ومن طباعهم أنهم أمام الضعفاء جبابرة، وأمام الأقوياء خاضعون، انظر إليهم كيف استهانوا بهارون ﵇ لطيب خلقه، ولينه، وعفوه، وكادوا أن يقتلوه ... فلما جاءهم موسى ﵇ اعتذروا بأن تصرفهم كان خارج طاقتهم، وأنهم خدعوا. تعامل موسى ﵇ مع كل هذا، واستمر في الدعوة لدين الله تعالى بالحسنى، وبالخلق. وقد حاول مع قومه أن يدخل بيت المقدس، لكنهم جبنوا، فقضى الله عليهم أن يتيهوا في سيناء أربعين عاما. إنها لرحلة طويلة، وشاقة عاشها موسى ﵇ في مصر، وعند شعيب، وفي سيناء، رحلة لا يتحملها إلا رسول ذو عزم وقوة، وقد أثنى الله تعالى على موسى ﵇ في القرآن الكريم، ومن ثناء الله تعالى قوله سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا، وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ

стр. 320

الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ ٤.
следующие страницы →