← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 10752

دعوة الرسل عليهم السلام

أحمد أحمد غلوش

Полный текст (652 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الثالثة: اختاره الله للرسالة، وكلفه باستماع الوحي، فوقف موسى ﵇ وأخذ يستمع. روي عن وهب بن منبه، أنه قال: من أدب الاستماع سكون الجوارح، وغض البصر، والإصغاء بالسمع، وحضور العقل، والعزم على العمل, وذلك هو الاستماع كما يجب لله تعالى، وهو أن يكف العبد جوارحه، ولا يشغلها، فلا يشتغل قلبه عما يسمع، ويغض طرفه فلا يلهو قلبه بما يرى، ويحضر عقله فلا يحدث نفسه بشيء سوى ما يستمع إليه، ويعزم على أن يفهم، فيعمل بما يفهم١. قالوا: إن موسى ﵇ لما أمر بالاستماع، وقف على حجر، واستند إلى حجر، ووضع يمينه على شماله، وألقى ذقنه على صدره، ووقف يستمع٢. الرابعة: أخبره الله أن أول الدعوة توحيد الله تعالى في ألوهيته، وربوبيته، وأسمائه، وصفاته، فهو سبحانه واحد لا شريك له، وهو الواحد القهار. الخامسة: عرفه بحتمية قيام الساعة، وفيها يحاسب الله الناس جميعا؛ لتجزى كل نفس بما تسعى. السادسة: حذره الله من أعداء الله في الأرض؛ لأنهم يبذلون أقصى الجهد لصد الناس عن الإيمان، وهم في سعيهم ومحاولاتهم يبدءون بصرف الناس عن الطاعة شيئا فشيئا، ويستمرون معهم حتى يصرفوهم عن الدين بالكلية، وبذلك يكون الهلاك والموت، وعلى موسى أن يحذرهم حتى لا يردى. تعجب موسى مما رأى، ومما سمع عند من كان يظنه نارا.... لقد جاء يقصد لهبا، ونارا، فأخذ نورا، ورحمة ... وكان يتمنى أن يجد من يهديه لطريق مصر، فهداه الله إلى طريق إنقاذ الناس أجمعين. سُر موسى بما رأى وبما سمع، وشعر أن الأمر ثقيل، والمهمة شاقة، تحتاج إلى قوة وثقة وإيمان ويقين، فأمده الله تعالى ببعض الآيات التي تمكنه من القيام

стр. 317

بواجبه، يقول الله تعالى: ﴿مَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى، قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى، قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى، فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى، قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى، وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى، لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ ١. والآيات تشير إلى بداية وحي الله لموسى ﵇ ومع بداية الوحى يحتاج الرسول إلى معجزات، يتأكد بها من اختيار الله له، وكان ما رآه موسى ﵇ عند الشجرة كافيا، إلا أن الله تعالى أظهر له معجزتين أخريين تأكيدا لاختياره، وبرهانا على قومه، وقد علم الله عتوهم واستكبارهم، وتدريبا له على تلقي الوحي وتحمل التكاليف, وهاتان المعجزتان هما: المعجزة الأولى: معجزة العصا ... بدأ الله سؤال موسى عما بيمينه، والجواب هو العصا، لكن موسى أخذ يتحدث عن وظيفة العصا؛ حبا في إطالة الحديث مع ملك الوحي، أو مع الله، حيث قال: هي عصاي أملكها، وأتحامل عليها حين أمشي، وأضرب بها أغصان الشجر لتسقط فتأكلها غنمي، ولها منافع أخرى كثيرة ... وكأني بموسى ﵇ قد استشرف عظمة المقام، فأراد أن يسأله الله عن هذه المنافع الأخرى، ليطول الكلام، ويمتد اللقاء.... إلا أن الله أمره بإلقائها على الأرض، فألقاها، فإذا حية تسعى، خاف موسى من الحية، فأمره الله أن يأخذها بيده ولا يخاف منها، وسيعيدها الله عصا مرة أخرى كما كانت. المعجزة الثانية: أمر الله موسى ﵇ أن يضع يده تحت إبطه، وسوف يرى أنها ابيضّت بلا مرض ولا أذى، فإذا أراد أن يعيدها إلى حالتها الطبيعية فعليه أن يضعها مرة أخرى تحت إبطه، ويخرجها. اطمأن موسى ﵇ إلى اختيار الله له، وبدأ يتحرك للدعوة ويعمل لها.

стр. 318

سادسا: قيامه بالدعوة طلب موسى من ربه أن يجعل معه أخاه هارون وزيرا يعينه، ويشد أزره، فاستجاب الله له، وأمده بما طلب, وقام موسى بواجب التبليغ لفرعون وقومه، يدعوهم إلى التوحيد، وطاعة الله، ويطلب من فرعون أن يترك الإسرائيليين لشأنهم، وأن يرسلهم أحرارا إلى موسى ﵇ ليعيدهم إلى التوحيد الخالص الذي تعلموه من أنبيائهم، ويعيدهم إلى الأرض المقدسة، كما قام موسى ﵇ بالدعوة في قومه أيضا.... ولقي مشقة وعنتا، من هؤلاء، وهؤلاء، فقابلها ومعه هارون بصبر النبوة، وخلق الرسل، والثقة في عون الله وقدرته، وأيده الله بالمعجزات العديدة، في مواجهته للمصريين، وللإسرائيليين سواء بسواء. ويبدو أن غلبة الجانب المادي، والجدل الكلامي سمة مصريي هذا الزمان؛ ولذلك كانت معجزات موسى لهم حسية، وكثر الحوار والجدل مع موسى بلا نتيج. وكان الإسرائيليون يعيشون عبيدا للفراعنة، ولذلك لم يجادلوا موسى، وهم في مصر، وأظهروا له الطاعة والامتثال، ودائما كانوا يشكون له ما لقوه من فرعون، يصور الله تعالى شكاياتهم، فيقول سبحانه: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ ١، فلما نجوا من ذل فرعون، وانتقلوا إلى برية سيناء، ظهروا على حقيقتهم، وبان من مواقفهم مع موسى وهارون ﵉ ما في طباعهم من خصائص. فلقد جُبلوا على المادية، وألفوها، وتعلقوا بها؛ ولذلك طلبوا من موسى ﵇ أن يصنع لهم صنما يعبدونه، ويلازمونه, ويرونه وهم يعبدون، وطلبوا أن يروا

стр. 319

الله جهرة ... وعبدوا العجل الذي صنعه السامريّ. وفي طبعهم مخالفة من يعيشون معه، ولو إلى الأسوأ، فلقد طلبوا من موسى ﵇ أن يطعمهم البصل، والثوم، وغيرهما بدل المن والسلوى. وفيهم الجبن والخوف، فلقد استضعفوا هارون حين غاب عنهم موسى ﵇ فكفروا، وعبدوا العجل، فلما جاءهم موسى خافوا، ورجعوا إلى الدين مرة أخرى. ولما أمرهم موسى ﵇ أن يدخلوا بيت المقدس، رفضوا لأن فيها قوما جبارين. ولما طلب منهم موسى ﵇ أخذ الألواح بعزيمة وقوة، ترددوا، فلما هددهم بظلة الجبل، وخوفهم من سقوطها عليهم امتثلوا. ومن طبعهم نقض العهد والميثاق، فلقد أخذ الله عليهم الميثاق فنقضوه، ولم يلتزموا. ومن طباعهم أنهم أمام الضعفاء جبابرة، وأمام الأقوياء خاضعون، انظر إليهم كيف استهانوا بهارون ﵇ لطيب خلقه، ولينه، وعفوه، وكادوا أن يقتلوه ... فلما جاءهم موسى ﵇ اعتذروا بأن تصرفهم كان خارج طاقتهم، وأنهم خدعوا. تعامل موسى ﵇ مع كل هذا، واستمر في الدعوة لدين الله تعالى بالحسنى، وبالخلق. وقد حاول مع قومه أن يدخل بيت المقدس، لكنهم جبنوا، فقضى الله عليهم أن يتيهوا في سيناء أربعين عاما. إنها لرحلة طويلة، وشاقة عاشها موسى ﵇ في مصر، وعند شعيب، وفي سيناء، رحلة لا يتحملها إلا رسول ذو عزم وقوة، وقد أثنى الله تعالى على موسى ﵇ في القرآن الكريم، ومن ثناء الله تعالى قوله سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا، وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ

стр. 320

الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ ٤.

стр. 321

سابعا: وفاة موسى يروي البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: "أرسل الله ملك الموت إلى موسى ﵇ فلما جاءه صكه في وجهه، فرجع إلى ربه، فقال: أرسلتَني إلى عبد لا يريد الموت، فقال له: ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور، فله أن يعطى بما غطى يده، بكل شعرة سنة، فأتاه، وأخبره فقال موسى: أي رب، ثم ماذا؟ قال: ثم الموت، قال موسى: فالآن، قال: فسأل موسى الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية حجر"١. وحقق الله لموسى طلبه، وقربه من بيت المقدس التي سعى مع قومه لدخولها، ولكنهم جبنوا، وعاشوا في التيه. ولما حانت المنية، وجاء الأجل، مر موسى بملأ من الملائكة يحفرون قبرا، فلم ير أحسن منه، ولا أنضر، ولا أبهج، فقال موسى: يا ملائكة الله، لمن تحفرون هذا القبر؟ فقالوا: لعبد من عباد الله كريم، فإن كنت تحب أن تكون هذا العبد فادخل هذا القبر، وتمدد فيه، وتوجه إلى ربك، وتنفس، ففعل ذلك، فمات صلوات الله

стр. 322

عليه وسلامه, وصلت عليه الملائكة، ودفنته١. يقول رسول الله ﷺ : "لو كنت ثم, لأريتكم قبره إلى جانب الطريق، تحت الكثيب الأحمر" ٢. ويقول ﷺ : "مررت ليلة أسري بي على موسى ﵇ وهو قائم، يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر" ٣, ﵁ وأرضاه, ﷺ .

стр. 323

النقطة الثالثة: حركة موسى ﵇ بالدعوة أولا: حركة موسى بالدعوة لفرعون ... "النقطة الثالثة": حركة موسى ﵇ بالدعوة أخذ الوحي ينزل على موسى ﵇ وهو في طريقه إلى مصر، وتأكد أنه رسول الله إلى الإسرائيليين، وإلى فرعون وملئه، فاطمأن لذلك، وبدأ في مسار جديد، يتحرك فيه بدعوة الله تعالى. ويلاحظ أن دعوة موسى ﵇ لفرعون وملئه تختلف في المنهج والوسيلة والأسلوب، عن دعوته للإسرائيليين؛ لاعتبارات كثيرة، أهمها: أن الإسرائيليين كانوا على ذكر بدين الله تعالى، حيث عاش بينهم إسحاق، ويعقوب، ويوسف ﵈ بينما كان المصريون على كفر وضلال، ومن المعلوم أن أثر دعوة يوسف ﵇ للمصريين لم تستمر طويلا؛ لأن الإسرائيليين تعاونوا مع الهكسوس الذين أسسوا دولة الرعاة في مصر، فلما تمكن المصريون من طرد الهكسوس عملوا على طرد الإسرائيليين, وانعكس ذلك على دين يوسف ﵇ في مصر، وسوف نتحدث عن دعوة موسى ﵇ للفريقين، ولقارون في مباحث منفصلة فيما يلي: أولا: حركة موسى بالدعوة لفرعون كلم الله موسى ﵇ وأيده بالمعجزات الباهرة، وطمأنه على اختياره رسولا يدعو لدينه، وكلفه أن يبدأ بدعوة فرعون وملئه، وقد اشتملت حركة موسى بالدعوة لفرعون على عدد من المسائل: المسألة الأولى: التعريف بفرعون عرف الله موسى ﵇ بطبيعة فرعون وملئه، فرغم أن موسى ﵇ عاش في بيت فرعون, وتربى في قصره، وعاشره طويلا، وعرف كثيرا عنه، رغم ذلك نرى أن الله يفصل لموسى طباع فرعون وأتباعه؛ ليكون على بينة وافية بهم، وهو يدعوهم إلى الله تعالى.

стр. 324

لقد كان فرعون فاسدا في كل جوانب حياته، ادعى الألوهية، ونادى في الناس أنا ربكم الأعلى، وأنكر على أتباعه أن يتخذوا إلها سواه، وكان متكبرا في خلقه، مغرورا بالنعم التي يرفل فيها، فلقد تصور أن تملكه لأمر مصر، وسيطرته على أنهارها وزروعها، يجعله فوق البلاد والعباد. واشتهر بالقسوة، والظلم في معاملة الرعية، وأسرف في الإفساد، وإلحاق الأذى بالناس، وتجبر، وطغى، وتمادى في غيه، ولم يسمع لناصح، ولم يلتفت إلى الحق أبدا. يصور الله تعالى حال فرعون وملئه، ويبين ضلالهم، وظلمهم، وفسادهم، فيقول تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ١، وقال تعالى: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى، فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ ٢, وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ، مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ ٥, وقال تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ، الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ ٦. هذا هو فرعون على حقيقته, كما صورته آيات القرآن الكريم.

стр. 325

إنه شخص مغرور، اعتلى العرش، واستعبد الناس، وفرقهم شيعا، واستخدمهم لنفسه، ونشر الفساد فيهم. ادعى الألوهية فصدقوه، وأطاعوا أمره، واتجهوا إليه عابدين، مستسلمين. وقد وضع فرعون خطة خبيثة، تمكنه من استمرار التحكم، والاستعلاء، والطغيان، تقوم هذه الخطة على اتخاذ مجموعة من الأفراد متميزين بعلم ومعرفة، ونشرهم في الأقاليم المختلفة؛ ليكونوا دعاة له, مشرفين على استمرارية ملكه، وسلطانه، مبلِّغين ما يريد أن يوصله للناس، وقد أغدق على هذه المجموعة الأموال، والوظائف, وشيئا من سلطانه، ووجاهته. فهم الملأ المنتشرون وسط الناس ... وهم العلماء السحرة الذين يديرون شئون المدائن ... وهم الوزراء المحيطون به ... ولذلك كان يكتفي بتوجيه أوامره لهذه المجموعة؛ ليوصله هؤلاء بعد ذلك إلى سائر الناس، فهم له مطيعون، مؤيدون. انظر إليه، وهو يؤكد ألوهيته الوحيدة، ينادي بذلك للملأ، ويجمعهم في مؤتمر حاشد ليقول لهم: أنا ربكم الأعلى، ومع اتخاذه لحاشيته تلك، اتخذ جنودا أشداء، كوّنوا قوة طاغية، كثيرة العدد والعدة، لتكون في مواجهة من يتصدى لألوهيته، وجبروته.... يقول العوفي في روايته عن ابن عباس: "أوتاد فرعون هم الجنود الأقوياء الذين يشدون له الأمر, ويعينونه على تحقيق ما يريد"، وكان لجنود فرعون قوة ظاهرة في عددهم, وعدتهم كما يفهم من الاستفهام الوارد في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ، فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ ١؟ فقد سمى الله حديث فرعون حديث الجنود؛ لما تمتعوا به من قوة وبطش.

стр. 326

وقد تمكن فرعون بهذا التخطيط من الاستخفاف بعقول الناس، وعدم الاكتراث بهم، وذلك الحال واضح من التوجيه الذي وجَّهه لوزيره هامان في قوله الذي حكاه الله عنه في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ ١، وفي قوله تعالى: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ٢. إنه في هاتين الآيتين يأمر "هامان" وزيره الأول أن يتخذ من الطين آجرا؛ لبناء برج عالٍ ليصعد عليه، ويُوهم الرعية أنه بحث عن إله موسى في الأماكن العالية فلم يجده؛ لأنه لا إله للناس إلا فرعون. ويقوم هامان ببناء البرج مع تيقنه بعدم جدواه، ويطيعه الجنود، ويعيش فرعون وسط الملأ والجنود إلها معظما معبودا. يذكر بعض المفسرين أن هامان بنى الصرح من الطين، حتى بلغ نهاية ما قدر عليه من البناء، ثم صعد فرعون وإلى جانبه هامان، ثم صوب فرعون سهما إلى السماء، ورمى به، فعاد النصل مخضبا بالدم، فلما رأى فرعون النصل وعليه دم قال: يا هامان لقد قتلت إله موسى، فضحك هامان وقال: ومع هامان تقول ذلك يا فرعون٣!! وبدون الملأ والجنود لا يستطيع فرعون أن يظلم الناس، ولا أن ينشر الفساد بينهم؛ ولذلك يعاقب الله مع فرعون ملأه وجنوده، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ ٤, ويقول سبحانه:

стр. 327

وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ ١. وهكذا.... أخذ الجنود والملأ نفس عقوبة فرعون؛ لأنهم أعوانه على الظلم، ولولاهم ما تمكن من ظلم أحد.... وأيضا فلقد أصبحوا ظَلَمَة مفسدين، على دين وأخلاق فرعون، يقول تعالى: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ ٢، ويقول تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾ ٣. وأهلكهم الله كما أهلك فرعون؛ لأنهم صاروا مثله في الظلم، والإفساد والتعدي على حقوق الله، وحقوق الناس، يقول تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ، فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ، وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ، وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ ٤. المسألة الثانية: الاستعداد للبلاغ استشعر موسى ﵇ ثقل المهمة، وأدرك حاجته إلى عدة تعينه على المشاق التي ستقابله, ولذلك اتجه إلى الله تعالى مبينا له العذر, راجيا منه العطاء,

стр. 328

وقد حكى الله ذلك بقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي، وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي، كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا، وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا، إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ ١. لقد طلب موسى ﵇ من ربه أن يمده بعدد من الخصائص, شعر أنه في حاجة إليها, وهي: - طلب موسى ﵇ -أولا- أن يشرح الله صدره؛ ليذهب ما به من ضيق، وانفعال، وتسرع في الحكم, والتنفيذ كما فعل يوم أن استغاث به الرجل من شيعته، وحتى يتمكن بشرح صدره من تقبّل المعارضة، وحسن التعامل مع الأعداء برفق ولين. ومن المعروف أن انشراح الصدر يحول مشاق التكاليف إلى متعة، ويجعل مصاعب الطاعة لذة وحلاوة، كما يجعل السعي للغاية مليئا بالحيوية، والنشاط، والأمل ... وهذا يفسر حالات السعادة والرضى، التى كان يلقاها الصحابة وهم يعبدون، وكذلك وهم يموتون في سبيل الله. - وطلب موسى ﵇ -ثانيا- أن ييسر الله أمره، ويوفقه لكل عمل يرضى عنه, ويبعده عن كل ما يضر، ويؤذي.... وهو مطلب يضمن له النجاح في الدعوة وفي غيرها؛ لأن الإنسان بدون تيسير الله عاجز، فهو محدود القوة، والتصور، والعلم ... والطريق طويل، وشاق؛ لذلك كان التيسير الإلهي ضرورة للنجاح. - وطلب موسى ﵇ -ثالثا- من الله أن يحل عقدة من لسانه؛ ليفهموا قوله، وقد أتته هذه العقدة يوم أن ابتلع الجمرة من يد "آسية" وقد طلب موسى ﵇ حل عقدة واحدة فقط، ولو سألها جميعا لكانت. - وطلب موسى ﵇ -رابعا- من الله تعالى أن يرسل معه أخاه هارون لما يتميز

стр. 329

به من الفصاحة، والهدوء، وعدم الغضب، وبهذا عد موسى ﵇ أنفع أخ لأخيه في الدنيا، حين سأل الله له النبوة والرسالة، وقصد موسى ﵇ من إرسال هارون معه أن يشد أزره، ويقوي جانبه، ويشاركه الرأي والنصيحة، وينيبه في بعض مهام البلاغ والدعوة. والغاية العظمى التي قصدها موسى ﵇ أن يتمكن من الاستمرار في الذكر، والتسبيح، والعبادة، مع الطاعة المطلقة لله، والقيام بمسئولية الدعوة إلى الله تعالى. فاستجاب الله له على الفور، وأعطاه كل ما سأله دفعة واحدة، يقول سيد قطب: "هكذا مرة واحدة، في كلمة واحدة، ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ , فيها إنجاز، لا تسويف ولا تأجيل، كل ما سألته أُعطيته فعلا.... ومع العطاء إيناس، وتكريم، وأي تكريم أكبر من أن يذكر الكبير المتعال اسم عبد من العباد!! "١. وبهذا زال خوف موسى ﵇ وبدأ حركة الدعوة مع فرعون وملئه. المسألة الثالثة: مواجهة فرعون استجاب الله لموسى، وحقق له ما طلب، وأصبح هارون رسولا معه ... وبدآ سويا في دعوة فرعون وملئه إلى الله تعالى، بعد أن تخلصا من الخوف من فرعون ورهبته، تحوطهما عناية الله، ورعايته. وطلب موسى ﵇ من فرعون أن يؤمن بالله إلها واحدا، وربا لا شريك له، ويخصه وحده سبحانه بالطاعة، والخضوع، والانقياد. وطلب منه أيضا أن يترك بني إسرائيل لموسى ﵇ ليعود بهم إلى عقيدة التوحيد الخالص، ويسكنهم الأرض المقدسة التي كتب الله لهم أن يسكنوا فيها.

стр. 330

حدد الله رسالة موسى ﵇ لفرعون بقوله تعالى: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ ١، وبقوله تعالى:. ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ٢. وهكذا انحصرت مهمة موسى ﵇ مع فرعون في أمرين: أولهما: دعوة فرعون إلى الإيمان بوحدانية الله تعالى، والتوجه بالعبادة له وحده، والقيام بالدعوة لهذا الأمر جاء من قبل موسى وهارون اللذين أرسلهما الله رب العالمين؛ لتصحيح أخطاء الناس، حين يتخذون آلهة أخرى مع الله تعالى. ومع الدعوة إلى التوحيد، نرى بالضرورة الدعوة إلى الإيمان بالرسالة، والوحي المنزل، وباليوم الآخر بما فيه من حساب وعذاب. ثانيهما: إنقاذ الإسرائيليين، وفك أسرهم، وتركهم يعودون مع موسى ﵇ إلى بيت المقدس للسكن فيه، وبعودتهم يرجعون إلى عقيدة التوحيد الخالص بعد التخلص من الملوثات المادية والحيوانية، التي شابت تدينهم. وأخبر موسى وهارون ﵉ فرعون بأن معهما آيتين من معجزات الله؛ لإثبات صدقهما فيما دَعَوَا إليه.

стр. 331

وقد قام موسى وهارون بإيصال الدعوة لفرعون في لين، ورفق، وترغيب، واستمالة, فهما يدعوانه إلى الهدى، والأمن، والسلام، والنجاة في اتباع الهدى، وعرفاه بأن معهما آيتين من معجزات الله تشهدان بصدقهما. رد فرعون عليهما, وطلب منهما أن يظهرا هاتين الآيتين اللتين تحدثا عنهما؛ ليرى مدى صدقهما. فأظهر له موسى ﵇ معجزة العصا، ومعجزة اليد، التي تدرب عليهما في طور سيناء يوم أن كلمه الله تعالى، فاتهمهما فرعون بالكذب، وبأن ما أظهراه هو السحر، وأخذ في مناقشة موسى، ومحاولة صرفه عن الدعوة، قال له: يا موسى, أنسيتَ فضلنا عليك؟ أنسيتَ أننا ربيناك في بيوتنا، وأنفقنا عليك في صغرك من أموالنا، ومتعناك بجاه الملك يوم أن انتسبت إلينا وليدا، واستمرت حياتك معنا مدة طويلة؟ وهل نسيت يا موسى يوم أن قتلت مصريا من قومنا وأنت من الجاحدين لنعمتي وحق تربيتي لك، وأنكرت ألوهيتي، ولم تؤمن بي كما آمن الآخرون، وأخيرا هربت من ديارنا؟ والآن تأتينا مرة أخرى بنفس جحودك وإنكارك. وهذا الكلام من فرعون يدل على فهمه، ومعرفته، وبعده عن السفاهة، والسذاجة، غير أن إبليس أضله، وأبعده عن الحق والصواب. رد عليه موسى, ﵇: لن أنكر نعمة أسديت إلي، وما كنت أقصد قتل الرجل، ولم أتصور أن إنسانا يموت من وكزة، وكان فراري خوفا من ظلمكم وجوركم؛ لأنكم لن تتصوروا خطئي، وستحكمون علي بتعمد القتل ... وقد أكرمني الله تعالى بالنبوة، وأرسلني وأخي إليك، وإلى قومك لأدعوك بدعوة الله تعالى. ولكن لِمَ لم تترك يا فرعون قضية استعبادك للإسرائيليين جميعا، وإلحاق الأذى بهم؟ ولِمَ لا تتهم نفسك بدل أن تمن علي بما أنعمت؟ وهل كنت أحتاج يا فرعون إلى ما أسديته إلي، لو سرت في الإسرائيليين بالعدل، والصواب؟!

стр. 332

وكأني بموسى ﵇ يذكر لفرعون أن سوء سياسته هو سبب ما ذكر من أفعال، فبسبب الخوف منه كان إلقاء موسى وليدا في البحر، وكان فرار موسى من مصر، ومن المقرر أن إذلال أمة يعد إذلالا لكل فرد فيها. يصور القرآن الكريم هذا الجزء من الحوار في قوله تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ، وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ، قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ، فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ، وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ١. وبعد ذلك انتقل فرعون إلى سؤال موسى عن ربه، قال له: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ؟ ٢ إنه يسأل عن حقيقة الله؛ لأنه يتصوره محسوسا، مشخصا، على اعتبار أنه أحد الآلهة المنتشرة في عقائد الناس. فيرد عليه موسى وهارون: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ ٣، ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ٤.

стр. 333

عرف موسى فرعون بالله عن طريق إبراز أفعاله وصفاته، فهو الخالق لكل موجود, في السموات والأرض وما بينهما، والمخلوقات جميعها تدين له وتئول إليه. وهو سبحانه الذي يمكن كل مخلوق من أداء وظيفته, ويهديه للقيام بها, وبذلك كانت الدقة، وكان الجمال، وكان التوازن بصورة دائمة لا تتخلف أبدا في سائر المخلوقات، وكلها تدل على قدرة الخالق، العظيم، الواحد، . يحاول فرعون بذكائه، أن يحول النقاش بعيدا عن موضوع الألوهية، فيقول لموسى: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ ١. والسؤال عن القرون الأولى غير محدد الموضوع، فهل هو عن عددهم؟ أو عن دينهم؟ أو عن حكم ضلالهم؟ أو عن مسئوليتهم في إبداع الضلال؟ أو عن عذاب الله لهم؟ أو عن سبب تركهم في الفساد؟ إنه غير محدد الموضوع؛ ولذلك يحتاج إلى أجوبة طويلة، متنوعة. لكن موسى ﵇ -بفطنة النبوة- يعيد فرعون إلى قضية الألوهية، مع الإجابة عن سؤاله عن القرون الأولى: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى، كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى، مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ ٢، وفي رد موسى نراه يجيب فرعون، ويأخذه إلى تعريفه بالله تعالى, فيذكر له أن علم القرون الأولى، من كافة نواحيها، عند ربي الذي أدعوك إلى الإيمان به، وهو سبحانه المتصرف فيهم، ولا حاجة لنا إلى التفاصيل، ويكفينا أن نعرف أنها عند ربي، فهو سبحانه متصف بالحق المطلق الذي لا ينسى ولا يخطئ، ويكفينا ثقة في علم الله تعالى، ما خلق من نعم، فقد جعل الأرض مهدا، وذللها

стр. 334

للعمل، وللزراعة، وسلك فيها طرقا للحركة والتنقل، وأنزل من السماء مطرا للسقي والزرع، وأخرج من الأرض نباتات متنوعة للحب، والفاكهة، والزينة، والرعي؛ ليتمتع الإنسان، والطير، والحيوان، وكل دواب الأرض بها، وجعل سبحانه من ذلك آيات، وبراهين تدل عليه، وهي أدلة يدركها صاحب العقل السليم. وهذه الأرض التي أكرمنا الله بها، وأفاض علينا بنعمه من خلالها، هي المادة التي خرج منها الإنسان، وإليها يعود حين الموت، ومنها يخرج يوم البعث. إن هذه الآيات تدور حول الإنسان في وجوده وعدمه، وحول الكون القريب من الإنسان، من زرع، وماء، وأرض، وحياة، كما أنها تذكر الإنسان بحركته في هذا الكون، فقد خلقه الله لتعميره، وسوف يسأله عن مسئوليته يوم يبعثه, ويخرجه من الطين مرة أخرى. ومن فطنة موسى ﵇ أنه أتى بالآيات والبراهين، التي يعتز بها فرعون، فهو فخور بملكية أرض مصر بأنهارها، وزرعها، وثمرها، ويجعل ذلك سبيله لادعاء الألوهية.... يأتي موسى ﵇ إلى هذه الآيات، ويوضح الخالق الحقيقي لها، ويبين أنه الله رب العالمين، وليس لفرعون منها إلا الملكية الصورية، والتحكم الظالم، أما المُوجِد لها فهو الله تعالى، فهو الذي خلق وأوجد، وحقه أن يعبد وحده، وهو الله الواحد لا شريك له أبدا. لم يتمكن فرعون من مواجهة حجج موسى ﵇ بالحوار والمناقشة، وإنما اتجه إلى إثارة الناس ضد موسى، قال لهم: ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ ١, ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ، أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾

стр. 335

فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ، فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ ١. وفي حديث فرعون نرى لجوءه إلى الإثارة، والتحريض، وتوجيه الرأي العام ضد دعوة موسى، وأخذ يبثّ في الناس ضلاله وأكاذيبه، بصورة مثيرة، على شكل أسئلة تحريضية ضد موسى ودعوته، ومن أسئلته: ألا تستمعون لأكاذيب موسى وهو ينكر ألوهيتي، ويثبتها لربه؟! وأليس لي ملك مصر أتحكم في أرضها، ومائها، وسكانها؟! وأينا أفضل: أنا بما أملك، أم موسى الفقير الذي لا يملك شيئا؟! وهل صورة موسى تصلح للرسالة, وفي لسانه حبسة؟ وهل يتصور أن إله موسى يملك كل شيء، ويتركه فقيرا؟! لِمَ لم يمده بالذهب, أو يرسل معه الملائكة تساعده؟! إن هذه الأسئلة مفهومة من الآيات، قصد فرعون بها صرف الناس عن سماع دعوة موسى وهارون ﵉. ويلاحظ أن فرعون ألقى أسئلته في جمع من قومه إثارة لهم؛ لأن العقل الجمعي سريع الانفعال، يستجيب بطريقة تلقائية وسريعة للمثيرات العاطفية ... ولذلك تعد مخاطبة الجماهير لأول مرة بصورة جماعية، في القضايا الكبرى, لونا من ألوان العبث والاستخفاف بالعقول، ولذلك قال الله عن فرعون في القرآن الكريم: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ . وسار الجمهور خلف فرعون بعدما استثارهم، وأخذ في الاستماع إلى حديثه وكلامه عن موسى ﵇

стр. 336

قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ ٢. ونجح فرعون في استثارة الرأي العام ضد دعوة موسى، وأخذ في تهديد موسى ﵇ فأعاده موسى ﵇ إلى الحوار مرة أخرى، وفكر فرعون في الاستعانة بأتباعه من السحرة والعلماء. المسألة الرابعة: التحدي الكبير، وإيمان السَّحَرَة أقام موسى وهارون على فرعون الحجة، وتبين أتباع فرعون قوة موسى بحجته وضعف فرعون بألوهيته، حينئذ لجأ فرعون إلى التهديد، قال تعالى على لسان فرعون: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ ٣، فأعاده موسى إلى الحوار: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ٤, إن موسى ﵇ لم يواجه التهديد بالغضب، وإنما واجهه بهدوء وروية، ومع الهدوء عرض مثير لبيان الحقيقة، والناس يسمعونه متسائلا: أتسجنني وإن أتيتك ببرهان بيّن لا يشك فيه عقل؟! ولم يحدده له، ولم يشر إليه؛ ليتشوق فرعون ومن معه لمعرفته, وقد كان، فعاد فرعون إلى الحوار, قال تعالى: ﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ٥، فقدم موسى ﵇ برهاني العصا واليد، شاهدة على صدقه. فلما رأى فرعون ذلك, قال لأتباعه: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ، يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ ٦.

стр. 337

ولنتأمل في منطق سياسة فرعون، وطريقته في مخاطبة الناس، يعلن أن موسى ساحر ومجادل، وأنه يعمل على طرد المصريين من بلدهم، وبعد ذلك يطلب رأيهم, ويعتبره أمرا منهم يقوم بتنفيذه، ويخطب فيهم ... فماذا تأمرون؟!! ويتصور الناس أن موسى ساحر حقا؛ ولذلك اقترحوا مقاومته بنفس السلاح الذي يستعمله، واقترحوا لفرعون أن يجمع من مختلف المدن المصرية أئمة السحر، وأساتذة العلماء، على أن يعد للقاء عدته؛ لينهزم موسى على رءوس الناس. واستحسن فرعون الفكرة، وقال لموسى: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى، فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى﴾ ١. حدد فرعون وموسى موعد اللقاء، في يوم عيد للمصريين، هو يوم الزينة، وجعلوه ضحى ذلك اليوم، حيث يتجمع الناس، ويرون في وضوح الشمس ما يقع، بلا خداع, أو دعاية، أو تدليس، وسُر موسى بذلك, فهو واثق من نصر الله، واللقاء فرصة لعرض دعوته، وإظهار صدقها على الجمع الغفير دفعة واحدة، وأرسل فرعون إلى مختلف المدن لإحضار كبار العلماء، وقادة السحر، وعرفهم بما جرى له مع موسى وهارون- ﵉ فطمأنوا فرعون وأقسموا بعزته أنهم سيغلبون موسى، واستفسروا عن المكافأة التي سيأخذونها، فعرفهم أنه سيكافئهم ماديا، ويقربهم إليه سياسيا، واجتماعيا. وجاء يوم الزينة، والتقى العلماء والسحرة بموسى وهارون، والجمع حاشد، والكل ينتظر هزيمة كبيرة بموسى، يقول ابن كثير: "وحضر فرعون, وأمراؤه, وأهل دولته، وأهل بلده عن بكرة أبيهم، آملين أن يغلب السحرة، وتثبت ألوهية فرعون"٢.

стр. 338

تقدم موسى إلى السحرة، وبيَّن لهم قضيته، ونهاهم عن تعاطي السحر الباطل, وخوفهم من عذاب الله إن لم يلتزموا بالحق والصواب، وقد أدى نصح موسى لهم إلى تغيير نظر بعضهم إليه، بعدما علم أن هذا الكلام لا يصدر إلا من نبي؛ ولذلك اختلفوا فيما بينهم، يقول الله تعالى: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى، فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ ١، قيل: إنهم تنازعوا حول رسالة موسى وصدقه، وقيل: في كون فرعون إلها، وقيل: في صلة سحرهم بالحق، والله أعلم في تنازعهم، لكنهم اتفقوا على بقاء موضوع تنازعهم سرا، وترك الفصل للوقائع والأحداث التي جاءوا لها، على أن يبذلوا أقصى طاقاتهم، ويتحدوا في عمل واحد ليغلبوا، فإذا ما غلب موسى لا لوم عليهم لأنهم لم يقصروا، يصور الله الحالة النفسية للسحرة قبل مباشرة التحدى، فيقول سبحانه: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى، قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى، فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ ٢. اصطفّ السحرة، ووقف موسى وهارون أمامهم، وقال كبيرهم لموسى: إما أن تلقي، وإما أن نبدأ نحن بالإلقاء؟ وهو سؤال ينبئ عن رغبتهم في البدء؛ لعلمهم أن رهبة الاستهلال تبقى في النفس لا تزول إلا بإضعاف قوتها التأثيرية ... قال لهم: ابدءوا أنتم، فعمدوا إلى حبال وعصي أعدوها لذلك، قيل: إنها كانت عصيا مجوفة قد مُلئت زئبقا، وكذلك الحبال كانت مصنوعة من جلد مجوف محشو بالزئبق، وقد حفروا قبل ذلك في الأرض حفرا، ووضعوا فيها المواسير المملوءة بوقود النار، فلما طرحت

стр. 339

العصي والحبال، تحركت بفعل سخونة الزئبق، وقيل: إن من حيلهم إطلاق أبخرة كثيفة تؤثر في العين، أو أنها كانت تتحرك بمحركات خفية كالمغناطيس وغيرها١. وقد جعلهم موسى ﵇ يبدءون؛ لأنه يثق في ربه ودعوته، وحتى يتمكن من إبطال سحرهم أمام الناس، متأكدا أن الله تعالى لا يصلح عمل المفسدين ... نعم ... ألقوا حبالهم وعصيهم، فتحركت في كل اتجاه، وعظم سحرهم في أعين المشاهدين، فخاف موسى ﵇ من فتنة الناس بالسحر، فطمأن الله موسى ﵇ وأمره بأن يلقي عصاه، فألقاها فإذا هي حية عظيمة، ذات قوائم وعنق وبطن وشكل هائل مزعج، جعلت الناس يفرون بعيدا خوفا منها، وأقبلت هذه الحية فابتلعت ما ألقوه من عصي وحبال، بسرعة مذهلة على كثرتها وتنوعها، ونظر السحرة إلى الحية فوجدوا حجمها ثابتا لا يتغير، فهالهم ذلك، وتحيروا ... وأخيرا وجدوا أنفسهم ساجدين، معلنين إيمانهم برب هارون وموسى. يقول الله تعالى, مصورا هذا اللقاء: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى، قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى، فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى، قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى، وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى، فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ ٢. يقول سعيد بن جبير، وعكرمة، والقاسم، والأوزاعي، وغيرهم من علماء التفسير: إنما سجد السحرة بعدما رأوا منازلهم وقصورهم في الجنة, وقد تهيأت لهم، وازيّنت لقدومهم؛ ولهذا لم يلتفتوا إلى تهويل فرعون وتهديده ووعيده لما هاله الأمر، وعميت بصيرته وبصره، وأخذ يتحدث بكلام كاذب لا يصدقه فيه أحد.

стр. 340

- قال فرعون للسحرة: آمنتم له، مع أنهم حددوا إيمانهم، وجعلوه لله، إذ قالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ فما موسى وهارون إلا مبلِّغا الدعوة، وعاملان على الإيمان بالله رب العالمين. وقال لهم: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ ؛ لأنه بطغيانه وجبروته، يتصور نفسه سيدا على الأبدان وعلى العقول، وما درى هذا الضال أن القلوب تميل للحق، وتقتنع بالصواب، وأنها لو تيقنت أسلمت ولو صدقت أطاعت، لا سلطان عليها إلا لله تعالى؛ لأن القلوب بين إصبعين من أصابع الله. لقد كان فرعون ينتظر من السحرة أن يستأذنوه في أعمال القلوب، مع أن السحرة لما شاهدوا الحق، وانزاحت عنهم غشاوة الضلال، انبهروا بالقدرة الإلهية، فخروا ساجدين، وبعدها أعلنوا إيمانهم. وقال لهم: إن موسى لكبيركم، ومن أين لفرعون هذه المقارنة؟ وهل هو يسلم لموسى بأي منزلة، حتى يجعله كبير علمائه وسحرته، أم إن الفاجعة جعلت فرعون يهرف بما لا يعرف؟ - وقال لهم: علمكم السحر، ولم يسأل نفسه: متى التقى بهم موسى؟ وأين علمهم؟ وإن كانوا تلامذته فلم أقدموا على التحدي مع أستاذهم؟ - وأخذ فرعون في تهديدهم بالعذاب الشديد، الذي به يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ويصلبهم في جذوع النخل العالية، ويتركهم للطير، والسباع تأكل أجسادهم وأبدانهم، وبعدها سوف يعلمون، من الأشد عذابا، ومن الباقي. وخاب فرعون في مقالته وتهديده؛ لأنه يجهل حقيقة الإيمان، ولا يدري أن الإيمان يشمل التصديق بالآخرة، وما فيها من نعيم وثواب، ويعلم عن يقين أنها خير من الدنيا؛ ولذلك رد السحرة على فرعون قائلين له: افعل ما شئت, فكل ما

стр. 341

يمكنك فعله هو جزء من الحياة الدنيا، والإيمان بالله يهون علينا المصائب، ويجعلنا نتحمل الظلم والطغيان صابرين محتسبين. إن الله في الحقيقة هو الخير المطلق، وهو الأبقى، ليس كمثله شيء. ويبدو -والله أعلم- أن فرعون -لعنه الله- عذبهم، وصلبهم ﵃ ونفذ وعيده فيهم، فما ضعفوا وما انتكسوا، يقول عبد الله بن عباس ﵁: "كانوا في أول النهار سحرة، فصاروا في آخره شهداء بررة"١، وكان آخر دعائهم: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ . لقد ماتوا حين جاء أجلهم، ولقوا ربهم مؤمنين صالحين، ولو اتبعوا فرعون لماتوا لأجلهم أيضا، ولكانوا لجهنم حطبا، لكنهم ﵃ آثروا الآخرة على الأولى، وسلموا أمرهم لله تعالى، فصاروا في الدنيا مثلا عاليا للمؤمنين، وفي الآخرة لهم الدرجات العلا؛ لأنهم أتوا ربهم مؤمنين صالحين. المسألة الخامسة: أنوار وسط الظلمات في وسط الظلمات يبزغ الفجر، ومن وسط الآلام يتولد الأمل، وما العمل الصالح إلا تكليف بالمشاق تصحبه راحة، ورضى ... وها هو موسى ﵇ يلقى العنت، والمشاق في دعوة فرعون وملئه، إلا أن الله خفف عنه ما لاقاه ببعض المؤمنين الذين آمنوا بدعوته، وسط الركام الهائل من الكفر والضلال، وهؤلاء هم المؤمنون الذين يمثلون نقطة ضوء وسط ظلام البغي والفساد، في مصر القديمة زمن موسى وهارن ﵉. وسأورد شيئا من قصص إيمانهم؛ لأهمية التعريف بهم، فقد تحملوا بلاء قاسيا، وصبروا على الأذى الذي نزل بهم، رغم شدته وجبروته، ولأنهم من أقباط مصر، ومن المقربين لفرعون، ومن الذين عاشوا في قمة سلطان فرعون ليكونوا مثلا، وقدوة

стр. 342

وسأذكر منهم ما يلي: ١- سَحَرَة فرعون: رأينا أن فرعون جمع خِيرَة علمائه وسحرته، من المدن والقرى، وحَشَرَهم في يوم الزينة، على أمل أن يُغلَب موسى وهارون ﵉. واجتمع السحرة، وأقسموا بعزة فرعون، ربهم وإلههم على النصر، والغلب، ظانين أن موسى وهارون بعض السحرة الكاذبين. ولما ألقى موسى عصاه رأوها غريبة، عجيبة، في صورة حية حقيقية لها أقدام، ورأس، وبطن، وشاهدوها تبتلع عصيهم وحبالهم التي أعدوها، ودعموها بمختلف حيلهم، وطرقهم ... لما رأوا ذلك علموا صدق موسى في رسالته، فسجدوا لله، واتبعوا موسى مؤمنين بربه، ولما يتأثروا بتهديد فرعون, قال تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ ١، وصلبهم فرعون، وقطع أطرافهم، وانتقلوا من دار الفناء إلى دار الخلد والبقاء، في الفردوس الأعلى عند مليك مقتدر. وقد اختلف المؤرخون في عددهم، يذكر المكثرون أنهم كانوا أكثر من عشرة آلاف وأوصلوهم إلى ثمانين آلفا، والمقلون يذكرون أنهم كانوا أربعين رجلا٢. والعقل يميل إلى القلة العددية؛ لأنهم لو كانوا ثمانين ألفا لكونوا جيشا وقوة تقاوم عدوان فرعون، ولفتكوا به، ولو تمكن منهم فرعون لاستغرق في تعذيبهم وقتا طويلا، مع أن المؤرخين والمفسرين يذكرون أن فرعون قتلهم وصلبهم في يوم واحد. وعلى ذلك فعدهم بالعشرات أو بالمئات، أولى من القول بكثرتهم.

стр. 343

يقول ابن كثير: "إن هؤلاء المؤمنين لما أخذهم فرعون لقتلهم، قالوا له يعظونه، ويخوفونه بأس رب العالمين: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾ ١، ويقولون له: إياك أن تكون منهم، فكان منهم, ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا، جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ ٢, فاحرص أن تكون منهم، فحالت بينه وبين ذلك الأقدار التي لا تغالب ولا تمانع، وحكم العلي العظيم بعذابه العذاب الأليم"٣. ٢- مؤمن آل فرعون: آمن السحرة برب موسى وهارون ﵉ واضطرب معسكر فرعون، وظهرت صيحة التخلص من موسى بقتله لخطورته على المجتمع والدين، يقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ ٤, و ﴿الْمَلَأُ﴾ هم سادة القوم وكبراؤهم، يطلبون من فرعون عدم ترك موسى ومن معه أحرارا؛ لأنهم يفسدون الناس، ويدعون إلى ترك عبادة فرعون ونبذ عبادة سائر الآلهة، فيجيبهم فرعون بخطة وضعها إزاء هذه القضية، وهي تقتيل ما يولد للإسرائيليين، من ذكور، وترك البنات، حتى ينقطع نسلهم، ثم يطمئن الملأ على قوته، وعلوه، وسلطانه، كما هو شأنه دائما.

стр. 344

إنه لم يتحدث معهم في قتل موسى كما طلبوا؛ لأنه في قرارة نفسه -والله أعلم- كان متيقنا من صدق موسى، وأنه كان يخاف إن أصابه بسوء بعدما رأى من آياته ومعجزاته، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ ١. فقوله: ﴿ذَرُونِي﴾ من باب التمويه، والإبهام بأنهم هم الذين يمنعونه من قتله ... لأن من يقصد القتل لا يعلن عزمه، وإنما يلجأ للتنفيذ مباشرة ... ويتم فرعون مقالته لهم بالخوف على الناس من موسى؛ لأن موسى ﵇ إما أن يبدل دينهم، أو أن يظهر في الأرض الفساد، وعليهم أن يحذروه، ولا يسمعوا قوله. علم موسى بما يدور في معسكر فرعون بشأنه، فلجأ إلى الله: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ ٢، اعتصم بالله، وتوكل عليه لينقذه من طغيان فرعون ومن كل طاغية يتكبر في الأرض، ولا يؤمن بالله، ولا بيوم الحساب، فليس هنالك إذًا ما يمنعه من الظلم، والفساد، والقتل، والتدمير. ولما قويت مؤامرات فرعون، وتعاون الملأ على موسى، غضب رجل من آل فرعون قيل: هو ابن عم فرعون، وليس إسرائيليا، لقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ ، وفهم الآية على السياق الوارد أولى من القول بالتقديم والتأخير؛ ليصير المعنى: رجل يكتم إيمانه عن آل فرعون، كما قال البعض، على اعتبار أن الرجل كان إسرائيليا. ومما يرجح أن الرجل كان قبطيا من آل فرعون، أن فرعون سمح له بهذا الحديث الطويل، وانفعل بكلامه، واستمع له، ولو كان إسرائيليا لعاجله بالعقوبة٣, والأخذ بالظاهر هنا أولى.

стр. 345

آمن الرجل بموسى سرا، ولم يجد بدا من إظهار إيمانه، وإعلان غضبه على فرعون وملئه لظلمهم, وعدوانهم، وتفكيرهم في قتل موسى, وأخذ في مناقشتهم بعقل، وحكمة. لقد نصح المؤمن قومه بحق، وسلك في نصحه لهم منهجا رشيدا وخطة حسنة، فهو واحد منهم، يهمه شأنهم، ويعرف طبائعهم واتجاهاتهم؛ ولذلك تعامل معهم بما يليق بهم, وكان دائما يخاطبهم بقوله: ﴿يَا قَوْمِ﴾ . ومن منهجه في مخاطبة فرعون وقومه، تقدير فكرهم، ومحاولة إيقاظ عقولهم بالاستفهام المتكرر، المتصل بواقع الحياة التي يعيشونها، وكان ينتقل معهم من مسألة إلى مسألة، ترفقا بهم، وكان يبين لهم في كل مرحلة حرصه عليهم، وتمنيات النجاة لهم, وأمل استمرار الملك فيهم: أ- قال الرجل لقومه ما حكاه الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ ١, وهو بذلك يعرض عليهم الموضوع، ويناقش عقولهم، بعيدا عن العصبية والانفعال ورد الفعل، وبلا تحيز ظاهر لموسى أو لدعوته، ويبين لهم أن موسى إما أن يكون كاذبا، أو صادقا، وخير لهم أن يتجنبوا إيذاءه في الحالتين؛ لأنه إن كان كاذبا فسيتحمل عقوبة كذبه بعيدا عنكم، وإن كان صادقا، فستحل بكم عقوبة الكفر به، فلا تضيفوا إليها جريمة قتله، فيتضاعف عذابكم٢؛ لأن احتمال صدقه أقوى، فقد جاءكم بالبينات المؤيدة له,

стр. 346

واعلموا أن الكذاب، المكثر في الإفك، لن يوفقه الله للخير أبدا، مهما كان ... ب- ثم انتقل إلى مسألة ثانية، وهي قضية الملك، قال تعالى: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ ١. وفي هذه المسألة يوضح لهم أن الملك بيدهم الآن، وهم به ظاهرون في الأرض وعلى الناس، وهذا أمر يجب أن يحافظوا عليه، وعليهم أن يفكروا في بأس الله الذي خوفهم منه، من ناحية كيفية مواجهته، والانتصار عليه، في حال صدق موسى، ولن يقدر عليه أحد لأنه من الله تعالى ... في هذه المسألة يضع نفسه معهم، في حال مجيء بأس الله، وهو إظهار لحرصه عليهم، وعلى الملك الذي جعله لهم خاصة من دونه. إنه يُوقِظ عقولهم أمام حقائق الحياة، حتى لا يستمروا في أمانيهم وأحلامهم، التي لا تتصل بحقيقة الوجود، وحركة الحياة. وقد رأى فرعون خطورة حديث الرجل؛ لأنه يلامس العقل المجرد، ويعرض المسألة كما هي واضحة أمام الناس، فأراد أن يصرف الناس عنه، فقال لهم ما تشير إليه الآية في أن الرأي الصائب هو رأيه، وأنه يعمل لمصلحتهم، ورشدهم، وسعادتهم، وعليهم أن يطمئنوا لذلك. جـ- وبعدها انتقل الرجل إلى مسألة أخرى، وهي خوفه على الناس من عذاب الله أن يحل بهم في الدنيا، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ، مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ ٢، إنه يذكرهم بأحداث الأمم التي سبقتهم، فقد

стр. 347

كذبوا رسلهم، ولم يؤمنوا بدعوتهم، فأهلكهم الله تعالى، جزاء كفرهم وضلالهم، وأعلن الرجل لهم أنه يخاف عليهم من نزول الهلاك بهم؛ لأن الله بعدله يمهل ولا يهمل. د- ثم يبين لهم أنه يخاف عليهم من عذاب الآخرة، يقول تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ، يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ١ ... ومع هذه المسألة يوضح الرجل لقومه، أنه يخاف عليهم من عذاب يوم القيامة، حيث لا قوة إلا لله، وحيث لا يرى الظالمون نصيرا أو معينا، ينادي بعضهم بعضا ولا مجيب، ويفرون من العذاب، لكن إلى عذاب آخر أشد وأنكى؛ لأن يوم الآخرة يوم شديد, لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. هـ- وينتقل الرجل إلى إظهار أخطاء القوم في تقدير رسالة موسى وهارون، اعتمادا على تجربة لهم سابقة، يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ، الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ ٢، وهذه التجربة دليل واضح على سوء التقدير لديهم، فلقد جاءهم يوسف ﵇ من قبل بدين الله تعالى، ودعاهم إلى التوحيد، وأظهر المعجزات الدالة على صدقه، وهو نفس ما فعله موسى ﵇.

стр. 348

لكنهم كفروا برسالة يوسف ﵇ ولم يؤمنوا به، وقالوا بعد موته: ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ ، وظهر كذبهم بمجيء موسى وهارون ﵉ رسولين إليهم، وهذا ضلال في التفكير، والتقدير، سببه التمادي في الشك، والبعد عن الله تعالى. إن موقفهم أساسه الكبر، والطغيان، والجدل في الحق بلا دليل من العقل أو الشرع، وبذلك حلت عليهم لعنة الله، ونزل بهم غضبه؛ لأن الله يطبع على قلب كل متكبر جبار، ومن تعود المعصية استمرأها، ومن استمرأها صارت له مذهبا، وطريقا. و ثم أخذ يبين لهم قيمة الحياة الدنيا، وزخارفها بالنسبة للآخرة، فمتاع الدنيا قليل وزائل، أما متاع الآخرة فمستقر ودائم وكثير، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ، يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ، مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ١. وقد تفضل الله على الناس فجعل جزاء السيئة بمثلها، وأما من عمل صالحا فجزاؤه غير محدد، ويكفي أنه يدخل الجنة يتمتع فيها بغير حساب. ز- وينهي الرجل المؤمن حديثه مع الناس، ويوضح لهم أنه يدعوهم إلى النجاة والخير، وهم يدعونه إلى النار والإثم، وأنه سيدعهم ويترك الأمر لله العليم بكل شيء, قال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ، تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ

стр. 349

الْغَفَّارِ، لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ، فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ ١. وقد سكت فرعون عن الرجل أولا لقرابته، فلما تبين خطورته حاول قتله، إلا أن الله نجاه منه، قال تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ ٢. ٣- آسية زوجة فرعون: هي آسية بنت مزاحم، زوجة فرعون، جعلها الله سببا في نجاة موسى من الذبح؛ لأنها لما رأته في التابوت سُرت به، وقالت لزوجها: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ٣ فوافقها، ولما همّ فرعون بقتله يوم أن نتف شعر لحيته اعتذرت له لصغره، فعفا عنه. ولما بعث موسى ﵇ آمنت به، وأسلمت لله رب العالمين، ورفضت أن تعود الكفر، رغم إلحاح فرعون عليها. ويقال: إن سبب إيمان آسية، أنها سمعت كلام أرواح أبناء ماشطة فرعون وهم يبشرونها بالثواب الجزيل، والعطاء الوافر، ثم أطلعها الله تعالى على مقام الماشطة بعد وفاتها؛ فازدادت إيمانا، ورسوخا. وقد عذبها فرعون بربط يديها ورجليها في أوتاد، ووضعها في حر الشمس وقال لجنوده: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على إيمانها بموسى

стр. 350

فألقوها عليها، وإن كفرت فهي امرأتي، فلما أتوها وسألوها رفعت رأسها إلى السماء فأبصرت بيتها في الجنة، فمضت على قولها، وتمسكت بإيمانها، فنزع الله روحها، فلما ألقيت الصخرة، ألقيت على جسد بلا روح. عن سلمان: كانت الملائكة تظللها من الشمس بأجنحتها.... وعن أبي العالية: إن فرعون جاء لمشاهدتها وهي تعذب، فأراها الله بيتها في الجنة فضحكت، فقال فرعون: أتعجبون لهذه المجنونة، نحن نعذبها، وهي تضحك؟!! وعن امرأة فرعون يقول الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ١، وجعل الله إيمان آسية مثلا يضربه للمؤمنين الذين تنكشف أمام بصائرهم الحقائق، فيتمسكون بها، ولا تغرنهم الدنيا، ولا يلعب بعقولهم إبليس وجنوده. إن امرأة فرعون ضربها الله مثلا عاليا من عدة وجوه: أ- اختارت أن تكون عند الله، وتحيا في جنته، بعيدا عن ملك فرعون، وقصوره، وخدمه، وحشمه، لأن دنيا هؤلاء الناس.... على نقيض حكم الله، ليس لها قيمة وإن تزخرفت، وتزينت. ب- طلبت أن يكون لها بيت واحد في الجنة عند الله، وبذلك اختارت الجار قبل الدار، ولبيت كريم بصحبة كرام خير من ألف بيت يسكنه لئام، ظالمون. ج- تبرأت من ظلم فرعون، وعمله، برغم أنها تعيش معه، لكنها لم تتأثر بضلاله، فجعلها الله مثلا للمؤمنين؛ ليعلموا أن الله حكم عدل، لا يؤاخذ أحدا إلا بذنبه، وأنه لا يضر المؤمن أن يعاشر الكافرين والظلمة، إذا كان محتاجا إليهم، ما دام

стр. 351

لا يشاركهم الظلم، ولا يعينهم عليه، فوالله ما ضر كفر فرعون آسية في شيء أبدا. د- يلجأ المؤمن إلى الله في وقت اضطراره وشدته، وليس عليه إن حدد سبب الطلب، والغاية التي يتمناها، فهو سبحانه يجيب المضطر إذا دعاه. جاء في الظلال: "وموقف امرأة فرعون مثل في الاستعلاء على عرض الحياة الدنيا، في أزهى صوره، فقد كانت امرأة فرعون أعظم ملوك الأرض يومئذ، تسكن في قصر فرعون، أمتع مكان تجد فيه امرأة ما تشتهي ... لكنها استعلت على هذا بالإيمان ولم تعرض عنه فحسب، بل اعتبرته شرا، ودنسا، وبلاء، تستعيذ بالله منه. وهي امرأة واحدة في مملكة عريضة، قوية، تقف وحدها وسط ضغط المجتمع, وضغط القصر، وضغط الملك، وضغط الحاشية ... في وسط هذا كله رفعت رأسها إلى السماء، ونادت الله. إنها نموذج عالٍ في التجرد لله ... ومن ثم استحقت الذكر في كتاب الله الخالد، الذي تتردد كلماته في جنبات الكون، وهي تتنزل من الملأ الأعلى إلى العالم كله ... وفي الزمن كله"١. ٤- ماشطة بنت فرعون ٢: آمنت برسالة موسى ﵇ وكانت تمشط لبنت فرعون شعرها، وذات يوم جلست تمشطها، فسقط المشط من يدها, فقالت: باسم الله، تعس من كفر بالله، فقالت لها ابنة فرعون: ألك رب غير أبي؟ قالت: ربي, ورب أبيك، ورب كل شيء هو الله. فلطمتها بنت فرعون، وأخبرت أباها، فأخذ يعذبها, ويقيدها بالأوتاد، ويسلط عليها الحيات، ويسألها: ما أنت منتهية؟

стр. 352

فتقول له: ربي وربك ورب العالمين هو الله، فأخذ يذبح أولادها أمامها، واحدا واحدا، ولكنها تزداد إيمانا؛ لأن أرواح أبنائها كانت تأتيها، وتبشرها بالثواب وتدعوها إلى الصبر، وكشف الله لها الغطاء، فرأت منزلتها في الجنة، وتحملت ما نزل بها حتى لقيت ربها, ﵂. وهكذا كانت النجوم تبعث الضوء والأمل، في ظلمات الليل البهيم ليبقى الأمل، ويستمر الخير بين الناس، وإن كان قليلا. المسألة السادسة: استمرار فرعون في ضلاله استمر موسى ﵇ في دعوة فرعون، وأمده الله تعالى بالآيات البيِّنات تشهد بصدقه، وتؤيده في دعوته، وأهم هذه الآيات هي: ١- العصا، قال تعالى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ ١. ٢- اليد، قال تعالى: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِين﴾ ٢. ٣- الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ٣. ومع ذلك استمر فرعون في كفره، واستخفافه بالناس، حيث كان لا يرى لهم إلا رأيه، ولا يقر لغيره -إن خالفه- برأي أو سداد. ومن أقوال الناس: قال تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ، أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ، فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَه

стр. 353

الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ٣. وهكذا استخف فرعون بعقول أهل مصر, واستعبدهم، ودعاهم إلى عبادته فاتخذوه إلها، رغم وضوح الطريق، وظهور الحجة ... لكنه الضلال والظلم يعادي الحق، ولا يرضى له بالوجود. المسألة السابعة: نهاية فرعون أصر فرعون وقومه على الكفر، ولم يأبهوا بالآيات بعدما عاينوها ولمسوها في حياتهم، وكانوا كلما أحاطتهم الضفادع، والقمل، والجراد، والطوفان، والدم، استغاثوا بموسى، فإذا رُفعت عنهم عادوا لكفرهم، يقول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ ٤. واتهم فرعون موسى بالسحر وبالجنون، واشتد في إيذائه للإسرائيليين، فاتجه موسى ﵇ لله، مستجيرا به، سائلا إياه أن ينزل نقمته بفرعون وقومه، وأن يطمس على أموالهم، ويشد على قلوبهم؛ ليستمروا في العذاب، فاستجاب الله له

стр. 354

يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ، فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ١، فأنزل الله بهم القحط، والجدب، والجوع، وكانت تأتيهم فترات خصب وسعة، فيقولون: هذه لنا بعملنا واستحقاقنا، وإذا جاء الجدب والقحط تشاءموا بموسى "وما علموا أن كل ما ينزل بهم هو قدر الله تعالى". وأصروا على كفرهم، وأعلنوا ذلك لموسى، فجاء من قبل الله عذاب في صور شتى، ومتتابعة ... يقول تعالى: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ، فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ٢. يذكر المفسرون أن موسى ﵇ عاش مع قوم فرعون بعد إيمان السحرة أربعين عاما, يظهر لهم الآيات، وهم بين الكفر والإيمان مترددون، منافقون. قالوا لموسى: ادع ربك يمطرنا فجاءهم الطوفان فكفروا، فأهلك الله زرعهم ودوابهم ... فسألوا موسى رفع الطوفان، فرفعه الله، ونبت الزرع فكفروا, جاءهم الجراد وأكل الزرع ... فسألوا موسى رفع الجراد فرفعه الله فكفروا.... فأرسل الله عليهم القمل وهو حشرة صغيرة مدببة أكلت الدواب، والزروع، ولصقت بالجلود، ومنعتهم من النوم ... فسألوا موسى رفعه، فلما رفعه الله كفروا، فأرسل الله عليهم الضفادع فملأت بيوتهم، وفرشهم، وأمتعتهم، وطعامهم، وشرابهم، فسألوا موسى

стр. 355

رفعه، فلما رفعت كفروا ... فأرسل الله عليهم الدم، وصار نهر النيل دما يشربه الإسرائيلي ماء، ويشربه القبطي دما.... وهكذا١. ومع كل هذه الآيات المفصلة البينة، وما بينها من تباعد زمني، أصروا على كفرهم، فأمر الله موسى وهارون أن يأخذا قومهما، ويرحلا إلى برية سيناء، فخرجوا جميعا تجاه بحر القلزم "الأحمر" واتبعهم فرعون بجنوده يريد القبض عليهم والفتك بهم، وعند البحر، حيث الأمواج العالية، ألقى موسى عصاه، فانفلق البحر وانشق، وظهر فيه طريق جاف، يربط الشاطئين، فعبره موسى وقومه، وتبعهم فرعون وجنوده، فلما كانوا في الوسط انطبق البحر، وتلاقى الماء، وغرق فرعون وعدد من جنوده يقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ، قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ، وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ ٢. ولم يقبل الله توبة فرعون في وقت الغرق؛ لأن التوبة لا تقبل إذا حدثت بعد مجيء الموت. وقد طافت جثة فرعون على الماء، فأخرجها المصريون وحنطوها، لتبقى عبرة لمن يعتبر، وذكرى لمن كان له عقل، وحتى لا يكون هناك عذر للغافلين.
следующие страницы →