← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 10752

دعوة الرسل عليهم السلام

أحمد أحمد غلوش

Полный текст (652 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

لا يشاركهم الظلم، ولا يعينهم عليه، فوالله ما ضر كفر فرعون آسية في شيء أبدا. د- يلجأ المؤمن إلى الله في وقت اضطراره وشدته، وليس عليه إن حدد سبب الطلب، والغاية التي يتمناها، فهو سبحانه يجيب المضطر إذا دعاه. جاء في الظلال: "وموقف امرأة فرعون مثل في الاستعلاء على عرض الحياة الدنيا، في أزهى صوره، فقد كانت امرأة فرعون أعظم ملوك الأرض يومئذ، تسكن في قصر فرعون، أمتع مكان تجد فيه امرأة ما تشتهي ... لكنها استعلت على هذا بالإيمان ولم تعرض عنه فحسب، بل اعتبرته شرا، ودنسا، وبلاء، تستعيذ بالله منه. وهي امرأة واحدة في مملكة عريضة، قوية، تقف وحدها وسط ضغط المجتمع, وضغط القصر، وضغط الملك، وضغط الحاشية ... في وسط هذا كله رفعت رأسها إلى السماء، ونادت الله. إنها نموذج عالٍ في التجرد لله ... ومن ثم استحقت الذكر في كتاب الله الخالد، الذي تتردد كلماته في جنبات الكون، وهي تتنزل من الملأ الأعلى إلى العالم كله ... وفي الزمن كله"١. ٤- ماشطة بنت فرعون ٢: آمنت برسالة موسى ﵇ وكانت تمشط لبنت فرعون شعرها، وذات يوم جلست تمشطها، فسقط المشط من يدها, فقالت: باسم الله، تعس من كفر بالله، فقالت لها ابنة فرعون: ألك رب غير أبي؟ قالت: ربي, ورب أبيك، ورب كل شيء هو الله. فلطمتها بنت فرعون، وأخبرت أباها، فأخذ يعذبها, ويقيدها بالأوتاد، ويسلط عليها الحيات، ويسألها: ما أنت منتهية؟

стр. 352

فتقول له: ربي وربك ورب العالمين هو الله، فأخذ يذبح أولادها أمامها، واحدا واحدا، ولكنها تزداد إيمانا؛ لأن أرواح أبنائها كانت تأتيها، وتبشرها بالثواب وتدعوها إلى الصبر، وكشف الله لها الغطاء، فرأت منزلتها في الجنة، وتحملت ما نزل بها حتى لقيت ربها, ﵂. وهكذا كانت النجوم تبعث الضوء والأمل، في ظلمات الليل البهيم ليبقى الأمل، ويستمر الخير بين الناس، وإن كان قليلا. المسألة السادسة: استمرار فرعون في ضلاله استمر موسى ﵇ في دعوة فرعون، وأمده الله تعالى بالآيات البيِّنات تشهد بصدقه، وتؤيده في دعوته، وأهم هذه الآيات هي: ١- العصا، قال تعالى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ ١. ٢- اليد، قال تعالى: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِين﴾ ٢. ٣- الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ٣. ومع ذلك استمر فرعون في كفره، واستخفافه بالناس، حيث كان لا يرى لهم إلا رأيه، ولا يقر لغيره -إن خالفه- برأي أو سداد. ومن أقوال الناس: قال تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ، أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ، فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَه

стр. 353

الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ٣. وهكذا استخف فرعون بعقول أهل مصر, واستعبدهم، ودعاهم إلى عبادته فاتخذوه إلها، رغم وضوح الطريق، وظهور الحجة ... لكنه الضلال والظلم يعادي الحق، ولا يرضى له بالوجود. المسألة السابعة: نهاية فرعون أصر فرعون وقومه على الكفر، ولم يأبهوا بالآيات بعدما عاينوها ولمسوها في حياتهم، وكانوا كلما أحاطتهم الضفادع، والقمل، والجراد، والطوفان، والدم، استغاثوا بموسى، فإذا رُفعت عنهم عادوا لكفرهم، يقول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ ٤. واتهم فرعون موسى بالسحر وبالجنون، واشتد في إيذائه للإسرائيليين، فاتجه موسى ﵇ لله، مستجيرا به، سائلا إياه أن ينزل نقمته بفرعون وقومه، وأن يطمس على أموالهم، ويشد على قلوبهم؛ ليستمروا في العذاب، فاستجاب الله له

стр. 354

يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ، فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ١، فأنزل الله بهم القحط، والجدب، والجوع، وكانت تأتيهم فترات خصب وسعة، فيقولون: هذه لنا بعملنا واستحقاقنا، وإذا جاء الجدب والقحط تشاءموا بموسى "وما علموا أن كل ما ينزل بهم هو قدر الله تعالى". وأصروا على كفرهم، وأعلنوا ذلك لموسى، فجاء من قبل الله عذاب في صور شتى، ومتتابعة ... يقول تعالى: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ، فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ٢. يذكر المفسرون أن موسى ﵇ عاش مع قوم فرعون بعد إيمان السحرة أربعين عاما, يظهر لهم الآيات، وهم بين الكفر والإيمان مترددون، منافقون. قالوا لموسى: ادع ربك يمطرنا فجاءهم الطوفان فكفروا، فأهلك الله زرعهم ودوابهم ... فسألوا موسى رفع الطوفان، فرفعه الله، ونبت الزرع فكفروا, جاءهم الجراد وأكل الزرع ... فسألوا موسى رفع الجراد فرفعه الله فكفروا.... فأرسل الله عليهم القمل وهو حشرة صغيرة مدببة أكلت الدواب، والزروع، ولصقت بالجلود، ومنعتهم من النوم ... فسألوا موسى رفعه، فلما رفعه الله كفروا، فأرسل الله عليهم الضفادع فملأت بيوتهم، وفرشهم، وأمتعتهم، وطعامهم، وشرابهم، فسألوا موسى

стр. 355

رفعه، فلما رفعت كفروا ... فأرسل الله عليهم الدم، وصار نهر النيل دما يشربه الإسرائيلي ماء، ويشربه القبطي دما.... وهكذا١. ومع كل هذه الآيات المفصلة البينة، وما بينها من تباعد زمني، أصروا على كفرهم، فأمر الله موسى وهارون أن يأخذا قومهما، ويرحلا إلى برية سيناء، فخرجوا جميعا تجاه بحر القلزم "الأحمر" واتبعهم فرعون بجنوده يريد القبض عليهم والفتك بهم، وعند البحر، حيث الأمواج العالية، ألقى موسى عصاه، فانفلق البحر وانشق، وظهر فيه طريق جاف، يربط الشاطئين، فعبره موسى وقومه، وتبعهم فرعون وجنوده، فلما كانوا في الوسط انطبق البحر، وتلاقى الماء، وغرق فرعون وعدد من جنوده يقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ، قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ، وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ ٢. ولم يقبل الله توبة فرعون في وقت الغرق؛ لأن التوبة لا تقبل إذا حدثت بعد مجيء الموت. وقد طافت جثة فرعون على الماء، فأخرجها المصريون وحنطوها، لتبقى عبرة لمن يعتبر، وذكرى لمن كان له عقل، وحتى لا يكون هناك عذر للغافلين.

стр. 356

وقد أهلك الله فرعون في يوم عاشوراء، وهو اليوم الذي نجى الله فيه موسى، فعن ابن عباس ﵁ أن رسول الله لما قدم المدينة, وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فقال النبي صلى الله عليه سلم: "ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ " فقالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله فيه بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى، قال: "فأنا أحق بموسى منكم" فصامه، وأمر بصيامه١. وقد رحل موسى وهارون ﵉ من مصر ومعهما الإسرائيليون, وقد حملوا معهم جثمان يوسف ﵇ تنفيذا لوصيته.

стр. 357

ثانيا: حركة موسى بالدعوة للإسرائيليين دعا موسى الإسرائيليين كما دعا فرعون وقومه، ولم يستجب له من الإسرائيليين إلا عدد قليل؛ لخوفهم من فرعون وقومه، وحثهم موسى على عدم الخوف، والتوكل على الله؛ لأن الخوف يتعارض مع الإيمان، فأعلنوا توكلهم على الله، وسألوه ألا يجعلهم فتنة للظالمين، يقول الله تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ، وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ، فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ١، وقد استجاب الله لهم، ومَنَّ عليهم، بإهلاك فرعون وملئه، ونجاة الإسرائيليين، وأورثهم الأرض الطيبة

стр. 358

يقول تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ ١. ولما عبر الإسرائيليون البحر، ووصلوا إلى الشاطئ الشرقي، لم يجدوا ماء يشربون منه، أو يسقون دوابهم، فشكوا لموسى، وطلبوا منه الماء، فأمره الله أن يضرب الحجر بعصاه, فلما ضربه تفجّرت منه اثنتا عشرة عينا، فجعل لكل قبيلة عينا. ولما ساروا في الصحراء، تألموا من حرارة الشمس، فشكوا لموسى, فأظلّهم الغمام، يقيهم من الحر. ولما قل طعامهم، وشعروا بالجوع، شكوا لموسى، فأنزل الله عليهم المن والسلوى٢, يقول الله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ٣، وهكذا، أحاطتهم النعمة من كل جانب، وغمرهم فضل الله تعالى، وصار لزاما عليهم أن يطيعوا موسى ﵇ ويتبعوا دينه الموحى به من الله تعالى.

стр. 359

وقد تفضل الله على الإسرائيليين كثيرا، فدخلوا مصر آمنين، وعاشوا مع نبي الله يوسف ﵇ ولما سقط حكم الرعاة، وجاءت الأسرة الثامنة عشرة في مصر القديمة، وطردت الرعاة، أخذت في اضطهاد الإسرائيليين, واستعبادهم، وقتل الذكور، وترك الإناث، فبعث الله موسى وهارون ﵉ لإنقاذ الإسرائيليين، فطلبا من فرعون أن يرسلهم معهما ليرحلوا بعيدا عن مصر، فأبى. وقد هيأ الله لهم الحياة في مصر، فبوّأهم بيوتا فيها، وجعل بيوتهم قبلة، وبشر الله المؤمنين منهم بالخير، يقول تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١، يذهب مجاهد أن المراد بمصر هي مدينة "الإسكندرية"، ويرى الضحاك أنها تعم كل مصر من البحر إلى أسوان، والإسكندرية من أرض مصر٢، وقد هيأ الله السكن للإسرائيليين في كل أرض مصر ... ولما هدم فرعون بيعهم, أحل الله لهم الصلاة في بيوتهم، قال تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٣. وأورث الله لهؤلاء الإسرائيليين أرض مصر والشام، وبارك لهم في زروعها وثمراتها، وأتم الله عليهم نعمته كلها، وكان المأمول أن يستمر الإسرائيليون على طاعة الله، ويداوموا على منهجه؛ ليعيشوا متمتعين في آلاء الله ونعمه، لكن هذا الأمل لم يتحقق، وسرعان ما ظلموا، وغيروا، وبدلوا.

стр. 360

ولحكمة أرادها الله تعالى أخذ يبين مخالفاتهم لموسى ﵇ ويعدد المعاصي التي ارتكبوها واحدة واحدة، وسوف أتحدث عنها، وبخاصة أنها توضح المخالفة، وتبين طبائع النفس، وتشير إلى العناصر الأساسية التي تتكون منها الشخصية الإسرائيلية، وسأعقد لكل مخالفة مسألة، وذلك فيما يلي: المسألة الأولى: حنين الإسرائيليين إلى الأصنام شاهد الإسرائيليون معجزات موسى ﵇ وعاشوا في النعم والآلاء التي تفضل الله عليهم بها، وآمنوا بدين موسى ﵇ ومع هذا كانت تعاودهم الوثنية التي ألفوها خلال حياتهم في مصر، وغلبتهم ماديتهم التجسيدية، ولم تمنعهم عظمة النعمة من الانتكاسة السريعة، والخضوع للشهوة؛ لأن التكوين الطبيعي أقوى تاثيرا من المكتسب؛ ولذلك جاءوا لموسى بعد أن نجاهم الله من الغرق، وطلبوا منه أن يجعل لهم صنما يعبدونه، كما يفعل أقوام التقوا بهم في سيناء، وهم العماليق، يقول الله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ١. طلب غريب عجيب!! يريدون صنما يعبدونه من دون الله، ويطلبون من موسى أن يوجد هذا الصنم لهم!! إنه طلب يؤكد صفاتهم, وأخلاقهم القائمة على الجحود، والجهل، والتوجه المادي، والرغبة في التبعية، والإحساس بالضعف. أما الجحود فإن نجاتهم من الغرق، وفلق البحر أمامهم، معجزة لم يجف مدادها بعد، ومع ذلك يكفرون بالله فور رؤيتهم لقوم يعكفون على أصنام لهم، ويطلبون من موسى أصناما يعبدونها مثلهم، ويهملون كل شيء.

стр. 361

وأما الجهل فإنهم لم يقدروا الأمور قدرها، واتخذوا من هؤلاء الناس قدوة لهم، مع أن الله سيهلكهم، ويبطل عملهم، ويعذبهم على كفرهم ... وكيف يأملون من موسى أن يوجد لهم صنما يعبدونه، وقد أفنى عمره في الدعوة إلى التوحيد ... وكيف يبحثون عن صنم مع أن الله أكرمهم، وفضلهم على الأمم من حولهم!! وأما ماديتهم فإنهم طلبوا إلها من الحجر، وانصرفوا عن الله الذي عرفهم به موسى، وأظهر لهم قدرته، وبين لهم اتصافه بكل كمال يليق به . وأما ميلهم إلى التبعية فإنهم يريدون مثل ما رأوا عند الناس؛ لإحساسهم أنهم أفضل منهم، وتبعيتهم لهم تضمن لهم الحياة والاستقرار. وأما إحساسهم بالضعف: فإنهم لجئوا لموسى ليصنع لهم إلها، وكان يمكنهم أن يوجدوه بأنفسهم، ولأنفسهم، لكنهم لشعورهم بالضعف طلبوا من الغير أن يصنع لهم. المسألة الثانية: طلبهم الطعام الأدنى تابع الإسرائيليون سيرهم مع موسى في صحراء سيناء، واحتاجوا إلى الماء, ففجر الله لهم من الحجر اثنتي عشرة عينا، خصص موسى عينا لكل قبيلة، ولما اشتد حر الشمس عليهم أظلهم الغمام، ولما جاعوا أمدهم الله بالمن والسلوى. والمن مادة رطبة تنزل من الجو كما ينزل الطل، وتتجمع على الحجر وورق الشجر، وطعمها حلو يشبه العسل ... والسلوى طائر السمان، وكان يأتيهم على هيئة أسراب متلاحقة، يغطي الأرض بكثرته. والمن والسلوى، من أطيب الطعام؛ للذة مذاقه، وكثرة فوائده، وجمال منظره، يقول تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى

стр. 362

كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ١. نعمة عظيمة، أتتهم من الله تعالى، بلا جهد أو تفكير، وكان عليهم أن يسعدوا بإنزالها عليهم، ويشكروا المنعم على ما تفضل به، لكنهم كفروا بالنعمة، وتبرموا بها، وطلبوا من موسى غيرها، يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ٢. إنهم لجهلهم وجحودهم، آثروا تنوع الأطعمة وإن قلت قيمتها، وساء مذاقها. إنهم يطلبون الفول والقثاء، والعدس، والبصل، والثوم، وهي أنواع منتشرة في كل أرض الله، وهي طعام العامة، وجهل الإسرائيليين جعلهم يفضلونها على المن والسلوى. وأيضا, فإن هذا الطلب يدل على جحودهم؛ لأنهم لو قدروا الله حق قدره، لعلموا أن عطاءه كريم، عظيم، وعطاء العظيم الكريم لا بد أن يكون أفضل، وأعظم. يقول القرطبي: "وفضل المن والسلوى على ما طلبوه, من وجوه: ١- المن والسلوى طعام نزل من الله عليهم، وأمر بأكله، وفي استدامة أمر الله، وشكر نعمته أجر، وذخر في الآخرة، أكثر مما في غيره. ٢ - ما مَنّ الله عليهم به ألذ، وأطيب من الذي سألوه. ٣- ما من الله به عليهم يأتيهم بلا كلفة، ولا عمل، ولا تعب. ٤- ما من الله عليهم حلال، خالص من أي شائبة معصية.

стр. 363

وكان رد موسى ﵇ عليهم: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ ١. وهو أمر يصعب تنفيذه، من باب قوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ ٢؛ لأنهم كانوا في التيه بعيدين عن أي مصر٣. ولذلك رفض موسى ﵇ طلبهم, وعرفهم أن الذي يطلبون هو الدني، ولا يصح أن يقدموه على ما هو خير منه. إن طلبهم يدل على ما عندهم من عناد، وما في طباعهم من خسة، وما في فكرهم من طمع، وتمرد على القدر، وعلى الخير. وقيل: إن الله استجاب لطلبهم، وأسكنهم مصر فرعون، وضرب عليهم الذلة والمسكنة، وباءوا بغضب منه . والأولى القول بأن موسى ﵇ رفض طلبهم، وعنّفهم، وبين لهم أن هذه المزروعات توجد في الأمصار التي يسكنها عامة الناس، وأنهم بعيدون عنها، ويؤيد هذا أن الله أمرهم بعد ذلك بدخول القرية المقدسة، وأنهم سكنوا الشام بعد التيه. المسألة الثالثة: طلبهم رؤية الله جهرة أخبر موسى ﵇ قومه الإسرائيليين وهم بمصر، أن الله سيهلك عدوهم، وأنه سينزل عليهم كتابا، ينظم حياتهم، ويضع المنهج الذي يعيشون به، فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب، وهو في سيناء، فأمر الله تعالى أن يقصد سفح جبل الطور الأيمن، ويمكث فيه صائما ثلاثين يوما، وزادها الله عشرة، صامها موسى ﵇ وتم ميقات ربه أربعين يوما، وبذلك تهيأ لملاقاة الله.

стр. 364

اختار موسى من قومه سبعين رجلا يحضرون معه الميقات، وحضروا، واستمعوا كلام الله تعالى، وشاهدوا كل ما حل بموسى، يقول الله تعالى مصورا هذا اللقاء: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ، وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١. والآيات توضح أن موسى ﵇ استخلف أخاه هارون ﵇ في قومه، وهو غائب عنهم، وأمره بملازمة الإصلاح، والبعد عن مناهج المفسدين الضالين. كما يتضح من آيات القرآن الكريم أن موسى ﵇ طلب من الله أن يريه ذاته، فقال الله: لن تتمكن من رؤيتي، ولكن انظر إلى الجبل, فإن استقر مكانه، إذا تجليت له فسوف تراني، فلما تجلى الله للجبل اندك، فخر موسى صعقا، وعلم أن رؤية الله عيانا أمر مستحيل؛ لأن الله ليس كمثله شيء، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار, وهو اللطيف الخبير. شاهد السبعون كل هذا، وسمعوا الحوار، ورأوا الأحداث والوقائع، ومع ذلك طلبوا من موسى طلبا غريبا وهو أن يروا الله جهرة، وهذا أمر غير ممكن، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ٢، فطلبوا رؤية الله عيانا، مشخصا، ولم يعتبروا

стр. 365

بكلام الله لموسى، ولا بما حدث لموسى، وإنما طلبوا أن يظهر الله لهم جهرة، فنزلت بهم الصاعقة، وأهلكتهم، وهم ينظرون حولهم، ثم دعا موسى ﵇ ربه ليعودوا إلى الحياة مرة أخرى، فأعادهم الله رجاء أن يشكروا النعمة، ويؤدوا حق المنعم.... المسألة الرابعة: عبادة العجل لما ذهب موسى ﵇ لميقات ربه، استخلف أخاه هارون ﵇ الذي عرف باللين، والهدوء، فانتهز السامر فرصة غياب موسى ﵇ وشكك في صدقه، وبخاصة بعدما أخلف موسى موعد معهم، وقال لبني إسرائيل: إنما أخلف موسى موعده معكم، لما معكم من الحلي التي سرقتموها من المصريات، فهي حرام عليكم، وطالبهم بالتخلص منها، وإلقائها في النار، فاستجابوا له، وجمعوا الذهب، وألقوه في النار، فصنع منه السامر هيكلا تجسد أمامهم في صورة عجل، يصدر صوتا، له خوار١، وقال لهم: هذا إلهكم، وإله موسى فأطاعوه,

стр. 366

وعبدوه، واتخذوه إلها، وادعوا أن موسى نسيهم عندما خرج للقاء ربه. يصور الله عبادة الإسرائيليين للعجل، فيقول تعالى: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ، فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ ١. والسامري هذا، رجل مصري كان يعبد البقر، دخل في دين موسى ظاهرا، وقيل: هو إسرائيلي، من قبيلة تعرف بالسامرة في بلاد الشام٢، والأوزار التي حملوها معهم من مصر، هي ذهب المصريات استعارته الإسرائيليات منهن، وهربن به. وعبد الإسرائيليون العجل، وأخذوا يرقصون حوله، ويلعبون، وتحققت أمنية لهم، رجوها طويلا من قبل، ولم يفكروا في هذا الإله البقرة، مع أنه لا يتكلم معهم ولا يرد عليهم، ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا. إنهم بعبادتهم للعجل أكدوا طباعهم الوثنية، وبرهنوا على تعودهم نقض المواثيق، فلقد عاهدهم موسى ﵇ على ضرورة الاستقامة على دين الله وطاعته، وأن يتجنبوا أية مخالفة وهو غائب عنهم.... ولكنهم لم يخالفوا في جزئية، بل تركوا الدين بالكلية، يقول الرازي في تفسيره: "إن القوم كانوا من الجهالة، بحيث اعتقدوا أن ذلك العجل المعمول في تلك الساعة هو الخالق للسموات والأرض، وكانوا في نهاية البلادة والجلافة؛ لتصديقهم أن صوت البقرة "الخوار" يناسب مقام الألوهية"٣.

стр. 367

وقال ﵀: "إن تصور رجوع عدد يقرب من ستمائة ألف عن الدين الحق، دفعة واحدة، إلى عبادة العجل، ثم رجوعهم إلى الدين الحق بعد رجوع موسى إليهم؛ تصور عجيب يؤكد بلاهتهم، وتعودهم على الاستعباد والتبعية للأقوى، واستهانتهم بالأضعف، ويشير إلى عنصريتهم التي جمعت هذا العدد الضخم في الكفر وفي الإيمان"١. وفي اتخاذ الإسرائيليين للعجل إلها, برهان على عنصريتهم الضالة، فلقد عاشوا مع المصريين، ولم يكونوا مثلهم في الدين، ولم يعبدوا العجل معهم ... أما أن يأتيهم الضلال من رجل منهم، فهو أمر سهل، وطاعته في الضلال أمر محبب إليهم. وقد أخبر الله موسى ﵇ أن قومه وقعوا في فتنة الكفر، وأضلهم السامري في الدين، فرجع إلى قومه مسرعا, وهو حزين غاضب، يتملكه الندم والحسرة على هؤلاء الناس، الذين تركوا عبادة الله إلى عبادة البقر، ووجد نفسه أمام ثلاثة أطراف، أخذ يسائلهم عن هذا العبث, وهم: - الإسرائيليون. - أخوه هارون ﵇. - السامري. وكان له مع كل منهم حوار, نلخصه في الآتي: أ- موسى والإسرائيليون: رجع موسى إلى قومه ومعه الألواح، فلما رأى الإسرائيليين يسجدون للعجل, ويعبدونه ألقى الألواح فانكسرت, وقال للإسرائيليين: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا﴾

стр. 368

يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ١، وقال لهم ما حكاه الله تعالى: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ ٢. والآيات توضح أن موسى ﵇ سأل الناس عن الدافع الذي دفعهم إلى الكفر ... فهل هو عدم ثقتهم في وعد الله الذي يؤكد لهم الثواب الجزيل إذا أقاموا على طاعته، وأن يسمعهم كلامه سبحانه في التوراة على لسان موسى ﵇ وأن يحقق الله لهم النصر والظفر، إن تمسكوا بدينه؟!! إن كان ذلك هو السبب فذلك دليل نفاقهم، وعدم صدقهم في إيمانهم بموسى أولا؛ لأن الله أكرمهم، ونجاهم، وأمدهم بالنعم في كل جوانب حياتهم، وبعد ذلك لا يثقون فيه!!! أم إن السبب هو طول المدة بين وقت إيمانهم ووقت كفرهم؛ لأن الزمن قد ينسى لطوله؟!!! إن كان السبب هو هذا، فهو دليل ضعف الإيمان؛ لأن الإيمان عقيدة تؤكدها العبادات، ويحييها الالتزام الخلقي، ومن يعش الإيمان حقيقة يره في كل عمل، وفي كل وقت؛ وحينئذ لا ينسيه طول الوقت أبدا، بل يؤكده، ويقويه. أم إن السبب هو الرغبة في نزول غضب الرب؛ لأن الكفر بالله وعبادة إله آخر يوجب غضب الرب، ولا يفعل ذلك إلا المعتوه، الضال. فردوا عليه بأن المخالفة التي وقعوا فيها، ليست بإرادتهم، وإنما أضلهم السامر، ودعاهم إلى التخلص من الذهب المسروق، وصنع العجل، ودعاهم إلى عبادته فأطاعوه، يقول تعالى: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ، فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ ١.

стр. 369

وكان عليهم أن يتدبروا في مزاعم السامر، فلا يتخلصوا من وزر بكفر، ولا يندهشوا بصوت بقرة، ولا يتركوا التأثر بخلق السموات والأرض، وكيف يسجدون لبقرة، وقد ذاقوا طعم الإيمان بالله، وعرفوا مدى استحقاقه سبحانه للعبادة، وشاهدوا الآيات والبراهين الدالة على صدق الرسول، وصدق دعوته؟! إن هذا لشيء عجاب! وسوف يعاقب الله الناس على ضلالهم، وينجي من تاب منهم، ورجع عن ذنوبه، يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ، وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١. ب- موسى وهارون: واتجه موسى ﵇ مغاضبا إلى أخيه هارون، ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا، أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ ٢، وفي الآية عتاب شديد من موسى لهارون وهو يسأله: لِمَ لَمْ تتبعني حين رأيتهم كفروا وعبدوا العجل؟ يريد موسى أن يتبعه هارون منهجيا, بمعنى أن ينكر عليهم، أو يقاتلهم، كما كنت أفعل لو كنت فيهم، أو تتبعني فتهجرهم، وتترك الإقامة بينهم، لتلحق بي، ففي مفارقتهم زجر، وتقريع.... ويتابع موسى ﵇ عتابه متسائلا: وهل يا هارون عصيت أمري، ووصيتي التي قلتها لك؟ وعنها يقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٣.

стр. 370

أجاب هارون ﵇ بهدوء على أخيه موسى: ﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ ١ ... وكان موسى ﵇ قد أخذ شعر رأسه بيده اليمنى، وشعر لحيته بيده اليسرى؛ لأن الغيرة لله ملكته، والانفعال بكفر قومه أحزنه؛ ولذا قال هارون: لا تأخذ برأسي أو لحيتي، حتى لا يتخيل أحد أنك تعاقبني، أو تستخف بي٢, فتركه موسى، وأخذ هارون يشرح له ما حدث. يبدأ هارون حديثه بمودة ظاهرة، وينادي أخاه موسى ويقول: ﴿يَا ابْنَ أُمَّ﴾ وكان موسى أخاه لأمه وأبيه، ولكن هارون ركز على أخوته لأمه؛ لما فيها من لين، وعطف، ومرحمة. وبعدها بين له أنه حذرهم من هذا الضلال، ودعاهم إلى الله تعالى, وقال لهم: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي، قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ ٣. توضح الآية أن هارون نصح الناس قبل مجيء موسى ﵇ وبيّن لهم فتنة السامر، وبطلان مزاعمه، وأن عليهم أن يعلموا أن ربهم هو الرحمن، الرحيم، وليس هو العجل المزعوم، وحثهم على اتباعه، وطاعته. وبين لموسى أسباب بقائه وسطهم بعد كفرهم، وهي خشيته من تفرق الناس؛

стр. 371

لأنه إن خرج سيتبعه فريق، ويبقى فريق، وربما تقاتلوا، وحينئذ أكون سببا في فرقتهم مع أنك أمرتني أن أبقى بينهم، وأدعوهم إلى الله تعالى. ويبين هارون أن القوم استهانوا به، وتصوروه ضعيفا، وكادوا أن يقتلوه حين نهاهم عن عبادة العجل. وينهي هارون حديثه مع أخيه برجاء عدم فعل أي شيء يتصوره الكفار عقوبة, أيا كانت صورها، يقول تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ١. وبعد اتضاح موقف هارون أمام موسى ﵉ توجه موسى إلى الله داعيا لنفسه ولأخيه بالمغفرة والرحمة, قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ٢، وفي تحقيق هذا الدعاء غاية المنى؛ لأن المغفرة تحقق الستر والصفح عما وقع، والرحمة تحقق العون، والتوفيق والنصر، والهداية الدائمة. ج- موسى والسامري: اتجه موسى ﵇ إلى السامر، وسأله عن الذي حمله على فعل ما فعل، فأجابه بأن نفسه زينت له ذلك، فقال له موسى: اخرج من بيننا، وابتعد عن الناس حتى لا يلقاك أحد، وانظر إلى العجل الذي ألهته، ولازمت عبادته؛ لأننا سنحرقه، ونلقيه في البحر ترابا يذوب في الماء، واعلم أيها الضال أن الإله الحق هو الله الذي وسع علمه كل خلقه، يتصرف كيف يشاء، وله الأمر كله، وإليه مرجع الخلائق أجمعين ...

стр. 372

عن موقف موسى من السامر، يقول الله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ، قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي، قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا، إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ ١.... وقد ذهب العلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا﴾ ٢ مذاهب شتى٣، والراجح أن معناها: أخذت جزءا من تعاليم موسى الخاصة بالتوحيد، وأبعدتُها عن الإسرائيليين حتى لا يتمسكوا بها، فيسهل إضلالهم، وخداعهم٤. يقول الشيخ عبد الوهاب النجار: إن السامر خدع بني إسرائيل، وأخذ منهم الحلي، وبصر بعجل من العجول التي تعبد في مصر، ولم يبصره غيره، فجاء به إلى الإسرائيليين، وقال لهم: هذا إلهكم جئتُ به بدل حليكم لتعبدوه، فانخدعوا، وصدقوا، وعبدوا، وعلى هذا يكون العجل حيوانا عاديا ... ويكون معنى قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ ٥. إن بني إسرائيل اتخذوا بدل حليهم عجلا مجسدا له صوت، وعبدوه٦، فمعنى ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾ "بدل حليهم", والمراد بالمبصر العجل الذي رآه السامري.

стр. 373

والذين يذهبون إلى أن العجل صنع من الذهب يرون أن معنى ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، ويكون المبصر فن الصياغة، وصناعة الذهب، وكان السامر فعل ذلك لخبرته في صناعة الذهب١. وفي النهاية يبين الله المصير الذي ينتظر عبدة العجل، فيقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ ٢. المسألة الخامسة: التيه ودخول بيت المقدس سار موسى ﵇ بقومه في برية سيناء، فلما اقترب من بيت المقدس، وجد فيها قوما جبارين من العرب الكنعانيين، والفزاريين، وغيرهم، يصدون عن سبيل الله، ويمنعون غيرهم من المجيء لبيت المقدس، والسكن فيها، فأمر موسى ﵇ قومه بدخول بيت المقدس، ومقاتلة الجبابرة، وإخراجهما منه, وقال لهم: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ ٣, فقد كتب الله لهم أن يقيموا فيها، وعليهم أن يقاتلوا لينالوا حقهم، ويدخلوا مدينتهم، ولا يرجعوا عنها فيخسروا بعد الربح ... لكنهم رفضوا طلب موسى ﵇ خوفا من هؤلاء الجبابرة، قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ ٤، وقالوا لموسى: لن ندخل هذه الأرض حتى يخرج منها الجبابرة، فإن خرجوا دخلنا، وأعلنوا خوفهم منهم، فظهر رجلان

стр. 374

من بينهم، ونصحوهم، وطلبوا منهم الدخول؛ لأنهم بمجرد وصولهم إلى الباب سيغلبون، ما داموا متوكلين على الله، مؤمنين به، يقول تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١. ومع هذه النصيحة أعلنوا رفضهم القاطع، وقالوا لموسى: اذهب أنت وربك للقتال، ولن نكون معك، ونسوا كل ما تفضل الله به عليهم، قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ٢. هناك اتجه موسى ﵇ لربه شاكيا قومه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِين﴾ ٣, وطلب منه أن يفصل لهم عنه, وعن أخيه معه. فقضى الله عليهم بالتيه في برية سيناء أربعين عاما، وحرم عليهم دخول بيت المقدس، خلال هذه المدة، يقول الله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ٤. يقول ابن عباس: فتاهوا في الأرض أربعين سنة، يصبحون كل يوم، ويسيرون ليس لهم قرار، وتوفي هارون ﵇ وبعده توفي موسى ﵇ بسنتين، أو بثلاث سنوات، وأقام فيهم يوشع بن نون خليفة عن موسى، ومات أكثر بني إسرائيل في التيه، وانقضت المدة، فخرج يوشع بمن بقي منهم وبأبنائهم، وحاصر

стр. 375

بيت المقدس، وفتحها، وسكنها الإسرائيليون، وأمرهم يوشع بالاستقامة على الحق، واتباع دين الله تعالى١. المسألة السادسة: تعمد المخالفة لما أنعم الله على الإسرائيليين بفتح بيت المقدس، أمرهم نبي الله يوشع بن نون أن يدخلوا الباب مطأطئي الرءوس, سجدا لله، خاشعين، خاضعين، وأن يقولوا ألسنتهم حطة، أي: حط عنا خطايانا التي سلفت منا، ليبدءوا حياة طيبة في البلدة المقدسة، التي جعلها الله لهم، وجعلهم فيها سادة، وملوكا. رغم هذا الأمر الصريح تعمدوا المخالفة، فدخلوا بظهورهم زحفا على أستاههم، وأخذوا يقولون حنطة، أي: حبة شعير، وبذلك بدلوا ما أُمروا به، واستهزءوا بما كُلِّفوا بعمله، فحق عليهم العذاب الأليم الذي نزل بهم، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ، فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ٢. يروي البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "قيل لبني إسرائيل: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ فبدّلوا فدخلوا يزحفون على أستاههم, وقالوا: حبة في شعرة" ٣.

стр. 376

المسألة السابعة: خضوعهم للقوة جاء موسى ﵇ بالألواح لبني إسرائيل، وأمرهم أن يعملوا بما فيها، ويخلصوا لها بقوة وعزم، لكنهم قالوا لموسى: نريد أن نراها أولا، فإن كانت سهلة قبلناها، وإلا تركناها، فلم يوافقهم ﵇, فراجعوه كثيرا، فأصرّ على رأيه، وهم يصرون على ترددهم، رغم أن الله أخذ عليهم العهد والميثاق، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ، وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ ١. وبالنظر في الآيتين ندرك القضايا التي يتضمنها الميثاق, وهي: ١- عبادة الله وحده، ونبذ عبادة ما سواه. ٢- برّ الوالدين. ٣- بر ذوي القربى. ٤- الإحسان إلى اليتامى، والمساكين. ٥- الالتزام بحسن الكلام وطيبه. ٦- إقامة الصلاة. ٧- إيتاء الزكاة. ٨- صيانة الدم، وعدم العدوان. ٩- التعاون، وعدم إجبار البعض على ترك بلده.

стр. 377

واستمروا في المعصية، فمسخهم الله قردة وخنازير، يقول تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُون﴾ ١، ويقول سبحانه: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ ٢. المسألة التاسعة: معونة الله لموسى طوال رسالة الله لموسى ﵇ كان الله معه، يمده بالمعجزات، ويعرفه بموضوع الدعوة، ويطلعه على طبائع الناس، ولم يتركه وحده طوال عمره كله، من مولده إلى وفاته ﵇ وقد رأينا كيف تربى؟ وكيف نشأ؟ وفي إطار المعونة الإلهية لموسى بعد الرسالة, تبرز ثلاث حوادث حدثت مع موسى ﵇ وجاء القرآن الكريم بها مفصلة، وهي: الحادثة الأولى: رَدّ مقالة الإسرائيليين عن جلد موسى: عرف موسى ﵇ بالحياء الشديد، فكان يستر جسده؛ حتى لا يرى منه أحد شيئا, فأشاع الإسرائيليون أن بجسده برصا أو أدرة، جعله يستتر أثناء الغسل؛ لأنهم كانوا يغتسلون عرايا ولا يستترون، فرد الله كلامهم، وبرأ موسى من مقالتهم. يروي البخاري بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة، ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر، فذهب مرة يغتسل، فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه، فخرج موسى في إثره يقول: ثوبي يا حجر، حتى نظرت بنو إسرائيل إلى جسده، فقالوا: والله ما بموسى بأس، وأخذ ثوبه، وطفق بالحجر ضربا" ٢.

стр. 378

وآدر -بمد الألف وفتح الدال وتخفيف الراء- معناها: انتفاخ في الخصية، وفي بعض طرق الحديث أنهم قالوا: إنه أبرص أو آدر، وقد برأ الله موسى من هذا العيب بطريقة حسية، وجعل القائلين به يرجعون عنه؛ ولذلك يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ ١. الحادثة الثانية: ذبح البقرة قتل أحد الإسرائيليين عمه ثم ألقاه على مجمع الطريق؛ ليرث أمواله، حيث لا ولد له، وأخذ يبكي ويصيح؛ بحثا عن القاتل ليخفي جريمته، وحتى لا يحرم من الميراث. ودار على الناس يسألهم، وجاء لرسول الله موسى ﵇ وقال له: إن عمي قُتل، وأتى إلى أمر عظيم، وإني لا أجد أحدا يبين لي قاتله غيرك يا نبي الله ... فنادى موسى في الناس: من كان عنده علم عن هذا فليبينه، فلم يكن أحد منهم عنده علم. ومجيء القاتل لموسى استخفاف بموسى، وتكذيب لدعوته؛ لأنه لو كان مؤمنا مقدرا ما قتل قريبه، ولما جاء لموسى ... وانتظر الناس، وانضموا إلى جانب الرجل الباحث عن قاتل عمه. فأوحى الله إلى موسى أن يأمرهم ليذبحوا بقرة, فتعجبوا وقالوا: جئناك لنعرف القاتل، تأمرنا بذبح بقرة، إنك تهزأ بنا، وتلعب بعقولنا ... فقال: أعوذ بالله أن أكون جاهلا وأهزأ بكم ... إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة، وكان يمكنهم أن يذبحوا أي بقرة، لكنهم طلبوا من موسى أن يحددها لهم من ناحية عمرها، ولونها، وعملها ... فبين لهم أنها متوسطة العمر، لا هرمة ولا صغيرة، وسط بينهما، وأنها صفراء فاقع لونها، وأنها لا تعمل في السقي أو الحرث، فعرفوها، ووجدوا أنها مملوكة

стр. 379

لامرأة عجوز، غالت في ثمنها، وباعتها لهم فذبحوها، وأخذوا عظما منها، ضربوا به القتيل، فنطق وسمى لهم قاتله، ثم مات مكانه، فاقتص موسى ﵇ من قاتله، وهو ابن أخيه الذي كان يريد إرثه. وهكذا كان عون الله لموسى ﵇ في مواجهة لؤم القوم ومكرهم, حيث كانوا يتصورونه عاجزا، وما دروا أن الله معه يؤيده وينصره، يقول الله تعالى عن هذه الحادثة: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ، قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ، قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ، قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ، قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ، وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ، فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ١. الحادثة الثالثة: مصاحبة الخضر يروي البخاري بسنده عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: إن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بني إسرائيل، إنما هو موسى آخر, فقال: كذب عدو الله، حدثنا أبي بن كعب عن النبي ﷺ أن موسى ﵇ قام خطيبا في

стр. 380

بني إسرائيل فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فقال له: بلى، لي عبد بمجمع البحرين هو أعلم منك ... قال: أي رب، ومن لي به؟ قال: تأخذ حوتا فتجعله في مكتل، وحيثما فقدت الحوت فهو ثم١ ... إلخ. والحديث بتمامه يفصل لقاء موسى بالخضر، وقد فصلها القرآن الكريم كذلك، وكلاهما يبين أن حكمة الله تعالى قضت بوقوع القصة؛ ليتعلم موسى ﵇ رد العلم لله، فهو العليم بكل شيء، وعلمه، وإرادته، وقدرته، مع كل موجود؛ ولذلك كان على موسى أن يقول لمن سأله: الله أعلم. وقد وقع العتاب بمنهجية مؤثرة، ومعجزة، حيث حدد الله لموسى مكان لقاء الرجل الأعلم منه، وهو مجمع البحرين، وأتصور هذا المكان عند التقاء خليج العقبة بخليج السويس، عند رأس محمد؛ لأن موسى ﵇ كان في سيناء، ولا يوجد بحران يلتقيان إلا هناك، وقد حدد الله لموسى علامة يعرف بها المكان، هذه العلامة هي ضياع الحوت، ففي هذا المكان يوجد الرجل الصالح. اصطحب موسى ﵇ غلاما، ومعهما الحوت في مكتل، فلما جاوزا المكان، قال موسى لفتاه: أحضر لنا الطعام لنأكل، فقد تعبنا، وأصابنا الجوع، فقال له الغلام: لقد نسيت الحوت عند الصخرة التي استرحنا عندها، وقد اتخذ الحوت طريقه إلى البحر بصورة عجيبة، فقال موسى: هذا المكان هو الذي أقصده، فهيا بنا نرجع إليه, فرجعا حتى وصلا إلى الصخرة، فرأى موسى رجلا مسجى بثوب فسلّم عليه، فقال الخضر: أنى بأرضك السلام ... قال: أنا موسى رسول الله. فقال الرجل: أنا على علم علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه. فقال له موسى: هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا.

стр. 381

فقال الرجل: إنك لن تصبر لعدم إحاطتك بما أعلم. قال له: ستجدني إن شاء الله صابرا، ومطيعا ... فقال الخضر: إن أردت أن تتعلم فاتبعني، ولا تسأل عن شيء أبدا، حتى أعرفك بخبره، واتفقا على ذلك ... يقول الله تعالى موضحا هذا الحوار، وهذا الاتفاق: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا، قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا، قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا، قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا، قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا، قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا، قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ ١. ويلاحظ أن الله عرّف موسى أن هناك من هو أعلم منه، وأن الرجل الأعلم يقر بأن علمه من الله، وأنه إن عرف شيئا فهو يجهل أشياء، وأن الإنسان متصف بالعجز والقصور، والعلم كله لله. وتبين الآيات أن هذا الرجل متصف بالعبودية الخالصة لله، وأن الله أكرمه وأمده بالنعم، وأعطاه علما لدنيا من عنده سبحانه. ويستفيد موسى من تعليم الله، ويقر للرجل بالتبعية ليتعلم منه، ويشترط عليه الرجل، ويحدد له كيفية التلقي، وعدم الاعتراض، وعدم السؤال عن أي جانب لا يفهمه بعقله؛ لأن العقل له منهجه، وطاقته في الفهم، ويوافق موسى على شروط الرجل، ويعلق قبوله بالمشيئة الإلهية؛ لأن الله إذا أراد شيئا قال له كن فيكون.

стр. 382

ويبدأ التعليم العملي، الرجل يمشي وموسى وراءه، فلقيا في البحر سفينة، استأذن الخضر في ركوبها، فأذن لهم ربانها بلا أجر يأخذه، ركب الخضر وخرق السفينة، فاعترض موسى؛ لأن الخرق يغرق السفينة، فسأله الرجل عن صبره الذي اتفق معه عليه، فاعتذر موسى بنسيانه، وبعدها ساروا على الساحل، فوجدوا مجموعة من الغلمان يلعبون، فجاء الخضر إلى واحد منهم، واقتلع رأسه وقتله، فاعترض موسى ﵇ مرة ثانية؛ لأنه قتل غلاما بغير جرم يرتكبه، فوضح له أنه ارتكب مخالفة ثانية، ولم يصبر, فاعتذر موسى ﵇ وقال: إن اعترضت بعد ذلك فلا تصاحبني، ولك عذرك في تركي، وساروا حتى دخلوا قرية، وطلبوا من أهلها طعاما فرفضوا، فوجد الخضر جدارا يميل للوقوع، فأقامه وأصلحه بلا أجرة، فاعترض موسى ﵇ على إصلاح الجدار بلا أجرة، مع أن أهل القرية رفضوا إطعامهم ... فقال الخضر: هذه هي الثالثة ... وعلينا أن نفترق بعد أن أوضح لك خبر الأحداث الثلاثة. أما السفينة فهي مملوكة لمساكين، ضعفاء يعملون في البحر، وكان وراءهم ملك ظالم، يأخذ كل سفينة صالحة غصبا، بلا ثمن، فقمت بخرقها حتى لا يأخذها. وأما الغلام، فقد طبع يوم طبع كافرا، وأبواه مؤمنان، فخشينا أن يكلفهما بسبب عاطفة الحب والشفقة، فيقعا في الضلال، ويتدينا بدينه. وأما الجدار فهو مملوك لغلامين صغيرين يتيمين، وتحته كنز لهما١، وكان أبوهما صالحا، فأقمت الجدار، حتى يبلغا الرشد، ويستخرجا كنزهما.

стр. 383

ثم قال الرجل الصالح: وما فعلته باجتهاد مني, ولكنه أمر من الله تعالى لي، يقول الله تعالى مصورا هذا: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا، قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا، قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا، قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا، قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا، فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا، فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا، فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا، قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا، أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا، وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا، فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا، وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا

стр. 384

وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ ١. وقد استفاد موسى ﵇ من هذه القصة، وعرف خطأه، عندما قال: ليس هناك من هو أعلم مني على وجه الأرض، ولم ينسب العلم لله، كما استفاد ضرورة الرجوع إلى الله تعالى في كل أمر غير مقطوع به، كما تيقن من أن علم الله لا يحيط به بشر أبدا، كما تعلم التواضع لمن يعلمه, ولو كان أقل منه قدرا. ونود أن نوضح بعض الأمور: الأمر الأول: الخضر بين النبوة والولاية يرى بعض العلماء أن الخضر كان نبيا, مستدلين بما يلي: الدليل الأول: وصف الله سبحانه الخضر بالعبودية له في قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ ٢، وقد وصف الله بالعبودية أنبياءه ﵈ ويقول تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ ٣. ويقول سبحانه: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ ٤، ويقول سبحانه: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ٥. الدليل الثاني: آتاه الرحمة من عنده، قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ ٦, والرحمة تأتي

стр. 385

بمعنى النبوة، يقول تعالى على لسان صالح ﵇: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ ١، ويقول سبحانه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ ٢. الدليل الثالث: أخبر الله تعالى بأنه أعطاه علما من عنده، فقال سبحانه: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ ٣، ومن المعلوم أن علم الأنبياء من الله تعالى، يعلمهم ويمدهم بالوحي، يقول تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ٤. الدليل الرابع: أن الخضر بعد أن فسّر لموسى حقيقة الأحداث التي اعترض عليها، قال: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ ٥، ففي هذا بيان أنه تلقى الأمر من الله ونفّذه، شأن الأنبياء جميعا حيث يتبعون الوحي في كل تصرفاتهم. الدليل الخامس: أن الأفعال التي أقدم عليها الخضر، لا يقدم عليها إلا متمكن من حقيقتها ونتائجها، وذلك لا يقدر عليه إلا الله تعالى٦.

стр. 386

ويذهب القشيري١, وغيره إلى أن الخضر ليس نبيا، وحجة هؤلاء أن الخضر نفسه لم يخبر موسى ﵇ بأنه رسول من الله، ولم تثبت نبوته بدليل قطعي ... وأقصى ما يقال فيه أنه ولي من أولياء الله الصالحين، والأولياء عباد صالحون لله تعالى، والمراد من الرحمة الولاية، وللولي كرامات خارقة للعادة تكريما له، وتأكيدا على صلاحه, والعبودية اسم لكل الآدميين. وقد اتبع موسى ﵇ وهو رسول, الخضر وهو ولي؛ ليتعلم منه العلم، والتواضع، وتقدير العلماء، وليس بمانع أنه يهب الله للولي علما لم يهبه لرسوله. وأرى أنه لم يكن نبيا، حيث لا مانع من تفضّل الله على من يشاء من عباده، بما يشاء، وفق حكمته وعلمه، والرحمة تفيد معنى النبوة، والولاية، والنعمة، وليس معنا دليل يخصص واحدة دون الأخرى.... وكونه وليا أقوى في معاتبة موسى، وأحسن في توجيهه؛ ليتعلم منه مع كونه أقل منه، ويستفيد ضرورة التواضع، وبذلك الجهد في تحقيق الأماني الطيبة، والغايات المشروعة، ولا يصح أن ننسب النبوة لشخص إلا بدليل قطعي، ولا دليل هنا. وسمي الرجل بالخضر؛ لأنه جلس على فروة بيضاء فصارت خضراء، يروي الترمذي بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إنما سمي الخضر بهذا الاسم؛ لأنه جلس على فروة بيضاء فاهتزت تحته خضراء" ٢. الأمر الثاني: حياة الخضر وموته ذهب بعض الناس إلى القول بأن الخضر حي إلى الآن، وأنه التقى مع بعض المتصوفة، وأنه موجود في كل زمان، ودائما هو ينتقل من مكان إلى مكان٣.

стр. 387

وهذا كلام لا أصل له، ولا دليل عليه، بل الأدلة تردّه، وهي: الدليل الأول: يقول الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ ١، والآية صريحة في الدلالة على أن البشر جميعا يموتون ولا يخلدون، والخضر من البشر, فموته مقرر ثابت. الدليل الثاني: يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ٢، والآية تؤكد أن الله تعالى أخذ الميثاق على كل نبي، أن يؤمن بمن يجيء بعده من الأنبياء، وينصره ... وهذا يستلزم أخذ الميثاق عليهم لمحمد ﷺ لأنه خاتم النبيين، فحق على كل من يدركه أن يؤمن به وينصره, فلو كان الخضر حيا في زمانه، لما وسعه إلا اتباعه، والاجتماع به، والقيام بنصره، ولم يثبت بدليل أنه التقى برسول الله، أو اجتمع به٣، والولي هنا كالنبي. الدليل الثالث: عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال قبل موته بشهر: "تسألوني عن الساعة، وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة، تأتي عليها مائة عام وهي يومئذ حية" ٤، وهذا الحديث يقطع بوفاة الخضر إن لم يكن قبل الإسلام, فقبل مائة العام المذكورة. الأمر الثالث: المراد بالعلوم اللدنية إدراك حقائق الأشياء تصور، أو تصديق؛ لأن الإدراك إن تضمن حكما، فهو

стр. 388

التصديق، كقولنا: "العلم واجب", وإن لم يتضمن حكما فهو التصور، كإدراك العلم في ذاته. والتصور والتصديق، إما أن يحصل بلا كسب وطلب، وبشكل تلقائي، كالشعور باللذة، والحكم بأن الوالد أكبر من ابنه، وهذا أمر عادي يقع لكل الناس ما عدا المجانين ... وإما أن يحصل الإدراك بكسب وطلب، فإن كان طريقه مدارسة العلوم النظرية الموصلة إلى المجهول واكتساب المعارف، كأحكام الفقه، وقواعد النحو, واكتساب ملكة الحكم، والتمييز بين المسائل، فهو علم عادي ... وإن كان طريقه المجاهدات الروحية، والورع، والتقوى، والإقبال على الله تعالى، وصاحب هذا الطريق يجاهد نفسه وشهوته، ويستمر في الاستقامة والعبادة، حتى يتفضل عليه مولاه بالعطاء، كطارق بالباب يستمر في الملازمة والطرق حتى ينفتح له الباب ... وهذا يستمر في تدبر أسرار الخلق ... حتى ينجلي أمامه الحق، وتأتيه الأنوار الإلهية، وتمده بالفتوحات العقلية التي هي عطاء إلهي محض، وهي المرادة من قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ ١, وعنها يقول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ ٢. وعلى ذلك فنيل العلم من الله طريقه هو الورع، والزهد، والتقوى، ومداومة الطاعة، والانقياد ... أما ما يقال عن الجذب، والمكاشفة لطائفة خاصة، فهو قول غير مسلم، يقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٣.

стр. 389

وقصة الخضر في مجملها تشير إلى بعض الفوائد، وأهمها: أ- ضرورة الاتباع: والمراد بالاتباع الالتزام بمنهج الله أمرا ونهيا, وترك الاجتهاد العقلي فيما ورد فيه نص ديني؛ لأن الاجتهاد مع النص لا يجوز.... وسبب ذلك أن منهج الله قائم على علم دقيق، شامل, فهو سبحانه يعلم حقائق الأشياء وسائر المخلوقات، ويعلم الغايات الحسنة للإنسان، ويعلم الطريق الموصل إلى الغاية الصحيحة، فإذا أمر بأمر، أو نهى عن شيء وجب الالتزام بما أمر ونهى؛ رعاية للمصلحة، وتحقيقا للخير الذي يتمناه الإنسان ... أما علم الإنسان فهو محدود بالمكان، وبالزمان, وبجزئية معينة؛ ولذلك فهو عاجز عن رسم الطريق، وعاجز عن تحديد الهدف الكلي، الخير. ومن هنا وجب الاتباع, ولزم اجتناب الابتداع. وإذا لم يوجد نص في مسألة ما، وجب الاعتماد على المبادئ العامة، وروح الدين، والتقيد بما أحل الله تعالى، وسؤال الله التوفيق والسداد. ب- أهمية العلم والتعلم: لما عاتب الله موسى ﵇ توجه موسى ﵇ إلى الرجل الذي أعطاه الله علما من لدنه؛ ليتعلم منه، رغم أنه رسول يوحى إليه، وأبدى للرجل احترامه والتواضع له، بقوله: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ ، فهو يستأذنه، ويعرفه بما يريد، ويحدد له الرغبة في أن يتبعه حتى يتعلم، ويتبعه أينما سار، وكيفما عمل، وفي أي موضوع تحدث فيه.... ويتبعه ليتعلم منه الأمور التي علمها الله له، ويجهلها موسى، وبذلك تخلق بخلق طالب العلم أمام أستاذه القدير. ج- عدم التسرع في الحكم: برغم أن الرجل حذر موسى من الحكم المتعجل، وحثه على الصبر، وعدم الاعتراض حتى يشرح له أسباب أفعاله، رغم ذلك اعترض موسى ﵇ ولم يصبر

стр. 390

ولذا فارقه الرجل، ووضح الله الأسباب الحقيقية لأفعاله، فلما عرفها موسى تعلم من خطئه, ووقف على ضرورة الصبر، وعدم استعجال الخبر، وضرورة الوفاء بالوعد والاتفاق. د- سعادة الإنسان في معية الله: وضّح الخضر أسرار ما فعل, وبيّن أنه خرق السفينة ليحفظها للمساكين من الملك الظالم، وأنه قتل الغلام لكفره حتى لا يرهق أبويه ويجرهما إلى المعصية والكفر, وأن تحت الجدار كنزا، رأى حمايته لأصحابه حتى يكبر اليتامى ... وبهذا ظهرت أهمية ما فعل الخضر، واتضح أن الله تعالى أمر الخضر بهذه الأعمال ليحافظ على حقوق اليتامى والمساكين والصالحين، وقد قام الخضر بهذه الأفعال من غير إحاطة أصحابها بها. إن معية الله، وإعانته لخلقه، تحقق للإنسان الخير والسعادة، وواجب على الإنسان أن يجتهد ويعمل لاستنزال رحمات الله تعالى والتمتع في معية الله الدائمة, وبذلك يعيش سعيدا موفقا. هـ- أثر صلاح الآباء على الأبناء: صلاح الآباء ينفع أبناءهم وذرياتهم, وقد رأينا الخضر يبرر لموسى ﵇ سبب إقامته للجدار, ويوضح أنه لحماية الكنز لليتيمين حتى يكبرا؛ لأن أباهما كان صالحا، يقول الله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ ١.
следующие страницы →