ويذهب القشيري١, وغيره إلى أن الخضر ليس نبيا، وحجة هؤلاء أن الخضر نفسه لم يخبر موسى ﵇ بأنه رسول من الله، ولم تثبت نبوته بدليل قطعي ... وأقصى ما يقال فيه أنه ولي من أولياء الله الصالحين، والأولياء عباد صالحون لله تعالى، والمراد من الرحمة الولاية، وللولي كرامات خارقة للعادة تكريما له، وتأكيدا على صلاحه, والعبودية اسم لكل الآدميين.
وقد اتبع موسى ﵇ وهو رسول, الخضر وهو ولي؛ ليتعلم منه العلم، والتواضع، وتقدير العلماء، وليس بمانع أنه يهب الله للولي علما لم يهبه لرسوله.
وأرى أنه لم يكن نبيا، حيث لا مانع من تفضّل الله على من يشاء من عباده، بما يشاء، وفق حكمته وعلمه، والرحمة تفيد معنى النبوة، والولاية، والنعمة، وليس معنا دليل يخصص واحدة دون الأخرى.... وكونه وليا أقوى في معاتبة موسى، وأحسن في توجيهه؛ ليتعلم منه مع كونه أقل منه، ويستفيد ضرورة التواضع، وبذلك الجهد في تحقيق الأماني الطيبة، والغايات المشروعة، ولا يصح أن ننسب النبوة لشخص إلا بدليل قطعي، ولا دليل هنا.
وسمي الرجل بالخضر؛ لأنه جلس على فروة بيضاء فصارت خضراء، يروي الترمذي بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إنما سمي الخضر بهذا الاسم؛ لأنه جلس على فروة بيضاء فاهتزت تحته خضراء" ٢.
الأمر الثاني: حياة الخضر وموته
ذهب بعض الناس إلى القول بأن الخضر حي إلى الآن، وأنه التقى مع بعض المتصوفة، وأنه موجود في كل زمان، ودائما هو ينتقل من مكان إلى مكان٣.
стр. 387
وهذا كلام لا أصل له، ولا دليل عليه، بل الأدلة تردّه، وهي:
الدليل الأول: يقول الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ ١، والآية صريحة في الدلالة على أن البشر جميعا يموتون ولا يخلدون، والخضر من البشر, فموته مقرر ثابت.
الدليل الثاني: يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ٢، والآية تؤكد أن الله تعالى أخذ الميثاق على كل نبي، أن يؤمن بمن يجيء بعده من الأنبياء، وينصره ... وهذا يستلزم أخذ الميثاق عليهم لمحمد ﷺ لأنه خاتم النبيين، فحق على كل من يدركه أن يؤمن به وينصره, فلو كان الخضر حيا في زمانه، لما وسعه إلا اتباعه، والاجتماع به، والقيام بنصره، ولم يثبت بدليل أنه التقى برسول الله، أو اجتمع به٣، والولي هنا كالنبي.
الدليل الثالث: عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال قبل موته بشهر: "تسألوني عن الساعة، وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة، تأتي عليها مائة عام وهي يومئذ حية" ٤، وهذا الحديث يقطع بوفاة الخضر إن لم يكن قبل الإسلام, فقبل مائة العام المذكورة.
الأمر الثالث: المراد بالعلوم اللدنية
إدراك حقائق الأشياء تصور، أو تصديق؛ لأن الإدراك إن تضمن حكما، فهو
стр. 388
التصديق، كقولنا: "العلم واجب", وإن لم يتضمن حكما فهو التصور، كإدراك العلم في ذاته.
والتصور والتصديق، إما أن يحصل بلا كسب وطلب، وبشكل تلقائي، كالشعور باللذة، والحكم بأن الوالد أكبر من ابنه، وهذا أمر عادي يقع لكل الناس ما عدا المجانين ... وإما أن يحصل الإدراك بكسب وطلب، فإن كان طريقه مدارسة العلوم النظرية الموصلة إلى المجهول واكتساب المعارف، كأحكام الفقه، وقواعد النحو, واكتساب ملكة الحكم، والتمييز بين المسائل، فهو علم عادي ... وإن كان طريقه المجاهدات الروحية، والورع، والتقوى، والإقبال على الله تعالى، وصاحب هذا الطريق يجاهد نفسه وشهوته، ويستمر في الاستقامة والعبادة، حتى يتفضل عليه مولاه بالعطاء، كطارق بالباب يستمر في الملازمة والطرق حتى ينفتح له الباب ... وهذا يستمر في تدبر أسرار الخلق ... حتى ينجلي أمامه الحق، وتأتيه الأنوار الإلهية، وتمده بالفتوحات العقلية التي هي عطاء إلهي محض، وهي المرادة من قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ ١, وعنها يقول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ ٢.
وعلى ذلك فنيل العلم من الله طريقه هو الورع، والزهد، والتقوى، ومداومة الطاعة، والانقياد ... أما ما يقال عن الجذب، والمكاشفة لطائفة خاصة، فهو قول غير مسلم، يقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٣.
стр. 389
وقصة الخضر في مجملها تشير إلى بعض الفوائد، وأهمها:
أ- ضرورة الاتباع:
والمراد بالاتباع الالتزام بمنهج الله أمرا ونهيا, وترك الاجتهاد العقلي فيما ورد فيه نص ديني؛ لأن الاجتهاد مع النص لا يجوز.... وسبب ذلك أن منهج الله قائم على علم دقيق، شامل, فهو سبحانه يعلم حقائق الأشياء وسائر المخلوقات، ويعلم الغايات الحسنة للإنسان، ويعلم الطريق الموصل إلى الغاية الصحيحة، فإذا أمر بأمر، أو نهى عن شيء وجب الالتزام بما أمر ونهى؛ رعاية للمصلحة، وتحقيقا للخير الذي يتمناه الإنسان ... أما علم الإنسان فهو محدود بالمكان، وبالزمان, وبجزئية معينة؛ ولذلك فهو عاجز عن رسم الطريق، وعاجز عن تحديد الهدف الكلي، الخير.
ومن هنا وجب الاتباع, ولزم اجتناب الابتداع.
وإذا لم يوجد نص في مسألة ما، وجب الاعتماد على المبادئ العامة، وروح الدين، والتقيد بما أحل الله تعالى، وسؤال الله التوفيق والسداد.
ب- أهمية العلم والتعلم:
لما عاتب الله موسى ﵇ توجه موسى ﵇ إلى الرجل الذي أعطاه الله علما من لدنه؛ ليتعلم منه، رغم أنه رسول يوحى إليه، وأبدى للرجل احترامه والتواضع له، بقوله: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ ، فهو يستأذنه، ويعرفه بما يريد، ويحدد له الرغبة في أن يتبعه حتى يتعلم، ويتبعه أينما سار، وكيفما عمل، وفي أي موضوع تحدث فيه.... ويتبعه ليتعلم منه الأمور التي علمها الله له، ويجهلها موسى، وبذلك تخلق بخلق طالب العلم أمام أستاذه القدير.
ج- عدم التسرع في الحكم:
برغم أن الرجل حذر موسى من الحكم المتعجل، وحثه على الصبر، وعدم الاعتراض حتى يشرح له أسباب أفعاله، رغم ذلك اعترض موسى ﵇ ولم يصبر
стр. 390
ولذا فارقه الرجل، ووضح الله الأسباب الحقيقية لأفعاله، فلما عرفها موسى تعلم من خطئه, ووقف على ضرورة الصبر، وعدم استعجال الخبر، وضرورة الوفاء بالوعد والاتفاق.
د- سعادة الإنسان في معية الله:
وضّح الخضر أسرار ما فعل, وبيّن أنه خرق السفينة ليحفظها للمساكين من الملك الظالم، وأنه قتل الغلام لكفره حتى لا يرهق أبويه ويجرهما إلى المعصية والكفر, وأن تحت الجدار كنزا، رأى حمايته لأصحابه حتى يكبر اليتامى ... وبهذا ظهرت أهمية ما فعل الخضر، واتضح أن الله تعالى أمر الخضر بهذه الأعمال ليحافظ على حقوق اليتامى والمساكين والصالحين، وقد قام الخضر بهذه الأفعال من غير إحاطة أصحابها بها.
إن معية الله، وإعانته لخلقه، تحقق للإنسان الخير والسعادة، وواجب على الإنسان أن يجتهد ويعمل لاستنزال رحمات الله تعالى والتمتع في معية الله الدائمة, وبذلك يعيش سعيدا موفقا.
هـ- أثر صلاح الآباء على الأبناء:
صلاح الآباء ينفع أبناءهم وذرياتهم, وقد رأينا الخضر يبرر لموسى ﵇ سبب إقامته للجدار, ويوضح أنه لحماية الكنز لليتيمين حتى يكبرا؛ لأن أباهما كان صالحا، يقول الله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ ١.
стр. 391
ثانيا: حركة موسى بالدعوة للإسرائيليين
...
ويبدو أن الإسرائيليين شعروا بعجزهم في الالتزام بهذا الميثاق، فحاولوا التخلص منه بعد إقراره، لتعارضه مع طبيعتهم، ونفسياتهم، لكن موسى ﵇ لم يقبل منهم التردد؛ لعلمه أنهم لا يطيقون الحق، ولا بد من حملهم عليه حملا، فأمر الله الملائكة فرفعت الجبل فوق رءوسهم، حتى صار غمامة فوقهم، وقال لهم موسى: إما أن تقبلوا ما في الألواح، وإلا سقط عليكم الجبل، فخافوا, وقبلوا الألواح، وسجدوا لله تعالى.
يقول الله تعالى عن هذه الحادثة: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١، ودلالة الآية ظاهرة في أنهم أطاعوا الله بالخوف، ولولا ذلك لاستمروا على المعصية والتمرد.
المسألة الثامنة: عدوانهم يوم السبت
حرم الله على اليهود صيد السمك يوم السبت؛ ليختبر صدقهم في تدينهم، ومدى إخلاصهم في الطاعة والانقياد، وقدر الله أن يكون النهر في يوم السبت مليئا بالحيتان، تأتيهم مشرعة، بيضاء، سمانا، لا يُرَى الماء من كثرتها، وتغيب عنهم في الأيام الأخرى، فاستمروا على الطاعة مدة، إلا أنهم لم يصبروا طويلا، وتحايلوا في المعصية، فمنهم من كان يصطاد يوم السبت، ويترك صيده في الماء مربوطا بالحبال، ليأخذه يوم الأحد، أو في يوم آخر، ومنهم من حفر جدولا صغيرا، يحبس فيه السمك يوم السبت، ويأخذه في الأيام الأخرى، فنصحهم فريق منهم، فلم يسمعوا لنصحهم
стр. 392
ثالثا: حركة موسى بالدعوة لقارون
قارون من بني إسرائيل، يقول الرواة: إنه كان ابن عم موسى، أو ابن خالته، استماله فرعون إلى جانبه، وخصه بوزارة المال، وأصبح يمثل مع فرعون وهامان ثلاثي الكبر، والغرور، والاستعلاء على المصريين والإسرائيليين على حد سواء، ففرعون استعلى وتكبر بملكه, وسلطانه، وخضوع الناس له، وهامان استكبر، وطغى بقوته، وقربه من فرعون، وقيامه بشئون الجند، والبناء، والأمن ... وقارون تكبر, واغتر بماله، وتحكمه في شئون المال.
جاء موسى ﵇ إلى الثلاثة، ودعاهم إلى الله، فأبوا الطاعة, وأصروا على ضلالهم وكفرهم، وأخذوا في تلفيق التهم الكاذبة لموسى ﵇ يقول الله تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ ٢.
وانتظر الإسرائيليون من قارون عونا ومساعدة؛ لكونه واحدا منهم، إلا أنه انحاز لفرعون ليدوم له ما هو فيه، وبغى على قومه وظلمهم؛ إرضاء للطاغوت الكبير، يقول تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ ٣.
стр. 393
وقد تمكن قارون من استقطاب جماعة من قومة اتبعوه، وكانوا معه؛ ولذلك استمروا في مدحه، وإبداء الإعجاب بما هو فيه، وتمنوا أن يكونوا أغنياء مثله, يملكون بعض ما يملكه؛ لأن الله قد أعطاه من الأموال والكنوز ما لم يعط لغيره، يصورها قول الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ .
فهي لكثرتها تعجز الجماعة من الرجال الأقوياء عن حمل مفاتيح خزانتها، وكان على قارون أن يتجه بالشكر لله تعالى على هذا العطاء، لكنه كفر، وأصابه العجب والغرور.
وقال أتباع قارون المعجبون به: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ١.
لأنه عند مروره وظهوره، كان يحاط بالخدم، والعبيد، والجنود، والزينة، فتمنى الأتباع هذا لأنفسهم، وكانوا يعجبون بكثرة الأموال التي تعجز العصبة القوية عن حمل مفاتيحها.
إلا أن فريقا من قومه، أخلصوا له النصح، وقالوا له ما حكاه الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ، وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٢، وقد حدد هؤلاء نصحهم لقارون في عدد من النصائح:
стр. 394
الأولى: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ ، ومرادهم بالنهي عن الفرح، البطر والعجب المؤدي إلى الكبر، وإلى الوقوع في المعاصي، وإلى نسيان حق الله تعالى، في الوقت الذي تحتاج فيه النعمة إلى شكل المنعم؛ لتدوم وتزيد.
الثانية: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ ، ومعناه ضرورة استعمال المال في طاعة الله، وإنفاقه في الأوجه المشروعة الخيرة؛ ليكون المال وسيلة لكسب متع الدنيا، وفي نفس الوقت الحصول على ثواب الآخرة؛ ليعيش الغني سعادة الدنيا، وسعادة الآخرة.
الثالثة: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ ، ومرادهم أن المال إذا صلح صاحبه، يتمتع به في الدنيا، فقد أباح الله تعالى مباهج الحياة، ودعا الإنسان إلى الاستفادة بماله في كافة زينة الدنيا المشروعة؛ لأنه لو بخل على نفسه، أو قصر فيما وجب عليه من نفقة، وصدقة ... أو غيرها؛ يكون آثما، يحاسبه الله على تقصيره في هذا المجال.
الرابعة: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ ، ومرادهم من هذه النصيحة، أن يجعل في ماله نصيبا للفقراء والمحتاجين، وأن يحسن إليهم، فإن المال مال الله، أحسن الله به إلى الإنسان، وواجب على الإنسان أن يستفيد من هذا الدرس وهو يتصرف في المال، فيحسن إلى غيره كما أحسن الله له.
الخامسة: ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ ، ومرادهم بهذه النصيحة ألا يجعل المال، الذي هو عطاء الله تعالى, سببا للظلم، والكبر، ونشر الفساد بين الناس؛ لأن الله لا يحب المفسدين، وسينزل العقوبة بهم ويهلكهم، ويهلك مالهم، وكل ما يساعدهم على الفساد.
إن هذه النصائح صادرة من عقول مخلصة، وعلماء عارفين بالحق، وقد قصدوا بدعوتهم قارون؛ لأنه قريب لهم.
стр. 395
إن قارون كان قد استمرأ الكبر، وسيطر عليه حب المال، وامتلأ بالغرور والظلم، فرد على قومه بجفاء متجاهلا ما يعرفه من قدرة الله تعالى التي تجلّت بإهلاك الذين سبقوه وكانوا أكثر منه مالا، وعددا، وقوة، يقول الله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ ١.
وكما نصح العلماء والعقلاء قارون اتجهوا بالنصيحة لأتباعه, وقالوا لهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ ٢.
فدعوا عليهم بالهلاك، بعد أن أصروا على تبعيتهم، وعرفوهم بأن ثواب الله تعالى للمؤمنين أفضل من كنوز الأرض وأموال الدنيا، والمستحق لهذا الثواب هو المؤمن الصابر، ونزلت عقوبة الله بقارون، وخسف الله به، وبأمواله الأرض، ولم يجد نصيرا ينصره أو معينا يساعده، وعجزت أمام قدرة الله كل القوى، وندم أتباعه على موقفهم، وأقروا في النهاية بأن الأرزاق بيد الله تعالى، واتبعوا موسى، واعترفوا بأن الله نجاهم ولم يخسف بهم الأرض مع قارون، يقول الله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ، وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ٣.
стр. 396
وبنهاية قارون يسجل القرآن الكريم نهاية أحد المفسدين، الذين حاربوا الله في الأرض، وسوف يلقى عقوبته الأشد في الآخرة، يقول الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ١.
إن قصة قارون تعد نموذجا للإنسان، حينما تلعب به شهوة السلطة، أو شهوة المال. إن هذه الشهوة وأمثالها تدفع صاحبها إلى الانفصال عن أصله وتراثه، كما فعل قارون، فهو إسرائيلي، إلا أنه بغى عليهم بسبب المال والجاه الذي كان يعيشه مع فرعون، وأيضا فإنها تصيب الإنسان بالغرور، والكبرياء، والظلم، وتجعله ينسى الحقيقة، ولا يستجيب لداعيها، ولا يبحث عنها، وعلى العاقل أن يحذر من فتنة المال والقوة، وأن يؤمن بالله تعالى، ويقر له بالفضل، ويؤمن به، ويتوكل عليه؛ لينال نصيبه في الدنيا وفي الآخرة.
стр. 397
النقطة الرابعة: بنو إسرائيل، واليهود
إسرائيل ﵇ هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈ ومن أبنائه تناسل الإسرائيليون، وكثر شعبهم.
وقد انقسم أبناء يعقوب ﵇ من بعده إلى شِيَع، وجماعات، وبطون، وأفخاذ، وتباينت مواقفهم، وتعددت مذاهبهم، ومن أشهر جماعاتهم اليهود المنتسبون إلى "يهوذا" أكبر أبناء يعقوب، والعرب تقلب الذال دالا، وقيل: هم الذين تابوا من عبادة العجل ورجعوا إلى الله تعالى، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ ١، أي: تبنا ورجعنا.
فاليهود جماعة من بني إسرائيل ...
ومن هنا ندرك سر حديث القرآن الكريم عن بني إسرائيل، وعن اليهود، حيث نلمس اختلافا واضحا بين هذا، وذاك.
فحديث القرآن الكريم عن بني إسرائيل يتضمن ملامح التكريم، والتفضيل، والتنعيم، وفي عجالة سريعة نقرأ قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ٢، فقد ناداهم الله باسم أبيهم إسرائيل، رسول الله إليهم، وأمرهم بضرورة ذكر النعم التي جاءتهم؛ ليشكروا من أنعم بها عليهم ... ولتكون النعم دليلا على المنعم ، وعرفهم سبحانه بأنه فضلهم على عالمي زمانهم، أو على كل العالمين، إذا ظلوا مطيعين له،
стр. 398
وآمنوا بمحمد ﷺ حين يأتيهم، يقول تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ ١؛ لأن الإيمان بمحمد ﷺ وفاء بعهدهم مع الله تعالى٢.
ويقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ ٣، فلقد نظم الله شئونهم ومعاشهم، فاختار منهم اثني عشر نقيبا٤، وعين لكل سبط نقيبا، والنقيب هو الرجل العظيم في قومه، ذو الخلق الحسن، العارف بما في نفوسهم ودخائلهم، المسئول عن توجيههم ونصحهم.
وعرفهم الله تعالى أنه معهم بالمعونة والنصر، إن استقاموا على منهجه في إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيمان بالرسل، ونصرهم، ودفع أعدائهم, والتصدق بالمال؛ لأن ذلك هو المنهج الصحيح، وما يخالفه فهو خطأ وضلال.
стр. 399
ويقول تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ ١، وهؤلاء المستضعفون هم بنو إسرائيل الذين استذلهم فرعون, وقد جعل الله لهم أرض مصر والشام، فمشارق الأرض يراد بها أرض الشام، ومغاربها يراد بها أرض مصر٢, وقد أورثهم الله هذه الأرض لاستقامتهم على دينه واتباعهم لموسى ﵇ ولذلك فالإرث لأهل ذلك الزمان فقط؛ لأن من جاء بعدهم لم يستمروا على الدين الإلهي الصحيح.
ويقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ٣، وهذه الآية تحدد نوعية الإرث المذكور في الآية السابقة، ويراد به السكنى والإقامة، ولكنهم كفروا بمحمد ﷺ وناصبوه العداء، فلزم حرمانهم من عطاء الله تعالى، إلى أن يأتيهم العذاب يوم القيامة.
ويقول تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ، وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾ ٤, وفي الآيات بيان لاختيار الله لبني إسرائيل، وتفضيلهم على عالمي زمانهم، بكثرة الإيتاء، وتنوع المعجزات، وتعدد النعم، وتلون الابتلاء والاختبار.
стр. 400
ويقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ١، والآية شاهد آخر على تفضل الله على بني إسرائيل، فلقد آتاهم الله التوراة، وجعل منهم الأنبياء، والسلطان، والحكم في الناس، والفهم للكتاب المنزل، والشريعة الموحى بها، ورزقهم من كل أنواع الحلال، قوتا، وطعاما، وثمرا.... وفضلهم على عالمي زمانهم.
هذا حديث القرآن الكريم عن بني إسرائيل, المنتسبين إلى رسول الله يعقوب ﵇ وفيه تقدير لنبي الله "إسرائيل" الذي انتسبوا إليه.
أما حديث القرآن عن اليهود فيختلف اختلافا بينا، ونلمح ذلك حين نعرف أن القرآن الكريم عرفنا بانقسام الإسرائيليين إلى فريقين، يقول الله تعالى: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ ٢، وقد وصل الافتراق بينهم إلى التعارض، والتضاد، فأيد الله المؤمنين على من عارضهم بالبرهان، والحجة, واليقين.
وقد أشار الله إلى الكافرين من بني إسرائيل في قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ، تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ ٣.
стр. 401
والآيات تبين أن بعض بني إسرائيل قد كفروا برسالة موسى ﵇ وأنهم استحقوا اللعنة والطرد من رحمة الله تعالى، ونزل لعنهم في الزبور والإنجيل، بسبب عصيانهم، وتركهم النهي عن المنكر، وتعاونهم على المعاصي.
ودلالة عصيانهم، وضلالهم اتخاذهم الكفار أولياء من دون المؤمنين، وهم ليسوا بمؤمنين بنبي من الأنبياء بدءا من إسرائيل إلى محمد ﷺ في الحقيقة.
هؤلاء الذين كفروا من بني إسرائيل هم اليهود، كما نتبين من حديث القرآن الكريم عنهم.
يقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١، واليهود بقولهم هذا يتخيلون الجنة لهم خاصة، وهي أمنية لا برهان عليها، من قول أو عمل فهم كاذبون.
ويقول تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ٢، واليهود بهذه المقالة يتصورون أنهم وحدهم على الحق، ويرون غيرهم على ضلال، ومع أنهم يقرءون كتاب الله المنزل، وفيه بطلان مقالتهم، إلا أنهم يقولون بذلك كراهية لغيرهم من البشر كما قال غيرهم ممن سبقوهم، وسوف يعاقبهم الله تعالى أشد العقاب.
ويقول تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا
стр. 402
سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ١. والآية تبين الانحراف الخلقي عند اليهود، فهم يحرفون التوراة، ويؤولونها بغير ما تتأول به، ويعبثون بالوحي، فيقولون: سمعنا وعصينا، ويدعون لعدم الطاعة وعدم السمع، وصرف الناس عن الحق، ويقولون للنبي ﷺ : أسمع ولن تسمع، ولن يستجاب لك، وبدل أن يقولوا: راعنا المكونة من فعل الأمر ونا المفعولية، يقولون: راعنا بالتنوين، بمعنى: سفيها، وكانوا يطعنون في الدين، ولو أنهم استقاموا وأطاعوا لكان خيرا لهم ... لكنهم كفروا فلعنهم الله تعالى.
ويقول تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ ٢, والآية نزلت في اليهود حين خوفهم رسول الله ﷺ من العذاب، وقال لهم معاذ بن جبل، وسعد بن عبادة، وعقبة بن وهب: يا معشر اليهود، اتقوا الله، فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله، ولقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه، وتصفونه لنا بصفته، فقال رافع بن حريملة، ووهب بن يهوذا: ما قلنا هذا لكم، ولا أنزل الله من كتاب بعد موسى، ونحن أبناء الله وأحباؤه، فوجه الله لهم سؤالا وهو: فلم يعذبكم بذنوبكم؟ لأنهم يقرون بهذا العذاب للعصاة منهم ... فإن أجابوا بأنهم لن يعذبوا، فقد تناقضوا، وإن أقروا بالعذاب، فقد كذبوا أنفسهم، والحق أنهم بشر كسائر الناس، وأمرهم إلى الله تعالى٣.
ويقول تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا
стр. 403
وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ ١ وكذبوا، وضلوا بمقالتهم هذه التي قالوها, حينما قل مالهم بسبب عصيانهم، وقد قال بعضهم هذه المقالة، فلما لم ينكرها الآخرون صاروا كأنهم جميعا قالوها.
ويقول الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢، والآية تبين لونا من ألوان كفر اليهود، حيث يجعلون لله ابنا هو عزير٣، وما كان لهم أن يفعلوا ذلك، لكنه الضلال والكفر ... يقول القرطبي: وأرادوا بالبنوة بنوة النسل، وهذا أشنع الكفر٤.
ويقول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٥، وفي الآية رد على اليهود حينما تصوروا أفضليتهم، وقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، رغم معاصيهم، وقال لهم الله: إن كنتم صادقين في مقالتكم فتمنوا الموت؛ لتعودوا لأبيكم وحبكم، لكنهم لن يتمنوا ذلك أبدا؛ لعلمهم بمعاصيهم، وظلمهم، وكذبهم.
стр. 404
وهذا الاختلاف في تصوير القرآن الكريم لليهود، ولبني إسرائيل يجب أن يكون معلوما في إطار دراسة دعوة موسى ﵇.
يقول الأستاذ إبكار السقاف: لا بد من معرفة من هم العبرانيون، والإسرائيليون، واليهود، وذلك بمراجعة أحداث التاريخ القديم.
ويرى أن العبرانيين: يرجعون إلى عشيرة عُرفت باسم "عبرو" أو "عبريوا" أو "عبران" نسبة إلى جدها الأعلى "عابر" ... ووجدت العشيرة في بلاد بابل، في مدينة "أور" الواقعة بين دجلة والفرات، وقد هاجر أفراد من العشيرة إلى "حران", واستقرت في أرض كنعان، وتكاثرت هذه العشيرة، وعرفت بالعبرانيين، وإليها ينتسب خليل الله إبراهيم ﵇ وبعد إبراهيم انقسمت العشيرة إلى عشائر عديدة، ذابت جميعها في الشعوب التي عاشوا معها.
أما بنو إسرائيل: فهم وحدهم أبناء يعقوب بن إسحاق الذي عرف بإسرائيل، وأبناء يعقوب هم الأسباط، وعددهم اثنا عشر رجلا:
راءؤيين، وشمعون، ولاوي، ويهوذا, ويساكر، وزوبولون، من أمهم "ليئة" ... و"داني، ونقتال" من أمهم "بلهة" ...
و"حاد" و"أشير" من أمهم "زلفة" ...
و"يوسف" و"بنيامين" من أمهم "راحيل" ...
هؤلاء هم أبناء إسرائيل، ومن نسل هؤلاء الأبناء تكونت بيوت إسرائيل، وقد أضاف كل ابن اسم أبيه إلى بيته، فعرفت ذريتهم ببني إسرائيل....
فالإسرائيليون هم أبناء يعقوب خاصة....
أما أبناء عابر، جد إبراهيم ﵇ وأبناء إبراهيم ﵇ من غير سارة, فليسوا إسرائيليين.
فإسماعيل ابن "هاجر" ليس إسرائيليا ...
стр. 405
وزمران، ويفشان، ومدان، ويشتاق، وشوح أبناء إبراهيم ﵇ من "قصورة", فليسوا بإسرائيليين أيضا.
وكل من تفرّع من نسل هؤلاء, فليس إسرائيليا ...
وقد تسرب عامل الفناء في الإسرائيليين عقب وفاة سليمان ﵇ وأدى احتلال الآشوريين لمملكتهم إلى القضاء النهائي على الشعب الإسرائيلي عام ٧٠١ قبل الميلاد.
وأما اليهود: فهم ينقسمون إلى قسمين:
القسم الأول: ينسب إلى "يهوذا" رابع أبناء يعقوب ﵇ وظهرت نسبة أبنائه إليه، بعد أن أصبح اسمه علما على الإقليم الذي اختص به، بعد أن قسمت الأرض على بيوت إسرائيل، وقد اندثر هذا القسم بالغزو البابلي، الذي أحرق "أورشليم" وهدم الهيكل، وقتل وشرد من لقيه من اليهود في هذه المنطقة، وأسر منهم خمسين ألفا، ونفاهم إلى أرض بابل عند نهر الفرات، واستمروا هناك وذابوا مع الزمن في شعبها.
والقسم الثاني: وهو الموجود في الزمن الحاضر، ويتمثل في اليهود الحاملين لجنسيات مختلفة، في مناطق مختلفة، الذين توارثوا الدين اليهودي عن أسلافهم، الذين سكنوا شرق أوروبا، وكانت لغتهم تعرف بـ "الليدية".
وهؤلاء لا يرتبطون بالعبرانيين، ولا بالإسرائيليين، ولا بأبناء يهوذا، بصلة نسب، وقربى ... إنهم ينحدرون من قبائل الخزر المنغولية، التي تمكنت من تأسيس مملكة وثنية في منطقة واسعة، تقع في شرق أوروبا، يحدها من الشرق جبال الأورال، ومن الغرب وسط أوروبا، ومن الشمال موطنهم الأصلي، ومن الجنوب البحر الأسود, وقد اعتنقت هذه المملكة اليهودية.
إن هذه المملكة عرفت في التاريخ واشتهرت بالقسوة، والميل لسفك الدم ...
стр. 406
ولما انحلت مملكة الخزر هذه، توزع أبناؤها في البلاد المجاورة، فانتشروا في أوروبا شرقا، وغربا، وشمالا، وجنوبا، ومع حركة الاستعمار الأوروبي للعالم انتشر أفراد من اليهود في بلاد العالم المختلفة، وصار لهم وجود وأثر١.
هذا ... ويؤكد العلم الحديث أن اليهود المعاصرين لا صلة لهم بأبناء يعقوب ﵇.
يقول الأستاذ أوجين بتلر٢: "إن جميع اليهود بعيدون عن الانتماء إلى الجنس اليهودي".
ويقول الدكتور محمد عوض٣: "إن شعبا يهوديا كبير العدد، قد تم تكوينه قبل ميلاد المسيح بقرنين أو ثلاثة في الحوض الشمالي لنهر الراين، ثم تفرعت منه مجموعات أخرى في بولندا، وفي روسيا الغربية، وقد ازدادت هذه المجموعات في العدد، حتى أربى عددها على تسعة أعشار اليهود في العالم".
ويقول الأستاذ رايلي٤: "إن تسعة أعشار اليهود في العالم يختلفون عن سلالة أجدادهم اختلافا واسعا ليس له نظير، وإن الزعم بأن اليهود جنس نقي حديث خرافة".
ويقول الأستاذ تبار٥: "إن اليهود عبارة عن طائفة دينية، اجتماعية, انضم إليهم في جميع العصور أشخاص، من شتى الأجناس، وهؤلاء المتهودون جاءوا
стр. 407
من جميع الآفاق، فمنهم الفلاشا سكان الحبشة، ومنهم الألمان ذوو السحنة الألمانية، ومنهم التاميل وهم اليهود السود من الهند، ومنهم الخزر وهم الذين سكنوا شرق أوروبا وأسسوا مملكة بها، وعند انحلالها توزعوا في أوروبا، وهم اليهود الأوروبيون".
ويقول الدكتور محمد عوض: "إن يهود أوروبا من أصل أوروبي، ويهود اليمن من أصل يمني، ويهود الحبشة من أصل حبشي، ومن الافتراء على الحقيقة أن يقال: إن اليهود شعب لا وطن له، إنهم أعضاء في شعوب كثيرة، ولهم أوطان عديدة"١.
إن تسمية اليهود ببني إسرائيل تسمية مجازية، واليهود المعاصرون لا يرتبطون بأبناء يعقوب بقربى، أو نسب، ويا ليتهم آمنوا بدين يعقوب إيمانا حقيقيا، وانتسبوا له انتسابا مقبولا.
إنهم حرفوا كلام الله, وبدلوه، وصنعوا من عقولهم دينا مشوها، مليئا بالعنصرية, والمادية، والاستعلاء، ومحاربة الخير لسائر الناس من غير اليهود ... واليهود اليوم هم الذين جاءوا من منغوليا، يعيشون بالمناهج التي وضعوها لأنفسهم، ودونوها في التلمود، والبروتوكولات، وتفسيرات الكهنة والأحبار لكتابهم المقدس.
واليهود المعاصرون رغم كفرهم برسالات الله، يتسترون باسم نبي الله يعقوب "إسرائيل"؛ ليظهروا بمظهر المؤمنين المتبعين لدين الله، ووصل بهم حد الاستخفاف بالعقول أن سموا دولتهم، وكثيرا من معالم حياتهم باسم "إسرائيل" تماديا منهم في الخداع، والتضليل.
ولن يستمر خداعهم؛ لأن عمر الزيف لا يدوم.
هل كان يعقوب ﵇ يرضى بالاستيلاء على حقوق الآخرين؟ وهل فعلها
стр. 408
مع الكنعانيين؟ أو مع المصريين حين عاش بينهم؟ وهل قام يعقوب ﵇ بالاستيلاء على الأوطان, وقتل الأبرياء, وباشر الاستعلاء والطغيان؟
إن كل الجرائم التي يرتكبها اليهود في العالم المعاصر, يبرأ منها يعقوب ﵇ وكل رسل الله، رغم ما يدّعيه اليهود ويزعمونه.
إن الحركة الصهيونية من نتاج العقلية اليهودية الظالمة، والاعتداء على الآمنين، وقتل النساء والأطفال، صناعة يهودية محضة!!
إن محاولات إفساد الشباب، وفق خطة منظمة هو عمل يهودي خالص!!
ونجاح اليهود المعاصرين تم في غفلة المسلمين، ولو تنبه المسلمون في وقت مبكر لما تمكن اليهود أبدا.
أما وقد حدث ما حدث, فواجب على الأمة الإسلامية أن تعود لربها، وتلتزم بدينها، وتتيقن من جزئية نزول الوحي إليها، وحينئذ فقط، وليس قبل ذلك تملك أمرها، وتعود لحيويتها، وتقوم بوظيفتها التي حددها الله لها، يوم أن أخرجها للوجود، خيرا للناس أجمعين.
لا يليق بأمة جاءت لتقود العالم بالخير، ونحو الخير، أن تصير ذيلا للعالم المادي المليء بالشهوات، البعيد عن الله رب العالمين.
стр. 409
النقطة الخامسة: ركائزة الدعوة في قصة موسى ﵇
مدخل
...
"النقطة الخامسة": ركائز الدعوة في قصة موسى ﵇
موسى ﵇ من أولي العزم من الرسل، أُوذي فصبر، ودعا إلى الله فقُوبل بالجحود والنكران، أثنى عليه الله تعالى بما هو أهله، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ ١، وقال تعالى:
стр. 410
وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ١، وقال تعالى: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ ٣.
وقد خصه الله بالتكلم، وأنزل عليه المعجزات الكثيرة، وأرسل معه أخاه هارون؛ ليعينه, ويشاوره، ويخلفه.
وقد دعا موسى ﵇ طوائف عديدة، وواجه الملوك، والأمراء، والعلماء, والسحرة, والمستضعفين المستعبدين.
حيث كانت دعوته للمصريين وللإسرائيليين.
وتعد رسالة موسى ﵇ وحركته بالدعوة معلما بارزا للدعاة، يأخذون منه الفوائد والعبر؛ ولذا استنبط من قصته الركائز التالية:
стр. 411
الركيزة الأولى: التوحيد أساس الدعوة
جاء الرسل جميعا بدعوة أقوامهم إلى توحيد الله تعالى توحيدا خالصا، يشتمل على الالتزام بما يقتضيه هذا التوحيد بصورة كاملة.
إن التوحيد بشموله، وكماله يقتضي من المؤمن أن يتعامل مع الله بما يليق به, فلا بد من اليقين بأنه له الحكم، والأمر كله بيده, وقدرته شاملة لكل ما كان، وما هو كائن، وما سيكون إلى يوم القيامة، ومن هذا اليقين يتوجه المؤمن
стр. 412
إلى الله بعمله، وقوله, وسلوكه، ويحول حياته كلها إلى عبادة خالصة لرب العالمين ... إن العبد الرقيق المملوك لرجل يعيش حياته لسيده، فنشاطه وماله وولده لسيده، ومن إخلاصه لسيده يعيش مطيعا له ظاهرا وباطنا، ويستمر في الامتثال، راضيا، سعيدا.
والإنسان عبد لله في الحقيقة، فإذا ما تيقن حقيقته، وقدر الله حق قدره، عاش لله بصورة كلية، يقول الله تعالى وهو يعلم محمدا هذه العبودية: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِين﴾ ١.
إن العبودية الصادقة تتضمن بعض الأساسيات الهامة المستفادة من الآيات:
أ- الاعتراف الصادق بأن الدين هو الصراط المستقيم، الذي أنزله الله على عباده، بواسطة الرسول المكلف من قِبَل الله تعالى.
ب- الإقرار بأن كل ما يقع في ملك الله تعالى هو بعلمه، وبإرادته، وقدرته، وأن الهداية إلى الحق، والخير قدر من الله تعالى، يحققه لمن يشاء من عباده وفق عدل الله، ورحمته.
ج- إن الدين الصحيح المستقيم، هو دين إبراهيم ﵇ الذي دعا إلى التوحيد والملة المستقيمة، مع البراءة المطلقة من كل ألوان الشرك، سواء كان شركا قوليا، أو عمليا، أو ظاهرا، أو باطنا.
د- إن كل نشاط يقوم به العبد المؤمن, يجب أن يكون عبادة لله الواحد
стр. 413
وذلك بنية التوجه لله، وإرادة الطاعة, والاستقامة على منهج الله تعالى، فالعبادات المشروعة المحددة، وغير المحددة، وأعمال الحياة، ووصايا ما بعد الموت تكون لله بالقصد والنية، ومن المعلوم أن الأعمال العادية تتحول بالنية إلى عبادة، وعلى المسلم أن يوحد ربه؛ ليكون مسلما صادقا.
إن التوحيد بشموله هو منهج حياة متكامل، وهو كفيل بصناعة الإنسان, والجماعة صناعة ربانية، خالصة.
ولهذا كان إبليس وذريته، يلعب بالناس، ويبعدهم عن التوحيد، بصورة كلية أو جزئية، بلا يأس، أو قنوط.
ولهذا أيضا بعث الرسل ﵈ لكل الأمم؛ لإنقاذهم من كل مظاهر الشرك، والفساد.
وقد استمر الموكب الكريم من رسل الله، في دعوتهم الناس إلى الدينونة المطلقة لله رب العالمين.
ومع الرسل كان موسى ﵇ الذي واجه ادعاء فرعون الألوهية، واستعلاء هامان وقارون، بالقوة، والمال، وخضوعهم لفرعون، وقوته، كما واجه طاعة العامة لفرعون في ضلاله، وكفره، وأيضا واجه الإسرائيليين بمكرهم، وخداعهم، وضعفهم, وماديتهم ... وكان ﵇ واضحا في دعوته إلى التوحيد الخالص، بحقيقته، وشموله، وبيّن لهم أن هذا التوحيد يتضمن أركان العقيدة، وجوانب الشريعة, وكافة القيم الأخلاقية النبيلة ...
وعلى هذا يتأكد لنا أن الدعوة إلى التوحيد تحتاج إلى الجهد المبذول، وتحتاج إلى استمرارية الدعوة إلى يوم القيامة.
стр. 414
الركيزة الثانية: ضرورة الاستعداد للدعوة
الدعوة تغيير شامل للحياة، وصناعة ربانية للأفراد والجماعات، إنها لا تترك شخصا لهواه، ولا تدع جماعة تفسد في الأرض، وتعمل على هزيمة إبليس وبنيه، وتزيل وساوسهم، وغواياتهم من القلوب، والعقول.
إن الدعوة تجعل الحاكم مسئولا عن رعيته، وتحدد عمله في حماية الدين، وصيانة الدنيا ... ولا مجال في الدين الحق لتأليه حاكم، أو لتركه يطغى، أو يتجبر، أو يفسد، أو يستذل الناس ويهينهم؛ لأنها تحدد له المنهج، وترسم له الطريق، وتقيده بالوحى الإلهي الذي أنزله الله على رسله ﵈.
والدعوة تحدد للناس حقوقهم، وواجباتهم، مع اختلافهم في الثقافة، أو في المال، أو في العمل، أو في الجنس، أو في اللون، أو في الدين ... وهكذا.
وهذه الغايات الكبرى التي يعمل لها الدين تجعل المهمة شاقة، والنجاح أمرا صعبا؛ ولذلك وجب الاستعداد للدعوة، وقد رأينا موسى ﵇ يطلب من الله أمورا تساعده في تبليغ الدعوة.
وأهم ما يحتاجه القائمون بالدعوة ما يلي:
١- قوة العقيدة: يحتاج مبلغو الدعوة من الرسل والدعاة إلى عقيدة قوية؛ لأنهم يعملون على تقويتها في حياة الناس، ولا يمكن للدعاة أن يصلوا إلى ذلك إلا إذا اتصفوا هم بها أولا؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ومن المعلوم أن الدعوة العملية أبلغ تأثيرا من الدعوة النظرية، وما خرج من القلب الصادق يصل إلى قلوب الآخرين.
٢- امتلاك صفات القيادة: تحتاج القيادة إلى صفات يتمتع بها القائد الحسن والأنبياء، والدعاة قواد في مجتمعهم، ورواد يأخذون بيد الناس إلى ما يعملون له، وأهم صفات القيادة تتمثل في الشجاعة؛ ليتمكن القائد من توجيه الدعوة الدينية إلى الناس، بلا خوف أو فزع، ويتمتع برباطة الجأش، وقوة العزيمة، وبهذا يتمكن من التعامل مع الواقع بهدوء وروية، وقد تسلح موسى ﵇ بخلق الشجاعة، والجرأة في مواجهة فرعون بسلطانه، وهيبته.
стр. 415
ومن صفات القيادة مشاركة الناس في قضاياهم، وتحمل إزالة الأضرار والآلام عنهم, وقد رأينا موسى ﵇ يشارك الإسرائيليين، ويطلب من فرعون أن يحررهم، ويتركهم يذهبون معه ﵇ إلى بلاد الشام.
ومن صفات القيادة الكرم المادي والمعنوي؛ لأن ذلك يقرب القلوب، ويجمع العقول والعواطف، يقول الله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ١.
ومن صفات القيادة الصبر، والتحمل، وهذا يمكن الداعية من استيعاب مواقف معارضيه، ويجعله قادرا على توجيه الحوار نحو قضيته، والانتقال من مسألة إلى أخرى، ومن دليل إلى غيره بلباقة، وحكمة.
стр. 416
الركيزة الثالثة: خصائص البلاغ المبين
استعد موسى ﵇ للبلاغ, وأحل الله له عقدة من لسانه، وأرسل معه أخاه، وذلك حتى تصل دعوته إلى الناس بينة، واضحة، مفهومة، كما قال ﵇ وهو يطلب من ربه المعونة, قال تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي﴾ ذلك أن غاية الرسالة البلاغ، والبلاغ يعني الوصول إلى المراد، وبذل ما يكفي لتحقق المطلوب في صورة عادية، يقال: بلغ الغلام إذا وصل إلى زمن التكليف والمسئولية، ومنه قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ١.
ويتضمن البلاغ كذلك بذل أقصى الجهد، والبلاغة, والفصاحة، والحسن، والبيان٢.
стр. 417
وهذه الدلالات اللغوية لكلمة البلاغ, تشير إلى أهم خصائصه في مجال الدعوة إلى الله تعالى:
- جلاء القضية التي يدعو إليها الرسول، أو الداعية في ذهن المستمع؛ ليعرف حقيقتها، وغايتها، وأهميتها عن أشباهها، وأمثالها، كالدعوة إلى التوحيد حيث ندرك من عرض الرسول لها هذا التميز، لقد كان فرعون يرى أنه الإله الواحد, ويقول: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ١، لكن دعوة موسى وضحّت وحدانية الله، المتصف بكل كمال يليق بالإله المعبود.
- تحريك عمليات الإدراك العقلي حول القضية موضوع الدعوة، انظر إلى موسى ﵇ وهو يخاطب عبدة الأصنام، لقد أوصلهم بأسئلته إلى أن يقروا له بالصدق، قال تعالى: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٢.
وها هو ﵇ يخاطب فرعون حتى أصابه بالبهتان، والعجز ... وسبب ذلك أن موسى ﵇ حرك بدعوته عوامل التعقل والتفكير، فعجزوا عن الرد حتى كادوا أن يؤمنوا بموسى ودعوته.
- بذل أقصى الطاقة، وكل الممكن في عملية البلاغ، فليست الدعوة شعارا يرفع، أو عملا للمباهاة والراحة، وإنما هي تكليف يحتاج إلى السعي المتواصل، والعمل الدءوب، والانتقال بالمستمعين من دليل إلى دليل، ومن حجة إلى حجة، عسى أن يصل أحدها إلى شغاف القلب فينفتح، ويدخل في دين الله تعالى.
- الاستفادة بفنون البلاغة المتعددة في عرض موضوع الدعوة بتصوير المعنى، وعرضه في أساليب مختلفة، وتحسينها بالجمال والإبداع؛ لتتمكن المعاني من نفسية المستمع، وتجذبه عاطفيا، وفي البلاغة سحر يشد العقول إليه، وتألفه العاطفة، والوجدان.
стр. 418
انظر إلى الجمال في الوجود، تلقه يأخذ بالألباب، ويصل سحره إلى الذوق والوجدان، فيحرك عند الأديب قصائد الشعر، ومقالات الأدب، في إبداع عجيب، يزين المعنى ويكسوه بلباس الحسن والبهاء.
ولقد كان العرب بسليقتهم الصافية، يعجبون بجمال القرآن الكريم، فيأتون لسماعه، وإن لم يؤمنوا به.
وليس من البلاغ إبراز الحق في صورة ميتة، خالية من الحركة والجمال؛ لأن هذا ليس بلاغا في الحقيقة، وضرره أكثر من نفعه.
وليس من البلاغ أن تنطق بالحق ألسنة تعيش بالباطل، وتعمل به، وتلهو وتلعب، ويكفي في هذه الحالة أن يقول الناس: لو كان الداعي صادقا, لأفاد نفسه قبل أن يفيدنا.
وليس من البلاغ قول لا يبرز المعنى، وخير لهذا القول أن يسكت وينتهي.
стр. 419
الركيزة الرابعة: أساسيات النجاح في الدعوة
المؤمنون المخلصون يأملون في نجاح الدعوة إلى الله تعالى، والرسل ﵈ في مقدمة المؤملين؛ ولذا رأينا موسى ﵇ يسأل الله تعالى أن يمده بعوامل النجاح, التي تعينه في الدعوة.
ومن أساسيات النجاح، أن يعرف القائم بالدعوة كل شيء عن المدعوين، من ناحية تدينهم، وثقافتهم، ودورهم في المجتمع ... ليتمكن بهذه المعرفة من تخير الوسيلة المناسبة, والأسلوب النافع.
ومن أساسيات النجاح, تعاون المخلصين من المؤمنين في العمل لدعوة الله، فيشد بعضهم أزر بعض، ويشاركه في الأمر، ويدافع عنه، ويكون له ردءا يقويه ... ولا مجال للتنافس بين الدعاة؛ لأنهم أصحاب قضية واحدة، ولا بد لهم من التعاون في إبرازها، وتدعيمها.
стр. 420
ومن أساسيات النجاح، الإعداد المسبق للحركة بالدعوة؛ ليتمكن القائم بأمر الدعوة من إعداد العدة لكل موقف، وحتى لا يفاجأ خلال الدعوة بما لم يتوقعه، وليملك زمام الأمر بيده، ويحركه بعمله، وقوله.... والعالم المعاصر عالم تنظيم، وتخطيط، ومتابعة.
ومن أساسيات النجاح, مشاركة الآخرين وخاصة المخلصين؛ لأنهم قد يدركون ما لا يعرفه، وبذلك يستفيد بفكر غيره، ويأخذ دروسا من الآخرين، وهذا موسى ﵇ ذهب إلى الخضر، وتعلم منه الكثير.
ومن أساسيات النجاح, البعد عن الخطأ بقدر الإمكان، ومقاطعة المخطئين إن علم بهم؛ لأن الظهور مع أهل الباطل يقويهم، ويوحي للناس أن الداعي واحد منهم، وحينئذ يكون الضرر.
стр. 421
الركيزة الخامسة: شخصية المرأة في الدعوة
لم تغب المرأة عن قصص الأنبياء, إلا أن ظهورها كان سلبيا غالبا، فمع نوح ولوط ﵉ كفرن بدعوتهما، ومع يوسف كانت امرأة العزيز والنسوة.
إلا أن شخصية المرأة في قصة موسى ﵇ أخذت منحى إيجابيا، خلد ذكرهن بسببه في القرآن الكريم.
فها هي أم موسى ﵇ يوحي الله إليها، ويلهمها كيفية المحافظة على وليدها، وإرضاعه، وعدم قتله، وإلقائه في النهر حين تخاف عليه.
ونلمح روح المؤمنة الحانية في أم موسى ﵇ فلقد امتلأ قلبها حبا لوليدها, ومخافة عليه، وشفقة لفراقه، وكادت من شدة خوفها أن تحكي لجنود فرعون ما حدث منها، إلا أن الله ربط على قلبها لتبقى مؤمنة، قائمة.
وها هي أخت موسى ﵇ تتعاون مع أمها في حفظ موسى، وتتابع مسيرة التابوت, وتدل زوجة العزيز على امرأة ترضعه بحنان وإخلاص، وتستمر في المتابعة حتى يعود موسى ﵇ إلى أمه.
стр. 422
وها هن بنات شعيب يقمن بسقي الغنم, ورعيها في أدب, ووقار.
وأخيرا تظهر امرأة فرعون مؤمنة, صادقة، تعلن إيمانها بالله تعالى، وتتبرأ من فرعون وملئه وأمواله وجاهه, وتعيش لله رب العالمين.
إن بروز المرأة بهذه الصورة الطيبة، يعرف بدور المرأة في المجتمع، ويؤكد أنها مسئولة, ومكلفة, وقادرة على خدمة الدعوة إلى الله تعالى، وقد يتوارى الرجل أمام جهودها, وعملها.
والدين يكرم المرأة كما يكرم الرجل، فبعضهم من بعض، وكلاهما له دوره ووظيفته في الحياة.
وعلى الدعاة أن يدركوا أهمية دور المرأة في المجتمع، ويخصوها بالدعوة، فلها تأثيرها على أولادها، وفي بيتها وبيئتها، وفي أحيان كثيرة يتأثر البيت كله بامرأة واحدة فيه، بسبب إخلاصها, وصدقها.
стр. 423
الركيزة السادسة: بين الدنيا والآخرة:
يحتاج المؤمن عموما، والدعاة خاصة إلى معرفة الحياة الدنيا، والحياة الأخرى معرفة يقينية؛ ليتصرفوا وهم في الحياة الدنيا على ضوء هذا اليقين بما يفيدهم, ويحقق مصالحهم في الدنيا، والآخرة.
لقد نصح العقلاء قارون بأن يستخدم النعم التي أنعم الله بها عليه، وأن يقصد بها تحقيق الخير في الآخرة، ولا ينسى حظه في الدنيا، قال له قومه: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ ١.
стр. 424
ومجمل هذه النصيحة أن يبذل عطاء الله في طاعة الله، وبذلك يتمتع بالحياة الدنيا، وفي نفس الوقت يكون عمله كله للآخرة، وبهذا فسر ابن عباس، والجمهور قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ , فقالوا: إن معناها: لا تضيع عمرك في الدنيا في غير عمل صالح، فنصيب الإنسان في الدنيا هو عمره، والتعمير الحقيقي يكون بالعمل الصالح، والعمل الصالح هو قنطرة الخير في الآخرة١ ... ولذلك نصحوه بالإحسان في الدنيا، والمراد به التوجه الصادق بالعمل الصالح لله رب العالمين مع الصدق، وخلوص القصد؛ لقوله ﷺ عندما سُئل عن الإحسان، قال: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك" ٢.
إن المؤمن الحقيقي يرى الآخرة كما يرى الدنيا، ويعرف القيمة الحقيقية لكل منهما.
فالدنيا دار ممر تنتهي بالموت، ومتاعها قليل، وخيرها لا يدوم، ومنغِّصاتها كثيرة، وقد يختلط خيرها بشرها؛ كمال يضيع في المرض، وسلطان يضعفه الخوف, وجمال يغيره النشوز والنكد، وجمع تهزمه الكوارث والنكبات ... وصدق الله العظيم وهو يصور متع الحياة الدنيا، يقول تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ ٣.
أما الآخرة فهي دار مقر وخلود، متاعها كثير، وخيرها عميم، خالية من الكدر والمنغصات، وليس فيها ضرر البتة، ويكفي أن الإنسان يتمتع فيها بحرية مطلقة، ما يريده يكون، وما يأمله يتحقق. أزواج حسان، وصحب كرام
стр. 425
وغلمان مخلَّدون، وحياة متجددة، ومقام جميل، تحيطه الخضرة، وتمر تحته الأنهار ... إن المؤمن في الآخرة يعيش سعادة أبدية، تحيط النعم به من كل جانب، يلمس فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، يقول الله تعالى مشيرا إلى نعيم الآخرة: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ١.
هذا التصوير الصحيح للدنيا والآخرة، لو صدق به إنسان ما، تصديقا يقينيا لاعتدل عمله، وسلوكه، وخلقه على منهج الله، مالك الدنيا والآخرة.
والعاقل يتساءل: ولِمَ لا يؤمن الإنسان بهذه الحقائق, والدنيا أمامه تجربة ماثلة، يشاهد من خلالها الصورة التي ذكرها القرآن الكريم؟
ويعد صدق القرآن الكريم في تصوير الحياة الدنيا، دليلا على صدق تصويره للآخرة، وبخاصة أن الموت حق، والكل يموت حين مجيء أجله.
ومعجزات الرسول ﷺ شاهدة على صدقه في كل ما أخبر عنه، ومنها حقيقة الآخرة، فهي الخير, وهي السعادة، وهي أمل المؤمنين، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ٢، ويقول سبحانه: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ ٣.
هذه الحقائق لم يصدق بها قارون، فاستغرقته الحياة الدنيا، واغتر بنفسه وماله، وظل على كفره حتى أغرقه الله تعالى.