الركيزة الخامسة: شخصية المرأة في الدعوة
لم تغب المرأة عن قصص الأنبياء, إلا أن ظهورها كان سلبيا غالبا، فمع نوح ولوط ﵉ كفرن بدعوتهما، ومع يوسف كانت امرأة العزيز والنسوة.
إلا أن شخصية المرأة في قصة موسى ﵇ أخذت منحى إيجابيا، خلد ذكرهن بسببه في القرآن الكريم.
فها هي أم موسى ﵇ يوحي الله إليها، ويلهمها كيفية المحافظة على وليدها، وإرضاعه، وعدم قتله، وإلقائه في النهر حين تخاف عليه.
ونلمح روح المؤمنة الحانية في أم موسى ﵇ فلقد امتلأ قلبها حبا لوليدها, ومخافة عليه، وشفقة لفراقه، وكادت من شدة خوفها أن تحكي لجنود فرعون ما حدث منها، إلا أن الله ربط على قلبها لتبقى مؤمنة، قائمة.
وها هي أخت موسى ﵇ تتعاون مع أمها في حفظ موسى، وتتابع مسيرة التابوت, وتدل زوجة العزيز على امرأة ترضعه بحنان وإخلاص، وتستمر في المتابعة حتى يعود موسى ﵇ إلى أمه.
стр. 422
وها هن بنات شعيب يقمن بسقي الغنم, ورعيها في أدب, ووقار.
وأخيرا تظهر امرأة فرعون مؤمنة, صادقة، تعلن إيمانها بالله تعالى، وتتبرأ من فرعون وملئه وأمواله وجاهه, وتعيش لله رب العالمين.
إن بروز المرأة بهذه الصورة الطيبة، يعرف بدور المرأة في المجتمع، ويؤكد أنها مسئولة, ومكلفة, وقادرة على خدمة الدعوة إلى الله تعالى، وقد يتوارى الرجل أمام جهودها, وعملها.
والدين يكرم المرأة كما يكرم الرجل، فبعضهم من بعض، وكلاهما له دوره ووظيفته في الحياة.
وعلى الدعاة أن يدركوا أهمية دور المرأة في المجتمع، ويخصوها بالدعوة، فلها تأثيرها على أولادها، وفي بيتها وبيئتها، وفي أحيان كثيرة يتأثر البيت كله بامرأة واحدة فيه، بسبب إخلاصها, وصدقها.
стр. 423
الركيزة السادسة: بين الدنيا والآخرة:
يحتاج المؤمن عموما، والدعاة خاصة إلى معرفة الحياة الدنيا، والحياة الأخرى معرفة يقينية؛ ليتصرفوا وهم في الحياة الدنيا على ضوء هذا اليقين بما يفيدهم, ويحقق مصالحهم في الدنيا، والآخرة.
لقد نصح العقلاء قارون بأن يستخدم النعم التي أنعم الله بها عليه، وأن يقصد بها تحقيق الخير في الآخرة، ولا ينسى حظه في الدنيا، قال له قومه: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ ١.
стр. 424
ومجمل هذه النصيحة أن يبذل عطاء الله في طاعة الله، وبذلك يتمتع بالحياة الدنيا، وفي نفس الوقت يكون عمله كله للآخرة، وبهذا فسر ابن عباس، والجمهور قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ , فقالوا: إن معناها: لا تضيع عمرك في الدنيا في غير عمل صالح، فنصيب الإنسان في الدنيا هو عمره، والتعمير الحقيقي يكون بالعمل الصالح، والعمل الصالح هو قنطرة الخير في الآخرة١ ... ولذلك نصحوه بالإحسان في الدنيا، والمراد به التوجه الصادق بالعمل الصالح لله رب العالمين مع الصدق، وخلوص القصد؛ لقوله ﷺ عندما سُئل عن الإحسان، قال: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك" ٢.
إن المؤمن الحقيقي يرى الآخرة كما يرى الدنيا، ويعرف القيمة الحقيقية لكل منهما.
فالدنيا دار ممر تنتهي بالموت، ومتاعها قليل، وخيرها لا يدوم، ومنغِّصاتها كثيرة، وقد يختلط خيرها بشرها؛ كمال يضيع في المرض، وسلطان يضعفه الخوف, وجمال يغيره النشوز والنكد، وجمع تهزمه الكوارث والنكبات ... وصدق الله العظيم وهو يصور متع الحياة الدنيا، يقول تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ ٣.
أما الآخرة فهي دار مقر وخلود، متاعها كثير، وخيرها عميم، خالية من الكدر والمنغصات، وليس فيها ضرر البتة، ويكفي أن الإنسان يتمتع فيها بحرية مطلقة، ما يريده يكون، وما يأمله يتحقق. أزواج حسان، وصحب كرام
стр. 425
وغلمان مخلَّدون، وحياة متجددة، ومقام جميل، تحيطه الخضرة، وتمر تحته الأنهار ... إن المؤمن في الآخرة يعيش سعادة أبدية، تحيط النعم به من كل جانب، يلمس فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، يقول الله تعالى مشيرا إلى نعيم الآخرة: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ١.
هذا التصوير الصحيح للدنيا والآخرة، لو صدق به إنسان ما، تصديقا يقينيا لاعتدل عمله، وسلوكه، وخلقه على منهج الله، مالك الدنيا والآخرة.
والعاقل يتساءل: ولِمَ لا يؤمن الإنسان بهذه الحقائق, والدنيا أمامه تجربة ماثلة، يشاهد من خلالها الصورة التي ذكرها القرآن الكريم؟
ويعد صدق القرآن الكريم في تصوير الحياة الدنيا، دليلا على صدق تصويره للآخرة، وبخاصة أن الموت حق، والكل يموت حين مجيء أجله.
ومعجزات الرسول ﷺ شاهدة على صدقه في كل ما أخبر عنه، ومنها حقيقة الآخرة، فهي الخير, وهي السعادة، وهي أمل المؤمنين، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ٢، ويقول سبحانه: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ ٣.
هذه الحقائق لم يصدق بها قارون، فاستغرقته الحياة الدنيا، واغتر بنفسه وماله، وظل على كفره حتى أغرقه الله تعالى.
стр. 426
أما سَحَرَة فرعون فقد اكتشفوا هذه الحقائق، وقارنوا بين الدنيا والآخرة، وفتح الله بصائرهم، فلم يرتدعوا بتهديد فرعون، بل رحبوا بالموت، والقتل، والصلب؛ لأنه في غايته الكبرى يضيع الحياة الدنيا، إلا أنهم سيفوزون بالحياة الأخرى.
لقد فات أوان تهديد السحرة، وربطت اللمسة الإيمانية مضغة القلب الضئيلة بالقدرة الإلهية اللا نهائية، فإذا الإنسان قوة سامية، تلتصق برب الوجود كله، وتعلو فوق قوى الأرض كلها، وإن تماوجت، وتطاولت، وادعت السلطان، والنفوذ ... بهذه اللمسة الإيمانية واجه السحرة فرعون، وقوته، ودولته قائلين: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ١.
واكتشفت امرأة فرعون هذه الحقائق، ولامستها بقلبها، وعقلها؛ ولذلك آثرت بيتا في الآخرة، واعتبرت دنيا فرعون بقصوره، وأملاكه، وسلطانه، سجنا ظالما، وطغيانا فاسدا، ونادت الله قائلة: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ٢.
وهذا المؤمن من آل فرعون يستثيره تآمر فرعون وملئه على رسول الله موسى ﵇ فيظهر نفسه، ويحدثهم حديث المطمئن، العارف بالله، المتيقن من حقيقة الآخرة، وقيمتها إزاء الدنيا.
стр. 427
ولذلك كان يخوِّفهم من زوال سلطان الدنيا وملكها, إذا جاءهم بأس الله تعالى، ويخوفهم من سوء المنقلب في الآخرة, فهو الخسران المبين, وينصحهم بالحق، وهو يقول لهم: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ ١، ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ، مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ٢.
إن الإيمان اليقيني بالآخرة يصلح الحياة الدنيا، ولا يسمح للفساد، أيا كان لونه أو مصدره, أن يسود فيها؛ لأنه سيصطدم حتما بالمؤمنين، ولن يعيش أبدا معهم.
إن مشهد السحرة، وامرأة فرعون، وهم يظهرون استعلاءهم على الكفر والضلال، هو إعلان واضح لحرية العقل، والضمير، حين ينفكّ عن قيود الأرض، وظلمات المادة.
إن هذه المشاهد تؤكد أن انتصار الحق والإيمان، يكون بعد انتصارهما في عالم الفكرة، والعقيدة، وقبل السلوك بالضرورة، كما تؤكد الصلة، والترتيب بين هذين الانتصارين، فلا بد من الانتصار في عالم الضمير قبل الانتصار في عالم الواقع، ولا يعلو أصحاب الحق في الحياة، إلا بعد أن يعلو الحق في قلوبهم على ما عداه، من طمع وشهوة، وحب للمادة، وخلود في الأرض ... لا بد أن يتجسد الحق والإيمان في المشاعر والفكر، قبل أن يتحرك في الجوارح، والسلوك.
ليس من الإيمان في شيء أن يتحول الإيمان إلى كلمات يتشدق بها اللسان، والقلب فارغ منها.
стр. 428
وليس من الإيمان في شيء أن يصير الإيمان شعرا، لا صلة له بالضمير والشعور.
وليس من الإيمان في شيء أن يدعيه من يدعيه، وأعماله وأقواله وأخلاقه متناقضة مع لوازم الإيمان.
إن الأمة الإسلامية مطالبة بأن تعيد النظر في حقيقة إيمانها, لتكون صادقة مع نفسها، ومع ربها، ومع الحياة التي تعيشها.
إن أعداء الإسلام يتعاملون مع المسلمين على أساس تسلحهم بالإيمان الصحيح، ويعدون عدتهم المادية على هذا الأساس، وتكون المواجهة، ويتحقق النصر لأهل الباطل؛ لأنهم واجهوا بأسلحتهم قوما لا سلاح لهم، بعدما فقدوه برضى، واختيار منهم ... وعلى المسلمين أن يلوموا أنفسهم، ويصلحوا أمرهم إن أرادوا النصر، والفوز.
стр. 429
الركيزة السابعة: تجنب الظلم والظالمين
من حقائق الحياة أن الاقتراب من الفساد يفسد، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ومن أعان ظالما فهو مثله، ومن والى ظالما فهو معين له على الظلم؛ ولذلك عد جنود فرعون من الظالمين؛ لأنهم ساعدوه، وأطاعوه، وكانوا معه، ولولاهم لما استطاع أن يفعل شيئا ما.
ولما رجع موسى ﵇ إلى قومه، ووجدهم يعبدون عجلا، عاتب أخاه هارون لبقائه فيهم، وسأله: لِمَ لم تتركهم, وتتبعني، وتأت إلي؟ وسبب ذلك أن بقاءه وسط الظالمين عون لهم، وشبهة يدعون بها أن الرسول معهم، ويلبسون بذلك على الناس.
وتلك حقيقة؛ لأن الظالم إذا شعر ببعد الناس عنه رجع، أما إذا وجد الناس من حوله تمدحه، وتنافقه، فإنه يتمادى في ضلاله. لقد أدى النفاق بفرعون إلى أن ادعى الألوهية، وعبده المنافقون، وأشاعوا في الناس، وفي كل أرجاء مصر ألوهية فرعون، لقاء غنم رخيص، ومال زهيد، وقرب من السلطان لا يدوم.
стр. 430
هل كان فرعون يستطيع الوصول إلى عقول كل المصريين لإقناعهم بألوهيته؟ أم هو النفاق، والمنافقون؟
ومن هنا شرع الله لرسله الابتعاد عن الظالمين، وترك معاشرتهم, وذلك أضعف الإيمان.
وهذا درس يحتاج إلى فهم وخلق؛ ليتم هجر الظلم, والظالمين، في أمن وسلام، بعيدا عن الخطأ والعدوان؛ لأن من يتجنب الظالم لا يصح أن يكون ظالما مثله.
стр. 431
الركيزة الثامنة: أهمية العلم
العلم في حد ذاته مفيد، ويكفي أن يدعيه ما ليس فيه، وقد علمنا من موقف موسى ﵇ مع الخضر، ضرورة التعلم، وأهمية تحصيله، وبذل الجهد والمشاق في الحصول عليه، والتأدب في التعليم, والإقرار بمنزلة المعلم، وتقديره.
يقول الإمام ابن حجر في شرحه لصحيح البخاري: "والمراد بالعلم في قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ ١ العلم الشرعي، الذي يفيد معرفة ما يجب على المكلف، من أمر دينه في عباداته ومعاملاته، والعلم بالله وصفاته، وما يجب له من القيام بأمره، وتنزيهه عن النقائص"٢ ... ويلحق بهذا العلم جميع العلوم التي يحتاجها المسلمون، ويحتاجها الدعاة إلى الله تعالى.
وتحصيل العلم يحتاج إلى مشقة لا بد منها، ويحتاج إلى التواضع والإخلاص, وقد رأينا الصحابة والتابعين -رضوان الله عليهم- يرحلون في طلب حديث واحد، ويسافرون الأيام الطويلة؛ ليسمعوا شيخا بسط الله له في علمه.
وعلى المسئولين أن يهيئوا مسالك العلم للناس، وأن يمكنوا العلماء العقلاء الذين يصلحون في الأرض، ولا يفسدون.
стр. 432
١٧- هارون ﵇:
هو الشقيق الأكبر لموسى ﵇ ولد في السنة التي كان فرعون يدع القتل فيها، وهو أكبر من موسى بثلاث سنوات.
وهو اسم معرب من العبرية، وينطق فيها بالهمزة بدل الهاء، فيقولون: آرون بمعنى النشاط١، وهو اسم ينطبق على مسماه؛ لتميز هارون بالنشاط في الطاعة، والحرص على تحقيق مقصده بهدوء، ولين.
وقد عاش في مصر، ولم يخرج منها إلا مع الإسرائيليين، يوم أن خرجوا جميعا، ورحلوا إلى سيناء.
وحين كلف الله موسى ﵇ بالرسالة، طلب من الله أن يعينه بإرسال هارون ﵇ معه؛ لما تميز به من صفات، يقول الله تعالى حكاية على لسان موسى ﵇: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ٢، ويقول سبحانه: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ ٣، ويقول
стр. 433
تعالى: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ، وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ ١.
ومن مجمل الآيات نفهم أن هارون ﵇ اتصف ببعض الصفات التي من أجلها طلب موسى ﵇ من الله أن يشركه أخوه هارون في الرسالة والدعوة، وأهمها:
الأولى: تميز هارون ﵇ بالهدوء واللين، فتمكن بذلك من مواجهة المواقف الشديدة، رابط الجأش، بلا ضيق أو انفعال.
الثانية: تميز هارون ﵇ بالشدة، وقوة البأس، وهذا يساعد في تبليغ الدعوة، ويدخل الرعب في قلوب العدو، ويشد أزر موسى ﵇ ويبعد عنه خوف الأعداء؛ لأنه كان يتوقع انتقامهم منه لقتله المصري يوم أن فر إلى مدين، يقول الثعلبي: "كان هارون أطول من موسى"٢.
الثالثة: تميز هارون ﵇ بالرشد، وسداد الرأي؛ ولذلك رغب موسى ﵇ أن يشركه في الأمر، ويشاوره في مواجهة المعارضين، وقد ساعده على ذلك هدوء طبعه، وثباته وقت الشدائد. انظر له ﵇ يوم أن عبد قومه العجل, وجاءه موسى ﵇ وأخذ برأسه ولحيته، فإنه ﵇ أقنع موسى ﵇ بوجهة نظره، وأعاده بلينه إلى الهدوء، فدعا له موسى ﵇.
الرابعة: تميز هارون ﵇ بالفصاحة، والبيان؛ ولذلك طلب موسى ﵇ معاونته؛ ليشترك معه في الدعوة، ويدفع عن موسى ما سوف يقابله، ويقنع الناس بصدق موسى ﵇.
وقد استخلف موسى ﵇ هارون يوم أن ذهب لملاقاة ربه؛ ليصلح حال الناس،
стр. 434
ويدعوهم إلى الحق، ويبعدهم عن الضلال والهوى، يقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ١.
لكن الإسرائيليين انتهزوا فرصة غياب موسى ﵇ واستجابوا للسامري حين دعاهم لإلقاء الذهب، الذي جاءوا به من مصر في النار؛ ليتخلصوا من وزره؛ لأنه لا حق لهم فيه، وصنع لهم عجلا من البقر، ودعاهم إلى عبادته فعبدوه، واستهانوا بهارون لطيب خلقه، ولين طبعه، فلما رجع موسى إليهم اعتذروا له, وعادوا إلى دين الله مرة أخرى.
وقد توفي هارون قبل موسى بسنتين أو بثلاث، يروى السدي عن أبي مالك وأبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة بن مسعود، وعن ناس من الصحابة قالوا: ثم إن الله أوحى إلى موسى أني متوف أخاك "هارون" فأت به إلى جبل كذا، وكذا، فانطلق موسى وهارون نحو هذا الجبل، فإذا هم بشجرة لم تر شجرة قبلها، وإذا هم ببيت مبني، وإذا هم بسرير عليه فرش، فإذا فيه ريح طيبة، فلما نظر هارون إلى ذلك البيت, والجبل، وما فيه أعجبه، فقال: يا موسى, إني أحب أن أنام على هذا السرير, فلما نام قبض الله روحه ... فلما قبض رفع ذلك البيت، وذهبت تلك الشجرة، ورفع السرير به إلى السماء.
لما رجع موسى ﵇ إلى قومه، وليس معه هارون، قالوا: إن موسى قتل هارون ... فلما سمع موسى ﵇ ذلك، قام فصلى ركعتين، ثم دعا الله، فنزل السرير وعليه هارون، حتى نظروا إليه بين السماء والأرض، فعلموا أن هارون قبضه الله إليه، وبرئ موسى ﵇ من اتهامهم٢.
стр. 435
وقصة هارون ﵇ تفيد أهمية استعانة الدعاة بمن يساعدهم في القيام بواجبهم، ويستفيدون بأي شيء يسهل التبليغ، جريا على عادة البشر، كما استعان موسى ﵇ بأخيه هارون، والقصة كذلك توضح لنا أهمية الدعاء، والطلب من الله , فهو القادر على كل شيء.
стр. 436
١٨- إلياس ﵇:
إلياس ﵇ هو أحد أنبياء بني إسرائيل، والعرب تنطق اسمه بألفاظ متعددة, فيقولون: هو "الياسين, أو ياسين، وآل ياسين" أسماء متعددة له ﵇.
لقد كان إرسال إلياس ﵇ بعد موسى بوقت قصير، ونظرا لغلو الإسرائيليين في المادية، وإفراطهم في التجسيد، جاءتهم المعجزات الحسية العديدة؛ لتحقيق شيء من التوازن النفسي بين متطلبات الطبع اليهودي المادي، وبين متطلبات الإيمان والرسالة، يقول النووي: "كان إلياس على صورة موسى ﵇ وقوته, وقد نشأ في بيئة حسنة، وكان الإسرائيليون يحبونه، ويقولون: إنه بشرى اليعازر لهم، وسيهلك الله به الملوك، والجبابرة"١.
حفظ إلياس ما عندهم من التوراة، وأظهر لهم المعجزات. صاح فيهم مرة صيحة أرعبتهم، وكادت تقتلهم ... فقالوا: هو ساحر، ونسوا كل ما قالوه فيه، وهمّوا بقتله فهرب منهم، وساروا وراءه، فانفلق الجبل ودخله إلياس، وانصرف الناس, وعاش إلياس في الجبل حتى بلغ أربعين سنة، فبعثه الله نبيا، وكلفه بالرسالة إلى قومه، وأمره أن يتوجه إلى الملوك، والجبابرة لدعوتهم إلى عبادة الله تعالى.
وقد امتد نطاق دعوة إلياس إلى سبعين مدينة, تتوسطها مدينة "بعلبك" التي تقع في شمال لبنان حاليا، وفي كل مدينة جبار يسوسها، وكانوا يعبدون الأصنام، ويصنعونها على صورة بشرية ويسمونها "بعلا".
стр. 437
وقد أجرى الله على يد "إلياس" ﵇ عديدا من المعجزات، مثل:
- خمود النار بأمره١.
- عدم إحراق النار لامرأة الملك٢.
- حبس الماء عن القوم٣.
- إحياء الموتى٤.
- نزول الغيث٥.
وحديث المؤرخين عن معجزات إلياس الحسية طويل٦, ونحن لا نقطع بها؛ لورودها عن طريق أدلة ظنية، ولا نردها لأن المطلع على تاريخ أنبياء بني إسرائيل يرى كثرة المعجزات الحسية, التي أظهرها الأنبياء جميعا، بدءا بيوسف ﵇ وانتهاء بعيسى ﵇.
ويجب أن يكون واضحا أن أنبياء بني إسرائيل جميعا بعثوا بتجديد رسالة موسى ﵇ لكثرة ما صنعوا، وحرفوا.
أرسل الله إلياس ﵇ إلى قومه من بني إسرائيل، وقومه هم أحد أسباطهم الذين رحلوا إلى مدينة "بعلبك" في أقصى الشمال، فنسوا عهد الله، وعبدوا الأوثان دونه, فبعث الله إليهم إلياس ﵇ يدعوهم إلى التوحيد، ويذكرهم بعهد الله, ويبين لهم أن الانحراف عن دين الله ضلال مبين؛ لأن الله هو خالقهم، ورازقهم، وربهم، ورب آبائهم، ورب العالمين.
стр. 438
لكن القوم استمروا على ضلالهم، واتخذوا صنما من الحجر، وعبدوه من دون الله، وتصوروه ربا، يعينهم، ويحفظهم، ويمدهم بالخير.
وكان ﵇ ناصحا أمينا لقومه، لطيفا في دعوته لهم، حيث أخذ يناقشهم ويطلب منهم الحجة والبرهان, ويدلل على ضلالهم، ويدعوهم إلى الله رب العالمين, يقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ، أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ، اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ ١.
ومن هذه الآيات, ندرك الحقائق التالية:
أولا: إلياس هو رسول الله ﵇ اختاره الله للرسالة، وأنزل عليه وحيه, وكلفه بدعوة قومه إلى العقيدة الصحيحة.
ثانيا: أن قوم إلياس اتخذوا إلها، وسموه "بعلا", ذهب المفسرون إلى أنه صنم، أو ملك، اتخذوه إلها أو ربا, ويمكن جمع هذه الآراء في أنهم صنعوا صنما على صورة ملكهم، وعبدوه إلها، وقصدوه ربا، وبهذا تلتقي الآراء في مفهوم واحد، لا تعارض فيه.
ثالثا: أن دعوة إلياس ﵇ كانت لقومه، وهم أحد أسباط بني إسرائيل، الذين رحلوا من بيت المقدس، وسكنوا شمال الشام، في مدينة "بعلبك".
رابعا: دعا إلياس ﵇ قومه بحكمة، ولين، وحسن في الدعوة والإرشاد.
- فلقد ناداهم بما بينهم من قربى، ونسب، وقال لهم: يا قوم؛ ليعلموا أنه حريص عليهم، ساعٍ لمصلحتهم.
стр. 439
- وعرض عليهم دعوته بصورة المستفهم؛ ليعودوا إلى أنفسهم، ويكرروا السؤال على عقولهم، عساهم يفيئون، ويعودون إلى صوابهم.
- قارن إلياس ﵇ لقومه بين صنمهم، وبين الله، وبين أن الصنم حجر لا يسمع، ولا يبصر، ولا يضر، ولا ينفع، ولا يغني عن أحد شيئا، بينما الله تعالى خلقهم، ورزقهم، ونظم لهم حياتهم، فهو ربهم، ورب الناس أجمعين.
يسمع القوم دعوة إلياس ﵇ فيؤمن بدعوته المخلصون الأصفياء، وتظل الأكثرية على ضلالها وكفرها، وينزل الله عذابه بهم، وينجو إلياس والمؤمنون معه, بسبب إيمانهم وإخلاصهم، وفي الآخرة سيحل عليهم عذاب جهنم وويلاتها، وسيفوز المؤمنون برضوان الله في جنات النعيم، وأما إلياس ﵇ فقد أبقى الله له الثناء الجميل، والذكر الحسن في الأمم بعده، فما من أمة مؤمنة إلا وتذكره بالخير، وتسلم عليه كسائر أنبياء الله، وها هي أمة محمد ﷺ تذكره بالنبوة، وتقرأ عنه في القرآن الكريم، كتاب الله رب العالمين، وفي سنة المصطفى ﷺ وله ﵇ السلامة من كل سوء، والبعد عن كل شر وأذى؛ لأنه عبد لله ورسوله إلى قومه، وقد وفى بما كلف به ﵇، يقول الله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ، إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ، وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ، سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ، إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١.
ويوجد حاليا على جبل "الكرمل" المقام على سفحه مدينة "حيفا" قبر، يقال: إنه قبر "إلياس"٢ ﵇.
стр. 440
١٩- اليسع ﵇:
اليسع ﵇ أحد أنبياء بني إسرائيل، وقد ذكر الله نبوته مع ذكر الأنبياء الآخرين، يقول الله تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ١, ويقول سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ﴾ ٢.
ووهم البعض فذكر أنه إلياس، وليس كذلك؛ لأن الله أفرد كل واحد منهما بالذكر، وكانا معاصرين في بني إسرائيل، ويقال: إن اليسع ابن عم إلياس، أو ابن أخيه.
وهناك من يزعم أن اليسع هو إدريس, وليس كذلك؛ لأن إدريس ﵇ هو جد نوح ﵇ بينما اليسع من أبناء يعقوب، وقد أرسله الله إلى بني إسرائيل.
يروي قتادة عن الحسن ﵁ أن اليسع بعث بعد إلياس، فمكث ما شاء الله أن يمكث، يدعو قومه إلى التوحيد الخالص، وإلى الطاعة والانقياد لله تعالى٣، وظل مستمسكا بالحق، سالكا منهج الرسل، إلى أن قبضه الله إليه.
وقد تميز اليسع منذ صغره بالرشد، والحفظ، وكان ينصح قومه، ويبين لهم خطأهم وضلالهم، فكرهوه, وطارده اليهود ليقتلوه, فآوته آم إلياس ﵇ وكان اليسع مريضا، فدعا له إلياس بالشفاء، فشفاه الله تعالى.
стр. 441
ثم إن إلياس دعاه إلى دينه، فآمن به ولازمه أينما ذهب.
ويبدو أن الإسرائيليين ألفوا المعصية، فكثر فيهم الأنبياء، يدعونهم على دين موسى ﵇ وبمنهج الله الذي كان الوحي ينزل به على كل نبي؛ تجديدا لما ضيعوه وتصحيحا لما حرفوه، وظلوا على ذلك، لم يخلصوا لله صادقين؛ ولذلك تتابع الأنبياء والرسل فيهم، وكلما جاءهم رسول وجدهم على غير الحق، بعيدين عن الصواب، فإذا آمنوا بأحدهم انتكسوا بعده، وهكذا كان حالهم بعد اليسع، فإنهم ظلوا يؤمنون بدعوته ويعظمونه حتى قبضه الله تعالى، فعادوا إلى الكفر والضلال.
يقول ابن كثير: "لما قبض الله اليسع خلف فيهم الخلوف، وعظمت الأحداث والخطايا, وكثر الجبابرة، واعتدوا على الحرمات"١.
стр. 442
داود ﵇
النقطة الأولى: حالة الإسرائيليين قبل بعث داود
...
٢٠- داود ﵇:
داود ﵇ من أنبياء بني إسرائيل، وبه بدأ عصر الإسرائيليين الذهبي, فأسسوا مملكتهم، وصار لهم سلطان وحكم، وقد بدأت شهرة داود ﵇ قبل مبعثه؛ لأنه عُرف بالشجاعة والإقدام، وشارك قومه في حروبهم ... والحديث عن داود ﵇ يحتاج إلى دراسة النقاط التالية:
النقطة الأولى: حالة الإسرائيليين قبل بعث داود
كما تمرد اليهود على وحي الله مع موسى ﵇ تمردوا عليه بعده، وكثر فيهم الأنبياء، وتتابع نزول الوحي.
واستمر بحثهم عن الملك والسيادة، طوال عهدهم مع الأنبياء، وكانوا يربطون كل دعوة بهذه القضية، فإذا جاءهم من يدعوهم إلى إله وشريعة خاصة بهم, يعلون على غيرهم بواسطتها، أطاعوه، وإن دعاهم إلى دين صحيح متجرد من العنصرية، والخصوصية، طغوا وبغوا.
إنهم يريدون دينا، يعلون به من غير تعب أو عمل؛ ولذلك قالوا لموسى ﵇ حين طلب منهم دخول الأرض المقدسة التي كتبها الله لهم، ومقاتلة الجبابرة الموجودين فيها، ليحلوا محلهم، قالوا: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ١.
стр. 443
قضى الله عليهم أن يتيهوا في البرية أربعين عاما، كما قال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِين﴾ ١، وفي مدة التيه توفي موسى وهارون ﵉ وتولى الحكم فيهم رجل قوي سار بهم إلى الأرض المقدسة، وتمكن من فتحها وطرد الجبابرة، وكان عليهم أن يشكروا الله على هذا الفتح الذي انتظروه طويلا، ويبرزوا شكرهم بطاعة الله، لكنهم عصوا ما أمرهم الله به، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ، فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ٢, قيل لهم: ادخلوها ساجدين، فدخلوها بظهورهم، وقيل لهم: قولوا: حطة, فقالوا: حنطة.
واستمرءوا المعصية، وغالوا فيها، فعاقبهم الله، وأنزل عليهم عذابا من السماء، وسلط عليهم ملكا ظالما، هو جالوت، فأذلهم وقتل كثيرا من رجالهم، وطردهم من الأرض المباركة، التي جاءوها مع يوشع بن نون، واستولى على أموالهم وممتلكاتهم ... وتعاقب عليهم عدد من الأنبياء، يجددون لهم دعوة موسى ﵇ وذات يوم شعروا بذنوبهم، وتبين لهم أنهم لن يخرجوا من الذل والهوان، إلا بشيء من الشجاعة والإباء، فجاءوا إلى نبي زمانهم، وطلبوا منه أن يبعث الله لهم ملكا، يقودهم لقتال جالوت، ويجمع كلمتهم، ويرفع من شأنهم، ويعيد لهم شيئا من كرامتهم الضائعة.
وقد جاءوا يطلبون ذلك من النبي؛ لأن النظام في بني إسرائيل أن يكون النبي من بيت، والملك من بيت آخر، والنبي يوجه، والملك يسوس ويحكم بتوجيه النبي.
стр. 444
رد عليهم النبي وهو يعرف طبائعهم: ألا تتوقعون أن تقعدوا عن الجهاد إذا فرض عليكم وأنتم الذين طلبتموه, وتحمستم له؟!
فأجابوه بأن مصلحتهم في الجهاد, وأن القعود عنه هوان وذل، ولا بد لهم منه بعدما أخرجوا من ديارهم وأموالهم، وأكدوا عزمهم وإصرارهم، فلما فرض عليهم نكصوا، ورجعوا إلا قليلا منهم.
يقول الله تعالى مصورا طلبهم القتال، وموقفهم منه بعد فرضه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ ١.
اختار الله لهم رجلا, يتمتع بالعلم الواسع، والقوة البدنية، هو طالوت، فلما علموا به اعترضوا لسببين:
الأول: فقر طالوت؛ لأنه معروف بينهم بقلة المال، ورأوا أن هذا يصرف الأغنياء عن الاشتراك في القتال تحت قيادة طالوت.
الثاني: أنه رجل من العامة، فليس هو من سلالة الملوك، أو من سلالة الأنبياء، وتصوروا أنه بذلك لا يصح أن يكون ملكا مطاعا، فأخبرهم نبيهم أن ذلك اختيار الله العليم بكل شيء، الحكيم, القادر، والخير كله في اختيار الله تعالى، وقد رزق الله طالوت بسطة في العلم والجسم، ومشيئة الله نافذة لا يصح معارضتها، يقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ
стр. 445
اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ١.
إن طالوت رجل اختاره الله، فهذه واحدة، وزاده بسطة في العلم، والجسم ... وهذه أخرى، وهو سبحانه يؤتي ملكه من يشاء ... والله واسع عليم، ليس لفضله مانع، وهو العليم بالخير، يضع كل أمر في موضعه الصحيح.
وكعادة الإسرائيليين في الجدل والمراء، عادوا مرة أخرى إلى نبيهم، وطلبوا منه أن يظهر طالوت آية من الله، تبين اختياره ملكا عليهم، وكأنهم بذلك يكذبون نبيهم في خبره لهم، قال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٢.
وهذا التابوت هو الذي وضع فيه موسى الألواح يوم أن جاء بها من عند الله، وعرفهم نبيهم أن التابوت ستحمله الملائكة لهم؛ ليصدقوا، ويؤمنوا، ويجاهدوا عدو الله، وعدوهم تحت إمرة طالوت.
وأتاهم التابوت، وصار اليهود يأتون إليه، ويأخذون ألواحا منه، ويضعون غيرها مكانها، تحريفا لها، حتى لم يبق من الألواح إلا القليل؛ ولذلك أنذرهم الله تعالى بقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ ٣.
стр. 446
جاء طالوت، وأحضر لهم التابوت، بما بقي من ألواح موسى، فبايعوه ملكا عليهم، فدعاهم إلى الجهاد، وقتال أعدائهم الذين أذلوهم، وجهز جيشا كبيرا، سار به إلى عدوه وعدوهم، وأراد طالوت أن يفجأ العدو، وكان بينه وبين عدوه نهر، فأمر جنوده باجتياز النهر بلا شراب، أو استحمام، أو راحة, وعرفهم بضرورة تنفيذ أوامره؛ لأنها من الله، فمن أطاعه ولم يشرب فهو معه، ومن عصاه وشرب فلن يكون معه، وقد قال لهم طالوت ذلك؛ لأنه قادم على معركة، ومعه جيش من المهزومين الأذلاء، أمام جيش قوي، يعتز بانتصاراته وهيمنته، رأى طالوت ضرورة تمتع جنوده بقوة كامنة في الإرادة والعزيمة، بها تضبط الشهوات والنزوات، وتصمد للحرمان والمشاق، وتستعلي على الضرورات، والحاجات ... ورأى طالوت أهمية اختبار صمودهم أمام رغباتهم، وصبرهم أمام متاعهم، وحدد لهم جوانب الابتلاء والاختبار وهم على النهر، وكانوا عطاشا؛ ليتميز الصالح من غيره.
قال لهم طالوت ذلك، لكنهم خالفوه، فشربوا، وارتووا، واغتسلوا، فطردهم لعدم صلاحيتهم للمهمة القادمين عليها ... ودلت التجربة على أهمية الاختبار العملي، وعدم الاكتفاء بالنية اللفظية.
طرد طالوت المخالفين, وأبقى الذين أطاعوه ولم يشربوا رغم قلتهم، فلما اقترب اللقاء نظر فريق ممن كانوا معه إلى الأعداء، ورأوهم كثرة فهابوهم، وخافوا من لقائهم، فرد عليهم المؤمنون الصادقون قائلين: إن الله تعالى ينصر الفئة القليلة المؤمنة الصابرة على الفئة الكثيرة الظالمة، ونصر الله غالب، وهو على كل شيء قدير.
والتحم الفريقان، وسأل المؤمنون النصر من الله، ورجوه أن يلهمهم الصبر، ويثبت أقدامهم أمام الفئة الباغية، واشتد القتال، وكان داود ﵇ شابا يافعا، اشترك في المعركة، وحمل مقلاعا، ووضع به حجرا، وصوبه نحو جالوت قائد الأعداء، وقذفه فقتله، وبقتل جالوت انهار العدو، وتفرق جنده، وانتصر طالوت ومن معه, يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ
стр. 447
بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ، وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ١.
تؤكد الآيات أن النصر كان من عند الله، وبإذن منه ... وتبرز الآيات دور داود، مع أنه كان فتى من بني إسرائيل، وجالوت كان ملكا قويا، وقائدا مخوفا, وجبارا مرعبا ... لكن الله شاء أن يرى القوم بأعينهم، ويشاهدوا بحواسهم، أن الأمور لا تجري بظواهرها، إنما تتم بحقائقها ومقاديرها، وحقائقها ومقاديرها في يد الله وحده، وقد أراد الله سبحانه أن يرى الناس مصرع الجبار "جالوت" على يد فتى صغير؛ ليعلموا أن الجبابرة -وإن تعاظموا- ضعاف, ضعاف أمام قدرة الله النافذة، وهناك حكمة أخرى مغيبة، فقد أراد الله لداود ﵇ أن يستلم الملك بعد طالوت، ويجمع الملك مع النبوة، ويبدأ مع الإسرائيليين عهدا جديدا، جزاء وفاقا لما أبدوه من عودة صحيحة لله، في نفوسهم وعملهم، ساعة أن أقدموا على محاربة عدوهم مع طالوت.
جاء في تفسير القرطبي: "أن طالوت كان أعلم رجل في بني إسرائيل،
стр. 448
وأجمله، وأتمّه، فما كاد نظر النبي يقع عليه، حتى وقع في قلبه أنه هو الذي أوحى الله إليه بتمليكه، وأنه أرسله إليه ليحمله الزعامة، ولواء الجهاد، فلما كلفه، قال طالوت: وما أنا والملك, فإني من سبط بنيامين، وإني فقير؟ فقال له: هذه إرادة الله، وذاك أمره، فاشكره، وأطع بما كلفك به"١.
وفي الآيات درس له أهميته, وهي في شخصية طالوت القيادية، فقد اختاره الله بسعة في العلم، وقوة في البدن، وهما صفتان أساسيتان في القائد، فهو بعلمه يخطط ويأمر, ويراقب وينفذ، وبقوته البدنية يتحمل ويصبر، ويقدم ويضرب، ولقد أبدى طالوت صلابة ظاهرة في قيادته، حيث اختبر جنوده وهم عطاش بأن أمرهم بعدم الشرب من الماء، وهو اختبار صحيح وتدريب على الطاعة والإقدام، ولم يتردد طالوت في طرد الذين شربوا الماء، وخالفوا أوامره.
وانتصر طالوت بالمؤمنين، الذين يتيقنون أن النصر من عند الله تعالى.
وإن في قصة طالوت درسا بليغا للأمة الإسلامية؛ لتعلم, وتتيقن أن القوة كلها تكمن في قوة الإيمان، وصدق الاعتقاد، وخلوص النية، والقصد لله رب العالمين, يقول تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٢. ومن الآيات ندرك شيئا عن طبائع القوم الذين بعث فيهم داود ﵇ فهم قوم جبناء، يخافون لقاء عدوهم، وينتظرون النصر بواسطة غيرهم. وهم جماعة محبة للسلطة، والمال، والملك، وكان هذا الحب محركا لهم للجهاد، إلا أن الجبن كان يمنعهم.
وهم أناس تعودوا مخالفة دين الله؛ ولذلك عملوا على تحريف التوراة وتبديل الألواح.
стр. 449
وهم شعب لا عهد لهم، ولا ميثاق، طلبوا ملكا يقاتلون به أعداءهم، فلما جاءهم نكصوا, وخالفوا.
وهم أمة حاسدة، لا تتصور أمة أخرى أعلى منها؛ ولذلك قالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ ١.
стр. 450
النقطة الثانية: التعريف بداود ﵇
مدخل
...
النقطة الثانية: التعريف بداود ﵇
داود ﵇ من سلالة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم, عليهم الصلاة والسلام.
تميز بالشجاعة منذ صغره، واشترك مع المؤمنين في جيش طالوت، ووفقه الله تعالى، وقتل جالوت، وكان عاملا رئيسيا في هزيمة جيش العماليق، والقضاء على سلطانهم في بيت المقدس، وأعاد للإسرائيليين وطنهم المفقود.
أحب الإسرائيليون داود، واتخذه طالوت مستشارا له، فكان لا يقضي أمرا دونه, وزوجه ابنته، مع أنه ليس إسرائيليا، وصار عونه في كل ما قام به.
فلما مات طالوت، انتقل الملك إلى داود، وقدر الله له أن يجمع بين الملك والنبوة.
وليس بصحيح ما رواه المؤرخون١ من أن الملك انتقل إلى داود بعد صراع طويل مع طالوت؛ لأن طالوت اختيار الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ , ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ ... وداود ﵇
стр. 451
﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ، وليس بمتصور أن يتصارعا إذًا، فهما اختيار الله واصطفاؤه, ومحال أن يصطفي الله أناسا تعمل ما ليسوا له بأهل؟؟؟
وداود ﵇ هو أول من جمع بين الملك والنبوة، يقول تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ ١، ويقول سبحانه: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ ٢.
وكان الأمر قبله أن تكون النبوة في بيت والملك في بيت آخر، لكن الله أكرم داود ﵇ فجمع له بين الاثنين، وضم لهما القضاء، والفصل بين الناس.
وقد اختار الله داود ﵇ رسولا إلى بني إسرائيل، وأنزل عليه الزبور، يقول تعالى: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ ٣, وداود من الرسل الذين فضّلهم الله تعالى، ولو قارناه بأنبياء بني إسرائيل لبان فضله، وظهرت منزلته العالية.
وأيده الله تعالى بالمعجزات العديدة؛ لتكون دليل صدقه أمام قومه، ومن أهم هذه المعجزات:
стр. 452
١- تليين الحديد له:
فكان يفتله بيده كحبل القطن، يقول تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ ١, ويقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ، أَنِ اعْمَلْ
стр. 453
سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ١، وذلك أن داود ﵇ قد أعانه الله على عمل الدروع من الحديد، وأرشده الله إلى صناعتها, وصنعة اللبوس هي صناعة الدروع، وكانت قبله تصنع من الصفيح، قطعة واحدة، فلما لان الحديد له، صنعها ﵇ حلقا من الصلب الشديد، في هيئة رقائق متموجة لينة، والسابغات هي الدروع، وقد أمره الله تعالى بأن يقدر في السرد، بمعنى فتح الحلقة على قدر المسمار، فلا تتسع عنه، ولا تضيق عنه.
стр. 454
٢- تأويب الجبال والطير معه:
يقول الله تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ، إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ، وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ ٢، وذلك أن الله تعالى وهبه حلاوة الصوت، وجمال النطق، فكان ﵇ إذا قرأ شيئا من كتابه "الزبور" يقف الطير في الهواء، يرجع بترجيعه، ويسبح بتسبيحه، وكانت الجبال تجيبه، وتسبح معه، وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ سمع أبا موسى الأشعري ﵁ يقرأ القرآن, فقال له: "لقد أُوتيتَ أبا موسى مزمارا من مزامير داود" ٣.
والآية تصور فضل داود ﵇ وأنه قد بلغ من الشفافية والتجرد لله حدا انزاحت الحجب أمامه، فالتقت معه الكائنات، وانمحت الفواصل بين المخلوقات، وسبح الطير والجبل معه، وأخذ كل منهم يتصل بالآخر في التسبيح، والحمد، والدعاء، يسمع, ويفهم، ويرجع، ويعيد، وتلك درجة لا ينالها إلا المقربون.
стр. 455
وقد تميز داود ﵇ بعدد من الخصائص:
الأولى: العبادة الدائمة
يقول تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ١، يقول ابن عباس: ﴿ذَا الْأَيْدِ﴾ أي: صاحب القوة في الطاعة، وقال قتادة: أعطي قوة في العبادة، فكان يقوم الليل، ويصوم نصف الدهر. وعن وهيب بن الورد أن داود ﵇ جعل ليله كله نوبا عليه، وعلى أهل بيته، لا تمر ساعة من الليل إلا وفي بيته مصلٍّ لله٢.
يقول النبي ﷺ : "كان داود أعبد البشر" ٣، ويقول ﷺ : "أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، ويصوم يوما، ويفطر يوما" ٤.
الثانية: الشجاعة والقوة
تميز داود ﵇ منذ صغره بالشجاعة، فلقد اشترك في شبابه مع طالوت والقوم يفرون، وتمكن من قتل جالوت، وساهم مع المنتصرين في إعادة الكرامة لشعب إسرائيل المطرود.
ومكن الله له من صناعة الدروع، وألان له الحديد؛ ليستفيد به في صناعات عديدة عسكرية، وعمرانية، وزراعية، وغيرها.
ولما بعثه الله نبيا، وجعله ملكا، مكن له من البأس والقوة، يقول تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ ٥.
стр. 456
الثالثة: الحكم والقضاء
تميز داود بالحكمة والقضاء بين المتخاصمين، ويقصده المتخاصمون لشدة عدله، ودقته في فهم الموضوع، وتناول أطرافه جميعا، حتى إنه ﵇ اعتبر نفسه ظالما، يوم أن حكم على صاحب الغنم قبل أن يناقش حجته الحقيقية: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ، فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ١.
ويمكننا من خلال الآيات التي تحدثت عن معجزات داود ﵇ ومزاياه، أن نحدد ملامح دعوته فيما يلي:
١- دعا قومه إلى التوحيد، وجدد لهم دعوة موسى ﵇ وكان الوحي ينزل عليه بتعاليم الله، وقد أبقاه لقومه في كتابه المقدس "الزبور".
٢ - دعاهم إلى الشريعة، والعمل الصالح، قال تعالى: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٢، وطلب منهم ضرورة الطاعة لشكر الله، يقول تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ ٣، ويقول تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ ٤.
٣- كان شديد الإنكار على كل مخالف لحكم الله، معتدٍ على حدوده
стр. 457
ظالم لنفسه بالشرك، أو بالبغي، أو بالمعاصي، يقول تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ١.
وقد وهب الله لداود ﵇ ولده سليمان، لتستمر النبوة، والملك في ولده، وقربه إليه، يقول تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّاب﴾ ٢، ويقول تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ٣.
стр. 458
وفاة داود ﵇:
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كان داود ﵇ فيه غيرة شديدة, فكان إذا خرج أغلقت الأبواب فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع, قال: فخرج ذات يوم وغلقت الدار فأقبلت امرأته تتطلع إلى الدار, فإذا رجل قائم وسط الدار فقالت لمن في البيت: من أين دخل هذا الرجل والدار مغلقة؟! والله لتفضحن بداود، فجاء داود فإذا الرجل قائم وسط الدار, فقال له داود: من أنت؟ فقال: أنا الذي لا أهاب الملوك، ولا أمنع من الحجاب، فقال داود: أنت والله إذن ملك الموت، مرحبا بأمر الله، ثم مكث حتى قبض روحه، فلما غسل وكفن وفرغ من شأنه, طلعت عليه الشمس، فقال سليمان للطير: أظلي داود، فأظلته الطير حتى أظلمت عليه الأرض، فقال سليمان للطير: أقبضي جناحا".
стр. 459
قال أبو هريرة: فطفق رسول الله ﷺ يرينا كيف فعلت الطير، وقبض رسول الله ﷺ بيده١، وغلبت عليه يومئذ المضرحية٢.
وروي عن بعضهم أن ملك الموت جاءه وهو نازل من محرابه، فقال له: دعني أنزل أو أصعد، فقال: يا نبي الله، نفدت السنون، والشهور، والآثار، والأرزاق، قال: فخر ساجدا على مرقاة له من تلك المراقي, فقبضه وهو ساجد، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
ويقال: إنه ﵇ دفن في بيت لحم٣.
стр. 460
النقطة الثالثة: داود ﵇ والقضاء
مدخل
...
النقطة الثالثة: داود ﵇ والقضاء
كان داود ﵇ يباشر القضاء بنفسه، وكان يقسم أيامه أربعة أقسام؛ يوما للعبادة في المحراب، ويوما يجلس في الديوان للحكم والقضاء، ويوما للدعوة والإرشاد، ويوما يخدم فيه نفسه.
وكان ﵇ في قضائه متميزا بالعدل والإنصاف، يعطي لكل ذي حق حقه، لا يميل لطرف، ولا ينحاز لفريق لحساب فريق، وكان الله يمده بالعون والتوفيق في مهامه جميعا، ويهديه للهدى والرشاد.