← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 10752

دعوة الرسل عليهم السلام

أحمد أحمد غلوش

Полный текст (652 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الثالثة: الحكم والقضاء تميز داود بالحكمة والقضاء بين المتخاصمين، ويقصده المتخاصمون لشدة عدله، ودقته في فهم الموضوع، وتناول أطرافه جميعا، حتى إنه ﵇ اعتبر نفسه ظالما، يوم أن حكم على صاحب الغنم قبل أن يناقش حجته الحقيقية: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ، فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ١. ويمكننا من خلال الآيات التي تحدثت عن معجزات داود ﵇ ومزاياه، أن نحدد ملامح دعوته فيما يلي: ١- دعا قومه إلى التوحيد، وجدد لهم دعوة موسى ﵇ وكان الوحي ينزل عليه بتعاليم الله، وقد أبقاه لقومه في كتابه المقدس "الزبور". ٢ - دعاهم إلى الشريعة، والعمل الصالح، قال تعالى: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٢، وطلب منهم ضرورة الطاعة لشكر الله، يقول تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ ٣، ويقول تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ ٤. ٣- كان شديد الإنكار على كل مخالف لحكم الله، معتدٍ على حدوده

стр. 457

ظالم لنفسه بالشرك، أو بالبغي، أو بالمعاصي، يقول تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ١. وقد وهب الله لداود ﵇ ولده سليمان، لتستمر النبوة، والملك في ولده، وقربه إليه، يقول تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّاب﴾ ٢، ويقول تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ٣.

стр. 458

وفاة داود ﵇: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كان داود ﵇ فيه غيرة شديدة, فكان إذا خرج أغلقت الأبواب فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع, قال: فخرج ذات يوم وغلقت الدار فأقبلت امرأته تتطلع إلى الدار, فإذا رجل قائم وسط الدار فقالت لمن في البيت: من أين دخل هذا الرجل والدار مغلقة؟! والله لتفضحن بداود، فجاء داود فإذا الرجل قائم وسط الدار, فقال له داود: من أنت؟ فقال: أنا الذي لا أهاب الملوك، ولا أمنع من الحجاب، فقال داود: أنت والله إذن ملك الموت، مرحبا بأمر الله، ثم مكث حتى قبض روحه، فلما غسل وكفن وفرغ من شأنه, طلعت عليه الشمس، فقال سليمان للطير: أظلي داود، فأظلته الطير حتى أظلمت عليه الأرض، فقال سليمان للطير: أقبضي جناحا".

стр. 459

قال أبو هريرة: فطفق رسول الله ﷺ يرينا كيف فعلت الطير، وقبض رسول الله ﷺ بيده١، وغلبت عليه يومئذ المضرحية٢. وروي عن بعضهم أن ملك الموت جاءه وهو نازل من محرابه، فقال له: دعني أنزل أو أصعد، فقال: يا نبي الله، نفدت السنون، والشهور، والآثار، والأرزاق، قال: فخر ساجدا على مرقاة له من تلك المراقي, فقبضه وهو ساجد، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم. ويقال: إنه ﵇ دفن في بيت لحم٣.

стр. 460

النقطة الثالثة: داود ﵇ والقضاء مدخل ... النقطة الثالثة: داود ﵇ والقضاء كان داود ﵇ يباشر القضاء بنفسه، وكان يقسم أيامه أربعة أقسام؛ يوما للعبادة في المحراب، ويوما يجلس في الديوان للحكم والقضاء، ويوما للدعوة والإرشاد، ويوما يخدم فيه نفسه. وكان ﵇ في قضائه متميزا بالعدل والإنصاف، يعطي لكل ذي حق حقه، لا يميل لطرف، ولا ينحاز لفريق لحساب فريق، وكان الله يمده بالعون والتوفيق في مهامه جميعا، ويهديه للهدى والرشاد.

стр. 461

وكان الله يبين له الصواب إذا أخطأ، وكان ﵇ رجّاعا، يعود للحق إذا عرفه، ولا يعتز بحكم أصدره، ما لم يكن وحيا. وفي مجال معونة الله لداود ﵇ وإرشاده إلى الصواب, نورد ثلاثا من القضايا التي أصدر فيها حكما، ثم عدل عنه، بعد أن أظهر الله له الحق، والصواب.

стр. 462

الحادثة الأولى: حادثة الغنم في يوم عبادة داود ﵇ فوجئ وهو في المحراب برجلين, يدخلان عليه من فوق سور المحراب ليلا، ففزع منهما؛ لأنه تصورهما جاءا لقتله، وهم بالدفاع والقتال، فهدآ من روعه، وعرفاه بأنهما خصمان، اختصما في غنم بينهما، وطلبا منه الحكم بينهما، بما عرف عنه من دقة، وعدل، ورجواه ألا يظلم أحدهما، وأن يدلهما على الحكم العادل المستقيم، يقول تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ ١. هدأت نفس داود ﵇ وذهب عنه الروع، وجلس يسمع لهما، فقال المدعي: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ ٢, وضح المدعي الصلة بينه وبين المدعى عليه، وهي أنهما أصدقاء، وعلى دين واحد، وقال: إن المدعى عليه أراد أخذ نعجتي، وغلبني ببلاغته، وسلطانه ... ويبدو أن المدعى عليه أقره على ما ادعى, فأصدر داود حكمه بعد أن عرف الدعوى، وسمع إقرار المدعى عليه ... وكان ﵇ أن يستقصي في البحث، ويسأل المدعي: من أين له هذه النعجة الواحدة؟ فلربما سرقها من المدعى عليه "وهو الذي كان". حكم داود ﵇ بعد إقرار المدعى عليه، وشعر بأنه تعجل، وأدرك أن هذا ابتلاء من الله، فاستغفر الله، وخر ساجدا، واستمر على سجوده حتى غفر الله له

стр. 463

وقربه إليه، وعرفه بحسن المنزلة في الجنة، يقول تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ، قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ ١. إن القضية حقيقة كظاهرها، فالرجلان من الإسرائيليين، ولأحدهما تسع وتسعون نعجة، وللثاني نعجة واحدة، إلا أن الثاني سرق هذه النعجة من أخيه الأول, فأراد الأول أن يأخذ نعجته بحيلة، ولذا أقر بالدعوى التي عرضها صاحب النعجة الواحدة، ولم يشر إلى سرقة أخيه للنعجة، حياء وخلقا. تعلم داود ﵇ من هذه الحادثة ضرورة الاستقصاء في موضوع الدعوى، وهو ما يعرف بالتحري والشهود، وأخذ رأي الخبراء؛ ولذلك استغفر ربه على تعجله، ورجع عنها، وقبل الله توبته، وغفر له. ولا يصح أن يقال: إن داود أخطأ في عدم سماع رأي المدعى عليه؛ لأنه أمر لا يتصور من داود ﵇ فسماعه رأي الطرفين من بدهيات التقاضي، ولا يخطئ فيها داود ﵇ لكثرة خبرته، وإنما الخطأ كان في تسرعه؛ لأنه رأى الظلم بينا أمامه. وفي القصة روايات لا تقبل في حق نبي الله داود ﵇ ولا يمكن تصورها لأنها تتعارض مع عصمة رسل الله تعالى؛ ولذا نوردها في الهامش موجزة٢.

стр. 464

الحادثة الثانية: أكل الزراعة أقبلت غنم ليلا على مزرعة، ليس معها راعيها، فأفسدت الزرع، وأتت عليه، فاحتكم أصحاب الزراعة إلى داود ﵇ قائلين له: يا نبي الله, إنا حرثنا أرضنا وزرعناها، وتعهدناها حتى إذا آن أوان حصادها، جاءت غنم هؤلاء القوم ليلا، فانتشرت في زرعنا، وأكلته حتى لم يبق منه شيء، فقال داود لأصحاب الغنم: أحقا ما يقول هؤلاء؟ قالوا: نعم.

стр. 465

فقال لأصحاب المزرعة: كم تقدرون ثمنا لزرعكم؟ فذكروا له الثمن ... فقال لأصحاب الغنم: كم تقدرون ثمنا لغنمكم؟ فذكروا له الثمن. رأى داود ﵇ أن الثمنين متقاربان، فقال لأصحاب الغنم: ادفعوا أغنامكم إلى أصحاب المزرعة؛ تعويضا لهم عن زرعهم. وهذا الحكم يؤدي إلى فقدان أصحاب الغنم كل شيء، وإلى حصول أصحاب الزرع على الأرض، وعلى الغنم معا. وهنا يلهم الله سليمان بن داود الحكم الصحيح، فيستأذن أباه في إظهار حكمه، فيأذن له, فيقضي بأن يقوم أصحاب الأرض برعي الغنم، ويقوم أصحاب الغنم بزراعة الأرض، فإذا ما جاء وقت الحصاد، تسلم أصحاب الأرض أرضهم بزرعها، وتسلم أصحاب الغنم غنمهم بتمامها ... وبهذا يأخذ كل طرف حقه كاملا, فإن قيل: فما بال أصحاب الأرض يرعون الغنم لأصحابها؟ نقول: يرعونها ويأخذون صوفها، ولبنها، ونتاجها، جزاء عملهم. رضي الجميع بهذا الحكم، وسعد به داود ﵇ وحكم به, وعاد عن حكمه الأول. وهذا الحكم من تفهيم الله لسليمان، فهو سبحانه مطلع على كل شيء، يقول تعالى عن هذه الحادثة: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ ١. يقول الحسن: لولا هذه الآية لهلك القضاة؛ لأن الله تعالى أثنى على سليمان بصوابه، وأثنى على داود باجتهاده، وأمد كلا منهما بالعلم والحكمة.

стр. 466

الحادثة الثالثة: التنازع حول الولد كان لامرأتين ولدان، جاء الذئب وأخذ أحدهما، فتنازعا حول الثاني، كل منهما تريده لنفسها، فاحتكما إلى داود ﵇ فحكم به للكبرى ... فاستأذن سليمان أباه، وأتى بالمرأتين، وقال لهما: هاتوا سكينا أشقه بينكما نصفين، فوافقت الكبرى ورفضت الصغرى، وانزعجت, وقالت: يرحمك الله، هو ابنها، أعطه لها، لا تشقه، فحكم به للصغرى؛ لأنه عرف أنها أمه، فرجع داود عن حكمه، وحكم بما رآه ولده سليمان. أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت صاحبتها: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك, فتحاكما إلى داود، فقضى به للكبرى, فخرجتا على سليمان بن داود، فأخبرتاه, فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: لا تفعل، يرحمك الله، هو ابنها، فقضى به للصغرى" ١. وإنما حكم داود للكبرى؛ لأن الولد كان في يدها، وليس مع الصغرى بينة, وهذا جارٍ على القواعد الشرعية، وأما سليمان فقد احتال بإذن من أبيه بحيلة لطيفة، أظهرت ما في نفس كل منهما، ووصل للحق بظهور جزع الصغرى الدال على شفقتها، ولم يلتفت إلى إقرارها بأنه ابن الكبرى؛ لأن إقرارها خوف عليه، وإيثار لحياته بدافع أمومتها. ومن هذه القصص الثلاث تظهر فوائد، لا بد منها لكل حاكم يقصد العدل ويعمل له، وأهمها:

стр. 467

١- عدم التسرع في الحكم، واستقصاء البحث والتحري، ومحاولة معرفة كافة جوانب القضية، حتى لا يترك جانب له أهميته في الحكم. ٢- ضرورة المحافظة على الحقوق الأساسية والعامة، لكل منهم؛ لأن لكل تهمة عقوبة لا تتعداها، ومن الظلم للإنسان أن يعاقب بغير ما يستحقه، أو يعاقب بذنب غيره، أو ينظر إليه إذا ارتكب جرما واحدا كأنه ارتكب جرائم الدنيا كلها. ٣- ضرورة فطنة القاضي؛ ليكتشف الحقيقة بالأسئلة المتعددة، ليتمكن من محاصرة المتهم حتى يقر بالواقع الحقيقي. وليعلم الجميع أن العدل أساس الملك، وبه تدوم السعادة للجميع ...

стр. 468

النقطة الرابعة: ركائز الدعوة في قصة داود ﵇ الركيزة الأولى: شجاعة الداعية ... النقطة الرابعة: ركائز الدعوة في قصة داود ﵇ في قصة داود ﵇ دروس وعبر عديدة، يمكن للدعاة أن يستفيدوا بها، وهم يتحركون بالدعوة، ويبلغونها للناس، وهذه الدروس ركائز نسوقها للدعاة، ومن أهمها: الركيزة الأولى: شجاعة الداعية الداعية الفاهم لرسالته، المتمسك بالحق، الذي يدرك أنه يعمل لله تعالى، عليه أن يكون شجاعا في عرض الحق، وفي الدفاع عنه؛ لأن الشجاعة قوة دافعة، تظهر قوة الإيمان، وتؤكد قناعة الداعية بما يعمل له. والشجاعة تجعل لصاحبها ذكرا حسنا بين الناس؛ لأنها تكون في خدمة مصالحهم، وسعادتهم.

стр. 469

والشجاعة تتحول بصاحبها إلى عادة ترزقه القدرة على عرض الدعوة على جميع الناس، لا يهاب فريقا، ولا يهرب من ملاقاة آخر, وبذلك يقوم بواجب الدعوة إلى الله. والشجاعة جرأة، وإقدام عند الحاجة إليها ... ولذلك لزم أن يلتزم الدعاة بآدابها، وأخلاقها. إن التهور، والاندفاع، والعدوان، وإظهار الإقدام فيما لا يفيد, ليس من الشجاعة في شيء. وعلى الشجاع أن يعد للأمر عدته كما فعل داود ﵇ فقد صنع آلة الحرب، وعمر، وزرع، ونشر العدل، وكون جيشا قويا؛ ولذلك عد عصر داود بداية العصر الذهبي للإسرائيليين.

стр. 470

الركيزة الثانية: حسن عرض الدعوة على الدعاة أن يعرضوا دعوتهم بوسيلة مؤثرة، وبأسلوب مفهوم. انظر إلى القرآن الكريم وهو يعرض قصة طالوت بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ﴾ ... وحين يعرض قصة الخصمين فيقول: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ فهو بالاستفهام يقدم الموضوع كأنه مشاهد مرئي، وكأنه يقول للمستمع: انظر، اسمع. يشير الزمخشري إلى أن الاستفهام يجعل المعنى في صورة المحسوس المفهوم؛ لأنه يبحث عن إجابة عند المستمع١، وهذا في حد ذاته يجعل المستمع يشارك الداعية فيما يريد، ويثير اهتمامه نحو موضوع السؤال. والاستفهامات كثيرة في القرآن الكريم، وعلى ألسنة رسل الله, عليهم صلوات الله وسلامه.

стр. 471

الركيزة الثالثة: التأني في الدعوة يتعجل الدعاة نتائج سعيهم، وليس لهم ذلك، بل عليهم أن يخلصوا في الدعوة، ويتركوا النتائج لله تعالى، وليتجنبوا أن يكتفوا بالرد على اتهامات الآخرين, وعليهم أن يعرضوا دعوتهم بينة واضحة، مع أدلتها وبراهينها، ويتركوا الجدال حولها، فإن جادلهم فريق فلهم دعوتهم الخاصة بهم.

стр. 472

الركيزة الرابعة: تعاون الدعاة على الدعاة أن يتعاونوا على تبليغ الدعوة؛ ليكمل بعضهم بعضا، ويأخذوا درسا من سليمان وداود ﵉ فقد تعاونا في الحكم، ووصلا بأمر الله تعالى إلى الحكم الصحيح. وليتجنبوا التنافس، والتنازع لما له من ضرر عليهم وعلى دعوتهم، وليبتعدوا عن الاختلاف في الفتوى، حتى لا يختلف الناس، ويمكن لهم أن يتدارسوا سويا الفتاوى محل الخلاف؛ ليصلوا إلى حكم يرضونه جميعا، وحينئذ ينتهي الاختلاف وهو الأمر المطلوب.

стр. 473

سليمان ﵇ النقطة الأولى: التعريف بسليمان ﵇ ... ٢١- سليمان ﵇: سليمان ﵇ أحد أنبياء بني إسرائيل، أرسله الله تعالى بعد أبيه داود ﵇. ويعد عصر سليمان ﵇ أزهى عصور الإسرائيليين، فقد أسس لهم المملكة الصالحة بحضارتها الراقية، وكان له ﵇ في الحكم، والملك أحداث وأحاديث، وسوف أتحدث عنه بمشيئة الله تعالى في النقاط التالية: النقطة الأولى: التعريف بسليمان ﵇ سليمان ﵇ هو ابن نبي الله داود ﵇ نشأ في بيت النبوة، وتربى في كفالة الملك، وورث الشجاعة والحكمة عن أبيه. كان سليمان يشارك أباه في أمور الحكم والقضاء, ويساعده في تدبير أمور الدولة، وكان يحكم في بعض القضايا بأدق مما يحكم أبوه، كما حكم في قضية الزرع والغنم١, وقضية التنازع حول الولد٢, ولقد كان داود يرجع لحكمه؛ لظهور صوابه، ودقته. وتوفي داود وعمر سليمان اثنان وعشرون عاما، فورث الحكم، والقضاء

стр. 474

عن أبيه، يقول تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ ١. وقد ورث سليمان الملك والنبوة معا؛ لأنه لو حرم النبوة فقد حرم الخير كله، ولما أمده الله بالمعجزات العظيمة، ذات التأثير الواضح في بناء ملك سليمان ﵇ ولا صحة لمن يثبت له الملك، وينفي عنه النبوة. يقول الكلبي: كان لداود تسعة عشر ولدا، فورث سليمان من بينهم الملك والنبوة، أما المال فقد انقسم على العدد كله. ووراثة النبوة تعبير مجازي؛ لأن النبوة اختيار إلهي محض، والمراد منها هنا أن الله جعل النبوة له بعد أبيه. وقد علم الله سليمان منطق من لا يتكلم؛ من طير، ونبات، وحيوان، وجماد، وآتاه كل ما طلب، وأمده بكل شيء تصوره، فضلا من الله ونعمة. وكان سليمان جديرا بتولي الملك بعد أبيه؛ لحكمته، وحسن تدبيره، وقدرته الفائقة على الفهم، والحكم، والتنفيذ ... وقد أكمل سليمان ما بدأه داود، وشرع في عمارة المسجد كما أوصاه والده، وبنى مدينة "تدمر"، وأقام على بناء الهيكل سبع سنوات، وبنى بيتا للجنود، وأنشأ مصنعا للسلاح، وأسس أسطولا تجاريا كبيرا، يجوب الشرق والغرب، وازدهرت على يديه حضارة ربانية كبيرة، وعاش الإسرائيليون مجدا لم يروه في أي مرحلة من مراحل تاريخهم، ولما بلغ سليمان مبلغ النبوة جاءه وحي الله، فجمع بين الملك، والقضاء، والنبوة كأبيه داود ﵈.

стр. 475

لقد وفى سليمان ﵇ بما كلف به، ودعا قومه إلى الله تعالى، وكان دائم الشكر لله, يدعو ربه أن يعينه على الطاعة، والذكر، والحمد، والثناء على النعم الوافرة التي أعطاها الله له، ولوالديه، وأن يتفضل عليه بإدخاله في عباده الصالحين، يقول تعالى: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ ١. وقد مدحه الله تعالى لصلاحه وتقواه، فقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ٢، وقربه إليه، وجعله من أنبيائه، وخلصائه، في الدنيا والآخرة. وقد استفاد سليمان بمواعظ داود ﵈ في أقواله، وأعماله، وسلوكه، يقول وهب: "لما استخلف داود ابنه سليمان وعظه، فقال: يا بني إياك والهزل، فإن نفعه قليل، يهيج العداوة بين الإخوان، وإياك والغضب؛ فإن الغضب يستخف بصاحبه, وعليك بتقوى الله وطاعته, فإنهما يغلبان كل شيء, واقطع طمعك عن الناس, فإن ذلك هو الغنى, وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر، وإياك وما يُعتَذر عنه من القول، والفعل، وعود لسانك ونفسك الصدق، والزم الإحسان, فإن استطعت أن يكون يومك خيرا من أمسك فافعل، ولا تجالس السفهاء، ولا ترد على عالم ولا تماره في الدين، وإذا غضبت فالصق جسمك بالأرض، وتحول من مكانك، وارج رحمة الله؛ فإنها وسعت كل شيء"٣.

стр. 476

النقطة الثانية: معجزات سليمان ﵇ تسخير الريح ... النقطة الثانية: معجزات سليمان ﵇ سأل سليمان ﵇ ربه أن يهب له ملكا، لا يناله أحد بعده، وبالضرورة لم يشاهده أحد قبله، فاستجاب الله له، وأقام له ملكا عريضا، وحضارة راقية، تعتمد على خوارق العادات التي وهبها الله لسليمان ﵇. وكان على الإسرائيليين أن يتذكروا فضل الله عليهم، وأن يعلموا أن هذه المعجزات لم تظهر لأمة سابقة، ولن تظهر لأمة لاحقة، وأنهم بها تمكنوا من الحياة في إطار أرقى حضارة عرفتها البشرية. لقد كانت المعجزات الحسية في مجملها تأتي مؤقتة، تبهر العقول، وتؤدي وظيفة معينة وتنتهي، كطوفان نوح ﵇ ونار إبراهيم ﵇ وعصا موسى ﵇ وغيرها.... أما معجزات سليمان ﵇ فكانت تصنع حضارة، وتستمر مع سليمان لا تنقطع عنه ما دام حيا، وفي نفس الوقت ينتفع بها كل إسرائيلي يعيش في مملكة سليمان ﵇. إن هذا البروز الواضح لمعجزات سليمان ﵇ ذات النفع المادي الشامل, يتناسب مع العقلية الإسرائيلية في ماديتها، ونفعيتها، واتكالها، وحاجتها الدائمة إلى قوة ليست منهم، تساعدهم، وتعينهم، وترفع شأنهم في أعين الآخرين. ١- تسخير الريح: يقول الله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ

стр. 477

الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ، فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ ٢. ومن الآيات, وأقوال المفسرين نعلم أن الله سبحانه سخّر الريح لسليمان ﵇ خاصة، وأنها كانت ريحا عاصفة، شديدة، قوية، لكنها شدة تفيد ولا تضر؛ ولذا وصفها الله بأنها رخاء، ولينة، وقد بلغ من سرعة الريح أن المسافة التي يسيرها الناس في شهرين مسرعين، تقطعها الريح في يوم واحد مهما كانت حمولتها، التي بلغت أحيانا مئات الألوف بأحمالهم، وعتادهم، في بعض الأوقات. وكانت الريح تتحرك بأمر سليمان، وتتجه حيث يريد، واستمرت في طاعتها، وخضوعها لسليمان طيلة حياته كلها ﵇. وكانت الريح تجري في كل الأرض التي باركها الله, وهي مملكة سليمان ﵇ الممتدة من خليج العقبة إلى شط الفرات، وكانت الريح تسوق الماء إلى الجهة التي يشاؤها سليمان، كما كانت تحرك السحاب إلى ما يأمر به سليمان لتمطر فيه، وأيضا كان لهبوب الريح دور في توجيه السفن إلى الموانئ التي يريدها سليمان؛ ولذلك كان اتجاه الريح خاضعا لتوجيهاته ﵇. ولكن ... ما هي الفائدة التي قدمتها الريح المسخرة في مملكة سليمان ﵇؟ وهل استفاد بها الإسرائيليون؟ وما دورها في الحضارة؟

стр. 478

يقول القرطبي: كان سليمان ﵇ لا يقعد عن الغزو، فإذا علم قوما يعادون الله في الأرض أرسل إليهم، واستعد لهم، وسار إليهم غازيا، تحمله الريح إلى حيث يريد، وكان إذا أراد وجهة ما, أحضر فراشا، وجعل عليه الناس، والدواب، وآلة الحرب، ثم يأمر الريح فتحمل الجميع إلى حيث يريد١. يروي سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان سليمان إذا جلس نصبت حواليه أربعمائة ألف كرسي، فيجمع الإنس والجن جميعا عليها، وتقلهم الريح حيث يشاء٢. فهل وصلت الإنسانية إلى شيء من هذا؟! وسيلة نقل جبارة، تنقل المجتمع كله في لحظة واحدة، في يسر، وأمان ... لقد استفاد الإسرائيليون بهذه المعجزة، وصارت الأرض كلها تحت أيديهم يذهبون، ويرجعون حيث يريدون. يروي المؤرخون أن سليمان ﵇ كان يركب الريح، ويمر على البلاد والقرى، وينزل حيث يريد، بلا مطار يعد، أو استقبالات تجهز، أو نفقات تبذل ... وبذلك استراح الناس، ونهض المجتمع. إن الحضارة الحديثة تفتخر بعملياتها الاتصالية، وباختراعاتها المتنوعة من طيران وسفن، وأقمار صناعية، وأشكال الاتصالات السلكية، واللاسلكية ... ومع ذلك لا يمكن لأي عقل أن يتصور حضارة اقتربت من حضارة سليمان ﵇ ... إن جيش سليمان المكون من مئات الألوف كان ينقل بعتاده إلى ميدان المعركة في ساعات قليلة، بدون أدنى جهد، أو حدوث أي خطأ، لم تسقط له طائرة، أو تصطدم بغيرها ... وكانت الريح تحمل له أحاديث الناس وكلامهم.

стр. 479

لقد كان سليمان يركب الريح، ويتجول في أرجاء مملكته، يطمئن على رعيته، ركب الريح مرة، فمر بحرّاث، وحملت الريح إليه كلامه وهو يقول: لقد أوتي آل داود ملكا عظيما ... فنزل وأتى الحراث، وقال له: إني سمعت قولك، وإني جئت إليك؛ لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه، لتسبيحة واحدة يقبلها الله منك لخير مما أوتي آل داود، فقال الحراث: أذهب الله همك كما أذهبت همي١.

стр. 480

٢- تسخير الجن: يقول تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ ٢، ويقول تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ، وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ ٣. من الآيات، ومن أقوال المفسرين نفهم أن الله تعالى سخر الجن كله لسليمان ﵇ يوجههم لما يشاء من الأعمال، وقد أقدره الله عليهم وحكمهم، وأدار شئونهم، وكلفهم بأعمال نافعة للمملكة، حيث جعل منهم طائفة تبني وتعمر، وتشيد الصروح العالية الرائعة، ومن أعمالهم في فن العمارة، ما أقاموه له من أماكن طيبة للعبادة، وهي المحاريب، كما نقشوا له الصور الجميلة على الجدر، وهي التماثيل، وكان عملها مباحا في شريعة سليمان ﵇ وبنوا له الحياض لحفظ الماء،

стр. 481

وهي الجفان، وأنشئوا الأواني، والصوامع الثابتة، وهي القدور الراسيات، يقول الله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ ١. كما كلف سليمان طائفة أخرى من الجن بالغوص في الماء لاستخراج اللؤلؤ والمرجان، ومختلف الجواهر واللآلئ، وهو ﵇ أول من وصل إلى استخراج اللؤلؤ من البحر، يقول تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ، وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ ٢، ويقول تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ ٣. وكان ﵇ يوجه الجن إلى الأعمال المختلفة، فيقومون بها، مستفيدا بما يتمتعون به من سرعة في الحركة، وقدرة على اختراق الحواجز المادية ... وكان ﵇ يسجن كل من يخالفه من الجن، ويقيده بالسلاسل، ويضع المخالفين، اثنين اثنين، في سجن واحد. وبتسخير الجن لسليمان ﵇ قامت نهضة المملكة على أعمال الجن، وتمتع الإسرائيليون بنتائج هذه الأعمال من غير أن يعملوا، أو يتضرروا.

стр. 482

٣- إسالة النحاس: احتاج سليمان ﵇ إلى مادة يصنع بها السلاح، وبعض الصناعات الأخرى، فأمده الله بها، وخلق له عينا، يسيل منها النحاس الأصفر، كما يسيل الماء, واستمر سيلان العين ثلاثة أيام، يقول تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ ١، وكان الجن يأخذ النحاس السائل ويشكله كما يريد سليمان، فيجمد، ويصير مصنوعا جديدا، مفيدا.

стр. 483

٤- محادثة ما لم ينطق: علم الله سليمان ﵇ منطق الطير، يقول تعالى: ﴿وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ ١، والآية تتضمن مقالة سليمان ﵇ لبني إسرائيل، يعرفهم بفضل الله عليهم؛ ليشكروا هذه النعم. وقد فهم سليمان ﵇ كلام من لا يتكلم عموما، من طير، وحشرات، ونبات, وجماد.... وإنما خص الطير بالذكر؛ لأنه كان من جنوده، وكان يحتاجه كثيرا يظله من الشمس بجسمه، ويلطف الهواء بجناحيه، ويحمل البريد، ويأتيه بأخبار المناطق البعيدة. وكان سليمان يبين لقومه أقوال الطيور؛ لما فيها من حكمة، ومواعظ ... قال جماعة من العلماء: إن سليمان ﵇ كان يفهم ما في نفس الطائر من غير صوت ... والأظهر أنه كان يسمع صوت الطائر، ويدرك به ما في نفسه كدلالة ظاهر الآية. وبهذه المعجزات تمكن سليمان ﵇ من إقامة حضارة واسعة شملت البر، والبحر، والجو ... وصدق في قوله الذي حكاه الله تعالى: ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ ٢.

стр. 484

النقطة الثالثة: مملكة سليمان ﵇ العقيدة الصحيحة ... النقطة الثالثة: مملكة سليمان ﵇ بعطاء الله، وفضله على آل داود ﵇ تمكن سليمان ﵇ من إقامة مملكة راقية, ذات حضارة إنسانية، عظيمة، شاملة لكل جوانب الحياة الإنسانية، وتقوم هذه المملكة الصالحة على الأسس التالية: ١- العقيدة الصحيحة: قام سليمان ﵇ بواجبه، الذي كلفه الله به، ودعا الناس إلى عبادة الله تعالى، وضرورة الإخلاص في التوجه إليه، ونبذ كل ألوان الشرك, والشركاء، يدل على ذلك توجه سليمان ﵇ إلى الله بالطلب والدعاء في قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ ١، فهو في طلبه يؤكد أن الله هو الغفور، الرحيم، وأنه القادر على كل شيء، وأنه -سبحانه- يهب ما يشاء لمن يشاء، ويمنع عمن يشاء ما يشاء. وكان ﵇ يعيش نعم الله تعالى، ويشكره دائما، انظر إليه يوم استمع إلى النملة، وهي تحذر سائر النمل، من بطش جنود سليمان بهم، نجده ﵇ يتوجه إلى الله بالشكر، على نعمه الوافرة له، ولوالديه، ويسأله التوفيق للعمل الصالح الذي يرضى به، وأن يجعله في زمرة الصالحين في الدنيا، وفي الآخرة، يقول تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ ٢.

стр. 485

وطالب الهداية والتوفيق من الله قد وصل إلى درجة اليقين, والصدق، والعمل لا يكون صالحا إلا باستجماع كل أركان الشريعة، والتزام الأخلاق الكريمة. وما آمن به سليمان ﵇ هو دعوة قومه؛ ولذلك لما علم بضلال بلقيس ملكة سبأ، أرسل إليها بكتاب، بدأه بقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وطلب منها أن تأتي إليه, ومعها قومها, مؤمنين بالله, تاركين عبادة غير الله تعالى, يقول الله تعالى: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ, إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ١. ولما أرسلت إليه مالا، رده إليها، وعرفها بالله الذي آتاه كل خير، وخير الله أفضل من أموالهم وهداياهم، يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ ٢. وقد مدح الله سليمان ﵇ وبين منزلته في الدنيا وفي الآخرة، وهي القرب من الله تعالى، والرجوع الحسن في رضوان الله، يقول تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ٣.

стр. 486

٢- العدل في الحكم: اشتهر سليمان بالحكم العادل، وكانت له بعض الأحكام العادلة في عهد أبيه، حتى اشتهر بها، يقول تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ ١. وقد سبق بيان حكمه في حادثة الغنم والزرع، وفي حادثة الولد الذي أكله الذئب.

стр. 487

٣- صيانة حقوق الرعية: كان ﵇ يراقب رعيته، ويرعى مصالحهم، ويقدم لهم ما يحتاجون إليه في معاشهم. وقد رأينا عمل الجن، والريح، والنحاس المذاب، في حياة بني إسرائيل، فلقد صنع لهم حضارة، وحقق لهم كل ما يريحهم، ويسر معاشهم. كان ﵇ يتفقد أحوال الرعية، ويبحث عن حاجاتهم ليقضيها لهم، فهو ﵇ سمع صوت النملة وهي تحذر إخوانها من بطش جنوده، وتطلب منهم اللجوء إلى المساكن, فسر بذلك. ومع الهدهد، نجد أنه ﵇ تفقد الطير، فلم يجده، فأنذره بالعقوبة، ثم قبل عذره لما وجده محقا في غيابه. وكان يتفقد الخيل، ويستعرضها أمامه، ويأمر جنوده برعايتها، وقد أمرهم بإرجاعها إليه، بعد أن أخذوها بعيدة عنه؛ ليمسح أعناقها وقوائمها بيده الشريفة، يقول الله تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ، فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ، رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ ١، ومعنى الآيات أنه استعرض الخيل عشاء، وهي من أجود أصناف الخيل؛ لأنها من الصافنات الجياد، أي: التي ترفع إحدى اليدين، وتقوم على ثلاثة أطراف فقط، وهي خيل سريعة المشي، واسعة الخطا، وبعد الاستعراض دعا الخيل مرة أخرى، وأخذ يلاطفها، ويروضها، ويمسح أعناقها، وسيقانها؛ تشريفا وتعظيما لشأنها، وقوتها، وحتى يعرف ما بها من تعب أو مرض. ومعنى قوله تعالى: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ : أرجعوها إلي مرة أخرى, قائلا: إني أحببت هذه الخيل؛ لأنها تذكرني بربي، وتعينني على الجهاد في سبيله، وأريد أن أطمئن عليها,

стр. 488

وليس كما يقول الوضَّاعون: إن سليمان استغرق في استعراض الخيل حتى فاتته صلاة العصر، ولذلك أعادها، وأخذ يقطع سيقانها، ويضرب صدورها بالسيف؛ انتقاما منها وتقربا إلى الله تعالى.... ولكن متى عد قتل الحيوان تقربا إلى الله؟ وما ذنب الخيل في فوات صلاة العصر؟ إنه دخيل، موضوع، ويمكن إجمال الغرض من مسح سليمان ﵇ للخيل فيما يلي: أ- تشريفها، وتكريمها، وإظهار فضلها؛ لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدو. ب- إبراز قاعدة المسئولية السياسية، التي يتحملها الراعي تجاه رعيته، وعلى الملك أن يباشر الأمور بنفسه، مهما كان أتباعه، وجنده. ج- أنه كان خبيرا بطب الخيل، فأراد أن يطمئن عليها قبل أن تبيت. وهكذا نراه ﵇ يهتم بأحوال رعيته على اختلاف أجناسهم وأنواعهم وأعمالهم. واهتمامه بالطير، والحيوان، والنمل دليل على اهتمامه بالناس؛ لأنه وجه كل ما سخر له لصنع حضارة تخدم الناس.

стр. 489

٤- موقفه من صاحب الرأي الآخر: لم يكن سليمان ﵇ مستبدا ولا غليظا، وإنما كان نبيا وملكا، ينظر إلى مخلوقات الله، ويقدر لها رأيها, ويسمع قولها، ويناقشها ليصل إلى الحق. إنه ﵇ جمع جنوده في حشد ضخم, وسار بهم، فلما اقترب من وادي النمل، قالت نملة لإخوانها: ادخلوا مساكنكم، حتى لا يقتلكم سليمان وجنوده، وهم لا يشعرون بجريمتهم، فسمع سليمان حديث النملة, ولم يغضب, ولم يعاتب، ولم يغير أمرها لإخوانها، وإنما استحسن صنيعها، وتوجه بالشكر لله الذي علمه منطق النمل.

стр. 490

ولما تفقد الطير لم يجد الهدهد، وعلم أنه غائب, فأنذره بعقوبة الذبح، أو بالتعذيب الشديد بنتف ريشه، إن كان غيابه بلا عذر، فلما جاء الهدهد أبدى عذره، وبيّن لسليمان أنه ذهب إلى مكان بعيد رأى فيه عجبا، هذا المكان هو سبأ، وهي مملكة نائية غنية، فيها كل ما يحتاجه الناس، وعلى رأس المملكة ملكة، لها عرش عظيم، ودين هذه المملكة كفر وضلال؛ لأنهم يسجدون للشمس من دون الله, وقد لعب الشيطان برءوسهم، وزين لهم الضلال والكفر، وتركوا السجود لله تعالى الذي يعلم أسرار السموات, والأرض، ويخرجها لعباده وفق مشيئته . استمع سليمان إلى ما اعتذر به الهدهد، وقال له: سنتبين الحقيقة لنعلم إن كنت صادقا أو كاذبا. وقد ظهر صدق الهدهد، فبانت براءته، وعفا عنه سليمان ﵇ يقول الله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ، لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ، فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ، إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ، وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ، أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ، اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ١.

стр. 491

النقطة الرابعة: سليمان وملكة سبأ ذكر الهدهد لسليمان سبب غيابه، وبيّن له أنه عائد من سبإ بأخبار هامة، وصحيحة، ووضح أنها تتصل بفساد في العقيدة؛ لأن أصحاب هذه المملكة, يعبدون الشمس من دون الله تعالى. أرجأ سليمان عقوبة الهدهد، حتى ينظر في الأخبار التي أتى بها، فإن كان صادقا عفا عنه، وإن كان كاذبا عاقبه. فكتب سليمان رسالة إلى ملكة سبأ، صدرها: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وبيّن فيها أنها مرسلة من سليمان، وكلف الهدهد بحملها، وإلقائها في مكان بحيث يصل إلى الملكة. وصل الخطاب إلى الملكة، وقرأته, وأحاطت بما فيه، فجمعت كبار رجال مملكتها، وشاورتهم في الرسالة، وقالت لهم: إنها جاءت من عند سليمان، وإنها مصدرة بـ "باسم الله", وإن الرسالة دعوة للجميع أن يأتوا لسليمان خاشعين، متواضعين, مؤمنين بالله تعالى، تاركين الشرك وعبادة الشمس، وطلبت من المجتمعين أن يبدوا رأيهم، ويشتركوا معها في وضع القرار المناسب، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ، إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بسم الله الرحمن الرحيم، أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ، قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ ١. قال الحاضرون بعد أن تداولوا الرأي في موضوع الرسالة: القرار قرارك، والأمر إليك، ونحن أصحاب قوة وبأس، ننفذ ما تأمرين به، يقول تعالى:

стр. 492

﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ ١. نظرت الملكة، ورأت أنه لا قبل لها بحرب سليمان، حتى لا تجر على شعبها ومملكتها الخراب، والدمار، وقالت لرجالها: إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها، وجعلوا أعزة أهلها أذلة، وهدفهم الاستيلاء على الديار، والأموال؛ ولذلك سأرسل لسليمان هدية مالية ضخمة، لنرى ما سيحدث، فإن كان ملكا قبلها، وإن كان نبيا ردها، ووقتها لكل حدث حديث, يقول تعالى: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ، وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ ٢. وصل وفد الملكة إلى سليمان ﵇ ورأى سليمان أنه لا يحمل مالا كثيرا، فقال لهم: ارجعوا بمالكم، لا حاجة بي إليه، فلقد أعطاني الله تعالى رسالة, وملكا، وسخر لي الكون كله، وآتاني ما لم يؤت أحدا من العالمين. وحمل الوفد تهديدا للملكة؛ لأنها إن لم تصدق برسالته، وتؤمن بالله، واستمرت على كفرها، وضلالها، وعرفهم بأنه سيرسل لها جيشا ضخما، لا قبل لها به، وسوف يخرجها من مملكتها، ورجالها صاغرون، يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ، ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ٣. عاد الوفد إلى بلقيس الملكة، فعلمت أن سليمان ليس واحدا من الملوك، تهمه الأموال والسلطان، وإنما هو رسول يدعو لدين الله، الذي أيده بالقوة، وسخر له

стр. 493

الكون، فهيأت نفسها لتذهب إليه، وتبحث الأمر معه، وعلم سليمان بتحركها، فجمع جنوده من الجن والإنس، وطلب منهم إحضار عرشها، قبل وصولها، وسألهم ... ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ١. فأجابه عفريت من الجن، أنا أحضر لك عرشها قبل أن تقوم من مقامك الذي أنت فيه ... استكثر سليمان "﵇" هذه المدة، فقال رجل من علماء بني إسرائيل دعا الله باسمه الأعظم، أنا آتيك به قبل أن تغمض عينك، وقال: يا نبي الله أمدد بصرك فمد بصره نحو اليمين، فإذا بالعرش، فما رد بصره إلا وهو عنده ... ونظر سليمان فرأى العرش ثابتا عنده، فأقر بفضل الله الذي مكن له ونصره، وطلب من الله أن يعينه على الشكر، وطلب من أتباعه أن يتوجهوا بالشكر لله، يقول الله تعالى: ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ، قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ ٢. قال سليمان لجنوده: نكروا لها عرشها، وغيروه، بالزيادة والنقص، فجعلوا تحت العرش ماء، وفوق الماء زجاجا، فلما وصلت بلقيس سألوها أهكذا عرشك؟ قالت: كأنه هو: وقد علمت أن سليمان على حق منذ أن راسلني، وأسلمت قبل ذلك، يقول تعالى: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ، فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ، وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ ٣.

стр. 494

قيل لها أدخلي الصرح الذي بناه الجن، فلما رأته حسبته ماء، فكشفت عن ساقيها، فنوديت أنه قصر من زجاج لا ماء به، فأقرت بواقعها، وأعلنت إسلامها، ورجعت عن ذنوبها، وآمنت مع سليمان لله رب العالمين، يقول تعالى: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.

стр. 495

النقطة الخامسة: فتنة سليمان "﵇ " يتحدث المؤرخون عن فتنة سليمان "﵇"، التي أشار الله تعالى إليها، في قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ، قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ ١، وذهبوا في تفسيرها مذاهب عديدة٢، وأحسن ما قيل فيها أن هذه الفتنة فسرها الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري، بسنده عن أبي هريرة ﵁ يقول: قال النبي ﷺ : "قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة، على سبعين امرأة، تحمل كل امرأة فارسا، يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل إن شاء الله، فلم يقل ولم تحمل النسوة شيئا إلا واحدا، ساقطا أحد شقيه"، فقال النبي ﷺ : "لو قالها لجاهدوا في سبيل الله" ٣، وألقى السقط على الكرسي درسا لسليمان "﵇".
следующие страницы →