← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 10752

دعوة الرسل عليهم السلام

أحمد أحمد غلوش

Полный текст (652 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

يقول قتادة: إن الله يعلم القلب النقي، ويسمع الصوت الحفي، وقد قام زكريا من الليل ينادي، نداء لا يسمعه أحد، ومعنى وهن العظم مني: ضعف العظم بسبب الكبر وظهر الكبر على الشعر فابيض واشتعل شيبا. والمراد بالإرث: النبوة؛ لأن الأنبياء لا يورث لهم مال، والدنيا كلها لا تستحق أن يهتم بها نبي، ولذلك تمنى زكريا ﵇ إرث النبوة، ودعا بذلك. استمع الله لزكريا، وأجاب دعاءه، قال تعالى: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا، قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا، قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا، قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ ١، ويقول سبحانه: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ، فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ، قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ ٢، ويقول سبحانه: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ ٣.

стр. 527

ومن مجمل الآيات ندرك أن الله استجاب دعاء زكريا، وبشره بغلام، يسمى باسم لم يسبق به هو "يحيى" وأصلح الله زوجته للحمل، وذهب عقمها، وحاضت. طلب زكريا من الله آية وعلامة يعرف بها وقت حمل زوجته بهذا الولد، قال الله له آيتك أن يعتريك صمت وسكوت لمدة ثلاث أيام، لا تستطيع أن تتحدث خلالها إلا بالرمز، ولما جاء وقت الحمل كان زكريا يقرأ، ويسبح، ولا يستطيع التكلم مع أحد، ويولد له يحيى، سيدا وحصورا١، ونبيا من الصالحين، وعاش زكريا حتى لقي ربه ﵇ وقيل إنه مات مقتولا، قتله اليهود.

стр. 528

يحيى ﵇: استجاب الله دعاء زكريا ﵇ ورزقه يحيى ﵇، وقد سماه بهذا الاسم بشرى لوالديه، في أنه يعمر، ويحيى طويلا، وللدلالة على أن قلبه حي بالمحبة، وجسمه حي بالطاعة، ولسانه حي بالذكر، وأن باطنه حي بالعلم، والعصمة١. ولد يحيى ﵇ قبل ميلاد المسيح بستة أشهر٢ يقول كعب الأحبار: كان يحيى حسن الصورة والوجه، لين الجناح، قليل الشعر، قصير الأصابع، طويل الأنف، مقرون الحاجبين، رقيق الصوت، كثير العبادة، قويا في طاعة الله تعالى: قيل: إن أتراب يحيى قالوا له وهو صغير: اذهب معنا نلعب، قال لهم: ما للعب خلقت، وكان يعظ الناس، ويقف لهم في أعيادهم، ومجامعهم، ويدعوهم إلى الله تعالى٣. يقول تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ ٤ ... وأول من آمن بعيسى ﵇ هو يحيى ﵇. يصف الله يحيى بقوله: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ٥ والآية تدل على أن الله خلق يحيى سيدا كريما، ونبيا مرسلا، وحصورا يمنع نفسه من الشهوات ويملك زمام نزغاته من الانفلات.

стр. 529

وقد عاش يحيى فقيرا، عطوفا، طاهرا، وقتل شهيدا على يد "هيرودس" الطاغية، حاكم بلده ... ذلك أن هيرودس "أراد أن يتزوج من ابنة أخ له، فبين يحيى ﵇ أن ذلك لا يحل؛ لأنها من محارمه، إلا أن "هيرودس" تزوجها، وحقد على يحيى، وأمر بإحضار رأسه، فدخل جنده على يحيى وهو قائم يصلي في المحراب، وذبحوه، وقطعوا رأسه، وأحضروها إلى الطاغية "هيرودس" فأمر بدفنها في دمشق الحالية، والقبر الآن يقع في قلب المسجد الأموي بدمشق. يقول ابن عساكر: رأيت رأس يحيى بن زكريا حين أرادوا بناء المسجد، حيث أخرجوه من تحت ركن من أركان القبلة مما يلي المحراب جهة الشرق، فكانت البشرة والشعر على حاله، لم يتغير، كأنما قتل الساعة. تقول بعض الروايات: إن يحيى قتل في حياة أبيه زكريا١. وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ التقى بيحيى ليلة الإسراء حيث قال: "ثم عرج بي إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل ففتح له، وإذا أنا بابني الخالة عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا، فرحبا بي، ودعوا لي بخير" ٢ عليهم جميعا الصلاة والسلام....

стр. 530

عيسى ﵇ النقطة الأولى: ولادة عيسى ﵇ ... عيسى ﵇: عيسى ﵇ آخر أنبياء بني إسرائيل، وليس بينه وبين النبي محمد ﷺ نبي آخر. وهو من آل عمران، ومن نسل داود، ولذلك اضطهده اليهود، وآذوه، وحاولوا قتله. دعا الإسرائيليين إلى دين موسى ﵇ وبشر برسالة محمد ﷺ للعالمين من بعده. وهو أحد أولي العزم من الرسل، الذين أبلوا بلاء حسنا، وصبروا على ما كذبوا، وأوذوا حتى أتاهم نصر الله المبين، وسوف أتحدث عن عيسى ﵇ في النقاط التالية: النقطة الأولى: ولادة عيسى ﵇ ترعرعت مريم١ أم المسيح عيسى في بيت الله، ونشأت عابدة متبتلة، واصطفاها الله على نساء العالمين، يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ٢.

стр. 531

وعاشت ﵂، حصيفة، حصينة، فاعتزلت الرجال، وعاشت لله رب العالمين، فجعلها الله مثلا للمؤمنات، الفانتات، يقول تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ ١. وحملت الملائكة بشرى الله لها، بأنها ستلد غلاما مميزا، اسمه المسيح عيسى٢ لا أب له، وينسب لأمه، عظيما في الدنيا، وجيها في الآخرة، ومن المقربين لله تعالى ويتكلم وهو في المهد بعد مولده، ويكون من الصالحين، الصادقين، يقول تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ، وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ٣. تعجبت مريم من هذه البشرى، وتساءلت كيف يكون لي غلام من غير أن يمسني أحد من البشر في نكاح، ولا سفاح، يقول تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٤. وضاق الأمر بها، وتألمت وهي تتصور ذلك في عالم الواقع؛ لأنها لا تحب لوم الناس، وإتهامهم لها، فاعتزلت الناس، وجلست وحدها في جهة الشرق التي يعظمها قومها، وجعلت بينها وبينهم حجابا، فأرسل الله إليها روح عيسى ﵇ فتمثل لها إنسانا كاملا، وأتاها في محرابها، ففزعت منه، واستعاذت بالله إن كان ممن يتقى

стр. 532

شره، فطمأنها، وقال لها: أنا رسول ربك جئت لأهب لك غلاما، طاهرا نقيا، وتسائلت: كيف يكون ذلك بلا زواج، أو سفاح، فأجابها الرسول بأن ذلك قضاء الله وقدره وقد أراد الله من ذلك أن يكون آية للناس، ورحمة من عنده يقول تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا، فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا، قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا، قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا، قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا، قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ ١ ... وحملت مريم، وجاءها المخاض، وهي جالسة عند جذع نخلة، فحزنت من لوم الناس، وعتابهم وتمنت أن تكون قد ماتت قبل هذا اليوم، حتى لا يذكرها أحد بسوء. وولدت مريم المسيح، وناداها جبريل من أسفلها، لا تحزني، فقد وهب الله لك رجلا عظيما، وسيدا في الناس، وأمرها بأن تهز النخلة لتسقط عليها الرطب تأكل منها، وتعيش، وأمرها كذلك أن لا تكلم أحدا من الناس، وأن تنذر يومها صوما عن الكلام لله رب العالمين، وقيل الذي ناداها هو عيسى عقب مولده. وجاءت إلى قومها تحمل وليدها، فأخذوا في لومها، وهي لا تتكلم، قالوا لها: لقد جئت شيئا لا يصدقه عقل، جئت بولد تدعين أنه بغير أب، فكيف ذلك، يا أخت هارون، وسليلة الأنبياء ... فأشارت إليه ولم تتكلم لصومها عن الكلام ... قالوا: كيف نتكلم مع وليد صبي ما زال في المهد؟ وسكتوا جميعا، وتكلم الوليد فقال: إني عبد الله: أتاني الله الإنجيل، وجعلني نبيا، وبارك الله لي في كل مكان، وأوصاني

стр. 533

بالصلاة، والزكاة، ما دمت حيا، يقول الله تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا، فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا، فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا، وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا، فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا، فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا، يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا، فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا، قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا، وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا، وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا، وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ ١. والآيات توضح الحقائق التالية: ١- خلق الله عيسى ﵇ من غير أب. ٢- أكرم الله مريم، وفضلها على نساء العالمين، وخاطبها جبريل، وجعلها أما لعيسى ﵇. ٣- أن عيسى ﵇ تكلم في المهد، وأثبت براءة أمه من أي اتهام. ٤- عاش عيسى وأمه ﵉ في معجزات خارقة منذ اللحظة الأولى، ليردوا على الإسرائيليين أكاذيبهم، واتهاماتهم.

стр. 534

٥- أعلن عيسى ﵇ وهو في المهد أصول دعوته لبني إسرائيل وهي: - نزول الكتاب عليه ليكون دستور الناس وشريعتهم. - عيسى رسول الله ﵇ يستقبل الوحي، وعلى الناس أن يسمعوا لدعوته. - ملازمة عيسى لبركات الله، أينما حل، ووقتما يكون. - على عيسى وقومه أن يقيموا الصلاة لله رب العالمين. - إيتاء الزكاة شرع طبقه عيسى ودعا إليه. - البر بالوالدين شريعة عيسى ﵇. - ترك القسوة، والجبروت، والتزام الرحمة والسكينة ضرورة خلقية - الأمن والسلام هما دعوة عيسى ﵇ وبهما يعيش في الدنيا والآخرة.

стр. 535

النقطة الثانية: معجزات عيسى ﵇ المعجزة أمر خارق للعادة، يظهره الله على يد مدعي النبوة، تصديقا له، وهي ممكنة عقلا في حق الله تعالى، ودائما يتخير الله المعجزة من جنس ما تفوق فيه الناس، ومن معجزات عيسى ﵇ ما يلي: ١- ولادته ﵇ من غير أب، وهذا أمر خارق لعادة الناس، في التناسل، والتكاثر، وهو أمر سهل، هين على الله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ ١.

стр. 536

٢- نطقه في المهد حيث تكلم بكلام مفهوم، معقول كحديث الرجل الكامل في خلقته. ٣- نفخ عيسى ﵇ في تمثال مصنوع من الطين على هيئة الطير، فصار طيرا بإذن الله. ٤- إبراء الأعمى والأبرص بإذن الله تعالى. ٥- إحياء عيسى ﵇ لعدد من الموتى بإذن الله. ٦- كان عيسى ﵇ ينبئ أصحابه بالطعام والشراب الذي يأكلونه، أو يدخرونه في بيوتهم بإذن الله. ٧- أنزل الله المائدة من السماء كطلب القوم لتكون لهم آية بإذن الله. يقول الله تعالى عن معجزات عيسى ﵇: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ١، ويقول سبحانه: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٢، ويقول سبحانه

стр. 537

﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ، قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ ١.

стр. 538

النقطة الثالثة: رسالة عيسى ﵇ جاء عيسى ﵇ مجددا لدعوة موسى ﵇ وأنزل الله عليه الإنجيل مصدقا لما بين يديه من التوراة، وأساسيات رسالة عيسى ﵇ ما يلي: "أولا: كانت دعوة عيسى ﵇ خاصة ببني إسرائيل، يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ ١ ... ولم تتحول دعوته إلى عالمية، إلا في عصور متأخرة على يد الإمبراطور "قسطنطين" و"بولس"، وبهما تغيرت ملاح دعوة عيسى ﵇. ثانيا: الدعوة إلى التوحيد الخالص، ونبذ الشرك، والشركاء، فالله واحد لا شريك له، وليس لعيسى مع الله إلا ما لأي رسول مع الله تعالى، يقول تعالى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ٢. وأي كلام عن بنوة عيسى، ومشاركته لله في الألوهية بأي وجه من الوجوه ليس

стр. 539

صحيحا، يقول تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ، لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ، اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢. ثالثا: المسيح ﵇ رسول الله تعالى، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه ولا يصح مطلقا أن نخرجه من إطار البشرية تحت أي مسمى، يقول تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٣، ويقول تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ ٤.

стр. 540

والأناجيل الموجودة مع أتباع عيسى ﵇ اليوم تشهد ببشرية المسيح. جاء في إنجيل يوحنا، الإصحاح الخامس، في فقرة "٢٤": "الحق الحق أقول لكم، إن من يسمع كلامي، ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية". وفي فقرة "٣٠": "إني لا أجلب مشيئتي، بل مشيئة الرب الذي أرسلني". وفي فقرة "٣٦" "وأما أنا فلي شهادة أعظم من يوحنا؛ لأن الأعمال التي أعطاني الأب لأكملها ... تشهد لي أن الأب قد أرسلني، والأب نفسه الذي أرسلني يشهد لي. جاء في إنجيل يوحنا، الإصحاح السابع، فقرة "٢٨"، فنادى يسوع، وهو يعلم في الهيكل قائلا: تعرفونني، وتعرفون من أين أنا، ومن نفسي لم آت، بل الذي أرسلني هو حق، الذي أنتم لستم تعرفونه، أنا أعرفه، وهو أرسلني. وجاء في إنجيل متى الإصحاح العاشر، فقرة "٤٠" "من يقبلكم يقبلني، ومن يقبلني يقبل الذي أرسلني". فهذه النصوص من الأناجيل تشهد ببشرية المسيح، وأنه رسول الله تعالى إلى بني إسرائيل. رابعا: أتى المسيح ﵇ لقومه بشرائع جديدة، تناسب مع ما يحتاجون إليه، يقول تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا، وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ٢.

стр. 541

خامسا: دعا المسيح ﵇ إلى التصديق بالكتب السماوية التي سبقته، يقول تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ١. سادسا: بشر المسيح ﵇ برسالة محمد ﷺ التي يأتي بعده، يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢.

стр. 542

النقطة الرابعة: رد ما يقال في ولادة عيسى ﵇ مدخل ... النقطة الرابعة: رد ما يقال في ولادة عيسى ﵇ أثارت ولادة عيسى ﵇ من غير أب أفكارا، جعلت أتباعه يقولون: إن عيسى ابن الله، صار جزءا من ذاته سبحاته وتعالى، ويرون أن المسيح والله اجتمعا في ذات واحدة، وصارا طبيعة واحدة، ويزعمون اتحاد الناس واللاهوت في ذات خاصة، هي الله تعالى. وإني هنا أورد ما قاله النصارى، وأناقشهم في قولهم، بالدليل والبرهان

стр. 543

أولا: المسيح ابن الله يقول النصارى إن المسيح ابن الله تعالى؛ لأنه خلق من غير أب، فالله أبوه، وهو ابنه. وهذا كلام لا يصح؛ لأن ولادة عيسى ﵇ من غير أب، معجزة إلهية داخلة في إطار قدرة الله تعالى، فهو خلق حواء بلا أم، وخلق آدم بلا أب، ولا أم، ولم يثبت أحد لهما بنوة الله تعالى، فقدرة الله عامة، وإذا أراد شيئا قال له: كن فيكون. وقد أثار وفد نصارى نجران هذه المقالة مع رسول الله ﷺ إذ قالوا لرسول الله ﷺ : ما لك تشتم صاحبنا؟ فقال لهم ﷺ : "وما أقول؟ " قالوا: تقول إنه عبد الله. قال لهم ﷺ : "أجل، إنه عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء، البتول". فغضبوا، وقالوا: هل رأيت إنسانا قط بلا أب؟! فإن كنت صادقا فأرنا مثله، فأنزل الله قوله١: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٢. وواضح من الآية أن الآية قد ردت عليهم؛ لأننا لو قلنا ببنوة عيسى لله لعدم وجود الأب، فالواجب الأولى أن يكون آدم ابن الله، ولم يقل به أحد؟! ثم ما هو المانع أن يخلق الله إنسانا من دم امرأة فقط، وقد خلق إنسانا من تراب جامد؟!.

стр. 544

ثانيا: كلمة الله يقول النصارى إن المسيح كلمة الله تعالى كما جاء في القرآن الكريم، يقول تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ ١ ... إلا أنهم يقولون إن الكلمة جزء من الذات الإلهية، ولهم تصوراتهم في التقاء كلمة الله بجسد الإنسان، حيث اتحدا في ذات واحدة. وهذا كلام لا يصح؛ لأن الله قديم بذاته، وصفاته، وأفعاله، وليس مركبا من أجزاء، ولا ينقسم إلى أجزاء، وكلامهم في اتحاد اللاهوت بالناسوت، قائم على التركيب، والأجزاء، وهذا لا يليق بالله تعالى. وأيضا فإن الكلمة التي حملها جبريل هي "كن" فكان ﵇ ...

стр. 545

ثالثا: عيسى روح الله ... ثالثا: عيسى ﵇ يقول النصارى إن المسيح روح الله، لقوله تعالى في القرآن الكريم: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ ١ ويريدون بالروح جزءا من الله تعالى. وهذا كلام لا يصح؛ لأن الروح تعني النفخة التي نفخها جبريل بأمر الله تعالى في درع مريم ... وتأتي بمعنى رحمة الله، وأضيفت الروح إلى الله للتشريف والتكريم. وعلى الجملة فإن الله إله واحد، والمسيح رسول الله، وأمه صديقة عذراء، يقول تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢.

стр. 546

النقطة الخامسة: حياة المسيح ونهايته في الأرض أكرم الله عيسى ﵇ فجعل لأسرته سورة باسمها، هي سورة "آل عمران"، وجعل لأمه سورة باسمها، هي سورة "مريم"، وجعل لإحدى معجزاته سورة باسمها هي سورة "المائدة". وقد ولد المسيح ببيت لحم، وهاجر مع أمه، وجماعته إلى مصر، ثم عاد إلى بيت المقدس لما بلغ ثلاث عشرة سنة، ونزل عليه الإنجيل وهو ابن ثلاثين عاما. أخذ عيسى يدعو قومه إلى دين الله تعالى، ليستقيموا على الحق، وأظهر لهم المعجزات لم يتأثروا بها، وآمن به عدد منهم، فانقسموا إلى فريقين، فريق آمن به، وفريق آخر كفر به، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ ١. إلا أن الذين كفروا به حاولوا قتله، وصلبه، فأنقذه الله منهم بأن قتلوا رجلا آخر يشبهه، وصلبوه، أما عيسى ﵇ فقد رفعه الله إليه، يقول تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا، وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ﴾

стр. 547

﴿إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا، وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ ١، ويقال إن الذي قتل هو يهوذا الإسخريوطي الذي خان المسيح، وجاء بجنود الرومان لقتل المسيح، فرفع الله عيسى إليه، وألقى شبهه على يهوذا ... فكان أن قتله الرومان ظنا منهم أنه المسيح، مع أنه هو الذي جاء بهم. واختلف العلماء في رفع المسيح حيا أو ميتا، فقال بعضهم رُفع حيًّا أثناء النوم وقال آخرون رفع بعد قبض روحه، وتوقف آخرون، وأولاها الرأي الأول. وسوف ينزل عيسى ﵇ إلى الأرض مرة أخرى، ونزوله ﵇ علامة من علامات الساعة الكبرى، فعن ابن عباس عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَة﴾ ٢ قال: نزول عيسى بن مريم من قبل يوم القيامة٣ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ٤ قال ابن كثير: "أي بعد نزوله إلى الأرض في آخر الزمان قبل قيام الساعة، فإنه ينزل ويقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام"، وقد جاء التفصيل في السنة النبوية، فقد أخبرنا الرسول ﷺ أنه عندما تشتد فتنة الرجال، ويضيق الأمر بالمؤمنين في ذلك الزمان، ينزل الله عبده ورسوله عيسى ﵇ وينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، قال ﷺ : "ينزل عيسى بن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق" ٥.

стр. 548

وقد وصف لنا الرسول ﷺ حاله عند نزوله فقال: "ليس بيني وبين عيسى نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فأعرفوه، رجل مربوع إلى الحمرة، والبياض، ينزل بين ممصرتين، كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل" ١، ويكون نزوله في وقت اصطف فيه المقاتلون المسلمون لصلاة الفجر، وتقدم إمامهم للصلاة، فيرجع ذلك الإمام طالبا من عيسى أن يتقدم ليؤمهم، فيأبى، ففي الحديث: "وإمامهم -أي إمام الجيش الإسلامي - رجل صالح فبينما إمامهم يتقدم يصلي بهم الصبح، إذ نزل عليهم عيسى بن مريم الصبح، فرجع ذلك الإمام ينكص، يمشي القهقهرى ليتقدم عيسى، فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم يقول له: تقدم فصل، فإنها لك أقيمت، فيصل بهم إمامهم" ٢. وروى مسلم في "صحيحه" أن النبي ﷺ قال: "لا تزال طائفة من أمتى يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى بن مريم، فيقول أميرهم: تعالى صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة" ٣. ومهمته بعد نزوله هي حكم الناس بالعدل، والحق، يروي البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا -أي ليس نبيا ولا رسولا- فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الحرب، ويفيض المال، حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها" ٤.

стр. 549

روى أبو داود عن أبي هريرة قال: قال ﷺ : "فيمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون" ١. وبهذا تنتهى رسالات الله لبني إسرائيل، ويبقى عليهم أن يؤمنوا بما جاءهم من عند الله تعالى إن كانوا صادقين. ولو صدقوا الله حقا لأمنوا بما بشرهم به المسيح ﵇. ومع هذه الكثرة من الأنبياء، فقد لعبت السياسة بالناس، وشوهت الأديان لصالحها، ولم يعد الله في دنيا البشر إلا بعض الطقوس تؤدى في أماكن العبادة، وغيرها. ونحن نتساءل: ألمثل هذا جاء الرسل؟ ونزلت الكتب؟ وظهرت التضحيات؟ وكانت الدعوة؟ وكان الجهاد. نحن لا نسلم بهذه النهاية، ونرى أن الرسل جاءوا لصناعة عالم محكوم بشرع الله، يعيش العبودية الشاملة، لله المعبود، الواحد، الأحد. هذا.... وقد حاولت إبراز بعض ركائز عقب إيراد تاريخ كثير من الرسل بصورة موجزة، وسأعقب على هذه الدراسة، بنظرة تحليلية، استنبط بها الركائز الرئيسية في دعوات الرسل تكون منطلقا عمليا للدعاة، الذي اعتبره الهدف الرئيسي لهذه الدراسة، وسيكون جزءا متمما للكتاب بإذن الله تعالى.

стр. 550

القسم الثاني: الركائز الرئيسية في الدعوات الإلهية مدخل ... القسم الثاني: الركائز الرئيسية في الدعوات الإلهية تمهيد: بعد هذه الجولة مع رسل الله ﵈ بطولها، وعرضها يحسن بنا أن نقف متأملين في كل ما جرى، محاولين بقدر الإمكان التركيز على النقاط التي اشترك فيها الرسل ﵈؛ لأن اشتراك الرسل في قضية ما، يشير إلى أهمية هذه القضية، ويؤكد تجذرها في الحياة الإجتماعية، ويوضح حقيقة وحدة الدين واشتراك الرسل جميعا في تبليغه، والتحرك به للناس. ولعل أهم القضايا التي تبرز أمامنا في تاريخ الرسل، وصلتها بالدعوة وثيقة، ما يلي: ١- تكريم الإنسان. ٢- الغاية من خلق الإنسان. ٣- الدعوة إلى التوحيد. ٤- الدعوة إلى العبادة. ٥- الدعوة إلى مكارم الأخلاق. ٦- إثبات رسالة الرسل. ٧- إثبات البعث. ٨- شخصية مبلغ الدعوة. ٩- خصائص الإنسان، وطبائعه. ١٠- الحركة بالدعوة "منهجا، ووسيلة، وأساليب". إن هذه الركائز المستفادة من الدعوات الإلهية، تحدد للأمة الإسلامية طريقها وترسم المنهج الذي يجب أن يكون. وأرى أهمية هذه الدراسة الآن، نظرا لما يتعرض له الإسلام من أعدائه، بغية تحريفه، وتغيير معالمه، ولما يتعرض له المسلمون من إتهامات ظالمة، وعدوان سافر، وهمجية مستترة تحت مسميات كاذبة. وقد أدى ضعف الأمة إلى علو صوت الباطل، وطغيانه، وتماديه في مخططه العدواني الخبيث.

стр. 551

ومن هنا كان اللجوء إلى سير الأنبياء، والاستفادة من تجربتهم مع الناس، أمر له أهميته؛ لأنه عبارة عن مبدإ مدعم بالدليل، ومنهج مبني على تجارب عديدة ثابتة، وصادقة، ومسلم بها. يقول سيد قطب: "قصص الأنبياء يمثل موكب الإيمان في طريقه الممتد الواصل الطويل، ويعرض قصة الدعوة إلى الله، واستجابة البشر لها، جيلا بعد جيل، كما يعرض طبيعة الإيمان في نفوس هذه النخبة الممتازة المختارة من البشر، التي اصطفاها الله لتبليغ دينه، ويوضح طبيعة العلاقة، بين الرسل وبين ربهم الذي خصهم بهذا الفضل العظيم ... إن اتباع هذا الموكب الكريم يفيض على القلب رضى ونورا وشفافية، ويبشر بنفاسة عنصر الإيمان، وأصالته في الوجود، ويكشف كذلك عن حقيقة التصور الإيماني، ويميزه عن تصورات دخيلة للإيمان، صنعها الهوى، وزينها الشيطان، وباركها أعداء الله في الأرض"١. إن الدروس في قصص الأنبياء عديدة، ومعها شهادة صدق على فاعليتها، وتكاملها، وحين يأخذها الدعاة طريقا لهم، يشعرون بتكامل الغاية، والوسيلة، ويتأكدون أنهم موصولون بالقوة التي نصرت الأنبياء من قبل، عساهم ينتصرون. وقد كان للمواجهة بين الرسل وأقوالهم، دور بارز في إظهار خصائص الناس النفسية، والفكرية، والاجتماعية؛ لأنهم عبروا عن حقيقتهم من بدء الدعوة، ساعة أن كان الرسول وحيدا، وفريدا ... ويعد تكرار هذه الخصائص من رسول إلى رسول تأكيدا عمليا على صدق هذه الحقيقة وتجذرها في حياة الناس. إن الدعاة إلى الله تعالى في أمس الحاجة إلى تتبع هدي رسل الله في الدعوة؛ لأنهم بذلك يدعون لله بمنهج الله، مستفيدين بما أنزله الله تعالى من وحي على رسله عليهم الصلاة والسلام.

стр. 552

إن الإنسان هو الإنسان، منذ أن خلقه الله تعالى، وبما تميز به من طاقات، وقوى، وبما فضل به عن سائر المخلوقات، وأي حقيقة عن الإنسان تبنتها دعوات الرسل تعد ركيزة أصيلة تعرف بالإنسان، وتوضح ظاهره، وباطنه. وأسال الله تعالى أن يوفقني فيما هدفت إليه من هذه الدراسة، التي أتناول فيها القضايا التي أشرت إليها بإذن الله تعالى. وسوف أعقد لكل قضية مبحثا، وذلك فيما يلي ...

стр. 553

المبحث الأول: تكريم الإنسان الإنسان هو الإنسان من البداية ... المبحث الأول: تكريم الإنسان ينظر الدين إلى الإنسان نظرة متميزة، ويقر له بالحقيقة التي خلقه الله عليها. فقد أوجده الله إنسانا منذ اللحظة الأولى، مركبا من عنصري المادة، والروح واختاره خليفته في الأرض، وأنزل عليه وحيه، وكلفه باتباع الهدي الرباني، والتمسك بتعاليم الله المبلغة إليه. والتصور الديني الصحيح يقدم عددا من الحقائق عن الإنسان، من أهمها: ١- الإنسان هو الإنسان من البداية: الإنسان الأول هو آدم ﵇ خلقه الله إنسانا منذ اللحظة الأولى، بخصائصه وقواه، وطاقاته الظاهرة، والباطنة. فهو -أولا: كائن عاقل، يدرك ويتصور، ويفهم، ويستنتج، ويحكم، ولذلك جعله الله رسولا، وحمله أمامة الدين، ليعيش به في الدنيا، ويسعد بسببه في الآخرة، وولاه رئاسة الدنيا يعمرها بالخير، والصلاح. ومن دلالة العقل في الإنسان، التوجه إليه بالخطاب، وتفهم تساؤلاته، ومعارضاته في كافة ما يعرض له من أمور الحياة. ولولا عقل الإنسان لعجز عن تدوين أعماله، وكتابتها بصورة ما، لتبقى تاريخا ناطقا، وأثرا شاهدا على حياة الإنسان في الزمان الماضي. لقد دون الإنسان تاريخه على الشجر، والحجر، والعظم، والورق، وعلى كل ما أمكنه الكتابة عليه، ولو لم يكن عاقلا لعجز عن تصوير واقعه، وتسجيله لمن بعده من الناس.

стр. 554

إن تاريخ الكائنات الأخرى غير معروف، وما عرف منها فهو بسبب الإنسان الذي أهتم بها، وسجلها، وكتبها كما يكتب لنفسه. ومن دلالة العقل في الإنسان قيامه بتأسيس حضارات عديدة على مدار الزمن الطويل سواء كانت زراعية، أو صناعية، أو عمرانية ... لقد تمكن الإنسان بواسطة توجهه الفكري، من إنشاء العمران، وبناء السدود، وتشييد المصانع ونحت الصخر والحجر وشق الطرق، وركوب البحر والهواء، وعاش بذلك في مدنيات مزدهرة رأينا أمثلة لها مع عاد، وثمود، وقوم إبراهيم، وإسماعيل، وبني إسرائيل، وغيرهم. ومن دلالة العقل في الإنسان: قدرته على التعلم والتعليم، حيث تمكن بإرادة الله من علم أسماء كل شيء، ووضع رمز دال على كل شيء، وكل شخص، ومن ذلك كان طريقه إلى البحث، والدراسة، لكل ما في الكون من حوله، معتمدا على هذه البداية الضرورية، لتحديد كل شيء باسمه، ولولاها لتاهت السبل، وتداخلت الحقائق، ولعجز الإنسان عن تحديد ما يراد بحثه، والنظر فيه. ولولا عقل الإنسان لعجز عن هذه المعرفة، ولما تمكن من بحث ما يريد، واكتشاف ما يلوح له. ومن دلالة العقل في الإنسان محافظته على القيم الإنسانية، النبيلة كالعدل، والمحبة والصدق، والبر، والتعاون، والقيم الإنسانية في جملتها خيرة، راقية تنمي الخلق، وتسمو بصاحبها إلى درجة الكمال.... وهذه القيم ليست غامضة في الفكر الإنساني، وليست متقلبة، إنها قيم واضحة وثابتة. والإنسان بفطرته يدرك هذه القيم، ويحبها، ويعيش بها ولو أهمل الإنسان عقله، وترك أمره لبطنه، أو لشهوته، لتحولت القيم معه إلى صور مادية ضارة، كما فعلها أعداء الرسل على الزمن كله، الذين أفسدوا الحياة، ونشروا الظلم، واعتدوا على الحرمات، وارتكبوا الحرام، فصب عليهم ربك صوت عذاب.

стр. 555

ومن دلالة العقل في الإنسان، اتساع دائرة تفكيره عن المحيط الذي يعيشه، زمانا ومكانا، فالإنسان يعيش في بيئة محددة المعالم، ومع ذلك فإنه يفكر في الماضي السحيق، وفي المكان البعيد، وفي المستقبل الذي لم يقع بعد. إنه يعيش الماضي عبرة للحاضر، ويعيش الحاضر مستفيدا بتجارب وحضارات الآخرين، ويعيش المستقبل طموحا، وأملا، وتخطيطا، ولولا عقل الإنسان لما تمكن من هذا الانطلاق الواسع عبر الزمان والمكان ومع سائر الجماعات، ومختلف الأجناس. إن العقل بقوة التخيل فيه يساعد الإنسان على استحضار صورة الماضي مجسدة مصورة، ولو بعد زوالها.... ويقدم له المستقبل في صورة أمنيات، وآمال يسعى لها بالتخطيط والعمل. وهو -ثانيا: كائن له مع العقل جسد ووجدان، والجسد هو الوعاء الحامل للعقل والوجدان وحياته لهما حياة، وفناؤه لهما انتهاء، والوجدان يختلف عن العقل في أنه قوة غير منضبطة بقاعدة ونظام. قوة تسبح في عالم خاص بها، وتعيش مع العواطف وعالم اللاشعور، بينما العقل محكوم بالممكن من المدركات، وله نظام ثابت في التفكير، والفهم والاستنتاج. إن الوجدان يهيم بالجمال، ويسبح في عالم من الرضى ... وإن الإنسان يحب بوجدانه غالبا، ويسعد بعواطفه. ولولا الوجدان لنفر الناس من أصحاب العاهات، ولما حدث ارتباط روحي متين، بين عديد من الناس. إن من يجن بسبب موت حبيبته، إنسان يعيش بوجدانه لا بعقله، والإنسان الذي يقدم على الموت في سبيل الله يحيا الدين بعقله، ووجدانه. إن الإنسان مكون من جسد، وعقل، ووجدان، منذ اللحظة الأولى التي خلقه الله فيها، وقد عشنا الصورة كاملة في خلق آدم وحواء ﵉.

стр. 556

وليس صحيحا ما ذهب إليه "دارون" من أن الإنسان لم يخلق إنسانا أول مرة، وإنما تطو ر إلى الصورة التي هو فيها الآن، وأسباب عدم صحته عديدة، وأهمها: ١- الثابت دينيا في كل الدعوات الإلهية أن أول البشر آدم ﵇، وأنه بعث بالرسالة، وكلف بدعوة بنيه، ومن بعده جاء الرسل جميعا إلى هذا الإنسان. ٢- لم يشاهد أحد من الناس، الانتقال من جنس إلى جنس، ولم يرو أحد ولو من أصحاب نظرية التطور، أنه شاهد حشرة، أو ذبابة، أو حمارا، أو كلبا، أو قردا، صار إنسانا، وانعدام المشاهدة الواقعية يجعل فكرة التطور الدروينية فكرة خيالية بحته لا صلة لها بعالم الحقيقة. ٣- يستدل الدروينيون بالتطور في الجنس الواحد على التطور بين الأجناس، وزعموا أن الوجود كل نشأ على أساس مذهب التطور.... ومع كل ما قالوه اعترفوا بعجزهم عن معرفة خالق الحياة في الخلية الأولى التي هي سبب الحياة، وهذا الاعتراف ينفي مذهبهم كله، ويؤكد أن الإنسان خلق متفردا في تكوينه وخصائصه، وملكاته، يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ ١.

стр. 557

٢- الإنسان مخلوق له دين: من الحقائق الثابتة أن الإنسان بدأ متدينا منذ اللحظة الأولى، فلقد نزل الوحي على آدم ﵇ قبل أن يوجد بنوه، وحين أهبط الله آدم إلى الأرض قال له: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ١.

стр. 558

والآيات واضحة في دلالتها على تدين الإنسان لله رب العالمين، فلقد أهبط الله تعالى آدم وحواء ﵉ من الجنة إلى الأرض، وأسكن معهما إبليس وذريته، وأنزل على آدم الهدي الإلهي، الذي يصلح به الناس، فمن اتبعه فاز ونجا، ومن خالفه خسر الدنيا والآخرة، وعرف الإنسان منذ بداية البشرية كيف ينتصر إذا أراد الانتصار وكيف ينهزم إذا اختار لنفسه الهزيمة. وانطوت الفطرة البشرية على ضرورة الخضوع لله رب العالمين، وعند غياب الدين الصحيح، رأينا الإنسان يتخذ لنفسه دينا، يعبد فيه إلها مصنوعا من الحجر، أو الشجر، على صورة إنسان، أو حيوان، ورأيناه كذلك يتقرب لهذه الآلهة المزعومة بالعطايا، والقربات ويطلب منها، ويلجأ إليها، ويستغيث بها عند الحاجة. إن الإنسان هو المخلوق الوحيد، المسئول عن دين الله في الأرض، ولذا جعله الله خليفته، وبعث إليه رسله ﵈، لتبليغ الدين الحق كلما اختفت تعاليمه، أو حرفها المحرفون من أعداء الله. وقد استمرت البشرية بعد آدم ﵇ على الدين الحق، مدة عشرة قرون، وبعدها ظهرت الأصنام، وصار لها كهنة يدعون لها، ويروجون لعبادتها، ورأى جبابرة الأرض أن وضع دين للناس يهيئ لهم السيطرة، والتحكم، هو الطريق الأكثر فائدة لما يريدون، ولذلك اتخذوها آلهة من دون الله، وألهوا أنفسهم، واستعبدوا الناس، واستكبروا في الأرض، وعملوا على القضاء على أي دعوة إلهية ينادي بها رسول من قبل الله في الناس. ولأن الإنسان مخلوق لله، والدين منزل من عند الله، وجدنا التوافق التام بين الإنسان السوي، والدين الحق، فكلاهما خلق الله، وكل منهما يلتقي مع الآخر، في توافق، وتناغم، وانسجام.

стр. 559

إن الله خلق الإنسان مكونا من جسد وعقل، ووجدان، وأنزل الدين مشتملا على عقيدة، وشريعة، وأخلاق، ليشبع الإنسان كافة جوانبه، ويتمكن من القيام بواجبه الذي خلق له، في توافق وتوازن، وانسجام فلا يطغى جانب على غيره، ولا يشبع عنصرا دون سواه. فليس من الدين مادية مفرطة تشبع الجسد، وتهمل الروح، وتعلي شأن اللذة الدنيوية، وتتفنن في الاستجابة للشهوات والغرائز، مع نسيان العقل والوجدان. وليس من الدين رهبانية جانحة، تعزل الإنسان عن الحياة، وتضعف الجسد، وتهمل العقل، وتغرق الإنسان في همهمات، وشطحات، مهما تعدد مسماها. وليس من الدين اعتماد مطلق على العقل، يرضى بالفلسفة، ويغتر بالتقدم الفكري، وينسى ما عداه. إنما الدين وحي من الله تعالى، جاء به الرسل للناس بمنهج كامل، يتعامل مع الجسد، والعقل، والوجدان، بصورة متوازنة. إن الدين الحق ينظم للإنسان كاف جوانب حياته، وجميع ألوان نشاطه، وبذلك يعيش الإنسان لله إنسانا سويا، لا تتمزق شخصيته، ولا تتبعثر أنشطته ولا يدركه القلق، أو الاضطراب أو التضارب. والإنسان حين يعيش بالدين الحق يجد نفسه أمام نظام رباني، ينسق له ألوان نشاطه، ويشرع له في كل أمور الدنيا، ويهيئه ليسعد في الآخرة. إن وحدة المنهج يحقق وحدة الشخصية، دون أن يجور جانب على جانب، أو يضيق مجال الحركة، أو يمزق الإنسان بين عدد من المناهج البشرية بما فيها من عجز، وتضارب، وقصور. إن رسالات الله، ودعوات رسله إلى الناس، حاولت أن توضح الحقيقة الدينية أمام الإنسان، حماية لفطرته، وإزالة للغبش الذي وضعه أهل البغي، والضلال في الأرض.

стр. 560

وقد بدأت المعركة الدينية منذ آدم ﵇ وتحددت كافة القوى، فهناك قوى الخير التي تبلغ هدى الله للناس، وتعمل على انتشاره في العالمين، ورسل الله ﵈ هم طلائع قوى الخير، وقد رأيناهم دعاة، عاملين، مجاهدين، يبلغون دين الله تعالى كما جاءهم من عند خالقهم، متحملين في سبيل ذلك، العنت والأذى، والتهم، والعدوان.... وأدوا ما كلفهم الله به بصورة تامة كاملة، ومع الأنبياء نجد المؤمنين الصالحين، الذين اكتشفوا حقيقة أنفسهم، فعبدوها لله، وأخذوا في الطاعة، والالتزام، ونشر الهداية في الآخرين. وهناك قوى الشر، وعلى رأسها إبليس الذي طرده الله من الجنة، وأنظره إلى يوم الدين، وكثرت ذرية إبليس، وتمكنوا من ضم قوى عديدة للعمل معهم. ومن هذه القوى النفس الأمارة بالسوء، والشهوات والنزعات، والهوى بما لها من تأثير في الإنسان طاهرا، وباطنا.... ومن هذه القوى جبابرة الناس، وفساقهم، الذين يرون في الحق والعدل تعارضا مع توجهاتهم، وآمالهم. ومن هذه القوى كل من يحب لنفسه أن يتصف بشيء من صفات العظمة والتأليه. ومن رحمة الله بالناس أن وضح لهم مختلف القوى، ليختار الإنسان لنفسه ما يريد، وليعلم نهاية الطريق الذي اختاره لنفسه، يقول تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ ١.

стр. 561

المبحث الثاني: الغاية من خلق الإنسان حينما ننظر في دعوات الرسل ﵈ جميعا، نرى قضية رئيسية بدءوا بها جميعا، وهي ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وتتضمن هذه الدعوة على أمرين واضحين: أولاهما: الله واحد لا شريك له. ثانيهما: ضرورة عبادة الله الواحد الأحد. ويقوم الدين كله على هذين الجانبين، وكل ما بعدهما من أمور الدين فروع وثمار، تأتي تبعا لتحقيق هذين الجانبين في حياة الناس. وبالنظر في هذين الأمرين تظهر الغاية من خلق الإنسان، فهو لم يخلق ليعمر الكون فقط، أو ليعيش فقط، وإنما خلق ليكون عبدا لله تعالى، يحقق العبودية في نفسه، وفي أعماله، وفي الكون من حوله، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ١. فالإنسان مخلوق للعبادة، وقد اختصه الله بخلافته في الأرض، ليحقق هذه العبودية على نفسه، ومع الناس، وفي الكون كله. وقد هيأ الله تعالى الإنسان، وأمده بالعقل، والقدرة، وأراد الله له أن يعبده راضيا، مختارا، وكلفه، ليكون قادرا على القيام بالعبادة عن وعي، ورضا، واختيار، ليسعد بهذه العبودية التي يؤدي بها ما وجب عليه، وأعطاه حرية في التطبيق والعمل، يريد، ويميل، والله يعينه، وبذلك يكون العابد كريما لا ذليلا، مريدا لا مقهورا، وتلك رحمة من الله تعالى، حيث كلف الناس بالعبادة، وتكفل لهم بالرزق، والمعاش

стр. 562

لكي يملئوا حياتهم بما كلفوا به، ولا يضيعوا أوقاتهم فيما تكفل به الخالق العظيم، يقول تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ١. والآيات تبين رحمة الله، وعظمته، فهو السيد المطاع، وشأنه مع عبيده، لا يقاس عليه شأن الخلق مع عبيدهم، فإن عبيد الخلق مطلوبون للخدمة، والتكسب للسادة، بواسطة أعمال يقومون بها ابتغاء عطاء، وأجر، والله تعالى لا يطلب من عباده رزقا، ولا إطعاما، وإنما يطلب منهم عبادته فقط، وزائد على أنه لا يطلب منهم رزقا فهو الذي يرزقهم، وعليهم أن يقوموا بما خلقوا له. وبتحقيق العبودية يتحقق توحيد الله تعالى في الحقيقة لما بين التوحيد والعبادة من تلازم، وارتباط. فالتوحيد تصديق يقيني بألوهية الله الواحد، هذه الألوهية المشتملة على تقدير الله الخالق، وعدم إشراك غيره معه فيما يستحق من صفات، وأفعال، فهو سبحانه متفرد في الألوهية، والربوبية، والقوامة، والسلطان، والحكم. والواجب على الإنسان العابد أن يحقق هذا التوحيد، اعتقادا في الضمير، وعبادة في الشعائر، ونظاما وسلوكا في الحياة العملية. إن التوحيد في حقيقته يعني أن تعود حياة الناس بجملتها إلى الله.... وليس من التوحيد التوجه بالتعظيم إلى مخلوق آخر غير الله. وليس من التوحيد إعطاء ما لله لغير الله؛ لأن ذلك شرك، وجحود لا يجوز في دين الله تعالى. وبهذا الفهم الدقيق والحقيقي للتوحيد، تكون العبادة الخالصة لله، عملا ضروريا ملازما للتوحيد.

стр. 563

وليس من العقل أن يتخذ الله ربا واحدا، ويعبد سواه، ويقصد بالطلب، والدعاء والرجاء. وليس من الدين أن تؤمن بالله وحده بالضمير، وتهمله في العبادة والسلوك والنظام. إن الحياة بقانون يغاير شرع الله، ونظام يخالف نظام الله، يشير إلى نفاق في العقيدة، ويؤكد عدم الاقتناع بشريعة الله..... وإن لا فلم ترك نظام الله وإهمل شريعته؟ إن العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله، ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة، والظاهرة١، وهي بذلك بعظمة الإله الواحد. ولذلك كانت دعوات الرسل جميعا قائمة على توحيد الله، وإخلاص العبادة له، يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢، ويقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ ٣، ويقول سبحانه: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا، لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا، وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ ٤. فالدين كله داخل في العبادة، والإنسان بالعبادة يكون عبدا ربانيا. يقول ابن تيمية: والعبادة والدين كلاهما يتضمن الذل والخضوع، يقال: دنته، فدان، أي ذللته، فذل، كما يقال طريق معبد أي مذلل وطأته الأقدام.

стр. 564

لكن العبادة المأمور بها، تتضمن معنى الذل، ومعنى الحب، فهي تشتمل على غاية الذل لله، وغاية الحب له.... وأول مراتب الحب العلاقة، لتعلق القلب بالمحبوب ثم الصبابة لانصباب القلب إليه، ثم الغرام وهو الحب الملازم للقلب، ثم العشق وآخرها التتيم، يقال: تيم الله، أي عبد الله، فالمتيم المعبد لمحبوبه١..... والواجب أن يكون الله أحب للعبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء. إن حب الله وتعظيمه يجعل العبد سعيدا بعبادة الله، فيطيع راضيا، ويتوكل مطمئنا. إن الله سبحانه هو رب العالمين، وخالقهم، ورازقهم، ومحييهم، ومميتهم، ومقلب قلوبهم، ومصرف أمورهم، لا رب لهم غيره، ولا مالك لهم سواه ولا خالق لكل شيء، ومدبره، ومسخره، إلا هو، سواء اعترفوا بذلك، أو أنكروه، وسواء علموا ذلك، أو جهلوه، لكن أهل الإيمان منهم عرفوا ذلك، وآمنوا به، وشكروه بعبودية الإلهية، رغبا ورهبا، بخلاف من كان جاهلا بذلك أو جاحدا له، مستكبرا على ربه، لا يقر ولا يخضع له، مع علمه بأن الله ربه وخالقه، فالمعرفة بالحق إذا كانت مع الاستكبار عن قبوله والجحد له، كانت عذابا على صاحبها، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ٤.

стр. 565

فإذا اعترف العبد أن الله ربه وخالقه، وأنه مفتقر إليه محتاج إليه، وعرف العبودية المتعلقة بربوبية الله، هذا العبد يسأل ربه، ويتضرع إليه، ويتوكل عليه. وهناك من العبيد أقوام يعرفون الله، ويقرون بحقيقة ربوبيته، ولكنهم لا يعبدون، وإن عبدوا فبصورة لا تثمر عبودية صحيحة، إنهم يعيشون بنظام غريب، وسلوك يخالف دين الله وشرعه. وهذه المعرفة عاشها إبليس، وأهل النار، يقول الله عن إبليس: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون﴾ ١، ويقول سبحانه: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٢، ويقول سبحانه: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٣ فهو قد أقر بربوبية الله واعترف له بالعزة، ولكنه كفر بمعصيته، وعدم خضوعه لأمر الله تعالى فأبى، واستكبر، وكان من الكافرين. وأهل النار كذلك يقرون بربوبية الله، ولكنهم لا يعبدون ولا يطيعون، ولا يحققون العبودية لله في حياتهم، وفي الكون المحيط بهم، فاستحقوا اللعن والعذاب، يقول تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ ٤، ويقول تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ٥. فمن أقر بالله ربا ولم يخضع له، ولم يطعه، ولم يعش العبودية في كل جوانب حياته، كان مثل إبليس، وأهل النار.
следующие страницы →