المبحث الثاني: الغاية من خلق الإنسان
حينما ننظر في دعوات الرسل ﵈ جميعا، نرى قضية رئيسية بدءوا بها جميعا، وهي ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وتتضمن هذه الدعوة على أمرين واضحين:
أولاهما: الله واحد لا شريك له.
ثانيهما: ضرورة عبادة الله الواحد الأحد.
ويقوم الدين كله على هذين الجانبين، وكل ما بعدهما من أمور الدين فروع وثمار، تأتي تبعا لتحقيق هذين الجانبين في حياة الناس.
وبالنظر في هذين الأمرين تظهر الغاية من خلق الإنسان، فهو لم يخلق ليعمر الكون فقط، أو ليعيش فقط، وإنما خلق ليكون عبدا لله تعالى، يحقق العبودية في نفسه، وفي أعماله، وفي الكون من حوله، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ١.
فالإنسان مخلوق للعبادة، وقد اختصه الله بخلافته في الأرض، ليحقق هذه العبودية على نفسه، ومع الناس، وفي الكون كله.
وقد هيأ الله تعالى الإنسان، وأمده بالعقل، والقدرة، وأراد الله له أن يعبده راضيا، مختارا، وكلفه، ليكون قادرا على القيام بالعبادة عن وعي، ورضا، واختيار، ليسعد بهذه العبودية التي يؤدي بها ما وجب عليه، وأعطاه حرية في التطبيق والعمل، يريد، ويميل، والله يعينه، وبذلك يكون العابد كريما لا ذليلا، مريدا لا مقهورا، وتلك رحمة من الله تعالى، حيث كلف الناس بالعبادة، وتكفل لهم بالرزق، والمعاش
стр. 562
لكي يملئوا حياتهم بما كلفوا به، ولا يضيعوا أوقاتهم فيما تكفل به الخالق العظيم، يقول تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ١.
والآيات تبين رحمة الله، وعظمته، فهو السيد المطاع، وشأنه مع عبيده، لا يقاس عليه شأن الخلق مع عبيدهم، فإن عبيد الخلق مطلوبون للخدمة، والتكسب للسادة، بواسطة أعمال يقومون بها ابتغاء عطاء، وأجر، والله تعالى لا يطلب من عباده رزقا، ولا إطعاما، وإنما يطلب منهم عبادته فقط، وزائد على أنه لا يطلب منهم رزقا فهو الذي يرزقهم، وعليهم أن يقوموا بما خلقوا له.
وبتحقيق العبودية يتحقق توحيد الله تعالى في الحقيقة لما بين التوحيد والعبادة من تلازم، وارتباط.
فالتوحيد تصديق يقيني بألوهية الله الواحد، هذه الألوهية المشتملة على تقدير الله الخالق، وعدم إشراك غيره معه فيما يستحق من صفات، وأفعال، فهو سبحانه متفرد في الألوهية، والربوبية، والقوامة، والسلطان، والحكم.
والواجب على الإنسان العابد أن يحقق هذا التوحيد، اعتقادا في الضمير، وعبادة في الشعائر، ونظاما وسلوكا في الحياة العملية.
إن التوحيد في حقيقته يعني أن تعود حياة الناس بجملتها إلى الله....
وليس من التوحيد التوجه بالتعظيم إلى مخلوق آخر غير الله.
وليس من التوحيد إعطاء ما لله لغير الله؛ لأن ذلك شرك، وجحود لا يجوز في دين الله تعالى.
وبهذا الفهم الدقيق والحقيقي للتوحيد، تكون العبادة الخالصة لله، عملا ضروريا ملازما للتوحيد.
стр. 563
وليس من العقل أن يتخذ الله ربا واحدا، ويعبد سواه، ويقصد بالطلب، والدعاء والرجاء.
وليس من الدين أن تؤمن بالله وحده بالضمير، وتهمله في العبادة والسلوك والنظام.
إن الحياة بقانون يغاير شرع الله، ونظام يخالف نظام الله، يشير إلى نفاق في العقيدة، ويؤكد عدم الاقتناع بشريعة الله..... وإن لا فلم ترك نظام الله وإهمل شريعته؟
إن العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله، ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة، والظاهرة١، وهي بذلك بعظمة الإله الواحد.
ولذلك كانت دعوات الرسل جميعا قائمة على توحيد الله، وإخلاص العبادة له، يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢، ويقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ ٣، ويقول سبحانه: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا، لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا، وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ ٤.
فالدين كله داخل في العبادة، والإنسان بالعبادة يكون عبدا ربانيا.
يقول ابن تيمية: والعبادة والدين كلاهما يتضمن الذل والخضوع، يقال: دنته، فدان، أي ذللته، فذل، كما يقال طريق معبد أي مذلل وطأته الأقدام.
стр. 564
لكن العبادة المأمور بها، تتضمن معنى الذل، ومعنى الحب، فهي تشتمل على غاية الذل لله، وغاية الحب له.... وأول مراتب الحب العلاقة، لتعلق القلب بالمحبوب ثم الصبابة لانصباب القلب إليه، ثم الغرام وهو الحب الملازم للقلب، ثم العشق وآخرها التتيم، يقال: تيم الله، أي عبد الله، فالمتيم المعبد لمحبوبه١.....
والواجب أن يكون الله أحب للعبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء.
إن حب الله وتعظيمه يجعل العبد سعيدا بعبادة الله، فيطيع راضيا، ويتوكل مطمئنا.
إن الله سبحانه هو رب العالمين، وخالقهم، ورازقهم، ومحييهم، ومميتهم، ومقلب قلوبهم، ومصرف أمورهم، لا رب لهم غيره، ولا مالك لهم سواه ولا خالق لكل شيء، ومدبره، ومسخره، إلا هو، سواء اعترفوا بذلك، أو أنكروه، وسواء علموا ذلك، أو جهلوه، لكن أهل الإيمان منهم عرفوا ذلك، وآمنوا به، وشكروه بعبودية الإلهية، رغبا ورهبا، بخلاف من كان جاهلا بذلك أو جاحدا له، مستكبرا على ربه، لا يقر ولا يخضع له، مع علمه بأن الله ربه وخالقه، فالمعرفة بالحق إذا كانت مع الاستكبار عن قبوله والجحد له، كانت عذابا على صاحبها، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ٤.
стр. 565
فإذا اعترف العبد أن الله ربه وخالقه، وأنه مفتقر إليه محتاج إليه، وعرف العبودية المتعلقة بربوبية الله، هذا العبد يسأل ربه، ويتضرع إليه، ويتوكل عليه.
وهناك من العبيد أقوام يعرفون الله، ويقرون بحقيقة ربوبيته، ولكنهم لا يعبدون، وإن عبدوا فبصورة لا تثمر عبودية صحيحة، إنهم يعيشون بنظام غريب، وسلوك يخالف دين الله وشرعه.
وهذه المعرفة عاشها إبليس، وأهل النار، يقول الله عن إبليس: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون﴾ ١، ويقول سبحانه: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٢، ويقول سبحانه: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٣ فهو قد أقر بربوبية الله واعترف له بالعزة، ولكنه كفر بمعصيته، وعدم خضوعه لأمر الله تعالى فأبى، واستكبر، وكان من الكافرين.
وأهل النار كذلك يقرون بربوبية الله، ولكنهم لا يعبدون ولا يطيعون، ولا يحققون العبودية لله في حياتهم، وفي الكون المحيط بهم، فاستحقوا اللعن والعذاب، يقول تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ ٤، ويقول تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ٥.
فمن أقر بالله ربا ولم يخضع له، ولم يطعه، ولم يعش العبودية في كل جوانب حياته، كان مثل إبليس، وأهل النار.
стр. 566
إن العبادة متعلقة بالألوهية، فالإله هو الذي يألهه القلب بكمال الحب والتعظيم، والإجلال، والإكرام، والخوف، والرجاء، ونحو ذلك.
وعلى العابد أن يعلم أن عبادة الله تكون بما أمر به، وشرعه، يقول تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ١.
إن العبودية الحقه تجعل صاحبها يؤمن بخيرية شرع الله؛ لأنه من الله، وذلك كاف في الإيمان، أما أن يجعل الخيرية خاضعة للمقارنة، والتنظير، فذلك أمر يضر الإيمان، ولا يفيد.
ليس من العبودية الصحيحة أن يعيش الإنسان التوحيد في عالم الثقافة النظرية، والفكر المجرد بعيدا عن التطبيق في عالم الواقع.
وليس من العبودية الصحيحة أن يحاول العابد إقناع نفسه بخيرية دينه بالمقارنة بالنظم الأخرى.... لأن مصدر الخيرية في الحقيقة هو الله تعالى، والمؤمن به لا يحتاج لمقارنة.
لقد أكرم الله رسله بهذه العبودية، فوصفهم بها، وكانوا أحق بها، وأهلها يقول تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ٢، ويقول تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ، إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ، وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ ٣، ويقول تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ
стр. 567
نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ ٢، ويقول تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ ٣.
ولقد دعا رسل الله ﵈ أقوامهم إلى عبادة الله الواحد، الأحد، واستمروا عليها مع امتداد الزمن، وتباعد المكان.
وحينما ننظر إلى هذا الموكب المتتابع لرسل الله، واجتماعهم حول هذه القضية، ندرك على الفور أهمية هذه القضية، التي التقوا حولها، وعاشوا جميعا لها.
وندرك كذلك أن ذكر القرآن الكريم لهذه الدعوات أمر مقصود، أراد الله به أن يوقظ همم الأمة الإسلامية، ليؤمنوا بالله إلها واحدا، ويخصوه وحده بالعبادة، ويعبدوه بما أمر وشرع.... وكأن هذه التجارب أدلة مثبتة لصدق ما دعا إليه الرسل ﵈....
على المسلمين أن يستفيدوا بها، ويأخذوا منها ما ينفعهم في حركة الدعوة إلى الله تعالى.
وقد يتصور البعض أن دعوة الرسل ﵈ لأقوامهم، كانت سهلة ميسرة لقلة الناس، ولصلتهم برسولهم.... قد يتصور البعض ذلك إلا أن الواقع يؤكد غير ذلك، فلقد واجه الرسل، الملأ والجبابرة، وأعداء الحق، وأخلصوا في دعوتهم وأدوا ما عليهم من واجب، وتركوا الأمر لله بعدما بذلوا كل ما أمكنهم من بيان، وتوضيح.
стр. 568
المبحث الثالث: الدعوة إلى التوحيد
القسم الأول: توحيد الأسماء والصفات
...
المبحث الثالث: الدعوة إلى التوحيد
إن الدعوات الإلهية جميعا، جاءت لتبليغ دين الله تعالى، بكماله، وتمامه، ليعيش الناس به عبيدا مخلصين، يقول الأستاذ/ محمد قطب: "إن "لا إله إلا الله" لم تكن عقيدة فقط، إنما كانت دائما -إلى جانب العقيدة- توجيهات ربانية تتناول جوانب الحياة المختلفة، فهي تارة توجيهات خلقية، وأخرى توجيهات نفسية، وثالثة إقتصادية١.
إن هدف "لا إله إلا اله" إقامة أمة على نهج رباني، يقوم على العقيدة، ويتأسس بالعبادة والشريعة، ويجمل بمكارم الأخلاق ومحاسن السلوك.
والعقيدة الدينية أساسها توحيد الله تعالى، ولذلك فصل الأنبياء في التعريف بها، وركزوا عليها.
ويتضح من تتبع دعوات الرسل أن التوحيد أنواع ثلاثة، متمايزة، يجب الإيمان بها، لتنتج إيمانا صادقا كاملا، وهذه الأنواع هي:
القسم الأول: توحيد الأسماء والصفات
لله الأسماء الحسنى، وصفاته العلى، وهو سبحانه في أسمائه، وصفاته، واحد لا شريك، ودلالة الأسماء والصفات على ذات الله تعالى دلالة خاصة، تليق بذاته ، ولا يصح فهمها على ضوء مفهوم الحوادث المخلوقة، ولا يصح تصور أن الحوادث وإن سميت، أو اتصفت بأسماء الله، أو صفاته، تشبه الله في جانب من جوانب الصفة.
فالكبير اسم من أسماء الله تعالى مثلا، يجب أن يفهم بمعنى خاص به، فالخالق لا يشبهه مخلوق أبدا، والمخلوق كائن حادث، والخالق إله قديم قادر ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
القسم الثاني: توحيد الربوبية
ومعناه أن الله هو الرب الواحد، الفاعل لكل ما في الوجود، الخالق لكل موجود بلا شريك، أو معين، اختص بالربوبية دون سواه، فوجب توحيده بها.
والربوبية اسم مشتق من الرب، ومعناه السيد، والمالك، والمربي، ولذلك يقال: فلان رب الأسرة، من قبيل الاستعمالات المجازية؛ لأن الواقع المشاهد يؤكد أن الإنسان لا يملك أمر نفسه، ولا يؤثر تأثيرا حقيقيا في أي جانب؛ إذ الأمور تجري بالمقادير، وصدق رسول الله ﷺ وهو يقول لابن عباس ﵁: "يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف" ١.
وتوحيد الربوبية من المسلمات العقلية، التي آمن بها البشر دائما؛ لأن الإنسان دائما يدرك عجزه أمام قوى الكون المختلفة، ولا يعلم لها تفسيرا، ولذلك سلم بوجود الله الخالق القادر.
стр. 571
يؤكد القرآن الكريم إيمان الإنسان بالرب الواحد، في آيات كثيرة، فيقول تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٢ ويقول تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ٣، ويقول تعالى، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٤.
فهذه آيات تؤكد تسليم الناس بتوحيد الربوبية، فهو سبحانه الرزاق، ومالك الكون كله، والمحيي، والمميت، والمعطي، والمانع، والمدبر....
وعاشت البشرية بهذا اللون من التوحيد، وظنت نفسها تعرف الله، والحق ليس كذلك، فإبليس لم يجادل في وحدانية الرب، والكفار كانوا مثله، وما استفادوا بإيمانهم القاصر.
وفي العصر الحديث، بدأت عقول تغتر بفكرها، فأنكرت ما وراء المادة، وآمنت بالمحسوس وحده، وهذا أدى بهم إلى إنكار توحيد الربوبية، والكفر المطلق بالله تعالى.
стр. 572
القسم الثالث: توحيد الألوهية
يعتبر توحيد الألوهية، ثمرة مباشرة لتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الربوبية.
لأن توحيد الأسماء والصفات ينفي الشريك في الاسم، والصفة، وتوحيد الربوبية يدور على إثبات الفعل، والتأثير لله وحده.
فإذا ما آمن الإنسان بربوبية الله، وأسمائه وصفاته، يجد نفسه تلقائيا مؤمنا بألوهية الله تعالى، فيتعلق القلب به سبحانه، خوفا ورجاء، ويتعلق اللسان به صدقا وإيمانا، وتتعلق الجوارح به عملا وطاعة.
وحين يحقق المؤمن في نفسه توحيد الألوهية تتحقق العبودية الصادقة التي من أجلها خلق الله الإنسان.
إن تكامل الإيمان في الشخصية المؤمنة يبرز التوحيد، والعبادة، في قالب واحد، لا ينفك أحدهما عن الآخر، وهو الذي عناه الأنبياء وهم ينادون في الناس ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ .
ولقد بدأت البشرية بنبي الله آدم ﵇، مؤمنة، موحدة، تشهد بوحدانية الله تعالى في أسمائه وصفاته، وربوبيته، وألوهيته، لكنها لم تستمر على الإيمان طويلا؛ إذ لعب بها الهوى، وأضلها إبليس، فاتخذت آلهة عددا، وعبدتها من دون الله تعالى.
وكانت كلما جاءهم رسول يدعوهم إلى الحق، لا يؤمنون، وإن آمن بعضهم فسرعان ما يرتدون.
إن تاريخ الناس بالنسبة لدين الله مؤسف، ففترات الكفر، والإلحاد تربو على فترات الإيمان، ولم يأت رسول إلى قومه إلا وهم على ضلال مبين، بدءا بنوح ﵇ إلى خاتمهم محمد ﷺ ، وكان الناس خلال ضلالهم يعبدون الأصنام، والأوثان، والأشخاص، والكواكب، والأشجار، والبيوت وغيرها.
جاء نوح ﵇ فوجد قومه، يعبدون الأصنام من دون الله تعالى، فدعاهم إلى التوحيد الخالص، والعبودية الحقة، لكن القوم أصروا على كفرهم وقالوا ما حكاه
стр. 573
الله عنهم: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ ١ فتمسكوا بأصنامهم، وعلى رأسها هذه الأصنام الخمسة المذكورة لأنها أكبرها، وأكثرها أتباعا، وواجهوا حركة نوح ﵇ بالدعوة باتهامه بالكذب والسفاهة، والجنون، ولم يرتضوا أن يكون الرسول بشرا، في الوقت الذي ارتضوا فيه أن يكون الله حجرا أو حيوانا.
و"عاد" هي الأخرى عبدت الأصنام، ونسيت الله، وحقوقه، فكان ردهم كقوم نوح تماما، فاتهموا هودا بخفة العقل، والكذب، ومخالفة أبائه السابقين.
و"ثمود" كذلك كانت على نمط من سبقوهم في الكفر، والضلال، ولما دعاهم صالح ﵇ أبوا واستمروا على ضلالهم.
وهكذا كان كل الأقوام مع رسلهم، في رفضهم الدعوة، واتهام الرسول، والتشبث بمواريثهم، وضلالهم..... ولقد كان للقوم منطق واحد في ضلالهم، وكفرهم.
لقد عبدوا الأصنام، والأوثان، ورفضوا عبادة الله وحده، متعللين بأسباب واهية.
قالوا: إن مواريث الآباء في عبادة الأصنام أولى بالاتباع؛ لأن الأباء ما عبدوها إلا عن اقتناع بها، فكيف لهم ترك ما كان عليه الآباء والأجداد.
وقالوا: إن عبادة عدد من الآلهة أفضل من عبادة إله واحد؛ لأن الكثرة والتعدد أحق من التوحد، وكأنهم في سوق يبيعون ويشترون.
وقالوا: إن تعدد الآلهة يساعدهم في العبادة؛ لأنهم يصطحبون الإله معهم أينما ذهبوا وأينما حلوا.
وقالوا: إن الأصنام آلهة صغرى، نراها، ونلمسها، وبها نتقرب إلى الله الأعظم، يشير الله تعالى إلى هذه العلل الواهية، فيقول تعالى:
стр. 574
﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ، إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ٢ ويقول تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٣.
وكل هذه الافتراءات، والمزاعم الباطلة تعود إلى الجهل، والكبرياء والاستغراق في الهوى، وحب الشهوة، وحب السيطرة والاستعلاء.
فهم بكبريائهم يعتزون بأبائهم، ويتمسكون بما ورثوه منهم، وكأنه الحق الذي لا تجوز مخالفته رغم وضوح فساده، وضلاله.
وبسبب هذا الكبر نجدهم لا يهتمون بدعوة الرسول إليهم لكونه رجلا عاديا، من عامتهم.
وهو بجهلهم يعبدون أصناما لا تضر، ولا تنفع، ولا تسمع، ولا تتكلم، ولا تملك من أمر نفسها شيئا، ولا تدفع عن نفسها ضرا، وأهملوا عبادة الله الذي خلقهم، ورزقهم، وهو الذي أحياهم، وسوف يميتهم.
وبجهلهم تصوروا أن كثرة الحجارة تعطي معنى آخر، مع أن هو حجر واحدا كان أو عددا.
وبجهلهم اعتبروا الألوهية سلعة كسائر السلع، ولذلك فضلوها عددا وكثرة ومن حبهم للهوى أنهم فضلوا صناعة آلهة متعددة بأيديهم، واصطحابها في سفرهم، ورحلاتهم ليسعدوا بها، ويعيشوا معها.
стр. 575
ومن حبهم للاستعلاء والتسلط عملهم على انتشار عبادة الأصنام في الناس؛ لأنها وسيلتهم إلى السيطرة على عقول العامة، والاستيلاء على ما لهم من حقوق.
لقد وصل بهم الضلال إلى أن نصبوا أنفسهم آلهة، ووجهوا العامة، وغيرهم إلى تعظيمهم، والخضوع لهم، مع أنهم يعلمون علم اليقين، ضعفهم، وحاجتهم إلى الله دائما، وبخاصة في وقت مرضهم، وأزماتهم، ومشاكلهم.... لكنه الضلال والكبر ولقد استمر الرسل ﵈ في جلاء الحقيقة، ودعوة الناس إلى الدين الحق، ولم يأبهوا بمعارضة أهل الباطل والضلال.
стр. 576
المبحث الرابع: الدعوة إلى العبادة
اتجه الرسل ﵈ جميعا إلى دعوة الناس إلى توحيد الله تعالى، وترك تأليه ما سواه، ورأينا أن الدعوة إلى عبادة الله جاءت ملازمة للدعوة إلى التوحيد لأن التوحيد بلا عبادة عبث لا يجوز في دين الله تعالى.
إن العبادة تشعر الإنسان المخلوق، باحتياجه إلى الله الخالق، وتعتمد العبادة على فطرة الإنسان؛ لأنها ترتبط بغريزة التدين، التي تبدو في إحساس الإنسان بوجود سلطان غيبي، فوق قوى الكون، يوجد بلا سبب، خالق السماوات والأرض، وهو على كل شيء قدير.
قد يبدو هذا الإحساس الفطري باهتا، ولذلك جاء الرسل، لتأكيد هذه الفطرة، وإبرازها في الجانب العملي للحياة، وترسم طريق استقامة الفطرة في تدينها لله، وعبادتها للخالق العظيم.
إن العبادة طاعة منهجية، والتزام عملي، وسلوك يشمل كل نشاط الإنسان ولعل اهتمام الرسالات بالعبادات على أساس هذا المفهوم، هو الذي سهل للعابدين من أتباع سائر الدعوات أن يتسموا بـ"المسلمين".
فنوح ﵇ يقول: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِين﴾ ١ وإبراهيم وإسماعيل ﵉ يقولان: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ ٢ وإبراهيم ويعقوب يوصيان أولادهما ويقولان: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٣.
стр. 577
ويوسف ﵇ يقول لربه: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ ١.
وسليمان يرسل إلى بلقيس قائلا: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ٢، فلما أسلمت قالت: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣.
وإبراهيم ﵇: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ ٤، وحواريو عيسى قالوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ٥.
ولا غرابة في هذه التسمية لأنها تتفق مع مفهوم العبادة في كثير من الجوانب إذ الأصل اللغوي لمادة الإسلام تحتمل معاني ثلاثة:
أحدها: الانقياد والمتابعة، وفي الحديث: "أن الله أعانني عليه حتى أسلم" ٦، أي انقياد لي وكف عن وسوستي، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ ، أي لا تقولوا ذلك؛ لأنه صار منقادا لكم ومتابعا.
والثاني: السلامة والأمانة، قال الأزهري: المسلم من دخل في باب السلامة.
والثالث: قال ابن الأنباري: المسلم معناه المخلص لله في عبادته٧، فالإسلام هو الإخلاص لله في عبادته.
هذه المعاني المحتملة من لفظة الإسلام، هي نفسها المعاني المستفادة من العبادة لأن العبادة فيها انقياد كامل لله، وإخلاص للمعبود، عن رغبة مستلزمة للأمن والسلامة
стр. 578
يقول الرازي عند قوله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ ١ أي إني أسلمت وجهي لله، لا أعبد غيره، ولا أتوقع الخير إلا منه، ولا أخاف إلا من قهره، وسطوته، ولا أشرك به غيره٢ وبذلك يتضمن إسلام الوجه الإخلاص، وكمال العبودية، وقصرها على الله وحده، فدعوة الرسل إلى العبادة دعوة إلى الإسلام في الحقيقة.
والعبادات التي دعا إليها الرسل نوعان:
الأول: نوع محدد مقدر مكيف بنص مقدس لا يقبل التغيير والتبديل.
الثاني: نوع غير محدد، ويدخل في إطار قواعد كلية تحتوي على جزئيات عديدة، حدثت أو لم تحدث.
أما عن النوع الأول فيقول الغزالي عنه، "إنه محدد مقدر من جهة الأنبياء لا يدرك وجه تأثيرها ببضاعة عقل العقلاء، بل يجب فيها تقليد الأنبياء الذين أدركوا تلك الخواص بنور النبوة"٣، ويقول العقاد عنها: "أنها شعائر توقيفية تؤخذ بأوضاعها وأشكالها٤.... والعبادات المحددة هي التي يلتمس أثرها عادة، ويطلب سرها كالصوم والصلاة، والزكاة والحج، وقد اتفقت الدعوات السابقة في وضع أصولها للناس، حتى يتحقق الانقياد العملي ويظهر الإخلاص لله تعالى بها.
هذا هو سيدنا إبراهيم ﵇ دعا ربه أن يمكنه وذريته من إقامة الصلاة فيقول: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ ٥.
ومن الأوصاف التي استحق بها سيدنا إسماعيل المدح إقامته للصلاة: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ ٦.
стр. 579
وحينما كلف موسى بالرسالة، كان أول ما أمر به هو الصلاة حيث قال الله له: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ ١ وأمره الله وأخاه هارون فقال تعالى: ﴿أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢.
ومن وصايا لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ ٣.
والصلاة والزكاة، أول ما نطق به عيسى ﵇ في المهد إذ قال: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ ٤.
فنرى الرسل قد كلفوا بإقامة الصلاة وبلغوا هذا التكليف.
إن الصلوات الواردة على ألسنة الرسل أعمال مكررة، في مواعيد ثابتة، وتحتاج إلى تدبر، وتذكر، وخشوع، كما يدل على ذلك لفظ إقامة الذي أسندت إليه الصلاة، وكيفية هذه الصلاة من ناحية الإحاطة بها تحتمل رأيين:
الأول: أن يطلع الله كل رسول على كيفية صلاة الأمم السابقة، وتفاصيلها وهيئتها لتبقى معلومة لديه.
الثاني: أن لا يطلع الله الرسل على التفاصيل، وإنما يعرفهم بها في إجمال، وهذان الرأيان ذكرهما الرازي عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ ٥ وقد ذكر في سورة لقمان أن هذه الكيفية للصلاة اختلفت هيئاتها من رسالة إلى رسالة، وإن اتحدت في حقيقتها وغرضها٦.
стр. 580
وسواء كانت كيفية الصلاة معلومة للرسل، أو غير معلومة، فإنه لا يمنع أن يكون هناك اشتراك في بعض أجزاء هذه الكيفية كالتوجه إلى قبلة، وإن اختلفت، فلقد عرف أن اليهود كانت تتوجه إلى بيت المقدس، كما ثبت من مشاركة النبي ﷺ لهم في هذا التوجه، بعد الهجرة واستمر في هذه المشاركة سبعة عشر شهرا حتى أمر بالتحويل إلى الكعبة١، وكالركوع والسجود فإن إبراهيم "﵇ قال: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ ٢، ومريم نوديت: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ٣، وداود ﵇ ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ ٤، وكتأدية الصلاة في مكان طاهر كالمسجد والبيع والكنائس، والزكاة أيضا بمعناها البسيط الذي هو إعطاء المحتاج جزء من المال معونة له جاءت أصولها في الرسالات السابقة.
فعن إبراهيم: وابنه إسحاق، يقول تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ ٥.
ومن صفات إسماعيل ﵇ وصلاحه: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ ٦، ومن أقوال المسيح في مهده: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ ٧.
وجاء في العهد القديم: "أنصفوا المسكين والبائس نجوا المسكين والفقير"٨، وجاء أيضا: "من يرحم الفقير يقرض الرب"٩.
стр. 581
وجاء في العهد الجديد: "بع أملاكك وأعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء"١، وجاء فيه أيضا: "تعالوا يا مباركي أبي، ورثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم لأني جعت فأطعمتموني، عطشت فسقيتموني، كنت غريبا فآويتموني، عريانا فكسوتموني، مريضا فزرتموني، محبوسا فأتيتم إلي. فيجيبه الأبرار حينئذ قائلين، يا رب متى رأيناك جائعا فأطعمناك، أو عطشانا فسقيناك، ومتى رأيناك غريبا فأويناك، أو عريانا فكسوناك، ومتى رأيناك مريضا أو محبوسا فأتينا إليك، فيجيب الملك ويقول: الحق أقول لكم بما إنكم فعلتموه بأحد إخواني هؤلاء الأصاغر في فعلتم"٢.
والصيام معروف في الرسالات السابقة، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٣.
والحج منذ سيدنا إبراهيم ﵇ معروف للناس بعد أمر الله له: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ ٤.
وعلى هذا فأصول العبادات موجودة في جميع الرسالات السابقة، وذكر وجود هذه الأصول منذ القيم يفيد تقبلها؛ لأن العبادة تكليف ومشقة، والشيء الشاق إذا عم سهل تحمله، يقول أبو السعود في ذكر العبادات تأكيد للحكم، وترغيب فيه، وتطييب المخاطبين به فإن الشاق إذا عم سهل همله٥.
стр. 582
وكما سبق من اختلاف كيفية الصلاة فبقية العبادات تختلف أيضا في الكيفية إن جميع الرسالات جعلت الصوم امتناعا عن المفطرات، في وقت معلوم، والتشبيه الوارد في قوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ١ يفيد المماثلة في أصل الوجود، أو في الوقت، أو في المقدار، وقد رجح الفخر الرازي أن المماثلة في أصل الوجود فقط؛ لأن الكيفية تختلف على حساب استعدادات المكلفين، وقدراتهم٢.
ويكفي أن تعلم أن الكيفيات التي وضعت فيها العبادات سابقا، كانت تتضمن الانقياد لله، والامتثال المطلق في النفس، والمال، وكافة ما يستطيعه البشر.
أما العبادات الغير محددة فقد وضعت مبادئها في دعوات الرسل، وهم ينادون أقوامهم بترك الفساد في الأرض، وإصلاحها بالخير والإصلاح، والتعاون والبر، والتقوى والمحافظة على حقوق الله، وحقوق الناس.
стр. 583
المبحث الخامس: الدعوة إلى مكارم الأخلاق
الاتجاه الأول: الدعوة إلى الأخلاق مع بدء الدعوة إلى التوحيد
...
المبحث الخامس: الدعوة إلى مكارم الأخلاق
تعتبر الأخلاق جانبا حيويا وهاما في كل رسالة سماوية، ولم تكتف واحدة منها بتصحيح العقائد، والشرائع بل وصل اهتمامها بالأخلاق إلى أن المناداة بها ظهر مقترنا بظهور الدعوة؛ لأن الأخلاق جزء من التوحيد وعبادة الله تعالى.
ومن المعروف أن صدق التوحيد، وإخلاص العبادة، يستتبعان بالضرورة أخلاقا نقية عالية، والرسل صلوات الله عليهم خير الناس، اصطفاهم الله تعالى لنشر المكارم الأخلاقية، وركز في طباعهم السمو النفسي، والأخلاقي، الذي جعلهم مستعدين للقيام برسالتهم، يحدد الرسول الخاتم ﷺ منزلة الخلق في الرسالات فيقول ﷺ : "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ١ فهو متمم لمن سبقه من الرسل، وكأن الهدف من كل رسالة هو نشر جانب أخلاقي ما، إلا أن الرسالة الخاتمة جاءت متممة لهدف هذه الرسالات بتكميل مكارم الأخلاق كلها.
ولقد كان منهج الرسالات المقدس في تعليم الأخلاق واضحا في اتجاهات معينة نجملها في اتجاهات ثلاثة هي:
الاتجاه الأول: الدعوة إلى الأخلاق مع بدء الدعوة إلى التوحيد
بدأ الرسل في دعوتهم إلى الأخلاق مع بداية الدعوة إلى التوحيد، حتي يصنعوا بالأخلاق حاجزا بين النفس وشهوتها والقلب وهواه، ويرسموا للإنسانية طريقا مليئا بالفضائل والصلاح.
وإنما بدءوا هكذا لأن الإيمان بالله قرين الأخلاق، كلاهما يستلزم خضوعا وخشوعا، وطاعة مطلقة لله تعالى، وتجنب المظالم، وترك النفس، كل ما يشينها ويرديها، وكلاهما يستوجب على صاحبه أن يتحلى بالآخر، ولا يكمل الآخر
стр. 584
إلا مع الأول، ولذلك لم يبعث رسول إلا إلى قوم فسدت أخلاقهم، وضلت عقائدهم، وعاثوا في الأرض فسادا واستكبارا، في هذا الوقت تعمل الرسالة على إصلاح هذا الحال مع الدعوة إلى الإيمان.
هذا هو سيدنا نوح ﵇ بعث في قوم ذلت عقائدهم، وفسدت أخلاقهم وأخذوا في تلقين ناشئتهم هذه المبادئ الضالة، في العقيدة والأخلاق، يقول أبو السعود إنهم أصروا على المعاصي، والكفر، واستكبروا استكبارا شديدا، عن الاتباع والطاعة١، ولوضعهم هذا طلب الرسول منهم أن يعبدوا الله، ويتركوا المعاصي، وقال لهم: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ، يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ٢.
وهود ﵇ دعا قومه إلى توحيد الله، وعبادته، فقال لهم: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ ٣، وفي نفس الوقت أمرهم بأن يتوبوا عن المعاصي، ويستغفروا الله عن الذنوب، ولا يصروا على الإجرام والظلم، فقال لهم: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ ٤، ولقد دعا هود قومه إلى التوبة، والاستغفار، مع دعوتهم إلى التوحيد؛ لأنهم عتوا عتوا كبيرا واستكبروا في الأرض بغير الحق، وقالوا غرورا وتعاليا من أشد منا قوة؟ .....
وصالح ﵇ بعثه الله لقومه، فطلب منهم أن يعبدوا الله الواحد، وينبذوا فاسد الأخلاق، ويتوبوا عنها فقال لقومه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ
стр. 585
هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ ١، فطلب إليهم أن يوحدوا الله، ويعبدوه، ويرجعوا عما كانوا يباشرونه من القبائح الأخلاقية، وقد جاء النظم في الآية مهتما بالتوبة، حيث ذكر العلة الباعثة عليها، وهي ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ وجعل عقبها مباشرة الغاية المرجوة وهي ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيب﴾ ٢.
وواضح أن هذه الغاية، وتلك العلة، داعيتان إلى توحيد الله، وعبادته، والبعد عن الضلال، وترك السفة بصورة تلقائية، فقد وضعتهما الآية حول الأمر بالتوبة للإشارة إلى أهمية هذا الأمر، وضرورته للتوحيد، ولبيان مدى ما يترتب عليها من فائدة.
وهكذا دعا صالح ﵇ قومه إلى التوحيد وفي نفس الوقت دعاهم إلى ترك الفساد والاستكبار.
وشعيب ﵇ دعا قومه إلى التوحيد، واستقامة الأخلاق، حيث قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٣ فنراه ﵇ قد بدأ بإصلاح العقيدة وقفى عليها بالأمر بإيفاء الكيل، والميزان، إذا باعوا، والنهي عن بخس الناس أشياءهم إذا اشتروا، وأن يبتعدوا عن كل إفساداتهم، وضلالهم، بعد ذلك، وقد نهاهم شعيب عن كل هذا وختم قوله لهم بقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْر
стр. 586
لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، وكأن مقتضى الإيمان يستلزم التمسك بالطيب الحلال والبعد عن الخبيث المحرم.
وهكذا جمع شعيب ﵇ في أول دعوته بين المناداة بالتوحيد والمناداة بالأخلاق كسائر الرسل ﵈.
ولوط عليه السلا" يبدأ دعوته بأن يستنكر على قومه مفاسدهم، فطالبهم بتنقية أخلاقهم، مع مطالبتهم بالتوحيد، ذلك لأنهم كما ذكر صاحب قصص الأنبياء كانوا قد ابتدعوا من المنكرات ما لم يسبقهم إليه أحد من خلق الله، حيث كانوا يأتون الذكران من العالمين، شهوة من دون النساء، ولا يرون في ذلك سوءا، أو قبحا، فيعلنونه، ولا يستترون١، فهم في هذا الباب فريدون لا سابق لهم، وقد بين الله لهم هذه الحقيقة بقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ ٢، فهم يعلنون الفاحشة الظاهر قبحها من دون سائر الناس ولا يرتدون أبدا، ولقد وصفهم لوط بسبب هذا بصفات عدة، إنكارا منه لعملهم، وتوجيها لهم إلى الخير.
فسألهم -أولا- على وجه الإنكار وقال لهم: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ ٣.
ووجههم -ثانيا- إلى وجوب التسامي بغريزتهم، وببذلها في حلال وطهر. ذلك أن الشهوة إن بذلت في موضعها المشروع فهي صفة حسن، وإن بذلت في غير المشروع فهي فحشاء وصفة قبيحة، وقد أراد ﵇ أن يعودهم التسامي بالشهوة، وينتقلوا بها من الفحشاء، إلى الحسن، فقال لهم عند حضور أضيافه وقد أرادوا الاعتداء عليهم، قال لهم: ﴿بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُم﴾ ٤، يقصد ﵇ أن يتزوجوهن
стр. 587
بالطريق المشروع، ومما يؤكد هذا المقصد "لفظ الطهر" لأن لقاء البنات والنسوة لا يكون طاهرا إلا بالمشروع.
وهكذا اتجه لوط إلى تعليم قومه الأخلاق مع دعوتهم إلى التوحيد، ولا عجب فإن الرسل جميعا اهتموا بالأخلاق.
ومن بعد سيدنا لوط رأينا موسى ﵇ يدعو إلى الأخلاق، ويقول لفرعون: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى، وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ ١ فقد بين له أن الهدف هو أن يتطهر من دنس الكفر، والطغيان، عن طريق خشية الله وقد خاطبه بأسلوب الاستفهام، ليستدعيه بالتلطف في القول، ويستنزله بالمداراة من عتوه تنفيذا لقوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ ٢.
وعيسى ﵇ لما سأله أحد الفريسيين قائلا: "يا معلم أية وصية هي العظمى في الناموس؟ فقال له يسوع: تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك، هذه هي الوصية الأولى العظمى والثانية مثلها تحب قريبك كنفسك، فبهاتين الوصيتين يتعلق الناموس كله والأنبياء"٣.
وهكذا دعاهم إلى الله ومكارم الأخلاق وقد وضح ذلك في القرآن الكريم وهو يحكي إجابة عيسى لله تعالى فيقول: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ٤.
стр. 588
الاتجاه الثاني: التركيز على الرذائل المتفشية
قامت الدعوات السماوية لإصلاح الفساد في جميع الجوانب، وبكافة الصور إلا أنها كانت تركز على الفساد المتفشي في البيئة التي بعث فيها الرسول، ولعل أخطر فساد تفشى في البيئات كلها، وأخذ صبغة مشابهة، هو ضعة الإنسان، وتذلله أمام إله لا ينفع، ولا يضر، ورغم أن نظرة الأقوام إلى الأصنام مرتبطة بعقائدهم، إلا أن اتصالها بالأخلاق هام وخطير، ذلك لأنها لم تقدم قيما ولم تأمر بتصحيح خطأ، فبرزت سيئاتها في أخلاقهم بوضوح، ولذلك جاهد الرسل لنبذ هذه النظرة العقائدية أولا، والمتجهة إلى إفساد الأخلاق ثانيا.
ومن الأخطاء التي ركز عليها الرسل، وأبرزها القرآن الكريم على سبيل المثال ما كان من قوم شعيب حيث كانوا يطففون الكيل والميزان فإذا اكتلوا على الناس يستوفون وإن أعطوهم يخسرون، فأتاهم شعيب لإصلاح هذا الخطأ وقال لهم: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ١، ومثل هذا النداء تكرر في قصص القرآن الكريم مع شعيب ﵇.
ومنها كذلك ما كان من قوم لوط ﵇، حيث كانوا يأتون الذكران من العالمين، ويتركون النساء، وقد تفشى فيهم هذا الداء، لدرجة أنهم كانوا يؤتونه على أعين الناس من غير استحياء مع أنهم لم يسبقوا بمثله، فقال لوط: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ، إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ ٢، وقد تكررت تفاصيل فاحشة
стр. 589
قوم لوط في كل المواضع التي ذكرها القرآن الكريم عن قصتهم.
ومنها ما كان من فرعون من ظلم وطغيان، حيث ادعى أنه رب الناس، وقد استولى على جميع البلاد، وقال للناس: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ ١، ووصل به طغيانه إلى أن استعبد بني إسرائيل في مصر، وأصدر أمره بقتل جميع ذكورهم، وترك نسائهم، ولذلك جاءه موسى ﵇ ومعه هارون لتصحيح هذه المفاسد، ولتوضيح نهاية لمظالمه، وكان ما كان إلى أن هاجر بنو إسرائيل إلى الشام، ومعهم موسى، وهارون، وغرق فرعون، وجنوده، وماتوا جميعا في اليم.
ومع التركيز على المفاسد الرئيسية الموجودة، لم يهمل الرسل أي جانب في بيئتهم، فكانوا يشجعون الصالح، ويحاولون منع سائر المفاسد الضارة بالمجتمع، والناس.
стр. 590
الاتجاه الثالث: بيان عاقبة الأخلاق
دعا الرسل الناس بدعوة الحق، فآمن قوم، وكفر آخرون، وكان من أهم ما نادوا به هو الأخلاق، وقد حكى القرآن مصائر المؤمنين، وعاقبة الكافرين ليتضح الطريق لمن لا يزال فيه، وينجو من يرجو لنفسه النجاة، وكان من حكمة الله تعالى أن حل الجزاء بالأمم السابقة في الدنيا، ولم يمهلهم للآخرة، فقوم نوح كذبوا فكانت عاقبتهم: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ ١، وأما قوم هود فكذبوه
стр. 591
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١ وأما قوم صالح فقد هلكوا بتكذيبهم: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَة﴾ ٢ وقوم لوط فقد حل بهم ما يستحقون: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ٣ وأما فرعون وجنوده فإنهم لما طغوا: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ ٤.
وهكذا أهلك الله الأمم الفاسدة في الدنيا، وأراهم جزاء ضلالهم، وذكر مصيرهم هذا في القرآن الكريم ليستفيد به من نزل القرآن لهم، ولكي تكمل الفائدة أمهل الله الأمة الخاتمة، وأرجأ عقوبتها الكلية إلى يوم الدين.
стр. 592
المبحث السادس: إثبات رسالة الرسل
بعث الله رسله إلى الناس، وجاء كل رسول إلى قومه، يدعوهم إلى توحيد الله تعالى، وقصر العبادة له، والتخلق بالأخلاق الفاضلة.... وقد سلك كل رسول في دعوته منهجا دقيقا، واستفاد بكل ما مكنه الله من وسيلة، وأسلوب.
واستقبل الأقوام رسلهم استقبالا سيئا، فلم يسمعوا لهم، ولم يصدقوا دعوتهم، وأخذوا في الجدل، والمعارضة.
ومع أن الرسل ﵈ كانوا موضوعيين في التبليغ، يركزون الدعوة على قضايا الدين بتوضيح حقائقه، والتدليل على ما يطلبون، بالحكمة، والموعظة الحسنة بكل صدق في النصح، وبكل خلق في الدعوة والطلب..... مع ذلك أخذ الناس في مواجهة الرسل بطرق غوغائية قائمة على السب، والشتم، واتهام الرسول في شخصه وعمله.
وكان أكبر ما وجهوه للرسل، الاعتراض على رسالتهم، ورأوا أن ذلك هو أيسر الطرق لإلغاء الدعوة بالكلية؛ لأنهم لو تمكنوا من إلغاء الرسالة لا يبقى شيء بعدها.
وحاولوا أن يضعوا الإلغاء في صورة علمية منظمة، مؤيدة بالدليل ...
قالوا -أولا- لا يصح أن يكون الرسول بشرا، لما يتصف به البشر من عجز، وطبع، فهو مكون من مادة، وروح، ولذلك تتملكه غريزتا الشهوة، والغضب، ويأتي منه الفساد والاختلاف، ويشغله إشباع نفسه فهو يأكل الطعام، ويمشي في الأسوق، وتشغله الحياة بمشاكلها، وحاجاتها.
стр. 593
وقد بين الله تعالى مقالة الأقوام هذه، فقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٢، ويقول تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ ٣، ويقول تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ٤، ويقول تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ ٥، ويقول تعالى: ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ، أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ ٦.
ومن جملة هذه الآيات ندرك إنكار الناس لنبوة البشر، لتصورهم أن البشر لا يقدر على الاتصال بالله، ولا يمكنه حمل الوحي إليهم.
والرد عليهم: يتضح بإظهار خطئهم في فهم حقيقة الإنسان، فهو فعلا مركب من جسد وروح، لكنهم يتصورون غلبة الجسد المادي للروح فقالوا ما قالوا عن الإنسان.
стр. 594
لكن الحق أن الجسد مخلوق لخدمة الروح، وطاعتها فيما توجه إليه.
إن الإنسان بتكونه المادي، والروحي، يسمو على سائر الخلائق، ويفضل الملائكة إذا سادت روحه، وقادت الجسد، يقول الشهر ستاني: "إن للبشر نفسين، نفس حيوانية لها قوتان: قوة الغضب، وقوة الشهوة، ونفس إنسانية لها قوتان: قوة علمية، وقوة عملية، وبقواها الحيوانية لها أن تجمع وتمنع، وبقواها الإنسانية لها أن تقسم الأمور، وتفصل الأحوال، ثم تعرض الأقسام والأحوال على العقل، فيختار العقل الذي هو كالبصر النافذ من العقائد، الحق دون الباطل، ومن الأقوال: الصدق دون الكذب، ومن الأفعال: الخير دون الشر، ويختار بقوته العملية من لوازم القوة الغضبية الشدة، والشجاعة والحمية، دون الذلة، والجبن، والنذالة، ويختار بها أيضا من لوازم "القوة الشه, ية" التآلف، والتودد، والرفعة، دون الشرة، والمهانة، والخساسة.... فيكون من أشد الناس حمية على خصمه وعدوه، ومن أرحم الناس تذللا وتواضعا لوليه وصديقه، وإذا بلغ هذا الكمال، فقد استخدام القوتين واستعملهما في جانب الخير، ثم يترقى منه إلى إرشاد الخلائق في تزكية النفوس عن العلائق، وإطلاقها عن قيد الشهوة والغضب، وإبلاغها إلى حد الكمال.
ومن المعلوم أن كل نفس شريفة عالية زكية هذه حالها، لا تكون كنفس لا تنازعها قوة أخرى على خلاف طباعها، وحكم "العنين" العاجز في امتناعه عن تنفيذ الشهوة، لا يكون كحكم المتصون، الزاهد، المتورع، في إمساكه عن قضاء الوطر مع القدرة عليه، فإن الأول مضطر عاجز، والثاني مختار، قادر، حسن الاختيار، جميل التصرف، وليس الكمال والشرف في فقدان القوتين، وإنما الكمال كله في استخدام القوتين"١.
وقالوا -ثانيا- إن الملائكة أولى بالرسالة من البشر؛ لأن الملائكة، أبدعت إبداعا، لا من شيء، وهي نورانية محضة، ديدنهم الطاعة، وطبيعتهم العبودية لله
стр. 595
ولا مادة في تكونها يكدر صفاءها، فناسب ذلك أن تتلقى من الله، وتتصل بالملأ الأعلى ...
في الرد عليهم: نقول إن تفضيل الملائكة على البشر أتى من خطأين:
أولاهما: قولهم إن المبدع من لا شيء أشرف من المخترع من شيء، قول باطل؛ لأن الإنسان من حيث الروح مبدع بأمر الله تعالى، ويستوي في ذلك مع الملائكة، ومن حيث الجسد مخترع بخلق الله وقدرته، فزاد بذلك عن الملائكة وبخاصة إذا أدى الجسد إلى كمال الروح، وطهارتها، وكان خادما لها، مطيعا لتوجيهاتها.
ثانيهما: عقد المقارنة بين الروحاني، والمادي فيها قصور، وإنما المقارنة الصحيحة تكون بين الروحاني المجرد، والجسماني الروحاني المجتمع، وحينئذ يفضل الإنسان الملائكة لأن الجسد حينئذ تجميل وتحسين للروح.
والشخص الجميل يحسنه الثوب الحسن، والمعنى الراقي يزينه اللفظ البليغ.
وقالوا -ثالثا- إن الملائكة كمال مطلق، فهي مخلوقات علوية، لها قوة في تصريف الأجسام، وتقلب الأفلاك.
والرد عليهم: بأن الله قادر على كل شيء، يعطي لبعض خلقه ما يريد من تأثير، فهو سبحانه يعطي الملائكة، ويعطى الإنسان كما يريد.
وليس الكمال في المخلوقات العلويات فقط، بل هو في السفلية أيضا، والكمال في النهاية يتوقف على التوكل، والتسليم، والطاعة.
إن الإنسان ببدنه وعقله، يحس ويتخيل ويتوهم ويفكر، ويحفظ، ويتذكر، وهذا كاف ليقوم الإنسان بما كلف به، وكاف أيضا ليكون رسولا، مختارا من الله تعالى.
إن وجود الجانب المادي في الإنسان يعطي لطاعته قدرا وقيمة، فإن الملائكة كمال مطلق في الطاعة، لكن الناس محتاجون إلى كمال يكملهم، ويأخذ بيدهم، ويدعوهم
стр. 596
ولا يقدر على ذلك إلا إنسان، كملت روحه، وتحولت جوارحه إلى طاعة مطلقة لهذه الروح لتترقى.
وإذا وصل الإنسان إلى هذه الدرجة أمده الله بالوحي، وسهل له الاتصال بالملأ الأعلى عن طريق روحه السامية.
وفي نفس الوقت يتصل بالناس، عن طريق جانبه المادي، البشري ... وليس للملائكة شيء من هذا.
إن الإنسان يتعامل مع أخيه الإنسان، ويلتقي معه بحواسه وعقله، عملا، وفكرا ومودة.... وفي نفس الوقت يخاف من المخلوقات الغائبة، والمتخيلة، والهائمة وبذلك كان الخير للإنسان أن يتلقى من أخيه الإنسان ...
وقد أجرى الله مشيئته في إرسال الرسل على طبيعة الشر، حيث اختارهم من أرقى الناس عنصرا، وأفضلهم خلقا، وأحسنهم طاعة، وتوكلا، وأمدهم بالوحي مشتملا على منهج الله لإصلاح الناس، فيحفظون، ويبلغون، ويناقشون، ويتابعون.
يقول الشهرستاني: "ثبت أن الباري : خالق الخلائق، ورازق العباد، وأنه المالك الذي له الملك، والمالك يكون له على عباده أمر، وتصريف.... وذلك أن حركات العباد قد انقسمت إلى اختيارية، وغير اختيارية، فما كان منها باختيار من جهتهم، فيجب أن يكون للمالك فيها: حكم، وأمر، وما كان منها بلا اختيار، فيجب أن يكون له فيها: تصريف، وتقدير ومن المعلوم: أن ليس كل أحد يعرف حكم الباري تعالى، وأمره، فلا بد إذن من واحد يستأثره بتعريف حكمه وأمره في عباده، وذلك الواحد يجب أن يكون من جنس البشر، حتى يعرفهم أحكامه وأوامره ويجب أن يكون مخصوصا من عند الله بآيات خلقية هي حركات "تصريفية" و"تقديرية" يجريها الله على يده عند التحدي بما يدعيه، تدل تلك الآيات على صدقه، نازلة منزلة التصديق بالقول المؤكد، وإذا ثبت صدقه، وجب اتباعه في جميع
стр. 597
ما يقول ويفعل، وليس يجب الوقوف على كل ما يأمر به وينهى عنه؛ إذ ليس كل علم تبلغ إليه "قوة البشر".
ثم "الوحي" من عند الله العزيز يمد حركاته الفكرية، والقولية، والعملية، بالحق في الأفكار، والصدق في الأقوال، والخير في الأفعال، فبطرف يماثل البشر، وهو طرف الصورة، وبطرف يوحي إليه، وهو طرف المعنى والحقيقة: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ فبطرف يشابه نوع الإنسان، وبطرف يماثل نوع الملائكة، وبمجموعهما يفضل النوعين، حتى تكون بشريته فوق بشرية النوع: مزاجا واستعدادا، وملكيته فوق ملكية النوع الآخر: قبولا، وأداء، فلا يضل ولا يغوي بطرف البشرية، ولا يزيغ ولا يطغى بطرف الروحانية، فيقرر أن "أمر الباري" تعالى واحد لا كثرة فيه، ولا انقسام له: قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ غير أنه يلبس تارة عبارة العربية، وتارة عبارة العبرية، والمصدر يكون واحدا والمظهر متعددا و"الوحي": إلقاء الشيء إلى الشيء بسرعة فيلقي "الروح" "الأمر" إليه دفعة واحدة، بلا زمان " قال تعالى: ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَر﴾ فيتصور في نفسه الصافية صورة الملقي، كما يتمثل في المرآة المجلوة صورة المقابل، فيعبر عنه إما بعبارة قد اقترنت بنفس التصور، وذلك هو قال تعالى: ﴿آيَاتُ الْكِتَاب﴾ ، أو بعبارة نفسه وذلك هو "أخبار النبوة" وهذا كله "بطرفه الروحاني".
وقد يتمثل "الملك الروحاني" له بمثل صورة البشر تمثل المعنى الواحد بالعبارات المختلفة، أو تمثل الصورة الواحدة في المرايا المتعددة، أو الظلال المتكثرة للشخص الواحد، فيكالمه مكالمة حسية، ويشاهده مشاهدة عينية.... ويكون ذلك بطرفه الجسماني، وإن انقطع "الوحي" عنه لم ينقطع عنه التأييد والعصمة: حتى يقومه في أفكاره، ويسدده في أقواله، ويوفقه في أفعاله١.
стр. 598
وتثبت النبوة للبشر، انطلاقا من حاجة الناس إلى اجتماع، في إطار منهج ونظام، فلو أخذ الإنسان نظامه من إنسان آخر فقد ضيع نفسه، وإن أخذه من الله فكيف السبيل إليه؟! إذا لم تكن عن طريق نبوة البشر!!
ومن هنا وجب أن يكون في الناس شارع يبين شرع الله، وأحكامه في العقائد والمعاملات.... وهذا الاحتياج ضروري للناس، ويجب أن يكون القائم بتبليغ منهج الله من الناس ومعهم، بحيث تكون نسبته للناس كنسبة المعطي للسائل، والطبيب للمريض، وذلك القائم بالتبليغ هم الأنبياء، بما اتصفوا به من كمالات، تمكنهم من الإحاطة بعلوم، لا يقدر عليها الملائكة، وتجعلهم قادرين على تعليم الناس تعليما لا يقدر عليه الملائكة أيضا.
وقالوا -رابعا- وإذا كانت الرسالة لبشر، فلم لا يكون غنيا، وله عصبة من الناس، ومعينون من الملائكة.
والرد عليهم: إن النبوة اختيار إلهي محض، وهو سبحانه، خالق الخلق، ومقسم الأرزاق، وله في اختيار النبي من البشر حكمة، وهو معه بالمعونة، والتأييد، والنصر، فليس للنبي حاجة في مال، أو عصبة بشرية، أو قوى ملائكية، ويكفي أن الله معه.
ومن حكمه الله أن اختار رسله من عامة الناس، حتى لا يتهمهم أحد، بأنهم يسعون للمحافظة على مواريث أبائهم، وأجدادهم، وحتى لا يقول أحد إنهم يعتمدون على قوة غير قدرة الله تعالى.
هذا.... وقد سلك الأنبياء في إثبات رسالتهم لأقوامهم عدة طرق، من أهمها:
الطريق الأول: بينوا للناس صلاحيتهم للرسالة، بطريقة عملية فها هم يبلغونهم بوحي الله تعالى الذي جاءهم، ويناقشونهم، ويوضحون لهم جوانب الدين
стр. 599
المختلفة ويعرفونهم بأن الملك لا يناسبهم، يقول تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ ١.
ويوضحون عدم المناسبة بين الإنسان والملائكة لأن الملك لا يتصل بالإنسان بروحانيته، ولا بد له من التشكل بصورة البشر ليتعامل مع البشر ... وحينئذ يكون للناس حق الاعتراض مرة أخرى على اعتبار أنه بشر لا ملك، يقول تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ ٢.
الطريق الثاني: إظهار المعجزة تصدقهم؛ لأن لسان حال المعجزة يقول: صدق عندي فيما يبلغ عني وقد سبق أن علمنا الكثير من معجزات الرسل، مثل معجزة إعادة الطير حيا بعد تمزيقه، وتوزيعه على الأجبل، مع إبراهيم ﵇ وناقة صالح ﵇، ومعجزات موسى، وداود، وسليمان، وعيسى، وزكريا، ويحيى ﵈، وكل هذه المعجزات طرق لإثبات صدق الرسول في دعوته للناس.
الطريق الثالث: بيان بشرية الرسل السابقين؛ لأن الأمر إذا تقرر وقوعه مرة جاز له أن يقع مرة أخرى، وما دام رسل الأقوام السابقين كانوا منهم، فذلك أمر يؤيد بعثة البشر من بعدهم، وكان الرسول يذكر ذلك لقومه، ليصدقوا به، فعن هود ﵇ يقول تعالى: ﴿ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ ٣، وعن صالح يقول تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾ ٤.
стр. 600
وهذا الطريق قوي في دلالته؛ لأن الإنسان إن سلم لغيره بقضية، فمن السهل أن يقتنع بها لنفسه.
الطريق الرابع: بيان أن النبوة عطاء إلهي ...
أثبت الرسل لأقواهم أن اختيار الله لهم، فضل ورحمة، ونعمة يعتزون بها وليس لغيرهم الاعتراض عليها، ومن هذا ما قاله نوح لقومه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾ ١، وما قاله صالح لقومه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾ ٢، وما قاله شعيب لقومه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ ٣، والمراد بالرزق الحسن، والرحمة المؤتاه هي النبوة التي بعثوا بها وعارضهم الناس فيها.
وهكذا أثبت الرسل رسالتهم بطريقة واقعية؛ لأنهم أعادوا القوم إلى التاريخ المنظور، والمعروف ليتدبروا فيه، ويعتبروا به، ويصدقوا بالرسالة بعد ذلك فإن كذبوا بعد ذلك فهو تكذيب بكل الرسالات، وإن صدقوا فهو إيمان بجميعها.
وهكذا:
أثبت رسالتهم لأقوامهم، وردوا شبههم، واعتراضاتهم، لكي يؤمنوا بالرسالة التي تعد ركنا رئيسيا في الإيمان.