ولا يقدر على ذلك إلا إنسان، كملت روحه، وتحولت جوارحه إلى طاعة مطلقة لهذه الروح لتترقى.
وإذا وصل الإنسان إلى هذه الدرجة أمده الله بالوحي، وسهل له الاتصال بالملأ الأعلى عن طريق روحه السامية.
وفي نفس الوقت يتصل بالناس، عن طريق جانبه المادي، البشري ... وليس للملائكة شيء من هذا.
إن الإنسان يتعامل مع أخيه الإنسان، ويلتقي معه بحواسه وعقله، عملا، وفكرا ومودة.... وفي نفس الوقت يخاف من المخلوقات الغائبة، والمتخيلة، والهائمة وبذلك كان الخير للإنسان أن يتلقى من أخيه الإنسان ...
وقد أجرى الله مشيئته في إرسال الرسل على طبيعة الشر، حيث اختارهم من أرقى الناس عنصرا، وأفضلهم خلقا، وأحسنهم طاعة، وتوكلا، وأمدهم بالوحي مشتملا على منهج الله لإصلاح الناس، فيحفظون، ويبلغون، ويناقشون، ويتابعون.
يقول الشهرستاني: "ثبت أن الباري : خالق الخلائق، ورازق العباد، وأنه المالك الذي له الملك، والمالك يكون له على عباده أمر، وتصريف.... وذلك أن حركات العباد قد انقسمت إلى اختيارية، وغير اختيارية، فما كان منها باختيار من جهتهم، فيجب أن يكون للمالك فيها: حكم، وأمر، وما كان منها بلا اختيار، فيجب أن يكون له فيها: تصريف، وتقدير ومن المعلوم: أن ليس كل أحد يعرف حكم الباري تعالى، وأمره، فلا بد إذن من واحد يستأثره بتعريف حكمه وأمره في عباده، وذلك الواحد يجب أن يكون من جنس البشر، حتى يعرفهم أحكامه وأوامره ويجب أن يكون مخصوصا من عند الله بآيات خلقية هي حركات "تصريفية" و"تقديرية" يجريها الله على يده عند التحدي بما يدعيه، تدل تلك الآيات على صدقه، نازلة منزلة التصديق بالقول المؤكد، وإذا ثبت صدقه، وجب اتباعه في جميع
стр. 597
ما يقول ويفعل، وليس يجب الوقوف على كل ما يأمر به وينهى عنه؛ إذ ليس كل علم تبلغ إليه "قوة البشر".
ثم "الوحي" من عند الله العزيز يمد حركاته الفكرية، والقولية، والعملية، بالحق في الأفكار، والصدق في الأقوال، والخير في الأفعال، فبطرف يماثل البشر، وهو طرف الصورة، وبطرف يوحي إليه، وهو طرف المعنى والحقيقة: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ فبطرف يشابه نوع الإنسان، وبطرف يماثل نوع الملائكة، وبمجموعهما يفضل النوعين، حتى تكون بشريته فوق بشرية النوع: مزاجا واستعدادا، وملكيته فوق ملكية النوع الآخر: قبولا، وأداء، فلا يضل ولا يغوي بطرف البشرية، ولا يزيغ ولا يطغى بطرف الروحانية، فيقرر أن "أمر الباري" تعالى واحد لا كثرة فيه، ولا انقسام له: قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ غير أنه يلبس تارة عبارة العربية، وتارة عبارة العبرية، والمصدر يكون واحدا والمظهر متعددا و"الوحي": إلقاء الشيء إلى الشيء بسرعة فيلقي "الروح" "الأمر" إليه دفعة واحدة، بلا زمان " قال تعالى: ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَر﴾ فيتصور في نفسه الصافية صورة الملقي، كما يتمثل في المرآة المجلوة صورة المقابل، فيعبر عنه إما بعبارة قد اقترنت بنفس التصور، وذلك هو قال تعالى: ﴿آيَاتُ الْكِتَاب﴾ ، أو بعبارة نفسه وذلك هو "أخبار النبوة" وهذا كله "بطرفه الروحاني".
وقد يتمثل "الملك الروحاني" له بمثل صورة البشر تمثل المعنى الواحد بالعبارات المختلفة، أو تمثل الصورة الواحدة في المرايا المتعددة، أو الظلال المتكثرة للشخص الواحد، فيكالمه مكالمة حسية، ويشاهده مشاهدة عينية.... ويكون ذلك بطرفه الجسماني، وإن انقطع "الوحي" عنه لم ينقطع عنه التأييد والعصمة: حتى يقومه في أفكاره، ويسدده في أقواله، ويوفقه في أفعاله١.
стр. 598
وتثبت النبوة للبشر، انطلاقا من حاجة الناس إلى اجتماع، في إطار منهج ونظام، فلو أخذ الإنسان نظامه من إنسان آخر فقد ضيع نفسه، وإن أخذه من الله فكيف السبيل إليه؟! إذا لم تكن عن طريق نبوة البشر!!
ومن هنا وجب أن يكون في الناس شارع يبين شرع الله، وأحكامه في العقائد والمعاملات.... وهذا الاحتياج ضروري للناس، ويجب أن يكون القائم بتبليغ منهج الله من الناس ومعهم، بحيث تكون نسبته للناس كنسبة المعطي للسائل، والطبيب للمريض، وذلك القائم بالتبليغ هم الأنبياء، بما اتصفوا به من كمالات، تمكنهم من الإحاطة بعلوم، لا يقدر عليها الملائكة، وتجعلهم قادرين على تعليم الناس تعليما لا يقدر عليه الملائكة أيضا.
وقالوا -رابعا- وإذا كانت الرسالة لبشر، فلم لا يكون غنيا، وله عصبة من الناس، ومعينون من الملائكة.
والرد عليهم: إن النبوة اختيار إلهي محض، وهو سبحانه، خالق الخلق، ومقسم الأرزاق، وله في اختيار النبي من البشر حكمة، وهو معه بالمعونة، والتأييد، والنصر، فليس للنبي حاجة في مال، أو عصبة بشرية، أو قوى ملائكية، ويكفي أن الله معه.
ومن حكمه الله أن اختار رسله من عامة الناس، حتى لا يتهمهم أحد، بأنهم يسعون للمحافظة على مواريث أبائهم، وأجدادهم، وحتى لا يقول أحد إنهم يعتمدون على قوة غير قدرة الله تعالى.
هذا.... وقد سلك الأنبياء في إثبات رسالتهم لأقوامهم عدة طرق، من أهمها:
الطريق الأول: بينوا للناس صلاحيتهم للرسالة، بطريقة عملية فها هم يبلغونهم بوحي الله تعالى الذي جاءهم، ويناقشونهم، ويوضحون لهم جوانب الدين
стр. 599
المختلفة ويعرفونهم بأن الملك لا يناسبهم، يقول تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ ١.
ويوضحون عدم المناسبة بين الإنسان والملائكة لأن الملك لا يتصل بالإنسان بروحانيته، ولا بد له من التشكل بصورة البشر ليتعامل مع البشر ... وحينئذ يكون للناس حق الاعتراض مرة أخرى على اعتبار أنه بشر لا ملك، يقول تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ ٢.
الطريق الثاني: إظهار المعجزة تصدقهم؛ لأن لسان حال المعجزة يقول: صدق عندي فيما يبلغ عني وقد سبق أن علمنا الكثير من معجزات الرسل، مثل معجزة إعادة الطير حيا بعد تمزيقه، وتوزيعه على الأجبل، مع إبراهيم ﵇ وناقة صالح ﵇، ومعجزات موسى، وداود، وسليمان، وعيسى، وزكريا، ويحيى ﵈، وكل هذه المعجزات طرق لإثبات صدق الرسول في دعوته للناس.
الطريق الثالث: بيان بشرية الرسل السابقين؛ لأن الأمر إذا تقرر وقوعه مرة جاز له أن يقع مرة أخرى، وما دام رسل الأقوام السابقين كانوا منهم، فذلك أمر يؤيد بعثة البشر من بعدهم، وكان الرسول يذكر ذلك لقومه، ليصدقوا به، فعن هود ﵇ يقول تعالى: ﴿ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ ٣، وعن صالح يقول تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾ ٤.
стр. 600
وهذا الطريق قوي في دلالته؛ لأن الإنسان إن سلم لغيره بقضية، فمن السهل أن يقتنع بها لنفسه.
الطريق الرابع: بيان أن النبوة عطاء إلهي ...
أثبت الرسل لأقواهم أن اختيار الله لهم، فضل ورحمة، ونعمة يعتزون بها وليس لغيرهم الاعتراض عليها، ومن هذا ما قاله نوح لقومه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾ ١، وما قاله صالح لقومه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾ ٢، وما قاله شعيب لقومه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ ٣، والمراد بالرزق الحسن، والرحمة المؤتاه هي النبوة التي بعثوا بها وعارضهم الناس فيها.
وهكذا أثبت الرسل رسالتهم بطريقة واقعية؛ لأنهم أعادوا القوم إلى التاريخ المنظور، والمعروف ليتدبروا فيه، ويعتبروا به، ويصدقوا بالرسالة بعد ذلك فإن كذبوا بعد ذلك فهو تكذيب بكل الرسالات، وإن صدقوا فهو إيمان بجميعها.
وهكذا:
أثبت رسالتهم لأقوامهم، وردوا شبههم، واعتراضاتهم، لكي يؤمنوا بالرسالة التي تعد ركنا رئيسيا في الإيمان.
стр. 601
ونحب أن نشير هنا إلى مسألة هامة، وهي أن الرسل ﵇ وهم يثبتون الألوهية، والرسالة، أثبتوا مع ذلك ركنين آخرين هما:
- إثبات الوحي والكتاب المنزلة؛ لأن الله ينزل دينه على رسوله وحيا، يحفظه الرسول ليكون كتابا مقدسا أنزله الله عليه مثل الزبور، والتوراة والإنجيل.
- إثبات الملائكة؛ لأن الوحي يتم في أغلبه بواسطة ملك يحمل وحي الله إلى الرسول المختار ﵇.
وبثبوت التوحيد، والرسالة، والوحي، والملائكة، يتبين الطريق الإيماني المنزل من عند الله تعالى، وليس بعد ذلك لمكلف من الناس أن يدعي المنهج العلماني، أو اتباع الفطرة، أو غير ذلك من دعاوي المعصية، والضلال....
فلقد أرسل الله الرسل لإرشاد الناس إلى المنهج الإلهي الصحيح، في العقيدة، والعبادة، والخلق وأوجب على الناس طاعتهم، والخضوع لله رب العالمين.... يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ١.
стр. 602
المبحث السابع: إثبات البعث
يوم القيامة وما فيه، من فوز للمطيعين، وعقاب للعصاة، بعد بعث الخلائق وحسابهم، أمر أجمعت الدعوات على تأكيد إثباته، حتى يشعر الإنسان بالمسئولية الدائمة في كل شيء، ويعلم أن كل ما يفعله في حياته الدنيا سوف يلقاه في الآخرة، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
ولما كان الإنسان بفطرته يحس أن حياته ليست جسدا فقط، ينتهي بالموت، بل إن له من الجسد روحا لا تفنى، ولكنها تنتقل إلى مكان آخر، تسعد فيه أو تشقى وتنعم بأعمالها أو تعذب.
إن الإنسان بفطرته، أدرك ضرورة البعث والحساب، تمييزا للخبيث من الطيب، ووضع للحساب تصورات عديدة، وأفكارا كثيرة.
هذا الإحسان الفطري عند الناس كان أساسا أكدته جميع الرسالات السماوية، ووضحته بنصوصها المقدسة، وبينت أن البعث الأخروي، أمر مؤكد، وأنه في يوم القيامة سوف يحاسب الجميع بأعمالهم، ويجزون على الطاعة، ثوابا خالدا ونعيما مقيما، وعلى العصيان العذاب والألم.
وكان صوت الرسالات دائما يهتم بالبعث ويثبته، هذا هو سيدنا نوح ﵇ منذ اللحظات الأولى في دعوته، يبين لقومه أنه يخاف عليهم من يوم القيامة حيث يبعث الناس، ويعذب العصاة الكافرين، فقال لهم: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ١، وقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ ٢،وبهذا خوفهم من عذاب عظيم، مؤلم، نازل على الطغاة والظالمين، الذين لا يوحدون الله
стр. 603
ولا يعبدونه، ولسوف يرونه في يوم الطوفان، أو في يوم القيامة، كما أشار إلى ذلك المفسرون، إلا أن أبا السعود يرجح أن المقصود بهذا العذاب، عذاب يوم القيامة، ذلك أن عذاب الطوفان، وإن كان مؤلما، وعظيما، إلا أن عذاب يوم القيامة أشد وأعظم، بسبب دوامه وتنوعه، والصيغة تناسب هذه المبالغة في الشدة والعظم حيث أسندت الأليم والعظيم، إلى اليوم كما في نهاره صائم، وليله قائم، وأيضا فإن الغرق ليس نهاية عذابهم، وأقصاه فقد ذكر الله تعالى أنهم بعد إغراقهم في يوم الطوفان يحرقون، فقال تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ ١، مما يجعلنا نتسائل عن هذه النار، أهي نار في الدنيا، أم نار في يوم القيامة، وقصة إهلاكهم المفصلة في السور القرآنية خلت من الإشارة إلى هذا الإحراق، مما يدفعنا إلى الإيمان بأنها نار الآخرة ونتابع في ذلك إحدى روايات أبي السعود عن هذه النار، فقد ذكر أنها نار جهنم، تتزل بهم لا محالة، وتحققها ضروري، ولعل عطف إدخالهم النار على الإغراق بالفاء لبيان هذه الضرورة المحققة وكأنها تعقب الإغراق٢.
وكون المراد هو عذاب يوم القيامة، لا يمنع حدوث العذاب في يوم الطوفان، واندراجه في العذاب أنذرهم به سيدنا نوح ﵇، وخاف عليهم من وقوعه، وقد جاء في الجلالين، أن العذاب المراد هو عذاب الدنيا والآخرة معا٣.
وهكذا نجد سيدنا نوحا ﵇ يخوف الناس من المعاد، وما فيه فآمن به الضعفاء وصدقوا بملاقاة الله في يوم القيامة، وأيقنوا بالبعث والحساب، فلما جاء المستكبرون إلى نوح يطعنون في هؤلاء الضعفاء، ويطالبونه بطردهم من حوله قال لهم: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ ٤، أي مصدقون بلقاء الله
стр. 604
موقنون بذلك، عالمون أنهم ملاقوه لا محالة١، ولذلك فلن يطردهم من الاتباع، بعد هدايتهم وإيمانهم.
ولما أكثر المعارضين من العناد والتكبر، عرفهم نوح بأن الله يملك أمرهم في الدنيا والآخرة، فكما أنه المتصرف في الدنيا، فهو المتصرف في يوم القيامة، ولسوف يرجعون إليه ليحاسبهم فقال لهم: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٢ فأسلم بذلك أمرهم إلى الله وعرفهم أنهم سيرجعون إليه يوم القيامة للحساب والمؤاخذة.
ولعل الهدف من بيان حقيقة البعث وإثباته، أولا عند الناس هو تخويفهم من الإهمال وتحذيرهم من العصيان، ذلك أن الرسل، صلوات الله عليهم قدموا التخويف والتحذير في دعوتهم، وذكروا بهما قبل أي شيء آخر، وأعظم التخويف هو بالبعث ويوم القيامة، وإنما قدم الرسل ذلك لأن غالبية القوم مقلدون، والمقلد لا ينظر في الدليل، ولا يعتبر بالآيات إلا إذا أخاف، يقول الرازي، إن المقلد إذا خوف خاف وما لم يحصل الخوف في قلبه لا يشتغل بالاستدلال، ولهذا السبب قدم الرسل التخويف دائما كما أشارت لذلك سورة الشعراء حيث كان الرسل يقدمون "ألا تتقون "على أني لكم رسول أمين٣.
وقد تتابع الرسل بعد نوح ﵇ وكلهم يثبت المعاد ويؤكده ويخوف قومه منه، فلقد خوف "هود" قومه من عذاب يوم عظيم وقدم لهم قوله "ألا تتقون" ليشعرهم بالخوف من عذاب الله الذي سينزل بهم وبخاصة في الآخرة، فلما أصروا على الكفر والضلال بين لهم إنهم استحقوا التأنيب في الدنيا والآخرن فقال لهم:
стр. 605
﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ ١، ولقد كان من أوضح أسباب اللعنة أنهم كفروا بالبعث الذي ذكره لهم، وعرضوا رأيه في هذا المجال، في دهشة واستغراب، وقال السفهاء منهم لنظرائهم، ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ ٢ ولم يكتفوا بهذا الاستفهام الإنكاري، بل أنكروا البعث صراحة، واستبعدوا كل ما وعدهم به من أمور الأخرة، فقالوا: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ، إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِين﴾ ٣، فلا عجب إذًا بعد الإنكار والاستهزاء أن تتابعهم اللعنات في الدنيا والآخرة.
وسيدنا شعيب ﵇ خوف قومه من يوم القيامة، ودعاهم إلى العمل الصالح من أجل الفوز فيه فقال لهم: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ٤، وإنما قال لهم هذا رجاء أن يستجيبوا لدعوته، ويؤملوا في ثواب يوم الآخرة.
وأيضا فلقد بين سيدنا إبراهيم ﵇ أن الإيمان بالله جزء من العقيدة لا تتم إلا به، ولا ينزل الخير والأمن في الدنيا إلا على أساس الإيمان كله، بين ذلك وهو يدعو ربه قائلا: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ٥، فنراه ﵇ يقصر دعوته بالخير والأمن
стр. 606
على من يستحقها من الناس، والمستحق هو من آمن بالله واليوم الآخر، أما الكافر بهما فهو وإن تمتع فإنما يتمتع قليلا في الدنيا، لكنه في الآخرة سوف يعذب بعذاب النار وبئس المصير.
وفي هذه الآية يوضح سيدنا إبراهيم ﵇ حقيقة الإيمان، والكفر، ومآل كل واحد منهما عند الله.
إن سيدنا إبراهيم ﵇ دعا إلى البعث في لين، ولم يصطدم بعتو القوم وجبروتهم، وحينما كان يلجأ إلى التمثيل كان يمثل بنفسه، يقول لهم مشيرا إلى القدرة الإلهية ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ ١ ليكون إيمانهم بالله مشتملا على التسليم بقدرته الشاملة للإحياء والإمانة، والمراد بالموت هو الإماتة في الدنيا، والمراد بالإحياء المجازاة على الأعمال٢، وقد نظمت الآية الأمانة مع الإحياء في سمت واحد كما ذكر أبو السعود لأنها قد نيطت بجميع أمور الآخرة بما يأتي بعدها من البعث٣، ومن تمثيله بنفسه قوله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ ٤، حيث قال أطمع بينما هو ﵇ قاطع بالمغفرة، وأسند إلى نفسه الخطيئة مع أن الأنبياء مترهون عن الخطايا وما فعل ذلك إلا تعليما للأمة ليعرفوا أن أثر المغفرة على الخطيئة يظهر حتما يوم القيامة ولم يخطئ إبراهيم ﵇ قط.
إن المؤمنون يسلمون باليوم الآخر، ويصدقون بالبعث، ويعملون الصالحات من أجل النجاة، في الآخرة، وهم لا يؤثرون أي عمل على طاعة الله، انظر إلى سحرة
стр. 607
فرعون لما آمنوا قالوا لفرعون ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ ١، وقالوا أيضا: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُون﴾ ٢ فإنهم بذلك أعلنوا إيمانهم الذي لا يعبأ بالدنيا وعذابها وإنما ينتظرون الآخرة وما فيها من حساب وجزاء وفق ما أرشدهم سيدنا موسى ﵇ فلقد نقل إليهم قول الله له: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ ٣، ونقل كذلك قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ ٤ فالإخراج من الأرض بالبعث، وعودة الروح إلى الجسد من أجل الحساب، والجزاء على الأعمال، وقد ذكر لهم موسى ذلك ليثبت لهم البعث الذي هو من أصول دعوته وأحد الأركان التي يقوم عليها الإيمان.
إن المؤمنين من أتباع موسى ﵇ كانوا لشدة يقينهم بالقيامة، كانوا يخوفون أهاليهم من أهوالها، كالرجل الذي آمن منهم ونادى فيهم قائلا: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَاد﴾ ٥ ويوم التناد هو يوم القيامة حيث ينادي بعضهم بعضا للاستعانة أو يتصايحون بالويل والثبور، أو يتنادى أصحاب النار وأصحاب الجنة، أو يند بعضهم من بعض على قراءة التشديد، وعن الضحاك إذا سمعوا -أي الكفار- زفير النار ندوا هربا فلا يأتون قطرا من الأقطار إلا وجدوا ملائكة صفوفا، فبينما هم يموج بعضهم في بعض إذا سمعوا مناديا أقبلوا إلى الحساب٦.
стр. 608
والبعث هو أول ما نطق به عيسى ﵇ وهو في المهد إذ قال: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ ١، وكان يقول لليهود الصدوقيين الذين ينكرون البعث "وأما من جهة قيامة الموات، فما قرأتم ما قيل لكم من قبل الله القائل: أنا إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب، ليس الله إله أموات، بل إله أحياء، فلما سمعوه بهتوا من تعليمه"٢.
стр. 609
المبحث الثامن: شخصية مبلغ الدعوة
يتضمن تاريخ الدعوة التعريف برسل الله تعالى، وقد فصلنا التعريف بالرسل، ومنهج حركتهم بالدعوة في القسم الأول.
وهنا أقدم الملامح الرئيسية لشخصية مبلغ الدعوة، وهو الرسول ابتداء ليتأسى به كل الدعاة إلى الله بعد ذلك، فرسل الله عموما هم الرواد، والقادة في طريق الله، وهم أسوة الدعاة والمؤمنين من بعدهم، يقول الله تعالى عنهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ ١.
وتحقيقا لمناط الأسوة، فإني أتحدث عنهم في الأمور التالية:
١- نشأة الرسل:
تحدث القرآن الكريم بالتفصيل عن نشأة رسولين هما يوسف وموسى ﵉ على نحو ما وضحت فيما سبق، وهنا استنبط الدروس التالية:
أ- ضرورة التكوين الخلقي: فلقد نشأ موسى ﵇ تحت رعاية المؤمنة الفاضلة، امرأة فرعون، وتربى يوسف ﵇ في رعاية أسرة العزيز، بعيدا عن الدنس، وقد تربى كل منهما في بيئة غنية، فلم تشغلهما الحاجة من صغرهما، ولم يختلطا بالسوقة، وأراذل الناس..... وبذلك أكرمهما الله تعالى بالنشوة القوية، والثقة وعدم الخوف، ولم يتدنسا بشيء مما عليه الناس.
ب- التربية العلمية: عاش موسى ويوسف ﵉ في بيت السلطان وأكرمهما الله بعنايته، ووفقهما للمعرفة ينهلان منها، وقال الله عن كل منهما: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِين﴾ ٢، والمراد بالعلم الإحاطة بما يحتاجون إليه في أمورهم،
стр. 610
والمراد بالحكمة، العقل والفهم، وبواسطة تمكنهما من العلم والحكمة صار لهما شأن بين الناس، يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١.
ج- التربية العملية: ويراد بها تعليم النشء كيفية التعامل مع الناس، واكتشاف البيئات، والوقوف على طبائع البشر مع اختلافهم، ثقافة، وفكرا، وعملا.
ولقد أحاط الله رسله بهذا النوع من التوجيه، فها هو يوسف ﵇ يعاشر التجار، والأمراء، وأصحاب السجن، ويتحدث في أمور المعاش، وقضايا الدين، وطرق التخطيط للمستقبل.
ومثله كان موسى ﵇ من قبل، يعيش في بيت فرعون، ويختلط بالمصريين، والإسرائيليين، ويتجول بين الرعية، ويذهب إلى مدين، ويعمل برعي الغنم، ويرى حياة المدنية، والبداوة، ويرى العمران، والصحراء.
إن هذه التربية التي عاشها موسى ويوسف ﵉ ضرورة لكل مبلغ لدين الله تعالى؛ لأنها تمكنه من فهم الناس، والتعامل معهم، وتجعله قادرا على تبليغ دين الله تعالى على الوجه الصحيح.
لقد ربى الله رسله، وكونهم بقدرته، ولذلك كانوا محل ثقة الناس وتقديرهم قبل الرسالة، وكانوا يأملون فيهم أن يكونوا كهنة الأصنام، ودعاة الأوثان.
فلما بدءوهم بدعوة التوحيد، تعجبوا، وأصابتهم الدهشة، وعبروا عن ذلك بما حكاه الله عنهم، يقول تعالى: ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ٢.
стр. 611
ويقول تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ،﴾ ٢.
فالرسل قبل الرسالة تميزوا بأخلاقهم، وعلمهم، وحسن تعاملهم مع الناس، ومن أهم ما تميزوا به: الأمانة، وهي من أمهات الأخلاق، اتصف بها جميع الرسل، قبل بعثتهم وبعدها، وظهرت معهم كلازمة من لوازم حياتهم، واشتهروا بها بين أقوامهم، ولذلك رأينا الرسول حينما يقابله الناس بالتكذيب، والإيذاء، يذكر لهم ما عرف به عندهم من أمانة واضحة قبل الرسالة، وهي معه بعد الرسالة بالضرورة، لقد قال كل رسول لقومه: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ ٣ يقول أبو حبان: هذه الآية علة معلولها ما تقدمها، من عرض الرسول تقوى الله عليهم، وعلة هذا معلولها تقتضي أن تكون معروفة، ومعهودة، لدرجة تدفع إلى الإيمان بالمعلوم، فالرسول مشهور بين قومه بالأمانة٤، وكأنه يقول لهم بهذه الآية: كنت أمينا من قبل، فكيف تتهموني اليوم٥؛ لأن الكفار لا يستطيعون إنكار ما اشتهر به رسولهم، ولذلك حاولوا إزالة الصفات المعروفة عن الرسول، بدعوى حدوث أمور عارضة، منعت استمرار هذه الصفات المسلم بها، من قبل، كدعوى الإصابة بالجنون، أو بالمس بالشياطين من أمثال قول قوم نوح عنه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ
стр. 612
حَتَّى حِينٍ﴾ ١، فذكروا أنه أصيب بجنون.
وأيضا قال قوم هود: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ ٢، واكتفى قوم صالح بتذكيره بأنه كان قبل البعثة محل رجائهم وأملهم وقالوا: ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ ٣، وهكذا كانت الأمانة أولى الصفات التي ظهرت في أعمال الرسل، وحياتهم لشمولها وأهميتها، ولذلك حاول المعارضون ردها، وعقدوا من أجل إبطالها المؤتمرات والاجتماعات.
ومن صفات الرسل العفو والصفح والحلم، فبرغم الدعاوي المفتراه، والسفاهة الواضحة من المعارضين، لم نجد لهم إلا لينا وتساميا، فلم يردوا بقول غليظ، أو عمل شديد، وكل ما ردوا به هو نفي التهمة، وبيان أنهم رسل الله، وذلك كرد نوح ﵇ ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤، وكرد هود حيث قال: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٥، وأما صالح ﵇ قال تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ ٦، وكذلك كان لين شعيب حيث استمع إلى معارضة قومه وتهديداتهم، ثم كانت النهاية: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ ٧.
стр. 613
وسيدنا إبراهيم ﵇ يقول لأبيه: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ ١، وعلى نمط هذا اللين والتسامح كان سيدنا محمد ﷺ .
واشتهر الرسل ﵈ كذلك بالعفة فلم يمدوا أيديهم على شيء عند الناس، ولم يحسدوا أحدا على ما آتاه الله من فضله، ولم يأخذوا أجرا على دعوتهم، ولم يكونوا عالة على أحد قط، فلقد رعي جميعهم الغنم يتكسبون لمعاشهم ويستغنون بها عن عطاء الناس، يبين النبي ذلك حين سأله جابر ﵁: وهل كنت ترعى الغنم؟ قال له: "وهل من نبي إلا وقد رعاها" ٢، يقول السهيلي وإنما جعل الله هذا -رعي الغنم- في الأنبياء ليكونوا رعاة الخلق بعد ذلك، وليكون الخلق رعاياهم٣، هذا وقد أكد الرسل جميعا لأقوامهمم إنهم لا يأخذون أجرا على دعوتهم ولا يطلبونه البتة، وذكروا ذلك في وضوح حيث قالوا جميعا لأقوامهم: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤.
واشتهر الرسل ﵈ أيضا بالصدق، ومن أجل تأكيد صدقهم أتتهم المعجزات الخارقة للعادة، لتكون دليل صدق على البلاغ، يقول صاحب المواقف: "أجمع أهل الملل والشرائع على عصمة الأنبياء من تعمد الكذب فيما دل على صدقهم فيه، كدعوى الرسالة، فيما يبلغونه عن الله"٥ ولا بد من صدقهم في هذا، لئلا تبطل فائدة الرسالة؛ إذ لو جاز كذب النبي في الأحكام التبليغية لبطلت دلالة المعجزة على صدقه، فيما أتى به من الله، مع أن دلالة المعجزة على صدقه دلالة عادية قطعية٦.
стр. 614
ولقد مدح القرآن سائر الرسل وأظهر صدقهم فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ ٣.... وهكذا وصفهم القرآن بالصدق بصيغة المبالغة مع تقديم هذه الصفة في الذكر على النبوة؛ لأن النبوة متوقفة عليها، ولن تكون بدونها، ولم يحدث عمليا أن كذب نبي قط، وما جاء من أن إبراهيم ﷺ كذب ثلاث كذبات مثل ما روى مسلم والبخاري عن أبي هريرة من عدة طرق أن رسول الله ﷺ -واللفظ للبخاري- قال: "لم يكذب إبراهيم ﵇ إلا ثلاث كذبات اثنتين منهن في ذات الله قوله: إني سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وقال بينما هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة، فقيل له إن ههنا رجلا معه امرأة من أحسن الناس فأرسل إليه فسأله عنها فقال من هذه؟ " قال: أختي، فأتى سارة: قال يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك وأن هذا سأل فأخبرته أنك أختى فلا تكذبيني" ٤.
هذا الذي جاء منافيا للصدق الدائم لرسل الله يجعلنا نحمله على معاريض القول، والمعاريض نوع من البديع، معناه أن يدل اللفظ على معنيين أحدهما صدق ينويه المتكلم في نفسه، والثاني كذب يسكت المتكلم عن نفيه إسكاتا للمجادل، وحمل الحديث على المعاريض يجعلنا لا نكذب الحديث، ولا نكذب إبراهيم ﵇، وتأويل الكلمات على مفهوم المعاريض ممكن لأن معنى إني سقيم مريض القلب بسبب
стр. 615
أطباق ذلك الجمع على الكفر، ومعنى قوله: بل فعله كبيرهم هذا، إثبات الفعل إلى نفسه لا إلى الصنم، يقول الزمخشري: إن قصة إبراهيم ﵇ لم يكن أن ينسب الفعل الصادر عنه إلى الصنم، وإنما قصد تقريره لنفسه واثباته على أسلوب تعريضي يبلغ فيه غرضه١، وقوله: هي أختي أي أختي في الإسلام، وقد ورد في لفظ رواية مسلم، تلك أختي في الإسلام فإني لا أعلم في الأرض مسلما غيري وغيرك٢.
هذا وقد قال الرازي في تفسيره: إن الخبر لو صح فهو محمول على المعاريض٣، ومن المعلوم أن ما في المعاريض من صور الكذب ليس كذبا في الحقيقة وقد جمع البخاري صورا منها وترجم لها بعنوان "باب المعاريض" مندوحة من الكذب٤.
وهكذا كان الأنبياء صادقين وأمناء وأصحاب عفة وقد جمعوا سائر الأخلاق الفاضلة، فلما جاء خاتمهم محمد ﷺ سار على هديهم، وتمم بما احتاجه الناس وقال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ٥.
стр. 616
إن ما تميز به الرسل من صفات أعدوا لها إعدادا بحيث حملوا الدعوة، وتحملوا في سبيل تبليغها التعب، والمشاق، والعذاب، والألم.
وواجب أن يكون الدعاة إلى دين الله تعالى على نفس النمط، يجب أن تتكون قلوبهم على الدعوة، والإخلاص لها، وتمتلئ حياتهم بالعمل للدعوة، والسعى في تبليغها، لقد أنشأ القرآن الكريم قلوبا لحمل أمانة الدعوة، تتصف بالصلابة، والقوة، والتجرد، بحيث لا تتطلع إلى شيء في هذه الأرض أيا كان غير طاعة الله، إنها تنظر إلى الآخرة، وتعمل لرضى الله فقط.
بهذه القلوب، وبهؤلاء الرجال تنجح الدعوة، ويتحقق نصر الله.....
ولن تنجح الدعوة برجال لا يؤدون حق الله عليهم؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه ولن تنجح الدعوة بأشخاص لم يستعدوا للدعوة استعدادا علميا، وخلقيا، واجتماعيا؛ لأنهم بعجزهم، وجهلهم، يضرون ولا يفيدون، ومن المعلوم أن اليد المرتعشة لا تقدر على الحمل، والرجل الأشل لا يقدر على المسير.
ولن تنجح الدعوة برجال يقومون بها ترفا، ويتعيشون بها وظيفة؛ لأن هؤلاء سوف يفرون عند أول مواجهة، ولن يتحملوا شيئا من تبعاتها، ومشاقها.
إنما تنجح الدعوة برجال، تيقنوا الصدق في دينهم، وسعدوا بإيمانهم، وعاشوا الحقيقة الدينية في فكرهم، وقولهم، وعملهم.
إن هؤلاء الرجال هم طلائع النصر لدين الله تعالى، وهم العاملون على إنقاذ الناس من ركام الفسق، والضلال، وأخذهم إلى طاعة الله تعالى.
..... وحينئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.... وإنه لقريب.
стр. 617
المبحث التاسع: خصائص الإنسان وطبائعه
مدخل
...
المبحث التاسع: خصائص الإنسان وطبائعه
أعلن الله ميلاد الإنسان، وسط عالم من الملائكة، وحمله مسئولية الخلافة في الأرض من اللحظة الأولى، وفضله بمجموعة من الطاقات، والملكات ليعمر الكون، ويقوم بدوره عبدًا لله تعالى.
ولم يرتض إبليس هذا الوضع المميز لآدم وبنيه فطلب من الله تعالى أن ينظره إلى يوم القيامة؛ ليعيش بين الآدميين، يزين لهم، ويفتنهم، ويحاول إضلالهم.
وبدأت معركة في الأرض بين الإنسان وإبليس، ستبقى مستمرة إلى يوم القيام.
وأراد الله بهذه المعركة أن يتميز الآدميون، يظهر الطيب منهم، والخبيث ليكون الحساب بعد، على عملهم وعطائهم.
إن إبليس وذريته يعملون في جد، وخفاء، ولهم قدرة على الوسوسة والإغواء، ومعهم إمكانية الحياة مع الإنسان وفي داخله، ولذلك هو مستمر في عمله، وعدوانه.
وحتى لا يكون للإنسان عذر في هذه المعركة عرف الله الإنسان بعمل إبليس وذريته، وحدد له الغاية التي يسعى لها، والطرق التي يعمل من خلالها، والخدع والدسائس التي يستفيد بها.
وأرسل الله رسله للناس يدعون إلى الحق، ويقنعون بالدليل، ويحددون الوسائل التي ينهزم بها إبليس وبنوه.
وتتابع مجيء الرسل ﵈ للناس، واستمرت المعركة، وتجلت خلالها طبائع الناس، وظهرت خفايا النفوس البشرية، وأصبحت صفحة مكشوفة، تحدد الملامح، وتبين أنسب الطرق للتعامل معها.
ومما يؤكد حقيقة هذه الطبائع، وأصالتها في الناس، تكررها مع أقوام الرسل جميعا رغم بعد المكان، واختلاف الزمان.
стр. 618
إن الوقوف على هذه الحقائق المستفادة من دعوات الرسل في القرآن الكريم تعطى فؤاد كثيرة للدعاة إلى الله دائما؛ لأنهم بعد علمهم بطبائع الناس يمكنهم التوجه إليهم بصورة ملائمة، مؤثرة.
ندرك من قصة خلق الإنسان في بدايته الأولى أنه مخلوق عجيب، أودع الله فيه كثيرا من الأسرار، فهو مخلوق مزود بطاقات عديدة، ولعل أهمها طاقة المعرفة التي تمكنه من معرفة الكائنات من حوله، والتأمل، والنظر فيها بعمق، وتمكنه من الحفظ والتذكر، والتحليل، والاستنباط.
ومن طاقات الإنسان قوة الإرادة التي تغلب شيئا على شيء، وتحدد المقصود، وتدع سواه.
ومن طاقات الإنسان القوة الفاعلة التي تحرك جوارحه للعمل، وتنشط همته للإنتاج، وبهذا الفعل تكون صورته في الناس.
إن القوة الفاعلة نتاج طبيعي لقوة العلم، وقوة الإرادة، وهذه القوى تحدد قدر الإنسان في الحياة.
ومن عجائب الإنسان ازدواجية القيم التي يتمتع بها، فلديه مساحة واسعة للخير، والحب، والأمل، والتعاون، والتفاؤل، والتجرد، ونكران الذات.... وفي نفس الوقت يمتلك قيما مضادة كالشهوة، والكراهية، والتشاؤم، والأنانية، والانعزال.
يقول الأستاذ/ محمد قطب: "من عجائب التكوين البشري وجود خيوط متقابلة، متوازنة متحاورة في النفس، مختلفة في الاتجاه.... كأنها أوتار، متقابلة تشد الكيان كله، وتربطه من كل جانب يصلح للربط"١.
стр. 619
هذا التكوين البشري يحتاج إلى معرفته المربون والدعاة، ليتعاملون مع الإنسان على أساس وجود هذه الاتجاهات المتقابلة فيه.
إن الكفر، والمعصية عبارة عن تغلب قوى الشر، والفساد، على غيرها في الإنسان لسبب ما، والدعاة عليهم أن لا ييأسوا من كفر كافر، أو فساد ضال، فأمامهم جانب خير، عليهم أن يبرزوه في الإنسان، ويقووه، ويعتمدوا على معطياته، فما التربية في الحقيقة إلا توجيه لعناصر الإنسان نحو غاية مقصودة بطريقة ترضي، وتقنع، وبذلك يضعف الكفر، وينتهي العصيان.
ليس الإنسان نمطا واحدا لا يتغير، وإنما هو كائن، قابل للتغيير والتبديل.... وكثيرا ما تتغير عواطف، وتتبدل اتجاهاته.... وقد رأينا كيف انتقل الإنسان من عالم الإيمان إلى الضلال، أو آمن بعد كفر.... وذلك يعد دليلا عمليا للدعاة، يدفعهم إلى العمل والأمل في خدمة الدعوة والناس.
ومن حقائق الإنسان العامة: أن التغير الحقيقي الذي يعايشه يكون من داخله في الأساس؛ لأن الإنسان يحيا بروحه ويشعر بذاته من خلال شعوره، وفكره، وإذا تمنى أمرا، أو أحبه، أو رضي به فإن هذه الجوانب تبدأ من روحه، وعقله، وتنعكس تلقائيا على جوارحه وسلوكه.
إن العقل هو أساس الاقتناع، والرضى هو رأس العمل.... ولذا كان الباطن هو قائد البدن، ومنه يكون التغيير.
إن قيم الخلق، والسمو، والتقدير تأتي من العقل، ولكنها تظهر عمليا على الجوارح.
ولهذا كان على الدعاة تربية النفوس، ومخاطبة العقول بالبرهان المقنع، والقول الحكيم ليصلوا لمرادهم.
إن الإنسان يتميز على سائر الكائنات بالتفكير العقلي، والاختيار الحر، والإرادة الطليقة،.... ولذلك ينهزم كل من يتعامل معه بعيدا عن هذه الحقائق.
стр. 620
وقضى الله للإنسان أن يكون عابدا باختياره، ولذلك جعل محل الإيمان النية والقصد الذي لا يطلع عليه مخلوق، على أن يشهد له النطق، وتؤكده الأعمال.... وأي إيمان لا ينبع من القلب لا قيمة له؛ لأنها في حكم الله نفاق حركة الخوف، وكذب لا يقبله الله تعالى.
ومن حقائق الإنسان العامة أن قواه العقلية، الباطنية، تجد نفسها دائما أمام خطين متعارضين، أحدهما يدعوه إلى الرفعة، والخير، وحسن الخلق ... والثاني يدعوه إلى الجشع، والمادة والشهوة، وسوء الخلق.... وذلك معنى قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ٢.
يقول الإمام القرطبي: "النجدان هما طريق الخير، وطريق الشر، ويرى أن كل نفس بشرية خلقها الله تعالى هيأها وعرفها طريق الفجور، وطريق التقوى، وكان رسول الله ﷺ إذا قرأ هذه الآيات يدعو ربه ويقول: "اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من دساها، أنت وليها ومولاها" ٣.
هذه الحقيقة هي مدخل الشيطان إلى الإنسان، فعن طريقها يزين الشهوة، ويجمل الشر، ويهون من شأن المعصية، ويستمر في إغوائه حتى يجعل للشر في النفس قوة، وبذلك يتمكن من إضلال صاحبه.
وعلى الدعاة أن يتوجهوا إلى جانب الخير في الإنسان، ويستفيدوا به في الهداية والرشاد، ليتغلبوا على عدو الله وعدوهم، ولهذا فهم في حاجة إلى دراسة حقيقة النفس، وما يتصل بها من دراسات للوقوف على طريق مخاطبة الباطن، والتأثير فيه.
стр. 621
إن أهل الضلال في كل زمان، يعملون على يقظة قوى الشر في الإنسان بإباحة الفتنة، ونشر المغريات، وإشعال الغرائز في الإنسان، وتيسير إشباعها بالحرام، ليسهل لهم الإفساد، وإطفاء نور الله في الأرض.... وهم لذلك لا يملون، ولا يضيعون وقتا، أو فرصة.
وعلى المسلمين أن يعيشون هذا الوقع، ويخلصوا في خدمة الحق، ورفع الصواب والهدى، بكل ما أمكنهم من علم، وفقه، وعدة، وقوة.
إن على الدعاة التعامل مع جانب النفس المختلفة، فلا يهملون جانبا ما، ولا يركزون على جانب واحد؛ لأن التوازن يؤدي إلى الرضى، والطمأنينة.
وقد تعامل الرسل ﵈ مع الإنسان بحقائقه تلك، وعملوا على دعوته، والتسامى به نحو الخير.
لكن الإنسان مع الرسل لم يكن سويا، بعدما لعب به الشيطان الرجيم، وأضله في حياته كلها، وأبعده بعدا تاما عن هدى الله، ودينه القويم، ولذلك تغيرت صورة الإنسان قديما بعد أن ترك الفطرة، وتمادى في الغي والضلال، وغرته الحضارة والمدنية، بصورة جديدة، وطبع جديد.... كأنه الإنسان المعاصر، المفتون بالمخترعات المادية، وألوان اللذة، بعيدا عن قيود الحق، وتعاليم الدين.
ومن هنا كان الوقوف على طبائع الإنسان كما ظهرت خلال تعامل الأقوام مع الرسل له أهميته.... ومن هذه الطبائع ما يلي:
стр. 622
١- استعلاء السلطة:
اصطدم الأنبياء أثناء دعوتهم بالولاة الذين يتولون شئون الناس، وقد رأينا مواجهتهم لعدد من الأنبياء، فقد واجه النمرود بن كنعان ملك الكلدانيين إبراهيم ﵇ وواجه فرعون موسى ﵇ وكان لعزيز مصر موقف مع يوسف ﵇.
توضح هذه المواقف أن الملوك والأمراء، يعملون لتدعيم موقفهم، مع أقوامهم، وتقوية أركان حكمهم، والمحافظة على مصالحهم الشخصية بكل ما أمكنهم من وسائل.
وقد وصل بهم الأمر إلى إعلان أنفسهم آلهة للناس، كما فعل النمرود، وكما كان فرعون، وحتى يمكنوا هذا الإعلان عند الناس، وجدناهم ينشرون أعوانهم في المدائن، لتوجيه الناس، والتأثير في الرأي العام.
وحتى يتأكدوا من قيام الأعوان بما كلفوا به، أغدقوا عليهم مالا وجاها، وقربوهم إليهم، وجعلوهم من خاصتهم، ومستشاريهم،.... فلما جاء الأنبياء بدعوتهم، وبلغوها للأمراء، والقادة علموا أن الإيمان بدعوة النبي، يتعارض مع وضعيتهم بين الناس، ولذلك قاوموا الدعوة، وأشاعوا بين الناس الأكاذيب عن الأنبياء، ودعواتهم، لصرف الناس عن الحق.
وموقف الرؤساء من الدعوة، يرجع في تصوري لأسباب عديدة، من أهمها:
١- الإحساس بالقوة الناشئة من تحكمهم في البلاد والعباد، من غير منازع من الناس.
٢- وضع كل المقدرات المادية تحت تصرفهم حيث اعتبروا أنفسهم ملاكا لها، ومن أقوال فرعون ما حكاه الله تعالى عنه: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ ١.
وفي مقالة فرعون بيان لغروره بقوته، واستعلائه بما ملكه، وتحكم فيه ... يبين الإمام القرطبي أن فرعون أظهر أمره للناس ليصرفهم عن موسى فينادي هو، ويأمر بمن ينادي بذلك في الأقاليم لتوضيح أنه يملك مصر بلا منازع، كما تملك أنهارها، وأرضها، وكل ما فيها، يتصرف فيها كما يريد، ويشاء٢.
стр. 623
٣- خضوع الناس، وتسليمهم بحق السلطان المقدس، فلقد صدقوا فرعون حينما قال لهم: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ ١، وقال لهم: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ٢.
يشير الله إلى طاعة الناس لفرعون، وتصديقهم لمزاعمه، فيقول تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ ٣.
إن حال فرعون هو حال كل جبار في الأرض، سيطرت عليه نفسه، وخدعه تعظيم الناس، وخضوعهم له، ولقد كانت "بلقيس" تعلم ذلك ساعة أن جاءها الهدهد بخطاب سليمان؛ إذ قالت لقومها: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ٤.
٤- وجود أنظمة تعمل لتكريس التعظيم والتبجيل، للسلطان، والحاكم، وهذه الأنظمة وضعها الحاكم لنفسه، وصار لها شأن، وتقدير وسط الناس، ومن أمثله هذه الأنظمة ما بثه فرعون في المدائن من علماء، وسحرة، وولاة، وكلهم يدين بالولاء، والطاعة له.
هذه بعض آثار السلطة على أصحابها، وقد بعث رسل الله لهؤلاء الناس، وتعاملوا معهم بما يناسبهم، ودعوهم إلى الحق بمنهج يتلاءم مع واقعهم وفكرهم.
يوضح الله ملامح هذا المنهج في قوله لموسى وهارون ﵇: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ ٥، وفي قوله تعالى: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى، وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ ٦.
стр. 624
وكان رسل الله ﵈ يخصون القادة بالدعوة، لأهميتهم الاجتماعية، ولأن إيمانهم إيمان لأتباعهم، ولو ظفر الرسل ﵈ منهم بالصمت، والسكون لعد ذلك كسبا يمكنهم من دعوة عامة الناس.
ولذلك كان فهم وضعيتهم مفيدا في دعوتهم إلى دين الله تعالى ...
стр. 625
٢- كبرياء الملأ:
والملأ هم قادة الرأي في المجتمع، وأعوان السلطان في الناس، يملكون بعض المزايا الفكرية، والمالية، والعلمية
وسموا بالملأ لأنهم يملئون المجتمع ظهورا، وحركة، أو يملئون المجالس، حوارا وفكرا.... أو يملئون الأسواق مالا وغنى ... وذلك يجعل لهم ظهورا في الناس، وتأثيرا في إتجاهاتهم.
الملأ هم معارضو الرسل جميعا، وكان لهم دور في صد الناس عن اتباع دين الله تعالى.
إنهم قوة توجيه الرأي العام، وهم كبار في أعين الناس، ويعيشون معهم.... ولذا كان لرأيهم أهمية في الطاعة والاتباع، هؤلاء الملأ يتصفون بما يلي:
١- يملكون قدرا من الثقافة الفكرية، بسبب ما هم فيه من غنى، ولأنهم نشئوا في بيئة الحكم والقيادة، وتعلموا العلوم التي وجدت في عصورهم، وعرفوا المدنية، وعاشوا الحضارة التي كانوا معها.
٢- الملأ هم حلقة الوصل بين السلطة، والعامة، يقومون بدور القوة المنفذة على الجماهير، ولذلك ينحازون للحاكم دائما، ويعملون له.... وهم مستشارو السلطان، وناصحوه، ودورهم معه كبير.
٣- تعيش هذه الفئة في رفاهية، وغنى، حيث يغدق عليهم الحاكم الكثير، ليضمن ولاءهم، وليستمر بهم إلها معظما بين الناس.
٤- يتمتع الملأ بثقة في أفكارهم، وأعمالهم مهما كان خطأهم، ولذلك نراهم يفتخرون بالباطل، ويعتزون به.
стр. 626
ودعوة الملأ إلى الله تحتاج إلى منهج خاص، يقدر العقل، ويناقش بهدوء، ويلتزم بحسن الخلق، ويؤكد على ما للملأ من أهمية، ومنزلة، حتى يدركوا أن دين الله يعطي أكثر من غيره، والفائدة الحقيقية في الطاعة، والاتباع.
стр. 627
٣- استسلام العامة:
والعامة هم الجمهور العريض من الناس، وهم الضعفاء الذين يعملون في خدمة الملأ، والسلطان، وقد جبلوا على الخضوع، وبرغم تملكهم للكثرة العددية، إلا أنهم ينتظرون دائما من يساعدهم، ويوجههم.
والعامة أصناف كثيرة، فمنهم أرباب الحرف، وأهل الصناعة، ورجال الزراعة، وطوائف المهن المختلفة.
ودعوة هؤلاء تحتاج إلى معايشتهم على تنوعهم، واختلافهم، والعمل على كسب ثقتهم، والدخول في دعوتهم شيئا فشيئا؛ لأن آذانهم تسمع من العلماء، ومن غيرهم ... وأي استقامة لديهم تحتاج إلى رعاية، وحماية.... لأن الجبابرة الذين يستعبدونهم يعملون باستمرار على إضلالهم، وإقناعهم بما هم فيه من ضعة، وهوان.
كان فرعون يقول لهم: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ١، ويقول عن موسى: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ ٢، وكأنه ساع لمصلحتهم، عامل على رفعتهم، وسعادتهم.
وقد قص القرآن الكريم بعض حوارات الكبار والضعفاء من أتباع الرسل، فقال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ ٣.
стр. 628
وفي الآيات بيان لأخلاق الكبار، وهم الملأ، وغيرهم، حيث يسألون الضعفاء الذين آمنوا، منكرين عليهم إيمانهم، مستهزئين بهم، متهمين إياهم بالجهل، وعدم العلم، مع الإشارة إلى أن صالحا وربه لا يستحقون هذا الإيمان، وتصور الكبار أنهم بهذا سيصرفون الضعفاء عن الدين، فلما رد عليهم المستضعفون الذين آمنوا، وأخبروهم بأنهم آمنوا بصالح ﵇، رسولا، وبالله ربا، وبما أرسل به دينا صادقا، لما سمعوا ذلك عرفوهم بأنهم يكفرون بما آمنوا به، كأن سبب الكفر دخول المستضعفين في الإيمان.
ويقول الملأ من قوم شعيب للناس، ما حكاه الله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ ١، حيث نراهم يخوفون بالبوار والخسران بسبب الإيمان، وفي وقاحة كاذبة، وضلال مبين.
ومع فرعون وقومه نرى التعاون المفسد بين السلطان، والملأ يقول تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ ٢، وفي الآية نرى الملأ يأتون لسيدهم، يحرضونه ضد موسى؛ لأن موسى في نظرهم يفسد في الأرض، ويفرق الناس، ويدعو إلى ترك الآلهة، والبعد عن تألية فرعون، وهذا في نظرهم فساد، وخسران.... فيطمئنهم فرعون ويعرفهم بقراره الجديد، وهو قتل ذكور الإسرائيليين، وترك النساء، ويهدئ خواطرهم بالثقة في قوته القاهرة، وعلوه الكاذب.
стр. 629
وفي يوم القيامة حين تنكشف الحقائق يناقش المستكبرون والمستضعفون، وهم في العذاب، حول من كان سبب الكفر والضلال، يصور الله تعالى هذا النقاش، فيقول: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ، وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١، فنرى كل فريق يلقي باللوم على الفريق الآخر، يقول المستضعفون للمستكبرين: لولا أنتم لكنا الآن في الجنة بإيماننا.
فيرد المستكبرون: هل قهرناكم على عدم الإيمان، ووقفنا بينكم وبينه، إنكم كفرتم بإرادتكم، والكفر طبع فيكم.
فيوضح المستضعفون ما قام به المستكبرون معهم من حيل مخادعة، ومكر لئيم وتخطيط لتدعيم الكفر، واستمرارية في هذا الخداع والوسوسة.
يقول القرطبي: "والمستكبرون هم القادة والرؤساء، والمستضعفون هم الأتباع الذين استمروا على الكفر في الدنيا"٢ لأن المؤمن عزيز بالإيمان، قوي بمعية الله، ولا يكون ضعيفا بعد الإيمان.
من هذه الحوارات نلمس أخلاق الناس ...
стр. 630
فالقادة، يعارضون رسول الله إليهم دائما، ويظهرون للناس على أساس أنهم أصحاب حق، ولهم علم بحقائق الأمور، ويتهمون الرسول بكل ما ينفر الناس منه.
ونرى الملأ في خدمة سيدهم، يعملون له، ويساعدونه في المحافظة على ملكه وسلطانه.
والعامة ضعاف يسيرون في ركب قادتهم، ولا يتبينون الحق إلا بعد فوات الأوان.
إن الملأ هم الذين هددوا شعيبا بالطرد، يقول تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ ١، وهم مع كل الرسل استعملوا هذا الأسلوب، يقول تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ ٢.
وعلى القائمين بأمر الدعوة أن يدركوا حقيقة النفس البشرية، وطبيعة من سيقومون بدعوتهم ليتمكنوا من التعامل معهم بما يناسبهم.
إن نفس الإنسان مليئة بالطمع، وحب الذات، وقد رأينا ما كان من قابيل، وكيف أدت به الأنانية إلى قتل أخيه.... ورأينا ما كان من إخوة يوسف ﵇، حيث كذبوا على أبيهم، وحاولوا التخلص من أخيهم.
ومع هذا ففي الناس نفوس مشرقة، تحب الحق، وتعمل له، وكل ما تتمناه أن تعرفه، وتصل إليه، كما حدث من سحرة فرعون وزوجته....
وبالرجوع إلى حركة الرسل ﵈ بالدعوة لأقوامهم تتضح النفوس، وتعرف الطبائع، ويكن للدعاة أن يقوموا بعملهم في يسر ونجاح.
стр. 631
المبحث العاشر: الحركة بالدعوة
مدخل
...
المبحث العاشر: الحركة بالدعوة
بعث الله رسله، لتبليغ دينه، وإرشاد الناس إلى ما يحقق مصلحتهم في الدنيا، وفي الآخرة.
وقد صنع الله رسله، وأمدهم بعونه، ومدده، ولم يتركهم لعقولهم، وأفكارهم.
لقد اختار الله رسله من البشر، وكلفهم بما يطيقه البشر، وهداهم للخلق الكريم، والسلوك الحسن فارتقت روحهم، وصاروا في الطاعة كالملائكة وفي العمل والسلوك عبادا صالحين، مطبقين للمنهج الإلهي المستقيم.
وقد أمد الله رسله بعدما كلفهم بالرسالة، بكل ما يحتاجون إليه، وبكل ما تحتاجه الرسالة.
عرفهم الله بالدين، أصوله، وفرعوه، مفصلا في الجوانب التي لا بد للتفصيل معها، ومجملا في القضايا التي يكفي معها الإجمال.
والدين مجموعة من الحقائق المتضمنة لمنهج إصلاح الحياة، والأحياء، تحتاج دائما إلى من يوصلها للناس بمنهج دقيق، ووسيلة صحيحة، وأسلوب يتلاءم مع الناس ومن المعلوم أن الحقيقة لا تتحرك بذاتها، ولا يهتم بها أحد إن بقيت في أسفار مغلقة، أو في ثنايا عقل صامت، ومن المعلوم كذلك أن الحقيقة إذا حملها منهج عقيم لا تصل لأحد، وربما وصلت على غير وجهها الصحيح.
إن العروس إذا لم تتزين لا تعرف، وإذا تزينت بزينة سافرة، تسيء لنفسها، وتجمع حولها صعاليك البشر.
ومن هنا:
أكرم الله رسله فعرفهم بالمنهج المناسب لدينه، وهداهم للوسائل الملائمة لهديه، وبذلك صار الرسل قدوة في التدين، والمنهج، والوسيلة، والأسلوب.
стр. 632
إن الله تعالى لم يترك منهج الحركة للرسل يتصرفون فيه باجتهادهم، بل أنزله عليهم، كما أنزل دينه، بوحي ثابت مقرر.
لو نظرنا إلى قصص القرآن الكريم، وهو يتناول دعوات الرسل ﵈ نلاحظ أنهم جميعا ساروا في خط واحد.
فكلهم: جاء لقومه بعد انحرافهم عن التوحيد، وضلالهم في عبادة غير الله.
وكلهم: ركز في دعوته على التوحيد الخاص، وضرورة قصر العبادة لله تعالى.
وكلهم: عاش بين قوم ضالين، متمسكين بما هم فيه، من كفر وضلال.
وكلهم: استمر في دعوته حتى اتضحت طبيعة الناس، وعاقب الله المكذبين بالإهلاك، ونجى المؤمنين من العذاب الأليم. خط الجميع واحد، ومنهجهم في الدعوة واحد أيضا.
وحينما يكون الرسل هم قدوة المؤمنين، والدعاة، وهو واجب، فإن الأمر يلزم الدعاة باتباع منهج الله في تبليغ دين الله للأسباب التالية:
أ- المنهج الإلهي في التبليغ هو المنهج الملائم للفطرة؛ لأنه من الله الخالق للناس، والخالق عليم بمن خلق، وحين يحدد منهج خطابه، فهو بلا شك خطاب مناسب.
ب- المنهج الإلهي في التبليغ كما هو مناسب للفطرة، هو مناسب للدين نفسه، وبه يحدث التناسب، والانسجام.
ج- إن منهج الله في التبليغ يجعل الدعاة في ثقة وهم يسيرون على خطى الرسل ﵈، كما يدفعهم إلى التحمل، والصبر، وهو يواجهون أعداء الله في الأرض، الذين لا يتغيرون في مسلكهم، وعداوتهم، وإن تغير الزمان، وتغير المكان، يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ
стр. 633
وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ، وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ، وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ٢ ويقول تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ ٣.
إن المنهج الإلهي منهج واقعي، بمعنى اعترافه بالواقع، والتعامل معه، لا ليقبله ولكن ليصححه، ويربطه بتعاليم الدين.
وهو منهج يتعامل مع الإنسان، ويحاول تحريك قلبه، ولسانه، وجوارحه، ولذلك فهو لا يبقى في المجال النظري، وإنما يستمر حتى يكون منهجا عمليا، يعيشه الناس في حياتهم ومناشطهم.
وحينما نحاول استنباط أهم ملامح منهج الرسل، ووسائلهم وأساليبهم، فإني أكتفي بكلمات موجزة حيث سبق تناول هذه القضايا خلال دراسة تاريخ الرسل.
стр. 634
أهم ملامح منهج الرسل:
يمكن رصد أهم ملامح المنهج الذي طبقه الرسل في دعوة الناس فيما يلي:
١- البدء بقضية التوحيد، وبيان ارتباط التوحيد بالعبادة التي خلق الإنسان من أجلها، وفي هذه النقطة وجدنا الأنبياء يبينون فساد العقائد الباطلة، وعدم استحقاق الآلهة المزعومة للعبادة.
٢- تجزئة القضية أثناء عرضها على الناس، فمرة تكون الدعوة في نقد الآلهة وأخرى في قيمة عبادتها، وثالثة في التعريف بالله تعالى ... وهكذا لأن التجزؤ ضرورة للفهم ويساعد على الحوار، والإقناع.
٣- القرب من المخاطبين، والاستفادة بكل ما يساعد على ذلك، كالقرابة والفكر المشترك، وإبراز الصفات التي تؤدي لهذا القرب كالحب، والنصح، والأمانة ومن القرب المجاراة، وإشعار الناس بأن الداعي معهم في الآمال والأماني.
٤- الالتزام بمكارم الأخلاق، والتمسك بها حتى تصير سمة من يتصدى للدعوة، في نفسه، ومع الناس.
٥- الصبر في الدعوة، وعدم تسرع النتيجة، ومبلغ الدين يعمل الله، والواجب عليه أن يستمر في عمله، ولا ينظر للنتيجة؛ لأن التعجل في الإيمان لا يفيد
٦- معايشة واقع الناس، وتفهم أحوالهم، لمعرفة الإيجابيات، والسلبيات التي يستفيد بها في دعوتهم إلى الله تعالى.
٧- أن يكون حامل الدين صورة عملية لما يطلبه من الناس؛ لأن ذلك أدعى للاستماع له، والأخذ منه.
٨- مراعاة الظروف من كافة نواحيها، فقد يكون الوقت غير ملائم لانشغال الناس بأمر آخر، وقد يكون المكان ليس مناسبا، كأماكن اللهو، والفسق، وقد تكون الحالة النفسية أو الاجتماعية، أو غيرها، لا تشجع على الدعوة، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ٢.
стр. 635
٩- تقبل الرأي المعارض، ومناقشته بلين وهدوء؛ لأن الدين هو الحق وما عداه باطل، ومن المعلوم أن الحق أبلج، وحجته أقوى، ولو عاش الناس بمنطق العقل والبرهان الصحيح لما استمروا على معارضاتهم، وجدلهم.
١- التعامل الحقيقي يقوم على فهم الإنسان، فهو مخلوق يقاد من باطنه، ولقواه العقلية، والعاطفية سلطان على قدراته الجسدية، ولذلك كان ضروريا أن يعيش الدعاة مع العقل لتفهيمه، وإقناعه، ومع الوجدان لإرضائه، وجذبه، وحينئذ تنجح الدعوة
لقد رأينا من خطابات الرسل ما يقنع العقل، ويرضي الوجدان، وبذلك حددوا المنهج للدعاة.