Полный текст (366 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
تحرم الجماهير من الثقافة والعلم، ولكن إذا لم يصبح العمل بالنسبة للإنسان حاجة طبيعية كحاجته إلى التنفس والمشي، فإن أحسن وسيلة لتشجيع التقدم وتخصص العمال هي أن ينال كل فرد حسب نوع العمل الذي يؤديه.
ولهذا تصبح وعود الرأسمالية الخلابة التي تريد أن تقنع العمال بأنها تستطيع رفع معيشتهم إذا أحسنوا نوعية عملهم حقيقة في الاشتراكية بسبب زوال الاستغلال، ولكن الفرد في الاشتراكية لا يأخذ نتيجة عمله كاملًا، وذلك لأجل الاحتفاظ بقسط منها لتغطية مصاريف الإدارة والمستوصفات وغيرها؛ ففي المجتمع الاشتراكي يعطى كل فرد حسب عمله بصورة غير متساوية بين الأفراد بعد أن يؤمن لكل فرد أسباب معيشته.
إذًا هم يقولون: إن الاشتراكية تختلف عن الشيوعية، ولكن ما معنى هذا التفريق؟ إذا عرفنا أن "كارل ماركس" هو الذي أنشأها وهو الذي سماها أيضًا الاشتراكية، ويسميها الاشتراكية العلمية؛ حيث يميزها عن نوع من الاشتراكية الخيالية، التي أنشأها في القدم سان سيمون ولويس ورفاقهما، والتي لم يرتضها كارل ماركس؛ حيث اعتبر اشتراكيته مرحلة حتمية لا تقبل الرفض، لأنها في نظرة نتيجة مضادة للرأسمالية التي تنبأ بأنها ستنتهي، وتحل اشتراكيته محلها. ويرى ماركس أن الدول الكثيرة مثل بريطانيا وغيرها ستعود حتمًا إلى الأخذ باشتراكيته، وستموت الأنظمة الرأسمالية في هذه الدول فكانت النتيجة على حد قول الشاعر:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا
أبشر بطول سلامة يا مربع
وقد احتضرت الاشتراكية في الشرق في الوقت الذي انتعشت فيه الرأسمالية في الغرب، كذلك ظن ماركس ورفاقه الأغبياء.
стр. 107
مزاعم الاشتراكيين ودعاياتهم
لأتباع المذهب الاشترا كي على اختلاف مفاهيمهم قاسم مشترك، يتفقون عليه في مغالطتهم وخداعهم للناس، محاولة تحبيب الاشتراكية إليهم، وقد تبدو الأمور التي يدعون إليها أنها فرصة ثمينة لإسعاد البشرية، ولكنها في الواقع عند التجربة -كما قلنا- تظهر كسحابة صيف، أو كفقاقيع منفوخة بالهواء، انكشف زيفها واضمحل بريقها بعد هذه التجارب التي مرت بالبشرية منذ تأسيسها؛ إذ نقلتهم هذه التجارب من سنين العشر، ومن طبقات متآلهة إلى طبقات متصارعة، ومن فقر وغنى إلى فقر مدقع، وخلاصة تلك المزاعم تتمثل فيما يلي:
هم يقولون ويدعون أولًا: أنهم سيساوون اقتصاديًّا بين جميع الأفراد بلا تمييز بينهم في القومية، أو في الجنس، أو في السن.
ثانيًا: يقولون: إنهم سيمحون استغلال الفرد أو الجماعة أو الدولة للفرد.
ثالثًا: يقولون: إنهم سيلغون الملكية الفردية للأرض بما عليها وما فيها من كنوز وثروات، وجعلها بيد الدولة فقط، مما يسمح بتحقيق العدالة في التوزيع بين الجميع.
يقولون أيضًا: إنهم سيمنحون الحق لكل إنسان أن يستخدم كل وسائل الإنتاج علمية كانت أو فنية.
стр. 108
ثم قيام الدولة الاشتراكية ذاتها؛ لتتحول إدارة الجهود والإنتاج الفردية إلى إدارة موحدة، وتصبح الدولة هي المالكة الوحيدة لجميع الثروات ووسائل الإنتاج، وجميع المرافق الاقتصادية الأخرى وتتولى استثمارها، وبالتالي تحصل السعادة المنشودة. تلك هي أهم الأمور التي تدور حول مفاهيم الاشتراكية وتحبيبها إلى الناس.
وننظر في هذه الدعاوى التي يقولونها، أما المساواة الاقتصادية بين جميع الأفراد فقد حققها الاشتراكيون، ولكن على الجانب الآخر وقد استطاعوا أن يساووا بين الناس في الفقر، ولكنهم لم يستطيعوا أن يساووا بينهم في الغنى؛ لأن الهدم دائمًا أسهل من البناء وحال الشعوب في الاتحاد السوفيتي بعد انجلاء غمة الاشتراكية عنهم أقوى شاهدًا ودليلًا على ذلك، أما ما هو استغلال الفرد من قبل الأفراد الآخرين أو الجماعة أو الدولة فهي كذبة واضحة؛ حيث إن الدولة استغلت الأفراد من اللحم إلى العظم حتى أصبح الفرد مثله مثل أي قطعة استهلاكية، وأي استغلال أقوى من أن الفرد لا يأكل أي وجبة إلا ببطاقة، ولا يملك سكنًا ولا غيره إلا مع الجماعة، بل وقد يقتل بكل بساطة أمام زملائه إذا اتضح قصوره في العمل، وكذلك إلغاء الملكية الفردية للأرض نعم حققتها الاشتراكية حتى أصبح الناس كلهم لا يملكون شيئًا، وأصبحت الأرض ومن عليها من شجر وبشر ملكًا للدولة، وهو ما كان عليه الحال زمن الإقطاع تمامًا.
أما منح الحق لكل إنسان أن يستخدم كل وسائل الإنتاج علمية أو فنية فنعم، ولكن عمله ليس له، إنما هو يعمل كما تعمل الآلة بل كلل ولا ملل لحساب الدولة التي أممت كل شيء، وسدت كل باب للملكية الفردية، ما دام المصب واحد فلا يضر اختلاف المجاري، أو على حد ما قاله الخليفة العباسي للصحابة: "أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك".
من أكبر مزاعمهم قولهم: إن الاشتراكية إنما قامت في ردِّ فعل ضد الرأسمالية إثر ظهور الثورة الصناعية التي أسهمت في شقاء العمال والكادحين؛ حيث أدت إلى
стр. 109
زيادة ساعات العمل وانخفاض الأجور، مما تسبب في إلحاق كوارث للعمال كوارث وخيمة، وأنه لم يكن له مخرج من تلك الأوضاع ولا منقذ غير الانضواء تحت راية الاشتراكية الماركسية، ونبذ هذا النظام الرأسمالي الذي لا يرحم الفقراء، ولا يعترف لهم بحقوق لكن وضع دعاه الاشتراكية هذا يصدق عليهم المثل القائل: إذا كان بيتك من زجاج لا تراجم الناس. إذ بإمكان أي رأسمالي أن يقول للاشتراكيين: ألم تروا حال العمال والكادحين لديكم ومدى البؤس والشقاء الذي حل بهم، بالإضافة أيضًا إلى أنكم حولتم العامل من إنسانيته إلى أن جعلتموه قطعة من أدوات الإنتاج لا قيمة له، إلا من خلال سلوكه وعمله مع المجموعة، فظهر أن النظامين معًا الرأسمالي والشيوعي جائرين ظالمين لا خير فيهما، ولا رحمة حقيقية فيهما على الفقراء.
قوانين الاشتراكية
فالقوانين التي تقوم عليها الاشتراكية وتؤسس عليها هي مجموعة من المبادئ الجاهلية من تصورات الحقد اليهودي؛ لتجعل من قادتها آلهة من دون الله تعالى، وتجعل من البشر عبيدًا لهم ينفذون أحكامهم، ويتبعون تشريعاتهم، ومن خالف فالحديد والنار على رأسه لا رحمة لديهم ولا إنسانية.
ومن أهم تلك المبادئ التي تقوم عليها الاشتراكية:
أولًا: إظهار الإلحاد وإنكار وجود الخالق ، فهي فلسفة مبنية على المادية أساسها: لا إله، والحياة مادة، والمادة هي أولًا وهي آخرًا، لا أول لها ولا آخر.
ثانيًا: إنكار الأديان وكل ما جاءت به الأديان من تشريعات، إذ إنهم يعتبرون الدين أمرًا واجب الإلغاء لاعتبارات عدة:
стр. 110
أحد هذه الاعتبارات: أنه خرافه، ونحن الآن في عصر العلم، فقد كان الباعث على الدين في نظرهم هو جهل الإنسان بالطبيعة من حوله، وعجزه عن السيطرة عليها، فتخيل هذا الإنسان وجود قوى خفية تسيطر على هذا الكون، وتجري الأحداث فيه؛ وراح يسترضي هذه القوى ليدفع أذاها عنه، فتقرب إليها بالشعائر التعبدية بتقديم القرابين، ولما كانت البشرية اليوم قد شبت عن الطوق وتعلمت من العلم ما تعرف به قوانين الطبيعة تسيطر به على البيئة؛ فقد آن أن تتخلص من هذه الخرافة غير اللائقة بالإنسان المتعلم.
والاعتبار الثاني: عند الشيوعية لإلغاء الدين أن الدين كان ناشئًا من طبيعة الوضع المادي والاقتصادي في العهد الزراعي؛ حيث كان الدين هو جزء من عملية الإنتاج خارجًا عن سيطرة الإنسان، فتخيل وجود قوة غيبية من الإنسان ينسب إليها الهيمنة على ذلك الجزء الخارج عن سيطرته، ويروح ليتعبدها ليجتلب رضاها، ويصرف أذاها وغضبها عنه، وسمى هذه القوة التي تخيلها الله.
والآن -كما يرى الشيوعيون- تغير الوضع المادي والاقتصادي، وأصبحت عملية الإنتاج كلها منظورة، وكلها تحت سيطرة العامل الذي يقوم بالإنتاج؛ فلم تعد هناك حاجة لافتراض تلك القوة الغيبية التي أصبحت الآن غير ذات موضوع.
أما الاعتبار الثالث -في نظر الاشتراكية بإنكار الأديان وإلغائها-: فهو أن الدين يخالف معتقدهم القائم في نظرهم على أسس علمية -كما يزعمون، والعلم منهم براء كما قلنا، وهذا الأساس هو أن المادة هي الأصل، وأن المادة -كما قلنا- سابقة في الوجود على الفكر؛ لأن الدين يخالف هذا المعتقد؛ إذ إن الدين يقوم على أساس أن المادة مخلوقة، وبالتالي فالمادة ليست هي الأصل وليست
стр. 111
سابقة على الفكر، ومن ثم وجب إلغاء الدين في نظرهم؛ لأنه يصادم التصور الشيوعي الذي ينبغي أن يبقى وحده ويلغي كل ما سواه.
الاعتبار الرابع -في نظرهم-: أن الدين كما يسمونه ويقولون عنه: مخدر الشعوب أو أفيون الشعوب، إذ إن المستغلين من الإقطاعيين والرأسماليين كانوا يستخدمون الدين لتخدير الجماهير؛ لكي ترضى بالظلم الواقع عليها فلا تتمرد عليه، مقابل الحصول على نعيم الجنة في الآخرة. أما الآن بعد قيام مجتمع الشيوعي الذي ليس فيه مستغلون فينبغي إلغاء ذلك المخدر الذي كانوا يستخدمونه، إذ لم تعد هناك حاجة لاستخدام المخدر.
ثالثًا: إشعال الثورات والصراع الطبقي المرير بين جميع الفئات من البشر، إذ إن التاريخ عندهم -كما يقولون: مبني على الصراع بين الطبقات، وأن الطريق إلى إقامة مجتمع اشتراكي هو ثورة العمال الكادحين على الرأسماليين الظالمين.
رابعًا: إلغاء الملكية الفردية تمامًا، وإحلال ملكية الدولة محلها، فهم يرون أن الملكية الفردية هي المسئولة عن كل الشرور التي خاضتها البشرية منذ أن تركت البشرية مرحلة الشيوعية الأولى، حتى دخلت مرحلة الرأسمالية، وأنها كانت خلال ذلك التاريخ كله مسار الصراع الطبقي الذي يبعث الأحقاد والاضطرابات في المجتمع البشري، وأنه لا بد من إزالة هذه الملكية الخاصة ومحوها، والرجوع بالناس إلى الملكية الجماعية التي كانوا عليها في الشيوعية الأولى؛ لكي تستريح البشرية من الصراعات والأحقاد، وتعيش في طمأنينة وسلام.
وهم يقولون: إن الملكية الفردية ليست نزعة فطرية، بل أنه لا توجد نزعات فردية على الإطلاق والملكية الجماعية هي الأصل عندهم لحياة الإنسان، ولكن ليس معنى الملكية الجماعية أن أي مجموعة من الناس يملكون، أو يمكن أن يملكوا
стр. 112
ما تحت أيدهم من وسائل الإنتاج وأدواته ملكية مشتركة، كأن يملك العمال المصنع الذي يعملون فيه؛ إنما معنى الملكية الجماعية أن الدولة هي المالك الوحيد للإنتاج كله بوسائله وأدواته وناتجه؛ فالدولة هي التي تملك المصانع وإنتاجها كما تملك المزارع ومحاصيلها، يقول كارل ماركس: "لقد دقت ساعة النظام الرأسمالي وآن للمغتصبين أن تنتزع ملكياتهم، وعندئذٍ تقوم ديكتاتورية البروليتاريا التي تصل بالنظام الاقتصادي أن يكون لكل منتج ثمار عمله حتى تزداد الغلة، فيكون لكل حسب حاجته، وإذ إن الإلغاء الكامل لم يتم فاكتفت الاشتراكية بملكية الدولة لوسائل الإنتاج، وأبقت على ملكية الأفراد للسلع الاستهلاكية، كذلك نادت الشيوعية بإلغاء العملة، ولكنها في التطبيق الاشتراكي لا تزال تعترف بالعملة".
خامسًا: محاربة الأسرة وإحلال الإباحية محلها، وذلك لتفتيت أواصر المجتمعات فهم يقولون: إن الأسرة لا تشكل كيانًا اجتماعيًّا خالدًا، إذ إن الأسرة قد طرأ عليها تبدلات عديدة عبر القرون، وهذه التبدلات وهذا التطور يتحدد في التحليل الأخير للعامل الاقتصادي؛ فالعامل الاقتصادي هو سبب هذا التبدل وهذا التحول، يقول إنجليز في كتابه (أصل الأسرة): "إن الأسرة مرت بأربع مراحل؛ أسرة الجيل وفيها كانت العلاقات الجنسية مباحة بين أبناء الجيل الآباء، والبنات، والأخوة والأخوات، وأسرة الجيل هذه قد انقرضت، ولا أدري من أين أتى إنجليز بهذه المرحلة؛ لأنه ليس عليها دليل؛ لأنه كما يقول قد انقرضت، ولأن أحسن الشعوب التي يتحدث عنها التاريخ لا تمدنا بأمثله عن هذه الأسرة حتى يمكننا التثبت منها، فهو يبني نظريته على وَهْمٍ كباقي قوانينه وكباقي إدعاءاته.
стр. 113
أما المرحلة الثانية من مراحل الأسرة عنده فيقول عنها: "ثم حصل التقدم بحرمان الإخوة والأخوات من العلاقات الجنسية المتبادلة، وبالتدريج في جميع أشكال الأسرة لم يكن الوالد يُعرف معرفة أكيدة، أما الوالدة فتعرف بالتأكيد. ثم كانت المرحلة الثالثة التي يعيش فيها الرجل مع المرأة الواحدة، وإن تعددت الزوجات، لكن تعدد الزوجات والخيانة الزوجية تظل من امتيازات الزوج كما يقول لأسباب اقتصادية.
ثم تأتي مرحلة الوحدانية التي تقوم على سيطرة الرجل، وهدفها إنتاج الأولاد، ولا بد من تحديد نسبهم لكي ينالوا حقهم من الإرث، أما الأسرة التي يريدون أن يصل إليها المجتمع الاشتراكي أو الشيوعي فيحددها إنجليز بقوله: "إن العلاقات الجنسية ستصبح مسألة خاصة، لا تعني إلا الأشخاص المعينين، إن المجتمع لن يتدخل فيها، وهذا سيكون ممكنًا بفضل إلغاء الملكية الخاصة، وبفضل تربية الأولاد على حساب الدولة، ولذلك ينخفض القلق الذي يستحوذ على قلب الفتاة من جراء العواقب التي تعوقها عن حرية الوصال الجنسي شيئًا فشيئًا، ومن ثم نشوء رأي عام أكثر تساهلًا فيما يتعلق بشرف العذارى وعار النساء، يقول لينين: نحن لا نؤمن بالأفكار المثالية عن الأسرة التي تنادي بجعل الأسرة ذا كيان خاص له استقلاله، نحن لا نؤمن بهذه المثالية التي تشجع على جعل الوطن مجموعة من الأسر المستقلة، إن الأسرة في نظرنا ليست سوى أفراد مستقلين نحدد لكل منه دوره في المجتمع.
السادس: من قوانين الاشتراكية: محاربة الحريات الفردية.
والسابع: الالتزام بنظام التأميم.
الثامن: أن قيمة السلعة من قيمة العمل، وفي هذا أخذ كارل ماركس عمن سبقوه ريكاردو وآدم سميث، لكنه أضاف عليهم أن قيمة السلعة إذ تتحدد
стр. 114
بالعمل المبذول لإنتاجها، فأن هذا العمل ينبغي أن يكون ضروريًّا من الناحية الاجتماعية، بمعنى أن كل ما ينتجه العامل ينبغي أن يكون ذا نفع لفرد ما.
التاسع: قوانين الاشتراكية هو قانون يسمى فائض القيمة، وقد كان علماء الاقتصاد الإنجليز يرون أن مستوى الأجور يقرره الوقت اللازم الكافي لإعالة العامل، لا شأن لذلك بالقدر الذي ينتجه العامل، فقوة العامل سلعة فريدة من نوعها؛ لأن العامل ينتج إنتاجًا يزيد عما يحتاجه لإعالة نفسه، وروى أنه إذا أخذ أكثر مما يبقيه حيًّا سيزيد إنجابه، مما يترتب عليه المجاعات والحروب، واستغل ماركس ذلك في شحذ أسلحة الصراع؛ حيث رتب على وجود هذا الفرق أن يكون العامل ضحية لاستغلال صاحب العمل؛ نتيجة للفارق الكبير بين أجره وقيمة ما ينتجه.
ثم رتب نتيجة أخرى خاطئة، وهي أن أصحاب الأعمال وملاك الأراضي يعيشون على حساب أناس آخرين، وهم لا يقدمون لهم ما يقابل السلع التي يتلقونها، أو أنهم يعيشون على دخل لم يكسبوه، وبهذا تنشأ الدخول الأخرى غير الأجور المكونة من الإيجار والفائدة والربح، أو ما يسمى فائض القيمة.
ويرى ماركس أن قصة رأس المال هي قصة استغلال الإنسان، فقد كان استعمال الإنسان للعصي والآلات الحجرية تجعله في حاجة إلى التعاون؛ ليكمل نقصه في صراعه ضد الطبيعة؛ لذلك سادت العلاقات التعاونية المشتركة في تلك الحقبة البدائية من التاريخ، ولكن لما انتقل الإنسان إلى استعمال القوس والسهم والفأس ساد نظام العبودية بين الناس؛ لأن الناس أصبح معهم من الأسلحة ما يساعدهم على إخضاع الآخرين، وقد أتاحت الزراعة للإنسان أول مرة أن ينتج أكثر مما يستهلك، الأمر جعل هناك فائضًا رغب الأقوياء في استغلال الضعفاء لحسابهم؛ ليأخذوا منهم فائض القيمة ظلمًا وعدوانًا.
стр. 115
وقد استخلص ماركس من نظرية فائض القيمة ثلاثة قوانين:
أولها: قانون تجميع رأس المال، ذلك -كما يقول ماركس- إن التنافس يؤدي إلى تشغيل الآلات التي توفر العمل ليضمن فائض قيمة نسبية، ويعني هذا في المدى الطويل هبوط في قوة العمل المطلوبة ويزيد من إنتاج السلع، إلا أن زيادة رأس المال الثابت ونقص رأس المال المتغير يؤدي إلى أن ينقص ربح العمل؛ لأن العمل هو مصدر القيمة الوحيد.
وثاني هذه القوانين: هو قانون تركيز رأس المال: فالتنافس -كما يقول ماركس- يؤدي إلى قتل الرأسماليين الصغار؛ حيث إن صغار الرأسماليين تضعف قوتهم التنافسية لعدم قدرتهم على شراء الآلات، مما يؤدي إلى اختفاء الرأسمالي الصغير، ونمو المؤسسات الضخمة عن طريق التكتلات والتجمعات، وبهذا تصبح وسائل الإنتاج تبعًا لذلك متزايدة متركزة في أيدٍ قليلة تحتكر الإنتاج.
وثالث هذه القوانين: هو قانون زيادة البؤس؛ إذ إن النتيجة اللازمة للقوانين السابقة أن يتجه الرأسماليون إلى زيادة استغلال العمال؛ للحصول على أكبر قدرًا من فائض القيمة المطلق، ويؤدي زيادة استغلال الآلات إلى تعطيل العمال، وتكوين احتياطي كبير من العمال يتنافس على فرص العمل. وهذا يؤدي إلى زيادة خفض الأجور، ويضعف من قدرة العمال على المساومة.
ومن الملاحظ أن الاشتراكيين قد تراجعوا بالنسبة للملكية الفردية نوعًا ما، فقد أخذوا بالحافز الفردي بعد انهيار الإنتاج المؤمن؛ إما بملكية جزء من إنتاج الفرد لنفسه أو مكافآت، خصوصًا في المجالات الزراعية التي يصعب على الدولة مراقبتها بدقة؛ لأن منع الملكية الفردية أمر يتنافى مع فطرة الإنسان وطموحة، ولذلك فقتلها مستحيل، أما المقصود بقيمة السلعة من قيمة العمل فهو أن العمل
стр. 116
لا يُبذل إلا في شيء له نفع اجتماعي يحدد قيمة تلك السلعة، بمعنى أن قيمة العمل والجهد الذي يأخذه هو الذي يحدد قيمة السلع هبوطًا وارتفاعًا، ولكن فاتهم أن العمل ليس هو العنصر الوحيد لقيمة السلع؛ إذ أن ندرة الشيء تجعله غاليًا كالذهب والماس، وكذا الماء حين تشتدُّ الحاجة إليه، وغير ذلك من الضروريات التي قد يتضاءل العلم في قيمتها، كما أنه قد يبذل العمل القليل في صناعة شيء يفوق في القيمة أضعاف ما يُبذل في العمل الكبير.
وأما فائض القيمة فيراد به الفصل بين الأجر المستحق عن العمل المبذول وبين ما يحصل عليه العامل من الأجر، أو هو الزيادة الذي يبتزها صاحب العمل من العامل نتيجة إعطائه أجرًا لا يساوي جهده المبذول. فإن معدل ما يقدمه العامل من جهد هو أكبر مما يناله من الأجر، أو المقصود بها الشيء الزائد عن قيمة السلعة الحقيقة الذي هي حق للعامل؛ بينما يأخذها الرأسمالي كجزء من القيمة وفائضها يذهب له، لا للعامل.
ولكن نظرة ماركس هنا قاصرة ينقصها ما وقع بعد عصره من تشغيل الآلات التي لا يساوي عمل الفرد شيئًا إلى جانبها، وهل عمل المهندس الفني الذي يدير مجموعة آلات يتساوى مع عامل الفلاح؛ بحيث يتساويان في الأجرة أو قيمة الناتج، وفائض القيمة اليوم هو حق الآلة التي تعمل ذاتيًّا وليس حق العامل، إذا كانت الماركسية تدافع عن فائض القيمة التي يبتزها الرأسمالي صاحب العمل؛ فإن هذا الفائض في المذهب الاشتراكي يذهب تمامًا إلى الدولة التي أممت كل شيء؛ فلم يحصل العامل على حقه الفائض لا في الرأسمالية ولا في الاشتراكية، ولعل الاشتراكية تخدعه وتنميه بالكذب، فالعامل فيها يكدح، يعمل طويلًا في مقابل ما تعطيه الدولة من المأكل والمشرب، والملبس، والسكن المتواضع جدًّا، وهو أقل مما يبذله من العمل.
стр. 117
وأما قانون تكدس رأس المال فإنه يراد به حماية العامل في حال إقامة المصانع والمشاريع الكبيرة، وسيطرة أصحابه على السوق؛ حيث تبقى المصانع الصغيرة أو المشاريع الصغيرة غير قادرة على منافسة الكبيرة، وبالتالي يخسرها أصحابها، فتتكدس الأموال بين فئة الأغنياء من جراء ملكيتهم لهذه المصانع، وملكيتهم لفائض القيمة.
ويرد على هذه الفكرة أن المشاريع الصغيرة قد تصل إلى الأماكن النائية التي لا تستطيع المشاريع الكبيرة الوصول إليها، ومنافستها فيها، ثم إن الأعمال الصغيرة قد تأخذ شهرة أكثر من الكبيرة من حيث الإتقان والجمال، ولهذا تجد العمل اليدوي في مجالات كثيرة لا يزال ذا قيمة أكبر في المجتمعات، وفي أثمان السلع. كما أن المشروعات الكبيرة في أغلبيتها تأخذ شكل شركات مساهمة قد يسهم فيها مئات بل آلاف، من ثم توزع رأس المال ولا يتكدس، فوق ذلك كله يقال لهم: إن الله تعالى وإن لم يؤمنوا به هو الذي قسم الأرزاق ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (الزخرف: ٣٢)، ولهذا تجد أن الفقير والغني كلاهما يأكلان من فضل الله، وصدق المتنبي حيث قال:
ولو كانت الأرزاق تجري على الحجى
هلكن إذًا من جهلهن البهائم
وصل ِّ اللهم على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 118
الدرس: ٨ الاشتراكية (٣) .
стр. 119
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثامن
(الاشتراكية (٣))
خداع الاشتراكيين في زعمهم أن الاشتراكية لا تتعارض مع الإسلام
الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وخاتم النبيين سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين،
أما بعد:
الاشتراكية وخطورتها وخداعها:
يتظاهر كثير من المخادعين دعاه الاشتراكيين بأنهم إنما يؤيدون الاشتراكية لأنها تحمل الرحمة للفقراء، وتحمل الكبت للأغنياء، ولأنها فوق كل اعتبار لا تتعارض مع الإسلام، ولا تتعارض مع الأديان، وهي تلتقي مع الإسلام في مبادئ كثيرة مثل اشتراك الناس في الماء العام، وفي الهواء، وفي الكلأ النابت في الأرض، تشترك مع الإسلام في النفقة الواجبة -كما قلنا- في نظام الأسرة الإسلامي، تشترك مع الإسلام في الزكاة المفروضة في الشريعة الإسلامية، ونقول بأنه وبغض النظر عن صحتها هذه الدعاوى أو كذبها فإن مجرد التوافق في التسمية لا يكون توافقًا في الحقيقة، وإلا لكانت كل الاختلافات لا قيمة لها؛ لأنه ما من مختلفين في قضية من القضايا ألا وتجد بينهما توافقًا ما، فإقرار الإسلام لتلك الأمور وغير إقرار الاشتراكية لها، ترتيبه لها غير ترتيب الاشتراكية لها، مفهومه غير مفهوم الاشتراكية. اشتراك الناس في تلك الأمور في الإسلام هو اشتراك مودة ورحمة وإخاء وتسامح؛ بينما هو في الاشتراكية حق واحد للسبع الكبير الذي هو الدولة تؤخذ منها شبعها، ثم تسمح بالباقي للآخرين في مقابل -كما يقولون- من لم يحترف لم يعتلف.
وفوق كل ما تقدم نقول لمخادعي الاشتراكية: من أين جاء الإسلام؟ من أين جاء الاشتراكية؟ وهل يلتقي التشريع الإلهي والتشريع البشري على حد سواء؟!.
стр. 120
إن الإسلام لا يعترف بأي نظام جاهلي وضعي، فكيف يقال: إن الإسلام يعضده ويوافقه سواء أكان اشتراكيًّا أو رأسماليًّا أو شيوعيًّا، إنه من الكذب والافتراء الفاحش القول بأن الإسلام يتوافق مع الاشتراكية أو غيرها من هذه الأنظمة الجاهلية.
إذا سلمنا جدلًا بتوافق الإسلام مع تلك الأنظمة، فما هو السبب في قتل الاشتراكيين الشيوعيين للمسلمين في الاتحاد السوفيتي قتلًا لا يتصور العقل أهواله، ودمارًا لا حد له، ولقد حاربوا الإسلام حربًا شعواء وهدموا المساجد، وحاربوا وجود أي كتاب إسلامي على امتداد البلاد السوفيتية، وأصبحت تهمة الشخص بأنه مسلم كافية لإباحة دمه، وتدمير منزله حتى تناقص أعداد المسلمين وعدد مدارسهم وعدد مساجدهم تناقصًا مذهلًا، فما هو جواب هؤلاء عن هذا؟ ما هو جواب الاشتراكيين عن هذا السلوك؟ ألم تنكشف خدعهم للعالم أجمع؟ ألم تظهر الحقيقة لكل ذي رأي وعين أن العداوة بين الحق والباطل دائمًا على أشدها؟.
ومن الأدلة الواضحة على بُعد الاشتراكية عن الإسلام ما نراه من الفشل الذريع الذي مُنيت به الاشتراكية في ديار المسلمين، رغم ما يبذله أقطابها من مغريات جمة؛ لإنعاشها بين المسلمين، ذلك أن الإسلام والمسلمين ينفرون منها ويرفضونها جملة وتفصيلًا.
ثانيًّا: أنها لم تنجح إلا في أوساط المتخلفين اقتصاديًّا وثقافيًّا ودينيًّا، أو في أوساط المتسلطين المتزلفين إلى أقطاب الاشتراكية، أو يتبعها كافر حاقد، أو إباحي مجرم، أو جاهل بحقيقتها. أما ما نسمعه من نجاحها في بعض البلدان العربية فإنما هي دعايات وزوبعات مؤقتة ورائها الحديد والنار، ثم انجلت الغمة عن تلك البلدان، فإذا بالاشتراكية وأقطابها قد اندحرت، ولنا في دخولها البلدان ونهايتها، وفي دخول الإسلام البلدان المفتوحة وبقائه فيها خير شاهد على مدى الفرق بينهما.
стр. 121
كيفية غزو الاشتراكية لبلدان المسلمين
من المعروف أن الأفكار تنتقل وتتسرب من شخص إلى آخر من أمة إلى أمة دون أن تحدها حدود، فهي تتغلغل، وتنتقل في الوقت الذي يتهيأ لها -كما يقال-: لكل صائح صدى مهما كان قبح صوت ذلك الصائح، فقد وجدت الاشتراكية القبيحة طريقًا إلى آذان بعض من تقبلها تحت أسباب متعددة، وذرائع مختلفة، وإغراءات براقة، والذين تقبلوها -كما قلنا- إما طلاب دنيا لهم أغراض في الوصول إلى الزعامة أو الثراء، أو هم من أصحاب الحقد الشديد على الأغنياء فيريدون النيل منهم، أو هم من الجهال الذين ينعقون بما لا يفقهون، ويصفقون لما لا يدركون حقيقته، أو هم إباحيون لا يريدون أن يحدهم دين أو شرع عن الوصول إلى شهواتهم، وهؤلاء العملاء قد يكونون تحت مسمى الإسلام، ومن العرب أو من غيرهم، لكنهم أشد عداء للإسلام أو المسلمين، باعوا دينهم وضمائرهم لأقطاب الاشتراكية الماركسية، وكونوا من أنفسهم طابورًا سريًّا، وفي الصف الأول في الهجوم على الدين ومن يمثله من أبناء جلدتهم، وبالإضافة إلى أن هؤلاء جواسيس على أمتهم ودينهم؛ فهم كذلك دعاة ترغيبًا وتحسينًا لوجه الاشتراكية الكالح، يرددون الشعارات تلو الشعارات، والمدائح تلو المدائح إما تصريحًا وإما تلميحًا تحت دعاوى كثيرة باطلة؛ إما دعوى إنصاف الفقراء والمظلومين، وإما دعوى التحرر، وإما دعوى التقدم، وإما دعوى نبذ الرجعية والجمود والتخلف، ولحوق ركب الحضارة الغربية أو الشرقية، وغير ذلك من الشعارات البراقة، والخطب الرنانة الفارغة لكل ما لديهم من قوة صاحب السلطة لسلطته، صاحب القلم والرأي بقلمه ورأيه، صاحب نشر الفحشاء والسوء بأسلوبه.
стр. 122
فكم ألصقوا من التهم الشنيعة لشرفاء هم أنظف من الزجاجة، وشوهوا سمعتهم بما اختلقوه من التهم والألقاب المنفرة ضدهم وكم قرب الاشتراكيون من صعاليك سفهاء، وكم أبعدوا من أولى الحجا حتى صارت كلمة السفهاء وأصحاب الخنا هي المسموعة في وسائل الإعلام، وسائل إعلامهم المختلفة من مرئية ومسموعة ومكتوبة، وأبعدت الكلمة الصالحة، وجعلوا دون نشرها حجبًا كثيرة، وأبوابًا مغلقة؛ لئلا تفتح القلوب وتزيل غشاوة أبصار من افتتنوا بها.
أما بالنسبة لغزو الاشتراكية للبلاد العربية فقد بدأ ظهورها في مصر فسورية ولبنان في صورة ليست قوية، إلى أن تبناها رئيس مصر، وتبنى هذه الاشتراكية ونشرها، وأحيط بها له من التغطية حيث كاد أن يدعي ما ليس له بحق، ثم بعد أن على اسمه صار يلقب بأبي الأحرار ورائد الأمة، وما إلى ذلك من الأسماء كان بعضهم يصرح بقوله: لم نهزم وناصر بيننا. وقد انتعشت الاشتراكية العلمية التي اختارها جمال عبد الناصر طريقًا، قال الكتاب المتزلفون: وأطروها مدحًا، وجاءوا بخدع لا نظير لها لتحبيبها لقلوب المسلمين، ومن الملفت للنظر أن دعاة الاشتراكية العربية تناقضوا مع أنفسهم تناقضًا فاحشًا، وبينما هم ينادون بالاشتراكية العلمية، إذا بهم يقولون: إنها ليست الاشتراكية الماركسية، وهل هناك اشتراكية غير اشتراكية ماركس التي سماها كذبًا وزورًا علمية.
وهل المغالطون يزعمون أن اشتراكيتهم علمية لكنها ليست هي الماركسية، فأي اشتراكية علمية هذه التي ينادون بها، ولو على سبيل الافتراض فإن قبلنا زعمهم أن اشتراكيتهم علمية ولكنها ليست ماركسية، أليست هذه الاشتراكية أيضًا التي ينادون بها هي نفسها مبادئ الاشتراكية الماركسية لا تختلف عنها، اللهم إلا في اختيار بعض الألفاظ ليغالطوا بها السُّذَّج.
стр. 123
وأما كذبتهم الكبيرة التي يزعمون فيها أن اشتراكيتهم هي نفسها مبادئ الإسلام ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (الكهف: ٥). فهل يمكن أن يجتمع الليل والنهار في وقت واحد؟! ما تمسكوا به من أن مبادئ الاشتراكية الماركسية تتوافق مع كثير من مبادئ الإسلام، فهو من باب تمسك الغريق، أو حجة من لا حجة له.
ثم ما أكثر التشابه بين الآراء المتضادة، ومع ذلك لا يصح القول إن هذا التشابه يجعلها متفقة غير مختلفة كما سبق القول، وإن أول ما يكذبهم فيما زعموه وأن الاشتراكية الماركسية تدعو إلى الثورات المتلاحقة، الصراع الطبقي بكل شدة بينما الإسلام لا يدعو إلى شيء من ذلك، بل يدعو إلى الهدوء والمحبة والعطف والبر والإحسان والصدقات، فأين وجه الشبه بينهما؟! كما يكذبهم كذلك اعتقادهم أن الملكية الخاصة يجب أن لا يبقى لها أي مكان، وإنما هي الملكية العامة التي تكون بيد الدولة فقط، فالإسلام يحترم الملكية الخاصة والملكية العامة، وينظم الجميع تحت مبدأ ((لا ضرر ولا ضرار))، فأين وجه الشبه بينهما؟!.
كما أن الاشتراكية الماركسية تسلب حريات الناس، وتكمم أفواههم، تفرض تعاليمها فرضًا بالحديد والنار، بينما الإسلام يحث على الحرية ويدعو إليها، ويحث على الجهر بالحق في حدود الشرع والمصلحة العامة. فأين وجه الشبه بينهما.
وإنك لتندهش حقًّا وتعجب أشد العجب من عملاء الماركسية حينما يزعمون أن الاشتراكية متوافقة مع الإسلام، ومع فطرة كل شخص، وأن الشعوب رضيت بها، واعتنقتها، ورأت فيها ضالتها المنشودة. قبح الله هؤلاء الكذابين الأفاكين؛ أليست الشعوب التي يزعمون أنها تقبلتها تلعنهم ليلًا ونهارًا؟! وأي شخصًا
стр. 124
ارتاح إليها وهو يعلم أنها ستسلبه أرضه، ومسكنه يعيش على بطاقة تصرفها له الدولة يتغدى بها ويتعشى بها ويلبس بها، ويقضي بها حاجته، ثم يكون عودًا ضمن الحطب.
ما أشد جرأه هؤلاء الكذابين الذين يكذبون على الناس علانية دون حياء أو خجل، فلو لم يكن للشعوب إلا تمسكهم بالإسلام لكان كافيًا في ردها ولعنها، كيف وقد انضاف إليهم الفقر الذي يتهدد معتنقيها بين عشية وضحاها، ولهذا تجد تلك الشعوب المسلمة تقول بكل حزم وعزم حينما تسمع أحد عملاء الاشتراكية الماركسية يقول: إن الإسلام يؤيد الاشتراكية والاشتراكية تؤيده يقولون: له كذبت وافتريت أيها المخادع.
بعض أساليب الدعوة إلى الاشتراكية
فدعاة الاشتراكية لهم أساليب متنوعة في الدعوة إلى مذهبهم منها على سبيل المثال:
أولًا: إذا وجدت مرحلة كان الاشتراكيون فيها أقل عددًا من أهل الدين وكانت القوة للدين؛ فلا حرج على الاشتراكي أن يتظاهر بكلمات التدين مع بقائه على العداء الشديد للدين وأهله، وقد أوصاهم بذلك كبار رؤسائهم.
ثانيًّا: تتركز جهود دعاة الاشتراكية على محاربة كل الروابط الدينية وخصوصًا الجوانب الروحية، والتقليل من شأنها، وأن الحياة الصحيحة هي المادة التي أمامك لا غير.
ثالثًا: أن يعاد تفسير كل ما قاله الدين بتفسير اشتراكي، سواء ما يتعلق منها بالقصص أو المواعظ أو الأحداث، بل وتفسير كل شيء في الاشتراكية الماركسية بأنه من الدين، أو لا يتعارض مع الدين.
стр. 125
رابعًا: تجنيد بعض رجال الدين أو كلهم، وجعلهم في مقدمة دعاه الاشتراكية، إذا أمكن ذلك؛ لأن الشجرة يجب أن يقطعها أحد أغصانها، وهؤلاء يجب أن يكونوا على اقتناع بالاشتراكية الشيوعية، ولا حرج عليهم أن يجاهروا بعد ذلك بالتدين؛ لأن النفاق فضيلة إذا أريد به تقوية الاشتراكية الماركسية.
خامسًا: استمرار النداءات بأن الاشتراكية هي التحرر، وهي رفع معيشة الشعوب، وهي نصرة الفقراء والمظلومين، وهي صرخة العمال الكادحين، وهي النور الذي لا يستغني عنه أحد ... إلى آخر هذه الدعايات الرنانة الجوفاء في حقيقتها.
سادسًا: شدة مراقبة أهل الدين، وتسجيل كل ما يتفوهون به في المدارس أو في المساجد أو في اجتماعاتهم، وتخويفهم من عاقبة أي خطأ يرتكبونه ضد الاشتراكية العلمية، وأن عليهم إذا أرادوا الحياة أن يسايروا الركب.
سابعًا: التهجم على الأثرياء، وأنهم طبقة مستعبدة، وأن الإسلام لا يجيز للشخص أن يمتلك الأموال الكثيرة وغيره جياع. الغرض من هذا تصحيح ما تقوم به الاشتراكية من تأميم الأموال دون وجه شرعي، ومعلوم أن الإسلام لا يمنع أن يكون بعض الناس أثرياء مهما بلغ ثراؤهم ما داموا يؤدون حق الله فيه، فالفقر والغنى كله بتقدير الله تعالى.
ثامنًا: يجب على الجميع أن يأتوا بالتبريرات أو بالتبريكات لأي عملًا تقوم به الدولة الاشتراكية، وأن كل ما تفعله هو الحق والخير وكل ما تعاديه هو الشر والضرر.
تاسعًا: ترديد الشعارات التي تخدم الاشتراكية في كل مناسبة، وبالتالي ترديد الذم لكل من يخالفها، وإلقاء النعوت المنفرة لمخالفيها كالرجعية والجمود، والتخلف، وإرجاع عقارب الساعة إلى الوراء إلى غير ذلك من الأكاذيب التي يجيدها خدم الاشتراكية.
стр. 126
الواقع التاريخي يبطل مزاعم الاشتراكية
فقد أثبت الواقع التاريخي:
أولًا: أن الاشتراكية على اختلاف مذاهبها حرب على غريزة التملك، ولا سبيل فيها لتنمية المواهب والاستفادة من العناصر المنتجة في الأمة، فالدافع الذي يدفع العامل إلى العمل دافع لا يمتُّ إلى نفسه بسبب؛ لأنه مهما أنتج وكدَّ فلا ينال من إنتاجه وكده إلا القدر الضئيل الذي يأخذه غيره، فقد حاولت المذاهب الاشتراكية ولا تزال تحاول أن تفلسف الاشتراكية فلسفة يقتنع فيها الناس بأن أموال الدولة أموالهم، حتى يعملوا بالإخلاص الذي يعمل به المرء في ماله الخاص، لا شك أن هذا خيالي يتنافى مع الإحساس الفطري، ولا يقبل المرء إلا ما يتفق مع فطرته.
ثانيًّا: أثبت الواقع التاريخي أيضًا أن سوق الإنتاج التاريخي سوق كاسبه، حيث لا يتوفر الإخلاص في العمل، ولا تتهيأ عوامل الإجادة فيه، فأي حافز يحفز الإنسان الذي يعيش في مجتمع اشتراكي ببذل الجهد وإتقان الصنعة ما دام الغنم لغيره، وأكبر شاهد عملي على ذلك ما نراه من فارق بين ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية حين كانتا دولتان، فهما شعب واحد ينحدر من أرومة واحدة، وكلاهما من الجنس الجرماني، ولا مجال لدعوى تمايز فريق عن الآخر في المواهب، وهذه ألمانيا الغربية لم تمضِ عليها سوى سنوات عديدة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بالتقسيم حتى غمرت الأسواق العالمية بمنتجاتها الصناعية، وأقرضت من خزينتها أكثر الدول المتخلفة، وساعدتها في مشاريعها العمرانية في الوقت الذي لا نكاد نسمع فيه شيئًا عن ألمانيا الشرقية، أو نرى أثرًا عن منتجاتها، إذا عدمت الفوارق
стр. 127
الطبيعية بين البلدين بأنهما شعب واحد في الأصل فإنهما لم يبقَ من فارق يُحدث هذا التفاوت إلا النظام الذي يسود البلدين، فألمانيا الشرقية قضى على عبقريتها النظام الشيوعي، في الوقت الذي انطلقت فيه ألمانيا الغربية الرأسمالية من عقالها لتستعيد قواها، وتسترد مجدها الصناعي.
وقد يقال: إن الدول الغربية تعمل على تقوية ألمانيا الغربية وتمد إليها يد المساعدة، لكن الأمر بالمثل كذلك في ألمانيا الشرقية التي وقعت في السور الحديدي لروسيا الشيوعية، وهذه هي منتجات المعسكر الشيوعي في الأسواق لا تجد فيها من الجودة ما تجده في المنتجات الأخرى.
ثالثًا: أثبت الواقع التاريخي أيضًا أن المعسكر الاشتراكي لا يحكم إلا بالحديد والنار، فما من دولة اشتراكية استتب لها النظام في الظاهر إلا بالحكم الاستبدادي، وتحت ستار الديكتاتورية الاشتراكية تقتل الحريات، وتهدر الكرامات، وتراق الدماء، ويؤخذ الناس بالظنة، يساقون إلى عوالي المشانق ومظالم السجون دون أدنى شبه. وما حوادث المجازر البشرية في المجر وغيرها ببعيدة عن الأذهان، وهذا يعني في الحقيقة أن الاشتراكية نظام فاشل يُخالف الطبيعة البشرية، فلا يمكن لأصحابه أن يستقر لهم قرار إلا بسلطان الظلم والجبروت، وما من دولة تقترب من المعسكر الشرقي الشيوعي في أنظمتها إلا استبد الحاكمون فيها، وأذاقوا أمتهم العذاب الهون، ووضعوا على عاتقهم نير الخسف والذلة.
رابعًا: أثبت الواقع التاريخي أيضًا أن الاشتراكية لم تحقق المساواة التي تترنم بها، وتغري ببريقها الخادع الشعوب الفقيرة، فإن رجال الحزب الشيوعي الرسميين لا يبلغون عشر معشار الشعب، وهم الذين بيدهم أزمة الأمور، ولا يتمتع أحد سواهم بحق في الأمة، ومجلس السوفييت الأعلى لا يقول إنسان: إنه يعيش في مستوى من رؤساء أفخم الممالك في العالم بينما يقول حقد نفوسهم، ولا يؤمن
стр. 128
رئيس مجلس السوفيت على نفسه من أقرب الناس إليه، وإن أردت دليلًا على ذلك، فإليك مثلًا ستالين الذي كان في يوم من الأيام إله للشيوعيين، ثم عادوا إليه فحطموا آثاره، وأهالوا عليه تراب التهم والسباب واللعان، وهكذا ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ (الأعراف: ٣٨).
خامسًا: أثبت الواقع التاريخي أن الاشتراكية حرب على الأديان، فهي تنكرها من أصلها، وتعتبرها خرافة، ما سمحوا به في الأيام الأخيرة من فتح بعض المساجد والكنائس القديمة التي لم تحطمها الثورة الشيوعية ما هو إلا ذر للرماد في أعين الشعوب المحافظة على دينها، حتى تنساق وراء الاشتراكية بدافع من الجري وراء لقمة العيش، التي تغذيها المسغبة في كثير من أنحاء بلاد العالم، هم يتخذون هذا للدعاية فقط، حين يقدم زائر مسلم كي يرى مساجد مفتوحة وناسًا يؤمونها للصلاة فيها، ولا يعلم هذا الزائر أتفتح المساجد بصورة دائمة أم لا، ولا يجرؤ أحد من الذين يعيشون في ظل النظام الشيوعي أن يقول الحق، ثم إنهم حين يفعلون ذلك لا يسمحون بدراسة الدين في المدارس، أو يبيحون لأصحاب الأديان أن يعلموا أبناءهم الدين، فهم يعتبرونها بقايا أثرية للأديان تعرض في المناسبات كما تعرض الآثار في المتاحف.
الأدلة على بطلان الاشتراكية، ونظرية التملك في الإسلام
الأدلة على بطلان الاشتراكية:
فذكر كثير من العلماء أدلة كثيرة على بطلان المذهب الاشتراكي، ومنهم مثلًا ما أورده الشيخ العثيمين في كتابه (الأدلة على بطلان الاشتراكية)، قد جمع أدلة كثيرة نذكر بعضها على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر.
стр. 129
الوجه الأول من أوجه بطلان المذهب الاشتراكي: أن هذا المذهب الاشتراكي لم يكن موجودًا في عهد النبي ﷺ ، ولا في عهد خلفائه الراشدين، ولا في من بعدهم من الممالك الإسلامية، وحينئذ فإما أن يكون الحق فيما كان عليه النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون ومن بعدهم من ولاة المسلمين وأئمتهم، أو فيما كان عليه هؤلاء الاشتراكيون، والثاني باطل قطعًا. وإلا لزم أن يكون النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون وأئمة المسلمين من بعدهم كانوا على ضراء وجور، وهضم للشعوب حقوقها حتى يأتي أفراخ الشيوعية، وبعد مضي ثلاثة عشر قرنًا وأكثر من ثلاثة أرباع القرون، فيسيروا في عباد الله السيرة التي يرضاها الله، سيرة مبنية على العدل والرحمة، وإيصال حقوق الشعوب إليها بسلب الشعوب ونهبها، وسومها سوء العذاب، وقتل مواهبها، وإلقاء العداوة والبغضاء بينها، هذا هو العدل، وهذه هي الرحمة، وهذا هو إيصال الحقوق لأهلها، وهذا هو الصراط المستقيم الذي خفي على محمد بن عبد الله رسول رب العالمين، وأعدل الخلق وأورعهم ﷺ ، وخفى على خلفائه ومن بعدهم من أئمة المسلمين وولاتهم، أو كان معلومًا عندهم، ولكن عدلوا بالخلق عنهم ظلمًا وعدوانًا وخيانة وغشًّا.
الوجه الثاني من أوجه بطلان المذهب الاشتراكي: إجماع المسلمين على تحريم أخذ المال بغير حق، وهو مما عُلم بالضرورة من دين الإسلام، فهو إجماع قطعي صحيح مستند إلى الكتاب والسنة.
الوجه الثالث من أوجه بطلان الاشتراكية: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ١٨٨)، وأي باطل أبطل من أن يأخذ المال من بين يدي من اكتسبه وحصله بعرق جبينه، وكدح جوارحه، وأتعب أعصابه وتفكيره، ثم
стр. 130
يعطى لرجل عاطل عالة على المجتمع ليس له في تحصيله أدنى يد، هذا إن أعطيه، ولكن من نظر إلى سيرة هؤلاء الاشتراكيين وجد أن هذين الصنوين إنما يعطون الشعب النذر القليل، والباقي يصرفونه في الدعاية لأنفسهم، وبث العيون والدسائس، وتقوية الدفاع الذي لا يُقصد به إلا حماية سلطانهم، وسيطرتهم على الشعوب ومقدراتها، والله من ورائهم محيط.
وتأملوا قوله تعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ تجد أنه حرم أكل الأموال سواء أكان ذلك مباشرة وصراحة من النهب والسرقة، أم كان ذلك بواسطة الحكام وسلطتهم، حتى ولو على وجه ظاهره الحق كما يدل عليه.
الوجه الرابع من أوجه بطلان الاشتراكية: قوله ﷺ : ((إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض؛ فأقضي بنحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار)) أخرجه البخاري ورواه الجماعة من حديث أم سلمة ﵂، فإن الخصمين إذا أدلى كل واحد بحجته وكان أحدهم أفصح وأغلب في ظاهر كلامه قُضي له بحسب ظاهر كلامه. سُلط على ما يدعيه على خصمه، ولكن هذا القضاء والتسليط إن كان من قبل الحاكم لا يبيح له أخذ ما يدعيه إذا كان يعلم أنه لا حق له فيه.
في هذه الآية والحديث دليل على أنه لا يجوز للشعب أن يستبيح مال الغير بحجة أن الحكومة أباحته له، بل يجب عليه أن ينكر هذا الحكم، وأن يراقب الله تعالى، وأن يكون أمر الله شرعه أعظم في قلبه من كل أمر من كل تشريع وقانون، وليعلم أنه إذا عظم أمر الله وقام بوجه من خالفه طلبًا لمرضاه الله
стр. 131
ونصرة لدينه، فإن الله سوف ينصره ويظهره على خصمه ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: ٤٠)، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: ١٠).
الوجه الخامس من أوجه بطلان الاشتراكية: أن النظام الاشتراكي يتضمن مضادة الله في قدره وقضائه وحكمته، فإن الله قضى بحكمته ورحمته أن يقسم الرزق بين الناس، وأن يميز بينهم، ويرفع بعضهم فوق بعض درجات لحكم وأسرار عظيمة، منها تسخير بعضهم لبعض؛ حيث يعمل كل منهم بما يلائم حاله، هذا بالتجارة، وهذا بالصناعة، وهذا بالحرفة، وهذا بالجيش إلى غير ذلك من المصالح المشتركة التي لا تقوم القيام التام إلا باختلاف طبقات الناس. من هذه الحكم أيضًا أن الغني يعلم قدر نعمة الله عليه بالغنى، فيقوم بالشكر، والفقير يعرف قدر ابتلاء الله له بالفقر فيقوم بالصبر، ومنها التفكر في هذا التفاضل الحاصل في الدنيا بين الناس في الغنى، فيعبر الإنسان البصير من هذا التفاضل والتفاوت إلى التفاضل والتفاوت في الآخرة، فيلتفت إليها، ويزداد طلبًا لها كما قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء: ٢١).
ومنها بيان مقتضيات الربوبية التامة، وأن الرب سبحانه بيده أزمة الأمور ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الشورى: ١٢). ومنها قيام العبادات التي لا تكون إلا بين غني وفقير كالزكاة والصدقات والكفارات والنفقات ونحوها، ومنها انتظام الخلق وجريانه على سنة واحدة، وإن الله سبحانه بحكمته أجرى التفاوت بين خلقه في الذوات والصفات والبقاء والعدم، فانظر إلى الدارين الأولى والأخرى تجد التفاوت العظيم بينهما، وانظر إلى ما في هذه الدنيا من العالم العلوي والسفلي تجد التفاوت بين أجناسه وأنواعه وأفراده، وانظر إلى بني آدم تجد التفاوت بينهم في
стр. 132
الدين والعقل والأخلاق والعلوم والآجال، فقدر الله بينهم كذلك في الأرزاق، قال النبي ﷺ : ((إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم)).
فهذه من الحكم التي رتبها الله على تفاوت الناس وتفاضلهم في الرزق، فجاء دعاة الاشتراكية ومذيب الطبقات فضادوا الله في قضائه وحكمته، وقالوا: نحن نرى أن هذا جور وظلم وتصرف لا يصلح به العباد، وإنما العدل والحق هو إذابة الطبقات وتسوية الناس في الفقر والذلة، وأبطلوا الحكم التي تترتب على تفضيل الناس بعضهم على بعض في الرزق.
الوجه السادس من أوجه بطلان الاشتراكية: أن في النظام الاشتراكي مضادة لله في شرعه، فإن الله تعالى رتب على تفاضل الناس في الرزق أحكامًا شرعية، كالزكاة، والكفارة، والنفقة، وهذه الأحكام لا تتأتى إلا بوجود محلٌّ لوجودها ومحلٌّ لمصرفها إذا تساوى الناس في الرزق لم يكن بينهم فرق؛ حيث يكون بعضهم محلًّا للوجوب، وبعضهم محلًّا للمصرف، فممن نأخذ الزكاة وإلى من نصرفها، ومن الذي تجب عليه الكفارة، وإلى من يعطيها، وهكذا النفقة.
وهذه جناية عظيمة على الإسلام لتعطيل بعض أحكامه، وجناية على المسلمين لتعطيل أجورهم وثوابهم على هذه النفقات.
الوجه السابع من أوجه بطلان الاشتراكية: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (النساء: ٢٩)، فاشترط الله في التجارة أن تكون صادرة عن تراضٍ من الطرفين، فإذا لم تكن صادرة عن تراضٍ فهي من أكل المال بالباطل المنهي عنه بقوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، وتأمل قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ تجد أنها صريحة
стр. 133
في أنه يشترط الرضا حتى فيما يكون فيه معاوضة؛ لأن التجارة معاوضة من الطرفين، لذلك ينسد الباب على دعاه الاشتراكية الذين يقولون: نحن نعوض عما أخذناه قهرًا، ولسنا نأخذه مصادرة بلا عوض. وفي كلمة "تراضٍ" دليل على أنه يشترط الرضا من الجانبين أيضًا.
أما دعاة الاشتراكية فيقالوا: لن نقبل هذا الحكم، ولم نرض به، وإنما نأخذ من الناس أموالهم قهرًا، ومن العجب أنهم يجبرون الناس على الرضا لأحكامهم، وعلى سلب أموالهم، ولا يجبرون أنفسهم على الرضا بأحكام ربهم العليم الحكيم الرحيم، وهو خالقهم، وتأمل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾؛ حيث قرن النهي عن قتل النفس بالنهي عن أكل المال بالباطل، فدل على أن الاعتداء على المال قرين الاعتداء على النفس في كتاب الله وحكمه.
أما هؤلاء الاشتراكيون ففرقوا بينهم غاية التفريق، فانتهكوا حرمة المال وأباحوه في حال احترامه وتحريم الله له، وامتنعوا عن استحلال النفس حين يحلها الله؛ فمنعوا القصاص، ومنعوا الرجم، ومنعوا قطع اليد في السرقة، قطع الأيدي والأرجل من خلاف في المحاربين لله ورسوله الساعين في الأرض بالفساد، فتأمل هذه المناقضة التامة لأحكام الله وشرعه، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ دليل على أن النهي عن أكل المال بالباطل، وعن قتل النفس من مقتضيات رحمة أرحم الراحمين، الذي هو أرحم بعباده منهم بأنفسهم، وهو أعلم بما يصلحهم ويدفع الضرر عنهم، وعلى أن تسلط هؤلاء الاشتراكيين على أكل أموال الناس بالباطل منافٍ للرحمة، وإن ادعوا أنهم بذلك مصلحون، وراحمون للخلق، وزخرفوا لذلك القول فإنهم مفسدون وظالمون للخلق ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (البقرة: ٩، ١٠).
стр. 134
الوجه الثامن من الأدلة على بطلان الاشتراكية: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: ٦٠). فأثبت فقراء تصرف إليهم الزكاة ولا زكاة إلا من غنى، فانقسم الناس بهذا شرعًا كما انقسموا قدرًا إلى قسمين: غني وفقير، ولو كانت الاشتراكية واجبة دينيًّا لما حصل هذا التقسيم، ولوجب على الغني أن يواسي الفقراء بجميع ماله؛ ليكون الجميع طبقة واحدة، فيذوب التمييز الطبقي كما يقوله الاشتراكيون، ثم ختم الآية بالعلم والحكمة؛ ليدل بذلك على أن تقسيم الناس إلى غني تجب عليه الزكاة، وإلى فقير تُدفع الزكاة إليه، وأن فرض دفع الزكاة في هؤلاء الأصناف الثمانية صادر عن علم وحكمة بالغة.
وذكر الشيخ العثيمين أدلة كثيرة على بطلان الاشتراكية يُرجع إليها في مكانها ونكتفي بها.
دعائم نظرية التملك في الإسلام:
فالإسلام متميز بأن نظريته في التملك تقوم على دعائم؛ منها:
أولًا: أنها تقوم على إباحة الملكية الفردية للوجوه المشروعة، وحمايتها لصالح الفرد وصالح المجتمع.
ومنها: أنها تقوم على المعنى الروحي في اعتبار الملك الحقيقي لله وحده.
وثالثًا: تقوم على الاعتراف بضرورة التفاوت بين الناس.
وأخيرًا: تقوم على المعنى الإنساني في أداء حق المال لذويه.
стр. 135
نظرية التملك في الإسلام تتميز عن المذاهب الوضعية البشرية أنها تقوم على إباحة الملكية الفردية بالوجوه المشروعة؛ لأن غريزة الإنسان في حب التملك هي غريزة فطرية، والإسلام يسايرها ويهذبها حتى لا يتحول الإنسان المسلم إلى إنسان شره كإنسان الرأسمالية، أو مكبوت كإنسان الاشتراكية، غريزة حب التملك من طول الغرائز التي تظهر في حياة الطفل بصورة واضحة، ولو نظر أحدنا إلى أطفاله الصغار لأدرك هذا تمام الإدراك، ولذلك جعل الإسلام للتملك وجوهه المشروعة، يتملك الإنسان مثلًا بالسعي والاكتساب، فهو كما يقول القرآن ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (الملك: ١٥).
فالإسلام لا يأمر الناس بالانقطاع للعبادة، بل يكلفهم أن يأخذوا حظهم الروحي في عبادة الله، ثم ينطلقوا بعد ذلك لتحصيل حظهم المادي، ومن وجوه التملك في الإسلام إحياء الأرض الممات، ذلك بأن يعمل إلى أرض لم يتقدم ملك عليها لأحد فيحييها بالسقي أو الزرع أو الغرس أو البناء، والرسول ﷺ يقول: ((من أحيا أرضًا ميتة فهو له)) رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه.
ويتملك المسلم أيضًا بالغنيمة في الجهاد وبالفيء، ويتملك بالهبة وغيرها، ويتملك بالإرث، وحرية التملك في الإسلام مشروطة بأن تكون من الوسائل المشروعة التي يكون فيها التعاوض عادلًا من غير إجحاف بأحد الطرفين في التعامل؛ لذلك جعل الإسلام الرضا أساسًا للتبادل التجاري بين الناس ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ لذلك نرى تميز الإسلام ونظريته عن غيره من المذاهب الوضعية البشرية، ويكفي أنه قرآن ربنا وشرعته ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣).
وصلِّ اللهم على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى أله وصحبه أجمعين.
стр. 136
الدرس: ٩ الشيوعية .
стр. 137
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس التاسع
(الشيوعية)
تمهيد عام عن الشيوعية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين، سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
الشيوعية مذهب فكري يقوم على الإلحاد وإنكار وجود الله ، وأن المادة هي أساس كل شيء ويفسر التاريخ بصراع الطبقات وبالعامل الاقتصادي، وقد ظهرت هذه الفكرة الشيوعية في ألمانيا على يد "كارل ماركس" وصديقه "فريدريك إنجليز"، ثم تجسدت في الثورة البلشفية التي ظهرت في روسيا سنة ١٩١٧ من الميلاد، بتخطيط من اليهود، وتوسعت على حساب غيرها بالحديد وبالنار، وقد تضرر المسلمون منها كثيرًا، بل إن هناك شعوبًا محيت بسببها من التاريخ لكن الشيوعية أصبحت الآن في ذمة التاريخ، بعد أن تخلى عنها الاتحاد السوفيتي، الذي تفكك بدوره إلى دول مستقلة تخلت كلها عن الماركسية، واعتبرت أنها نظرية غير قابلة للتطبيق.
وقد ذكر بعض الباحثين أن الشيوعية مصطلح يصعب تحديد معناه، بعد أن ذكر أن الشيوعية نظام اجتماعي تكون فيه الملكية في يد المجتمع قال: والشيوعية بهذا المعنى قديمة قدم المجتمع نفسه، وهذا كذب محض، فإن هذا التعبير من الدسائس التي احتوت عليها بعض الكتب، متأثرين بما لفقه زعماء الشيوعية من أن المجتمعات في القديم كانت بدائية، وكانت الملكية فيها مشاعة بين الجميع في شكل اكتفاء ذاتي، يتقاسم أفراده السلع والخدمات نظرًا لظروفهم الخاصة القاسية التي تحتم عليهم ذلك، كما هو الحال على الخصوص في المجتمعات التي تعيش على طمس الحيوان بزعمهم.
لقد قامت الشيوعية الماركسية كالمارد الجبار تريد أن تقيم مجدًا زائفًا على أنقاض الديانات الإلهية كلها، تريد أن تحل الديانات الوضعية البشرية مكانها شعارهم
стр. 138
"لا إله، والحياة مادة"، وهدفهم هدم الدين وإعلاء اليهودية، ومع أن شعارهم "لا إله" فهو شعار كاذب، فقد أحل الطغاة الشيوعية أنفسهم محل الإله العظيم، وأحلوا تعاليمهم الإلحادية محل الدين وقوانينهم محل الشريعة، فقد احتوت الشيوعية على جميع نواحي الحياة من ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية، بل وكل ناحية في حياة البشر بدلًا عن الإله وعن الأديان وكافة النظم البشرية.
إذا كانت السمة الظاهرة للناس أن الشيوعية لا شأن لها بأية ناحية غير الناحية الاقتصادية، وأن مهمتها خدمة الشعوب لكي تعيش في جنة عالية قطوفها دانية، إذا طبقوا التعاليم الماركسية الجهنمية، التي زعم أقطابها أن البشر سيعيشونها في يوم ما، وسيحكمون أنفسهم بأنفسهم بلا عداوة ولا فقر ولا جهل إلى آخر هذه الدعايات، فإن هذه السمة الظاهرة هي من خداع الشيوعية وترهاتها، التي نجحت على كثير من البشر ونجحت في خداعه، فأصبحوا ضحايا خاسرة للشيوعية ومبادئها الجوفاء.
ولقد تظاهرت الشيوعية بذلك لتعمل في الخفاء وبعيدًا عن الأنظار لما قامت من أجله، وهو تحقيق أحلام اليهود وليس تحقيق أحلام الفقراء، فزعموا للناس أنهم ركبوا كل صعب وذلول للاهتمام بالنواحي الاقتصادية أولًا وأخيرًا، وزعموا أن كل ما يصدر عن هذا الفكر من سلوك وتقنين إنما هو تابع لتحقيق هذا الجانب لا غيره، إذ سيتبين -إن شاء الله- حين نرد عليهم أن هذا الزعم أصبح سرابًا كاذبًا وهباء في مهب الريح، ويعبرون عن هذه الظاهرة بالمادة التي صارت هي المعبود والنظام والتاريخ، أقطاب الشيوعية -كما هو معروف- كانوا نصارى في الأساس وأغلبهم يهود، وقد وصفوا نظريتهم الإلحادية بالمادية وجعلوها محور كل شيء في الوجود والتاريخ وأقاموه على التفسير المادي للتاريخ، فكل
стр. 139
مظاهرهم إنما هي تابعة لتصورهم المادي، كما أن مظاهر الفرويدية كلها متوجهة نحو الجنس، وكلتا النظريتين موجهتين بدقة من قبل الماسونية اليهودية للقضاء على كل ما عند غير اليهود؛ ليصبحوا حميرًا لشعب الله المختار كما تمنيهم بذلك تعاليم التوراة المحرفة، والتلمود الجهنمي المملوء حقدًا على جميع البشر مما عدا اليهود.
وكان "ماركس" قد تضلع من دراسة الحضارة الإغريقية الرومانية، في الوقت الذي كانت فيه تعاليم المسيحية المحرفة تتهاوى إلى الحضيض، وتداس تحت أقدام أولئك الذين خرجوا عن طغيانها الذي لا حد له، وعن صلاحيات البابوات ورجال الدين التي لا نهاية لها، وفي الوقت الذي نشط فيه دهاة الماسونية ومنهم "كارل ماركس" لتحطيم كل حضارات العالم، وإقامة هيكل سليمان الذي هو نصب أعين اليهود كلهم، ظهرت الماركسية لتجعل الإنسان هو مصدر كل سلوك ومعرفة، لتجعل الإنسان هو الإله المشرع وهو الخالق المبدع، وهو كل شيء وليس وراءه أي شيء، فلا وجود للإله الذي مارس طغاة الكنيسة كل جبروتهم باسمه، ولا وجود للأديان التي تضطهد اليهودية واليهود ولا وجود للحياة الأخرى التي هي مصدر الخلاص، إذا كان الشخص هو الذي يملك صك الغفران عن البابا.
بل الإنسان عندهم هو الإله والدنيا هي غاية الإنسان يسعد أو يشقى، ولا عبرة بما قالته الأديان الإلهية من وجود قوة أخرى غير الإنسان، أو حياة أخرى غير هذه الحياة، بل إن ما وراء الطبيعة من الغيبيات هو في نظرهم سراب، يجب أن يختفي أمام الحضارة اللادينية العاتية هي عالم المحسوسات، فعالم المحسوسات لا تؤمن الشيوعية الملحدة إلا به، وهو وحده هو علة وجود هذا
стр. 140
الكون ونشأته، فنشأة التدين عند الإنسان إنما هي ناتجة عن خرافات كاذبة خيالية لا يسندها عقل ولا منطق، فالكون عندهم تجمع من ذرات والإنسان عندهم أصله قرد.
ومن العجب أنهم يسمون هذه التخيلات المفتراة على البشرية التي تنافي ما أكرمهم به الله من حفظ ورعاية، ومعرفة بأمور دنياهم ودينهم، يسمونها حقائق ويدافعون عنها كأنهم عايشوها من أول يوم عرفت فيه البشرية، ومن كذبهم في هذا فإنهم يصفونه بالرجعية والتخلف، وهذه الصفات جاهزة في قواميسهم التي لا تتورع عن هدر أعراض الناس ودمائهم، وهذا الذي يقولون عن بدأ الكون وعن أصل الإنسان هو رجم بالغيب، وظلم للبشرية وتصديق لأقوال الكذابين أمثال "ماركس" و"داروين" و"فرويد" وغيرهم من أشرار البشر الحاقدين ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ (الزخرف: ١٩).
قد ساعد على تعميق الإلحاد الشيوعي تلك النظريات الكثيرة، والشبه التي سموها حقائق لمعرفة هذا الكون، وقيامه على القوانين التي عرفت أخيرًا، مثل قانون الجاذبية الذي أرسى أن كل شيء في الوجود له سبب في مكانه، وقانون تجمع أجزاء المادة التي انفجر عنها هذا الكون، وغير ذلك مما زعموه مؤيدًا لنظريتهم الملحدة، فحجبت تلك المفاهيم الخاطئة للشيوعية والنصرانية العقل عن التعلق بموجد لهذا الكون، وأن مجرد التفكير فيه يعد رجعية، ولهذا كما سمعنا أن الروس قتلوا العائدين من سطح القمر في أول رحلة فضائية لأنهم أيقنوا أن لهذا الكون موجدًا.
وما أن أطل القرن التاسع عشر الميلادي إلا وقد ظهر قرن الشيطان، وساد القول بسيادة الطبيعة على الدين والعقل، فهي الحاكم المطلق والإله الذي لا ينازع، قد
стр. 141
تولى كبر هذه الدعوة "أوجست كونت" و"خرباخ" و"ماركس" وغيرهم بدافع قوي من الحقد الشديد على رجال الدين الكنسي، الذي يمثل حسب تعليلهم قوة ما وراء الطبيعة من الأمور الغيبية والروحية، والتي اعتبروها وهمًا وخداعًا لا حقيقة له لعدم اندراجها تحت قوة الإحساس والإدراك المباشر، وأن الالتجاء إلى ذلك الغيب إنما نتج عن الوراثة والبيئة والحياة الاجتماعية في تلك الأزمان المختلفة بزعم دعاة الإلحاد، وقد ظلت الشيوعية قرابة سبعين عامًا في صولة وجولة قوية يحسب لها حسابها، إلى أن أذن الله بزوال قوتها سبحانه بقدرته وحده، إذ ما كان أحد يفكر في النيل منها، فإذا بها يأتيها حتفها بظلفها على يد آخر زعيم لما كان يسمى بالاتحاد السوفيتي، وهو "ميخائيل جورباتشوف" وأفل نجمها وجبروتها وثارت الشعوب واقتصوا من كل الظالمين.
والآن وبعد أن تبين المصير النهائي للماركسية الشيوعية نقول: إنه من الغريب جدًّا أن تموت الشيوعية في عقر دارها -الاتحاد السوفيتي سابقًا- وأن تكتشف الشعوب أن هذا المذهب فاشل باطل لا يجر إلى خير، بل إلى الخراب والدمار وإثارة البغضاء وانتشار البطالة والفواحش، وأن الجنة الأرضية التي وعد بها "كارل ماركس" إن هي إلا سراب خادع وآمال كاذبة، وأن تعاليمه إن هي إلا جحيم لا يطاق وتعاسة وشقاء، وأن الشعوب كانوا يساقون إلى الموت وهم ينظرون طائعين أو مكرهين، وإن في التخلص من هذا المذهب راحة لا تعدلها راحة وفوزًا لا يعدله فوز، فهبت تلك الشعوب المظلومة لتنفض عنها غبار تلك السنين العجاف، ثم داسوا مبادئ "ماركس" ونظرياته تحت نعالهم وتنفسوا الصعداء، وبعضهم قام بشنق تمثال بعض طغاة الشيوعية القدماء وبعض الحكماء الحاليين وقالوا: لا رجعة للشيوعية هنا.
стр. 142
أقول: من الغريب أن يحصل هذا وأكثر منه في تلك البلدان التي ذاقت مرارة التعاليم الشيوعية، وفرحت بانقشاعها عنها ثم تقوم بعض الأحزاب -في البلدان العربية الإسلامية- بالمناداة باعتمادها كحزب شيوعي شرعي، وأين الشرع من تعاليم "ماركس"، ثم تقوم بعض الحكومات باعتماد تلك الأحزاب والترخيص لها بدخول المجالس النيابية والبرلمانية، وما إلى ذلك كما سمعته من دولة إسلامية عربية، إن الأمر يدعو إلى العجب ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٩) ولقد قيل في المثل: العاقل من اتعظ بغيره، فلماذا لا يتعظ هؤلاء بمن قد ذاق الحياة الشيوعية البائسة وضاق بها ذرعًا، أليس لهؤلاء قلوب يعقلون بها وأعين ينظرون بها وآذان يسمعون بها، فيكفون عن التعلق بالشيوعية الحمراء ويكفون عن تقديس زعمائها الذين لا يساوون قيمة نعالهم؟!.
إن الأمر واضح وجلي لولا أن مؤامرة جديدة أيضًا تهدد العالم في ثوب جديد وبأسلوب جديد، قد يشعر به بعض الناس وقد لا يشعرون، وما أكثر النكبات التي يدبرها شياطين الإنس والجن للمغلوبين على أمرهم، تحت مختلف الشعارات البراقة الخادعة من دعاة الماسونية اليهودية العالمية الحاقدة، وما يمتلكونه من حضارات وقيم، ومرور الأيام والليالي كفيل بإيضاح كل ما يبيتون والله لهم بالمرصاد، وهو من ورائهم محيط.
قيام الشيوعية الأولى بقيادة "مزدك "
الشيوعية فكرة قديمة ظهرت في التاريخ أكثر من مرة، فقد جاء في كتاب (الجمهورية) للفيلسوف اليوناني "أفلاطون"، الذي عاش في الفترة ما بين ٤٢٧ - ٣٤٧ قبل الميلاد، ما يدل على نشأة هذا المذهب، حيث أقام في كتابه نظامًا يقوم بالنسبة للحكام على شيوعية المال والنساء، وشرع لهذا منهجًا مفصلًا، وهناك أمثلة خيالية ولمحات عن الاشتراكية أثبتها "أفلاطون" في كتابه، تصور حقيقة أن
стр. 143
القرن الخامس قبل الميلاد -وهو الذي وجد فيه "أفلاطون"- كان فيه مبادئ اشتراكية لم تزل في مهدها. يقول "أفلاطون" في كتابه الآنف الذكر ما خلاصته: "يجب أن يشتمل النظام على اشتراكية النساء والأولاد، فليس لأحد حق بإنشاء أسرة مستقلة كما ليس له الحق بتربية الأولاد؛ لأن الجميع ملك الدولة وهي وحدها تشرف على تنشئة العضو الصالح، كما تشرف على إنجاب النسل المختار".
وقد قسم أفلاطون في كتابه المجتمع إلى ثلاثة أقسام؛ القسم الأول: هم الحكام. القسم الثاني: هم رجال الحرب. القسم الثالث: هم الخدم والعمال. وقال: "إنه يجب أن تكون الزوجات والأموال والمآكل مشاعة بين أفراد الفئة الأولى والثانية، أما الثالثة فإنها تعيش على النظام الأسري المعهود". ونجد أيضًا من قال بالشيوعية من فلاسفة الإغريق "أجزينوف" وقال بها أيضًا "مزدك" الذي عاش سنة ٤٨٧ ميلادية، حيث دعا إلى الشيوعية واشتراك الناس في الأموال والأعراض، وتسمى حركة "مزدك" بالمزدكية، قد ظهرت في بلاد فارس وتأثر بها كثير من أرباب النزعات الإباحية كأصحاب الفلسفة الباطنية، ومنهم مؤسس القرامطة حمدان قرمط وقومه، ومنهم علي بن الفضل الذي صور مذهبهم بقوله أبياتًا من الشعر:
خذي الدف يا هذه واضربي
وغني هذاريك ثم اطربي
تولى نبي بني هاشم
وهذا نبي بني يعربي
لكل نبي مضى شرعة
وهذه شريعة هذا النبي
فقد حط عنا فروض الصلاة
وفرض الصيام فلم نتعب
أباح البنات مع الأمهات
كذاك أباح نكاح الصبي
стр. 144
إذا الناس صلوا فلا تنهضي
وإن صوموا فكلي واشربي
ولا تطلبي الحج عند الصفا
ولا زورة القبر في يثرب
ولا تمنعي نفسك المعرسين
من الأقربين أو الأجنبي
لماذا حللت لهذا الغريب
وصرت محرمة للأب
أليس الغراس لمن ربه
وغذاه في الزمن المجدب
وما الخمر إلا كماء السماء
أبيحت فقدست من مذهب
وبئس ما قال هذا الشاعر. ثم توالت بعد ذلك الدعوات إلى الشيوعية على يد عدد من الأشخاص منهم "توماس مور" حيث وضع نظامًا لمدينته الفاضلة الخيالية ضمن شيوعية مالية، ثم جاء بعده "كامب نيلا" الإيطالي في كتابه (مدينة الشمس)، وضمن هذا الكتاب نظامًا اشتراكيًّا لمدينته أغفل فيه الحديث عن الملكية الفردية، كما أغفل فيه الحديث عن الزواج.
هذه نبذة عن تاريخ الشيوعية عمومًا، وبعد هذه الدعوات ظهرت الشيوعية الماركسية الحديثة على يد "كارل ماركس" وزميله "فردريك إنجلز".
رد زعم الملاحدة أن البشرية قامت على الشيوعية الأولى
قد زعم الملاحدة أن المجتمع قام على الشيوعية في بدايته، وهذا ما نؤكد عليه أن هذا الزعم إن هو إلا افتراض وظنون، لا يملكون على صحتها أي دليل صحيح، بل كل الدلائل تكذبهم، فقد تصوروا في أخيلتهم أن البشر البدائيين أقاموا فيما بينهم شراكة في كل شيء، قبل أن يتطوروا ويعرفوا الملكية الفردية، رادين بهذا كل ما جاءت بذكره الشرائع وخصوصًا الإسلام، وما شهد به التاريخ وما تواتر نقله في كل الأجيان وما شهد به الواقع على مر السنين، من أن الله تعالى هو الذي رتب حياة الإنسان وطريقة تعامله، منذ أن أهبطه إلى الأرض وإلى أن يرث
стр. 145
الله الأرض ومن عليها، وأنه ما من أمة إلا خلا فيها نذير، وأن الإنسان هو الإنسان من بدايته إلى نهايته، لم يتغير لا في هيأته ولا في طبيعته ولا في حبه للملكية الفردية منذ وجوده على الأرض، أما ما تصوره الملاحدة من انعدام الملكية الفردية وذوبان الشخص في القبيلة؛ إنما كان يصدق على بعض عهود الجاهلية، ممن كان عندهم التعصب الشديد للقبيلة، لكن في غير الملكية الفردية، مع أن تصور عدم ميل كل شخص إلى الملكية الفردية تصور افتراضي بعيد الوقوع ومحال.
نعم، وجد بين أفراد القبيلة الواحدة تعاون قوي وتعاضد وشراكة في السراء والضراء، وتلاحم بين كل أفراد القبيلة إلى حد أن الفرد لا يتصور وجوده وكيانه وانتماءه وما يأخذه وما يتركه إلا من خلال قبيلته، يفعل كل ما تفعله قبيلته ويترك كل ما تتركه دون أن يكون له أي رأي في مخالفة عرف القبيلة، ولكن هذا الحال لا يصلح أن يكون دليلًا للملاحدة على شيوعية البشر، على الطريقة التي قررها "ماركس" وأتباعه، بل إن اعتقاد أن البشر كانوا بمنزلة البهائم في بدايتهم هو الظلم بعينه والكذب على البشرية بعينه، وهو رد صريح لكل ما يثبت في الأديان السماوية من تكريم الله للبشر، ورفعهم عن منزلة الحيوانات البهيمية التي تصورها الملاحدة في تفسيرهم لنشأة البشر، وقيام أمورهم على الناحية الاقتصادية والقبلية فقط كما زعموا.
ثم على فرض مستحيل أن بعض المكتشفين وجدوا قبائل تعيش على الفوضى في كل شيء -بما فيها الجنس- ألا يصح أن يوصف هؤلاء بأنهم شواذ لا قيمة لهم فاسدو الفطرة، وأن وصف البشرية كلها بتلك الوصمة الشنيعة لأجل ما وجدوه هؤلاء عند تلك القبائل الهمجية؛ يعتبر تطاولًا على تاريخ البشر، هذا إن صح أنهم وجدوا بشرًا بتلك الحال مع أن كذبهم وافتراءهم وارد، ذلك أنه ما من إنسان
следующие страницы →